الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٦٢ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذا أيضا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه ، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول ، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف - لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة ، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك - أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته .
وإن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين .
ثم أمر رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له ، إن شاء; ولهذا قال : ( فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ) .
وقد قال أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد ، قالا حدثنا بشر - هو ابن المفضل - عن عجلان عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم ، فإذا أراد أن يقوم فليسلم ، فليست الأولى بأحق من الآخرة " .
وهكذا رواه الترمذي والنسائي ، من حديث محمد بن عجلان ، به .
وقال الترمذي : حسن .
يقول تعالى ذكره: ما المؤمنون حقّ الإيمان، إلا الذين صدقوا الله ورسوله ( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ ) يقول: وإذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ) يقول: على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نـزل ( لَمْ يَذْهَبُوا ) يقول: لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) يقول: إذا كان أمر طاعة لله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: قوله: ( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ) قال: أمر من طاعة الله عامّ.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: سأل مكحولا الشامي إنسان وأنا أسمع، ومكحول جالس مع عطاء عن قول الله في هذه الآية ( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) فقال مكحول: في يوم الجمعة، وفي زحف، وفي كلّ أمر جامع، قد أمر أن لا يذهب أحد في يوم جمعة حتى يستأذن الإمام، وكذلك في كل جامع، ألا ترى أنه يقول: ( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ).
حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: كان الرجل إذا كانت له حاجة والإمام يخطب، قام فأمسك بأنفه، فأشار إليه الإمام أن &; 19-229 &; يخرج، قال: فكان رجل قد أراد الرجوع إلى أهله، فقام إلى هرم بن حيان وهو يخطب، فأخذ بأنفه، فأشار إليه هرم أن يذهب، فخرج إلى أهله فأقام فيهم، ثم قدم، قال له هرم: أين كنت؟
قال: في أهلي؟
قال: أبإذن ذهبت؟
قال: نعم، قمت إليك وأنت تخطب فأخذتُ بأنفي، فأشرتَ إليّ أن اذهب فذهبت، فقال: أفاتخذت هذا دغلا؟
أو كلمة نحوها، ثم قال: اللهمّ أخر رجال السوء إلى زمان السوء.
حدثني الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ) قال: هو الجمعة إذا كانوا معه لم يذهبوا حتى يستأذنوه.
حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) قال: الأمر الجامع حين يكونوا معه في جماعة الحرب أو جمعة، قال: والجمعة من الأمر الجامع لا ينبغي لأحد أن يخرج إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة إلا بإذن سلطان، إذا كان حيث يراه أو يقدر عليه، ولا يخرج إلا بإذن، وإذا كان حيث لا يراه ولا يقدر عليه، ولا يصل إليه، فالله أولى بالعذر.
وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يقول تعالى ذكره: إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع عنك إلا بإذنك لهم طاعة منهم لله ولك، وتصديقا بما أتيتهم به من عندي، أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقا، لا من يخالف أمر الله وأمر رسوله، فينصرف عنك بغير إذن منك له، بعد تقدّمك إليه أن لا ينصرف عنك إلا بإذنك.وقوله: ( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم، يعني: لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم، فأذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لذنوب عباده التائبين، ( رحيم ) بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيمقوله تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إنما المؤمنون ( إنما ) في هذه الآية للحصر ؛ المعنى : لا يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسوله إلا بأن يكون من الرسول سامعا غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ، ونحو ذلك .
وبين تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات ، وإنما النزول على محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ فختم السورة بتأكيد الأمر في متابعته - عليه السلام - ؛ ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن .الثانية : واختلف في الأمر الجامع ما هو ؛ فقيل : المراد به ما للإمام من حاجة إلى تجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة ، من إقامة سنة في الدين ، أو لترهيب عدو باجتماعهم وللحروب ؛ قال الله تعالى : وشاورهم في الأمر .
فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك .
والإمام الذي يترقب إذنه هو إمام الإمرة ، فلا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه ، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيئ .
وقال مكحول ، والزهري : الجمعة من الأمر الجامع .
وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة ، إذا كان يرى المستأذن .
قال ابن سيرين : كانوا يستأذنون الإمام على المنبر ؛ فلما كثر ذلك قال زياد : من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن ، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام .
وظاهر الآية يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة ، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين .
فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه ؛ لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة .
وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سفيان ، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن ؛ فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخندق على المدينة ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة ، فكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة .
ونحوه روى أشهب ، وابن عبد الحكم ، عن مالك ، وكذلك قال محمد بن إسحاق .
وقال مقاتل : نزلت في عمر - رضي الله عنه - ، استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له وقال : انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد بذلك أن يسمع المنافقين .[ ص: 298 ] وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : إنما استأذن عمر - رضي الله عنه - في العمرة فقال : عليه السلام - لما أذن له : يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك .قلت : والصحيح الأول لتناوله جميع الأقوال .
واختار ابن العربي ما ذكره في نزول الآية عن مالك ، وابن إسحاق ، وأن ذلك مخصوص في الحرب .
قال : والذي يبين ذلك أمران :أحدهما : قوله في الآية الأخرى : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ وبذلك يتبين إيمانه .الثاني : قوله تعالى : لم يذهبوا حتى يستأذنوه وأي إذن في الحديث والإمام يخطب ، وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه ، وقد قال : فأذن لمن شئت منهم ؛ فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب .قلت : القول بالعموم أولى ، وأرفع ، وأحسن ، وأعلى .
فأذن لمن شئت منهم فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع .
وقال قتادة : قوله : فأذن لمن شئت منهم منسوخة بقوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم .
واستغفر لهم الله أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرا .
إن الله غفور رحيم .
هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان، عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا وأدبهم مع رسوله وولي الأمر منهم، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ْ} ولكن هل يأذن لهم أم لا؟
ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر، فلا يؤذن له.
والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: { فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ْ} فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن، وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان، ولهذا قال: { وَاسْتَغْفِرْ لَهُم اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ} يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر.
قوله - عز وجل - : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه ) أي : مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ( على أمر جامع ) يجمعهم من حرب حضرت ، أو صلاة أو جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل ، ) ( لم يذهبوا ) يتفرقوا عنه ، لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر ، ) ( حتى يستأذنوه ) قال المفسرون : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد ، لحاجة أو عذر ، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يراه ، فيعرف أنه إنما قام يستأذن ، فيأذن لمن شاء منهم .
قال مجاهد : وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده .
قال أهل العلم : وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن ، وإذا استأذن فللإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن ، وهذا إذا لم يكن له سبب يمنعه من المقام ، فإن حدث سبب يمنعه من المقام بأن يكون في المسجد فتحيض منهم امرأة ، أو يجنب رجل ، أو يعرض له مرض ، فلا يحتاج إلى الاستئذان .
( إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ) أي : أمرهم ، ( فأذن لمن شئت منهم ) في الانصراف ، معناه إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن ، ( واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم )
«إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه» أي الرسول «على أمر جامع» كخطبة الجمعة «لم يذهبوا» لعروض عذر لهم «حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم» أمرهم «فأذن لمن شئت منهم» بالانصراف «واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم».
إنما المؤمنون حقًا هم الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه، وإذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على أمر جمعهم له في مصلحة المسلمين، لم ينصرف أحد منهم حتى يستأذنه، إن الذين يستأذنونك - أيها النبي - هم الذين يؤمنون بالله ورسوله حقًا، فإذا استأذنوك لبعض حاجتهم فَأْذَن لمن شئت ممن طلب الإذن في الانصراف لعذر، واطلب لهم المغفرة من الله.
إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم.
وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من أحكام وآداب منها ما يتعلق بالحدود ، ومنها ما يتعلق بالاستئذان ، ومنها ما يتعلق بالتستر والاحتشام ، ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء .
.
.
بعد كل ذلك اختتمت ببيان ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من أدب مع رسولهم صلى الله عليهم وسلم فقال - تعالى - : ( إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ .
.
.
) .روى ابن إسحاق فى سبب نزول هذه الآيات ما ملخصه : أنه لما كان تجمع قريش وغطفان فى غزوة الأحزاب ، ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم خندقا حول المدينة وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ودابوا ، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين فى عملهم ذلك ، رجال من النمافقين ، وجعلوا يُوَرُّون - أى يستترون - بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهمى بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن .
وجعل الرجل من المسلمين إذا ناتبه النائبة من الحاجة التى لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذن فى اللحوق لحاجته ، فيأذن له ، فإذا قضى حاجته ، رجع إلى ما كان فيه من العمل رغبة فى الخير واحتسابا له .
فأنزل الله هذه الآيات فى المؤمنين وفى المنافقين .والمراد بالأمر الجامع فى قوله : ( وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ) : الأمر الهام الذى يستلزم اشتراك الجماعة فى شأنه ، كالجهاد فى سبيل الله ، وكالإعداد لعمل من الأعمال العامة التى تهم المسلمين جميعا .والمعنى : إن من شأن المؤمنين الصادقين ، الذين آمنوا بالله ورسوله حق الإيمان أنهم إذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر جامع من الأمور التى تقتضى اشتراكهم فيه ، لم يفارقوه ولم يذهبوا عنه ، حتى يستأذنوه فى المفارقة أو فى الذهاب ، لأن هذا الاستئذان دليل على قوة الإيمان ، وعلى حسن أدبهم مع نبيهم صلى الله عليه وسلم .قال الآلوسى : وقوله : ( وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ .
.
.
) معطوف على ( آمَنُواْ ) داخل معه فى حيز الصلة ، والحصر باعتبار الكمال .
أى : إنما الكاملون فى الإيمان الذين آمنوا بالله - تعالى - ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم من صميم قلوبهم ، وأطاعوا فى جميع الأحكام التى من جملتها ما فصل من قبل .
وإذا كانوا معه صلى الله عليه وسلم على أمر مهم يجب اجتماعهم فى شأنه كالجمعة والأعياد والحروب ، وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع .
.
.
لم يذهبوا عنه صلى الله عليه وسلم ( حتى يَسْتَأْذِنُوهُ ) فى الذهاب فيأذن لهم .
.
.وخص - سبحانه - الأمر الجامع بالذكر ، للإشعار بأهميته ووجوب البقاء معه صلى الله عليه وسلم حتى يعطيهم الإذن بالانصراف ، إذ وجودهم معه يؤدى إلى مظاهرته صلى الله عليه وسلم ومعاونته فى الوصول إلى أفضل الحلول لهذا الأمر الهام .ثم مدح - سبحانه - الذين لا يغادرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا كانوا معه على أمر جامع حتى يستأذنوه فقال : ( إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ) .أى : إن الذين يستأذنونك فى تلك الأحوال الهامة ، والتى تستلزم وجودهم معك ، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله حق الإيمان ، لأن هذا الاستئذان فى تلك الأوقات دليل على طهارة نفوسهم ، وصدق يقينهم ، وصفاء قلوبهم .ثم بين - سبحانه - وظيفته - صلى الله عليه وسلم فقال : ( فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .أى : فإذا استأذنك هؤلاء المؤمنون فى الانصراف ، لقضاء بعض الأمور والشئون التى هم فى حاجة إليها ، فأنت مفوض ومخير فى إعطاء الإذن لبعضهم وفى منعه عن البعض الآخر ، إذ الأمر فى هذه المسألة متروك لتقديرك - أيها الرسول الكريم - .وقوله - تعالى - ( واستغفر لَهُمُ ) فيه إشارة إلى أنه كان الأولى بهؤلاء المؤمنين ، أن يبقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ينتهوا من حل هذا الأمر الجامع الذى اجتمعوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله ، وحتى يأذن لهم صلى الله عليه وسلم فى الانصراف دون أن يطلبوا منه ذلك ، فإن الاستئذان قبل البت فى الأمر الهام الذى يتعلق بمصالح المسلمين جميعا ، غير مناسب للمؤمنين الصادقين ، ويجب أن يكون فى أضيق الحدود ، وأشد الظروف ، ومع كل ذلك ، فالله - تعالى - واسع المغفرة لعباده عظيم الرحمة بهم .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ على أَمْرٍ جمِيع ﴾ ثم ذكروا في قوله: ﴿ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله: ﴿ إِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ إشارة إلى أنه خطب جليل لابد لرسول صلى الله عليه وسلم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه.
وثانيها: عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.
وثالثها: عن مجاهد في الحرب وغيره.
المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي: كان صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يميناً وشمالاً فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن.
المسألة الثالثة: قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان، وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب: هذا بناء على أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع في أنه كفر.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذِنُونَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذِنُونَكَ ﴾ المعنى تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه، قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ما نراه يعدل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك، وفي قوله: ﴿ واستغفر لَهُمُ الله ﴾ وجهان: أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيهاً على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن، لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان.
المسألة الثانية: قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ .
المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه.
أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو اختيار المبرد والقفال، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان أمره فرضاً لازماً، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ .
وثانيها: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله، عن سعيد بن جبير.
وثالثها: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله ﴾ عن ابن عباس.
ورابعها: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية.
أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ فالمعنى يتسللون قليلاً قليلاً، ونظير تسلل تدرج وتدخل، واللواذ: الملاوذة وهي أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني يتسللون عن الجماعة (على سبيل الخفية) واستتار بعضهم ببعض، و(لواذاً) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه، وقرئ ﴿ لِوَاذاً ﴾ بالفتح ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: قال مقاتل: كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان.
وثانيها: قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال.
وثالثها: قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق.
ورابعها: يتسللون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه وعن ذكره، وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله ﴾ معناه التهديد بالمجازاة.
أما قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأخفش (عن) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت (عن) لتضمين المخالفة معنى الإعراض.
المسألة الثانية: كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية، وقال أبو بكر الرازي: الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها.
المسألة الثالثة: الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، ووجه الاستدلال به أن نقول: تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه، قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، فما الدليل عليه؟
ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما: أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني: أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقاً واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقاً واجب القبول، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر، وهو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ؟
قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفاً للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟
سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر؟
فإن قلت لفظة (عن) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله تعالى أن لا يكون زائداً، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب؟
أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب؟
وهذا أول المسألة، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لابد وأن يدل على حسن الحذر، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت: لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ لا يفيد إلا أمراً واحداً، وعندما أن أمراً واحداً يفيد الوجوب، فلم قلت إن كل أمر كذلك؟
سلمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير في قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك؟
الجواب: قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟
قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه، وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله: افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله: الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقاً واجب القبول، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.
قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفاً فوجب أن يستحق العقاب، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأموراً به وهو ممنوع، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ أمراً بالحذر عن المخالف لا أمراً للمخالف بالحذر؟
قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذاً عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ضائعاً لأن الحذر ليس فعلاً يتعدى إلى مفعولين.
قوله كلمة (عن) ليست بزائدة، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى.
قوله لم قلتم إن قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ يدل على وجوب الحذر عن العقاب؟
قلنا لا ندعي وجوب الحذر، ولكن لا أقل من جواز الحذر، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب.
قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب؟
قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللاً به، فيلزم عمومه لعموم العلة.
قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب، فلم قلتم إن الأمر كذلك؟
قلنا لأنه لا قائل بالفرق، والله أعلم.
المسألة الرابعة: من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق، كما يقال أمر فلان مستقيم.
وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يتناول قول الرسول وفعله وطريقته، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجباً علينا، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا، والعذاب الأليم عذاب الآخرة، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد، ثم قال الحسن: الفتنة هي ظهور نفاقهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: القتل.
وقيل: الزلازل والأهوال، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر.
أما قوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض ﴾ فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما وعلى ما بينهما وما فيهما، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب، وعلمه بما يخفيه ويعلنه، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره.
أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ فإنما أدخل ﴿ قَدْ ﴾ لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق.
ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير.
كما في قوله الشاعر: فإن يمس مهجور الفناء فربما *** أقام به بعد الوفود وفود والخطاب والغيبة في قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاماً ويرجعون للمنافقين، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
أراد عزّ وجلّ أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه ﴿ وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الأيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ وضمنه شيئاً آخر، وهو: أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرّض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.
ومعنى قوله: ﴿ لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَئذِنُوهُ ﴾ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له.
والأمر الجامع: الذي يجمع له الناس، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدوّ، أو تشاور في خطب مهمّ، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تماسح في حلف وغير ذلك.
أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه.
وقرئ: ﴿ أمر جميع ﴾ وفي قوله: ﴿ وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أنه خطب جليل لابد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوّة، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه، فمن ثمة غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، ومع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله: ﴿ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ .
وذكر الاستغفار للمستأذنين: دليل على أنّ الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه.
وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.
وقالوا: كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل ولا يتفرقون عنهم.
والأمر في الإذن مفوّض إلى الإمام: إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن، على حسب ما اقتضاه رأيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ.
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ مِن صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ.
﴿ وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ ﴾ كالجُمُعَةِ والأعْيادِ والحُرُوبِ والمُشاوَرَةِ في الأُمُورِ، ووُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ «أمْرٌ جَمِيعٌ» .
﴿ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ فَيَأْذَنَ لَهم، واعْتِبارُهُ في كَمالِ الإيمانِ لِأنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّتِهِ والمُمَيِّزِ لِلْمُخْلِصِ فِيهِ عَنِ المُنافِقِ فَإنَّ دَيْدَنَهُ التَّسَلُّلُ والفِرارُ، ولِتَعْظِيمِ الجُرْمِ في الذَّهابِ عَنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولِذَلِكَ أعادَهُ مُؤَكِّدًا عَلى أُسْلُوبٍ أبْلَغَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ المُسْتَأْذِنَ مُؤْمِنٌ لا مَحالَةَ وأنَّ الذَّهابَ بِغَيْرِ إذْنٍ لَيْسَ كَذَلِكَ.
﴿ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ المَهامِّ، وفِيهِ أيْضًا مُبالَغَةٌ وتَضْيِيقُ الأمْرِ.
﴿ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ ﴾ تَفْوِيضٌ لِلْأمْرِ إلى رَأْيِ الرَّسُولِ ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأحْكامِ مُفَوَّضَةٌ إلى رَأْيِهِ ومَن مَنَعَ ذَلِكَ قَيَّدَ المَشِيئَةَ بِأنَّ تَكُونَ تابِعَةً لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ فَكَأنَّ المَعْنى: فائْذَنْ لِمَن عَلِمْتَ أنَّ لَهُ عُذْرًا.
﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ﴾ بَعْدَ الإذْنِ فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ ولَوْ لِعُذْرٍ قُصُورٌ لِأنَّهُ تَقْدِيمٌ لِأمْرِ الدُّنْيا عَلى أمْرِ الدِّينِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِفُرُطاتِ العِبادِ.
﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ} أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين {لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يستأذنوه} أى ويأذن لهم ولما أراد الله عز وجل أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره وذلك مع تصدير الجملة بأنما وإيقاعٍ المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله {إن الذين يستأذنونك أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ} وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالصداق لصحة
الإيمانين وعرض بحال المنافقين وتسالهم لو اذا {فإذا استأذنوك} في الانصراف {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أمرهم {فَأْذَن لّمَن شئت منهم} فيه رفع شأنه عليه الصلاة والسلام {واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل أن لا يستأذن قالوا وينبغي أن يكون الناس
النور (٦٤ - ٦٢)
كذلك مع أئمتهم مقدميهم فى الدين والعلم يظاهرونهم ولا يفرقون عنهم إلا بإذن قيل نزلت يوم الخندق كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان
﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلَخْ دَلالَةً عَلى أنَّ مَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ والمُنْتَفِعُ بِتِلْكَ الآياتِ جَمْعٌ مَن سَلَّمَ نَفْسَهُ لِصاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدِيِ الغاسِلِ لا يُحْجِمُ ولا يُقْدِمُ دُونَ إشارَتِهِ ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ أوْرَدَ هَذِهِ الآيَةَ شِهابُ الحَقِّ والدِّينُ أبُو حَفْصٍ عُمَرُ السَّهَرْوَرْدِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ في بابِ سَيْرِ المُرِيدِ مَعَ الشَّيْخِ ونَبَّهَ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما يَرْسُمُهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَهو أمْرٌ جامِعٌ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في أواخِرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لَها وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِها وتَكْمِيلًا لَها بِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِها، وإنَّما ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الواقِعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ مَعَ تَضَمُّنِهِ لَهُ قَطْعًا تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَجْعَلَ قَرِينًا لِلْإيمانِ المَذْكُورِ مُنْتَظِمًا في سِلْكِهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ ﴾ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلى ( آمَنُوا ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وبِذَلِكَ يَصِحُّ الحَمْلُ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ الكَمالِ أيْ إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ وأطاعُوا في جَمِيعِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ مِن قَبْلُ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِعامَّةِ أحْوالِهِمُ المُطَّرِدَةِ في الوُقُوعِ وأحْوالِهِمُ الواقِعَةِ بِحَسْبِ الِاتِّفاقِ كَما إذا كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ يَجِبُ اجْتِماعُهم في شَأْنِهِ كالجُمْعَةِ والأعْيادِ والحُرُوبِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الِاجْتِماعِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الأمْرَ الجامِعَ الجِهادُ وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ سَلامٍ هو كُلُّ صَلاةٍ فِيها خِطْبَةٌ كالجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ والِاسْتِسْقاءِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ هو الجِهادُ وصَلاةُ الجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى العُمُومُ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في حُفَرِ الخَنْدَقِ ولَعَلَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، ووُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لَهُ لِلْمُبالِغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.
وقَرَأ اليَمانِيُّ «عَلى أمْرٍ جَمِيعٍ» وهو بِمَعْنى جامِعٍ أوْ مَجْمُوعٍ لَهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ ﴿ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ عَنْهُ ﴿ حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الذَّهابِ فَيَأْذَنُ لَهم بِهِ فَيَذْهَبُونَ فالغايَةُ هي الإذْنُ الحاصِلُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِئْذانِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتِمُّ مِن قِبَلِهِمْ وهو المُعْتَبِرُ في كَمالِ الإيمانِ لا الإذْنُ ولا الذَّهابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ واعْتِبارُهُ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّتِهِ والمُمَيَّزِ لِلْمُخْلِصِ عَنِ المُنافِقِ فَإنَّ دَيْدَنُهُ التَّسَلُّلُ لِلْفِرارِ، ولِتَعْظِيمِ ما في الذَّهابِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الجِنايَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ عَقَّبَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ المُسْتَأْذِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ عَكْسَ الأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُما مُتَعاكِسانِ سَواءً بِسَواءٍ ومِنهُ يَلْزَمُ أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ وكَذَلِكَ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اسْتِئْهالَ الإيمانَيْنِ لِذَلِكَ ﴿ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ ﴾ بَيانٌ لِما هو وظِيفَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا البابِ إثْرَ بَيانِ ما هو وظِيفَةُ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ المُسْتَأْذِنُونَ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ ﴿ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ أيْ لِبَعْضِ أمْرِهِمُ المُهِمِّ وخَطْبِهِمُ المُلِمُّ ﴿ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ ﴾ تَفْوِيضٌ لِلْأمْرِ إلى رَأْيِهِ واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأحْكامِ مُفَوَّضَةٌ إلى رَأْيِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ مَسْألَةُ التَّفْوِيضِ المُخْتَلِفِ في جَوازِها بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ وهي أنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ إلى المُجْتَهِدِ فَيُقالُ لَهُ: احْكم بِما شِئْتَ فَإنَّهُ صَوابٌ فَأجازَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَقالَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ: بِجَوازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِلنَّبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ: بِجَوازِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ خاصَّةً في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الرِّسالَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرَدُّدِ بَيْنَ الجَوازِ والمَنعِ ومُنِعَ مِن ذَلِكَ الباقُونَ.
والمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا في الوُقُوعِ، قالَ الآمِدِيُّ والمُخْتارُ الجَوازُ دُونَ الوُقُوعِ، وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ فَلْيُراجَعْ.
والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ جَوازُ أنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ إلى المُجْتَهِدِ إذا عَلِمَ أنَّهُ يُحَكِّمُ تَرَوِّيًا لا تَشَهِّيًا ويَكُونُ التَّفْوِيضُ حِينَئِذٍ كالأمْرِ بِالِاجْتِهادِ، والألْيَقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعالى وشَأْنِ رَسُولِهِ أنْ يُنَزِّلَ ما هُنا عَلى ذَلِكَ وتَكُونُ المَشِيئَةُ مُقَيَّدَةً بِالعِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ أنْ يُقالَ: احْكم بِما شِئْتَ تَرَوِّيًا بَلِ الخِلافُ في جَوازِ أنْ يُقالَ: احْكم بِما شِئْتَ تَشَهِّيًا كَيْفَما اتَّفَقَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعْدَ التَّقْيِيدِ لا يَكُونُ ما نَحْنُ فِيهِ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِمَّنْ شِئْتَ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ﴾ فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ وإنْ كانَ لِعُذْرٍ قَوِيٍّ لا يَخْلُو عَنْ شائِبَةِ تَقْدِيمِ أمْرِ الدُّنْيا عَلى أمْرِ الآخِرَةِ.
وتَقْدِيمُ «لَهُمْ» لِلْمُبادَرَةِ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ لا لِلْإذْنِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ مُبالَغٌ في مَغْفِرَةِ فُرُطاتِ العِبادِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ مُبالَغٌ في إفاضَةِ شَآبِيبِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في ضِمْنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وقَدْ بالَغَ جَلَّ شَأْنُهُ في الِاحْتِفالِ بِرَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ سُبْحانَهُ الِاسْتِئْذانَ لِلذَّهابِ عَنْهُ ذَنْبًا مُحْتاجًا لِلِاسْتِغْفارِ فَضْلًا عَنِ الذَّهابِ بِدُونِ إذْنٍ ورَتَّبَ الإذْنَ عَلى الِاسْتِئْذانِ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ لا عَلى الِاسْتِئْذانِ مُطْلَقًا ولا عَلى الِاسْتِئْذانِ لِأيِّ أمْرٍ مَهْما كانَ أوْ غَيْرِ مُهِمٍّ ومَعَ ذَلِكَ عَلَّقَ الإذْنَ بِالمَشِيئَةِ، وإذا اعْتَبَرْتَ وُجُوهَ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ ﴾ إلى هُنا وجَدْتُها تَزِيدُ عَلى العَشْرَةِ.
وفِي أحْكامِ القُرْآنِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ اسْتِئْذانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الِانْصِرافِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ أمْرٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وغَيْرُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأئِمَّةِ مِثْلُهُ في ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن أدَبِ الدِّينِ وأدَبِ النَّفْسِ، وقالَ ابْنُ الفُرْسِ: لا خِلافَ في الغَزْوِ أنَّهُ يَسْتَأْذِنُ إمامَهُ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ يَدْعُوهُ إلى الِانْصِرافِ واخْتَلَفَ في صَلاةِ الجُمْعَةِ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ كالرُّعافِ وغَيْرِهِ فَقِيلَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذانُ سَواءٌ كانَ أمامَهُ الأمِيرُ أمْ غَيْرُهُ أخْذًا مِنَ الآيَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ والزَّهْرِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: المصدقين الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يعني: مع النبيّ على أمر جمعهم لتدبير في أمر جهاد، أو في أمر من أمور الله تعالى فيه طاعة لَمْ يَذْهَبُوا يعني: لم يفارقوا رسول الله حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ.
وذلك أن النبيّ كان يجمعهم يوم الجمعة فيستشيرهم في أمر الغزو، فكان يثقل على بعضهم المقام، فيخرجون بغير إذنه.
وقال بعضهم: نزلت في يوم الخندق، وكان بعض الناس يرجعون إلى منازلهم بغير إذن النبيّ ، وتركوه وأصحابه، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بأن لا يرجعوا إلا بإذنه ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه.
وفي الآية بيان حفظ الأدب، بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو، لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه، ولا يخالف أمر السرية.
وروي عن مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء، قال: «هذا في الجمعة، وفي الزحف، وفي كل أمر جامع» .
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وليسوا بمنافقين.
وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يرجعوا حتى يستأذنوا، وأما المنافقون فيرجعون بغير إذنه.
ثم قال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ يعني: لبعض أمورهم وحوائجهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ولا تأذن لمن شئت، لأن بعض المنافقين لم يكن لهم في الرجوع حاجة، فإن أرادوا أن يرجعوا فلا تأذن لهم، وأذن للمؤمنين.
وقال مقاتل: نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله، فأذن له.
ثمّ قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي فيما استأذنوك من الرجوع بغير حاجة لهم.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ به.
ثم قال عز وجل: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ يعني: لا تدعوا محمدا باسمه كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ولكن وقِّروه وعظموه، وقولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، ويا أبا القاسم.
وفي الآية بيان توقير معلم الخير، لأن رسول الله كان معلّم الخير، فأمر الله عز وجل بتوقيره وتعظيمه، وفيه معرفة حق الأستاذ، وفيه معرفة أهل الفضل.
ثم ذكر المنافقين فقال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ يعني: يرى الله الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ يعني: يخرجون من المسجد لِواذاً يلوذ بعضهم ببعض.
وذلك أن المنافقين كان يشقُّ عليهم المقام هناك يوم الجمعة وغيره، فيتسللون من بين القوم، ويلوذ الرجل بالرجل، أو بالسارية لئِلاَّ يراه النبي حتى يخرج من المسجد.
يقال: لاذ يلوذ إذا عاذ وامتنع بشيء.
ويقال: معنى (لواذا) هنا معنى الخلاف، يعني: يخالفون خلافاً، فخوفهم الله تعالى عقوبته فقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني: عن أمر الله تعالى.
ويقال: عن أمر رسول الله .
ويقال: عَنْ زيادة في الكلام للصلة.
ومعناه: يخالفون أمره إلى غير ما أمرهم به أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ يعني: الكفر، لأن أمر رسول الله واجب، فمن تركه على وجه الجحود كفر.
ويقال: فِتْنَةٌ يعني: بلية في الدنيا.
ويقال: فساد في القلب.
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يصيبهم عذابا عظيما في الآخرة.
ويقال: القتل بالسيف.
ويقال: يجعل حلاوة الكفر في قلبه.
وقوله: أَوْ على معنى الإفهام، لا على وجه الشك والتخيير.
ثم قال عز وجل: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وإماؤه وفي مملكته قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الاستقامة في الإيمان، والنفاق وغير ذلك.
ويقال: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من خير أو شر، فيجازيكم بذلك وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر، فيجازيهم بذلك.
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالهم وأقوالهم، وبما في أنفسهم.
وروي عن الأعمش، عن سفيان بن سلمة، قال: شهدت ابن عباس ولي الموسم، وقرأ سورة النور على المنبر وفسّرها، فلو سمعتها الروم لأسلمت.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «تعلموا سورة براءة، وَعَلِّموا نساءكم سورة النور» ، والله أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى رسله وصحبه وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] ففي التعدي والخدع ونحوه، وأمَّا هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يسرها- استباحَةُ طعامها على هذه الصفة، وأمَّا آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكَشَفَةِ، فإذا استأذن المرءُ ودخل المنزل بالوجه المباح صَحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآية نسخ فتأمله.
وقوله/ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...
الآية: إنّما هنا: ٤٢ أللحصر، والأمر الجامع يُرَادُ به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة، فالأدب اللازم في ذلك ألّا يذهب أحد لعذر إلّا بإذنه، والإمام الذي يُتَرَقَّبُ إذنه هو إمام الإمارة، وروي: أنَّ هذه الآية نزلت في وقت حفر النبي صلى الله عليه وسلّم خندقَ المدينة، فكان المؤمنون يستأذنون، والمنافقون يذهبون دون إذن، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بالاستغفار لصنفي المؤمنين: مَنْ أَذِنَ له، ومَنْ لم يُؤْذن [له] «١» .
وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم.
وقوله تعالى: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي: لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض، وأمرهم تعالى في هذه الآية وفي غيرها أنْ يدعوا رسول الله بأشرف أسمائه وذلك هو مُقْتَضَى التوقير، فالأدب في الدعاء أنْ يقول: يا رسولَ الله، ويكون ذلك بتوقير وبِرٍّ، وخفض صوت، قاله مجاهد «٢» ، واللواذ: الرَّوْغَانُ، ثم أمرهم تعالى بالحذر من عذاب الله ونِقْمَتِهِ إذا خالفوا أمره ومعنى يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي: يقع خلافهم بعد أمره، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ قد علم ما أهلُ الأرض والسماء عليه، وباقي الآية بيّن، والحمد لله.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كانُوا مَعَهُ ﴾ يَعْنِي: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَلى أمْرٍ جامِعٍ ﴾ أيْ: عَلى أمْرِ طاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها، نَحْوِ الجِهادِ والجُمُعَةِ والعِيدِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا صَعِدَ المِنبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وأرادَ الرَّجُلُ أنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ لِحاجَةٍ أوْ عُذْرٍ، لَمْ يَخْرُجْ حَتّى يَقُومَ بِحِيالِ رَسُولِ اللَّهِ حَيْثُ يَراهُ، فَيَعْرِفُ أنَّهُ إنَّما قامَ لِيَسْتَأْذِنَ، فَيَأْذَنُ لِمَن شاءَ مِنهم، فالأمْرُ إلَيْهِ في ذَلِكَ» .
قالَ مُجاهِدٌ: وإذْنُ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ﴾ أيْ: لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الجَماعَةِ إنْ رَأيْتَ لَهم عُذْرًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ "إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ لِلْحَصْرِ، اقْتَضى ذَلِكَ المَعْنى؛ لَأنَّهُ لا يَتِمْ إيمانٌ إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ المَرْءُ بِاللهِ ورَسُولِهِ، وبِأنْ يَكُونَ مِنَ الرَسُولِ سامِعًا غَيْرَ مُعَنِّتٍ في أنْ يَكُونَ الرَسُولُ يُرِيدُ أمْرًا فَيُرِيدُ هو إفْسادَهُ بِزَوالِهِ في وقْتِ الجَمْعِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
و"الأمْرُ الجامِعُ" يُرادُ بِهِ ما لِلْإمامِ حاجَةٌ إلى جَمْعِ الناسِ فِيهِ لِإذاعَةِ مَصْلَحَةٍ، فَأدَبُ الإسْلامِ اللازِمْ في ذَلِكَ -إذا كانَ الأمْرُ حاضِرًا- ألّا يَذْهَبَ أحَدٌ لِعُذْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، فَإذا ذَهَبَ بِإذْنٍ ارْتَفَعَ عنهُ الظَنُّ السَيِّئُ، والإمامُ الَّذِي يُرْتَقَبُ إذْنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو إمامُ الإمْرَةِ، وقالَ مَكْحُولٌ، والزَهْراوِيُّ: الجُمْعَةُ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ، وإمامُ الصَلاةِ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَأْذِنَ إذا قَدَّمَهُ إمامُ الإمْرَةِ إذا كانَ يَرى المُسْتَأْذِنَ، ومَشى بَعْضُ الناسِ دَهْرًا عَلى اسْتِئْذانِ إمامِ الصَلاةِ، ورُوِيَ أنَّ هَرَمَ بْنَ حِبّانَ كانَ يَخْطُبُ، فَقامَ رَجُلٌ فَوَضْعَ يَدَهُ عَلى أنْفِهِ، وأشارَ إلى هَرَمٍ بِالِاسْتِئْذانِ فَأذِنَ لَهُ، فَلِما قُضِيَتِ الصَلاةُ كَشَفَ عن أمْرِهِ أنَّهُ إنَّما ذَهَبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَقالَ هَرَمٌ: اللهم أخِّرْ رِجالَ السُوءِ لِزَمانِ السُوءِ.
وظاهِرُ الآيَةِ إنَّما يَقْتَضِي أنْ يُسْتَأْذَنَ أمِيرُ الإمْرَةِ الَّذِي هو في مَقْعَدِ النُبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما كانَ لَهُ رَأْيٌ في حَبْسِ ذَلِكَ الرَجُلِ لِأمْرٍ مِن أُمُورِ الدِينِ، فَأمّا إمامُ الصَلاةِ فَقَطْ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لَأنَّهُ وكِيلٌ عَلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الدَيْنِ لِلَّذِي هو في مَقْعَدِ النُبُوَّةِ.
ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْذَنَ لِمَن عَرَفَ مِنهُ صِحَّةَ العُذْرِ وهُمُ الَّذِينَ يَشاءُ.
ورَوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْتِ حَفْرِ رَسُولِ اللهِ خَنْدَقَ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانَ يَسْتَأْذِنُ لِضَرُورَةٍ، وكانَ المُنافِقُونَ يَذْهَبُونَ دُونَ اسْتِئْذانٍ، فَأخْرَجَ اللهُ تَعالى الَّذِينَ لا يَسْتَأْذِنُونَ عن صَنِيفَةِ المُؤْمِنِينَ، وأُمِرَ النَبِيُّ أنْ يَأْذَنَ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي لا تَدْعُوهُ ضَرُورَةٌ إلى حَبْسِهِ، وهو الَّذِي يَشاءُ، ثُمْ أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لِصِنْفَيِ المُؤْمِنِينَ مِن أُذِنَ لَهُ ومَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وفي ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَأْفَةٌ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى الكلام السابق في شأن الاستئذان للدخول عُقب ذلك بحكم الاستئذان للخروج ومفارقة المجامع فاعتُني من ذلك بالواجب منه وهو استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم في مفارقة مجلسه أو مفارقة جمععٍ جُمِع عن إذنه لأمر مهم كالشورى والقتال والاجتماع للوعظ ونحو ذلك.
وكان من أعمال المنافقين أن يحضروا هذه المجامع ثم يتسللوا منها تفادياً من عمل يشق أو سآمةً من سماع كلام لا يهتبلون به، فنعى الله عليهم فعلهم هذا وأعلم بمنافاته للإيمان وأنه شعار النفاق، بأن أعرض عن وصف نفاق المنافقين واعتنى باتصاف المؤمنين الأحقاء بضد صفة المنافقين قال تعالى: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ [التوبة: 127] ولذلك جاء في أواخر هذه الآيات قوله: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لِوَاذاً ﴾ [النور: 63].
فالقصر المستفاد من (إنما) قصر موصوف على صفة.
والتعريف في ﴿ المؤمنون ﴾ تعريف الجنس أو العهد، أي أن جنس المؤمنين أو أن الذين عُرفوا بوصف الإيمان هم الذين آمنوا بالله ورسوله ولم ينصرفوا حتى يستأذنوه.
فالخبر هو مجموع الأمور الثلاثة وهو قصر إضافي قصر إفراد، أي لا غيرُ أصحاب هذه الصفة من الذين أظهروا الإيمان ولا يستأذنون الرسول عند إرادة الانصراف، فجعل هذا الوصف علامة مميزة للمؤمنين الأحقاء عن المنافقين يومئذٍ إذ لم يكن في المؤمنين الأحقاء يومئذٍ من ينصرف عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بدون إذنه، فالمقصود: إظهار علامة المؤمنين وتمييزهم عن علامة المنافقين.
فليس سياق الآية لبيان حقيقة الإيمان لأن للإيمان حقيقة معلومة ليس استئذان النبي صلى الله عليه وسلم عند إرادة الذهاب من أركانها، فعلمت أن ليس المقصود من هذا الحصر سلب الإيمان عن الذي ينصرف دون إذن من المؤمنين الأحقاء لو وقع منه ذلك عن غير قصد الخذل للنبيء صلى الله عليه وسلم أو أذاه، إذ لا يعدو ذلك لو فعله أحد المؤمنين عن أن يكون تقصيراً في الأدب يستحق التأديب والتنبيه على تجنب ذلك لأنه خصلة من النفاق كما ورد التحذير من خصال النفاق في أحاديث كثيرة.
وعلمتَ أيضاً أن ليس المقصود من التعريف في ﴿ المؤمنون ﴾ معنى الكمال لأنه لو كان كذلك لم يحصل قصد التشهير بنفاق المنافقين.
والأمر: الشأن والحال المهم.
وتقدم في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ في سورة النساء (59).
والجامع: الذي من شأنه أن يجتمع الناس لأجله للتشاور أو التعلم.
والمراد: ما يجتمع المسلمون لأجله حول الرسول عليه الصلاة والسلام في مجلسه أو في صلاة الجماعة.
وهذا ما يقتضيه (مع) و(على) من قوله: ﴿ معه على أمر جامع ﴾ لإفادة (مع) معنى المشاركة وإفادة (على) معنى التمكن منه.
ووصف الأمر ب ﴿ جامع ﴾ على سبيل المجاز العقلي لأنه سبب الجمع.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ في سورة يونس (71).
وعن مالك: أن هذه الآية نزلت في المنافقين يوم الخندق (وذلك سنة خمس) كان المنافقون يتسللون من جيش الخندق ويعتذرون بأعذار كاذبة.
وجملة: ﴿ إن الذين يستأذنونك ﴾ إلى آخرها تأكيد لجملة: ﴿ إنما المؤمنون ﴾ لأن مضمون معنى هذه الجملة هو مضمون معنى جملة: ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ الآية.
وقد تفنن في نظم الجملة الثانية بتغيير أسلوب الجملة الأولى فجعل مضمون المسند في الأولى مسنداً إليه في الثانية والمسند إليه في الأولى مسنداً في الثانية ومآل الأسلوبين واحد لأن المآل الإخبار بأن هذا هو ذاك على حدِّ: وشعري شعري، تنويهاً بشأن الاستئذان، وليبنى عليها تفريع ﴿ فإذا استئذنوك لبعض شأنهم ﴾ ليُعلِّم المؤمنين الأعذار الموجبة للاستئذان، أي ليس لهم أن يستأذنوا في الذهاب إلا لشأن مهم من شؤونهم.
ووقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿ يستأذنوك ﴾ تشريفاً للرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب.
وقد خير الله رسوله في الإذن لمن استأذنه من المؤمنين لأنه أعلم بالشأن الذي قضاؤه أرجح من حضور الأمر الجامع لأن مشيئة النبي لا تكون عن هوى ولكن لعذر ومصلحة.
وقوله: ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ مؤذن بأن ذلك الانصراف خلاف ما ينبغي لأنه لترجيح حاجته على الإعانة على حاجة الأمة.
وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة لأن من السنة أن يكون لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع.
وقد أشارت مشروعية الإمامة إلى ذلك النظام.
ومن السنة أن لا يجتمع جماعة إلا أمّروا عليهم أميراً فالذي يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين فهو في مقام النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد أن يستأذنه، لأنه لو جعل أمر الانسلال لشهوة الحاضر لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة التي جُمعت لأجلها، وكذلك الأدب أيضاً في التخلف عن الاجتماع عند الدعوة إليه كاجتماع المجالس النيابية والقضائية والدينية أو التخلف عن ميقات الاجتماع المتفق عليه إلا لعذر واستئذان.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأمْرَ الجامِعَ الجُمُعَةُ والعِيدانِ والِاسْتِسْقاءُ وكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ الخُطْبَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الجِهادُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: طاعَةُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ أيْ لَمْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ حَتّى يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ فِيهِ.
﴿ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ الآيَةَ.
وَهَذا بِحَسَبِ ما يَرى مِن أعْذارِهِمْ ونِيّاتِهِمْ ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كانَ مَعَ النَّبِيِّ في غَزاةِ تَبُوكَ فاسْتَأْذَنَهُ في الرُّجُوعِ إلى أهْلِهِ فَقالَ: (انْطَلِقْ فَواللَّهِ ما أنْتَ بِمُنافِقٍ ولا مُرْتابٍ)» وكانَ المُنافِقُونَ إذا اسْتَأْذَنُوا نَظَرَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَأْذَنْ لَهم فَكانَ بَعْضُهم يَقُولُ لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّهُ بُعِثَ بِالعَدْلِ وهَكَذا يَصْنَعُ بِنا.
﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ﴾ يَعْنِي لِمَن أذِنَ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَزُولَ عَنْهُ بِاسْتِغْفارِهِ مَلامَةَ الِانْصِرافِ قالَ قَتادَةُ: وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من بئر رومة بالمدينة قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بتغمين إلى جانب أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وضرب الخندق على المدينة وعمل فيه، وعمل المسلمون فيه، وابطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع...
﴾ إلى قوله: ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ [ النور: 64] .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ قال: ذلك في الغزو، والجمعة، وإذن الإِمام يوم الجمعة: أن يشير بيده.
وأخرج الفريابي عن مكحول في قوله: ﴿ وإذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ قال: إذا جمعهم لأمر حزبهم من الحرب ونحوه لم يذهبوا حتى يستأذنوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: هي في الجهاد، والجمعة، والعيدين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ على أمر جامع ﴾ قال: من طاعة الله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن سيرين قال: كان الناس يستأذنون في الجمعة ويقولون: هكذا ويشيرون بثلاث أصابع.
فلما كان زياد كثر عليه فاغتم فقال: من أمسك على أذنه فهو أذنه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مكحول في الآية قال: يعمل بها الآن في الجمعة والزحف.
وأخرج سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش قال: رأيت عمرو بن قيس السكوني يخطب الناس يوم الجمعة، فقام إليه أبو المدلَّهْ اليحصبي في شيء وجده في بطنه، فأشار إليه عمرو بيده أي انصرف، فسألت عمراً وأبا المدلَّهْ فقال: هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعون.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ قال: كانوا يقولون: يا محمد.
يا أبا القاسم.
فنهاهم الله عن ذلك اعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله يا رسول الله.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ يعني كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه، ولكن وقروه، وعظموه، وقولوا له: يا رسول الله.
ويا نبي الله.
وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ يريد ولا تصيحوا به من بعيد: يا أبا القاسم.
ولكن كما قال الله في الحجرات ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﴾ [ الحجرات: 3] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: أمرهم الله أن يدعوه: يا رسول الله.
في لين وتواضع ولا يقولوا: يا محمد.
في تجهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أمر الله أن يهاب نبيه، وأن يُبَجَّلَ، وأن يعظم، وأن يفخم، ويشرف.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: لا تقولوا يا محمد.
ولكن قولوا يا رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والحسن.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ﴾ يقول: دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها.
وأخرج سعيد بن منصور عن الشعبي في الآية قال: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم على بعض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ قال: هم المنافقون.
كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة- ويعني بالحديث الخطبة- فيلوذون ببعض الصحابة حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل، لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي يخطب بطلت جمعته.
وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل قال: كان لا يخرج أحد لرعاف، أو أحداث، حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الابهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده، وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج، فأنزل الله: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ قال: يتسللون عن نبي الله، وعن كتابه، وعن ذكره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لواذاً ﴾ قال: خلافاً.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ قال: يتسللون من الصف في القتال ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ﴾ قال: أن يطبع على قلوبهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال: إني لخائف على من ترك المسح على الخفين أن يكون داخلاً في هذه الآية ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن أبي كثير قال: «نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقاتلوا ناحية من خيبر، فانصرف الرجال عنهم وبقي رجل، فقاتلهم، فرموه، فقتلوه، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبعد ما نهينا عن القتال؟
فقالوا: نعم.
فتركه ولم يصل عليه» .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: أشد حديث سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في سعد بن معاذ في أمر القبر.
ولما كانت غزوة تبوك قال «لا يخرج معنا إلا رجل مُقْوٍ فخرج رجل على بكر له صعب، فصرعه، فمات فقال الناس: الشهيد الشهيد.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي في الناس لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يدخل الجنة عاص» .
وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم وهو مستقبل العدو: لا يقاتل أحد منكم، فعمد رجل منهم ورمى العدو وقاتلهم، فقتلوه، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم استشهد فلان فقال: أبعد ما نهيت عن القتال؟
قالوا: نعم.
قال: لا يدخل الجنة عاص» .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 44] قال: كان لا يستأذنه إذا غزا إلا المنافقون.
فكان لا يحل لأحد أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يتخلف بعده إذا غزا، ولا تنطلق سرية إلا باذنه، ولم يجعل الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لأحد حتى نزلت الآية ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ يقول: أمر طاعة ﴿ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ فجعل الاذن إليه يأذن لمن يشاء.
فكان إذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لأمر يأمرهم وينهاهم صبر المؤمنون في مجالسهم، وأحبوا ما أحدث لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه، وبما أحبوا وكرهوا، فإذا كان شيء مما يكره المنافقون، خرجوا يتسللون يلوذ الرجل بالرجل يستتر لكي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال الله تعالى: إن الله تعالى يبصر الذين يتسللون منكم لواذاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ قال مجاهد (١) (٢) (٣) وقال مقاتل بن حيان: يقول على أمر طاعة يجتمعون عليها نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك (٤) وقوله: ﴿ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ قال مقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب استأذن النبي - - في غزوة تبوك في الرجعة إلى أهله، فأذن له وقال: "انطلق فوالله ما أنت بمنافق".
يريد بذلك أن يسمع المنافقين (٥) وقال ابن عباس: الذي استأذنه عمر بن الخطاب، وذلك (٦) - في العمرة فأذِن له، ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح (٧) (٨) وقال الثُّمالي (٩) - إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال (١٠) - حيث يراه، فيعرف أنَّه (١١) (١٢) (١٣) قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده (١٤) قال الكلبي: كان ذلك مع رسول الله - - فأما اليوم فإذنه أن يأخذ بأنفه وينصرف (١٥) وذكر في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله - - كان إذا خطب يوم الجمعة عرّض بالمنافقين في خطبته وعابهم، فربما كانوا يخرجون من المسجد ولا (١٦) (١٧) وقال أبو إسحاق في هذه الآية: أعلم الله -عز وجل- أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيّه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع أئمتهم لا يخالفونهم، ولا يرجعون عنهم في جمع من جموعهم إلا بإذنهم، وللإمام أن يأذن وله أن لا يأذن على قدر ما يرى من الحظ لقوله -عز وجل- ﴿ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ فجعل المشيئة إليه في الإذن (١٨) ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ﴾ أي استغفر لهم لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرًا.
قوله تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد من بعيد: يا أبا القاسم.
ولكن افعلوا كما قال -في الحجرات-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ﴾ (١٩) وعلى هذا معنى الآية: أنهم أمروا بخفض الصوت إذا دعوا رسول الله - - ونُهوا أن يصيحوا به من بعيد.
وقال مجاهد: أمرهم أن يدعوا (٢٠) - في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد في تجّهم (٢١) (٢٢) وقال سعيد بن جبير: لا تقولوا يا محمد.
قولوا: يا رسول الله (٢٣) وقال قتادة: أمرهم أن يُفخِّموه ويشرِّفوه (٢٤) وقال المقاتلان: يقول لا تدعوا النبي باسمه: يا محمد، يا بن عبد الله (٢٥) (٢٦) وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر ابن أبي حاتم 7/ 74 ب، " الدر المنثور" للسيوطي 6/ 231.
قال ابن كثير 3/ 307 - عن هذا القول-: وهو الظاهر من السياق كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: 104]، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي - - والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.
اهـ.]]، واختيار الفراء (٢٧) - على سائر البرية (٢٨) (٢٩) وروي عن ابن عباس قول آخر قال (٣٠) (٣١) (٣٢) وهذا قول الحسن، قال -في هذه الآية-: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضهم على بعض (٣٣) (٣٤) وذكر المبرد وجهًا آخر فقال: يجوز أن يكون المعنى: لا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض، إذ (٣٥) (٣٦) قال: ومثله قوله ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ﴾ .
وعلى هذا المصدر يكون مضافًا إلى الفاعل والدعاء يكون من الرسول، وهو أليق بما بعده من التهديد لمن تأخر عن الرسول وخالف أمره، وهو قوله ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ﴾ (٣٧) قال الليث: التَّسلل: إنسلال (٣٨) (٣٩) والسَّل: الإخراج، والتَّسلل والانسلال: الخروج.
يقال: تسلل فلان من بين أصحابه، إذا خرج من جملتهم (٤٠) وذكرنا هذا عند تفسير (٤١) (٤٢) وقوله ﴿ لِوَاذًا ﴾ هو من الملاوذة، وهو (٤٣) (٤٤) تلاوذ (٤٥) (٤٦) (٤٧) أي: تستتر (٤٨) (٤٩) قال الفراء: إنَّما قيل لواذًا لواذًا؛ لأنها مصدر "لاوذت"، ولو كانت مصدرًا لـ"لذتُ" لكان لياذًا، كما تقول: قمت إليك قيامًا، وقاومتك قواما (٥٠) ونحو هذا قال الزجاج (٥١) وذكر المبرد العلّة فقال: صحت الواو في لواذا؛ لأن فعلها صحيح، لاوذته لواذًا وعاودته عوادا، ولو اعتل الفعل لاعتل مصدره في "فعَال" نحو: قمت قيامًا، ونمت نيامًا، ولو قلت: قاومته، لقلتا قواما (٥٢) قال ابن عباس -في هذه الآية-: يلوذ بغيره ويهرب.
وقال المقاتلان: إنَّ المنافقين كان يثقل عليهم يوم الجمعة قولُ النبي - - وخطبته، فيلوذون ببعض أصحاب محمد - - حتى يخرجوا من المسجد، [فيقوم المنافق فينسل] (٥٣) (٥٤) (٥٥) وعلى هذا التهديد في الخروج عن المسجد يوم الجمعة.
وقال ابن قتيبة: ويقال: بل نزلت هذه في حفر الخندق، فكان (٥٦) (٥٧) ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ﴾ التهديد بالمجازاة.
وهو اختيار الفراء، قال: إن المنافقين كانوا يشهدون الجمعة فيعيبهم النبي - - بالآيات التي تنزل فيهم، فيضجرون، فإن خفي لأحدهم القيام قام (٥٨) ثم حذَّرهم الفتنة والعذاب فقال: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي يعرضون عن أمره، ودخلت (عن) لتضمن (٥٩) (٦٠) ﴿ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ قال ابن عباس: ضلالة (٦١) يعني الكفر.
قاله المقاتلان (٦٢) وقال الحسن، والكلبي: بليَّة تُظهر ما في قلوبهم من النفاق (٦٣) ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يعني القتل في الدنيا (٦٤) وهذا دليل على أنَّ من خالف الرسول فهو معرض (٦٥) ثم عظم نفسه فقال: ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يعني عبيدًا (٦٦) (٦٧) (٦٨) وقوله ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ قال مقاتل: من الإيمان والنفاق (٦٩) وقال الكلبي: من الاستقامة وغير ذلك (٧٠) قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ وهي النفخة الأخيرة يخرجون من قبورهم (٧١) ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ﴾ من الخير والشر ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ من أعمالهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ (٧٢) (١) رواه عنه عبد الرزاق في "مصنفه" 3/ 242 - 243، وابن أبي حاتم 7/ 73 أ، ب.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 229 - 230 ونسبه أيضًا للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 73 أ.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 230 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.
(٣) انظر: "الطبري" 18/ 175 - 176، والثعلبى 3/ 91 أ.
(٤) روى عنه ابن أبي حاتم 7/ 73 ب.
(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 42 أ.
وهذه الرواية لا تصح في سبب نزول هذه الآية.
(٦) في (ع): (في ذلك).
(٧) (صالح): ساقطة من (ع).
(٨) لم أجده عن ابن عباس.
وقد روى أبو داود في "سننه" الصلاة - باب: الدعاء == 4/ 365، والترمذي كتاب: الدعوات 10/ 7، وابن ماجه المناسك- باب: فضل دعاء الحاج 2/ 155 عن ابن عمر أنه استأذن النبي - - في العمرة فأذن له، وقال: "يا أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا".
قال المنذري في "مختصر أبي داود" 2/ 146: وفي إسناده عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 211 عن عمر وفيه: "في صالح دعائك" وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وفيه عاصم بن عبد الله وفيه كلام كثير وقد وثق.
(٩) هو: أبو حمزة الثمالي.
(١٠) بحيال: أي بجانب.
(١١) (أنه): ساقطة من (أ).
(١٢) في (ع): (يشاء).
(١٣) رواه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 291 ب بسنده عن أبي حمزة الثمالي به.
وهو ضعيف؛ لضعف الثُمالي، ولإرساله.
وقد ذكر البغوي 6/ 67، وابن الجوزي 6/ 68 - 69 هذا الخبر ونسباه للمفسرين.
(١٤) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 3/ 242 - 243، وابن أبي حاتم 7/ 73 أ، ب.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 229 ونسبه أيضًا للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(١٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 66، وفي "مصنفه" 3/ 244.
(١٦) في (ع): (لا).
(١٧) روى أبو داود في "المراسيل" ص 47 عن مقاتل بن حيان نحوه.
وذكره نحو هذه الرواية الفراء في "معاني القرآن" 2/ 262.
وانظر ابن كثير 3/ 307، "الدر المنثور" 6/ 231.
(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 55.
(١٩) رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" 1/ 46.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 230 ونسبه أيضًا لعبد الغني بن سعيد في تفسيره.
وقد تقدم الكلام على هذه الرواية عن ابن عباس.
وروى ابن أبي حاتم 7/ 74 أ، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" 1/ 45 - 46 من == طريق بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحَّاك، عن ابن عباس، نحو هذا القول.
وهذه الرواية فيها ضعف وانقطاع.
فبشر بن عمارة ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس.
انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر 1/ 455، 4/ 453.
(٢٠) في (أ): (يدعونا).
(٢١) في (أ): (تهجم).
والتَّجهم: الاستقبال بوجه كريه.
انظر: "لسان العرب" 12/ 111 (جهم).
(٢٢) رواه الطبري 18/ 177، وابن أبي حاتم 7/ 74 ب.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 231 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (ج7 ل 74 ب).
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 231 ونسبه لعبد بن حميد.
(٢٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 66، والطبري 14/ 177 ورواه ابن أبي حاتم 7/ 74 ب بنحوه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 231 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢٥) في (ع): (ولا يابن عبد الله).
(٢٦) قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 74 ب.
وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 42 أ.
(٢٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 262.
(٢٨) في (أ): (النبوية).
(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 55.
(٣٠) في (ع): (قالت).
(٣١) (المؤمنين): ساقطة من (ع).
(٣٢) رواه الطبري 18/ 177، وابن أبي حاتم 7/ 74 ب من قوله: دعوة ..
من رواية العوفي، عنه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 231 ونسبه أيضًا لابن مردويه.
قال ابن عطية 10/ 556 ولفظ الآية يدفع هذا المعنى.
(٣٣) في (ع): (كدعاء بعضكم بعضًا) أي على بعض.
(٣٤) رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 74 ب.
وذكره عنه ابن كثير 3/ 307.
(٣٥) في (ع): (إذا).
(٣٦) ذكره عنه الرازي 24/ 39 - 40 وذكره عنه بمعناه أبو حيان 6/ 476، والسمين الحلبي 8/ 446.
وذكر الماوردي 4/ 128 هذا المعنى وقال: حكاه ابن عيسى.
(٣٧) اختار الرازي 24/ 40، وأبو حيان 6/ 46 هذا القول، وذكرا مثل هذا التعليل.
(٣٨) في (أ): (استلال).
(٣٩) قول الليث في "العين" 7/ 193 (سلّ).
(٤٠) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 292 - 294 (سل)، "الصحاح" للجوهري 5/ 1731 "سلل"، "لسان العرب" 11/ 338 - 339 (سلل).
(٤١) في (ع): (عند قوله تفسير).
(٤٢) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ .
(٤٣) في (أ): (هو).
(٤٤) انظر: "لوذ" في: "الصحاح" 2/ 570، "لسان العرب" 3/ 508 (٤٥) في (أ): (تلاود).
(٤٦) في (ظ): (أواره).
(٤٧) في (أ): (جدوع)، والمثبت من باقي النسخ والديوان.
(٤٨) في (ظ): (يستر).
(٤٩) الكُنُس: جمع مكنس، وهو مولج الوحش من الظباء والبقر تستكن فيه من الحر.
"لسان العرب" 6/ 198 (كنس).
(٥٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 262.
(٥١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 56.
(٥٢) في "الكامل" للمبرد 2/ 278: ..
وكذلك "فعال" إذا كان مصدرًا صحيحًا صحَّ إذا صحَّ فعله، واعتل إذا اعتل فعله، فما كان مصدرًا لـ"فاعلت" فهو "فعال" صحيح، تقول: قاولته قوالا، ولاوذته لواذا كقوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ﴾ أي ملاوذة، وإذا كان مصدر "فعلتُ" اعتل لاعتلال الفعل، فقلت: قمت قيامًا، ونمت نيامًا، ولذت لياذًا، وعذت عياذًا.
اهـ.
(٥٣) زيادة من "تفسير مقاتل" يستقيم بها المعنى.
(٥٤) في (ظ): (متسترًا).
(٥٥) قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 75 أ.
وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 42 أ.
(٥٦) في (ظ): (وكان).
(٥٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 309.
(٥٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 262.
(٥٩) في (أ): (وليحذر)، وهو خطأ في الآية.
(٦٠) في (ظ): (التضمن).
(٦١) هذا معنى ما قاله الطبرى 18/ 178.
== وذكر الماوردي 4/ 129، وابن الجوزي 6/ 69 قولًا ثانيًا، ونسباه للأخفش، وهو أن "عن" زائدة، والتقدير: فليحذر الذين يخالفون أمره.
وهذا قول أبي عبيدة في "المجاز" 2/ 69.
والصحيح الأول.
(٦٢) ذكره عنه ابن الجوزي 6/ 69.
وذكر عنه الثعلبي 3/ 91 ب، والزمخشري 3/ 79 أنه قال: قتل.
(٦٣) قول مقاتل بن حيان رواه ابن أبي حاتم 7/ 75 ب.
وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 42 أ.
وذكره الثعلبي 3/ 91 ب عن الحسن، وذكره الماوردي 4/ 129، وقال: حكاه ابن عيسى.
وذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1412 من غير نسبة، ثم قال -بعد ذكره لهذا القول وغيره-: وهذه الأقوال صحيحة كلها؛ ولكن متعلقاتها مختلفة؛ فهنالك مخالفة توجب الكفر ..
، وهنالك مخالفة هي معصية.
(٦٤) روى ابن أبي حاتم 7/ 75 ب هذا القول عن مقاتل بن حيَّان.
وذكر الماوردي 4/ 129 هذا القول ونسبه ليحيى بن سلام.
ثم حكى قولًا ثانيًا وهو أنَّ العذاب هنا عذاب جهنم في الآخرة.
(٦٥) في (ظ): (تعرض)، وفي (أ)، (ع): (يعرض بإهمال أوله).
ولعل الصواب: فهو متعرض للفتنة.
(٦٦) في (ظ): (عبدا).
(٦٧) الثعلبي 3/ 91 ب.
(٦٨) الطبري 18/ 179 مع اختلاف يسير.
(٦٩) "تفسير مقاتل" 2/ 42 أ.
(٧٠) "تنوير المقياس" ص 224.
(٧١) روى ابن أبي حاتم 7/ 75 ب عن أبي العالية نحو ذلك.
(٧٢) من قوله "من الخير ..
" إلى هنا.
هذا قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 42 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ الآية: الأمر الجامع هو ما يجمع الناس للمشورة فيه، أو للتعاون عليه.
ونزلت هذه الآية في وقت حفر الخندق بالمدينة، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان المنافقون يذهبون بغير استئذان ﴿ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ أي لبعض حوائجهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.
وأبو عمرو طريق الهاشمي.
بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.
الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.
﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.
الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.
التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.
وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.
قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.
قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.
ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.
عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله للعمل بها.
ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.
قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.
وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.
ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.
ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.
وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.
وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.
وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.
﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.
وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟
فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.
وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله والإخلاص له.
﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.
قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.
واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي ؟
والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟
وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.
من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.
وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.
وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.
ثم إنه هل يشكل الإماء؟
فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.
عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.
ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال للوجوب.
ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.
قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.
إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.
ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.
وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.
قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.
وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.
وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.
يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.
ثم انطلق معه إلى النبي فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.
ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.
ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.
ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟
اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
وعن بعض السلف ويروى عن علي أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.
وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.
وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.
﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.
ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.
وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".
والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.
واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.
وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.
وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.
ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.
ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.
قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.
وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.
قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.
والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.
وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟
قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.
فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.
قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.
وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.
ثم إنه عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟
والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.
وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.
وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.
وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.
الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.
وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.
وعن جعفر الصادق بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.
قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.
احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.
فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.
واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.
فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.
وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.
وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.
وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.
وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.
والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.
ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.
وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.
وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.
وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.
ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.
ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.
"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟
قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.
قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .
قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.
والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.
فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.
قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.
وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.
وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول ويشعب عليه رأيه.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.
وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.
قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.
ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.
وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.
وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.
وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله في الاستئذان.
ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.
هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.
وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.
والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.
وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.
وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.
قال مقاتل: هذا في الخطبة.
وقال مجاهد: في صف القتال.
وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.
ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.
وعن جعفر بن محمد : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.
وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.
واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.
ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.
ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.
تأكيد الوجوب الحذر.
قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.
وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.
والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر ﴾ .
التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.
﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.
﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.
فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.
قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.
﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.
قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ ، [و] قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ...
﴾ الآية [الحجرات: 15]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ هذا - والله أعلم - ليس أن ما ذكر من الاستئذان وترك الارتياب من حقيقة الإيمان بالتلاوة، ونحوه من شرط الإيمان، ولكن - والله أعلم - أن الأولى بالمؤمنين هذا ألا يذهبوا حتى يستأذنوا رسوله وألا يرتابوا، وأن يجاهدوا، وأن تزداد لهم التلاوة [و] ما ذكر، ليس على جعله شرطاً للإيمان، ولكن ما ذكرنا من الأولى بهم والاختيار ما ذكر، والله أعلم.
ثم ذكر في هذه الآية: أن المؤمنين لا يذهبون عنه ولا يفارقونه إلا بالاستئذان منهم من رسول الله، وذكر أن المنافقين يذهبون ويفارقونه تسللا ولواذاً؛ حيث قال: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ذكر أنهم لا يستأذنوك، وإنما يستأذنك المنافقون بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ فهذه الآيات في ظاهر المخرج مختلفة وإن كانت في المعاني المدرجة فيها موافقة، فهذا سبيل من يحتج بظاهر المخرج؛ إذ للملاحدة أن تقول: هو مختلف في الظاهر وأنه من عند غير الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ فدل ما ذكرنا أن الاحتجاج بظاهر المخرج باطل، والاعتقاد به فاسد خيال.
وجائز أن يكون ما ذكر من استئذان المؤمنين وترك استئذان أولئك للخروج منه؛ لما لا يستأذنه المؤمنون للخروج من القتال إلا لعذر، وأولئك يستأذنونه للخروج لا للعذر؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ونحوه، وأمّا المؤمنون فلا يستأذنونه إلا بعذر.
أو أن يكون ذلك في نوازل مختلفة، أو في فرق، أو أن يكون المؤمنون يظهرون له عذرهم ويفوضون أمرهم إلى رسول الله على أن ينظر في ذلك: فإن رأى الصواب أن ينصرفوا صرفهم، وإن رأى الصواب الكون والمقام معه أقاموا معه، والمنافقون لا على ذلك كانوا يفعلون، وعلى هذا - والله أعلم - جائز أن يخرج تأويل الآيات التي ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ ﴾ أي: مع رسول الله ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ اختلف فيه: قال: بعضهم: يوم الجمعة، ويوم العيد.
وقال بعضهم: في الغزو والجهاد، يخبر أن المؤمنين يكونون معه، لا يذهبون عنه إلا بإذن، والمنافقون يتسللون ويذهبون مستخفين منه ويخرجون من عنده، وأصله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أي: على أمر طاعة ﴿ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: هذه الآية نسخت الآية التي في سورة براءة؛ حيث قال في تلك: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 43].
وقال هاهنا: ﴿ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ أذن له بالإذن لهم في هذه وعيره في ذاك بالإذن لهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا من التأويل.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ الأمر بالاستغفار لهم يخرج مخرج الأمر بالتشفع لهم.
وقوله: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم إلى ما يدعوكم إليه كدعاء بعضكم بعضاً: مرة تجيبونه، ومرة لا تجيبونه، كما يجيب بعضكم بعضاً إذا دعاه مرة، ولا يجيبه تارة؛ بل أجيبوا رسول الله في جميع ما يدعوكم إليه في كل حال تكونون.
والثاني: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضاً يقول يا فلان، ولكن ادعوا باسم هو مخصوص به: يا رسول الله، ويا نبي الله؛ على ما أقررتم أنه مخصوص من بينكم، ليس كمثلكم في الدعاء والإجابة، اجعلوه مخصوصاً تعظيماً له وإجلالا، وخصوصية له وفضيلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ .
قال بعضهم: يعني: المنافقين إذا كانوا في أمر جامع فيسمعون رسول الله يذكر مثالبهم ومساوئهم وعيوبهم فيتسللون كراهية لذلك، ويلوذ بعضهم ببعض.
وقال بعضهم: نزل هذا في المنافقين الذين كانوا يذهبون عنه ويخرجون من عنده بغير استئذان.
وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ أي: يستترون بالشيء، ويلوذ بعضهم ببعض، ويستتر بعضهم ببعض ويخرجون.
وقوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يخالفون أمره، وحرف "عن" يكون صلة فيه.
وجائز أن يكون على ظاهر ما ذكر: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ : فإن كان على هذا فكأنه قال: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يعدلون عن أمره ويزيغون عنه؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ يحتمل: الفتنة: الكفر.
ويحتمل الفتنة: القتال والتعذيب في الدنيا؛ أو يصيبهم العذاب في الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ليس هاهنا ما يستقيم أن يجعل قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ صلة له، اللهم إلا أن يجعل ذلك صلة قوله: من يجعل له الولد والشريك.
أو صلة قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] أي: أن من له ما في السماوات والأرض لا يحتمل أن تقع الحاجة [له] إلى الولد أو الشريك.
أو من له ملك ما في السماوات والأرض يختار لرسالته من يشاء بشراً أو ملكاً، ليس لأحد القول في ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ هذا وعيد منه وإعلام أنه مراقبهم مطلع عليهم في جميع أحوالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، كان أنبه وأيقظ وأحذر ممن لم يعلم ذلك.
أو أن يكون على علم بأحوالكم وما أنتم عليه من الخلاف لأمره خلقكم، أو أرسل إليكم رسولاً لا على جهل بذلك وغفلة.
أو يؤخر عنكم العذاب على علم بما أنتم عليه ليوم موعود، لا بسهو وغفلة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ .
[وقوله:] ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي: إنما يؤخر ذلك عنهم إلى يوم الرجوع إليه؛ فعند ذلك ينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم.
قال أبو عوسجة: يتسللون، أي: يذهبون مستخفين، يقال: انسل الرجل، أي: انسرق من الناس، أو فارقهم، و [هم] لا يعلمون به، والتسلل من الجماعة.
وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ : يقال: لاذ مني، أي: اختبأ مني واختفى.
ويقال: لاذ بي، أي: استتر بي.
وقال القتبي: قوله: ﴿ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ أي: من يستتر بصاحبه، ويتسلل، ويخرج، يقال: لاذ فلان، و اللواذ: مصدر.
إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم هم الذين آمنوا بالله وآمنوا برسوله، وإذا كانوا مع النبي في أمر يجمعهم لمصلحة المسلمين، لم ينصرفوا حتَّى يطلبوا منه الإذن في الانصراف، إن الذين يطلبون منك -أيها الرسول- الإذن عند الانصراف أولئك الذين يؤمنون بالله، ويؤمنون برسوله حقًّا، فإذا طلبوا منك الإذن لبعض أمر يهمهم فأذَنْ لمن شئت أن تأذن له منهم، واطلب لهم المغفرة لذنوبهم، إن الله غفور لذنوب من تاب من عباده رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.EV6wQ"