الآية ١٠ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ١٠ من سورة الفرقان

تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًۭا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن ، فقال [ تعالى ] ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) .

قال مجاهد : يعني : في الدنيا ، قال : وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا ، سواء كان كبيرا أو صغيرا .

وقال سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن خيثمة ; قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ، ولا يعطى أحد من بعدك ، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟

فقال : اجمعوها لي في الآخرة ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) خيرا مما قالوا.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) قال: مما قالوا وتمنوا لك, فيجعل لك مكان ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار.

وقال آخرون: عني بذلك المشي في الأسواق، والتماس المعاش.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, فيما يرى الطبري, عن سعيد بن جُبير, أو عكرمة, عن ابن عباس قال: ثم قال: ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس,( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ).

قال أبو جعفر: والقول الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية, لأن المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنـز واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير مما كان عند المشركين عظيما, لا مما كان منكرا عندهم، وعني بقوله: ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) بساتين تجري في أصول أشجارها الأنهار.

كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) قال: حوائط.

وقوله: ( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) يعني بالقصور: البيوت المبنية.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: قال أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) قال: بيوتا مبنية مشيدة, كان ذلك في الدنيا، قال: كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصرا كائنا ما كان.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) مشيدة في الدنيا, كل هذا قالته قريش.

وكانت قريش ترى البيت من حجارة ما كان صغيرا (1) قصرا.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن حبيب قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله تعالى، فقال: " اجمعوها لي في الآخرة "، فأنـزل الله في ذلك ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ).

------------------------ الهوامش: (1) الظاهر أنه سقط من قلم الناسخ " أو كبيرًا" كما يفيده ما قبله .

والذي في ابن كثير " صغيرًا كان أو كبيرًا "

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات شرط ومجازاة ، ولم يدغم جعل لك لأن الكلمتين منفصلتان ، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين .

ويجعل لك في موضع جزم عطفا على موضع ( جعل ) .

ويجوز أن يكون في موضع رفع ، مقطوعا من الأول .

وكذلك قرأ أهل الشام .

ويروى عن عاصم أيضا : ويجعل لك بالرفع ; أي [ ص: 8 ] وسيجعل لك في الآخرة قصورا .

قال مجاهد : كانت قريش ترى البيت من حجارة ، قصرا ، كائنا ما كان .

والقصر في اللغة الحبس ، وسمي القصر قصرا لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه .

وقيل : العرب تسمي بيوت الطين القصر .

وما يتخذ من الصوف والشعر : البيت .

حكاه القشيري .

وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك ، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا ; وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة ، فقال : يجمع ذلك لي في الآخرة .

فأنزل الله عز وجل : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا .

ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; وفي الخبر : إن رضوان لما نزل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ; ثم قال : يا محمد !

رب العزة يقرئك السلام ، وهذا سفط - فإذا سفط من نور يتلألأ - يقول لك ربك : هذه مفاتيح خزائن الدنيا ، مع أنه لا ينقص ما لك في الآخرة مثل جناح بعوضة ; فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ; فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع ; فقال : يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إلي وأن أكون عبدا صابرا شكورا .

فقال رضوان : أصبت !

الله لك .

وذكر الحديث .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ } أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } مرتفعة مزخرفة، فقدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولكنه تعالى -لما كانت الدنيا عنده في غاية البعد والحقارة- أعطى منها أولياءه ورسله ما اقتضته حكمته منها، واقتراح أعدائهم بأنهم هلا رزقوا منها رزقا كثيرا جدا ظلم وجراءة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) الذي قالوا ، أو أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال : يعني خيرا من المشي في الأسواق والتماس المعاش .

ثم بين ذلك الخير فقال : ( جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) بيوتا مشيدة ، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا ، وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم برواية أبي بكر : " ويجعل " برفع اللام ، وقرأ الآخرون بجزمها على محل الجزاء في قوله : " إن شاء جعل لك " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحارث ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن يحيى بن أيوب ، حدثني عبد الله بن زخر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم بن أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت : لا يا رب ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، وقال ثلاثا أو نحو هذا ، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " .

حدثنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي ، أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ ، أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا محمد بن بكار ، حدثنا أبو معشر عن سعيد يعني المقبري ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو شئت لسارت معي جبال الذهب ، جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة ، فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول : إن شئت نبيا عبدا ، وإن شئت نبيا ملكا ، فنظرت إلى جبريل فأشار إلي أن ضع نفسك ، فقلت : نبيا عبدا " قال : فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول : " آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تبارك» تكاثر خير «الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك» الذي قالوه من الكنز والبستان «جناتٍ تجري من تحتها الأنهار» أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة «ويجعلْ» بالجزم «لك قصورا» أيضا، وفي قراءة بالرفع استئنافا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

عَظُمَتْ بركات الله، وكَثُرَتْ خيراته، الذي إن شاء جعل لك - أيها الرسول - خيرًا مما تمنَّوه لك، فجعل لك في الدنيا حدائق كثيرة تتخللها الأنهار، وجعل لك فيها قصورًا عظيمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية .

تسلية أخرى لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً ) .أى : جل شأن الله تعالى ، وتكاثرت خيراته ، فهو - سبحانه - الذى - إن شاء - جعل لك فى هذه الدنيا - أيها الرسول الكريم - خيرا من ذلك الذى اقترحوه من الكنوز والبساتين ، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، ويهبك قصورا فخمة ضخمة .ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأن ما ادخره لك من عطاء كريم خير وأبقى .فقوله - تعالى - : ( إِن شَآءَ ) كلام معترض لتقييد عطاء الدنيا ، أى : إن شاء أعطاك فى الدنيا أكثر مما اقترحوه ، أما عطاء الآخرة فهو محقق ولا قيد عليه .وقوله - سبحانه - : ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) تفسير لقوله : ( خَيْراً مِّن ذلك ) فهو بدل أو عطف بيان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله: ﴿ تَبَارَكَ الذي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك ﴾ أي من الله ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة وفسر ذلك الخير بقوله: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً ﴾ نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم، ويسد عليه أبواب الدنيا، وفي حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة، وقال في رواية عكرمة: ﴿ خَيْراً مّن ذلك ﴾ أي من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِن شَاء ﴾ معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على الله تعالى، وقال قوم: ﴿ إن ﴾ هاهنا بمعنى إذا، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات وبنينا لك قصوراً وإنما أدخل إن تنبيهاً للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق لا في الدنيا ولا في الآخرة.

المسألة الثالثة: القصور جماعة قصر وهو المسكن الرفيع ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومتنزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصوراً في الدنيا.

المسألة الرابعة: اختلف الفراء في قوله: ﴿ وَيَجْعَلَ ﴾ فرفع ابن كثير وابن عامر وعاصم اللام وجزمه الآخرون، فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات ويجعل لك قصوراً ومن رفع فعلى الاستئناف والمعنى سيجعل لك قصوراً، هذا قول الزجاج: قال الواحدي وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا ولا يحسن الوقوف على الأنهار، ومن رفع حسن له الوقوف على الأنهار، واستأنف أي ويجعل لك قصوراً في الآخرة.

وفي مصحف أبي وابن مسعود: (تبارك الذي إن شاء يجعل).

المسألة الخامسة: عن طاوس عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطها أحداً قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً، فقال عليه السلام: «بل يجمعها جميعاً لي في الآخرة»، فنزل قوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء ﴾ الآية، وعن ابن عباس قال عليه السلام: «عرض عليَّ جبريل بطحاء مكة ذهباً فقلت بل شبعة وثلاث جوعات» وذلك أكثر لذكري ومسألتي لربي، وفي رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام: «أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً، فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت» وعن الضحاك لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزياً له، وقال إن الله يقرؤك السلام ويقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام  ﴾ الآية، قال فبينما جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك فسلم عليه وقال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ومعه سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك الله مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نبياً عبداً قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئاً حتى فارق الدنيا.

أما قوله تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة في نفس المسألة، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً ولا يتحملون كلفة النظر والفكر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل، ثم قال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم: ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ أي جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية وهي قوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ وقوله: ﴿ أَعْتَدْنَا ﴾ إخبار عن فعل وقع في الماضي، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائي يحتمل وأعتدنا النار في الدنيا وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ أي سنعدها لهم كقوله: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار  ﴾ واعلم أن هذا السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير، إما نار الدنيا وإما نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا، والأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا، والتالي أيضاً باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا، فثبت أن المراد نار الآخرة وثبت أنها معدة، وحمل الآية على أن الله سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير دليل، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ صريح في أنه تعالى أعد جهنم.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذباً وانقلب بذلك علمه جهلاً، وهذا الانقلاب محال والمؤدي إلى المحال محال فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً، والشقي لا ينقلب سعيداً، ثم إنه سبحانه وتعالى وصف السعير بصفات إحداها قوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: السعير مذكر ولكن جاء هاهنا مؤنثاً لأنه تعالى قال: ﴿ رَأَتْهُمْ ﴾ وقال: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ وإنما جاء مؤنثاً على معنى النار.

المسألة الثانية: مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطاً في الحياة، فالنار على ما هي عليه يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها، وعند المعتزلة ذلك غير جائز، وهؤلاء المعتزلة ليس لهم في هذا الباب حجة إلا استقراء العادات، ولو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات في حق الرسل، فهؤلاء قولهم متناقض، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة، فعلى هذا قال أصحابنا قول الله تعالى في صفة النار: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ يجب إجراؤه على الظاهر، لأنه لا امتناع في أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار، أما المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورهم تتراءى وتتناظر، وقال عليه السلام: «إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما» أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك، ويقال دور فلان متناظرة، أي متقابلة.

وثانيها: أن النار لشدة اضطرامها وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم.

وثالثها: قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ أراد أهلها.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً، فكيف قال الله تعالى: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ ؟

والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله: رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه، وكذلك يقال في المحبة فكذا هاهنا، والمعنى سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج.

وثانيها: المعنى علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً وهذا قول قطرب، وهو كقول الشاعر: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وثالثها: المراد تغيظ الخزنة.

المسألة الرابعة: قال عبيد بن عمير: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي.

الصفة الثانية للسعير: قوله تعالى: ﴿ وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون فيها، نعوذ بالله منه بما لا شيء أبلغ منه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ ضَيّقاً ﴾ قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن كثير.

المسألة الثانية: نقل في تفسير الضيق أمور، قال قتادة: ذكر لنا عبدالله بن عمر قال: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط» قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهيب، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة، قال صاحب الكشاف: الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث: «إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا» ولقد جمع الله على أهل النار أنواع (البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق).

المسألة الثالثة: قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد، يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة، وفي أرجلهم الأصفاد، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبوراً، والثبور الهلاك، ودعاؤهم أن يقولوا واثبوراه، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك، وروى أنس مرفوعاً: «أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته وهو يقول يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار».

أما قوله: ﴿ لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا ﴾ أي يقال لهم ذلك، وهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول، ومعنى ﴿ وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ ، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحداً، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من الأوقات التي لا نهاية لها ثبور، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعاً من الخفة، فإن المعذب إذا صاحب وبكى وجد بسببه نوعاً من الخفة فيزجرون عن ذلك، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ بالله منه، قال الكلبي نزل هذا كله في حق أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تكاثر خير ﴿ الذى إِن شَاءَ ﴾ وهب لك في الدنيا ﴿ خَيْرًا ﴾ مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور.

وقرئ: ﴿ ويجعل ﴾ بالرفع عطفاً على جعل؛ لأن الشرط إذا وقع ماضياً، جاز في جزائه الجزم، والرفع، كقوله: وَإنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْئَلَةٍ ** يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ ويجوز في ﴿ وَيَجْعَل لَّكَ ﴾ إذا أدغمت: أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع جميعاً.

وقرئ بالنصب، على أنه جواب الشرط بالواو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ أيْ قالُوا فِيكَ الأقْوالَ الشّاذَّةَ واخْتَرَعُوا لَكَ الأحْوالَ النّادِرَةَ.

﴿ فَضَلُّوا ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى مَعْرِفَةِ خَواصِّ النَّبِيِّ والمُمَيِّزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُتَنَبِّي فَخَبَطُوا خَبْطَ عَشْواءَ.

﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ إلى القَدْحِ في نُبُوَّتِكَ أوْ إلى الرُّشْدِ والهُدى.

﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ ﴾ في الدُّنْيا.

﴿ خَيْرًا مِن ذَلِكَ ﴾ مِمّا قالُوا لَكِنْ أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ خَيْرٌ وأبْقى.

﴿ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ بَدَلٌ مِن ( خَيْرًا ) .

﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالرَّفْعِ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ ماضِيًا جازَ في جَزائِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ كَقَوْلِهِ: وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ.

.

.

يَقُولُ لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرَمُ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بِوَعْدِ ما يَكُونُ لَهُ في الآخِرَةِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ بِالواوِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} أي تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور وجنات بدل من خيرا ويجعل بالرفع مكي وشامي وأبو بكر لأن الشرط إذا وقع ماضياً زفى جزائه الجزم والرفع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ أيْ تَكاثَرَ خَيْرُ الَّذِي إنْ شاءَ وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا شَيْئًا خَيْرًا لَكَ مِمّا اقْتَرَحُوهُ وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ كَذا في الكَشّافِ، وعَنْ مُجاهِدٍ إنْ شاءَ جَعْلَ لَكَ جَنّاتِ الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ إنْ شاءَ جَعَلَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ودَخَلَتْ ﴿ إنْ ﴾ عَلى فِعْلِ المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ والعِبادِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ولا يَرُدُّ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: تَبارَكَ وتعالى، وقد ذكرناه الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ يعني: خيراً مما يقول الكفار في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً في الجنة، ويقال: في الدنيا إن شاء أعطاك.

وروى سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: عن خيثمة قال: «قيل للنبيِّ  إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعط من قبلك أحداً، ولا نعطي من بعدك أحداً، ولا ينقص ذلك مما عند الله شيئاً.

وإن شئت جمعناها لك في الآخرة.

قال  : «بل اجمعها لِي في الآخِرَة» فنزل تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وَيَجْعَلُ بضم اللام على معنى خبر الابتداء، وقرأ الباقون بالجزم لأنه جواب الشرط.

ثم قال عز وجل: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ معناه: ولكن كذبوا بالساعة يعني: بالقيامة وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً يعني: هيأنا لمن كذب بالقيامة وقوداً، وهُوَ نار جهنم إِذا رَأَتْهُمْ يعني: جهنم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني: من مسيرة خمسمائة سنة.

ويقال: من مسيرة مائة سنة سَمِعُوا لَها يعني: منها تَغَيُّظاً على الكفار وَزَفِيراً يعني: صوتاً كصوت الحمار.

وقال قوم: معناه يسمعون منها تغيظ المعذبين وزفيرهم، كما قال: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود: 106] وقال عامة المفسرين: التغيظ والزفير يسمع من النار، ألا ترى أنه قال: سَمِعُوا لَها، ولم يقل: سمعوا منها، ولا فيها.

وقال في آية أُخرى: وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: 8] وروي في الخبر: «أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل إلا خرَّ على وجهه ترعد فرائصهم حتى إن إبراهيم الخليل  ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب يا رب لا أسألك إلا نفسي» .

ثم قال عز وجل: وَإِذا أُلْقُوا مِنْها يعني: فيها مَكاناً ضَيِّقاً يعني: يضيق عليهم المكان كتضييق الزُّجِّ من الرُّمح مُقَرَّنِينَ يعني: مسلسلين في القيود، موثقين في الحديد، قرنوا مع الشياطين دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً فعند ذلك دعوا بالويل، يعني: يقولون وا هلاكاه، فتقول لهم الخزنة: لاَّ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً يعني: ادعوا ويلاً كثيراً دائماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .

وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:

الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.

/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...

الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...

الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.

قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَأعْطاهُ خَيْرًا مِمّا قالُوا في الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ خَيْرًا مِن ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: لَوْ شِئْتَ لَأعْطَيْتُكَ في الدُّنْيا خَيْرًا مِمّا قالُوا، لِأنَّهُ قَدْ شاءَ أنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.

﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا " بِرَفْعِ اللّامِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ويَجْعَلْ " بِجَزْمِ اللّامِ.

فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ، كانَ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ [لَكَ] قُصُورًا.

ومَن رَفَعَ، فَعَلى الِاسْتِثْناءِ [المَعْنى]: ويُجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " أعَتِدنا " [النِّساءِ: ٣٧] ومَعْنى " السَّعِير " [النِّساءِ:١٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ.

فَإنْ قِيلَ: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ إذا رَأتْهُمْ ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِالسَّعِيرِ النّارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: غَلَيانُ تَغَيُّظٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّها تَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ، فَيَسْمَعُونَ صَوْتَ تَغَيُّظِها وزَفِيرِها كالغَضْبانِ إذا غَلا صَدْرُهُ مِنَ الغَيْظِ.

والثّانِي: يَسْمَعُونَ فِيها تَغَيُّظَ المُعَذَّبِينَ وزَفِيرَهم، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزُّجُّ عَلى الرُّمْحِ، وهم قَدْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ، والثُّبُورُ: الهَلَكَةُ.

وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " ثَبُورًا " بِفَتْحِ الثّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الثُّبُورُ مَصْدَرٌ، فَهو لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، كَما تَقُولُ ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا كَثِيرًا، والمَعْنى: هَلاكُهم أكْثَرُ مِن أنْ يَدْعُوا مَرَّةً واحِدَةً ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " «أوَّلُ مَن يُكْسى مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إبْلِيسُ، يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، وذُرِّيَّتُهُ خَلْفَهُ وهو يَقُولُ: وا ثُبُوراهُ، وهم يُنادُونَ: يا ثُبُورَهم، حَتّى يَقِفُوا عَلى النّارِ، فَيُنادِي: يا ثُبُوراهُ، ويُنادُونَ: يا ثُبُورَهم، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا مالِ هَذا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ﴿ أو يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أو تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ ﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم كانَ لَهم مَعَ رَسُولِ اللهِ  مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِيَرِ، وغَيْرِهِ، مُضْمَنُهُ أنَّ سادَتَهم عُتْبَةَ وغَيْرَهُ- اجْتَمَعُوا مَعَهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِياسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كُنْتَ تُحِبُّ المالَ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا.

فَلَمّا أبى رَسُولُ اللهِ  رَجَعُوا في بابِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: ما بالُكَ -وَأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللهِ- تَأْكُلُ الطَعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ تُرِيدُ التِماسَ الرِزْقِ؟

أيْ: مَن كانَ رَسُولَ اللهِ مُسْتَغْنٍ عن جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمْ قالُوا لَهُ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرَ مَعَكَ، أو يُلْقِي إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أو يَرُدُّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا، أو تُزالُ الجِبالُ ويَكُونُ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وكُتِبَتِ اللامُ مُفْرَدَةً مِن قَوْلِهِمْ: "مالِ هَذا" إمّا لَأنَّ عَلى المُصْحَفِ قَطْعَ لَفْظِهِ فاتَّبَعَهُ الكاتِبُ؛ وإمّا لَأنَّهم رَأوا أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ بِإنْهاءِ الِاتِّصالِ، نَحْوَ مِن، وفِي، وعن، وعَلى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "يَأْكُلُ مِنها" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "نَأْكُلُ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وسُلَيْمانُ بْنُ مِهْرانَ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عنهم -وَهُمُ الظالِمُونَ الَّذِينَ أُشِيرُ إلَيْهِمْ- أنَّهم قالُوا -حِينَ يَئِسُوا مِن مُحَمَّدٍ  -: ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ وهي الرِئَةُ، فَكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى تَحْقِيرِهِ، أيْ: رَجُلٌ مِنكم في الخِلْقَةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.

ثُمْ نَبَّهَهُ اللهُ تَعالى مُسَلِّيًا عن مَقالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا ﴾ ، أيْ: أخْطَؤُوا الطَرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلًا لِهِدايَةٍ، ولا يُطِيقُونَهُ لِتَلَبُّسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَلالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي ﴾ الآيَةُ، رُجُوعٌ بِأُمُورِ مُحَمَّدٍ  إلى اللهِ، أيْ: هَذِهِ جِهَتُكَ، لا هَؤُلاءِ الضالُّونَ في أمْرِكَ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" قالَ مُجاهِدٌ: هي إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ في الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى أكْلِهِ الطَعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَأنَّ التَأْوِيلَ الثانِيَ يُوهِمْ أنَّ الجَنّاتِ والقُصُورَ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ -وَهَذا تَأْوِيلُ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ- يَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِ  ﴾ ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ.

وقَرَأ عاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَفْصٍ، ونافِعٌ، وأبِي عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيَجْعَلْ" بِالجَزْمِ، عَلى العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ الجَوابِ في قَوْلِهِ: "جَعَلَ"؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِالرَفْعِ والِاسْتِئْنافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: "جَعَلَ"؛ لَأنَّ جَوابَ الشَرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ، ألّا تَرى أنَّ الجَمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَرْطِ؟

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسى، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَيَجْعَلَ" بِالنَصْبِ، وَهِيَ عَلى تَقْدِيرِ "أنْ" في صَدْرِ الكَلامِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الجَزاءِ، قالُوا: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، وأدْغَمَ الأعْرَجُ [جَعْلَ لَكَ] و"يَجْعَلْ لَكَ"، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ.

و"القُصُورُ": البُيُوتُ المَبْنِيَّةُ بِالجُدْرانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، فَكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي ما كانَ مِنَ الشَعْرِ والصُوفِ والقَصَبِ بَيْتًا، وتُسَمِّي ما كانَ بِالجُدْرانِ قَصْرًا؛ لَأنَّهُ قَصَّرَ عَنِ الداخِلِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ابتدئت السورة بتعظيم الله وثنائه على أن أنزل الفرقان على رسوله، وأعقب ذلك بما تلقى به المشركون هذه المزية من الجحود والإنكار الناشئ عن تمسكهم بما اتخذوه من آلهة من صفاتهم ما ينافي الإلهية، ثم طعنوا في القرآن والذي جاء به بما هو كفران للنعمة ومن جاء بها.

فلما أريد الإعراض عن باطلهم والإقبال على خطاب الرسول بتثبيته وتثبيت المؤمنين أعيد اللفظ الذي ابتدئت به السورة على طريقة وصل الكلام بقوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ .

وهذه الجملة استئناف واقع موقع الجواب عن قولهم ﴿ أو تكون له جنة ﴾ [الفرقان: 8] الخ، أي إن شاء جعل لك خيراً من الذي اقترحوه، أي أفضل منه، أي إن شاء عجله لك في الدنيا، فالإشارة إلى المذكور من قولهم، فيجوز أن يكون المراد بالجنات والقصور جناتتٍ في الدنيا وقصوراً فيها، أي خيراً من الذي اقترحوه دليلاً على صدقك في زعمهم بأن تكون عدة جنات وفيها قصور.

وبهذا فسر جمهور المفسرين.

وعلى هذا التأويل تكون (إن) الشرطية واقعة موقع (لو)، أي أنه لم يشأ ولو شاءه لفعله ولكن الحكمة اقتضت عدم البسط للرسول في هذه الدنيا ولكن المشركين لا يدركون المطالب العالية.

وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المراد بالجنات والقصور ليست التي في الدنيا، أي هي جنات الخلد وقصور الجنة فيكون وعداً من الله لرسوله.

واقتران هذا الوعد بشرط المشيئة جار على ما تقتضيه العظمة الإلهية وإلا فسياق الوعد يقتضي الجزم بحصوله، فالله شاء ذلك لا محالة، بأن يقال: تبارك الذي جعل لك خيراً من ذلك.

فموقع ﴿ إن شاء ﴾ اعتراض.

وأصل المعنى: تبارك الذي جعل لك خيراً من ذلك جنات إلى آخره.

ويساعد هذا قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم ﴿ ويجعلُ لك قصوراً ﴾ برفع ﴿ يجعلُ ﴾ على الاستئناف دون إعمال حرف الشرط، وقراءة الأكثر بالجزم عطفاً على فعل الشرط وفعل الشرط محقق الحصول بالقرينة، وهذا المحمل أشد تبكيتاً للمشركين وقطعاً لمجادلتهم، وقرينة ذلك قوله بعده: ﴿ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ﴾ [الفرقان: 11]، وهو ضد ومقابل لما أعده لرسوله والمؤمنين.

والقصور: المباني العظيمة الواسعة على وجه الأرض وتقدم في قوله: ﴿ تتخذون من سهولها قصوراً ﴾ في سورة الأعراف (74)، وقوله: ﴿ وقصر مشيد ﴾ في سورة الحج (45).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إزْراءً عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا كانَ مِثْلُهم مُحْتاجًا إلى الطَّعامِ وَمُتَبَذِّلًا في الأسْواقِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَمَيَّزَ عَلَيْهِمْ بِالرِّسالَةِ ووَجَبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم في الحُكْمِ.

الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اسْتِزادَةً لَهُ في الحالِ كَما زادَ عَلَيْهِمْ في الِاخْتِصاصِ فَكانَ يَجِبُ ألّا يَحْتاجَ إلى الطَّعامِ كالمَلائِكَةِ، ولا يَتَبَذَّلُ في الأسْواقِ كالمُلُوكِ.

وَمُرادُهم في كِلا الوَجْهَيْنِ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ يُوجِبُ اخْتِصاصُهُ بِالمَنزِلَةِ نَقْلَهُ عَنْ مَوْضِعِ الخِلْقَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ جِنْسٍ قَدْ يَتَفاضَلُ أهْلُهُ في المَنزِلَةِ ولا يَقْتَضِي تَمْيِيزَهم في الخِلْقَةِ كَذَلِكَ حالُ مَن فُضِّلَ في الرِّسالَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ نُقِلَ عَنْ مَوْضُوعِ الخِلْقَةِ بِتَمْيِيزِهِ بِالرِّسالَةِ لَصارَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ ولَما كانَ رَسُولًا مِنهم، وذَلِكَ مِمّا تَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ.

وَأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أنَّ الرِّسالَةَ لا تَقْتَضِي مَنعَهُ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن أفْعالِ الجَبابِرَةِ وقَدْ صانَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَنِ التَّجَبُّرِ.

الثّانِي: لِحاجَتِهِ لِدُعاءِ أهْلِ الأسْواقِ إلى نُبُوَّتِهِ، ومُشاهَدَةِ ما هم عَلَيْهِ مِن مُنْكَرٍ يَمْنَعُ مِنهُ ومَعْرُوفٍ يُقِرُّ عَلَيْهِ.

﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ ﴾ الآيَةَ أيْ هَلّا أُنْزِلَ إلَيْهِ ﴿ مَلَكٌ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَلَكُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ وزِيرًا لَهُ يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ.

﴿ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ ﴾ فَلا يَكُونُ فَقِيرًا.

﴿ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها ﴾ والجَنَّةُ البُسْتانُ فَكَأنَّهُمُ اسْتَقَلُّوهُ لِفَقْرِهِ.

قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما زَواها عَنْ نَبِيِّهِ إلّا اخْتِيارًا ولا بَسَطَها لِغَيْرِهِ إلّا اغْتِرارًا ولَوْلا ذاكَ لَما أعالَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى.

﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُحِرَ فَزالَ عَقْلُهُ.

الثّانِي: أيْ سَحَرَكم فِيما يَقُولُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ.

﴿ فَضَلُّوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ في ضَرْبِها.

الثّانِي: فَناقَضُوا في ذِكْرِها لِأنَّهم قالُوا افْتَراهُ ثُمَّ قالُوا تُمْلى عَلَيْهِ وهُما مُتَناقِضانِ.

﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَخْرَجًا مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: سَبِيلًا إلى الطّاعَةِ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: سَبِيلًا إلى الخَيْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِينَ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ.

﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُكَتَّفِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: يُقْرَنُ كُلُّ واحِدٌ مِنهم إلى شَيْطانِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ويْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هَلاكًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ وانْصِرافاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (أوَّلُ مَن يَقُولُهُ إبْلِيسُ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ قال: هو القرآن فيه حلال الله وحرامه، وشرائعه ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال: بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم.

﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ قال: هي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله ﴿ لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ وهو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة، ولا نشوراً يعني بعثاً ﴿ وقال الذين كفروا إن هذا ﴾ هذا قول مشركي العرب ﴿ إلا إفك ﴾ هو الكذب ﴿ افتراه وأعانه عليه ﴾ أي على حديثه هذا وأمره ﴿ قوم آخرون فقد جاءوا ﴾ فقد أتوا ﴿ ظلماً وزوراً ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ قال: كذب الأولين وأحاديثهم ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول!

﴾ قال: عجب الكفار من ذلك أن يكون رسول ﴿ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ قال الله يرد عليهم ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ يقول: خيراً مما قال الكفار من الكنز والجنة ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: وإنه والله من دخل الجنة ليصيبن قصوراً لا تبلى ولا تهدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كل شيء في القرأن افك، فهو كذب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ قال: يهود ﴿ فقد جاءوا ظلماً وزوراً ﴾ قال: كذباً.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.

«أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج.

اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك قال: فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد انا بعثنا إليك لنعذر منك.

فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي مما تقولون.

ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك قالوا: فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي- فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه- حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل.

ما أنا بالذي يسأل ربه هذا؛ وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فأنزل الله في قولهم ذلك ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ﴾ إلى قوله: ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً ﴾ أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون ﴾ قاله الوليد بن المغيرة وأصحابه يوم دار الندوة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك وفي قوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري ﴾ قال: حوائط ﴿ ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: بيوتاً مبنية مشيدة.

كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان.

وأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فنزل جبريل فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ ثم أتاه رضوان خازن الجنان ومعه سفط من نور يتلألأ فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل إلى الأرض أن تواضع فقال: يا رضوان لا حاجة لي فيها، فنودي: أن ارفع بصرك، فرفع فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنات عدن، فرأى منازل الأنبياء وعرفهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فقال: رضيت.

ويرون أن هذه الآية أنزلها رضوان ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطاه أحد بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة قال: اجمعها لي في الآخرة، فأنزل الله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «هذا ملك تدلى من السماء إلى الأرض.

ما نزل إلى الأرض قط قبلها، استأذن ربه في زيارتك، فأذن له، فلم يلبث ان جاء فقال: السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك السلام قال: إن الله يخبرك إن شئت أن يعطيك من خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء، لم يعط أحداً قبلك، ولا يعطيه أحداً بعدك، ولا ينقصك مما دخر لك عنده شيئاً فقال: لا بل يجمعهما لي في الآخرة جميعاً فنزلت ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أعلم الله تعالى أنه لو شاء لأعطى نبيه -  - من الدنيا خيرًا مما اقترحوا أن يكون له فقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ﴾ أي: خيرا مما قالوا (١) (٢) ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ .

وقال الكلبي: ﴿ مِنْ تَحْتِهَا ﴾ تحت غرفها وشجرها ومساكنها (٣) قال خيثمة (٤)  -: إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقصك ذلك عندنا شيئًا في الآخرة، ونزلت هذه الآية (٥)  - وآثر أمر الآخرة (٦)  -: "الفقر أحب إليّ وأن أكون عبدًا صابرًا شكورًا".

وهذا معنى قول ابن عباس في رواية جويبر عن الضحاك عنه (٧) قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ .

قرئ بجزم اللام ورفعه (٨) (٩) ﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ ﴾ عطفه على موضع: جعل؛ لأن موضع جعل جزم بأنه جزاء الشرط فإذا جزم ﴿ يَجْعَلْ ﴾ حمله على ذلك، وإذ كانوا قد جزموا ما لم يلِه فعل لأنه في موضع جزم كقراءة من قرأ: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ  ﴾ (١٠) ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ (١١) (١٢) وبين القراءتين فرق في المعنى؛ وهو: أن يقف على ﴿ الْأَنْهَارُ ﴾ واستأنف ﴿ ويجعلُ ﴾ فيكون المعنى: ويجعلُ لك قصورًا في الآخرة (١٣) (١٤) قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ قُصُورًا ﴾ بيوتًا مبنية مشيدة كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرا كائنًا ما كان (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١) هذا قول مجاهد.

وما بعده من كلام الواحدي.

"تفسير مجاهد" 447.

وأخرجه عن مجاهد ابن جرير 18/ 185.

وابن أبي حاتم 8/ 2666.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 92 ب، وذكر ابن جرير 18/ 185، قولاً آخر: خيرًا من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس.

ونسبه لابن عباس، لكنه من طريق محمد بن إسحاق.

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2666، من قول محمد بن إسحاق.

وذكره الثعلبي 8/ 92 ب، منسوبًا لابن عباس.

وهذا القول فيه تخصيص بدون مخصص، وظاهر الآية رجوع اسم الإشارة إلى كل ما سبق ذكره من اقتراحات المشركين.

والله أعلم.

(٢) "تفسير مقاتل" ص 43 ب.

(٣) "تنوير المقباس" ص 301.

(٤) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، لأبيه وجده صحبة، حدّث عن أبيه، وعائشة وغيرهم -  م- أدرك ثلاثة عشر صحابيًا.

ت: 80 هـ "تاريخ الثقات" للعجلي ص 145.

"تهذيب التهذيب" 3/ 154.

"سير أعلام النبلاء" 4/ 320.

وذكره العلائي في "جامع التحصيل" ص 209.

فالحديث مرسل.

(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره 18/ 186، بسنده عن حبيب قال: قيل للنبي -  - إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى مَنْ بعدك، ولا ينقص ذلك مما عند الله تعالى، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2666، بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة مختصرًا قريباً من سياق ابن جرير.

وذكره السمرقندي 2/ 454.

وابن كثير 6/ 95، كلاهما بدون إسناد، عن سفيان الثوري عن حبيب، به.

وحبيب بن أبي ثابت، ثقة فقيه جليل، ولكنه كان كثير الإرسال والتدليس.

"جامع التحصيل" للعلائي ص190، و"التقريب" ص 218.

وهنا لم يصرح بالتحديث.

إضافة إلى علة الإرسال من خيثمة كما سبق في ترجمته قريبًا.

(٦) هذا من كلام الواحدي -رحمه الله- وليس من الرواية.

وهو بنصه في "معاني القرآن" للز جاج 4/ 59.

(٧) أخرج هذه الرواية الثعلبي 892 ب، مطوّلة جدًا.

وفيها (الفقر أحب إليّ ...).

== وأخرجها الواحدي في "أسباب النزول" ص 332، من طريق الثعلبي.

وهي رواية منقطعة، وضعيفة؛ فالضحاك لم يسمع من ابن عباس -  ما-.

وجويبر ضعيف جداً.

(٨) قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ ويجعلُ ﴾ بالرفع، والباقون بالجزم.

"السبعة في القراءات" ص 462.

و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 336.

و"النشر في القراءات العشر" 2/ 333.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 59، بنصه.

(١٠) ﴿ وَيَذَرُهُمْ ﴾ فيها ثلاث قراءات: بالياء والرفع، والنون والرفع، وبالياء مع الجزم، والثالثة هي الشاهد من ذكر القراءة، وقرأ بها حمزة والكسائي وخلف.

"السبعة في القراءات" ص 299، و"النشر" 2/ 273.

(١١) سبق ذكر الشاهد في الآية الأولى، وأما الآية الثانية فلم يذكر الشاهد فيها، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ ﴾ بالرفع.

قرأ == نافع وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر، بجزم الراء، وقرأ الباقون برفعها.

"السبعة في القراءات" ص 191، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 236.

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 336.

(١٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 337، بمعناه.

والوقف على هذه القراءة على ﴿ الْأَنْهَارُ ﴾ وقف كاف.

"القطع والائتناف" 2/ 479، و"المكتفى" 414.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 59، بنصه.

(١٥) "تفسير مجاهد" 448.

وأخرج ابن جرير 18/ 186.

وابن أبي حاتم 8/ 2666.

كلهم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.

(١٦) "تفسير مقاتل" ص 43 ب، وفيه: وذلك أن قريشاً يسمّون بيوت الطين: القصور.

أما ما قبله فغير موجود عند تفسير هذه الآية.

(١٧) "تهذيب اللغة" 8/ 359 (قصر).

ومنه قوله تعالى: ﴿ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ  ﴾ .

وذكر هذا الثعلبي 8/ 92 ب.

(١٨) "تفسير الطوسي" 7/ 475.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾ الآية: قال هذا الكلام قريش طعناً على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق ﴾ [الفرقان: 20] وقولهم ﴿ هذا الرسول ﴾ على وجه آلهتكم كقوله فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ [الشعراء: 27] أو يعنون الرسول بزعمه، ثم ذكر ما اقترحوا من الأمور في قولهم: ﴿ لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ وما بعده، ثم وصفهم بالظلم، وقد ذكرنا معنى مسحوراً في [الإسراء: 47] سبحان ﴿ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال ﴾ أي قالوا فيك تلك الأقوال ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ﴾ أي لا يقدرون على الوصول إلى الحق لبعدهم عنه وإفراط جهلهم ﴿ خَيْراً مِّن ذلك ﴾ الإشارة إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ يعني جنات الآخرة وقصورها وما قيل: يعني جنات، وقصوراً في الدنيا، ولذلك قال: إن شاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.

الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.

الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.

﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: إنه  تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.

ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو  عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله  ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.

والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.

والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.

قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.

وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم  ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه  بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.

ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.

الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.

وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.

والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.

وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله  ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.

وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.

فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله  .

وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله  ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي  ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.

وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.

فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.

إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.

قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.

الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.

فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.

والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.

قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.

وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.

الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.

زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.

وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.

والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.

وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.

وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.

وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.

وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.

وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.

والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.

عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله  جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.

فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.

فقال  : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.

وعن النبي  : "عرض عليّ جبرائيل  بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .

وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .

قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.

ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.

﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.

وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.

والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.

والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.

وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.

قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله  ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.

قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم  يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.

وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.

عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.

وسئل النبي  عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.

وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.

وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .

وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً  ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.

والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.

ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.

إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟

والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.

وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.

قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.

أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟

قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً  ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.

والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.

وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم  ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.

قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله  فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.

وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون  ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.

والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.

وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس  ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.

﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟

أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.

ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.

ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.

وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟

الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.

قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.

أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.

الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.

وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.

و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.

دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.

فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.

وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله  هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.

أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.

وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".

قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.

وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.

قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.

أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.

قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.

وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".

﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.

وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.

وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.

ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.

فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.

ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.

أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.

قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.

وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا أحد.

وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.

وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله  ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي  "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد  بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.

قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.

وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.

قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.

وقيل: في الآية تسلية للنبي  عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.

وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.

وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ ﴾ قد ذكرنا أنه خرج جواب ما سألوه من الأشياء: من الملك والكنز والجنة وأنواع الطعن الذي طعنوه، أي: لو شاء لأعطاك خيراً من ذلك.

ثم أخبر أن الذي حملهم على ذلك السؤال وأنواع الطعن فيه هو تكذيبهم بالساعة؛ حيث قال: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ ﴾ حيث لم يروا لأمورهم عاقبة ينتهون إليها؛ يثابون عليها أو يعاقبون.

ثم أخبر ما أعدّ لهم بتكذيبهم الساعة فقال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً ﴾ .

ثم وصف ذلك السعير فقال: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ .

وقوله: ﴿ رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: يجعل لها أسباباً تراهم كما يرونها.

والثاني إذا صاروا في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم.

وقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً ﴾ : قيل: إن النار ترفع ويعلو لهبها، وترد من كان في أعلاها إلى أسفلها، ويرد من كان من أسفلها إلى أعلاها، فيجمعهم جميعاً فيضيق عليهم المكان ويشتد بهم العذاب، كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد.

وقوله: ﴿ مُّقَرَّنِينَ ﴾ : قال بعضهم: مقيدين بعضهم ببعض.

ثم قال بعضهم: الشيطان يقرن، ويَقَيَّدُ كل بشيطانه الذي دعاه إلى دعائه واتبعه؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...

﴾ الآية [الزخرف: 36].

وقال بعضهم: يقرن العابد والمعبود من دون الله، وهو الأصنام التي عبدوها؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...

﴾ الآية [الصافات: 22] .

وقوله: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ أي: هلاكا، والثبور: الهلاك؛ كقوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً  ﴾ أي: هالكاً.

والثبور والويل: هما حرفان يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة، فقال: ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ ، أي: لا تدعوا هلاكاً واحداً؛ كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانياً، وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى؛ كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ  ﴾ أي: أسباب الموت تأتيهم من كل مكان وما هو بميت؛ وكقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 56].

وإنما يسألون ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب؛ وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تبارك الله الَّذي إن شاء جعل لك خيرًا مما اقترحوه لك، بأن يجعل لك في الدنيا حدائق تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها تأكل من ثمارها، ويجعل لك قصورًا تسكن فيها مُنَعَّمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.Lmq8Q"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله