الآية ٥٥ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٥٥ من سورة النور

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم .

بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ، أي : أئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد ، وليبدلن بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم ، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك .

وله الحمد والمنة ، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين ، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها .

وأخذ الجزية من مجوس هجر ، ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية - وهو المقوقس - وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة ، الذي تملك بعد أصحمة ، رحمه الله وأكرمه .

ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة ، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ، فلم شعث ما وهى عند موته ، عليه الصلاة والسلام وأطد جزيرة العرب ومهدها ، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، ففتحوا طرفا منها ، وقتلوا خلقا من أهلها .

وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة ، رضي الله عنه ، ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام ، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، إلى بلاد مصر ، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها ، وتوفاه الله عز وجل ، واختار له ما عنده من الكرامة .

ومن على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن استخلف عمر الفاروق ، فقام في الأمر بعده قياما تاما ، لم يدر الفلك بعد الأنبياء [ عليهم السلام ] على مثله ، في قوة سيرته وكمال عدله .

وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها ، وديار مصر إلى آخرها ، وأكثر إقليم فارس ، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان ، وتقهقر إلى أقصى مملكته ، وقصر قيصر ، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة ، وأنفق أموالهما في سبيل الله ، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله ، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة .

ثم لما كانت الدولة العثمانية ، امتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ، ففتحتبلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك : الأندلس ، وقبرص ، وبلاد القيروان ، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين ، وقتل كسرى ، وباد ملكه بالكلية .

وفتحت مدائن العراق ، وخراسان ، والأهواز ، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا ، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان ، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه .

وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن; ولهذا ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، فنسأل الله الإيمان به ، وبرسوله ، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا .

قال الإمام مسلم بن الحجاج : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " .

ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عني فسألت أبي : ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال : " كلهم من قريش " .

ورواه البخاري من حديث شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، به وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك ، وذكر معه أحاديث أخر وهذا الحديث فيه دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادلا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء ، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش ، يلون فيعدلون .

وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة ، ثم لا يشترط أن يكون متتابعين ، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا ، وقد وجد منهم أربعة على الولاء ، وهم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، رضي الله عنهم .

ثم كانت بعدهم فترة ، ثم وجد منهم ما شاء الله ، ثم قد يوجد منهم من بقي في وقت يعلمه الله .

ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنيته كنيته ، يملأ الأرض عدلا وقسطا ، كما ملئت جورا وظلما .

وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من حديث سعيد بن جمهان ، عن سفينة - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم يكون ملكا عضوضا " .

وقال الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) الآية ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين ، يدعون إلى الله وحده ، وعبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون ، لا يؤمرون بالقتال ، حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة ، فقدموا المدينة ، فأمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ، فغبروا بذلك ما شاء الله .

ثم إن رجلا من أصحابه قال : يا رسول الله ، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟

أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا [ فيه ] السلاح؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة " .

وأنزل الله هذه الآية ، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب ، فأمنوا ووضعوا السلاح .

ثم إن الله ، عز وجل ، قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا ، فأدخل [ الله ] عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا ، فغير بهم .

وقال بعض السلف : خلافة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، حق في كتابه ، ثم تلا هذه الآية .

وقال البراء بن عازب : نزلت هذه الآية ، ونحن في خوف شديد .

وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ) [ الأنفال : 26 ] .

وقوله : ( كما استخلف الذين من قبلهم ) كما قال تعالى عن موسى ، عليه السلام ، أنه قال لقومه : ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) [ الأعراف : 129 ] ، وقال تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) [ القصص : 5 ، 6 ] .

وقوله : ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ، حين وفد عليه : " أتعرف الحيرة ؟

" قال : لم أعرفها ، ولكن قد سمعت بها .

قال : " فوالذي نفسي بيده ، ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز " .

قلت : كسرى بن هرمز ؟

قال : " نعم ، كسرى بن هرمز ، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد " .

قال عدي بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد ، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، والذي نفسي بيده ، لتكونن الثالثة; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان ، عن أبي سلمة ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والدين والنصر والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة نصيب " .

وقوله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة عن أنس ، أن معاذ بن جبل حدثه قال : بينا أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل ، قال : " يا معاذ " ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك .

قال : ثم سار ساعة ، ثم قال : " يا معاذ بن جبل " ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك .

[ ثم سار ساعة ، ثم قال : " يا معاذ بن جبل " ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك " ] .

قال : " هل تدري ما حق الله على العباد " ؟

قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : " [ فإن ] حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " .

قال : ثم سار ساعة .

ثم قال : " يا معاذ بن جبل " ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك .

قال : " فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك " ؟

، قال : قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : " فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم " .

أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة .

وقوله : ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) أي : فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك ، فقد فسق عن أمر ربه وكفى بذلك ذنبا عظيما .

فالصحابة ، رضي الله عنهم ، لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأوامر الله عز وجل ، وأطوعهم لله - كان نصرهم بحسبهم ، وأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب ، وأيدهم تأييدا عظيما ، وتحكموا في سائر العباد والبلاد .

ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر ، نقص ظهورهم بحسبهم ، ولكن قد ثبت في الصحيحين ، من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة " وفي رواية : " حتى يأتي أمر الله ، وهم كذلك " .

وفي رواية : " حتى يقاتلوا الدجال " .

وفي رواية : " حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون " .

وكل هذه الروايات صحيحة ، ولا تعارض بينها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ منكم ) أيها الناس، ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ ) يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول: كما فعل منْ قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم، وجعلهم ملوكها وسكانها( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ) يقول: وليوطئنّ لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم، فأمرهم بها.

وقيل: وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله: ( ليستخلفنهم ) لأن الوعد قول يصلح فيه " أن "، وجواب اليمين كقوله: وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: ( كَمَا اسْتَخْلَفَ ) فقرأته عامة القرّاء ( كَمَا اسْتَخْلَفَ ) بفتح التاء واللام، بمعنى: كما استخلف الله الذين من قبلهم من الأمم.

وقرأ ذلك عاصم " كَما اسْتُخْلِفَ" بضم التاء وكسر اللام، على مذهب ما لم يسمّ فاعله.

واختلفوا أيضا في قراءة قوله: ( وليبدلنهم ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم ( وليبدلنهم ) بتشديد الدال، بمعنى: وليغيرنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول: قد بدّل فلان إذا غيرت حاله، ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله، فهو عندهم مبدل بالتشديد.

وربما قيل بالتخفيف، وليس بالفصيح، فأما إذا جعل مكان الشيء المبدل غيره، فذلك بالتخفيف أبدلته فهو مبدل.

وذلك كقولهم: أبدل هذا الثوب: أي جُعل مكانه آخر غيره، وقد يقال بالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت.

وكان عاصم يقرؤه " وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ" بتخفيف الدال.

والصواب من القراءة في ذلك التشديد، على المعنى الذي وصفت قبلُ، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الأمن، وأرى عاصما ذهب إلى أن الأمن لما كان خلاف الخوف وجَّه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف، وجاء بحال الأمن، فخفف ذلك.

ومن الدليل على ما قلنا، من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شيء مكان آخر، قول أبي النجم: عَزْلُ الأمير للأمِيرِ المبْدَل (3) وقوله: ( يعبدونني ) يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي ( لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري، وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هم فيه من الرعب والخوف، وما يلقون بسبب ذلك من الأذى والمكروه.

* ذكر الرواية بذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ...

الآية، قال: فمكث النبيّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال: ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة.

قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع عنا السلاح ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لا تَغْبُرُونَ إلا يَسيرًا حتى يجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الملإ العَظيمِ مُحْتَبِيًا فِيه، لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ".

(4) فأنـزل الله هذه الآية ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) ...

إلى قوله: ( فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ) " قال: يقول: من كفر بهذه النعمة ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) وليس يعني الكفر بالله.

قال: فأظهره الله على جزيرة العرب فآمنوا، ثم تجبروا، فغيرَ الله ما بهم، وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم، قال القاسم: قال أبو علي: بقتلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه.

واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: ( فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ) فقال أبو العالية (5) ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله.

ورُوي عن حُذيفة في ذلك ما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال: كنت جالسا مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو الكفر بعد الإيمان ، قال: فضحك عبد الله، فقال: لم تقول ذلك؟

قال: علمت ذلك، قال: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ ) ...

حتى بلغ آخرها.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن أبي الشعثاء، قال: قعدت إلى ابن مسعود وحُذيفة، فقال حذيفة: ذهب النفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الإيمان ، فقال عبد الله: تعلم ما تقول؟

قال: فتلا هذه الآية إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ ...

حتى بلغ: ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) قال: فضحك عبد الله، قال: فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت: من أي شيء ضحك عبد الله؟

قال: لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشيء الذي يعجبه، وربما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أي شيء ضحك؟

لا أدري.

والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية، أنه منعم به عليهم، ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) قال: تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) قال: لا يخافون غيري.

------------------------ الهوامش: (3) البيت من مشطور الرجز ، لأبي النجم العجلي الراجز ( اللسان : بدل ) قال : قال أبو العباس ( يعني ثعلبًا ) وحقيقته : أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى ، والجوهرة بعينها ؛ والإبدال : تنحية الجوهرة ، واستئناف جوهرة أخرى .

منه قول أبي النجم : * عـزل الأمـير للأمـير المبـدل * ألا ترى أنه نحى جسمًا ، وجعل مكانه جسمًا غيره ؟

.

(4) في فتح القدير للشوكاني ( 4 : 47 ) ليست فيهم جديدة .

ولعلها رواية أخرى (5) لعله أبو العالية ، راوي الحديث .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقوننزلت في أبي بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - ؛ قاله مالك .

وقيل : إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - شكا جهد مكافحة العدو ، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم ، وأنهم لا يضعون أسلحتهم ؛ فنزلت الآية .

وقال أبو العالية : مكث رسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفا هو وأصحابه ، يدعون إلى الله سرا وجهرا ، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح .

فقال رجل : يا رسول الله ، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟

فقال : عليه السلام - : لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة .

ونزلت هذه الآية ، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا .

قال النحاس : فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد .

قال الضحاك في كتاب النقاش : هذه تتضمن خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ؛ لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات .

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الخلافة بعدي ثلاثون .

وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه ، [ ص: 276 ] واختاره وقال : قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - ، وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم ، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم ، لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا ، فاستقر الأمر لهم ، وقاموا بسياسة المسلمين ، وذبوا عن حوزة الدين ؛ فنفذ الوعد فيهم ، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز ، وفيهم نفذ ، وعليهم ورد ، ففيمن يكون إذا ، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا ، ولا يكون فيما بعده .

- رضي الله عنهم - .

وحكى هذا القول القشيري ، عن ابن عباس .

واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا .

قال سفينة : أمسك عليك : خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشرا ، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي ستا .

وقال قوم : هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام ؛ كما قال : عليه الصلاة والسلام - : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها .

واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور ، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها ؛ كالذي جرى في الشام ، والعراق ، وخراسان ، والمغرب .

قال ابن العربي : قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة ، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله ؛ حتى في المفتين والقضاة والأئمة ، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء .

ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه : فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده ، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة ، وعلي قد نوزع في الخلافة .

قلنا : ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان ، وأما علي فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن ، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره ، لا كما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة .

ثم قال في آخر كلامه : وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين ، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين ؛ فهذا نهاية الأمن والعز .

قلت : هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - حتى يخصوا بها من عموم [ ص: 277 ] الآية ، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم .

ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق ، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا .

ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا ، وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهو المراد بقوله : ليستخلفنهم في الأرض .

وقوله : كما استخلف الذين من قبلهم يعني بني إسرائيل ، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها .

وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين ، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم ، فصح أن الآية عامة لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم .

وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قال أصحابه : أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟

فقال : عليه السلام - : لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة .

وقال : صلى الله عليه وسلم - : والله ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .

خرجه مسلم في صحيحه ؛ فكان كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - .

فالآية معجزة النبوة ؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان .قوله تعالى : ليستخلفنهم في الأرض فيه قولان : أحدهما : يعني أرض مكة ؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل ؛ قال معناه النقاش .

الثاني : بلاد العرب والعجم .

قال ابن العربي : وهو الصحيح ؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لكن البائس سعد بن خولة .

يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة .

وقال في الصحيح أيضا : يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا .

واللام [ ص: 278 ] في ليستخلفنهم جواب قسم مضمر ؛ لأن الوعد قول ، مجازها : قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها .

كما استخلف الذين من قبلهم يعني بني إسرائيل ، أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم .

وقراءة العامة كما استخلف بفتح التاء واللام ؛ لقوله : ( وعد ) .

وقوله : ( ليستخلفنهم ) .

وقرأ عيسى بن عمر ، وأبو بكر ، والمفضل ، عن عاصم ( استخلف ) بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول .

وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام ؛ كما قال تعالى : ورضيت لكم الإسلام دينا وقد تقدم .

وروى سليم بن عامر ، عن المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز ، أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها ، وأما بذلهم فيدينون بها .

ذكره الماوردي حجة لمن قال : إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم ؛ وهو القول الثاني : على ما تقدم آنفا .

( وليبدلنهم ) قرأ ابن محيصن ، وابن كثير ، ويعقوب ، وأبو بكر بالتخفيف ؛ من أبدل ، وهي قراءة الحسن ، واختيار أبي حاتم .

الباقون بالتشديد ؛ من بدل ، وهي اختيار أبي عبيد ؛ لأنها أكثر ما في القرآن ، قال الله تعالى : لا تبديل لكلمات الله .

وقال : وإذا بدلنا آية ونحوه ، وهما لغتان .

قال النحاس : وحكى محمد بن الجهم ، عن الفراء قال : قرأ عاصم ، والأعمش وليبدلنهم مشددة ، وهذا غلط على عاصم ؛ وقد ذكر بعده غلطا أشد منه ، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف .

قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا ، وأنه يقال : بدلته أي غيرته ، وأبدلته أزلته وجعلت غيره .

قال النحاس : وهذا القول صحيح ؛ كما تقول : أبدل لي هذا الدرهم ، أي أزله وأعطني غيره .

وتقول : قد بدلت بعدنا ، أي غيرت ؛ غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر ؛ والذي ذكره أكثر .

وقد مضى هذا في ( النساء ) والحمد لله ، وذكرنا في سورة ( إبراهيم ) الدليل من السنة على أن بدل معناه [ ص: 279 ] إزالة العين ؛ فتأمله هناك .

وقرئ ( عسى ربنا أن يبدلنا ) مخففا ومثقلا .

( يعبدونني ) هو في موضع الحال ؛ أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص .

ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم .

لا يشركون بي شيئا فيه أربعة أقوال : لا يعبدون إلها غيري ؛ حكاه النقاش .

لا يراءون بعبادتي أحدا .

لا يخافون غيري ؛ قاله ابن عباس .

لا يحبون غيري ؛ قاله مجاهد .

ومن كفر بعد ذلك أي بهذه النعم .

والمراد كفران النعمة لأنه قال تعالى فأولئك هم الفاسقون والكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل.

فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح.

{ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ْ} التمكين والسلطنة التامة لكم، يا معشر المسلمين، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ْ} الذين خرجوا عن طاعة الله، وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الأسباب المانعة منه، يدل على فساد نيته، وخبث طويته، لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك.

ودلت هذه الآية، أن الله قد مكن من قبلنا، واستخلفهم في الأرض، كما قال موسى لقومه: { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ْ} وقال تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) قال أبو العالية في هذه الآية : مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه ، وأمروا بالصبر على أذى الكفار ، وكانوا يصبحون ويمسون خائفين ، ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة ، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه ، فقال رجل منهم : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟

فأنزل الله هذه الآية وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ) أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة ، يعني : والله ليستخلفنهم ، أي : ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم ، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها ، ( كما استخلف الذين من قبلهم ) قرأ أبو بكر عن عاصم : " كما استخلف " بضم التاء وكسر اللام على ما لم يسم فاعله ، وقرأ الآخرون بفتح التاء واللام لقوله تعالى : " وعد الله " .

قال قتادة : ) ( كما استخلف ) داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء .

وقيل : " كما استخلف الذين من قبلهم " أي : بني إسرائيل حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم ، ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) أي : اختار ، قال ابن عباس : يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان ، ) ( وليبدلنهم ) قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف من الإبدال ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبديل ، وهما لغتان ، وقال بعضهم : التبديل تغيير حال إلى حال ، والإبدال رفع الشيء وجعل غيره مكانه ، ( من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ) آمنين ، ( لا يشركون بي شيئا ) فأنجز الله وعده ، وأظهر دينه ، ونصر أولياءه ، وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن الحكم ، أخبرنا النضر ، أخبرنا إسرائيل ، أخبرنا سعيد الطاهري ، أخبرنا محمد بن خليفة ، عن عدي بن حاتم قال : بينا أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة ، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل ، فقال : " يا عدي هل رأيت الحيرة ؟

قلت : لم أرها وقد أنبئت عنها " ، قال : " فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله " ، قلت فيما بيني وبين نفسي : فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد ؟

، " ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى " قلت : كسرى بن هرمز ؟

قال : " كسرى بن هرمز ، لئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب وفضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه ، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم فليقولن له : ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك ؟

فيقول : بلى ، فيقول : ألم أعطك مالا وأفضل عليك ؟

فيقول : بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم ، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم " ، قال عدي : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " ، قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ، وكنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - يخرج ملء كفه وفي الآية دلالة على خلافة الصديق وإمامة الخلفاء الراشدين .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرني حماد هو ابن مسلمة بن دينار ، عن سعيد بن جمهان ، عن سفينة قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ، ملكا " .

ثم قال : أمسك خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشرا ، وعثمان اثنتا عشر ، وعلي ستة .

قال علي : قلت لحماد : سفينة ، القائل ، لسعيد أمسك ؟

قال : نعم .

قوله - عز وجل - : ( ومن كفر بعد ذلك ) أراد به كفران النعمة ، ولم يرد الكفر بالله ، ( فأولئك هم الفاسقون ) العاصون لله .

قال أهل التفسير : أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه ، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا .

أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر ، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة المعروف بالطرابلسي ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال قال : قال عبد الله بن سلام في عثمان : إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى اليوم ، فوالله لئن قتلتموه ليذهبون ثم لا يعودون أبدا ، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له ، وإن سيف الله لم يزل مغمودا عنكم ، والله لئن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده عنكم ، إما قال : أبدا ، وإما قال : إلى يوم القيامة ، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا ، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض» بدلا عن الكفار «كما استخلف» بالبناء للفاعل والمفعول «الذين من قبلهم» من بنى إسرائيل بدلا عن الجبارة «وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم» وهو الإسلام بأن يظهر على جميع الأديان ويوسع لهم في البلاد فيملكوها «وَلَيُبْدلَنَّهُمْ» بالتخفيف والتشديد «من بعد خوفهم» من الكفار «أمنا» وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر وأثنى عليهم بقوله: «يعبدونني لا يشركون بي شيئا» هو مستأنف في حكم التعليل «ومن كفر بعد ذلك» الإنعام منهم به «فأولئك هم الفاسقون» وأول من كفر به قتلة عثمان رضي الله عنه فصاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعد الله بالنصر الذين آمنوا منكم وعملوا الأعمال الصالحة، بأن يورثهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء فيها، مثلما فعل مع أسلافهم من المؤمنين بالله ورسله، وأن يجعل دينهم الذي ارتضاه لهم- وهو الإسلام- دينًا عزيزًا مكينًا، وأن يبدل حالهم من الخوف إلى الأمن، إذا عبدوا الله وحده، واستقاموا على طاعته، ولم يشركوا معه شيئًا، ومن كفر بعد ذلك الاستخلاف والأمن والتمكين والسلطنة التامة، وجحد نِعَم الله، فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تركت السورة الكريمة الحديث عن المنافقين ، لتسوق وعد الله الذى لا يتخلف للمؤمنين الصادقين ، قال - تعالى - : ( وَعَدَ الله .

.

.

) .قال الإمام ابن كثير : " هذا وعد من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أى : أئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد ، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك .

.

.

فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين ، وسائر جزيرة العرب ، ولهذا ثبت فى الصحيح عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها .

.

" .وفى تصدير الآية الكريمة بقوله - تعالى - : ( وَعَدَ الله .

.

) بشارة عظيمة للمؤمنين ، بتحقيق وعده - تعالى - ، إذ وعد الله لا يتخلف .

كما قال - تعالى - : ( وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، ومن بيانية ، والآية الكريمة مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو قوله - تعالى - ( وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ .

.

.

) أى : وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه ، الذين صدقوا فى إيمانهم من عباده ، والذين جمعوا مع الإيمان الصادق ، العمل الصالح ، وعدهم ليستخلفهم فى الأرض ، أى : ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة ، بدلا من أعدائهم الكفار .قال الآلوسى : واللام فى قوله " ليستخلفنهم " واقعة فى جواب القسم المحذوف .

ومفعول وعد الثانى محذوف دل عليه الجواب .

أى : وعد الله الذين آمنوا استخلافهم ، وأقسم ليستخلفنهم .

.

.

و " ما " فى قوله " كما استخلف " مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف .

وقع صفة لمصدر محذوف ، أى : ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه " الذين من قبلهم " من الأمم المؤمنة ، الذين أسكنهم الله - تعالى - فى الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين .هذا هو الوعد الأول للمؤمنين : أن يجعلهم - سبحانه - خلفاءه فى الأرض .

كما جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه ، وأورثهم أرض الكفار وديارهم .وأما الوعد الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ ) .والتمكين : التثبيت والتوطيد والتمليك .

يقال : تمكن فلان من الشىء ، إذا حازه وقدر عليه .أى : وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه فى أرضه ، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذى ارتضاه لهم .

ثابتا فى القلوب ، راسخا فى النفوس .

باسطا سلطانه على أعدائه ، له الكلمة العليا فى هذه الحياة ، ولمخالفيه الكلمة السفلى .وأما الوعد الثالث فهو قوله - سبحانه - : " وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا " .أى : وعدهم الله - تعالى - بالاستخلاف فى الأرض ، وبتمكين دينهم .

وبأن يجعل لهم بدلا من الخوف الذى كانوا يعيشون فيه ، أمنا واطمئنانا ، وراحة فى البال ، وهدوءا فى الحال .قال الربيع بن أنس عن أبى العالية فى هذه الآية : " كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين .

يدعون إلى الله وحده .

.

.

وهم خائفون ، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون فى السلاح ويصبحون فى السلاح .

فصبروا على ذلك ما شاء الله .

ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله : " أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟

أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟

فقال صلى الله عليه وسلم لن تَغْبَرُوا - أى : لن تمكثوا - إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم فى الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة " " .وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح .

.

.ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه - سبحانه - لعباده؟لقد بين الله - تعالى - الطريق إلى تحققه فقال ( يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة ، أى : جوابا لسؤال تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد الخوف للمؤمنين؟

فكان الجواب : يعبدوننى عبادة خالصة تامة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها ، دون أن يشركوا معى فى هذه العبادة أحدا كائنا من كان .كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا ، فيكون المعنى : وعد الله - تعالى - عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، بالاستخلاف فى الأرض ، وبتمكين دينهم فيها .

وبتبديل خوفهم أمنا ، فى حال عبادتهم له - سبحانه - عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص .وروى الإمام أحمد عن أبى بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والدين والنصر والتمكين فى الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له فى الآخرة نصيب " .

ذلك هو وعد الله - تعالى - لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، وأدوا ما أمرهم به ، واجتنبوا ما نهاهم عنه ، أما الذين انحرفوا عن طريق الحق .

وجحدوا نعمه - سبحانه - عليهم ، فقد بين عاقبتهم فقال : ( وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون ) .أى : ومن كفر بعد كل هذه النعم التى وعدت بها عبادى الصالحين ، واستعمل هذه النعم فى غير ما خلقت له ، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى ، الخارجون عن وعدى ، الناكبون عن صراطى .وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها ، فقد رغبت المؤمنين فى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسمى ألوان الترغيب ، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان .

ثم رهبت من الكفر والجحود ، وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمناً بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئاً ولا يخافون ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ أي من بعد هذا الوعد وارتد ﴿ فأولئك هُمُ الفاسقون ﴾ .

واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر إلى معاقدها: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ مِنْكُمْ ﴾ يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف بالجنس، ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لابد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم.

المسألة الثانية: الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الاستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخباراً على التفصيل وقد وقع المخبر مطابقاً للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات لأنه قال: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾ وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات.

المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال: ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ ، وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني وقالوا أيضاً الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل، لأن من فعل فعلاً لغرض فلابد وأن يكون مريداً لذلك الغرض.

المسألة الخامسة: دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله: ﴿ لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾ وذلك يدل على نفي الإله الثاني، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى سواء كان كوكباً كما تقوله الصابئة أو صنماً كما تقوله عبدة الأوثان.

المسألة السادسة: دلت الآية على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن الغيب في قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾ وقد وجد هذا المخبر موافقاً للخبر ومثل هذا الخبر معجز، والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.

المسألة السابعة: دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافاً للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان والمعطوف خارج عن المعطوف عليه.

المسألة الثامنة: دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهو المراد بقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن يمكن لهم دينهم المرضي وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن ولم يحصل ذلك في أيام علي رضي الله عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء، فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحاً ولم يكن الأمر كذلك.

نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة الله تعالى ومما يدل عليه قوله: ﴿ كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضاً كذلك.

نزلنا عنه، لكن هاهنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله لأن من مذهبكم أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً وروي عن علي عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم رسول الله.

نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه علياً عليه السلام والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ وقال في حق علي عليه السلام: ﴿ والذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ  ﴾ نزلنا عنه، ولكن نحمله على الأئمة الإثني عشر والجواب عن الأول أن كلمة من للتبعيض فقوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم وعن الثاني: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق فالذكور هاهنا في معرض البشارة لابد وأن يكون مغايراً له.

وأما قوله تعالى: ﴿ كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الإمامة والخلافة حاصلة في الصورتين وعن الثالث: أنه وإن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول الله، فالذي قيل إنه عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمر وعن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو خلاف الأصل وعن الخامس: أنه باطل لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿ مّنكُمْ ﴾ يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ في العالم ولم يوجد ذلك فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة الأربعة وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بطلان قول الخوراج الطاعنين على عثمان وعلي، ولنرجع إلى التفسير.

أما قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام والنون في ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ ، قلنا: هو محذوف تقديره: وعدهم الله (وأقسم) ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قال اقسم الله ليستخلفنهم.

أما قوله: ﴿ كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني ﴿ كَمَا استخلف ﴾ هارون ويوشع وداود وسليمان وتقدير النظم ليستخلفنهم استخلافاً كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقرئ كما استخلف بضم التاء وكسر اللام، وقرئ بالفتح.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ ﴾ فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب ﴿ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ ﴾ ومن الإبدال بالتخفيف والباقون بالتشديد، وقد ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى: ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ .

أما قوله: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾ ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك.

وقال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم.

أما قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك ﴾ أي جحد حق هذه النعم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ أي العاصون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن معه.

ومنكم: للبيان، كالتي في آخر سورة الفتح: وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورّثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل، حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكينه: تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تغبرون إلاّ يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة» ، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، ثم خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعم وفسقوا، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يملك الله من يشاء فتصير ملكاً، ثم تصير بزيزي قطع سبيل، وسفك دماء، وأخذ أموال بغير حقها» وقرئ: ﴿ كما استخلف ﴾ على البناء للمفعول ﴿ وليبدلنهم ﴾ بالتشديد.

فإن قلت: أين القسم الملتقى باللام والنون في ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ ؟

قلت: هو محذوف تقديره: وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم، أو نزّل وعد الله في تحققه منزلة القسم، فتلقى بما يتلقى به القسم، كأنه قيل: أقسم الله ليستخلفنهم.

فإن قلت: ما محل ﴿ يَعْبُدُونَنِى ﴾ ؟

قلت: إن جعلته استئنافاً لم يكن له محل، كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: يعبدونني.

وإن جعلته حالاً عن وعدهم، أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم، فمحله النصب ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ يريد كفران النعمة؛ كقوله: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله ﴾ [النحل: 112] .

﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ أي: هم الكاملون في فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة العظيمة وجسروا على غمطها.

فإن قلت: هل في هذه الآية دليل على أمر الخلفاء الراشدين؟

قلت: أوضح دليل وأبينه؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ  ولِلْأُمَّةِ أوَّلُهُ ولِمَن مَعَهُ ومِن لِلْبَيانِ ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ لَيَجْعَلَنَّهم خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ في الأرْضِ تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِيكِهِمْ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ وعَدَهُمُ اللَّهُ وأقْسَمَ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم، أوِ الوَعْدُ في تَحَقُّقِهِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ القَسَمِ.

﴿ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَخْلَفَهم في مِصْرَ والشّامِ بَعْدَ الجَبابِرَةِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وإذا ابْتَدَأ ضَمَّ الألِفَ والباقُونَ بِفَتْحِهِما وإذا ابْتَدَءُوا كَسَرُوا الألِفَ.

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ﴾ وهو الإسْلامُ بِالتَّقْوِيَةِ والتَّثْبِيتِ.

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ ﴾ مِنَ الأعْداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ أمْنًا ﴾ مِنهم وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ مَكَثُوا بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ خائِفِينَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ يُصْبِحُونَ في السِّلاحِ ويُمْسُونَ فِيهِ حَتّى أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ فَأظْهَرَهم عَلى العَرَبِ كُلِّهِمْ وفَتَحَ لَهم بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِلْإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ وخِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ إذْ لَمْ يَجْتَمِعِ المَوْعُودُ والمَوْعُودُ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمْ بِالإجْماعِ.

وقِيلَ الخَوْفُ مِنَ العَذابِ والأمْنُ مِنهُ في الآخِرَةِ.

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ حالٌ مِنَ الَّذِينَ لِتَقْيِيدِ الوَعْدِ بِالثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ المُقْتَضِي لِلِاسْتِخْلافِ والأمْنِ.

﴿ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ يَعْبُدُونَنِي غَيْرَ مُشْرِكِينَ.

﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ ومَنِ ارْتَدَّ أوْ كَفَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ كَبَعْدَ الوَعْدِ أوْ حُصُولِ الخِلافَةِ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ ارْتَدُّوا بَعْدَ وُضُوحِ مِثْلِ هَذِهِ الآياتِ، أوْ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} الخطاب للنبى عليه الصلاة والسلام ولمن معه منكم للبيان وقيل المراد به المهاجرون ومن للتبعيض {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض} أي أرض الكفار وقيل أرض الكفار وقيل أرض المدينة والصحيح أنه عام لقوله عليه الصلاة والسلام ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل {كما استخلف} استخلف أبوبكر {الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ

دِينَهُمُ الذى ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ} وليبدلنهم بالتخفيف مكي وأبو بكر {مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} وعدهم الله أن ينصر الاسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة وأن يميز الدين المرتضى وهو دين الاسلام وتمكينه تثبيته وتعضيده وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر ينين خائفين ولما ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا والقسم المتلقى باللام والنون في ليستخلفنهم محذوف تقديره وعدهم الله وأقسم

النور (٥٨ - ٥٥)

ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه أقسم الله ليستخلفنهم {يَعْبُدُونَنِى} إن جعلته استئنافاً فلا محل له كأنه قيل ما لهم يستخلفون ويؤمنون فقال يعبدونني موحدين ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى وإن جعلته حالا عن وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم فمحله النصب {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} حال من فاعل يعبدون أي يعبدونني موحدين ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك} أي بعد الوعد والمراد كفران النعمة كقوله تعالى فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون} هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها قالوا أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضى الله عنه فاقتتلوا

بعدما كانوا إخواناً وزال عنهم الخوف والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم أجمعين لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  ومِن آمَنِ مَعَهُ فَفي الآيَةِ تَنْوِيعُ الخِطابِ حَيْثُ خاطَبَ سُبْحانَهُ المُقَسِّمِينَ عَلى تَقْدِيرِ التَّوَلِّي ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عَنْهم إلى المُؤْمِنِينَ الثّابِتِينَ وهو كالِاعْتِراضِ بِناءً عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن كَوْنِ ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أطِيعُوا اللَّهَ ﴾ وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا أفادَ الكَلامَ السّابِقَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَأْمُرَهم بِالطّاعَةِ كِفاحًا ولا يَخافَ مَضَرَّتَهم أكَّدَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الغالِبُ ومِن مَعَهُ فَأنّى لِلْخَوْفِ مَجالٌ، وإنْ شِئْتَ فاجْعَلْهُ اسْتِئْنافًا جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ مِن نَفْيِ المَضَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ اعْتِراضًا فَإنَّ في العَطْفِ المَذْكُورِ ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ومِن بَيانِيَّةٍ، ووَسَطَ الجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ آمَنُوا ﴾ والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها الدّاخِلَةُ مَعَها في حَيِّزِ الصِّلَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مَعَ التَّأْخِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا  ﴾ قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في ثُبُوتِ الِاسْتِخْلافِ الإيمانِ، ولِهَذا كانَ الأصَحُّ عَدَمَ الِانْعِزالِ بِالفِسْقِ الطّارِئِ ودَلَّ عَلَيْهِ صِحاحُ الأحادِيثِ ومَدْخَلِيَّةِ الصَّلاحِ في ابْتِداءِ البَيْعَةِ وأمّا في المَغْفِرَةِ والأجْرِ العَظِيمِ فَكِلاهُما أصْلٌ فَكانَ المُناسِبُ التَّأْخِيرَ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لِتَعْجِيلِ مَسَرَّةِ المُخاطِبِينَ حَيْثُ إنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِذَلِكَ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُقَسَّمِينَ والكَلامُ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ بِبَيانِ ما لَهم في العاجِلِ مِنَ الِاسْتِخْلافِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وفي الآجِلِ ما لا يُقادِرُ قَدْرَهُ عَلى ما أُدْمِجَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ والجارُّ لِلتَّبْعِيضِ وأمْرُ التَّوْسِيطِ عَلى حالِهِ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِأنَّ ﴿ آمَنُوا ﴾ إنْ كانَ ماضِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن كانَ آمَنَ حالَ الخِطابِ وإنَّ جَعْلَ بِمَعْنى المُضارِعِ عَلى المَأْلُوفِ مِن أخْبارِ اللَّهِ تَعالى فَمَعَ نُبُوِّهِ عَنْ هَذا المَقامِ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ ولَمْ يُطابِقِ الواقِعَ أيْضًا لِأنَّ هَؤُلاءِ الأجِلّاءَ لَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِ مَن آمَنَ مِن أُولَئِكَ المُخاطِبِينَ ولا كانَ في المُقَسَّمِينَ مَن نالَ الخِلافَةَ انْتَهى، وفِيهِ شَيْءٌ.

ولَعَلَّهُ لا يَضُرُّ بِالغَرَضِ وارْتَضى أبُو السُّعُودِ تَعَلُّقَ الكَلامِ بِذَلِكَ وادَّعى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ إلَخْ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ مُعَرَّبٌ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ ومُبَيِّنٌ لِتَفاصِيلِ ما أجْمَلَ فِيهِ مِن فُنُونِ السِّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي مِن آثارِ الِاهْتِداءِ ومُتَضَمِّنٌ لِما هو المُرادُ بِالطّاعَةِ الَّتِي نِيطَ بِها الِاهْتِداءُ وأنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا كُلُّ مَنِ اتُّصِفَ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ عَلى الإطْلاقِ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ وفي أيِّ وقْتٍ كانَ لا مَن آمَنَ مِن طائِفَةِ المُنافِقِينَ فَقَطْ ولا مَن آمَنَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَحَسْبُ ضَرُورَةِ عُمُومِ الوَعْدِ الكَرِيمِ وأنَّ الخِطابَ لَيْسَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلَصِينَ أوْ مَن يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الأُمَّةِ ولا لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً بَلْ هو لِعامَّةِ الكَفَرَةِ وأنَّ مَن لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ في نُكْتَةِ التَّوْسِيطَ: إنَّهُ لِإظْهارِ أصالَةِ الإيمانِ وعَراقَتِهِ في اسْتِتْباعِ الآثارِ والأحْكامِ والإيذانِ بِكَوْنِهِ ما يَطْلُبُ مِنهم وأهَمُّ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وأمّا التَّأْخِيرُ في آيَةِ سُورَةِ الفَتْحِ فُلانٌ مِن هُناكَ بَيانِيَّةٌ والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن خَلَصَ المُؤْمِنِينَ ولا رَيْبَ في أنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ مُثابِرُونَ عَلَيْها فَلا بُدَّ مِن وُرُودِ بَيانِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ بِكَمالِها انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الخِطابِ لِعامَّةِ الكَفَرَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وحَمْلُ الفِعْلِ الماضِي عَلى ما يَعُمُّ الماضِي والمُسْتَقْبَلَ كَذَلِكَ وفِيما ذَكَرَهُ أيْضًا بُعْدٌ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ أبِيّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا قَدَمَ رَسُولُ اللَّهِ  المَدِينَةَ وآوَتْهُمُ الأنْصارُ رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ فَكانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ ولا يَصْبَحُونَ إلّا فِيهِ فَقالُوا تَرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطَمْئِنِّينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَتْ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ الآيَةُ» ولا يَتَأتّى مَعَهُ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ أمْرِ الخُلَفاءِ أصْلًا، ولَعَلَّهُ لا يَقُولُ بِهِ ويَسْتَغْنِي عَنْهُ بِما هو أوْضَحُ دَلالَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ عامَّةً في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  وأطْلَقا الأُمَّةُ وهي تُطْلِقُ عَلى أُمَّةِ الإجابَةِ وعَلى أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لَكِنَّ الأغْلَبَ في الِاسْتِعْمالِ الإطْلاقُ الأوَّلُ فَلا تَغْفُلْ، وإذا كانَتْ مِن بَيانِيَّةٍ فالمَعْنى وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ هم أنْتُمْ ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ أيْ لِيَجْعَلَهم خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِيكِهِمْ أوْ خُلَفاءَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَخافُونَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِأنْ يَنْصُرَهم عَلَيْهِمْ ويُورِثَهم أرْضَهُمْ، والمُرادُ بِالأرْضِ عَلى ما قِيلَ جَزِيرَةُ العَرَبِ، وقِيلَ مَأْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها فَفِي الصَّحِيحِ ««زُوِيَتْ لِي الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها»» واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ ومَفْعُولُ وعَدَ الثّانِي مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ أيْ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا اسْتِخْلافَهم وأقْسَمَ لِيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ وعْدُهُ تَعالى لِتَحَقُّقِ إنْجازِهِ لا مَحالَةَ مَنزِلَةَ القِسْمِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ ويَكُونُ ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ مَنزِلَ مَنزِلَةِ المَفْعُولِ فَلا حَذْفَ.

وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما اسْتَخْلَفَ ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لِيَسْتَخْلِفَهُمُ اسْتِخْلافًا كائِنًا كاسْتِخْلافِهِ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الشّامِ بَعْدَ إهْلاكِ الجَبابِرَةِ وكَذا في مِصْرَ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّها صارَتْ تَحْتَ تَصَرُّفِهِمْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وإنْ لَمْ يَعُودُوا إلَيْها وهم ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ الَّذِينَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِ أعْدائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ الظّالِمِينَ.

وقُرِئَ «كَما اسْتَخْلَفَ» بِالبِناءِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لِيَسْتَخْلِفَهم في الأرْضِ فَيَسْتَخْلِفُونَ فِيها اسْتِخْلافًا أيْ مُسْتَخْلَفِيَّةٍ كائِنَةٍ كَمُسْتَخْلِفِيَّةِ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيهِ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ أجَلُّ الرَّغائِبِ المَوْعُودَةِ وأعْظَمُها لَمّا أنَّهُ كالأثَرِ لِلِاسْتِخْلافِ المَذْكُورِ.

وقِيلَ: لَمّا أنَّ النُّفُوسَ إلى الحُظُوظِ العاجِلَةِ أمْيَلُ فَتَصْدِيرُ المَواعِيدِ بِها في الِاسْتِمالَةِ أدْخَلُ، والتَّمْكِينُ في الأصْلِ جَعَلَ الشَّيْءَ في مَكانٍ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في لازِمِهِ وهو التَّثْبِيتُ والمَعْنى لِيَجْعَلَنَّ دِينَهم ثابِتًا مُقَرَّرًا بِأنْ يُعَلِّيَ سُبْحانَهُ شَأْنَهُ ويُقَوِّيَ بِتَأْيِيدِهِ تَعالى أرْكانَهُ ويُعَظِّمَ أهْلَهُ في نُفُوسِ أعْدائِهِمُ الَّذِينَ يَسْتَغْرِقُونَ النَّهارَ واللَّيْلَ في التَّدْبِيرِ لِإطْفاءِ أنْوارِهِ ويَسْتَنْهِضُونَ الرَّجُلَ والخَيْلَ لِلتَّوَصُّلِ إلى إعْفاءِ آثارِهِ فَيَكُونُونَ بِحَيْثُ يَيْأسُونَ مِنَ التَّجَمُّعِ لِتَفْرِيقِهِمْ عَنْهُ لِيَذْهَبَ مِنَ البَيْنِ ولا تَكادُ تُحَدِّثُهم أنْفُسِهِمْ بِالحَيْلُولَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ لِيَعُودَ أثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ.

وقِيلَ: المَعْنى لِيَجْعَلَهُ مُقَرَّرًا بِحَيْثُ يَسْتَمِرُّونَ عَلى العَمَلِ بِأحْكامِهِ ويَرْجِعُونَ إلَيْهِ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ، وأصْلُ التَّمْكِينِ جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانًا لِآخَرَ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ ثَباتِ الدِّينِ ورَصانَةِ أحْكامِهِ وسَلامَتِهِ عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالأرْضِ في الثَّباتِ والقَرارِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُناسِبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَوْعُودِ مِن مَنافِعِهِمْ مَعَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في تَوْسِيطِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَنِ الوَصْفِ مِنَ الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى، وفي إضافَةِ الدِّينِ وهو دِينُ الإسْلامِ إلَيْهِمْ ثُمَّ وصَفَهُ بِارْتِضائِهِ لَهم مِن مَزِيدِ التَّرْغِيبِ فِيهِ والتَّثْبِيتُ عَلَيْهِ ما فِيهِ ﴿ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإبْدالِ وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ عاصِمٍ وهو عَطْفٌ عَلى ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهم ولَيُمَكِّنَنَّ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ ) بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ في الدُّنْيا مِن أعْدائِهِمْ في الدِّينِ ﴿ أمْنًا ﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ، وقِيلَ: الخَوْفُ في الدُّنْيا مِن عَذابِ الآخِرَةِ والأمْنُ في الآخِرَةِ ورَجَّحَ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أبْعَدُ مِنِ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ بِالمَقامِ والأخْبارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ تَقْتَضِيهِ وأمْرُ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ سَهْلٌ.

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ إمّا مِنَ ﴿ الَّذِينَ ﴾ الأوَّلِ لِتَقْيِيدِ الوَعْدِ بِالثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ بِصِيغَةِ الماضِي لِما دَلَّ عَلى أصْلِ الِاتِّصافِ بِهِ جِيءَ بِما ذُكِرَ حالًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلَيْهِ في ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ أوْ في ( لَيُبَدِّلَنَّهم ) وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً إمّا لِمُجَرَّدِ الثَّناءِ عَلى أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى هم يَعْبُدُونَنِي وإمّا لِبَيانِ عِلَّةِ الِاسْتِخْلافِ وما انْتَظَمَ مَعَهُ في سِلْكِ الوَعْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ في ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ أوْ مِن ﴿ الَّذِينَ ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنَ الحالِ أوِ اسْتِئْنافٌ.

ونُصِبَ ﴿ شَيْئًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ شَيْئًا مِمّا يُشْرِكُ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ.

ومَعْنى العِبادَةِ وعَدَمُ الإشْراكِ ظاهِرٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.

ولَعَلَّهُما أرادا بِذَلِكَ تَفْسِيرًا ﴿ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ وكَأنَّهُما عَدا خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ نَوْعًا مِنَ الإشْراكِ، واخْتِيرَ عَلى هَذا حالِيَّةِ الجُمْلَةِ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَعْبُدُونَنِي غَيْرَ خائِفِينَ أحَدًا غَيْرِي، وجَوَّزَ أنْ يَكُونا قَدْ أرادا بَيانَ المُرادِ بِمَجْمُوعِ ﴿ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ ﴾ إلَخْ وكَأنَّهُما ادَّعَيا أنَّ عَدَمَ خَوْفِ أحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِن لَوازِمِ العِبادَةِ والتَّوْحِيدِ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَصِلُونَ إلَيْهِ في الأمْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَأْمَنُونَ إلَيَّ حَيْثُ لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ في ﴿ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي ﴾ دُونَ ضَمِيرِ الغائِبِ ودُونَ ضَمِيرِ العَظَمَةِ مِنَ اللَّطافَةِ.

﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ أيْ ومَنِ ارْتَدَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ بَعْدِ حُصُولِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ المُرْتَدُّونَ البُعَداءُ عَنِ الحَقِّ ﴿ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنْ حُدُودِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ إذْ لا عُذْرَ لَهم حِينَئِذٍ ولا كَجَناحِ بَعُوضَةٍ، وقِيلَ: كَفَّرَ مِنَ الكُفْرانِ لا مِنَ الكُفْرِ مُقابِلَ الإيمانِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ وكَمالِهِمْ في الفِسْقِ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ الَّتِي كَفَّرُوها، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الوَعْدِ السّابِقِ نَفْسِهِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المَعْنى ومَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بِأنْ ثَبَتَ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ ولَمْ يَتَأثَّرْ بِما مَرَّ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِما فَصَلَ مِنَ المَطالِبِ العالِيَةِ المُسْتَوْجَبَةِ لِغايَةِ الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِها فَأُولَئِكَ هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ، وكَوْنُ المُرادِ بِكُفْرِ ما ذُكِرَ أنْسَبَ بِالمَقامِ مِن كَوْنِ المُرادِ بِهِ ارْتَدَّ أوْ كَفَرَ النِّعْمَةَ انْتَهى.

والأوْلى عِنْدِي ما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ الظّاهِرُ، وفي الكَلامِ عَلَيْهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ المَوْعُودِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ حُصُولِهِ عُذْرًا لِمَن يَرْتَدُّ، وقُوَّةُ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ لا تَخْفى.

وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ حُذَيْفَةَ: ذَهَبَ النِّفاقُ إنَّما كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وإنَّما هو الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ فَضَحَكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ثُمَّ قالَ: بِمَ تَقُولُ؟

قالَ: بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةُ وكَأنَّ ضَحِكَ ابْنِ مَسْعُودٍ كانَ اسْتِغْرابًا لِذَلِكَ وسُكُوتَهُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ في ارْتِضائِهِ لِما فَهِمَهُ مَعْدِنُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ الآيَةِ.

( ومَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وجُمْلَةُس ( مَن كَفَرَ ) إلَخْ قِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ وعَدَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ أوْ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن آمَنَ فَهُمُ الفائِزُونَ ومَن كَفَرَ إلَخْ، إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وكَذا جُمْلَةُ ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أمّا ذَلِكَ في الأُولى فالسُّؤالُ ناشِئٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الكَرِيمِ أوْ بَعْدَ حُصُولِهِ؟

فَقِيلَ: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا.

وأمّا في الثّانِيَةِ فالسُّؤالُ ناشِئٌ مِنَ الجَوابِ المَذْكُورِ فَأنَّهُ قِيلَ فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَماذا؟

فَقِيلَ: ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ وجَزاؤُهم مَعْلُومٌ وهو كَما تَرى.

هَذا واسْتَدَلَّ كَثِيرٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعْدٌ فِيها مَن في حَضْرَةِ الرِّسالَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِخْلافِ وتَمْكِينِ الدِّينِ والأمْنِ العَظِيمِ مِنَ الأعْداءِ ولا بُدَّ مِن وُقُوعِ ما وُعِدَ بِهِ ضَرُورَةُ امْتِناعِ الخَلَفِ في وعْدِهِ تَعالى ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَجْمُوعُ إلّا في عَهْدِهِمْ فَكانَ كُلٌّ مِنهم خَلِيفَةً حَقًّا بِاسْتِخْلافِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ حَسْبَما وعَدَ جَلَّ وعَلا ولا يَلْزَمُ عُمُومَ الِاسْتِخْلافِ لِجَمِيعِ الحاضِرِينَ المُخاطِبِينَ بَلْ وُقُوعُهُ فِيهِمْ كَبَنُو فَلانٍ قَتَلُوا فَلانًا فَلا يُنافِي ذَلِكَ عُمُومَ الخِطابِ الجَمِيعِ، وكَوْنُ مِن بَيانِيَّةً، وكَذا لا يُنافِيهِ ما وقَعَ في خِلافَةِ عُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِنَ الفِتَنِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأمْنِ مِن أعْداءِ الدِّينِ وهُمُ الكُفّارُ كَما تَقَدَّمَ.

وأقامَها بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ دَلِيلًا عَلى الشِّيعَةِ في اعْتِقادِهِمْ عَدَمُ صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، ولَمْ يَسْتَدِلْ بِها عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِأنَّها مُسَلِّمَةٌ عِنْدَ الشِّيعَةِ والأدِلَّةُ كَثِيرَةٌ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى مَن يُنْكِرُها مِنَ النَّواصِبِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّونَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ فِيها جَمْعًا مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الحاضِرِينَ وقْتَ نُزُولِها بِما وعَدَ مِنَ الِاسْتِخْلافِ وما مَعَهُ ووَعَدَهُ سُبْحانَهُ الحَقَّ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إلّا في عَهْدِ الثَّلاثَةِ، والإمامُ المَهْدِيُّ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ النُّزُولِ قَطْعًا بِالإجْماعِ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى وعْدِهِ بِذَلِكَ، والأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَرُجُّ الدِّينُ المَرْضِيُّ كَما هو حَقُّهُ في زَمانِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ بَلْ صارَ أسْوَأ حالًا بِزَعْمِهِمْ مِمّا كانَ في عَهْدِ الكُفّارِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ المُرْتَضى في تَنْزِيهِ الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ كُلِّ كُتُبِ الشِّيعَةِ تُصَرِّحُ بِأنَّ الأمِيرَ وشِيعَتِهِ كانُوا يَخْفُونَ دِينَهم ويُظْهِرُونَ دِينَ المُخالِفِينَ تَقِيَّةً ولَمْ يَكُنِ الأمْنُ الكامِلُ حاصِلًا أصْلًا في زَمانِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ كانَ أهْلُ الشّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ يُنْكِرُونَ أصْلَ إمامَتِهِ ولا يَقْبَلُونَ أحْكامَهُ وهم كَفَرَةٌ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ وأغْلَبُ عَسْكَرِ الأمِيرِ يَخافُونَهم ويُحَذِّرُونَ غايَةَ الحَذَرِ مِنهُمْ، ومَعَ هَذا الأمِيرِ فَرَدَّ يُمْكِنُ إرادَتُهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِيَكُونَ هو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِصْداقُ الآيَةِ كَما يَزْعُمُونَ فَإنَّ حَمْلَ لَفْظِ الجَمْعِ عَلى واحِدٍ خِلافَ أُصُولِهِمْ إذْ أقَلِّ الجَمْعِ عِنْدَهم ثَلاثَةُ أفْرادٍ، وأمّا الأئِمَّةُ الآخَرُونَ الَّذِينَ ولَدُوا بَعْدَ فَلا احْتِمالَ لِإرادَتِهِمْ مِنَ الآيَةِ إذْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ حالَ نُزُولِها ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ التَّسَلُّطُ في الأرْضِ ولَمْ يَقَعْ رَواجُ دِينِهِمُ المُرْتَضى لَهم وما كانُوا آمِنِينَ بَلْ كانُوا خائِفِينَ مِن أعْداءِ الدِّينِ مِنهم كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ الشِّيعَةُ فَلَزِمَ أنَّ الخُلَفاءَ الثَّلاثَةَ هم مِصْداقُ الآيَةِ فَتَكُونُ خِلافَتُهم حَقَّةً وهو المَطْلُوبُ.

وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ وأهْلِ بَيْتِهِ  فَهُمُ المَوْعُودُونَ بِالِاسْتِخْلافِ وما مَعَهُ ويَكْفِي في ذَلِكَ تَحَقُّقُ المَوْعُودِ في زَمَنِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ عَدَمَ وُجُودِهِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ الخِطابَ الشِّفاهِيَّ لا يَخُصُّ المَوْجُودِينَ، وكَذا لا يُنافِي عَدَمَ حُصُولِهِ لِلْكُلِّ لِأنَّ الكَلامَ نَظِيرُ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما رَوى العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: هم واللَّهِ شِيعَتُنا أهْلُ البَيْتِ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ عَلى يَدِ رَجُلٍ مِنّا وهو مَهْدِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ وهو الَّذِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ  فِيهِ: ««لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا يَوْمٌ واحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ حَتّى يَلِيَ رَجُلٌ مِن عِتْرَتَيِ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَأُ الأرْضَ عَدْلًا وقِسْطًا كَما مُلِئَتْ ظُلْمًا وجُورًا»».

وزَعَمَ أنَّهُ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهَذا عَلى ما فِيهِ مِمّا يَأْباهُ السِّياقُ والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الوارِدَةُ في سَبَبِ النُّزُولِ وأخْبارِ الشِّيعَةِ لا يَخْفى حالُها لا سِيَّما عَلى مَن وقَفَ عَلى التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ.

نَعَمْ ورَدَ مِن طَرِيقِنا ما يَسْتَأْنِسُ بِهِ لَهم في هَذا المَقامِ لَكِنَّهُ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ أيْضًا مِثْلَ أخْبارِهِمْ وهو ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ عَطِيَّةَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: أهْلُ البَيْتِ هاهُنا وأشارَ بِيَدِهِ إلى القِبْلَةِ».

وزَعَمَ بَعْضُهم نَحْوَ ما سَمِعَتْ عَنِ الطَّبَرْسِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي في حَقِّ جَمِيعِ أهْلِ البَيْتِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وسائِرِ الأئِمَّةِ الاثْنى عَشْرَ وتَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيهِمْ زَمَنَ الرَّجْعَةِ حِينَ يَقُومُ القائِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وزَعَمَ أنَّها أحَدُ أدِلَّةِ الرَّجْعَةِ، وهَذا قَدْ زادَ في الطُّنْبُورِ نَغْمَةً.

وقالَ المَلَأُ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ إظْهارِ الحَقِّ لِإبْطالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِخْلافُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وهو الإتْيانُ بِواحِدٍ خَلْفَ آخَرَ أيْ بَعْدِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ  ﴾ فَقُصارى ما يَثْبُتُ أنَّهم خُلَفاءُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ ولَيْسَ النِّزاعُ فِيهِ بَلْ هو دَفِيُّ المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ وهو مَعْنًى مُسْتَحْدَثٌ بَعْدَ رِحْلَةِ النَّبِيِّ  اهْـ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَوْ تَمَّ هَذا لا يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ بِحَدِيثِ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى»» المُعْتَضِدُ بِما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ لِهارُونَ ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي  ﴾ وبِما يَرْوُونَهُ مِن قَوْلِهِ  : ««يا عَلِيُّ أنْتَ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي»» وكَذا لا يَتِمُّ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ عَلى إمامَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ بِما تَضَمَّنَ لَفْظُ الإمامِ لِأنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في الكِتابِ المَجِيدِ بِالمَعْنى المُصْطَلَحِ أصْلًا وإنَّما اسْتَعْمَلَ بِمَعْنى النَّبِيِّ والمُرْشِدِ والهادِي والمُقْتَدى بِهِ في أمْرٍ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ومَتى ادَّعى فَهُمُ المَعْنى المُصْطَلَحُ مِن ذَلِكَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ فَلْيَدَّعِ فَهُمُ المَعْنى المُصْطَلَحُ مِنَ الخَلِيفَةِ كَذَلِكَ ورُبَّما يَدَّعِي أنَّ فَهْمَهُ مِنهُ أقْوى لِأنَّهُ مَقْرُونٌ مِن حَيْثُ وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ بِلَفْظٍ في الأرْضِ الدّالِّ عَلى التَّصَرُّفِ العامِ الَّذِي هو شَأْنُ الخَلِيفَةِ بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ عَلى خِلافَةِ الثَّلاثَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ لَفْظِ الِاسْتِخْلافِ حَتّى يَتِمَّ غَرَضُ المُناقِشِ فِيهِ بَلْ ذَلِكَ مَعَ مُلاحَظَةِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا أسْنَدَ الِاسْتِخْلافَ اللُّغَوِيَّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ صارَ اسْتِخْلافًا شَرْعِيًّا وقَدْ يُسْتَفْتى في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن عُلَماءِ الشِّيعَةِ فَيُقالُ: إنَّ إتْيانَ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَكانِ آلِ فِرْعَوْنَ والعَمالِقَةِ وجَعْلِهم مُتَصَرِّفِينَ في أرْضِ مِصْرَ والشّامِ هَلْ كانَ حَقًّا أوْ لا ولا أظُنُّهم يَقُولُونَ إلّا أنَّهُ حَقٌّ وحِينَئِذٍ يُلْزِمُهم أنَّ يَقُولُوا بِهِ في الآيَةِ لِعَدَمِ الفَرْقِ وبِذَلِكَ يَتِمُّ الغَرَضُ هَذا حاصِلٌ ما قِيلَ في هَذا المَقامِ.

والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في نَزاهَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَمّا رَماهم لِلشِّيعَةِ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والجَوْرِ والتَّصَرُّفِ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ لِظُهُورِ تَمْكِينِ الدِّينِ والأمْنِ التّامِّ مِن أعْدائِهِ في زَمانِهِمْ ولا يَكادُ يَحْسُنُ الِامْتِنانُ بِتَصَرُّفٍ باطِلٍ عِقابُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ.

وكَذا لا يَكادُ يُحْسِنُ الِامْتِنانَ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ عَلى أهْلِ عَصْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمُ الرُّؤَساءَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ لَوْ كانُوا وحاشاهم كَما يَزْعُمُ الشِّيعَةُ فِيهِمْ، ومَتى ثَبَتَ بَلَّكَ نَزاهَتُهم عَمّا يَقُولُونَ اكْتَفَيْنا بِهِ وهَذا لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ حالَ نُزُولِ الآيَةِ وإنْكارِ الشِّيعَةِ لَهُ إنْكارٌ لِلضَّرُورِيّاتِ، وكَوْنُ المُرادِ بِالآيَةِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أوِ المَهْدِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأهْلَ البَيْتِ مُطْلَقًا مِمّا لا يَقُولُهُ مُنْصِفٌ.

وفِي كَلامِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما يَقْتَضِي بِسُوقِهِ خِلافَ ما عَلَيْهِ الشِّيعَةُ فَفي نَهْجِ البَلاغَةِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا اسْتَشارَ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ لِانْطِلاقِهِ لِقِتالِ أهْلِ فارِسَ حِينَ تَجَمَّعُوا لِلْحَرْبِ قالَ لَهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرَهُ ولا خِذْلانَهُ بِكَثْرَةٍ ولا بِقِلَّةٍ وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أظْهَرَهُ وجُنُدَهُ الَّذِي أعَزَّهُ وأيَّدَهُ حَتّى بَلَغَ ما بَلَغَ وطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ ونَحْنُ عَلى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا ﴾ واللَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ وعَدَهُ وناصِرٌ جُنُدَهُ ومَكانُ القِيَمِ في الإسْلامِ مَكانَ النِّظامِ مِنَ الخَرَزِ فَإنِ انْقَطَعَ النِّظامُ تَفَرَّقَ ورَبَّ مُتَفَرِّقٍ لَمْ يَجْتَمِعْ والعَرَبُ اليَوْمَ وإنْ كانُوا قَلِيلًا فَهم كَثِيرُونَ بِالإسْلامِ عَزِيزُونَ بِالِاجْتِماعِ فَكُنْ قُطْبًا واسْتَدَرَّ الرَّحى بِالعَرَبِ وأصْلُهم دُونَكَ نارُ الحَرْبِ فَإنَّكَ إنْ شَخَّصْتَ مِن هَذِهِ الأرْضِ تَنَقَّضَتْ عَلَيْكَ العَرَبُ مِن أطْرافِها وأقْطارِها حَتّى يَكُونَ ما تَدْعُ وراءَكَ مِنَ العَوارِثِ أهَمُّ إلَيْكَ مِمّا بَيْنَ يَدَيْكَ وكانَ قَدْ آنَ لِلْأعاجِمِ أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ غَدًا يَقُولُونَ هَذا أصْلُ العَرَبِ فَإذا قَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ لِكَلْبِهِمْ عَلَيْكَ وطَعْمِهِمْ فِيكَ فَأمّا ما ذَكَرْتُ مِن عَدَدِهِمْ فَإنّا لَمْ نُقاتِلْ فِيما مَضى بِالكَثْرَةِ وإنَّما نُقاتِلُ بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ اهْـ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن كفار مكة لما صَدُّوا المسلمين عن مكة عام الحديبية، فقال المسلمون: لو فتح الله تعالى مكة ودخلناها آمنين، فنزل قوله لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: لينزلنهم في أرض مكة كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل أمة محمد  من بني إسرائيل وغيرهم، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ يعني: ليظهرن لهم دِينَهُمُ الإسلام الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من كفار أَمْناً من الكفار.

يَعْبُدُونَنِي يعني: لكي يعبدوني لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ويقال: معناه يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، أي: يظهر عبادة الله تعالى، ويبطل الشرك.

وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان النبيّ  وأصحابه بمكة زماناً نحواً من عشر سنين، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى إذا أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، أمرهم الله تعالى بالقتال، فكانوا بها خائفين يُمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله نحن أبداً خائفون، هل يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟

فقال رسول الله  : «لاَ يَكُونُ إلاّ يَسِيراً حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظِيمِ مُحْتَبِياً لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ» (١) ويقال: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ  م لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ يعني: يكونوا خلفاء بعد رسول الله  واحداً بعد واحد.

ثم قال: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ يعني: بعد الأمن والتمكين فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني العاصين.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر كَمَا اسْتَخْلَفَ بضم التاء وكسر اللام على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون بنصب التاء واللام لأنه سبق ذكر الله تعالى.

وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بالتخفيف.

وقرأ الباقون بتشديد الدال، من بدَّل يبدِّل والأول من أبدل يبدل.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 215 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأَولَيَيْنِ أَلا ترى أَنَّ الله تعالى يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ذَكَرَ الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى، فعلمتَ أنَّ حقيقة التقوى معنى سوى الطاعةِ والخشيةِ، وهي تنزيهُ القلب عن الذنوب، انتهى.

وقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ....

الآية: جهد اليمين: بلوغ الغاية في تعقيدها، ولَيَخْرُجُنَ

معناه: إلى الغزو، وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دُعُوا إلى الله ورسوله.

وقوله تعالى: قُلْ لاَّ تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ

يحتمل معاني:

أحدها: النهي عن القَسَمِ الكاذب إذ قد عُرِفَ أَنَّ طاعتهم دغلة فكأنه يقول: لا تغالطوا فقد عُرِفَ ما أَنْتُمْ عليه.

والثاني: أَنَّ المعنى: لا تتكلَّفُوا القَسَمَ فطاعة معروفة على قدر الاستطاعة أَمْثَلُ وأجدر بكم، وفي هذا التأويل إبقاءٌ عليهم، وقيل غير هذا.

وقوله: تَوَلَّوْا معناه: تتولوا، والذي حمل النبي صلى الله عليه وسلّم هو التبليغ والذي حمل الناس هو السمعُ والطاعة واتباع الحق، وباقي الآية بيّن.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)

وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ...

الآيةُ عامَّةٌ لأُمَّةِ نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم في أنْ يُمَلِّكَهُمُ الله البلادَ كما هو الواقع، فسبحانه ما أصدق وعده!

وقال الضَّحَّاكُ في كتاب «النقاش» «١» : هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، والصحيح في الآية أَنَّها في استخلاف الجمهور، واللام في لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ لأم القَسَم.

وقوله: يَعْبُدُونَنِي فعل مستأنف، أي: هم يعبدونني.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ رَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ المَدِينَةَ وآواهُمُ الأنْصارُ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، كانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلّا في لَأْمَتِهِمْ، فَقالُوا: أتَرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَسُولَهُ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وأمِنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، فَكانُوا آمِنِينَ كَذَلِكَ في إمارَةٍ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ، فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى ما بِهِمْ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذا الوَعْدَ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ لَمّا صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ  والمُسْلِمِينَ عَنِ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ عَلَيْنا مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ أيْ: لَيَجْعَلَنَّهم يَخْلُفُونَ مَن قَبْلَهم، والمَعْنى: لِيُورِثَنَّهم أرْضَ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، فَيَجْعَلُهم مُلُوكَها وساسَتَها وسُكّانَها.

وعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ: المُرادُ بِالأرْضِ مَكَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " كَما اسْتُخْلِفَ " بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ؛ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هَلَكَتِ الجَبابِرَةُ بِمِصْرَ، أوْرَثَهُمُ اللَّهُ أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ ﴾ وهو الإسْلامُ، وتَمْكِينُهُ: إظْهارُهُ عَلى كُلِّ دِينٍ، ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وأبانُ، ويَعْقُوبُ: " ولِيُبْدِلَنَّهم " بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ ﴿ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا ﴾ لِأنَّهم كانُوا مَظْلُومِينَ مَقْهُورِينَ، ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ كَلامٍ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بِهَذِهِ النِّعَمِ، أيْ: جَحَدَ حَقَّها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وأوَّلُ مَن كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعَمِ قَتَلَةُ عُثْمانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا الرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "اسْتُخْلِفَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ  شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يُرِيدُ: في البِلادِ الَّتِي تُجاوِرُهم والأصْقاعِ الَّتِي قَضى بِامْتِدادِهِمْ إلَيْها، واسْتِخْلافُهم هو أنْ يُمَلِّكَهُمُ البِلادَ ويَجْعَلَهم أهْلَها كَما جَرى في الشامِ وفي العِراقِ وخُراسانَ والمَغْرِبِ، وقالَ الضِحاكُ في كِتابِ النَقاشِ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم لَأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ في الآيَةِ أنَّها في اسْتِخْلافِ الجُمْهُورِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" لامُ القَسَمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "وَلِيُبَدِّلَنَّهُمْ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - والحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وجاءَ في مَعْنى تَبْدِيلِ خَوْفِهِمْ بِالأمْنِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قالَ أصْحابُهُ: أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السَلامَ؟

قالَ رَسُولُ اللهِ  : لا تُغَبَّرُونَ إلّا قَلِيلًا حَتّى يَجْلِسَ الرَجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ»، وقَوْلُهُ: "يَعْبُدُونَنِي" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ هم يَعْبُدُونَنِي، وقَوْلُهُ: "وَمَن كَفَرَ" يُرِيدُ: كَفَرَ هَذِهِ النِعَمَ إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ الفِسْقُ -عَلى هَذا- غَيْرَ المُخْرِجِ عَنِ المِلَّةِ، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: ظَهَرَ ذَلِكَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكُفْرَ والفِسْقَ المُخْرِجَيْنِ عَنِ المِلَّةِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، فَإنَّهُ قالَ: كانَ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ  نِفاقٌ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ.

ولِما قَدَّمَ تَعالى عَمَلَ الصالِحاتِ بَيَّنَها في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَصَّ عَلى عَظْمِها وهي إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، وعَمَّ بِطاعَةِ الرَسُولِ لَأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ الطاعاتِ.

و"لَعَلَّكُمْ" مَعْناهُ: في حَقِّكم ومُعْتَقَدِكم.

ثُمْ أنْحى القَوْلَ عَلى الكَفَرَةِ بِأنْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِمُفَلَّتِينَ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ  ، وقَرَأها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ، والآخَرُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا والمَفْعُولُ أنْفُسُهُمْ، وأعْجَزَ الرَجُلَ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمْ أخْبَرَ بِأنَّ مَأْواهُمُ النارُ، وأنَّها بِئْسَ الخاتِمَةِ والمَصِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأشبه أن هذا الكلام استئناف ابتدائي انتقل إليه بمناسبة التعرض إلى أحوال المنافقين الذين أبقاهم على النفاق تردّدُهم في عاقبة أمر المسلمين، وخشيتُهم أن لا يستقر بالمسلمين المُقام بالمدينة حتى يغزوَهم المشركون، أو يخرجهم المنافقون حين يجدون الفرصة لذلك كما حكى الله تعالى من قول عبد الله بن أبَيّ: ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزّ منها الأذَلّ ﴾ [المنافقون: 8]، فكانوا يظهرون الإسلام اتقاء من تمام أمر الإسلام ويبطنون الكفر ممالاة لأهل الشرك حتى إذا ظهروا على المسلمين لم يلمزوا المنافقين بأنهم قد بدّلوا دينهم، مع ما لهذا الكلام من المناسبة مع قوله: ﴿ وإن تطيعوه تهتدوا ﴾ [النور: 54]، فيكون المعنى: وإن تطيعوه تهتدوا وتُنصروا وتأمنوا.

ومع ما روي من حوادث تخوف المسلمين ضُعفهم أمام أعدائهم فكانوا مشفقين عن غزو أهل الشرك ومن كيد المنافقين ودلالتهم المشركين على عورات المسلمين فقيل كانت تلك الحوادث سبباً لنزول هذه الآية.

قال أبو العالية: مكث رسول الله بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين يصبحون ويُمسون في السلاح.

فقال رجل: يا رسول الله أمَا يأتي علينَا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟

فقال رسول الله: «لا تَغْبُرون (أي لا تمكثون) إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في المَلإ العظيم محتبياً ليس عليه حديدة».

ونزلت هذه الآية.

فكان اجتماع هذه المناسبات سبباً لنزول هذه الآية في موقعها هذا بما اشتملت عليه من الموعود به الذي لم يكن مقتصراً على إبدال خوفهم أمناً كما اقتضاه أثر أبي العالية، ولكنه كان من جملة الموعود كما كان سببه من عِداد الأسباب.

وقد كان المسلمون واثقين بالأمن ولكن الله قدم على وَعْدهم بالأمن أن وَعَدهم بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والشريعة فيهم تنبيهاً لهم بأن سنة الله أنه لا تأمن أمة بأس غيرها حتى تكون قوية مكينة مهيمنة على أصقاعها.

ففي الوعد بالاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف أمناً إيماء إلى التهيُّؤ لتحصيل أسبابه مع ضمان التوفيق لهم والنجاح إن هم أخذوا في ذلك، وأنّ ملاك ذلك هو طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ وإن تطيعوه تهتدوا ﴾ [النور: 54]، وإذا حلّ الاهتداء في النفوس نشأت الصالحات فأقبلت مسبباتها تنهال على الأمة، فالأسباب هي الإيمان وعمل الصالحات.

والموصول عام لا يختص بمعيّن، وعُمُومه عُرفي، أي غالب فلا يناكده ما يكون في الأمة من مقصرين في عمل الصالحات فإن تلك المنافع عائدة على مجموع الأمة.

والخطاب في ﴿ منكم ﴾ لأمة الدعوة بمشركيها ومنافقيها بأن الفريق الذي يتحقق فيه الإيمان وعمل الصالحات هو الموعود بهذا الوعد.

والتعريف في ﴿ الصالحات ﴾ للاستغراق، أي عملوا جميع الصالحات، وهي الأعْمال التي وصفها الشرع بأنها صلاح، وترك الأعمال التي وصفها الشرع بأنها فساد لأن إبطال الفساد صلاح.

فالصالحات جمع صالحة: وهي الخصلة والفَعلة ذات الصلاح، أي التي شهد الشرع بأنها صالحة.

وقد تقدم في أول البقرة.

واستغراق ﴿ الصالحات ﴾ استغراق عرفي، أي عَمِل معظم الصالحات ومهماتها ومراجعها مما يعود إلى تحقيق كليات الشريعة وجري حالة مجتمع الأمة على مسلك الاستقامة، وذلك يحصل بالاستقامة في الخويصَّة وبحسن التصرف في العلاقة المدنية بين الأمة على حسب ما أمر به الدين أفراد الأمة كل فيما هو من عمل أمثاله الخليفة فمن دونه، وذلك في غالب أحوال تصرفاتهم، ولا التفات إلى الفلتات المناقضة فإنها معفو عنها إذا لم يُسترسل عليها وإذا ما وقع السعي في تداركها.

والاستقامة في الخُويصَّة هي موجب هذا الوعد وهي الإيمان وقواعد الإسلام، والاستقامة في المعاملة هي التي بها تيسير سبب الموعود به.

وقد بين الله تعالى أصول انتظام أمور الأمة في تضاعيف كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ﴾ [النحل: 90] وقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29] وقوله في سياق الذم: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205] وقوله: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ [محمّد: 22].

وبين الرسول عليه الصلاة والسلام تصرفات ولاة الأمور في شؤون الرعية ومع أهل الذمة ومع الأعداء في الغزو والصلح والمهادنة والمعاهدة، وبين أصول المعاملات بين الناس.

فمتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما وضّح لهم الشرع تحقق وعد الله إياهم بهذا الوعد الجليل.

وهذه التكاليف التي جعلها الله قِواماً لصلاح أمور الأمة ووعد عليها بإعطاء الخلافة والتمكين والأمن صارت بترتيب تلك الموعدة عليها أسباباً لها.

وكانت الموعدة كالمسبب عليها فشابهت من هذه الحالة خطاب الوضع، وجُعل الإيمان عمودها وشرطاً للخروج من عهدة التكليف بها وتوثيقاً لحصول آثارها بأن جعله جالب رضاه وعنايته.

فبه يتيسر للأمة تناول أسباب النجاح، وبه يحف اللطف الإلهي بالأمة في أطوار مزاولتها واستجلابها بحيث يدفع عنهم العراقيل والموانع، وربما حف بهم اللطف والعناية عند تقصيرهم في القيام بها.

وعند تخليطهم الصلاح بالفساد فرفق بهم ولم يعجّل لهم الشر وتلوّم لهم في إنزال العقوبة.

وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 105 107] يريد بذلك كله المسلمين.

وقد مضى الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وقوله: ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴾ في سورة الحج (38).

فلو أن قوماً غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله لاجتنوا من سيرتهم صوراً تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون لأن تلك الأعمال صارت أسباباً وسنناً تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سنناً وقوانين عمرانية سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد.

ألا ترى أن القادة الأروبيين بعد أن اقتبسوا من الإسلام قوانينه ونظامه بما مارسوه من شؤون المسلمين في خلال الحروب الصليبية ثم بما اكتسبوه من ممارسة كتب التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة النبوية قد نظموا ممالكهم على قواعد العدل والإحسان والمواساة وكراهة البغي والعدوان فعظمت دولهم واستقامت أمورهم.

ولا عجب في ذلك فقد سلط الله الأشوريين وهم مشركون على بني إسرائيل لفسادهم فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنّ علوّاً كبيراً فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ﴾ وقد تقدم في سورة الإسراء (4، 5).

والاستخلاف: جعلهم خلفاء، أي عن الله في تدبير شؤون عباده كما قال: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وقد تقدم في سورة البقرة (30).

والسين والتاء للتأكيد.

وأصله: ليخلفنهم في الأرض.

وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير شؤون الأمة منوطاً بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة انتفاعاً بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع، كما حكى تعالى قولَ موسى لبني إسرائيل: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ كما تقدم في سورة العقود (20).

ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعُها، وأن الظرفية المدلولة بحرف (في) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامُها سكانه.

والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى: ﴿ واستعمركم فيها ﴾ [هود: 61].

وإنما صيغ الكلام في هذا النظم ولم يقتصر على قوله: ﴿ ليستخلفنهم ﴾ دون تقييد بقوله: ﴿ في الأرض ﴾ ل ﴿ ليستخلفنهم ﴾ للإيماء إلى أن الاستخلاف يحصل في معظم الأرض.

وذلك يقبل الامتداد والانقباض كما كان الحال يوم خروج بلاد الأندلس من حكم الإسلام.

ولكن حرمة الأمة واتقاء بأسها ينتشر في المعمورة كلها بحيث يخافهم من عداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم.

وهذا اسخلاف كامل ولذلك نظّر بتشبيهه باستخلاف الذين من قبلهم يعني الأمم التي حكمت معظم العالم وأخافت جميعه مثل الأشوريين والمصريين والفنيقيين واليهود زمن سليمان، والفرس، واليونان، والرومان.

وعن مالك: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر فيكون موصول الجمع مستعملاً في معنى المثنى.

وعن الضحاك: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

ولعل هذا مراد مالك.

وعلى هذا فالمراد بالذين من قبلهم صلحاء الملوك مثل: يوسف، وداود، وسليمان، وأنوشروان، وأصحمة النجاشي، ومُلكي صادق الذي كان في زمن إبراهيم ويدعى حمورابي، وذي القرنين، وإسكندر المقدوني، وبعض من ولي جمهورية اليونان.

وفي الآية دلالة واضحة على أن خلفاء الأمة مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ومعاوية كانوا بمحل الرضى من الله تعالى لأنه استخلفهم استخلافاً كاملاً كما استخلف الذين من قبلهم وفتح لهم البلاد من المشرق إلى المغرب وأخاف منهم الأكاسرة والقياصرة.

وجملة: ﴿ ليستخلفنهم ﴾ بيان لجملة: ﴿ وعد ﴾ لأنها عين الموعود به.

ولما كانت جملةَ قسم وهو من قبيل القول كانت إحداهما بياناً للأخرى.

وقرأ الجمهور: ﴿ كما استخلف ﴾ بالبناء للفاعل، أي كما استخلف الله الذين من قبلهم.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بالبناء للنائب فيكون ﴿ الذين ﴾ نائب فاعل.

وتمكين الدين: انتشاره في القبائل والأمم وكثرة متبعيه.

استعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعنى الشيوع والانتشار لأنه إذا انتشر لم يخش عليه الانعدام فكان كالشيء المثبَّت المرسّخ، وإذا كان متَّبعوه في قلة كان كالشيء المضطرب المتزلزل.

وهذا الوعد هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها حديث الحديبية إذ جاء فيه قوله: «وإن هم أبوا (أي إلا القتال) فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (أي ينفصل مقدم العنق عن الجسد) ولينفذنَّ الله أمره».

وقوله: ﴿ لهم ﴾ مقتضى الظاهر فيه أن يكون بعد قوله: ﴿ دينهم ﴾ لأن المجرور بالحرف أضعف تعلقاً من مفعول الفعل، فقدم ﴿ لهم ﴾ عليه للإيماء إلى العناية بهم، أي بكون التمكين لأجلهم، كتقديم المجرور على المفعولين في قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ﴾ [الشرح: 1، 2].

وإضافة الدين إلى ضميرهم لتشريفهم به لأنه دين الله كما دل عليه قوله عقبه: ﴿ الذي ارتضى لهم ﴾ ، أي الذي اختاره ليكون دينهم، فيقتضي ذلك أنه اختارهم أيضاً ليكونوا أتباع هذا الدين.

وفيه إشارة إلى أن الموصوفين بهذه الصلة هم الذين ينشرون هذا الدين في الأمم لأنه دينهم فيكون تمكنه في الناس بواسطتهم.

وإنما قال: ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ﴾ ولم يقل: وليؤمننهم، كما قال في سابقَيْه لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذٍ إلا إلى الأمن، كما ورد في حديث أبي العالية المتقدم آنفاً، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة.

وإضافة الخوف إلى ضميرهم للإشارة إلى أنه خوف معروف مقرر.

وتنكير ﴿ أمناً ﴾ للتعظيم بقرينة كونه مبدّلاً من بعد خوفهم المعروف بالشدة.

والمقصود: الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين.

وفيه بشارة بأن الله مزيل الشرك والنفاق من الأمة.

وليس هذا الوعد بمقتض أن لا تحدث حوادث خوف في الأمة في بعض الأقطار كالخوف الذي اعترى أهل المدينة من ثورة أهل مصر الذين قادهم الضالّ مالك الأشتر النخعي، ومثل الخوف الذي حدث في المدينة يوم الحرّة وغير ذلك من الحوادث وإنما كانت تلك مسببات عن أسباب بشرية وإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم.

وقرأ الجمهور: ﴿ وليَبُدّلنهم ﴾ بفتح الموحدة وتشديد الدال.

وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بسكون الموحدة وتخفيف الدال والمعنى واحد.

وجملة: ﴿ يعبدونني ﴾ حال من ضمائر الغيبة المتقدمة، أي هذا الوعد جرى في حال عبادتهم إياي.

وفي هذه الحال إيذان بأن ذلك الوعد جزاء لهم، أي وعدتُّهم هذا الوعد الشامل لهم والباقي في خلفهم لأنهم يعبدونني عبادة خالصة عن الإشراك.

وعبر بالمضارع لإفادة استمرارهم على ذلك تعريضاً بالمنافقين إذ كانوا يؤمنون ثم ينقلبون.

وجملة: ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ حال من ضمير الرفع في ﴿ يعبدونني ﴾ تقييداً للعبادة بهذه الحالة لأن المشركين قد يعبدون الله ولكنهم يشركون معه غيره.

وفي هاتين الجملتين ما يؤيد ما قدمناه آنفاً من كون الإيمان هو الشريطة في كفالة الله للأمة هذا الوعد.

وجملة: ﴿ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ تحذير بعد البشارة على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة والعكس دفعاً للاتكال.

والإشارة في قوله: ﴿ بعد ذلك ﴾ إلى الإيمان المعبر عنه هنا ب ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ﴾ والمعبر عنه في أول الآيات بقوله: ﴿ وعد الله الذين آمنوا ﴾ ، أي ومن كفر بعد الإيمان وما حصل له من البشارة عليه فهم الفاسقون عن الحق.

وصيغة الحصر المأخوذة من تعريف المسند بلام الجنس مستعملة مبالغة للدلالة على أنه الفسق الكامل.

ووصف الفاسقين له رشيق الموقع، لأن مادة الفسق تدل على الخروج من المكان من منفذ ضيق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أرْضَ مَكَّةَ، لِأنَّ المُهاجِرِينَ سَألُوا اللَّهَ ذَلِكَ، قالَهُ النَّقّاشُ.

والثّانِي: بِلادُ العَرَبِ والعَجَمِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

رَوى سُلَيْمُ بْنُ عامِرٍ عَنِ المِقْدامِ بْنِ الأُسُودِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «لا يَبْقى عَلى الأرْضِ بَيْتُ حَجَرٍ ولا مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإسْلامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ أوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ، إمّا يُعِزُّهم فَيَجْعَلُهم مِن أهْلِها، وإمّا يُذِلُّهم فَيَدِينُونَ لَها» .

﴿ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ في أرْضِ الشّامِ.

الثّانِي: داوُدُ وسُلَيْمانُ.

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ﴾ يَعْنِي دِينَ الإسْلامِ وتَمْكِينُهُ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى كُلِّ دِينٍ.

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا ﴾ لِأنَّهم كانُوا مَطْلُوبِينَ فَطَلَبُوا، ومَقْهُورِينَ فَقُهِرُوا.

﴿ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَعْبُدُونَ إلَهًا غَيْرِي، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: لا يُراءُونَ بِعِبادَتِي أحَدًا.

الثّالِثُ: لا يَخافُونَ غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: لا يُحِبُّونَ غَيْرِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهُمُ الأئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء في قوله: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم ﴾ الآية.

قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سراً وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال وكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من أصحابه قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لن تغيروا إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم جديدة «فأنزل الله: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض...

﴾ إلى آخر الآية.

فاظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في امارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم، واتخذوا الحجر والشرط، وغيروا فغير ما بهم» .

وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟

فنزلت ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات...

﴾ .

وأخرج أحمد وابن مردويه واللفظ له والبيهقي في الدلائل عن أبي بن كعب قال: «لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ﴾ قال: بشر هذه الأمة بالسنا، والرفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ليستخلفنهم ﴾ بالياء ﴿ في الأرض كما استخلف ﴾ برفع التاء وكسر اللام ﴿ وليمكنن ﴾ بالياء مثقلة ﴿ وليبدلنهم ﴾ مخففة بالياء.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ قال: أهل بيت هاهنا وأشار بيده إلى القبلة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ﴾ قال: هو الإِسلام.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ﴾ قال: لا يخافون أحداً غيري.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ﴾ قال: لا يخافون أحداً غيري ﴿ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ قال: العاصون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ قال: كفر بهذه النعمة ليس الكفر بالله.

وأخرح ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنت جالساً مع حذيفة وابن مسعود فقال حذيفة: ذهب النفاق، إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو اليوم الكفر بعد الإِيمان، فضحك ابن مسعود ثم قال: بم تقول؟

قال: بهذه الآية ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات..

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ﴾ قال: سابقين في الأرض والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَعَدَ اللَّهُ ﴾ الآية، قال أبي بن كعب: لما قدم رسول الله -  - وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح ولا يصبحون إلاَّ فيه، فقالوا: ترون أنَّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه الآية (١) وقوله ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ قال الفراء، والزَّجَّاج (٢) ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ  ﴾ وتقول: وعدته لأكرمنه، بمنزلة قلت؛ لأن الوعد لا ينعقد إلا بقول (٣) ومعنى ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ ليجعلنهم يخلفون من قبلهم.

قال المفسرون: أي لنورثنهم أرض الكفّار من العرب والعجم فنجعلهم ملوكها وساستها وسكانها (٤) وعلى هذا الآية عامة في المؤمنين.

وخصص بعضهم الآية بالخلفاء والولاة من أصحاب النبي -  -.

وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومعنى قول مقاتل بن حيان.

قال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد أبا بكر وعمر وعثمان -  م- ومن ولي من أصحاب النبي -  - (٥) وقال مقاتل: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني أرض المدينة (٦) وهذا يدل على أنه أراد استخلاف الخلفاء الثلاثة الذين ذكرهم ابن عباس؛ لأنَّهم كانوا في المدينة، ولم يرد تخصيص الأرض بالمدينة؛ لأن الله تعالى فتح عليهم الكثير من أرض الدنيا، وليس في أن يعدهم فتح أرض المدينة كبير (٧) والآية على هذا التفسير دلالة على خلافة هؤلاء، وأنَّ الوعد من الله قد سبق (٨) (٩) (١٠) قوله تعالي ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قال مقاتل: يعني بني إسرائيل (١١) (١٢) روى أبو بكر، عن عاصم: (استُخلف) بضم التاء وكسر اللام (١٣) والوجه (استخلف) ألا ترى أنَّ (١٤) ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ يعود إلى اسم الله؛ فكذلك في قوله ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ ﴾ والمعنى: يستخلفنهم استخلافًا كاستخلافه (١٥) (١٦) قوله تعالى: ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى ﴾ قال ابن عباس: يريد يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها، ويظهر دينهم على جميع الأديان، ويملِّكهم على جميع الملوك (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد في ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ ﴾ (١٨) قال الفراء: وهما متقاربان.

فإذا قلت للرجل: قد بُدَّلت.

فمعناه.

غيِّرت وغيرت حالك ولم يأت مكانك آخر، وكلُّ ما غيِّر عن حاله فهو مبدَّل بالتشديد.

وقد يجوز مبدل -بالتخفيف- وليس بالوجه.

وإذا جعلت الشيء مكان الشيء قلت: قد أبدلته (١٩) (٢٠) وهذا من سعة العربية.

وقال أبو النَّجم (٢١) فهذا يوضح الوجهين جميعًا (٢٢) وقال مقاتل بن سليمان: من بعد خوفهم من كفار مكة (٢٣) وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد من بعد خوف أبي بكر في الغار.

والوجه: أنَّه على العموم في كل خوف كان لأصحاب رسول الله -  -.

قال مقاتل بن حيان: فقد فعل الله بهم ذلك (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قوله ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد الله المؤمنين في حال عبادتهم بإخلاصهم لله ليفعلن بهم (٢٨) وهذا الوجه هو اختيار المبرد لأنَّه قال: أي عابدين لي غير مشركين.

قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون استئنافًا على طريق الثناء عليهم وتثبيتًا كأنه قال: يعبدونني (٢٩) (٣٠) وهذا معنى قول ابن عباس: يريد عصمة مني لهم.

يعني أعصمهم عن عبادة غيري والإشراك بي.

قال مقاتل: لا يشركون بي شيئًا من الآلهة (٣١) وهو قول العامة (٣٢) وروى [ليث، عن] (٣٣) (٣٤) فجعل الإشراك في هذه الآية أن يخافوا أحدًا (٣٥) قوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ يعني بهذه النعم (٣٦) (٣٧) ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي جحد حق هذه النعم بعد إنْعام الله] (٣٨) وهذا معنى قول الربيع، وأبي العالية (٣٩) (٤٠) (٤١) وقوله ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد العاصون لله (٤٢) وهذا يدل على أن الكفر هاهنا كفر بالنعمة لا كفر بالله [-عز وجل-] (٤٣) (١) رواه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" == للهيثمي 6/ 58، والحاكم في "مستدركه" 2/ 401، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 6 - 7، والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة" 3/ 352 - 353، والواحدي في "أسباب النزول" ص 272 - 273.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 216 وعزاه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 83: ورجاله ثقات.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 258، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 51.

(٣) وفي مجيء اللام في (ليستخلفنهم) وجه آخر، وهو أن اللَّام جواب قسم مضمر أي: أقسم ليستخلفنهم، ويكون مفعول الوعد محذوفًا تقديره: وعدهم الاستخلاف لدلالة (ليستخلفنهم) عليه.

أو التمكين لدينكم.

انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 469، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 434.

(٤) الثعلبي 3/ 88 ب، والطبري 18/ 158.

(٥) ذكر عنه القرطبي 12/ 298 نحو هذا القول.

(٦) رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 61 أ.

وروى عنه ابن أبي حاتم 7/ 60 ب أيضًا أنه قال في قوله ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ قال: يعني أصحاب النبي -  -.

(٧) في (أ): (كثير).

(٨) في (ع): (قد سبق من الله).

(٩) ساقط من (ظ)، (ع).

(١٠) ويدخل في ذلك أصحاب النبي -  - دخولًا أوَّليًّا "لأنَّه لم يتقدمهم أحدٌ في الفضيلة إلى يومنا هذا؛ فأولئك مقطوع بإمامتهم، متفق عليهم- وصدق وعد الله فيهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم، واستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبُّوا عن حوزة؛ فنفذ الوعد فيهم، وصدق الكلام فيهم.

وإذا لم يكن هذا الوعد بهم يُنجز، وفيهم نَفَذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذن؟

وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده" انتهى من كلام ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1392.

وانظر ما قاله أبو حيان 6/ 469، وابن كثير 3/ 300 - 302 في إنجازه وعده للصحابة ومن بعدهم حين قاموا بالشروط في الآية.

(١١) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

وقوله: إذ أهلك.

وديارهم.

ليس من كلام مقاتل، وإنما هذا كلام الثعلبي في "تفسيره" 3/ 88 ب بنصِّه، ساقه الواحدي مبينًا به كلام مقاتل.

(١٢) في (أ): (هلك).

(١٣) وقرأ الباقون بفتح التاء واللام.

"السبعة" ص 458، "التبصرة" ص 274، "التيسير" ص 163.

(١٤) في (أ): (أنَّه).

(١٥) في (أ): (كاستخلاف)، والمثبت من باقي النسخ و"الحجة".

(١٦) من قوله: (وروى أبو بكر، عن عاصم) ..

إلى هنا، نقلاً عن "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 331 - 332 مع اختلاف يسير.

وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 458، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 504.

(١٧) ذكره عنه البغوي 6/ 58 إلى قوله: الأديان.

(١٨) قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال، وقرأ الباقون بالتشديد.

"التبصرة" ص 458، "الإقناع" لابن الباذش 2/ 713، "التيسير" للداني ص 163.

(١٩) في (أ): (بدلته)، وهو خطأ.

(٢٠) في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 132 (بدل) نقل عن الفراء يزيد كلامه الذي نقله عنه الواحدي من كتابه "معاني القرآن" وضوحًا قال الأزهري: وقال أبو العباس -أحمد بن يحيى-: وقال الفراء: يقال: أبدلتُ الخاتم بالحلقة، إذا نحَّيت هذا وجعلت هذا مكانه.

وبدَّلت الخاتم بالحلقة، إذا أذبته وسوّيته حلقة ..

قال أبو العباس: وحقيقته أن التَّبديل: تغيير الصورة إلى صورة أخرى والجوهرة بعينها، والإبدال: تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى.

اهـ.

قال النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 145 - 146 بعد ذكر قول ثعلب في التفريق بين التبديل والإبدال-: وهذا القول صحيح ..

غير أنَّه قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر.

اهـ.

(٢١) هو الفضل بن قُدامة العجلي، تقدت ترجمته في سورة النساء.

== وله أرجوزة في هشام بن عبد الملك تعد أجود أرجوزة للعرب، وأولها: الحمد لله الوهوب المجزل ...

أعطى فلم يبخل ولم يبخَّلِ "طبقات فحول الشعراء" 2/ 737، 745، "خزانة الأدب" للبغدادي 1/ 103.

وهذا الشطر من الرَّجز أنشده الفراء 2/ 259 بلا نسبة.

وهو من لاميّة أبي النجم المشهورة، وهو في "ديوانه" ص (204)، "وتهذيب اللغة" للأزهري 14/ 132 "بدل"، "لسان العرب" 11/ 48 (بدل).

(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 3/ 259 مع تصرف.

(٢٣) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(٢٤) في (ظ)، (ع): (ذلك بهم).

(٢٥) في (أ): (فمكَّنهم).

(٢٦) في رواية ابن أبي حاتم: الرزق.

(٢٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 61 ب، 62 أ.

(٢٨) "معاني القرآن" للزَّجَّاج 4/ 51.= وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 146، "الكشاف" للزمخشري 3/ 74، "البحر المحيط" 6/ 469، "الدر المصون" 8/ 434 - 435.

(٢٩) في "معاني الزجاج": يعبدني.

(٣٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 51.

(٣١) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.

(٣٢) انظر: " الطبري" 18/ 159، ابن أبي حاتم 7/ 62 أ، الثعلبي 3/ 88 ب.

(٣٣) ساقط من (أ)، (ظ)، وفي (ع): (وروى مجاهد، عن ليث، عن ابن عباس)، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا.

(٣٤) روى ابن أبي حاتم و"تفسيره" 7/ 62 أمن طريق ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئًا) قال: يعبدونني.

هكذا في المخطوط، ويظهر أن فيه نقصًا.

وروى الطبري 18/ 160 من طريق ليث، عن مجاهد (يعبدونني لا يشركون بي شيئًا) قال: لا يخافون غيره.

هكذا لم يذكر ابن عباس.

وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 216 هذا القول عن ابن عباس، وعزاه لعبد ابن حميد.

وذكره عن مجاهد وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

== وذكره الماوردي 4/ 119، والقرطبي 12/ 300 عن ابن عباس.

وهذه الرواية سواء عن ابن عباس أو مجاهد ضعيفة؛ لأن في سندها ليثًا، وهو ابن أبي سليم متفق على ضعفه.

(٣٥) (أحدًا): زيادة من (ع).

(٣٦) في (ع): (النعمة).

(٣٧) في (أ): (بمعنى)، وفي (ع): (معنى).

(٣٨) ساقط من (ع).

(٣٩) رواه الطبري 18/ 159 - 160، وابن أبي حاتم 7/ 62 أعن الربيع، عن أبي العالية.

(٤٠) لم أجد من ذكره عنه.

لكن أبا العالية يروي كثيرًا عن أبيّ -  -.

(٤١) رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 62 أ، ب.

واختار الطبري 18/ 160 هذا القول.

فهو على هذا كفر وفسق غير مخرج من الملّة.

وفي الآية قول آخر: أنَّه الكفر والفسق الناقل عن الملة.

ذكره ابن عطية 10/ 54، وأبو حيان 6/ 470 وقالا: وهو ظاهر قول حذيفة -  -.

وقال الشنقيطي "تفسير سورة النور" ص 185: والأظهر أنَّ المراد الكافر الأكبر والفسق الأكبر، فهم خارجون عن طاعة الله خروجًا كليًّا، والفسق يطلق على الكفر الأكبر في قوله: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ .

(٤٢) روى ابن أبي حاتم 7/ 62 ب هذا القول عن مجاهد.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 216 عن مجاهد وعزاه للفريابي وغيره.

وذكره البغوي 6/ 59 ولم ينسبه لأحد.

(٤٣) زيادة من (ظ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض ﴾ وعد ظهر صدقه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة، وقيل: إن المراد بالآية: خلافة أبي بكر وعثمان وعليّ رضي الله عنهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» ، وانتهت الثلاثون إلى آخر خلافة عليّ، فإن قيل: أين القسم الذي جاء قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ جواباً له؟

فالجواب أنه محذوف تقديره: وعدهم الله وأقسم، أو جعل الوعد بمنزلة القسم لتحققه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.

وأبو عمرو طريق الهاشمي.

بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.

الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.

﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.

الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.

وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.

قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.

قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.

ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.

عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله  للعمل بها.

ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.

قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.

وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.

ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.

ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.

وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.

وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.

﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله  فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.

وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله  والإخلاص له.

﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.

قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.

واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي  ؟

والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟

وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله  "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.

من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.

وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.

وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.

ثم إنه هل يشكل الإماء؟

فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.

عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.

ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.

ومنهم من قال للوجوب.

ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.

قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.

إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.

وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.

قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.

وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.

وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.

يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله  وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.

ثم انطلق معه إلى النبي  فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.

ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.

ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟

اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي  يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.

وعن بعض السلف ويروى عن علي  أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.

وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين  ويبين الله لكم الآيات  ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.

وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد  بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.

﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.

ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله  بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.

وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".

والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.

واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.

وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.

وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.

ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.

ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.

والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.

وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.

فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.

وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.

ثم إنه  عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟

والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.

وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.

وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.

وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.

الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.

وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.

وعن جعفر الصادق بن محمد  : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.

قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.

احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه  أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.

فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.

واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.

فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.

وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.

وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله  ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.

وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.

والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.

ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.

وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.

وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.

ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.

ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.

"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي  أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .

قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله  ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.

والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله  بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.

فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.

قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.

وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول  ويشعب عليه رأيه.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.

وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.

قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.

ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.

وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه  فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.

وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم  ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله  في الاستئذان.

ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.

هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.

وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.

والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.

وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.

وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.

قال مقاتل: هذا في الخطبة.

وقال مجاهد: في صف القتال.

وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.

وعن جعفر بن محمد  : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.

وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.

واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.

ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.

ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.

تأكيد الوجوب الحذر.

قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.

وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.

والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر  ﴾ .

التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.

﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي  وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.

﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.

فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.

قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.

﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مكث رسول الله بمكة سنين من بعد ما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه يدعون الناس إلى الله -  - سرّاً وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح، ويمسون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح، فقال رسول الله: "لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معهم حديدة"، فأنزل الله هذه الآية على أثر ما ذكر.

وقال بعضهم: لما صدّ المشركون رسول الله وأصحابه يوم الحديبية وعد الله المسلمين أن يظهرهم وأن يفتح لهم مكة، وقال: وتصديق ذلك ما ذكر في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...

﴾ الآية [الفتح: 25]، حتى قال في آخر ذلك: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 33]؛ وعد رسوله في القرآن أنه يستخلفهم في الأرض وينزل فيها كما استخلف الذين من قبلهم فجعلهم خلفاء في الأرض.

وقال قائلون: كان وعده إياهم في التوراة والإنجيل والزبور أنه يجعلهم خلفاء في الأرض كما فعل بالذين من قبلهم، ولكن كيفما كان ذلك الوعد لهم في القرآن أو في الكتب المتقدمة ففيه أمران اثنان: أحدهما: البشارة للمسلمين، والحجة على الكافرين؛ لأنه وعد لهم الأمن في النصر في وقت لا يرجون ولا يطمعون [في] النجاة فضلا أن يطمعوا [في] الاستخلاف، والتمكن في الأرض، وإظهار الدين الذي ارتضى لهم وهو الإسلام على الأديان كلها، فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة لا يطمع ولا يرجى في مثل ذلك الوقت والخوف - علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من الله، ووعد منه، فكان ما وعد دل أنه بالله وعد ذلك وبشر، فذلك حجة على أولئك، وبشارة للمؤمنين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ليس بشرط فيه؛ لأنه لو كفر قبل ذلك - أيضاً - فهو فاسق.

ثم من الناس من قال: ومن كفر بعد هذه النعم التي أنعمها عليهم ولم يشكره عليها فهو كذا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ليس له جواب.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.

ثم قال: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعْجِزِينَ ﴾ أي: فائتين في الأرض هرباً من عذابه؛ فلا يدركهم.

وقال بعضهم: سابقين في الأرض هرباً - أيضاً - حتى لا يجزون بكفرهم، وهو واحد ﴿ وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكرناه أيضاً.

وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ كان رسول الله  يعلم أنهم ليسوا بفائتين ولا بسابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ  ﴾ هما واحد.

وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (حسب الذين كفروا أن يعجزوا الله في السماوات والأرض) إنه وإن اختلفت الحروف فالمعنى واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعبد الله الذين آمنوا منكم بالله وعملوا الأعمال الصالحات، أن ينصرهم على أعدائهم، ويجعلهم خلفاء في الأرض مثل ما جعل من قبلهم من المؤمنين خلفاء فيها، ووعدهم أن يجعل دينهم الَّذي ارتضاه لهما -وهو دين الإسلام- مكينًا عزيزًا، ووعدهم أن يُبَدِّلهم من بعد خوفهم أمانًا، يعبدونني وحدي، لا يشركون بي شيئًا، ومن كفر بعد تلك النعم فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.Pdjbx"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل