الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ١٤ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد عن أنس بن مالك; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من يكسى حلة من النار إبليس ، فيضعها على حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من بعده ، وهو ينادي : يا ثبوراه ، وينادون : يا ثبورهم .
حتى يقفوا على النار ، فيقول : يا ثبوراه .
ويقولون : يا ثبورهم .
فيقال لهم : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ، وادعوا ثبورا كثيرا " .
لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ورواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن سنان ، عن عفان ، به : ورواه ابن جرير ، من حديث حماد بن سلمة به .
وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) أي : لا تدعوا اليوم ويلا واحدا ، وادعوا ويلا كثيرا .
وقال الضحاك : الثبور : الهلاك .
والأظهر : أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار ، كما قال موسى لفرعون : ( وإني لأظنك يافرعون مثبورا ) [ الإسراء : 102 ] أي : هالكا .
وقال عبد الله بن الزبعرى : إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ي ، ومن مال ميله مثبور
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا ) الثبور: الهلاك.
قال أبو جعفر: والثبور في كلام العرب: أصله انصراف الرجل عن الشيء, يقال منه: ما ثبرك عن هذا الأمر: أي ما صرفك عنه، وهو في هذا الموضع دعاء هؤلاء القوم بالندم على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، والإيمان بما جاءهم به نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حتى استوجبوا العقوبة منه, كما يقول القائل: وا ندامتاه, وا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول في قوله: ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) أي هلكة, ويقول: هو مصدر من ثبر الرجل: أي أهلك, ويستشهد لقيله في ذلك ببيت ابن الزّبَعْرى: إذ أُجـاري الشَّـيطَان فـي سَـنَن الغي ومــن مَــال مَيْلَــهُ مَثْبُــورا (1) وقوله: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ) أيها المشركون ندمًا واحدًا: أي مرة واحدة, ولكن ادعوا ذلك كثيرا.
وإنما قيل: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا ) لأن الثبور مصدر؛ والمصادر لا تجمع, وإنما توصف بامتداد وقتها وكثرتها, كما يقال: قعد قعودا طويلا وأكل أكلا كثيرا.
حدثنا محمد بن مرزوق, قال: ثنا حجاج, قال: ثنا حماد قال: ثنا عليّ بن زيد, عن أنس بن مالك, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أوَّلُ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّار إِبْلِيسُ, فَيَضَعُها عَلى حاجبَيْه, ويَسْحَبُها مِنْ خَلْفِهِ, وَذُرَّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ, وَهُوَ يَقُولُ: يا ثُبُورَاه، وَهُمْ يُنَادُونَ: يا ثُبُورَهُمْ فيقال: ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) ".
------------------------ الهوامش: (1) البيت لعبد الله بن الزبعرى شاعر قريش الذي كان يهجو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ثم خرج إليه وأسلم بعد فتح مكة ، وقال حين أسلم شعرًا ، منه هذا البيت من مقطوعة أربعة أبيات أنشدها ابن إسحاق في السيرة (طبعة الحلبي 4 : 61) ومعنى أجاري : أباري وأعارض .
والسنن بالتحريك : وسط الطريق .
ومثبور : هالك .
والشاهد فيه عند المؤلف أن الثبور معناه الهلاك والمثبور : الهالك
قوله تعالى : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة .
وقال : ثبورا لأنه مصدر يقع للقليل والكثير فلذلك لم يجمع ; وهو كقولك : ضربته ضربا كثيرا ، وقعد قعودا طويلا .
ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه .
: { لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } أي: لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه ما أفادكم إلا الهم والغم والحزن.
( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) قيل : أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة ، فادعوا أدعية كثيرة .
«لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا» كعذابكم.
فيقال لهم تيئيسًا، لا تَدْعوا اليوم بالهلاك مرة واحدة، بل مرات كثيرة، فلن يزيدكم ذلك إلا غمًّا، فلا خلاص لكم.
ووصف - سبحانه - المكان الذى يلقون فيه بالضيق ، للإشارة إلى زيادة كربهم ، فإن ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتململ .
هنا يسمعون من يقول لهم على سبيل الزجر والسخرية المريرة ، ( لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ) .
أى : اتركوا اليوم طلب الهلاك الواحد .
واطلبوا هلاكا كثيرا لا غاية لكثرته ، ولا منتهى لنهايته .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ) أى : أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، وإنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفطاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم .
اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله: ﴿ تَبَارَكَ الذي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك ﴾ أي من الله ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة وفسر ذلك الخير بقوله: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً ﴾ نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم، ويسد عليه أبواب الدنيا، وفي حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة، وقال في رواية عكرمة: ﴿ خَيْراً مّن ذلك ﴾ أي من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِن شَاء ﴾ معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على الله تعالى، وقال قوم: ﴿ إن ﴾ هاهنا بمعنى إذا، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات وبنينا لك قصوراً وإنما أدخل إن تنبيهاً للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق لا في الدنيا ولا في الآخرة.
المسألة الثالثة: القصور جماعة قصر وهو المسكن الرفيع ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومتنزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.
وقال مجاهد: إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصوراً في الدنيا.
المسألة الرابعة: اختلف الفراء في قوله: ﴿ وَيَجْعَلَ ﴾ فرفع ابن كثير وابن عامر وعاصم اللام وجزمه الآخرون، فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات ويجعل لك قصوراً ومن رفع فعلى الاستئناف والمعنى سيجعل لك قصوراً، هذا قول الزجاج: قال الواحدي وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا ولا يحسن الوقوف على الأنهار، ومن رفع حسن له الوقوف على الأنهار، واستأنف أي ويجعل لك قصوراً في الآخرة.
وفي مصحف أبي وابن مسعود: (تبارك الذي إن شاء يجعل).
المسألة الخامسة: عن طاوس عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطها أحداً قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً، فقال عليه السلام: «بل يجمعها جميعاً لي في الآخرة»، فنزل قوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء ﴾ الآية، وعن ابن عباس قال عليه السلام: «عرض عليَّ جبريل بطحاء مكة ذهباً فقلت بل شبعة وثلاث جوعات» وذلك أكثر لذكري ومسألتي لربي، وفي رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام: «أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً، فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت» وعن الضحاك لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزياً له، وقال إن الله يقرؤك السلام ويقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام ﴾ الآية، قال فبينما جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك فسلم عليه وقال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ومعه سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك الله مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نبياً عبداً قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئاً حتى فارق الدنيا.
أما قوله تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة في نفس المسألة، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً ولا يتحملون كلفة النظر والفكر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل، ثم قال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم: ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ أي جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية وهي قوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ وقوله: ﴿ أَعْتَدْنَا ﴾ إخبار عن فعل وقع في الماضي، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائي يحتمل وأعتدنا النار في الدنيا وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ أي سنعدها لهم كقوله: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار ﴾ واعلم أن هذا السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير، إما نار الدنيا وإما نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا، والأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا، والتالي أيضاً باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا، فثبت أن المراد نار الآخرة وثبت أنها معدة، وحمل الآية على أن الله سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير دليل، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ صريح في أنه تعالى أعد جهنم.
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذباً وانقلب بذلك علمه جهلاً، وهذا الانقلاب محال والمؤدي إلى المحال محال فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً، والشقي لا ينقلب سعيداً، ثم إنه سبحانه وتعالى وصف السعير بصفات إحداها قوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: السعير مذكر ولكن جاء هاهنا مؤنثاً لأنه تعالى قال: ﴿ رَأَتْهُمْ ﴾ وقال: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ وإنما جاء مؤنثاً على معنى النار.
المسألة الثانية: مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطاً في الحياة، فالنار على ما هي عليه يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها، وعند المعتزلة ذلك غير جائز، وهؤلاء المعتزلة ليس لهم في هذا الباب حجة إلا استقراء العادات، ولو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات في حق الرسل، فهؤلاء قولهم متناقض، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة، فعلى هذا قال أصحابنا قول الله تعالى في صفة النار: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ يجب إجراؤه على الظاهر، لأنه لا امتناع في أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار، أما المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورهم تتراءى وتتناظر، وقال عليه السلام: «إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما» أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك، ويقال دور فلان متناظرة، أي متقابلة.
وثانيها: أن النار لشدة اضطرامها وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم.
وثالثها: قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله: ﴿ واسئل القرية ﴾ أراد أهلها.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً، فكيف قال الله تعالى: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ ؟
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله: رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه، وكذلك يقال في المحبة فكذا هاهنا، والمعنى سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج.
وثانيها: المعنى علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً وهذا قول قطرب، وهو كقول الشاعر: مقلداً سيفاً ورمحاً.
وثالثها: المراد تغيظ الخزنة.
المسألة الرابعة: قال عبيد بن عمير: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي.
الصفة الثانية للسعير: قوله تعالى: ﴿ وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون فيها، نعوذ بالله منه بما لا شيء أبلغ منه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ ضَيّقاً ﴾ قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن كثير.
المسألة الثانية: نقل في تفسير الضيق أمور، قال قتادة: ذكر لنا عبدالله بن عمر قال: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط» قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهيب، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة، قال صاحب الكشاف: الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث: «إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا» ولقد جمع الله على أهل النار أنواع (البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق).
المسألة الثالثة: قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد، يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة، وفي أرجلهم الأصفاد، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبوراً، والثبور الهلاك، ودعاؤهم أن يقولوا واثبوراه، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك، وروى أنس مرفوعاً: «أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته وهو يقول يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار».
أما قوله: ﴿ لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا ﴾ أي يقال لهم ذلك، وهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول، ومعنى ﴿ وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ ، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحداً، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من الأوقات التي لا نهاية لها ثبور، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعاً من الخفة، فإن المعذب إذا صاحب وبكى وجد بسببه نوعاً من الخفة فيزجرون عن ذلك، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ بالله منه، قال الكلبي نزل هذا كله في حق أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ كَذَّبُواْ ﴾ عطف على ما حكي عنهم: يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة.
ويجوز أن يتصل بما يليه، كأنه قال: بل كذبوا بالساعة، فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة.
السعير: النار الشديدة الاستعار.
وعن الحسن رضي الله عنه: أنه اسم من أسماء جهنم ﴿ رَأَتْهُمْ ﴾ من قولهم: دورهم تترا، أي: وتتناظر.
ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تراءى ناراهُمَا» كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.
والمعنى: إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها.
وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.
ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.
الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.
وجاء في الأحاديث: أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا.
ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصاً، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع.
وقيل: يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد.
والثبور: الهلاك، ودعاؤه أن يقال: واثبوراه، أي: تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ﴾ أي يقال لهم ذلك: أو هم أحقاء بأن يقال لهم، وإن لم يكن ثمة قول ومعنى ﴿ وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، إنما هو ثبور كثير إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدّته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ﴾ في مَكانٍ ومِنها بَيانٌ تَقَدَّمَ فَصارَ حالًا.
﴿ ضَيِّقًا ﴾ لِزِيادَةِ العَذابِ فَإنَّ الكَرْبَ مَعَ الضِّيقِ والرَّوْحَ مَعَ السِّعَةِ ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ الجَنَّةَ بِأنَّ عَرْضَها كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ.
﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ.
﴿ دَعَوْا هُنالِكَ ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ.
﴿ ثُبُورًا ﴾ هَلاكًا أيْ يَتَمَنَّوْنَ الهَلاكَ ويُنادُونَهُ فَيَقُولُونَ تَعالَ يا ثُبُوراهُ فَهَذا حِينُكَ.
﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ.
( ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ لِأنَّ عَذابَكم أنْواعٌ كَثِيرَةٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ، أوْ لِأنَّهُ يَتَجَدَّدُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أوْ لِأنَّهُ لا يَنْقَطِعُ فَهو في كُلِّ وقْتٍ ثُبُورٌ.
<div class="verse-tafsir"
{لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً} أي إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير
﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ إمّا مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ دَعَوْا ﴾ أيْ دَعَوْا مَقُولًا لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ بِأنَّ تَخاطُبَهُمُ المَلائِكَةِ لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ما يَدْعُونَهُ أوْ لا يَنالُونَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي أوْ تَمْثِيلًا لَهم وتَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ وخِطابٌ كَما قِيلَ أيْ دَعَوْهُ حالَ كَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإمّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ إذا ألْقَوْا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا دَعُوا «ثُبُورًا» فَيُقالُ لَهُمْ: لا تَدْعُوا إلَخْ، أوْ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ دُعائِهِمُ المَذْكُورِ؟
فَقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ إقْناطُهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِنَ الهَلاكِ وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّ عَذابَهُمُ المُلْجِئَ لَهم إلى ذَلِكَ أبَدِيٌّ لا خَلاصَ لَهم مِنهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ المُخْلِصَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ عادَةً غَيْرُ مُخْلِصٍ وما يُخْلِصُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ هَلاكًا واحِدًا فَإنَّهُ لا يُخَلِّصُكم ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا ﴾ وهَلاكًا ﴿ كَثِيرًا ﴾ لا غايَةَ لِكَثْرَتِهِ لِتَخْلُصُوا بِهِ وأنّى بِالهَلاكِ الكَثِيرُ.
ومِن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدٌ وهَذا مَعْنى دَقِيقٌ لَمْ أعْلَمْ أنَّ أحَدًا ذَكَرَهُ، وقِيلَ: وصْفُ الثُّبُورِ بِالكَثْرَةِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقُولُوا يا ثُبُوراهُ فَقَطْ وقُولُوا يا ثُبُوراهُ يا هَلاكاهُ يا ويْلاهُ يا لَهْفاهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وصَفَهُ بِذَلِكَ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لا بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ ثُبُورٌ واحِدٌ في حَدِّ ذاتِهِ لَكِنَّهُ كُلَّما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ مِن تِلْكَ الأدْعِيَةِ الكَثِيرَةِ صارَ كَأنَّهُ ثُبُورٌ مُغايِرٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ آخَرُ، وتَحْقِيقُهُ لا تَدْعُوهُ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِغايَةِ شِدَّتِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِتَكْرِيرِ الدُّعاءِ في كُلِّ آنٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أدَلُّ عَلى فَظاعَةِ العَذابِ وهو لَهُ مِن جَعْلِ تَعَدُّدِ الدُّعاءِ وتَجَدُّدِهِ لِتَعَدُّدِ العَذابِ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ وألْوانِهِ أوْ لِتَعَدُّدِهِ بِتَجَدُّدُ الجُلُودُ كَما لا يَخْفى، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورَكم فِيهِ واحِدًا إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَها فَلا غايَةَ لِهَلاكِهِمْ فَلا يُلائِمُ المَقامَ كَيْفَ وهَمَ إنَّما يَدْعُونَ هَلاكًا يُنْهِي عَذابَهم ويُنْجِيهِمْ مِنهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجَوابُ إقْناطًا لَهم عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ اسْتِحالَتِهِ ودَوامِ ما يُوجِبُ اسْتِدْعاءَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ انْتَهى، وتَعَقَّبَ القَوْلَ بِأنَّ وصْفَ الثُّبُورِ بِالكَثْرَةِ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ النُّظُمَ وكَذا كَوْنُهُ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِالثُّبُورِ لِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ دُعاءً كَثِيرًا، وأمّا قَوْلُهُ: وأمّا ما قِيلَ إلَخْ فَهو لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَتَأمَّلْ.
وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ ما صَرَفَكَ عَنْهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الثُّبُورُ في الآيَةِ مِن ذَلِكَ كَأنَّهم نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا فَقالُوا: واصْرِفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: وانَدَماهُ فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ والأمْرِ بِاليَوْمِ لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ المَعْهُودَةِ الَّتِي يُخْلِصُ مِن عَذابِها ثُبُورٌ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالسّاعَةِ الَّتِي أصابَهم ما أصابَهم بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِها فَفِيهِ زِيادَةُ إيلامٍ لَهُمْ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «ثُبُورًا» بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها وفُعُولٍ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ نَحْوُ القُفُولِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: تَبارَكَ وتعالى، وقد ذكرناه الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ يعني: خيراً مما يقول الكفار في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً في الجنة، ويقال: في الدنيا إن شاء أعطاك.
وروى سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: عن خيثمة قال: «قيل للنبيِّ إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعط من قبلك أحداً، ولا نعطي من بعدك أحداً، ولا ينقص ذلك مما عند الله شيئاً.
وإن شئت جمعناها لك في الآخرة.
قال : «بل اجمعها لِي في الآخِرَة» فنزل تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وَيَجْعَلُ بضم اللام على معنى خبر الابتداء، وقرأ الباقون بالجزم لأنه جواب الشرط.
ثم قال عز وجل: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ معناه: ولكن كذبوا بالساعة يعني: بالقيامة وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً يعني: هيأنا لمن كذب بالقيامة وقوداً، وهُوَ نار جهنم إِذا رَأَتْهُمْ يعني: جهنم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني: من مسيرة خمسمائة سنة.
ويقال: من مسيرة مائة سنة سَمِعُوا لَها يعني: منها تَغَيُّظاً على الكفار وَزَفِيراً يعني: صوتاً كصوت الحمار.
وقال قوم: معناه يسمعون منها تغيظ المعذبين وزفيرهم، كما قال: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود: 106] وقال عامة المفسرين: التغيظ والزفير يسمع من النار، ألا ترى أنه قال: سَمِعُوا لَها، ولم يقل: سمعوا منها، ولا فيها.
وقال في آية أُخرى: وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: 8] وروي في الخبر: «أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل إلا خرَّ على وجهه ترعد فرائصهم حتى إن إبراهيم الخليل ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب يا رب لا أسألك إلا نفسي» .
ثم قال عز وجل: وَإِذا أُلْقُوا مِنْها يعني: فيها مَكاناً ضَيِّقاً يعني: يضيق عليهم المكان كتضييق الزُّجِّ من الرُّمح مُقَرَّنِينَ يعني: مسلسلين في القيود، موثقين في الحديد، قرنوا مع الشياطين دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً فعند ذلك دعوا بالويل، يعني: يقولون وا هلاكاه، فتقول لهم الخزنة: لاَّ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً يعني: ادعوا ويلاً كثيراً دائماً.
<div class="verse-tafsir"
ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .
وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:
الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.
/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...
الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...
الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَأعْطاهُ خَيْرًا مِمّا قالُوا في الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ خَيْرًا مِن ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: لَوْ شِئْتَ لَأعْطَيْتُكَ في الدُّنْيا خَيْرًا مِمّا قالُوا، لِأنَّهُ قَدْ شاءَ أنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
﴿ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا " بِرَفْعِ اللّامِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ويَجْعَلْ " بِجَزْمِ اللّامِ.
فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ، كانَ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ [لَكَ] قُصُورًا.
ومَن رَفَعَ، فَعَلى الِاسْتِثْناءِ [المَعْنى]: ويُجْعَلُ لَكَ قُصُورًا في الآخِرَةِ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " أعَتِدنا " [النِّساءِ: ٣٧] ومَعْنى " السَّعِير " [النِّساءِ:١٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ.
فَإنْ قِيلَ: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ إذا رَأتْهُمْ ﴾ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِالسَّعِيرِ النّارَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: غَلَيانُ تَغَيُّظٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّها تَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ، فَيَسْمَعُونَ صَوْتَ تَغَيُّظِها وزَفِيرِها كالغَضْبانِ إذا غَلا صَدْرُهُ مِنَ الغَيْظِ.
والثّانِي: يَسْمَعُونَ فِيها تَغَيُّظَ المُعَذَّبِينَ وزَفِيرَهم، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزُّجُّ عَلى الرُّمْحِ، وهم قَدْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ، والثُّبُورُ: الهَلَكَةُ.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " ثَبُورًا " بِفَتْحِ الثّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الثُّبُورُ مَصْدَرٌ، فَهو لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، كَما تَقُولُ ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا كَثِيرًا، والمَعْنى: هَلاكُهم أكْثَرُ مِن أنْ يَدْعُوا مَرَّةً واحِدَةً ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «أوَّلُ مَن يُكْسى مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إبْلِيسُ، يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، وذُرِّيَّتُهُ خَلْفَهُ وهو يَقُولُ: وا ثُبُوراهُ، وهم يُنادُونَ: يا ثُبُورَهم، حَتّى يَقِفُوا عَلى النّارِ، فَيُنادِي: يا ثُبُوراهُ، ويُنادُونَ: يا ثُبُورَهم، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالساعَةِ سَعِيرًا ﴾ ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ﴾ ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ ﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ المَعْنى: لَيْسَ يُهِمْ في تَكْذِيبِكَ ومَشْيِكَ في الأسْواقِ، بَلْ إنَّهم كَفَرَةٌ لا يَفْهَمُونَ الحَقَّ، فَقَوْلُهُ: "بَلْ" تَرْكٌ لِنَفْسِ اللَفْظِ المُتَقَدِّمْ لا لِمَعْناهُ، عَلى ما تَقْتَضِيهِ "بَلْ" في مَشْهُورِ مَعْناها، "وَأعْتَدْنا": جَعَلْنا مُعَدًّا، والعَتادُ: ما يُعَدُّ مِنَ الأشْياءِ، و"السَعِيرُ": طَبَقٌ مِن أطْباقِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهُمْ ﴾ يُرِيدُ: جَهَنَّمَ؛ إذِ اقْتَضاها لَفْظُ "السَعِيرِ".
ولَفْظُ "رَأتْهُمْ" يُحْتَمَلُ الحَقِيقَةَ، ويُحْتَمَلُ المَجازُ عَلى مَعْنى: صارَتْ مِنهم عَلى قَدْرِ ما يَرى الرائِي مِنَ البُعْدِ.
إلّا أنَّهُ ورَدَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي الحَقِيقَةَ في هَذا، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «مِن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ"، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، أوَ لِجَهَنَّمَ عَيْنانِ؟
فَقالَ: "اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ »، ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ البُعْدَ الَّذِي تَراهم مِنهُ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ مَسِيرَةُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ﴾ لَفْظٌ فِيهِ تَجُوزٌ، وذَلِكَ أنَّ التَغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإنَّما المَسْمُوعُ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى التَغَيُّظِ، وهي ولا شَكَّ احْتِداماتٌ في النارِ كالَّذِي يُسْمَعُ في نارِ الدُنْيا، فَنِسْبَةُ هَذا المَسْمُوعِ الَّذِي في الدُنْيا مِن ذَلِكَ نِسْبَةُ الإحْراقِ مِنَ الإحْراقِ، وهي سَبْعُونَ دَرَجَةً كَما ورَدَ في الصَحِيحِ.
و"الزَفِيرُ": صَوْتٌ مَمْدُودٌ كَصَوْتِ الحِمارِ المَرْجِّعِ في نَهِيقِهِ، قالَ النَقاشُ: الزَفِيرُ: صَوْتُ الحِمارِ عِنْدَ نَهِيقِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتُزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ ولا نَبِيٌّ إلّا خَرَّ، تَرْعَدُ فَرائِصُهُ.
و"المَكانُ الضَيِّقُ" فِيها هو مَقْصِدٌ إلى التَضْيِيقِ عَلَيْهِمْ في المَكانِ في النارِ، وذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَعْذِيبِ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «إنَّهم لَيُكْرَهُونَ في النارِ كَما يُكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، أيْ: يَدْخُلُونَ كُرْهًا وعُنْفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزَجُّ عَلى الرُمْحِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعُبَيْدٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ضَيِقًا" بِتَخْفِيفِ الياءِ، والباقُونَ يُشَدِّدُونَ.
ومَعْنى "مُقَرَّنِينَ" مَرْبُوطٌ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ بِسَلاسِلَ مِن نارٍ، والقَرِينانِ مِنَ الثِيرانِ: ما قُرَنا بِحَبْلٍ لِلْحَرْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا لَمْ يَزَلْ حَبْلُ القَرِينَيْنِ يَلْتَوِي فَلا بُدَّ يَوْمًا مِن قُوًى أنْ تَجْذِما وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ المُهْرِيُّ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُقَرَّنُونَ" بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ الناسِ، وقَوْلُهُ: "ثُبُورًا" مَصْدَرٌ، ولَيْسَ بِالمَدْعُوِّ، ومَفْعُولُ "دَعَوْا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهُمْ، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيراتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الثُبُورُ هو المَدْعُوُّ، كَما تُدْعى الحَسْرَةُ والوَيْلُ، و"الثُبُورُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الوَيْلُ، وقالَ الضِحاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى: إذا أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الغَـ ∗∗∗ ـيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَدْعُوا ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والإعْلامِ بِأنَّهم يَخْلُدُونَ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ، بَلِ احْزَنُوا كَثِيرًا؛ لَأنَّكم أهْلٌ لِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
تخلص من اليأس من اقتناعهم إلى وصف السعير الذي أعد لهم، وأجري على السعير ضمير ﴿ رأتهم ﴾ بالتأنيث لتأويل السعير بجهنم إذ هو علم عليها بالغلبة كما تقدم.
وإسناد الرؤية إلى النار استعارة والمعنى: إذا سيقوا إليها فكانوا من النار بمكان ما يرى الرائي من وصل إليه سمعوا لها تغيظاً وزفيراً من مكان بعيد، ويجوز أن يكون معنى: ﴿ رأتهم ﴾ رآهم ملائكتها أطلقوا منافذها فانطلقت ألسنتها بأصوات اللهيب كأصوات المتغيظ وزفيره فيكون إسناد الرؤية إلى جهنم مجازاً عقلياً.
والتغيظ: شدة الغيظ.
والغيظ: الغضب الشديد، وتقدم عند قوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ في سورة آل عمران (119).
فصيغة التفعل هنا الموضوعة في الأصل لتكلف الفعل مستعملة مجازاً في قوته لأن المتكلف لفعل يأتي به كأشد ما يكون.
والمراد به هنا صوت المتغيظ، بقرينة تعلقه بفعل: ﴿ سمعوا ﴾ فهو تشبيه بليغ.
والزفير: امتداد النفَس من شدة الغيظ وضيق الصدر، أي صوتاً كالزفير فهو تشبيه بليغ أيضاً.
ويجوز أن يكون الله قد خلق لجهنم إدراكاً للمرئيات بحيث تشتد أحوالها عند انطباع المرئيات فيها فتضطرب وتفيض وتتهيأ لالتهام بعثها فتحصل منها أصوات التغيظ والزفير فيكون إسناد الرؤية والتغيظ والزفير حقيقة، وأمور العالم الأخرى لا تقاس على الأحوال المتعارفة في الدنيا.
وعلى هذين الاحتمالين يحمل ما ورد في القرآن والحديث نحو قوله تعالى: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ [ق: 30]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء " رواه في «الموطأ»: زاد في رواية مسلم: " فما ترون من شدة البرد فذلك من زمهريرها وما ترون من شدة الحر فهو من سَمُومها " وجُعل إزجاؤهم إلى النار من مكان بعيد زيادة في الكناية بهم لأن بعد المكان يقتضي زيادة المشقة إلى الوصول ويقتضي طول الرعب مما سمعوا.
ووصف وصولهم إلى جهنم من مكان بعيد ووضعهم فيها بقوله: ﴿ وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرَّنين دعوا هنالك ثبوراً ﴾ فصيغ نظمه في صورة توصيف ضجيج أهل النار من قوله: ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ، وأدمج في خلال ذلك وصف داخل جهنم ووصف وضع المشركين فيها بقوله: ﴿ مكاناً ضيقاً ﴾ وقوله: ﴿ مقرنين ﴾ تفنناً في أسلوب الكلام.
والإلقاء: الرمي.
وهو هنا كناية عن الإهانة.
وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على نزع الخافض، أي في مكان ضيّق.
وقرأ الجمهور ﴿ ضيقاً ﴾ بتشديد الياء، وقرأه ابن كثير ﴿ ضيْقاً ﴾ بسكون الياء وكلاهما للمبالغة في الوصف مثل: ميّت وميْت، لأن الضيّق بالتشديد صيغة تمكُّن الوصف من الموصوف، والضيْق بالسكون وصف بالمصدر.
و ﴿ مقرنين ﴾ حال من ضمير ﴿ ألقوا ﴾ أي مقرَّناً بعضهم في بعض كحال الأسرى والمساجين أن يُقرن عدد منهم في وثاق واحد، كما قال تعالى: ﴿ وآخرين مقرنين في الأصفاد ﴾ [ص: 38].
والمقرَّن: المقرون، صيغت له مادة التفعيل للإشارة إلى شدة القرن.
والدعاء: النداء بأعلى الصوت، والثبور: الهلاك، أي نادوا: يا ثبورنا، أو واثبوراه بصيغة الندبة، وعلى كلا الاحتمالين فالنداء كناية عن التمني، أي تمنوا حلول الهلاك فنادوه كما ينادى من يُطلب حضوره، أو ندبوه كما يندب من يتحسر على فقده، أي تمنوا الهلاك للاستراحة من فظيع العذاب.
وجملة: ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إلى آخرها مقولة لقول محذوف، أي يقال لهم، ووصف الثبور بالكثير إما لكثرة ندائه بالتكرير وهو كناية عن عدم حصول الثبور لأن انتهاء النداء يكون بحضور المنادَى، أو هو يأس يقتضي تكرير التمني أو التحسر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إزْراءً عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا كانَ مِثْلُهم مُحْتاجًا إلى الطَّعامِ وَمُتَبَذِّلًا في الأسْواقِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَمَيَّزَ عَلَيْهِمْ بِالرِّسالَةِ ووَجَبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَهم في الحُكْمِ.
الثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اسْتِزادَةً لَهُ في الحالِ كَما زادَ عَلَيْهِمْ في الِاخْتِصاصِ فَكانَ يَجِبُ ألّا يَحْتاجَ إلى الطَّعامِ كالمَلائِكَةِ، ولا يَتَبَذَّلُ في الأسْواقِ كالمُلُوكِ.
وَمُرادُهم في كِلا الوَجْهَيْنِ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ يُوجِبُ اخْتِصاصُهُ بِالمَنزِلَةِ نَقْلَهُ عَنْ مَوْضِعِ الخِلْقَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ جِنْسٍ قَدْ يَتَفاضَلُ أهْلُهُ في المَنزِلَةِ ولا يَقْتَضِي تَمْيِيزَهم في الخِلْقَةِ كَذَلِكَ حالُ مَن فُضِّلَ في الرِّسالَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ نُقِلَ عَنْ مَوْضُوعِ الخِلْقَةِ بِتَمْيِيزِهِ بِالرِّسالَةِ لَصارَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ ولَما كانَ رَسُولًا مِنهم، وذَلِكَ مِمّا تَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ.
وَأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أنَّ الرِّسالَةَ لا تَقْتَضِي مَنعَهُ مِنَ المَشْيِ في الأسْواقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن أفْعالِ الجَبابِرَةِ وقَدْ صانَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَنِ التَّجَبُّرِ.
الثّانِي: لِحاجَتِهِ لِدُعاءِ أهْلِ الأسْواقِ إلى نُبُوَّتِهِ، ومُشاهَدَةِ ما هم عَلَيْهِ مِن مُنْكَرٍ يَمْنَعُ مِنهُ ومَعْرُوفٍ يُقِرُّ عَلَيْهِ.
﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ ﴾ الآيَةَ أيْ هَلّا أُنْزِلَ إلَيْهِ ﴿ مَلَكٌ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَلَكُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ وزِيرًا لَهُ يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ.
﴿ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ ﴾ فَلا يَكُونُ فَقِيرًا.
﴿ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها ﴾ والجَنَّةُ البُسْتانُ فَكَأنَّهُمُ اسْتَقَلُّوهُ لِفَقْرِهِ.
قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما زَواها عَنْ نَبِيِّهِ إلّا اخْتِيارًا ولا بَسَطَها لِغَيْرِهِ إلّا اغْتِرارًا ولَوْلا ذاكَ لَما أعالَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى.
﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُحِرَ فَزالَ عَقْلُهُ.
الثّانِي: أيْ سَحَرَكم فِيما يَقُولُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ.
﴿ فَضَلُّوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ في ضَرْبِها.
الثّانِي: فَناقَضُوا في ذِكْرِها لِأنَّهم قالُوا افْتَراهُ ثُمَّ قالُوا تُمْلى عَلَيْهِ وهُما مُتَناقِضانِ.
﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَخْرَجًا مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: سَبِيلًا إلى الطّاعَةِ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: سَبِيلًا إلى الخَيْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِينَ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ.
﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُكَتَّفِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: يُقْرَنُ كُلُّ واحِدٌ مِنهم إلى شَيْطانِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ويْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هَلاكًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ وانْصِرافاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (أوَّلُ مَن يَقُولُهُ إبْلِيسُ)» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: ﴿ وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين ﴾ قال: «والذي نفسي بيده أنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طرق عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمر ﴿ إذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً ﴾ قال: مثل الزج في الرمح.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق قتادة في الآية قال ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ مقرنين ﴾ قال: مكتفين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ قال: دعوا بالهلاك فقالوا: واهلاكاه.
واهلكتاه.
فقيل لهم: لا تدعوا اليوم بهلاك واحد، ولكن ادعوا بهلاك كثير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه.
ويقولون: يا ثبورهم حتى يقف على النار فيقول: يا ثبوراه.
ويقولون: واثبورهم فيقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ قال: ويلاً وهلاكاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ دعوا بالويل على أنفسهم والهلاك.
قاله ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ " (٤) قال المفسرون: ادعوا ويلًا كثيرًا لأنها دائمة لهم أبدًا (٥) وقال أبو إسحاق: أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة (٦) وقال المبرد: الثبور هلاك على هلاك، ولا يكون لمرة واحدة، ومنه قولهم: ثابَر فلان على كذا، أي: دام عليه.
وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ مَثْبُورًا ﴾ (٧) قال الفراء: الثبور مصدر، فلذلك (٨) ﴿ ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ لأن المصادر لا تجمع، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا طويلاً، وضربته ضربًا كثيرًا فلا تجمع (٩) (١٠) (١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، معلقاً بصيغة الجزم.
ونصه: ﴿ ثُبُورًا ﴾ ويلاً.
الفتح 8/ 490.
ووصله ابن جرير 18/ 187، وابن أبي حاتم 8/ 2669، من طريق علي بن أبي طلحة.
وذكره الثعلبي 8/ 93 ب.
(٢) "تفسير مقاتل" ص 43.
و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 203.
و"تفسير الثعلبي" 8/ 93 ب.
و"تفسير الماوردي" 4/ 134.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 59.
وأخرج ابن جرير 18/ 188، عن الضحاك: (الثبور) الهلاك.
(٣) "غريب القرآن"، لابن قتيبة ص 310.
أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2669، عن الضحاك: دعوا بالهلاك؛ فقالوا: واهلاكاه، واهلاكاه.
(٤) الحديث أخرجه مطوّلاً ابن جرير 18/ 188، من حديث أنس بن مالك - -، وفي إسناده: علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2669، من الطريق نفسه.
وكذا الثعلبي في تفسيره 8/ 93 ب.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/ 304، رقم ت 12538، من طريق علي بن زيد أيضًا، عن أنس - -.
وقال الهيثمي 10/ 292: رواه أحمد والبزار، ورجالهما رجال الصحيح، غير علي ابن زيد، وقد وُثق.
لكن أكثر أهل العلم على تضعيفه، من جهة حفظه، واختلاطه == في كبره، وقلبه للأحاديث.
"ميزان الاعتدال" 3/ 127.
وأخرج الواحدي في "الوسيط" 4/ 336، من الطريق السابق.
وصححه السيوطي 6/ 240.
وقال الشوكاني 3/ 64، بعد ذكر إسناد الإمام أحمد لهذا الحديث: وفي علي بن زيد مقال معروف.
وهذا الحديث يقابل ما أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4625، "الفتح" 8/ 286.
ومسلم 4/ 2194، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، رقم: 2860، مِنْ أن أول من يكسى من أهل الجنة نبي الله إبراهيم - -.
ولفظه عندهما: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله - - فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ثُمَّ قَالَ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ..
".
(٥) "تفسير مقاتل" ص 43.
و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 203.
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2669، بسنده عن ابن عباس - ما-: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً.
ونحوه عن الضحاك، وقتادة.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 59.
(٧) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ قال الكلبي: وإني لأعلمك يا فرعون، ﴿ مَثْبُورًا ﴾ قال ابن عباس: ملعوناً، وقال قتادة: مهلكاً، وقال مجاهد: هالكاً، قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول ما ثَبَرك عن هذا؟
أي ما منعك منه وما صرفك، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْت فلاناً عن الشيء: رَدَدْتُه عنه، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب، هذا وجه قول ابن عباس، وأما وجه قول == مجاهد وقتادة فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوى من ثَبِر؛ أي مَن أُهلِك، قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك.
"البسيط" 3/ 166 أ، النسخة الأزهرية.
(٨) (فلذلك)، من كتاب الفراء، وهي غير موجودة في النسخ الثلاث.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 263.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 59.
(١٠) "تنوير المقباس" ص 301.
أبو جهل، هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَكَاناً ضَيِّقاً ﴾ تضيق عليهم زيادة في عذابهم ﴿ مُّقَرَّنِينَ ﴾ أي مربوط بعضهم إلى بعض، وروي أن ذلك بسلاسل من النار ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ الثبور: الويل وقيل: الهلاك، ومعنى دعائهم ثبورا: أنهم يقولون يا ثبوارة كقول القائل: واحسرتاه وا أسفاه ﴿ لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً ﴾ تقديره: يقال لهم ذلك أو يكون حالهم يقتضي ذلك، وإن لم يكن ثم قول، وإنما دعوا ثبوراً كثيراً لأن عذابهم دائم، فالثبور يتجدد عليهم في كل حين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.
الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.
الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.
﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.
التفسير: إنه تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.
ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.
والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.
والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.
قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.
وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.
ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.
الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.
وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.
والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.
وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.
وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.
فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله .
وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.
وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.
فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.
إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.
قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.
الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.
فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.
والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.
قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.
وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.
الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.
زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.
وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.
والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.
وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.
وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.
وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.
وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.
وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.
والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.
وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.
عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.
فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.
فقال : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.
وعن النبي : "عرض عليّ جبرائيل بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .
وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .
قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.
ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.
﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.
وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.
والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.
والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.
وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.
قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.
قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.
وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.
عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.
وسئل النبي عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .
قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.
وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.
وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .
وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.
والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.
ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.
إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.
قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.
ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟
والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.
وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.
قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.
أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟
قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.
والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.
وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.
قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.
وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.
والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.
وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.
﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟
أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.
من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.
ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.
ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.
وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.
وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟
الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.
قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.
أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.
الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.
وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.
و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.
قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.
دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.
فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.
وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.
أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.
وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".
قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.
وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.
قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.
أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.
قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.
وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".
﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.
وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.
وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.
ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.
فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.
ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.
أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.
قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.
وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا أحد.
وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.
وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.
قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.
وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.
قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.
وقيل: في الآية تسلية للنبي عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.
وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.
وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ ﴾ قد ذكرنا أنه خرج جواب ما سألوه من الأشياء: من الملك والكنز والجنة وأنواع الطعن الذي طعنوه، أي: لو شاء لأعطاك خيراً من ذلك.
ثم أخبر أن الذي حملهم على ذلك السؤال وأنواع الطعن فيه هو تكذيبهم بالساعة؛ حيث قال: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ ﴾ حيث لم يروا لأمورهم عاقبة ينتهون إليها؛ يثابون عليها أو يعاقبون.
ثم أخبر ما أعدّ لهم بتكذيبهم الساعة فقال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً ﴾ .
ثم وصف ذلك السعير فقال: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: يجعل لها أسباباً تراهم كما يرونها.
والثاني إذا صاروا في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم.
وقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً ﴾ : قيل: إن النار ترفع ويعلو لهبها، وترد من كان في أعلاها إلى أسفلها، ويرد من كان من أسفلها إلى أعلاها، فيجمعهم جميعاً فيضيق عليهم المكان ويشتد بهم العذاب، كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد.
وقوله: ﴿ مُّقَرَّنِينَ ﴾ : قال بعضهم: مقيدين بعضهم ببعض.
ثم قال بعضهم: الشيطان يقرن، ويَقَيَّدُ كل بشيطانه الذي دعاه إلى دعائه واتبعه؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...
﴾ الآية [الزخرف: 36].
وقال بعضهم: يقرن العابد والمعبود من دون الله، وهو الأصنام التي عبدوها؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...
﴾ الآية [الصافات: 22] .
وقوله: ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ أي: هلاكا، والثبور: الهلاك؛ كقوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ أي: هالكاً.
والثبور والويل: هما حرفان يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة، فقال: ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ ، أي: لا تدعوا هلاكاً واحداً؛ كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانياً، وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى؛ كقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي: أسباب الموت تأتيهم من كل مكان وما هو بميت؛ وكقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 56].
وإنما يسألون ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب؛ وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت.
<div class="verse-tafsir"
لا تدعوا -أيها الكفار- اليوم هلاكًا واحدًا، وادعوا هلاكًا كثيرًا، لكن لن تجابوا إلى ما تطلبون، بل ستبقون في العذاب الأليم خالدين.
<div class="verse-tafsir" id="91.RybB7"