الآية ١ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ١ من سورة الفرقان

تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الفرقان وهي مكية يقول تعالى حامدا نفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم ، كما قال تعالى : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات [ أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا ] ) [ الكهف : 1 - 3 ] وقال هاهنا : ( تبارك ) وهو تفاعل من البركة المستقرة الدائمة الثابتة ( الذي نزل الفرقان ) نزل : فعل ، من التكرر ، والتكثر ، كما قال : ( والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) [ النساء : 136 ] ; لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة ، والقرآن نزل منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات ، وأحكاما بعد أحكام ، وسورا بعد سور ، وهذا أشد وأبلغ ، وأشد اعتناء بمن أنزل عليه كما قال في أثناء هذه السورة : ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا .

ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) [ الفرقان : 32 ، 33 ] .

ولهذا سماه هاهنا الفرقان; لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والغي والرشاد ، والحلال والحرام .

وقوله : ( على عبده ) : هذه صفة مدح وثناء; لأنه أضافه إلى عبوديته ، كما وصفه بها في أشرف أحواله ، وهي ليلة الإسراء ، فقال : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) [ الإسراء : 1 ] ، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) [ الجن : 19 ] ، وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه ، فقال ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) .

وقوله : ( ليكون للعالمين نذيرا ) أي : إنما خصه بهذا الكتاب العظيم المبين المفصل المحكم الذي : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 42 ] ، الذي جعله فرقانا عظيما - إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء ، ويستقل على الغبراء ، كما قال - صلوات الله وسلامه عليه - " بعثت إلى الأحمر والأسود " .

وقال : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي " ، فذكر منهن : أنه " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة " ، وقال الله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض [ لا إله إلا هو ] يحيي ويميت ) [ الأعراف : 158 ] أي : الذي أرسلني هو مالك السماوات والأرض ، الذي يقول للشيء كن فيكون ، وهو الذي يحيي ويميت ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: تبارك: تفاعل من البركة, كما حدثنا أبو كريب, قال: ثنا عثمان بن سعيد, قال: ثنا بشر بن عمارة,قال: ثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عباس, قال: تبارك: تفاعل من البركة.

وهو كقول القائل: تقدّس ربنا, فقوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي نـزلَ الْفُرْقَانَ ) يقول: تبارك الذي نـزل الفصل بين الحقّ والباطل, فصلا بعد فصل وسورة بعد سورة, على عبده محمد صلى الله عليه وسلم, ليكون محمد لجميع الجنّ والإنس، الذين بعثه الله إليهم داعيا إليه, نذيرا: يعني منذرا ينذرهم عقابه ويخوِّفهم عذابه, إن لم يوحدوه ولم يخلصوا له العبادة، ويخلعوا كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي نـزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) قال: النبيّ النذير.

وقرأ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ وقرأ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ قال: رسل.

قال: المنذرون: الرسل.

قال: وكان نذيرا واحدا بلَّغ ما بين المشرق والمغرب, ذو القرنين, ثم بلغ السدّين, وكان نذيرا, ولم أسمع أحدا يحق أنه كان نبيا وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ قال: من بلغه القرآن من الخلق, فرسول الله نذيره.

وقرأ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا وقال: لم يرسل الله رسولا إلى الناس عامة إلا نوحا, بدأ به الخلق, فكان رسول أهل الأرض كلهم, ومحمد صلى الله عليه وسلم ختم به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الفرقانمكية كلها في قول الجمهور .

وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهي : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله : وكان الله غفورا رحيما .

وقال الضحاك : هي مدنية ، وفيها آيات مكية : قوله : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآيات .ومقصود هذه السورة ذكر موضع عظم القرآن ، وذكر مطاعن الكفار في النبوة والرد على مقالاتهم وجهالاتهم ; فمن جملتها قولهم : إن القرآن افتراه محمد ، وإنه ليس من عند الله .بسم الله الرحمن الرحيمتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا .قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان تبارك اختلف في معناه ; فقال الفراء : هو في العربية و ( تقدس ) واحد ، وهما للعظمة .

وقال الزجاج : تبارك تفاعل من البركة .

قال : ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير .

وقيل : تبارك تعالى .

وقيل : تعالى عطاؤه ، أي زاد وكثر .

وقيل : المعنى دام وثبت إنعامه .

قال النحاس : وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق ; من برك الشيء إذا ثبت ; ومنه برك الجمل والطير على الماء ، أي دام وثبت .

فأما القول الأول فمخلط ; لأن التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ذا في شيء .

قال الثعلبي : ويقال : تبارك [ ص: 4 ] الله ، ولا يقال : متبارك ولا مبارك ; لأنه ينتهى في أسمائه وصفاته إلى حيث ورد التوقيف .

وقال الطرماح :تباركت لا معط لشيء منعته وليس لما أعطيت يا رب مانعوقال آخر :تباركت ما تقدر يقع ولك الشكرقلت : قد ذكر بعض العلماء في أسمائه الحسنى ( المبارك ) وذكرناه أيضا في كتابنا .

فإن كان وقع اتفاق على أنه لا يقال فيسلم للإجماع .

وإن كان وقع فيه اختلاف فكثير من الأسماء اختلف في عده ; كالدهر وغيره .

وقد نبهنا على ذلك هنالك ، والحمد لله .و الفرقان القرآن .

وقيل : إنه اسم لكل منزل ; كما قال : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان .

وفي تسميته فرقانا وجهان : أحدهما : لأنه فرق بين الحق والباطل ، والمؤمن والكافر .

الثاني : لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام ; حكاه النقاش .

على عبده يريد محمدا صلى الله عليه وسلم .

ليكون للعالمين نذيرا اسم ( يكون ) فيها مضمر يعود على عبده وهو أولى لأنه أقرب إليه .

ويجوز أن يكون يعود على الفرقان .

وقرأ عبد الله بن الزبير : ( على عباده ) .

ويقال : أنذر : إذا خوف ; وقد تقدم في أول ( البقرة ) .

والنذير : المحذر من الهلاك .

الجوهري : والنذير المنذر ، والنذير الإنذار .

والمراد ب ( العالمين ) هنا الإنس والجن ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان رسولا إليهما ، ونذيرا لهما ، وأنه خاتم الأنبياء ، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح فإنه عم برسالته جميع الإنس بعد الطوفان ، لأنه بدأ به الخلق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا بيان لعظمته الكاملة وتفرده [بالوحدانية] من كل وجه وكثرة خيراته وإحسانه فقال: { تَبَارَكَ ْ} أي: تعاظم وكملت أوصافه وكثرت خيراته الذي من أعظم خيراته ونعمه أن نزل هذا القرآن الفارق بين الحلال والحرام والهدى والضلال وأهل السعادة من أهل الشقاوة، { عَلَى عَبْدِهِ ْ} محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية وفاق جميع المرسلين، { لِيَكُونَ ْ} ذلك الإنزال للفرقان على عبده { لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ْ} ينذرهم بأس الله ونقمه ويبين لهم مواقع رضا الله من سخطه، حتى إن من قبل نذارته وعمل بها كان من الناجين في الدنيا والآخرة الذين حصلت لهم السعادة الأبدية والملك السرمدي، فهل فوق هذه النعمة وهذا الفضل والإحسان شيء؟

فتبارك الذي هذا من بعض إحسانه وبركاته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( تبارك ) تفاعل ، من البركة .

عن ابن عباس : معناه : جاء بكل بركة ، دليله قول الحسن : مجيء البركة من قبله .

وقال الضحاك : تعظم ، ( الذي نزل الفرقان ) أي : القرآن ، ) ( على عبده ) محمد - صلى الله عليه وسلم - .

( ليكون للعالمين نذيرا ) أي : للجن والإنس .

قيل : النذير هو القرآن .

وقيل : محمد - صلى الله عليه وسلم - .

)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تبارك» تعالى «الذي نزَّل الفرقان» القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل «على عبده» محمد «ليكون للعالمين» الإنس والجن دون الملائكة «نذيرا» مخوّفا من عذاب الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

عَظُمَتْ بركات الله، وكثرت خيراته، وكملت أوصافه سبحانه وتعالى الذي نزَّل القرآن الفارق بين الحق والباطل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون رسولا للإنس والجن، مخوِّفًا لهم من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى - ثناء يليق بجلاله وكماله .ولفظ " تبارك " فعل ماض لا يتصرف .

أى : لم يجىء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل : وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير .

وأصلها النماء والزيادة .

أى : كثرة خيره وإحسانه ، وتزايدت بركاته .أو مأخوذ من البَرْكَة بمعنى الثبوت .

يقال : برك البعير ، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه .

وكل شىء ثبت ودام فقد برك .

أى : ثبت ودام خيره على خلقه .والفرقان : القرآن .

وسمى بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل .ونذيرا : من الإنذار ، وهو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف .أى : جل شأن الله - تعالى - وتكاثرت ودامت خيراته وبركاته ، لأنه - سبحانه - هو الذى نزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون " للعالمين " أى : للإنس وللجن " نذيرا " أى : منذرا إياهم بسوء المصير إن هم استمروا على كفرهم وشركهم .وفى التعبير بقوله - تعالى - ( تَبَارَكَ ) إشعار بكثرة ما يفيضه - سبحانه - من خيرات وبركات على عباده ، وأن هذا العطاء ثابت مستقر ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بجلاله - عز وجل - .ولم يذكر - سبحانه - لفظ الجلالة ، واكتفى بالاسم الموصول الذى نزل الفرقان ، لإبراز صلته - سبحانه - وإظهارها فى هذا المقام ، الذى هو مقام إثبات صدق رسالته التى أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم .وعبر - سبحانه - ب ( نَزَّلَ ) بالتضعيف ، لنزول القرآن الكريم مفرقا فى أوقات متعددة ، لتثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم .ووصف الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية ، وأضافها لذاته ، للتشريف والتكريم والتعظيم .

وأن هذه العبودية لله - تعالى - هى ما يتطلع إليه البشر .واختير الإنذار على التبشير .

لأن المقام يقتضى ذلك ، إذ أن المشركين قد لجوا فى طغيانهم وتمادوا فى كفرهم وضلالهم ، فكان من المناسب تخويفهم من سوء عاقبة ما هم عليه من عناد .وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس جميعا .

حيث قال - سبحانه - : ( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) أى : لعالم الإنس وعالم الجن ، وشيه بها قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) وقوله - سبحانه - : ( قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، ولما كان إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدماً على الكل لا جرم افتتح الله هذه السورة بذلك فقال: ﴿ تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة، والبركة كثرة الخير وزيادته وفيه معنيان: أحدهما: تزايد خيره وتكاثر، وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو المراد من قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء  ﴾ وأما تعاليه عن كل شيء في ذاته، فيحتمل أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده وقدمه عن جواز الفناء والتغير عليه، وأن يكون المعنى جل بفردانيته ووحدانيته عن مشابهة شيء من الممكنات، وأما تعاليه عن كل شيء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضرورياً أو كسبياً أو تصوراً أو تصديقاً وفي قدرته أن يحتاج إلى مادة ومدة ومثال وجلب غرض ومنال، وأما في أفعاله فجل أن يكون الوجود والبقاء وصلاح حال الوجود إلا من قبله، وقال آخرون: أصل الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها، والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير وباق في صفاته ممتنع التبدل، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح والمبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى.

المسألة الثانية: قال أهل اللغة: كلمة (الذي) موضوعة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، وعند هذا يتوجه الإشكال، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن هاهنا لفظ (الذي)؟

وجوابه: أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزاً ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم.

المسألة الثالثة: لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق والباطل في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبين الحلال والحرام، أو لأنه فرق في النزول كما قال: ﴿ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ  ﴾ وهذا التأويل أقرب لأنه قال: ﴿ نَزَّلَ الفرقان ﴾ ولفظة (نزل) تدل على التفريق، وأما لفظة (أنزل) فتدل على الجمع، ولذلك قال في سورة آل عمران: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق...

وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل  ﴾ واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولاً ﴿ تبارك ﴾ ومعناه كثرة الخير والبركة، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات، لكن القرآن ليس إلا منبعاً للعلوم والمعارف والحكم، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيراً وبركة.

المسألة الرابعة: لا نزاع أن المراد من العبد هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول الله وأمته كما قال: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ  ﴾ ، ﴿ قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً ﴾ فالمراد ليكون هذا العبد نذيراً للعالمين، وقول من قال: إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى  ﴾ فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، وإذا وصف به القرآن فهو مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: الأول: أن العالم كل ما سوى الله تعالى ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولاً إلى الجن والإنس جميعاً، ويبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض الثاني: أن لفظ ﴿ العالمين ﴾ يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل الثالث: قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيراً للكل، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ  ﴾ الآية.

الرابع: لقائل أن يقول إن قوله: ﴿ تبارك ﴾ كما دل على كثرة الخير والبركة لابد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سبباً لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع؟

جوابه: أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا هاهنا كلما كان الإنذار كثيراً كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر ألبتة شيئاً من منافع الدنيا.

ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها: قوله: ﴿ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء.

وثانيها: قوله: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾ فبين سبحانه أنه هو المعبود أبداً، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله: ﴿ تبارك ﴾ ولقوله: ﴿ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ وهذا كالرد على النصارى.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك ﴾ والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه.

وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان.

ورابعها: قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ وفيه سؤالات: الأول: هل في قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء ﴾ دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد؟

والجواب: نعم من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء ﴾ يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد، والثاني: وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلاً قال: هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقاً في قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير  ﴾ وقال: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين  ﴾ .

وثانيها: أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد.

وثالثها: أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديراً ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره، فثبت بهذه الوجوه أنه لابد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه، فكيف ولا دلالة فيها ألبتة، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب: أما قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ ﴾ وقوله: ﴿ أَحْسَنُ الخالقين ﴾ فهما معارضان بقوله: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء  ﴾ وبقوله: ﴿ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله  ﴾ وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظراً إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له؟

وأما قوله: الخلق لا يتناول إلا الأجسام، فنقول لو كان كذلك لكان قوله: ﴿ خَلَقَ كُلَّ شَيء ﴾ خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها.

السؤال الثاني: في الخلق معنى التقدير (فقوله): ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ (معناه) وقدر كل شيء فقدره تقديراً؟

والجواب: المعنى (أنه) أحدث كل شيء إحداثاً يراعي فيه التقدير والتسوية، فقدره تقديراً وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر (المستوي) الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة (به في باب) الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقاً لما قدر (له) غير (متخلف) عنه.

السؤال الثالث: هل في قوله: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ دلالة على مذهبكم؟

الجواب: نعم وذلك من وجوه: أحدها: أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار عنه، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة، فلما علم في الشيء الفلاني أنه لا يقع فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلاً وانقلاب خبره الصدق كذباً، وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به، فثبت أن الأمر والإرادة لا يتلازمان، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه.

وثانيها: أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى، وحينئذ يبطل قول المعتزلة، وإن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح، فالكلام يعود في ذلك المرجح، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود.

وثالثها: أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلابد من الانتهاء إلى جهل أول، ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق، بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ، وهو المراد من قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

البركة: كثرة الخير وزيادته.

ومنها: ﴿ تَبَارَكَ الله ﴾ [الأعراف: 54] وفيه معنيان: تزايد خيره، وتكاثر.

أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله.

والفرقان: مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل.

أو لأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقاً، مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تَنْزِيلاً ﴾ [الإسراء: 106] وقد جاء الفرق بمعناه.

قال: وَمُشْرِكَيّ كَافِرٌ بِالْفَرْقِ وعن ابن الزبير رضي الله عنه: على عباده، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّته، كما قال: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ ﴾ [الأنبياء: 10] ، ﴿ قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ﴾ [البقرة: 136] .

والضمير في ﴿ لِيَكُونَ ﴾ لعبده أو للفرقان.

ويعضد رجوعه إلى الفرقان قراءة ابن الزبير ﴿ للعالمين ﴾ للجنّ والإنس ﴿ نَذِيراً ﴾ منذراً أي مخوّفاً أو إنذاراً، كالنكير بمعنى الإنكار.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ [القمر: 16، 18، 21، 30] ﴿ الذى لَهُ ﴾ رفع على الإبدال من الذي نزل أو رفع على المدح، أو نصب عليه.

فإن قلت: كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل منه؟

قلت: ما فصل بينهما بشيء؛ لأنّ المبدل منه صلته نزل.

و ﴿ ليكون ﴾ تعليل له، فكأنّ المبدل منه لم يتمّ إلاّ به.

فإن قلت: في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ كأنه قال: وقدّر كل شيء فقدّره؟

قلت: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعي فيه التقدير والتسوية، فقدّره وهيأه لما يصلح له، مثاله: أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدّر المسوّى الذي تراه، فقدّره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدّرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدّره لأمر مّا ومصلحة مطابقاً لما قدر له غير متجاف عنه، أو سمي إحداث الله خلقاً لأنه لا يحدث شيئاً لحكمته إلاّ على وجه التقدير من غير تفاوت، فإذا قيل: خلق الله كذا فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدّره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً.

وقيل: فجعل له غاية ومنتهى.

ومعناه: فقدّره للبقاء إلى أمد معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 25 سُورَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ ﴾ تَكاثَرَ خَيْرُهُ مِنَ البَرَكَةِ وهي كَثْرَةُ الخَيْرِ، أوْ تَزايَدَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَإنَّ البَرَكَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنى الزِّيادَةِ، وتَرْتِيبُهُ عَنْ إنْزالِهِ ( الفُرْقانَ ) لِما فِيهِ مِن كَثْرَةِ الخَيْرِ أوْ لِدَلالَتِهِ عَلى تَعالِيهِ.

وقِيلَ دامَ مِن بُرُوكِ الطَّيْرِ عَلى الماءِ ومِنهُ البِرْكَةُ لِدَوامِ الماءِ فِيها، وهو لا يُتَصَرَّفُ فِيهِ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا لِلَّهِ تَعالى و ( الفُرْقانَ ) مَصْدَرُ فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا فَصَلَ بَيْنَهُما سُمِّيَ بِهِ القُرْآنُ لِفَصْلِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِتَقْرِيرِهِ أوِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْجازِهِ أوْ لِكَوْنِهِ مَفْصُولًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ في الإنْزالِ، وقُرِئَ «عَلى عِبادِهِ» وهم رَسُولُ اللَّهِ  وأُمَّتُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ ﴾ أوِ الأنْبِياءُ عَلى أنَّ الفُرْقانَ اسْمُ جِنْسٍ لِلْكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.

﴿ لِيَكُونَ ﴾ العَبْدُ أوِ الفُرْقانُ.

﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ لِلْجِنِّ والإنْسِ.

﴿ نَذِيرًا ﴾ مُنْذِرًا أوْ إنْذارًا كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً لَكِنَّها لِقُوَّةِ دَلِيلِها أُجْرِيَتْ مَجْرى المَعْلُومِ وجُعِلَتْ صِلَةً.

﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أوْ مَدْحٌ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ.

﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ كَزَعْمِ النَّصارى.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ كَقَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ أثْبَتَ لَهُ المُلْكَ مُطْلَقًا ونَفى ما يَقُومُ مَقامَهُ وما يُقاوِمُهُ فِيهِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أحْدَثَهُ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ حَسَبَ إرادَتِهِ كَخَلْقِهِ الإنْسانَ مِن مَوادَّ مَخْصُوصَةٍ وصُوَرٍ وأشْكالٍ مُعَيَّنَةٍ.

﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما أرادَ مِنهُ مِنَ الخَصائِصِ والأفْعالِ، كَتَهْيِئَةِ الإنْسانِ لِلْإدْراكِ والفَهْمِ والنَّظَرِ والتَّدْبِيرِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُتَنَوِّعَةِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ فَقَدَّرَهُ لِلْبَقاءِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى.

وقَدْ يُطْلَقُ الخَلْقُ لِمُجَرَّدِ الإيجادِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ فَيَكُونُ المَعْنى وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ حَتّى لا يَكُونَ مُتَفاوِتًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تبارك} تفاعل من البركة وهى كثرة الخبر وزيادته ومعنى تبارك الله تزايد خبره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله وهي كلمة كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده والمستعمل منه الماضي فحسب {الذى نَزَّلَ الفرقان} هو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل والحلال والحرام أو لأنه لم ينزل جملة ولكن مفرقاً مفصولاً بين بعضه وبعض فى الانزال ألا ترى إلى قوله وقرآنا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تنزيلا {على عبده} محمد عليه الصلاة والسلام {لِيَكُونَ} العبد أو الفرقان {للعالمين} للجن والإنس وعموم الرسالة من خصائصه عليه الصلاة والسلام {نَذِيراً} منذراً أي مخوفاً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى فَكَيْفَ كَانَ عذابى ونذر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الفُرْقانِ أطْلَقَ الجُمْهُورُ القَوْلَ بِمَكِّيَّتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا أوَّلَها إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولا نُشُورًا  ﴾ فَهو مَكِّيٌّ، وعَدَدُ آياتِها سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ كَما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ والدّانِيُّ في كِتابِ العَدَدِ، ولَمّا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في آخِرِ السُّورَةِ السّابِقَةِ وُجُوبَ مُتابَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ  ومَدَحَ المُتابِعِينَ وحَذَّرَ المُخالِفِينَ افْتَتَحَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يَدُلُّ عَلى تَعالِيهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ أوْ عَلى كَثْرَةِ خَيْرِهِ تَعالى ودَوامِهِ وأنَّهُ أنْزَلَ الفَرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا إطْماعًا في خَيْرِهِ وتَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفي هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا مِن تَأْكِيدِ ما في السّابِقَةِ مِن مَدْحِ الرَّسُولِ  ما فِيها فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ أيْ تَعالى جَلَّ شَأْنُهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأبْلَغِهِ كَما يَشْعُرُ بِهِ إسْنادُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ إلَيْهِ وهَذا الفِعْلُ لا يُسْنَدُ في الأغْلَبِ إلى غَيْرِهِ تَعالى ومِثْلُهُ- تَعالى- ولا يَتَصَرَّفُ فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا أمْرٌ ولا في الأغْلَبِ أيْضًا وإلّا فَقَدَ قَرَأ أُبَيٌّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلِها، وجاءَ كَما في الكَشْفِ تَبارَكَتِ النَّخْلَةُ أيْ تَعالَتْ، وحَكى الأصْمَعِيُّ أنَّ أعْرابِيًّا صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ: تَبارَكَتْ عَلَيْكُمْ، وقالَ الشّاعِرُ: إلى الجِذْعِ جِذْعِ النَّخْلَةِ المُتَبارِكِ وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى تَبارَكَ تَمَجَّدَ، وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ، وعَنِ الحُسْنِ والنَّخْعِيِّ أنَّ المَعْنى تَزايَدَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وتَكاثَرَ وهي إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ثانِيَتَهُما أنَّ المَعْنى لَمْ يَزَلْ، ولا يَزالُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ تَبارَكَ مِنَ البَرَكَةِ وهي في الأصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِن بَرَكَ البَعِيرُ وهو صَدْرُهُ ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ إذا ألْقى بَرْكَهُ عَلى الأرْضِ واعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنى اللُّزُومَ فَقِيلَ بَراكاءِ الحَرْبِ وبَرَكاؤُها لِلْمَكانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الأبْطالُ وسُمِّيَ مَحْبَسُ الماءِ بَرَكَةً كَسِدْرَةٍ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ثُبُوتِ الخَيْرِ الإلَهِيِّ في الشَّيْءِ ثُبُوتِ الماءِ في البَرَكَةِ، وقِيلَ: لِما فِيهِ ذَلِكَ الخَيْرُ مُبارَكٌ ولَمّا كانَ الخَيْرُ الإلَهِيُّ يَصْدُرُ مِن حَيْثُ لا يُحِسُّ وعَلى وجْهٍ لا يُحْصى ولا يُحْصَرُ قِيلَ لِكُلِّ ما يُشاهِدُهُ فِيهِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ هو مُبارَكٌ وفِيهِ بَرَكَةٌ فَمَنِ اعْتَبَرَ مَعْنى اللُّزُومَ كابْنِ عَبّاسٍ بِناءً عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ عَنْهُ قالَ: المَعْنى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ومَنِ اعْتَبَرَ مَعْنى التَّزايُدِ انْقَسَمَ إلى طائِفَتَيْنِ فَطائِفَةٌ جَعَلُوهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الذّاتِ في نَفْسِها ونُقْصانِ ما سِواها فَفَسَّرُوا ذَلِكَ بِالتَّعالِي ونَحْوِهِ وطائِفَةٍ جَعَلُوهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الفِعْلِ فَفَسَّرُوهُ بِتَزايُدِ الخَيْرِ وتَكاثُرِهِ ولا اعْتِبارٍ لِلتَّغَيُّرِ المَبْنِيِّ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى اللُّزُومِ لِقِلَّةِ فائِدَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وعَدَمُ مُناسِبَةِ ذَلِكَ المَعْنى لِما بَعْدُ، ومِن هُنا رَدَّدَ الجُمْهُورُ المَعْنى بَيْنَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومَن مَعَهُ وتَرْتِيبُ وصْفِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تَبارَكَ ﴾ بِالمَعْنى الأوَّلِ عَلى إنْزالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ الفَرْقانِ لَمّا أنَّهُ ناطِقٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وسُمُوِّ صِفاتِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى أساسِ الحُكْمِ والمَصالِحِ وخُلُوِّها عَنْ شائِبَةِ الخَلَلِ بِالكُلِّيَّةِ وتَرْتِيبِ ذَلِكَ بِالمَعْنى الثّانِي عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ هِدايَةٌ ورَحْمَةٌ لِلْعالِمِينَ، وفِيهِ ما يَنْتَظِمُ بِهِ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ ورَجَّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِهِ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ في اخْتِصاصِ النَّذِيرِ دُونَ البَشِيرِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ والإيذانِ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُعانِدِينَ المُتَّخِذِينَ لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وشَرِيكًا الطّاعِنِينَ فى ( كُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمُ الآخِرِ ) [النِّساءُ: 136]، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ تَبارَكَ بِتَزايُدٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في صِفاتِهِ وأفْعالِهِ جَلَّ وعَلا لِإفادَتِهِ صِفَةَ الجَلالِ والهَيْبَةِ وإيذانِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، و(الفُرْقانَ ) مَصْدَرُ فَرَّقَ الشَّيْءَ وعَنْهُ إذا فَصَلَهُ، ويُقالُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ فَرَقَّتْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا فَصَلَتْ بَيْنَهُما سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِفَصْلٍ يُدْرِكُهُ البَصَرُ أوْ بِفَصْلٍ تُدْرِكُهُ البَصِيرَةُ، والتَّفْرِيقُ بِمَعْناهُ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ دُونَهُ، وقِيلَ إنَّ الفَرْقَ في المَعانِي والتَّفْرِيقُ في الأجْسامِ والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ لِفَصْلِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِما فِيهِ مِنَ البَيانِ أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ أوْ لِكَوْنِهِ مَفْصُولًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ في نَفْسِهِ أوْ في الإنْزالِ حَيْثُ لَمْ يَنْزِلُ دُفْعَةً كَسائِرِ الكُتُبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ هي إقْبالٌ وإدْبارٌ فَلا تَغْفُلْ.

والمُرادُ بِعَبْدِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَشْرِيفِهِ والإيذانِ بِكَوْنِهِ صَلَواتِ اللَّهِ تَعالى وسَلامِهِ عَلَيْهِ في أقْصى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا لِلْمُرْسَلِ رَدًّا عَلى النَّصارى، وقِيلَ: المُرادُ بِالفُرْقانِ جَمِيعُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِأنَّها كُلُّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبِعَبْدِهِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «عَلى عِبادِهِ»، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ، والمُرادُ بِالعِبادِ في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمَتُّهُ، والإنْزالُ كَما يُضافُ إلى الرَّسُولِ  يُضافُ إلى أُمَّتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ  ﴾ لِأنَّهُ واصِلٌ إلَيْهِمْ ونُزُولَهُ لِأجْلِهِمْ فَكَأنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ إنْزالُهُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ المُرادُ بِالجَمْعِ هو  وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ تَعْظِيمًا، وضَمِيرُ يَكُونُ عائِدٌ عَلى عَبْدِهِ، وقِيلَ عَلى ﴿ الفُرْقانَ ﴾ وإسْنادُ الإنْذارِ إلَيْهِ مَجازٌ، وقِيلَ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْهُ تَعالى، ورَجَّحَ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلَ والإنْذارَ مِن صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ  ﴾ وقِيلَ عَلى التَّنْزِيلِ المَفْهُومِ مِن ( نَزَّلَ ) والمُتَبادِرِ إلى الفَهْمِ هو الأوَّلُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما بَعْدُ، والنَّذِيرُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى إنْذارٍ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى إنْكارِ وحُكْمُ الأخْبارِ بِالمَصْدَرِ شَهِيرٌ، والإنْذارُ إخْبارٌ فِيهِ تَخْوِيفٌ ويُقابِلُهُ التَّبْشِيرُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِما مَرَّ آنِفًا، والمُرادُ بِالعالَمِينَ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ العالَمِينَ الإنْسِ والجِنِّ مِمَّنْ عاصَرَهُ  إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلْعالَمِينَ لِلْجِنِّ والإنْسِ وإرْسالِهِ  إلَيْهِمْ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وكَذا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كالسُّبْكِيِّ ومَن تَبِعَهُ ورَدَّ عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ، وادَّعى بَعْضُهم دَلالَةَ الآيَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ العالِمَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ العَلِيِّ فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وصِيغَةُ جَمِيعِ العُقَلاءِ لِلتَّغْلِيبِ أوْ جَمْعٍ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالعُقَلاءِ.

ومِن قالَ كالبارِزِيِّ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ حَتّى إلى الجَماداتِ بَعْدَ جَعْلِها مُدْرِكَةً لِظاهِرِ خَبَرٍ مُسْلِمٌ «وأُرْسِلَتْ إلى الخَلْقِ كافَّةً» لَمْ يُخَصَّصْ، واكْتَفى بِالتَّغْلِيبِ وفائِدَةُ الإرْسالِ لِلْمَعْصُومِ وغَيْرِ المُكَلِّفِ طَلَبَ إذْعانِهِما لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ودُخُولِهِما تَحْتَ دَعْوَتِهِ واتِّباعِهِ تَشْرِيفًا عَلى سائِرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلتَّشْوِيقِ ومُراعاةِ الفَواصِلِ ولِلْحَصْرِ أيْضًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في العالَمِينَ، وإبْرازُ تَنْزِيلِ الفَرْقانِ في مَعْرِضِ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُولِ عِنْدَ السّامِعِ مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ لَهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى المَعْلُومِ المُسْلِمِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ دَلائِلِهِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْهَلُهُ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ مِنَ الصِّلاتِ الَّتِي يُنْكِرُها الكَفَرَةُ: وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ لِما ذُكِرَ إذْ يَكْفِي في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ المُخاطَبِ بِها ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِكُلِّ سامِعٍ، والمُخاطِبُ بِها هُنا هو رَسُولًا لِلَّهِ  وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عالِمٌ بِثُبُوتِها لِلْمَوْصُولِ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ فِيها، أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وإنَّ تَعْرِيفَ المَوْصُولِ كَتَعْرِيفِ ألْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ والجِنْسِ وأنَّهُ قَدْ تَكُونُ صِلَتُهُ مُبْهَمَةً لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ: فَإنْ أسْتَطِعْ أغْلَبَ وأنْ يَغْلِبَ الهَوى ∗∗∗ فَمِثْلُ الَّذِي لاقَيْتُ يَغْلِبُ صاحِبَهُ وما ذَكَرَ أوَّلًا مِن تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ المَعْلُومِ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ كِنايَةً عَمّا ذَكَرَ مُناسِبَةً لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ وتَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية وهي سبعون وسبع آية قول الله سبحانه وتعالى: تَبارَكَ قال ابن عباس  يعني: تعالى وتعظّم.

ويقال: تفاعل من البركة، وهذه لفظة مخصوصة، ولا يقال: يتبارك، كما يقال يتعالى.

ولا يقال: متبارك، كما يقال متعالٍ.

ويقال: تَبارَكَ أي ذو بركة.

والبركة: هي كثرة الخير.

ويقال: أصله من بروك الإبل، يقال للواحد بارك، وللجماعة برك.

وكان الإنسان إذا كان له إبل كثيرة وقد برّكهنّ على الباب يقولون: فلان ذو بركة، ويقولون للذي كان له إبل تحمل إليه الأموال من بلاد أخر: فلان ذو بركة، فصار ذلك أصلاً، حتى أنه لو كان له مال سوى الإبل لا يقال فلان ذو بركة.

قال الله تعالى: تَبارَكَ أي ذو البركة.

ويقال: أصله من الدوام.

ويقال: بارك في موضوع إذا دام فيه، ويقال: معناه البركة في اسمه، وفي الذي ذكر عليه اسمه.

ثم قال: الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ يعني: أنزل جبريل  بالقرآن، والفرقان هو المخرج من الشبهات عَلى عَبْدِهِ يعني: محمدا  لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً يعني: ليكون القرآن نذيراً للإنس والجن.

ويقال: يعني النبيّ  ، ويقال: يعني الله تبارك وتعالى لِلْعالَمِينَ وأراد هاهنا جميع الخلق، وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس، كقوله عزّ وجل: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47 و 122] أي: على عالمي زمانهم، ويذكر ويراد به جميع الخلائق، كقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: 2] .

ثم قال عز وجل: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.

ويقال: له نفاذ الأمر في السموات والأرض.

وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ليورثه ملكه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فينازعه في عظمته.

وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كما ينبغي أن يخلقهم.

فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً يعني: بين الصلاح في كل شيء، وجعله مقدراً معلوماً.

ويقال: كل شي خلقه من الخلق فقدره تقديراً، أي: قدر لكل ذكر وأنثى.

قوله عز وجل: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعني: تركوا عبادة الله الذي خلق هذه الأشياء، وعبدوا غيره.

لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً يعني: عبدوا شيئاً لا يقدر أن يخلق ذباباً، ولا غيره وَهُمْ يُخْلَقُونَ يتخذونها بأيديهم وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا أي: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءاً وَلا نَفْعاً أي لا تقدر أن تسوق إلى نفسها خيراً.

ويقال: لا يملكون دفع مضرة، ولا جر منفعة.

وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً يعني: لا يقدرون أن يميتوا أحداً وَلا حَياةً أي: ولا يحيون أحداً وَلا نُشُوراً يعني: بعث الأموات.

ويقال: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً يعني: الموت الذي كان قبل أن يخلقوا، وَلا حَياةً يعني: أن يزيدوا في الأجل، وَلا نُشُوراً بعد الموت.

ويقال: وَلا حَياةً يعني: أن يبقوا أحداً وَلا نُشُوراً يعني: أن يحيوه بعد الموت.

وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء، لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء، فخاطبهم بلغتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .

وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:

الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.

/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...

الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...

الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.

قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفُرْقانِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: هي مَكِّيَّةٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ: ٤٥) والفَرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ فُرْقانًا، لِأنَّهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

والمُرادُ بِعَبْدِهِ: مُحَمَّدٍ  ، ﴿ لِيَكُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَبْدِهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: عَنِ القُرْآنِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ ﴿ نَذِيرًا ﴾ \[أيْ\]: مُخَوِّفًا مِن عَذابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَوّاهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، فَلا خَلَلَ فِيهِ ولا تَفاوُتَ.

والثّانِي: قَدَّرَ لَهُ ما يُصْلِحُهُ ويُقِيمُهُ.

والثّالِثُ: قَدَّرَ لَهُ تَقْدِيرًا مِنَ الأجَلِ والرِّزْقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ ما صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أيْ: وهي مَخْلُوقَةٌ ﴿ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ أيْ: دَفْعَ ضُرٍّ، ولا جَرَّ نَفْعٍ، لِأنَّها جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها، ﴿ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ﴾ أيْ: لا تَمْلِكُ أنْ تُمِيتَ أحَدًا، ولا أنْ تُحَيِيَ أحَدًا، ولا أنْ تَبْعَثَ أحَدًا مِنَ الأمْواتِ؛ والمَعْنى: كَيْفَ يَعْبُدُونَ ما هَذِهِ صِفَتُهُ، ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ الضِحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وفِيها آياتٌ مَكِّيَّةٌ، قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ  ﴾ الآياتُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ "تَبارَكَ" وزْنُهُ تَفاعَلَ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ.

"بارَكَ"، مِنَ البَرَكَةِ، و"بارَكَ" فاعِلٌ مِن واحِدٍ، مَعْناهُ: زادَ، و"تَبارَكَ" فِعْلٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ تَعالى، لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ مِنهُ مُسْتَقْبَلٌ، ولا اسْمُ فاعِلٍ، وهو صِفَةُ فِعْلٍ، أيْ: كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ، ومِن جُمْلَتِها إنْزالُ كِتابِهِ الَّذِي هو الفُرْقانَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وصَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو رَدٌّ عَلى مَقالاتٍ كانَتْ لِقُرَيْشٍ، فَمِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: "إنِ القُرْآنَ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، وإنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ"، فَهو رَدٌّ عَلى هَذِهِ المَقالاتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى عَبْدِهِ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "عَلى عِبادِهِ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَكُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ  ، وهو عَبْدُهُ المَذْكُورُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ الزُبَيْرِ فَهو لِلْقُرْآنِ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا بِكُرْهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ عامٌّ في كُلِّ إنْسِيٍّ وجِنِّيٍّ، عاصَرَهُ أو جاءَ بَعْدَهُ، وهو مُؤَيَّدٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظاهِرِ الآياتِ.

و"النَذِيرُ": المُحَذِّرُ مِنَ الشَرِّ، والرَسُولُ مِن عِنْدِ اللهِ نَذِيرٌ، وقَدْ يَكُونُ نَذِيرًا لَيْسَ بِرَسُولٍ، كَما رُوِيَ في ذِي القَرْنَيْنِ، وكَما ورَدَ في رُسُلِ رَسُولِ اللهِ  إلى الجِنِّ، فَإنَّهم نُذُرٌ ولَيْسُوا بِرُسُلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، هي مِنَ الرَدِّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا"، وفي قَوْلِهِمْ: "اتَّخَذَ البَناتِ"، وفي قَوْلِهِمْ في التَلْبِيَةِ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، وتَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ.

ثُمْ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي لِلْأُلُوهِيَّةِ بِالطَعْنِ عَلى قُرَيْشٍ في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لَيْسَتْ لَهم هَذِهِ الصِفاتُ، فالعَقْلُ يُعْطِي أنَّهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ اللهُ بِالِاخْتِراعِ والإيجادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ البَشَرُ بِالنَحْتِ والنِجارَةِ، وهَذا التَأْوِيلُ أشَدُّ إبْداءً لِخَساسَةِ الأصْنامٍ، وخَلْقُ البَشَرِ يَجُوزُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يَفْرِي وهَذا مِن: خَلَقْتُ الجَلْدَ، إذا عَمِلْتُ فِيهِ رُسُومًا يُقْطَعُ عَلَيْها، فالفَرْيُ هو أنْ يَقْطَعَ عَلى تَرْكِ الرُسُومِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَوْتًا ولا حَياةً ﴾ يُرِيدُ: إماتَةً ولا إحْياءً، و"النُشُورُ": بَعْثُ الناسِ مِنَ القُبُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح بديع لندرة أمثاله في كلام بلغاء العرب لأن غالب فواتحهم أن تكون بالأسماء مجردة أو مقترنة بحرف غير منفصل، مثل قول طرفة: لخولة أطلال ببُرقة ثِهمد *** أو بأفعال المضارعة ونحوها كقول امرئ القيس: قِفَا نَبْكِ البيت *** أو بحروف التأكيد أو الاستفهام أو التنبيه مثل (إن) و(قد) والهمزة و(هل).

ومن قبيل هذا الافتتاح قول الحارث بن حلَّزة: آذَنَتْنا بِبَيْنِهَا أسماءُ *** وقول النَّابغَة: كتمتُكَ ليلا بالجمومين ساهراً *** وهَمَّيْن هَمّاً مستكنّاً وظاهرا وبهذه الندرة يكون في طالع هذه السورة براعة المطلع لأن الندرة من العزة، والعزّةُ من محاسن الألفاظ وضدها الابتذال.

وتبارك: تعاظم خيره وتوفر، والمراد بخيره كمالاته وتنزهاته.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ في سورة الأعراف (54).

والبركة: الخير، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ اهبط بسلام مِنَّا وبركاتٍ عليك ﴾ في سورة هود (48) وعند قوله: ﴿ تحية من عند الله مباركة طيبة ﴾ في سورة النور (61).

وظاهر قوله: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان ﴾ أنه إخبار عن عظمة الله وتوفر كمالاته فيكون المقصود به التعليم والإيقاظ، ويجوز مع ذلك أن يكون كناية عن إنشاء ثناء على الله تعالى أنشأ الله به ثناء على نفسه كقوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ [الإسراء: 1] على طريقة الكلام العربي في إنشاء التعجب من صفات المتكلم في مقام الفخر والعظمة، أو إظهار غرايب صدرت، كقول امرئ القيس: ويوم عقرتُ للعذارى مطيتي *** فيا عجباً من كوْرها المتحمَّلِ وإنما يتعجب من إقدامه على أن جَعَل كور المطية يحمله هو بعد عَقرها.

ومنه قول الفِند الزِّمَّاني: أيا طعنةَ ما شيخٍ *** كبيرٍ يفن بَالِي يريد طعنة طعنها قِرْنَه.

*** والذي نزل الفرقان هو الله تعالى.

وإذ قد كانت الصلة من خصائص الله تعالى كان الفعل كالمسند إلى ضمير المتكلم فكأنه قيل: تباركتُ.

والموصول يومئ إلى علة ما قَبله فهو كناية عن تعظيم شأن الفرقان وبركته على الناس من قوله: ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ .

فتلك منة عظيمة توجب الثناء على الله.

وهو أيضاً كناية عن تعظيم شأن الرسول عليه الصلاة السلام.

والتعريف بالموصول هنا لكون الصلة من صفات الله في نفس الأمر وعند المؤمنين وإن كان الكفار ينكرونها لكنهم يعرفون أن الرسول أعلنَها فالله معروف بذلك عندهم معرفة بالوجه لا بالكُنه الذي ينكرونه.

والفرقان: القرآن وهو في الأصل مصدر فرق، كما في قوله: ﴿ وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] وقوله: ﴿ يَجعَلْ لكم فُرقاناً ﴾ [الأنفال: 29].

وجعل علماً بالغلبة على القرآن لأنه فرّق بين الحق والباطل لما بيَّن من دلائل الحق ودحض الباطل.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ في سورة آل عمران (4).

وإيثار اسم الفرقان بالذكر هنا للإيماء إلى أن ما سيذكر من الدلائل على الوحدانيَّة وإنزال القرآن دلائل قيمة تفرّق بين الحق والباطل.

ووصفُ النبي ب ﴿ عبده ﴾ تقريب له وتمهيد لإبطال طلبهم منه في قوله: ﴿ وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام ﴾ [الفرقان: 7] الآية.

والمراد ب ﴿ للعالمين ﴾ جميع الأمم من البشر لأن العالم يطلق على الجنس وعلى النوع وعلى الصنف بحسب ما يسمح به المقام، والنذارة لا تكون إلا للعقلاء ممن قُصدوا بالتكليف.

وقد مضى الكلام على لفظ ﴿ العالمين ﴾ في سورة الفاتحة (2).

والنذير: المخبِر بسوء يقع، وهو فَعيل بمعنى مُفْعِل بصيغة اسم الفاعل مثل الحَكيم.

والاقتصار في وصف الرسول هنا على النذير دون البشير كما في قوله: ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ﴾ [سبأ: 28] لأن المقام هنا لتهديد المشركين إذ كذبوا بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام.

فكان مقتضياً لذكر النذارة دون البشارة، وفي ذلك اكتفاء لأن البشارة تخطر ببال السامع عند ذكر النذارة.

وسيجيء: ﴿ وما أرسلناك إلاّ مبشراً ونذيراً ﴾ في هذه السورة (56).

وفي هذه الآية جمع بين التنويه بشأن القرآن وأنه منزل من الله وتنويه بشأن النبي عليه الصلاة والسلام ورفعة منزلته عند الله وعموم رسالته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ ﴾ في تَبارَكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَفاعُلٌ مَعَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ البَرَكَةُ مِن قِبَلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: خالِقُ البَرَكَةِ: قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَفي البَرَكَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُلُوُّ.

الثّانِي: الزِّيادَةُ.

الثّالِثُ: العَظَمَةُ.

فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَعالى، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَزايَدَ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ: تَعاظَمَ.

وَ ﴿ الفُرْقانَ ﴾ هو القُرْآنُ وقِيلَ إنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ كُتّابٍ مُنَزَّلٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ فُرْقانًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ بَيانَ ما شُرِعَ مِن حَلالٍ وحَرامٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ عَلى عَبْدِهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ ( عَلى عِبادِهِ ) بِالجَمْعِ.

﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ مُحَمَّدٌ نَذِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لِيَكُونَ الفُرْقانُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والنُّذُرُ: المُحَذِّرُ مِنَ الهَلاكِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَمّا تَلاقَيْنا وقَدْ كانَ مُنْذِرٌ.

.

نَذِيرًا فَلَمْ يَقْبَلْ نَصِيحَةَ ذِي النُّذُرِ والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا الإنْسُ والجِنُّ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَدْ كانَ رَسُولًا إلَيْهِما ونَذِيرًا لَهُما وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ عامَّ الرِّسالَةِ إلّا نُوحًا فَإنَّهُ عَمَّ بِرِسالَتِهِ جَمِيعَ الإنْسِ بَعْدَ الطُّوفانِ لِأنَّهُ بَدَأ بِهِ الخَلْقَ، واخْتُلِفَ في عُمُومِ رِسالَتِهِ قَبْلَ الطُّوفانِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عامَّةٌ لِعُمُومِ العِقابِ بِالطُّوفانِ عَلى مُخالَفَتِهِ في الرِّسالَةِ.

الثّانِي: خاصَّةٌ بِقَوْمِهِ لِأنَّهُ ما تَجاوَزَهم بِدُعائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ قال: هو القرآن فيه حلال الله وحرامه، وشرائعه ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال: بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم.

﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ قال: هي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله ﴿ لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ وهو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة، ولا نشوراً يعني بعثاً ﴿ وقال الذين كفروا إن هذا ﴾ هذا قول مشركي العرب ﴿ إلا إفك ﴾ هو الكذب ﴿ افتراه وأعانه عليه ﴾ أي على حديثه هذا وأمره ﴿ قوم آخرون فقد جاءوا ﴾ فقد أتوا ﴿ ظلماً وزوراً ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ قال: كذب الأولين وأحاديثهم ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول!

﴾ قال: عجب الكفار من ذلك أن يكون رسول ﴿ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ قال الله يرد عليهم ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ يقول: خيراً مما قال الكفار من الكنز والجنة ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: وإنه والله من دخل الجنة ليصيبن قصوراً لا تبلى ولا تهدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كل شيء في القرأن افك، فهو كذب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ قال: يهود ﴿ فقد جاءوا ظلماً وزوراً ﴾ قال: كذباً.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.

«أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج.

اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك قال: فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد انا بعثنا إليك لنعذر منك.

فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي مما تقولون.

ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك قالوا: فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي- فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه- حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل.

ما أنا بالذي يسأل ربه هذا؛ وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فأنزل الله في قولهم ذلك ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ﴾ إلى قوله: ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً ﴾ أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون ﴾ قاله الوليد بن المغيرة وأصحابه يوم دار الندوة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك وفي قوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري ﴾ قال: حوائط ﴿ ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: بيوتاً مبنية مشيدة.

كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان.

وأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فنزل جبريل فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ ثم أتاه رضوان خازن الجنان ومعه سفط من نور يتلألأ فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل إلى الأرض أن تواضع فقال: يا رضوان لا حاجة لي فيها، فنودي: أن ارفع بصرك، فرفع فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنات عدن، فرأى منازل الأنبياء وعرفهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فقال: رضيت.

ويرون أن هذه الآية أنزلها رضوان ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطاه أحد بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة قال: اجمعها لي في الآخرة، فأنزل الله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «هذا ملك تدلى من السماء إلى الأرض.

ما نزل إلى الأرض قط قبلها، استأذن ربه في زيارتك، فأذن له، فلم يلبث ان جاء فقال: السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك السلام قال: إن الله يخبرك إن شئت أن يعطيك من خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء، لم يعط أحداً قبلك، ولا يعطيه أحداً بعدك، ولا ينقصك مما دخر لك عنده شيئاً فقال: لا بل يجمعهما لي في الآخرة جميعاً فنزلت ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ تَبَارَكَ ﴾ قال ابن عباس: تعالى عما قال القائلون.

وروي عنه: جاء بكل بركة (١) وقال الفراء: البركة والتقدس: العظمة، وهما سواء، وهو كقولك: تقدس ربنا (٢) ﴿ تَبَارَكَ ﴾ في سورة: الأعراف (٣) ﴿ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ﴾ قال المفسرون: يعني القرآن (٤) (٥) ﴿ تَبَارَكَ ﴾ ماض (٦) وذكر أبو علي، في "المسائل الحلبية"، الفرق بين: ﴿ الْفُرْقَانَ ﴾ و ﴿ الْقُرْآنَ ﴾ فقال: الفرقان: صفة لأنه بمعنى الفارق (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ولو كانت صفة لم تجز إضافته إلى نفسه (١٥) (١٦) ﴿ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ محمد -  - (١٧) ﴿ لِلْعَالَمِينَ ﴾ يعني الجن، والإنس (١٨) ﴿ نَذِيرًا ﴾ مخوفًا من عذاب الله، هذا قول المفسرين في النذير أنه: محمد -  -، وأجاز آخرون أن يكون النذير هو: القرآن، وقالوا: إنه نذير للعالمين إلى يوم القيامة [[ويشهد له قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  ﴾ حيث == أضاف الهداية إليه.

"تفسير الرازي" 24/ 45.

قال السمين الحلبي: وفي اسم يكون ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه ضمير يعود على الذي نزل؛ أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيرًا.

الثاني: أنه يعود على الفرقان، وهو القرآن؛ أي: ليكون الفرقان نذيرًا.

الثالث: أنه يعود على عبده؛ أي: ليكون عبده محمد -  -، نذيرًا.

وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه، والضمير يعود على أقرب مذكور.

الدر المصون 8/ 453.

وذكر هذا الترجيح الشوكاني 4/ 58، ولم ينسبه.

قال ابن زيد: النبي النذير، وقرأ: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ \[فاطر 24\] وقرأ: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ  ﴾ .

أخرجه ابن جرير 18/ 180، وابن أبي حاتم 8/ 2660، قال ابن عطية 11/ 3: وقد يكون النذير ليس برسول، كما روي في ذي القرنين، وكما ورد في رسل رسول الله -  - إلى الجن؛ فإنهم نذر وليسوا برسل.]].

(١) لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من المراجع، والذي ذكره ابن جرير في تفسيره 18/ 179، عن ابن عباس -  ما-: تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدس ربنا.

وإسناده فيه ضعف وانقطاع؛ لأن فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، وفيه الضحاك وهو لم يلق ابن عباس.

"تفسير ابن كثير" 1/ 113.

وضعفه ابن حجر في كتابه "العجاب في بيان الأسباب" 1/ 223، وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2659، بإسناد ابن جرير، بلفظ: تفاعل من البركة.

وهو كذلك عند الثعلبي في تفسيره 8/ 92 أ، ثم قال: كأن معناه: جاء بكل بركة.

﴿ تَبَارَكَ ﴾ اسم مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه مستقبل، ولا اسم فاعل.

"تفسير ابن عطية" 11/ 2، و"تفسير السمرقندي" 2/ 452.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 262، وفيه تقديم وتأخير.

(٣) عند قوله تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  ﴾ قال == الواحدي: قال الليث: تفسير ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ تمجيد وتعظيم.

وقال أبو العباس: ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ : ارتفع، والمتبارك: المرتفع.

وقال ابن الأنباري: ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء.

وقال الزجاج: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة.

(٤) قال قتادة: هو القرآن، فيه حلال الله، وحرامه، وشرائعه، ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل، أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2660، وزاد السيوطي 6/ 235 نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

وهو قول مقاتل 42 ب.

والثعلبي 8/ 92 أ.

(٥) لم أعثر على من نسبه لابن عباس، فيما لديّ من المراجع.

وفي "تفسير مقاتل"، 42 ب: يعني القرآن، وهو المخرج من الشبهات.

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2659، بسنده عن مجاهد وفي إسناده رجل لم يسمَّ.

وقال الزجاج: والفرقان: القرآن، يُسمى فرقانًا؛ لأنه فُرِّق به بين الحق والباطل.

ولم ينسبه.

وذكر نحوه القرطبي 13/ 2، ولم ينسبه.

(٦) عند قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ قال الواحدي: الفرقان مصدر فرقت بين الشيئين أفرق فرْقًا وفرقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمي كتاب الله: الفرقان؛ لفصله بحججه وأدلته بين المحق والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان، في قوله: لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل فكان ذلك اليوم يوم الفرقان.

(٧) أي: أن الفرقان صفة لكلام الله تعالى، سواء كان هذا الكلام في القرآن، أو الإنجيل، أو التوراة.

قال الماوردي 4/ 131، في تفسيره للفرقان: وقيل: إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ .

(٨) الخَمْصان، والخُمْصان: الجائع الضامر البطن.

"مقاييس اللغة" 2/ 219، و"اللسان" 7/ 29.

(٩) في (أ): (استعمال).

(١٠) مصدر جَرع الماء يجرعه، لا غير، والجَرَع: جمع جَرَعة، وهي: دِعص بكسر الدال من الرمل لا ينبت شيئًا.

واجَرَع: التواء في قوّة من قوى الحبل تكون ظاهرة على سائر القوى.

المشوف المعلم 1/ 149، و"مجمل اللغة" 1/ 184، و"القاموس المحيط" 915، وقيل: هي الرملة السهلة المستوية.

"اللسان" 8/ 46.

(١١) الأبطح: البطيحة والأبطح والبطحاء: كل مكان متسع.

"مجمل اللغة" 1/ 128، أو: مسيل واسع فيه دُقاقُ الحصى.

"القاموس المحيط" 273.

(١٢) الآدَم، هكذا من اللون: الأسمر، والأنثى: أدماء.

المشوف المعلم 1/ 58، والأَدَمَة: باطن الجلد، والبشرة ظاهرها، والأَدَم: جمع الأَديم.

والإدام: ما يطيب به الطعام.

"مجمل اللغة" 1/ 90، والأُدمَة بالضم: القرابة، والوسيلة.

"القاموس المحيط" 1388.

وفي "المسائل الحلبية" ص 300: الأدهم، بدل الأدم.

(١٣) أي: جمعت جمع تكسير.

(١٤) في "المسائل الحلبية" ص 300 كأحمر وحمر وحمران، وأسود وسود وسودان.

(١٥) "المسائل الحلبية" 299.

وفيه: إن الدلالة قد قامت على أن القرآن لا يكون صفة كما جاز أن يكون الفرقان صفة، ألا ترى أن القرآن قد أضيف إلى ضمير التنزيل في قوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ولو كان صفة لم تجز هذه الإضافة فيها؛ لأن من أضاف المصدر إلى الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ  ﴾ لم يضف إليه اسم الفاعل فيقول: هذا ضاربُ زيد، فيضيف الصفة إلى الفاعل؛ من حيث كان اسم الفاعل هو الفاعل في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه ...

وقد نقله الواحدي بالمعنى.

(١٦) لم أجد في تفسير الواحدي لهذه الآية ما يتعلق بهذه المسألة، حيث ذكر فيها معنى جمع القرآن في الآية، المراد به، ونقل أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك.

والله أعلم.

(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2660، عن ابن إسحاق.

(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2660، عن ابن عباس.

قال السمرقندي 2/ 453: وأراد هاهنا جميع الخلق.

وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس كقوله -عز وجل-: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ أي: على عالمي زمانهم.

ويذكر ويراد به جميع الخلائق كقوله تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .

قال ابن زيد: لم يرسل الله رسولاً إلى الناس عامة إلا نوحاً -  - بدأ به الخلق، فكان رسولَ أهل الأرض كلهم، ومحمدًا -  - ختم به.

أخرجه ابن جرير 18/ 180.

قال البرسوي 6/ 188: وأما نوح -  - فإنه وإن كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامّة لمن بعده.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَبَارَكَ ﴾ من البركة وهو فعل مختص بالله تعالى لم ينطق بالمضارع ﴿ على عَبْدِهِ ﴾ يعني محمدً صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك على وجه التشريف له والاختصاص ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم أو للقرآن، والأول أظهر وقوله: ﴿ للعالمين ﴾ عموم يشمل الجن والإنس ممن كان في عصره، ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة، وتضمن صدر هذه الآية إثبات النبوة والتوحيد، والردّ على من خالف في ذلك ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ الخلق عبارة عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير: عبارة عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره، وصفته وزمانه ومكانه، ومصلحته، وأجله، وغير ذلك ﴿ واتخذوا ﴾ الضمير لقريش وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ يعنون قوماً من اليهود منهم: عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي ﴿ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ أي ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم فما نسبوا إليه وكذبوا في ذلك عليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.

الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.

الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.

﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: إنه  تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.

ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو  عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله  ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.

والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.

والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.

قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.

وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم  ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه  بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.

ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.

الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.

وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.

والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.

وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله  ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.

وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.

فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله  .

وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله  ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي  ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.

وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.

فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.

إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.

قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.

الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.

فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.

والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.

قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.

وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.

الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.

زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.

وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.

والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.

وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.

وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.

وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.

وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.

وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.

والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.

عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله  جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.

فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.

فقال  : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.

وعن النبي  : "عرض عليّ جبرائيل  بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .

وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .

قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.

ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.

﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.

وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.

والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.

والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.

وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.

قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله  ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.

قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم  يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.

وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.

عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.

وسئل النبي  عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.

وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.

وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .

وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً  ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.

والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.

ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.

إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟

والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.

وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.

قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.

أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟

قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً  ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.

والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.

وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم  ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.

قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله  فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.

وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون  ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.

والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.

وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس  ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.

﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟

أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.

ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.

ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.

وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟

الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.

قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.

أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.

الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.

وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.

و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.

دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.

فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.

وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله  هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.

أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.

وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".

قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.

وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.

قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.

أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.

قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.

وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".

﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.

وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.

وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.

ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.

فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.

ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.

أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.

قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.

وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا أحد.

وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.

وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله  ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي  "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد  بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.

قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.

وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.

قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.

وقيل: في الآية تسلية للنبي  عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.

وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.

وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ : قال أهل التأويل: تبارك من التفاعل، وهو من  ؛ لأن البركة هي اسم كل رفعة وفضيلة وشرف، فكأن تأويله:  من التعالي والارتفاع.

وقال أهل الأدب: تبارك: هو من البركة، والبركة هي: اسم كل فضل وبر وخير، أي: به نيل كل فضل وشرف وبر.

قال أبو عوسجة: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ هو تنزيه؛ مثل قولك:  .

وقال الكسائي والقتبي: هو من البركة؛ وهو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ﴾ : سماه: فرقاناً؛ قال بعضهم: لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ وعلى هذا جائز أن يسمى جميع كتب الله التي أنزلها على رسله فرقاناً؛ لأنها كانت تفرق بين الحق والباطل، وبين ما يحل وما يحرم، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ ولذلك سمى التوراة: فرقاناً بقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ  ﴾ .

وأما القرآن: هو من قرن بعضه إلى بعض؛ يقال: قرنت الشيء إلى الشيء إذا ضممته إليه، قرن يقرن قرنا.

وقال بعضهم: سمي القرآن: فرقانا؛ لأنه أنزل بالتفاريق مفرقا، وسائر الكتب أنزلت مجموعة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءاً، وهو أقرب وأشبه.

وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، أي: القرآن الذي أنزله على عبده يكون نذيراً لمن ذكر.

ويحتمل قوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ أي: ليكون محمد بالقرآن الذي أنزل عليه نذيراً؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ  ﴾ أي: من بلغه القرآن من الخلق فرسول الله نذيره.

ثم قوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ ﴾ جائز أن يراد به الإنس والجن.

ثم ذكر النذارة فيه ولم يذكر البشارة، فإن كان على هذا فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن ليس للجن ثواب إذا أسلموا سوى النجاة من العقاب، ولهم عقاب بالإجرام؛ لأن الله -  - لم يذكر لهم الثواب في الكتاب، وذكر لهم العقاب بالعصيان؛ حيث قال: ﴿ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 31]، جعل ثوابهم نجاتهم من عذاب أليم.

وجائز أن يكون في النذارة بشارة - أيضاً ما كان وما يكون إلى يوم القيامة؛ لأنهم إذا اتقوا مخالفة الله ومعاصيه كانت لهم العاقبة، فلهم بشارة في ذلك ونذارة؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ صلة قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ ، ووجهه - والله أعلم - أي:  عن أن يكون النذير الذي بعثه فيهم، إنما بعثه لحاجة نفسه لجر منفعة إليه، أو لدفع مضرة عنه على بعث ملوك الأرض من الرسل لحوائج أنفسهم: لجر النفع إليهم، أو لدفع مضرة عنهم، ولكن إنما يبعث النذير والبشير إلى الخلق لمنافع أنفسهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون من له ملك السماوات والأرض أن يبعث النذير والبشير لمنافع نفسه ولحاجته؛ لغناه، وأما ملوك الأرض لا يملكون ذلك؛ فلذلك ما يرسلون ويبعثون من الرسل إنما يبعثون ويرسلون لمنافع أنفسهم وحوائجهم؛ لدفع مضرة أو جر منفعة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي:  عن أن يتخذ ولدا أو شريكاً في الملك على ما نسبوا إليه من الولد والشريك، فقال:  عن أن يكون له الولد أو الشريك؛ إذ له ملك السماوات والأرض، فالولد في الشاهد إنما يتخذ لإحدى خلال ثلاث؛ وقد ذكرناها.

وبعد: فإن الولد في الشاهد إنما يكون من جنس الوالد ومن جوهره، ويكون من أشكاله، وكل ذي شكل وجنس يكون فيه منقصة وآفة؛ وكذلك الشريك إنما يكون من جنسه ومن شكله، وإنما يقع الحاجة إلى الولد إما لعجز أو آفة، فإذا كان الله  له ملك السماوات والأرض وهو خالقهما - فأنى يقع له الحاجة إلى الولد والشريك؟!

وقوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء، وعلى قولهم أكثر الأشياء لم يخلقها من الحركات والسكون والاجتماع والتفرق وجميع الأعراض؛ لأنهم يقولون: إنها ليست بمخلوقة لله ولا صنع له فيها.

وقوله: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ لحكمة أو ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ لوحدانية الله وألوهيته، أو ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ أي: جعل له حدّاً لو اجتمع الخلائق على ذلك ما عرفوا قدره ولا حده من صلاح وغيره ما لو لم يقدر ذلك لفسد.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ أي: معبودا.

ثم تسميته إياها - أعني: الأصنام التي عبدوها -: آلهة على ما عندهم وفي زعمهم: أنها آلهة؛ والإله عند العرب المعبود، يسمون كل معبود إلها؛ وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ عندهم وفي زعمهم، وقول موسى: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ في زعمهم وعندهم أن كل معبود إله، وإلا قد عابهم بتسميتهم الأصنام: آلهة.

ثم بين سفههم وقلة فهمهم في عبادتهم الأصنام وتسميتهم إياها: آلهة؛ حيث قال: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ  ﴾ ، أي: يتركون عبادة من يعلمون أنه خالق كل شيء، ويعبدون من يعلمون أنهم لا يخلقون وهم يخلقون، ويتركون عبادة من يعلمون أنه يملك النفع والضر لأنفسهم أيضاً، وهو قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً ﴾ لغيرهم؛ فعلى هذا الظاهر يجيء أن يكونوا هم سموا أنفسهم: آلهة لا الأصنام؛ لأنهم يملكون ضرر الأصنام ونفعها، والأصنام لا تملك ذلك لهم ولا لأنفسها.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً ﴾ أي: الموت الذي كان قبل أن يخلق الناس، كقول الله  : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلاَ حَيَـاةً ﴾ يقول: لا يملكون أن يزيدوا في هذا الأجل المؤجل، ﴿ وَلاَ نُشُوراً ﴾ أي: بعثاً بعد الموت.

وقال بعضهم: لا يملكون أن يميتوا حيّاً قبل أجله، ﴿ وَلاَ حَيَـاةً ﴾ : ولا يحيون ميتّاً إذا جاء أجله، ﴿ وَلاَ نُشُوراً ﴾ ، أي: بعثا، على ما ذكرنا، وبالله العصمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تعاظَم وكَثُرَ خيرُ الَّذي نزّل القرآن فارقًا بين الحق والباطل على عبده ورسوله محمد  ؛ ليكون رسولًا إلى الثقلين الإنس والجنّ، مخوّفًا لهم من عذاب الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.3ERLq"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله