الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٥٧ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٧ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( لا تحسبن ) أي : [ لا تظن ] يا محمد ( الذين كفروا ) أي : خالفوك وكذبوك ، ( معجزين في الأرض ) أي : لا يعجزون الله ، بل الله قادر عليهم ، وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب; ولهذا قال : ( ومأواهم ) أي : في الدار الآخرة ( النار ولبئس المصير ) أي : بئس المآل مآل الكافرين ، وبئس القرار وبئس المهاد .
وقوله: ( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: لا تحسبن يا محمد، الذين كفروا بالله معجزيه في الأرض إذا أراد إهلاكهم ( ومأواهم ) بعد هلاكهم ( النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) الذي يصيرون إليه ذلك المأوى.
وقد كان بعضهم يقول: " لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " بالياء، وهو مذهب ضعيف عند أهل العربية; وذلك أنّ " تَحْسَبَ" محتاج إلى منصوبين.
وإذا قرئ " يَحْسَبَنَّ" لم يكن واقعا إلا على منصوب واحد، غير أني أحسب أن قائله بالياء ظنّ أنه قد عمل في " مُعْجِزِينَ" وأن منصوبه الثاني " في الأرض "، وذلك لا معنى له، إن كان ذلك قصد.
قوله تعالى : لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصيرلا تحسبن الذين كفروا هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ووعد بالنصرة .
وقراءة العامة تحسبن بالتاء خطابا .
وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وأبو حيوة ( يحسبن ) بالياء ، بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض ، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين .
وهذا قول الزجاج .
وقال الفراء ، وأبو علي : يجوز أن يكون الفعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين في الأرض .
ف ( الذين ) مفعول أول ، و معجزين مفعول ثان .
وعلى القول الأول الذين كفروا فاعل ( أنفسهم ) مفعول أول ، وهو محذوف مراد ( معجزين ) مفعول ثان .
قال النحاس : وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة ؛ فمنهم من يقول : هي لحن ؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن .
وممن قال هذا أبو حاتم .
وقال الفراء : هو ضعيف ؛ وأجازه على ضعفه ، على أنه يحذف المفعول الأول ، وقد بيناه .
قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة : يكون ( الذين كفروا ) في موضع نصب .
قال : ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض .قلت : وهذا موافق لما قاله الفراء ، وأبو علي ؛ لأن الفاعل هناك النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي هذا [ ص: 280 ] القول الكافر .
( معجزين ) معناه فائتين .
وقد تقدم .
ومأواهم النار ولبئس المصير أي المرجع .
{ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ } فلا يغررك ما متعوا به في الحياة الدنيا، فإن الله، وإن أمهلهم فإنه لا يهملهم { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } ولهذا قال هنا: { وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ } أي: بئس المآل، مآل الكافرين، مآل الشر والحسرة والعقوبة الأبدية.
( لا تحسبن الذين كفروا ) قرأ عامر وحمزة " لا يحسبن " بالياء ، أي : لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ( معجزين في الأرض ) وقرأ الآخرون بالتاء ، يقول : لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين فائتين عنا ، ( ومأواهم النار ولبئس المصير )
«لا تحسبن» بالفوقانية والتحتانية والفاعل الرسول «الذين كفروا معجزين» لنا «في الأرض» بأن يفوتونا «ومأواهم» مرجعهم «النار ولبئس المصير» المرجع هي.
لا تظننَّ الذين كفروا معجزين الله في الأرض، بل هو قادر على إهلاكهم، ومرجعهم في الآخرة إلى النار، وقبُح هذا المرجع والمصير.
وهو توجيه عام للأمّة، وإن كان الخطاب فيه للرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم ثبت الله - تعالى - المؤمنين ، وهون من شأن أعدائهم لكى لا يرهبهم قوتهم فقال : ( لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَأْوَاهُمُ النار وَلَبِئْسَ المصير ) .أى : لا تظنن - أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين - أن الذين كفروا مهما أوتوا من قوة وبسطة من المال ، فى إماكنهم أن يعجزونا عن إهلاكهم واستئصالهم وقطع دابرهم ، فإن قوتنا لا يعجزها شىء وهم فى قبضتنا سواء أكانوا فى الأرض التى يعيشون عليها أم فى غيرها ، واعلم أن " مأواهم " فى الآخرة " النار ولبئس المصير " هذه النار التى هى مستقرهم ومسكنهم .فالآية الكريمة بيان لمآل الكفرة فى الدنيا والآخرة ، بعد بيان ما أعده الله - تعالى - فى الدنيا والآخرة من استخلاف وتمكين وأمان ورحمة للمؤمنين .وقوله : ( الذين كَفَرُواْ ) هو المفعول الأول ، لتحسبن ، وقوله ( مُعْجِزِينَ ) هو المفعول الثانى .قال القرطبى : " وقرأ ابن عامر وحمزة " يحسبن " بالياء ، بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله فى الأرض ، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين .
.
" .أى : أن " الذين كفروا " فى محل رفع فاعل يحسبن ، والمفعول الأول محذوف تقديره : أنفسهم .
وقوله ( مُعْجِزِينَ ) هو المفعول الثانى .وقوله - سبحانه - : ( وَلَبِئْسَ المصير ) جواب لقسم مقدر .
والمخصوص بالذم محذوف ، أى : وبالله " لبئس المصير " هى .
أى : النار التى يستقرون فيها .وبعد هذه التوجيهات الحكيمة التى تتعلق ببيان أعمال المؤمنين ، وأعمال الكافرين ، وببيان جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه ، وببيان أقوال المنافقين التى تخالف أفعالهم ، وببيان ما وعد الله - تعالى - به المؤمنين من خيرات .
.
.
.
أما تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولفظة لعل ولفظة الرحمة، فالكل قد تقدم مراراً.
وأما قوله: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض ﴾ فالمعنى لا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين فائقين حتى يعجزونني عن إدراكهم.
وقرئ ﴿ لا يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء المعجمة من تحتها، وفيه أوجه: أحدها: أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك.
وثانيها: أن يكون فيه ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا معجزين.
وثالثها: أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول.
وأما قوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النار وَلَبِئْسَ المصير ﴾ فقال صاحب (الكشاف): النظم لا يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ لأن ذلك نفي وهذا إيجاب، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم مقهورون ومأواهم النار.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ لا يحسبن ﴾ بالياء.
وفيه أوجه: أن يكون ﴿ مُعْجِزِينَ فِي الأرض ﴾ هما المفعولان.
والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا في مثل ذلك.
وهذا معنى قوي جيد.
وأن يكون فيه ضمير الرسول لتقدم ذكره في قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأوّل، وكان الذي سوّغ ذلك أنّ الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث؛ وعطف قوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النار ﴾ على لا يحسبنّ الذين كفروا معجزين؛ كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار.
والمراد بهم: المقسمون جهد أيمانهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ في سائِرِ ما أمَرَكم بِهِ ولا يَبْعُدُ عَطْفُ ذَلِكَ عَلى أطِيعُوا اللَّهَ فَإنَّ الفاصِلَ وعْدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَيَكُونُ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِطاعَةِ الرَّسُولِ لِلتَّأْكِيدِ وتَعْلِيقُ الرَّحْمَةِ بِها أوْ بِالمُنْدَرِجَةِ هي فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ كَما عُلِّقَ بِهِ الهُدى.
﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ الكُفّارَ مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ، و ( في الأرْضِ ) صِلَةُ ( مُعْجِزِينَ ) .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ ، والمَعْنى كَما هو في القِراءَةِ بِالتّاءِ أوِ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فاعِلٌ والمَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكُفّارُ في الأرْضِ أحَدًا مُعْجِزًا لِلَّهِ، فَيَكُونُ ﴿ مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ مَفْعُولَيْهِ أوْ لا يَحْسَبُونَهم ( مُعْجِزِينَ ) فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِأنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ فاكْتَفى بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنِ الثّالِثِ.
﴿ وَمَأْواهُمُ النّارُ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا لَيْسُوا بِمُعْجِزِينَ ومَأْواهُمُ النّارُ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الإعْجازِ.
﴿ وَلَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ المَأْوى الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
{لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ في الأرض} أى فائنين الله بأن لا يقدر عليهم فيها فالتاء خطاب للنبى عليه الصلاة والسلام وهو الفاعل والمفعولان الذين كفروا ومعجزين بالياء شامى وحمزة والفاعل النبى صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره والمفعولان الذين كفروا ومعجزين {وَمَأْوَاهُمُ النار} معطوف على لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ كَأَنَّهُ قِيلَ الذين كَفَرُواْ لاَ بفوتون الله وَمَأْوَاهُمُ النار {وَلَبِئْسَ المصير} أي المرجع النار
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِمَآلِ الكَفَرَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَناهِيهِمْ في الفِسْقِ وفَوْزِ أضْدادِهِمْ بِالرَّحْمَةِ المُطْلِقَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا رَفْعُ اسْتِبْعادِ تَحَقُّقِ الوَعْدِ السّابِقِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِ الكَفَرَةِ وعَدَدِهِمْ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحَسَبْنا نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ .
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ بِمَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: «إيّاكَ عَنِّي فاسْمَعِي يا جارَةُ» أوِ الإشارَةُ إلى أنَّ الحُسْبانَ المَذْكُورَ بَلَغَ في القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ إلى حَيْثُ يَنْهى مَن يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ) [الأنْعامُ: 14، يُونُسُ: 105، القِصَصُ: 87] فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ جَعْلَ الخِطابِ لِلرَّسُولِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يَتَصَوَّرُ وُقُوعَهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَ ومَحْمَلُ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِلْحُسْبانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْجِزِينَ ﴾ ثانِيهُما وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ ظَرْفٌ لِمُعْجِزِينَ لَكِنْ لا لِإفادَةِ كَوْنِ الإعْجازِ المَقْصُودِ بِالنَّفْيِ فِيها لا في غَيْرِها فَإنَّ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ بَلْ لِإفادَةِ شُمُولِ عَدَمِ الإعْجازِ لِجَمِيعِ أجْزائِها أيْ لا تَحْسَبَنَّهم مُعْجِزِينَ اللَّهِ تَعالى عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ بِما رَحَّبْتَ وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ «يَحْسَبْنَ» بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ عَلى أنَّ الفاعِلَ كُلُّ أحَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَحْسَبْنَ حاسِبَ الكافِرِينَ مُعْجِزِينَ لَهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) في الأرْضِ وضَمِيرِهِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ.
وزَعْمُ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ أوْ ضَمِيرِ الكافِرِ أيْ لا يَحْسَبْنَ الكافِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ أوِ المَوْصُولِ والمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وذَكَرَ أنَّ الأصْلَ عَلى هَذا لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ وكَأنَّ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذَلِكَ الثّالِثِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها فَلا يَجُوزُ كَوْنُ الأصْلِ (لا يَحْسَبُهُمُ الَّذِينَ إلَخْ كَما لا يَجُوزُ ظَنُّهُ زِيدَ قائِمًا، وقالَ الكُوفِيُّونَ ﴿ مُعْجِزِينَ ﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ و ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا في مِثْلِ ذَلِكَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُطايَقَةِ لِمُقْتَضى لِلْمَقامِ ضَرُورَةَ أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي ولا فائِدَةَ في بَيانِ كَوْنِ المُعْجِزِينَ في الأرْضِ.
ورَدَّ بِأنَّهُ وإنْ كانَ مَصَبُّ الفائِدَةِ جَعَلَ مَفْرُوغًا مِنهُ وإنَّما المَطْلُوبُ بَيانُ المَحَلِّ أيْ لا يَعْجِزُوهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ والإنْصافُ أنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ إنَّما هو تَعَلَّقَ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ بِمُعْجِزِينَ وأيًّا ما كانَ فالقِراءَةُ المَذْكُورَةُ صَحِيحَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَراتِبُ تَخْرِيجاتِها قُوَّةً وضَعْفًا، ومِن ذَلِكَ يَعْلَمُ ما فِيقَوْلِ النُّحاسِ ما عَلِمْتَ أحَدًا مَن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصَرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخْطِئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبْنَ، ومِنهم مَن قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ انْتَهى مِن قِلَّةِ الوُقُوفِ ومَزِيدِ الهَذَيانِ والجَسارَةِ عَلى الطَّعْنِ في مُتَواتِرٍ مِنَ القُرْآنِ، ولَعَمْرِي لَوْ كانَتِ القِراءَةُ بِالرَّأْيِ لَكانَ اللّائِقُ بِمَن خُفِيَ عَلَيْهِ وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ أنْ لا يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الكَلامِ ويَتَّهِمُ نَفْسَهُ ويَحْجِمُ عَنِ الطَّعْنِ في ذَلِكَ الإمامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَأْواهُمُ النّارُ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ بِتَأْوِيلِها بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الحُسْبانِ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ومَأْواهُمُ النّارُ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ لِأنَّ الأوَّلَ وعِيدُ الدُّنْيا كَأنَّهُ قِيلَ مَقْهُورُونَ في الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ومَخْزُونِ في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ، وعَنْ صاحِبِ النُّظُمِ تَقْدِيرُهُ بَلْ هم مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ ومُحاسَبُونَ ومَأْواهُمُ النّارُ.
قالَ في الكَشْفِ: وجَعَلَهُ حالًا عَلى مَعْنى لا يَنْبَغِي الحُسْبانُ لِمَن مَأْواهُ النّارُ كَأنَّهُ قِيلَ أنّى لِلْكافِرِ هَذا الحُسْبانِ وقَدْ أعَدَّ لَهُ النّارَ، والعُدُولُ إلى ﴿ ومَأْواهُمُ النّارُ ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحَقُّقِ وأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهم لا رَيْبَ وجْهٍ حَسَنٍ خالٍ عَنْ كَلَفٍ لِكُلْفَةٍ ألَمَّ بِهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في ظاهِرِهِ مَيْلًا إلى بَعْضِ تَخْرِيجاتِ قِراءَةِ «يَحْسَبْنَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
وتَعَقَّبَ في البَحْرِ تَأْوِيلُ جُمْلَةِ النَّهْيِ لِتَصْحِيحِ العَطْفِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: الصَّحِيحُ أنَّهُ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ، والمَأْوى اسْمُ مَكانٍ، وجَوَّزَ فِيهِ المَصْدَرِيَّةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وبِاللَّهِ ( لَبِئْسَ المَصِيرُ ) هي أيُ النّارِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وفي إيرادِ النّارِ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَأْوى ومَصِيرًا لَهم أثَرُ نَفْيٍ فَوْتِهِمْ بِالهَرَبِ في الأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: أقروا بها وأتموها.
وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأعطوها.
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما يأمركم به من التوحيد والطاعة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فلا تعذبون.
قوله عز وجل: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ يعني: فائتين، ويقال سابقين أمر الله تعالى، ويقال: معناه لا تظن أنهم يهربون منا وأنهم يفوتون من عذابنا.
وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: صاروا إليه وبئس المرجع.
قرأ حمزة وابن عامر لا يَحْسَبَنَّ بالياء ونصب السين، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة وكسر السين.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال ابن عباس: «وذلك أن رسول الله بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج، إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فانطلق الغلام ليدعوه، فوجده نائماً قد أغلق الباب، فأخبر الغلام أنه في هذا البيت، فقرع الباب على عمر فلم يستيقظ، فدخل فاستيقظ عمر، فجلس وانكشف منه شيء، فرآه الغلام، فعرف عمر أنه قد رآه، فقال عمر: وددت أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبيّ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني: العبيد والإماء والولائد وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ يعني: وليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم، يعني: الاحتلام، وهم الأحرار من الغلمان ثَلاثَ مَرَّاتٍ لأنها ساعات غرة وغفلة.
ثم بين الساعات الثلاث، فقال: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ لأن ذلك وقت لبس الثياب وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ يعني: وقت القيلولة وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وذلك وقت النوم ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ يعني: ثلاث ساعات: وقت غرة وغفلة، وهن أوقات التجرد وظهور العورة.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية واحدة ثَلاثُ عَوْراتٍ بنصب الثاء، وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب فمعناه: ليستأذنكم ثلاث عورات، أي ثلاث ساعات.
ومن قرأ بالضم فمعناه: هي ثلاث عورات، فيكون خبراً عن الأوقات الثلاثة.
وروى عكرمة أن رجلين من أهل العراق سألا ابن عباس عن قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى سِتِّيرٌ يحب الستر وكان الناس لم يكن لهم ستور على أبوابهم، ولا حجاب في بيوتهم، فربما فاجأ الرجلَ ولده أو خادمه أو يتيم في حجره وهو مع أهله، فأمرهم الله تعالى أن يستأذنوا في ثلاث ساعات التي سمى الله تعالى، ثم جاء الله باليسر، وبسط الرزق عليهم، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجاب، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي قد أمروا به، وقد قيل: إن فيه دليلاً أن ذلك الحكم إذا ثبت فإذا زال المعنى زال الحكم.
وقال مجاهد: الاستئذان هو التنحنح.
ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ أي ليس عليكم يا معشر المؤمنين، ولا عليهم، يعني: الخدم جُناحٌ بَعْدَهُنَّ يعني: ما ثمّ بعد الساعات الثلاث طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ يعني: يتقلبون فيكم ليلاً ونهاراً، يدخلون عليكم بغير استئذان في الخدمة بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ يعني: يدخل بعضكم على بعض بغير إذن كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: أمره ونهيه في الاستئذان وَاللَّهُ عَلِيمٌ بصلاح الناس حَكِيمٌ حكم بالاستئذان.
قوله عز وجل: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ يعني: الاحتلام فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الكبار من ولد الرجل وأقربائه، معناه: فليستأذنوا في كل وقت، كما استأذن الذين من قبلكم، يعني: من الرجال كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي أمره ونهيه في كل وقت، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِصَلاَحِكُم حَكِيمٌ حكم بالاستئذان.
<div class="verse-tafsir"
والثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأَولَيَيْنِ أَلا ترى أَنَّ الله تعالى يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ذَكَرَ الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى، فعلمتَ أنَّ حقيقة التقوى معنى سوى الطاعةِ والخشيةِ، وهي تنزيهُ القلب عن الذنوب، انتهى.
وقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ....
الآية: جهد اليمين: بلوغ الغاية في تعقيدها، ولَيَخْرُجُنَ
معناه: إلى الغزو، وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دُعُوا إلى الله ورسوله.
وقوله تعالى: قُلْ لاَّ تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
يحتمل معاني:
أحدها: النهي عن القَسَمِ الكاذب إذ قد عُرِفَ أَنَّ طاعتهم دغلة فكأنه يقول: لا تغالطوا فقد عُرِفَ ما أَنْتُمْ عليه.
والثاني: أَنَّ المعنى: لا تتكلَّفُوا القَسَمَ فطاعة معروفة على قدر الاستطاعة أَمْثَلُ وأجدر بكم، وفي هذا التأويل إبقاءٌ عليهم، وقيل غير هذا.
وقوله: تَوَلَّوْا معناه: تتولوا، والذي حمل النبي صلى الله عليه وسلّم هو التبليغ والذي حمل الناس هو السمعُ والطاعة واتباع الحق، وباقي الآية بيّن.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ...
الآيةُ عامَّةٌ لأُمَّةِ نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم في أنْ يُمَلِّكَهُمُ الله البلادَ كما هو الواقع، فسبحانه ما أصدق وعده!
وقال الضَّحَّاكُ في كتاب «النقاش» «١» : هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، والصحيح في الآية أَنَّها في استخلاف الجمهور، واللام في لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ لأم القَسَم.
وقوله: يَعْبُدُونَنِي فعل مستأنف، أي: هم يعبدونني.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: " لا يَحْسَبَنَّ " بِالياءِ وفَتْحِ السِّينِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ وكَسْرِ السِّينِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا الرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "اسْتُخْلِفَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يُرِيدُ: في البِلادِ الَّتِي تُجاوِرُهم والأصْقاعِ الَّتِي قَضى بِامْتِدادِهِمْ إلَيْها، واسْتِخْلافُهم هو أنْ يُمَلِّكَهُمُ البِلادَ ويَجْعَلَهم أهْلَها كَما جَرى في الشامِ وفي العِراقِ وخُراسانَ والمَغْرِبِ، وقالَ الضِحاكُ في كِتابِ النَقاشِ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم لَأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ في الآيَةِ أنَّها في اسْتِخْلافِ الجُمْهُورِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" لامُ القَسَمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "وَلِيُبَدِّلَنَّهُمْ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - والحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وجاءَ في مَعْنى تَبْدِيلِ خَوْفِهِمْ بِالأمْنِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قالَ أصْحابُهُ: أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السَلامَ؟
قالَ رَسُولُ اللهِ : لا تُغَبَّرُونَ إلّا قَلِيلًا حَتّى يَجْلِسَ الرَجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ»، وقَوْلُهُ: "يَعْبُدُونَنِي" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ هم يَعْبُدُونَنِي، وقَوْلُهُ: "وَمَن كَفَرَ" يُرِيدُ: كَفَرَ هَذِهِ النِعَمَ إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ الفِسْقُ -عَلى هَذا- غَيْرَ المُخْرِجِ عَنِ المِلَّةِ، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: ظَهَرَ ذَلِكَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكُفْرَ والفِسْقَ المُخْرِجَيْنِ عَنِ المِلَّةِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، فَإنَّهُ قالَ: كانَ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ نِفاقٌ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ.
ولِما قَدَّمَ تَعالى عَمَلَ الصالِحاتِ بَيَّنَها في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَصَّ عَلى عَظْمِها وهي إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، وعَمَّ بِطاعَةِ الرَسُولِ لَأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ الطاعاتِ.
و"لَعَلَّكُمْ" مَعْناهُ: في حَقِّكم ومُعْتَقَدِكم.
ثُمْ أنْحى القَوْلَ عَلى الكَفَرَةِ بِأنْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِمُفَلَّتِينَ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ ، وقَرَأها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ، والآخَرُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا والمَفْعُولُ أنْفُسُهُمْ، وأعْجَزَ الرَجُلَ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمْ أخْبَرَ بِأنَّ مَأْواهُمُ النارُ، وأنَّها بِئْسَ الخاتِمَةِ والمَصِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي لتحقيق ما اقتضاه قوله: ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ﴾ [النور: 55]، فقد كان المشركون يومئذٍ لم يزالوا في قوة وكثرة، وكان المسلمون لم يزالوا يخافون بأسهم فربما كان الوعد بالأمن من بأسهم متلقىً بالتعجب والاستبطاء الشبيه بالتردد فجاء قوله: ﴿ لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ﴾ تطميناً وتسلية.
والخطاب لمن قد يخامره التعجب والاستبطاء دون تعيين.
والمقصود من النهي عن هذا الحسبان التنبيه على تحقيق الخبر.
وقراءة الجمهور: ﴿ تحسبن ﴾ بتاء الخطاب.
وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء الغيبة فصار ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعلّ ﴿ يحسبن ﴾ فيبقى ل ﴿ يحسبن ﴾ مفعول واحد هو ﴿ معجزين ﴾ .
فقال أبو حاتم والنحاس والفراء: هي خطأ أو ضعيفة لأن فعل الحسبان يقتضي مفعولين.
وهذا القول جرأة على قراءة متواترة.
وقال الزجاج: المفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم، وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في الكلام.
وفي «الكشاف» أن ﴿ في الأرض ﴾ هو المفعول الثاني، أي لا يحسبوا ناساً معجزين في الأرض (يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة الله إن شاء أخذه، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها) قال: «وهذا معنى قوي جيّد».
والمعجز: الذي يُعجز غيره، أي يجعله عاجزاً عن غلبه.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن ما توعدون لآتتٍ وما أنتم بمعجزين ﴾ في سورة الأنعام (134).
وكذلك المعاجز بمعنى المحاول عجز ضده تقدم في قوله تعالى: ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ في سورة الحج (51).
والأرض: هي أرض الدنيا، أي هم غير غالبين في الدنيا كما حسبوا أنه ليس ثمة عالم آخر.
وفي الأرض } متعلق ب ﴿ بمعجزين ﴾ على قراءة الجمهور وعلى بعض التوجيهات من قراءة حمزة وابن عامر، أو هو مفعول ثان على بعض التوجيهات كما علمت.
وقوله: ﴿ ومأواهم النار ﴾ أي هم في الآخرة معلوم أن مأواهم النار فقد خسروا الدارين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أرْضَ مَكَّةَ، لِأنَّ المُهاجِرِينَ سَألُوا اللَّهَ ذَلِكَ، قالَهُ النَّقّاشُ.
والثّانِي: بِلادُ العَرَبِ والعَجَمِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
رَوى سُلَيْمُ بْنُ عامِرٍ عَنِ المِقْدامِ بْنِ الأُسُودِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «لا يَبْقى عَلى الأرْضِ بَيْتُ حَجَرٍ ولا مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإسْلامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ أوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ، إمّا يُعِزُّهم فَيَجْعَلُهم مِن أهْلِها، وإمّا يُذِلُّهم فَيَدِينُونَ لَها» .
﴿ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ في أرْضِ الشّامِ.
الثّانِي: داوُدُ وسُلَيْمانُ.
﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ﴾ يَعْنِي دِينَ الإسْلامِ وتَمْكِينُهُ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى كُلِّ دِينٍ.
﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا ﴾ لِأنَّهم كانُوا مَطْلُوبِينَ فَطَلَبُوا، ومَقْهُورِينَ فَقُهِرُوا.
﴿ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَعْبُدُونَ إلَهًا غَيْرِي، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: لا يُراءُونَ بِعِبادَتِي أحَدًا.
الثّالِثُ: لا يَخافُونَ غَيْرِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: لا يُحِبُّونَ غَيْرِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهُمُ الأئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ : «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء في قوله: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم ﴾ الآية.
قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سراً وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال وكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من أصحابه قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لن تغيروا إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم جديدة «فأنزل الله: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض...
﴾ إلى آخر الآية.
فاظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في امارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم، واتخذوا الحجر والشرط، وغيروا فغير ما بهم» .
وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟
فنزلت ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات...
﴾ .
وأخرج أحمد وابن مردويه واللفظ له والبيهقي في الدلائل عن أبي بن كعب قال: «لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ﴾ قال: بشر هذه الأمة بالسنا، والرفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ليستخلفنهم ﴾ بالياء ﴿ في الأرض كما استخلف ﴾ برفع التاء وكسر اللام ﴿ وليمكنن ﴾ بالياء مثقلة ﴿ وليبدلنهم ﴾ مخففة بالياء.
وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ قال: أهل بيت هاهنا وأشار بيده إلى القبلة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ﴾ قال: هو الإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ﴾ قال: لا يخافون أحداً غيري.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ﴾ قال: لا يخافون أحداً غيري ﴿ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ قال: العاصون.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ قال: كفر بهذه النعمة ليس الكفر بالله.
وأخرح ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنت جالساً مع حذيفة وابن مسعود فقال حذيفة: ذهب النفاق، إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو اليوم الكفر بعد الإِيمان، فضحك ابن مسعود ثم قال: بم تقول؟
قال: بهذه الآية ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات..
﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ﴾ قال: سابقين في الأرض والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ لا تحسبن يا محمد الكافرين.
قال مقاتل: يعني أهل مكة يعجزوننا ويفوتوننا (١) قال الزجاج: أي قدرة الله محيطة بهم.
وقرئت (لا يحسبن) بالياء (٢) (٣) (٤) (٥) هذا كلامه (٦) وقال أبو علي: من قرأ بالياء جاز أن يكون فاعل الحسبان أحد شيئين: إنما أن يكون قد أضمر (٧) - كأنه قال: لا يحسبن النبي الذين كفروا معجزين (٨) (٩) وهذا هو الوجه الذي ذكره أبو إسحاق.
والوجه قراءة العامة بالتاء لظهور مفعولي الحسبان.
قال مقاتل (١٠) وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾ [قال صاحب النظم: لا يحتمل أن يكون هذا متصلًا بقوله ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ \[لأن ذلك نفيٌ، وقوله ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾ \] (١١) (١٢) (١٣) (١) "تفسير مقاتل" 2/ 41 أ.
(٢) قرأ ابن عامر وحمزة "لا يحسبن" بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
انظر: "السبعة" ص 307، "المبسوط" لابن مهران ص 269، "إرشاد المبتدي" للفلانسي ص 464.
(٣) في (ظ)، (ع): (زيدًا حسبته)، والمثبت من (أ)، و"معاني القرآن" للزجَّاج.
(٤) (قائمًا): ساقطة من (ظ)، (ع).
(٥) في هامش (أ) وعليه علامة: التصحيح.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 52.
(٧) في (أ)، (ع): (يضمر)، والمثبت من (ظ)، وفي "الحجة": قد تضمَّن ضميرًا للنبي - -.
(٨) في (ع) زيادة: (في الأرض)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما بعده.
(٩) "الحجة" للفارسي 5/ 332.
(١٠) "تفسير مقاتل" 2/ 41 أ.
(١١) ساقط من (ظ).
(١٢) ساقط من (ع).
(١٣) ذكره أبو حيان 6/ 470 عن صاحب النظم بأخصر مما هنا.
ثم قال: واستبعد العطف من حيث إن (لا تحسبن) نهي (ومأواهم النار) جملة خبرية فلم يناسب == عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما، وهذا مذهب قوم ..
، والصحيح أن ذلك لا يشترط، بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضًا على بعض، وإن لم تتحد النوعية، وهو مذهب سيبويه.
انتهى.
وذكره أيضًا السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 438 وصرَّح باسمه فقال: قال الجرجاني.
ووهم المحقق فظَّنه عبد القاهر الجرجاني وأحال على البحر لأبي حيان.
وحكى السمين في الآية قولين آخرين غير قول الجرجاني: أحدهما: أن هذه الجملة عطف على جملة النهي قبلها من غير تأويل ولا إضمار.
قال: وهو مذهب سيبويه.
والثاني: أنها معطوفة عليها ولكن بتأويل جملة النهي بجملة خبرية، والتقدير: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار.
وعزاه للزمخشري، وهو في "تفسيره" 3/ 74.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض ﴾ وعد ظهر صدقه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة، وقيل: إن المراد بالآية: خلافة أبي بكر وعثمان وعليّ رضي الله عنهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» ، وانتهت الثلاثون إلى آخر خلافة عليّ، فإن قيل: أين القسم الذي جاء قوله: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ﴾ جواباً له؟
فالجواب أنه محذوف تقديره: وعدهم الله وأقسم، أو جعل الوعد بمنزلة القسم لتحققه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.
وأبو عمرو طريق الهاشمي.
بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.
الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.
﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.
الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.
التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.
وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.
قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.
قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.
ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.
عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله للعمل بها.
ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.
قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.
وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.
ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.
ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.
وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.
وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.
وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.
﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.
وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟
فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.
وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله والإخلاص له.
﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.
قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.
واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي ؟
والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟
وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.
من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.
وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.
وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.
ثم إنه هل يشكل الإماء؟
فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.
عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.
ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال للوجوب.
ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.
قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.
إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.
ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.
وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.
قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.
وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.
وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.
يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.
ثم انطلق معه إلى النبي فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.
ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.
ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.
ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟
اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
وعن بعض السلف ويروى عن علي أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.
وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.
وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.
﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.
ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.
وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".
والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.
واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.
وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.
وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.
ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.
ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.
قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.
وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.
قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.
والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.
وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟
قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.
فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.
قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.
وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.
ثم إنه عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟
والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.
وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.
وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.
وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.
الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.
وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.
وعن جعفر الصادق بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.
قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.
احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.
فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.
واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.
فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.
وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.
وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.
وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.
وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.
والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.
ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.
وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.
وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.
وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.
ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.
ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.
"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟
قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.
قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .
قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.
والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.
فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.
قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.
وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.
وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول ويشعب عليه رأيه.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.
وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.
قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.
ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.
وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.
وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.
وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله في الاستئذان.
ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.
هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.
وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.
والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.
وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.
وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.
قال مقاتل: هذا في الخطبة.
وقال مجاهد: في صف القتال.
وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.
ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.
وعن جعفر بن محمد : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.
وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.
واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.
ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.
ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.
تأكيد الوجوب الحذر.
قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.
وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.
والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر ﴾ .
التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.
﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.
﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.
فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.
قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.
﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.
قوله: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مكث رسول الله بمكة سنين من بعد ما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه يدعون الناس إلى الله - - سرّاً وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح، ويمسون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح، فقال رسول الله: "لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معهم حديدة"، فأنزل الله هذه الآية على أثر ما ذكر.
وقال بعضهم: لما صدّ المشركون رسول الله وأصحابه يوم الحديبية وعد الله المسلمين أن يظهرهم وأن يفتح لهم مكة، وقال: وتصديق ذلك ما ذكر في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...
﴾ الآية [الفتح: 25]، حتى قال في آخر ذلك: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 33]؛ وعد رسوله في القرآن أنه يستخلفهم في الأرض وينزل فيها كما استخلف الذين من قبلهم فجعلهم خلفاء في الأرض.
وقال قائلون: كان وعده إياهم في التوراة والإنجيل والزبور أنه يجعلهم خلفاء في الأرض كما فعل بالذين من قبلهم، ولكن كيفما كان ذلك الوعد لهم في القرآن أو في الكتب المتقدمة ففيه أمران اثنان: أحدهما: البشارة للمسلمين، والحجة على الكافرين؛ لأنه وعد لهم الأمن في النصر في وقت لا يرجون ولا يطمعون [في] النجاة فضلا أن يطمعوا [في] الاستخلاف، والتمكن في الأرض، وإظهار الدين الذي ارتضى لهم وهو الإسلام على الأديان كلها، فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة لا يطمع ولا يرجى في مثل ذلك الوقت والخوف - علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من الله، ووعد منه، فكان ما وعد دل أنه بالله وعد ذلك وبشر، فذلك حجة على أولئك، وبشارة للمؤمنين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ليس بشرط فيه؛ لأنه لو كفر قبل ذلك - أيضاً - فهو فاسق.
ثم من الناس من قال: ومن كفر بعد هذه النعم التي أنعمها عليهم ولم يشكره عليها فهو كذا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ليس له جواب.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
ثم قال: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعْجِزِينَ ﴾ أي: فائتين في الأرض هرباً من عذابه؛ فلا يدركهم.
وقال بعضهم: سابقين في الأرض هرباً - أيضاً - حتى لا يجزون بكفرهم، وهو واحد ﴿ وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكرناه أيضاً.
وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ كان رسول الله يعلم أنهم ليسوا بفائتين ولا بسابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ هما واحد.
وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (حسب الذين كفروا أن يعجزوا الله في السماوات والأرض) إنه وإن اختلفت الحروف فالمعنى واحد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لا تظنّن -أيها الرسول- الذين كفروا بالله يفوتونني إذا أردت أن أنزل بهم العذاب، ومأواهم يوم القيامة جهنم، وَلَسَاء مصير مَنْ جهنم مصيرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.a3Q7K"