الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٢٢ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 140 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ) أي : هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم ، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم ، وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار ، وغضب الجبار ، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه : اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث ، اخرجي إلى سموم وحميم ، وظل من يحموم .
فتأبى الخروج وتتفرق في البدن ، فيضربونه ، كما قال الله تعالى : ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) [ الأنفال : 50 ] .
وقال : ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم ) أي : بالضرب ، ( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) [ الأنعام : 93 ] ; ولهذا قال في هذه الآية الكريمة : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ) ، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم ، فإنهم يبشرون بالخيرات ، وحصول المسرات .
قال الله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) [ فصلت : 30 - 31 ] .
وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب : أن الملائكة تقول لروح المؤمن : " اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب ، كنت تعمرينه ، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان " .
وقد تقدم الحديث في سورة " إبراهيم " عند قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) [ إبراهيم : 27 ] .
وقال آخرون : بل المراد بقوله : ( يوم يرون الملائكة ) يعني : يوم القيامة .
قاله مجاهد ، والضحاك; وغيرهما .
ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم ، فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين ، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان ، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران ، فلا بشرى يومئذ للمجرمين .
( ويقولون حجرا محجورا ) أي : وتقول الملائكة للكافرين حرام محرم عليكم الفلاح اليوم .
وأصل " الحجر " : المنع ، ومنه يقال : حجر القاضي على فلان ، إذا منعه التصرف إما لسفه ، أو فلس ، أو صغر ، أو نحو ذلك .
ومنه سمي " الحجر " عند البيت الحرام ; لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه ، وإنما يطاف من ورائه .
ومنه يقال للعقل " حجر " ; لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق .
والغرض أن الضمير في قوله : ( ويقولون ) عائد على الملائكة .
هذا قول مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، وعطية العوفي ، وعطاء الخراساني ، وخصيف ، وغير واحد .
واختاره ابن جرير .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا موسى - يعني ابن قيس - عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري : ( ويقولون حجرا محجورا ) قال : حراما محرما أن يبشر بما يبشر به المتقون .
وقد حكى ابن جرير ، عن ابن جريج أنه قال : ذلك من كلام المشركين : ( يوم يرون الملائكة ) ، [ أي : يتعوذون من الملائكة; وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة ] يقولون : ( حجرا محجورا ) .
وهذا القول - وإن كان له مأخذ ووجه - ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد ، لا سيما قد نص الجمهور على خلافه .
ولكن قد روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد; أنه قال في قوله : ( حجرا محجورا ) أي : عوذا معاذا .
فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج .
ولكن في رواية ابن أبي حاتم ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه قال : ( حجرا محجورا ) [ أي ] : عوذا معاذا ، الملائكة تقوله .
فالله أعلم .
يقول تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا بتصديق محمد الملائكة, فلا بشرى لهم يومئذ بخير (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) يعني أن الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا, حراما محرّما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله; ومن الحجر قول المتلمس: حَـنَّتْ إلـى نَخْلَـةَ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا حِجْــرٌ حَـرَامٌ ألا تِلْـكَ الدَّهـاريسُ (1) ومنه قولهم: حجر القاضي على فلان, وحجر فلان على أهله; ومنه حجر الكعبة, لأنه لا يدخل إليه في الطواف, وإنما يطاف من ورائه; ومنه قول الآخر.
فَهَمَمْــتُ أنْ أَلْقَــى إلَيْهـا مَحْجَـرًا فَلَمِثْلُهَــا يُلْقَــى إلَيْــهِ المَحْجَــرُ (2) أي مثلها يُركب منه المُحْرَمُ.
واختلف أهل التأويل في المخبر عنهم بقوله: (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) ومن قائلوه؟
فقال بعضهم: قائلو ذلك الملائكة للمجرمين نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأجلح, قال: سمعت الضحاك بن مزاحم, وسأله رجل عن قول الله (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال: تقول الملائكة: حراما محرما أن تكون لكم البُشرى.
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد, قال: ثني أبي, عن جدي, عن الحسن, عن قتادة (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال: هي كلمة كانت العرب تقولها, كان الرجل إذا نـزل به شدّة قال: حجرا, يقول: حراما محرّما.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) لما جاءت زلازل الساعة, فكان من زلازلها أن السماء انشقت فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا على شفة كل شيء تشقَّق من السماء, فذلك قوله: ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ ) : يعني الملائكة تقول للمجرمين حراما محرمًا أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين رأيتمونا.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ) قال: يوم القيامة (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال: عوذا معاذا.
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله, وزاد فيه: الملائكة تقوله.
وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قال ابن جُرَيج: كانت العرب إذا كرهوا شيئا قالوا حجرا, فقالوا حين عاينوا الملائكة.
قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: ( حِجْرًا ) عوذا, يستعيذون من الملائكة.
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك من أجل أن الحِجْر هو الحرام, فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البُشرى عليهم حرام.
وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة, وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة حرام عليكم, فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة.
------------------------ الهوامش: (1) البيت للمتلمس جرير بن عبد المسيح (عن معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري : رسم نخلة) ..
وحنت : اشتاقت .
وفي (اللسان : دهرس) : حجت .
ونخلة القصوى : موضع على ليلة من مكة .
وقيل: هما نخلة الشامية ونخلة اليمانية ؛ فالشامية واد ينصب من الغمير .
واليمانية : واد ينصب من بطن قرن المنازل ، وهو طريق اليمن إلى مكة .
وحجر : مثلث الحاء بمعنى حرام ، وفي المعجم البكري : بسل عليك ، وهو الحرام أيضًا .
والدهاريس جمع دهرس ، مثلث الدال ، وهي الداهية (عن اللسان ) .
والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 167 من مصورة الجامعة رقم 26059) وعنه أخذه المؤلف (2) البيت لحميد بن ثور الهلالي ( اللسان : حجر .
والديوان طبعة دار الكتب المصرية ص 84) .
وفي رواية الديوان واللسان : أغشى في موضع ألقى .
والمحجر : الحرام .
قال في اللسان : لمثلها يؤتى إليه الحرام .
وقبل البيت ثلاثة أبيات وهي : لَـمْ أَلْـقَ عَمْـرَةَ بَعْـدَ إذْ هِـيَ نَاشِئٌ خَرَجَـــتْ مُعَطَّفَــةً عَلَيْهَـا مـئْزَرُ بَــرَزَتْ عَقِيلَــةَ أَرْبَــع هَادَيْنَهَـا بِيــضِ الوُجُــوهِ كــأنهُنَّ الْعُنْقَـرُ ذَهَبَــتْ بِعَقْلِــكَ رَيطَــةٌ مَطْوِيَّـةٌ وَهِـيَ التـي تُهْـدَي بِهَـا لَـوْ تَشْعُرُ والبيت شاهد على أنت المحجر الحرام .
وقال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 224 من مصورة الجامعة 24059) : ألقى : من لقيت أي مثلها يركب منه المحرم .
وعنه أخذ المؤلف
يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند الموت : فتبشر المؤمنين بالجنة ، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم .
ويقولون حجرا محجورا يريد تقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله ، وأقام شرائعها ; عن ابن عباس وغيره .
وقيل : إن ذلك يوم القيامة ; قاله مجاهد وعطية العوفي .
قال عطية : إذا كان يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى : فإذا رأى ذلك الكافر تمناه فلم يره من الملائكة .
وانتصب يوم يرون بتقدير : لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة .
يومئذ تأكيد ل يوم يرون .
قال النحاس : لا يجوز أن يكون يوم يرون منصوبا ب " بشرى " لأن " ما " في حيز النفي لا يعمل فيما قبله ، ولكن فيه تقدير أن يكون المعنى يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة ; ودل على هذا الحذف ما بعده ، ويجوز أن يكون التقدير : لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة ، و ( يومئذ ) مؤكد .
ويجوز أن يكون المعنى : اذكر يوم يرون الملائكة .
ثم ابتدأ فقال : لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا أي : وتقول الملائكة حراما محرما أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين .
قال الشاعر :ألا أصبحت أسماء حجرا محرما وأصبحت من أدنى حموتها حماأراد : ألا أصبحت أسماء حراما محرما .وقال آخر : [ هو المتلمس ] :حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريسوروي عن الحسن أنه قال : ويقولون حجرا وقف من قول المجرمين ; فقال الله عز وجل : محجورا عليهم أن يعاذوا أو يجاروا ; فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة .
والأول [ ص: 22 ] قول ابن عباس .
وبه قال الفراء ; قاله ابن الأنباري .
وقرأ الحسن وأبو رجاء : حجرا بضم الحاء والناس على كسرها .
وقيل : إن ذلك من قول الكفار قالوه لأنفسهم ، قاله قتادة فيما ذكر الماوردي .
وقيل : هو قول الكفار للملائكة ، وهي كلمة استعاذة وكانت معروفة في الجاهلية ; فكان إذا لقي الرجل من يخافه قال : حجرا محجورا ; أي حراما عليك التعرض لي .
وانتصابه على معنى : حجرت عليك ، أو حجر الله عليك ; كما تقول : سقيا ورعيا .
أي إن المجرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا : نعوذ بالله منكم ; ذكرهالقشيري ، وحكى معناه المهدوي عن مجاهد .
وقيل : حجرا من قول المجرمين محجورا من قول الملائكة ، أي قالوا للملائكة نعوذ بالله منكم أن تتعرضوا لنا .
فتقول الملائكة : محجورا أن تعاذوا من شر هذا اليوم ; قاله الحسن .
{ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ } التي اقترحوا نزولها { لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ } وذلك أنهم لا يرونها مع استمرارهم على جرمهم وعنادهم إلا لعقوبتهم وحلول البأس بهم، فأول ذلك عند الموت إذا تنزلت عليهم الملائكة قال الله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } ثم في القبر حيث يأتيهم منكر ونكير فيسألهم عن ربهم ونبيهم ودينهم فلا يجيبون جوابا ينجيهم فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة، ثم يوم القيامة حين تسوقهم الملائكة إلى النار ثم يسلمونهم لخزنة جهنم الذين يتولون عذابهم ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه وهذا الذي طلبوه إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذ يتعوذون من الملائكة ويفرون ولكن لا مفر لهم.
{ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ }
( يوم يرون الملائكة ) عند الموت .
وقيل : في القيامة .
( لا بشرى يومئذ للمجرمين ) للكافرين ، وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة ، ويقولون للكفار : لا بشرى لكم ، هكذا قال عطية ، وقال بعضهم : معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين ، أي : لا بشارة لهم بالجنة ، كما يبشر المؤمنون .
( ويقولون حجرا محجورا ) قال عطاء عن ابن عباس : تقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة ، إلا من قال لا إله إلا الله .
وقال مقاتل : إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة حراما محرما عليكم أن يكون لكم البشرى .
وقال بعضهم : هذا قول الكفار للملائكة .
قال ابن جريج : كانت العرب إذا نزلت بهم شدة رأوا ما يكرهون ، قالوا حجرا محجورا ، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة .
قال مجاهد : يعني عوذا معاذا ، يستعيذون به من الملائكة .
«يوم يرون الملائكة» في جملة الخلائق هو يوم القيامة ونصبه باذكر مقدرا «لا بشرى يومئذٍ للمجرمين» أي الكافرين بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة «ويقولون حِجرا محجورا» على عادتهم في الدنيا إذا نزلت بهم شدة: أي عوذا معاذا يستعيذون من الملائكة، قال تعالى.
يوم يرون الملائكة عند الاحتضار، وفي القبر، ويوم القيامة، على غير الصورة التي اقترحوها لا لتبشرهم بالجنة، ولكن لتقول لهم: جعل الله الجنة مكانًا محرمًا عليكم.
ثم بين - سبحانه - الحالة التى يرون فيها الملائكة فقال : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ) .أى : لقد طلب هؤلاء الظالمون نزول الملائكة عليهم ، ورؤيتهم لهم .
ونحن سنجيبهم إلى ما طلبوه ولكن بصورة أخرى تختلف اختلافا كليا عما يتوقعونه ، إننا سنريهم الملائكة عند قبض أرواحهم وعند الحساب بصورة تجعل هؤلاء الكافرين يفزعون ويهلعون .
بصورة لا تبشرهم بخير ولا تسرهم رؤيتهم معها ، بل تسوءهم وتحزنهم ، كما قال - تعالى - : ( وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ .
.
) وكما قال - سبحانه - : ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف .
لبيان حالهم الشنيعة عندما تنزل عليهم الملائكة .
بعد بيان تجاوزهم الحد فى الطغيان وفى طلب ما ليس من حقهم .والمراد بالملائكة هنا : ملائكة العذاب الذين يقبضون أرواحهم ، والذين يقودونهم إلى النار يوم القيامة .وقال - سبحانه - : ( يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة .
.
.
) ولم يقل : يوم تنزل الملائكة ، للإيذان من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على الطريقة التى طلبوها ، بل على وجه آخر فيه ما فيه من العذاب المهين لهؤلاء الكافرين .وجاء نفى البشرى لهم بلا النافية للجنس للمبالغة فى نفى أى بارقة تجعلهم يأملون فى أن ما نزل بهم من سوء ، قد يتزحزح عنهم فى الحال أو الاستقبال .قال الجمل فى حاشيته : وقوله ( لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ) هذه الجملة معمولة لقول مضمر .
أى : يرون الملائكة يقولون لا بشرى .
فالقول حال من الملائكة وهو نظير التقدير فى قوله - تعالى - : ( .
.
.
يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم .
.
.
) وكل من الظرف والجار والمجرور خبر عن لا النافية للجنس .وقوله - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ) تأكيد لما قبله من أنه لا خير لهؤلاء الكافرين من وراء رؤيتهم للملائكة .والحجر - بكسر الحاء وفتحها - الحرام ، وأصله المنع .
ومحجورا صفة مؤكدة للمعنى ، كما فى قولهم : موت مائت .
وليل أليل .
وحرام محرم .قال الآلوسى : وهى - أى : حجرا محجورا - كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو موتور ، وهجوم نازلة هائلة ، يضعونها موضع الاستعاذة ، حيث يطلبون من الله - تعالى - أن يمنع المكروه فلا يلحقهم ، فكأن المعنى ، نسأل الله - تعالى - أن يمنع ذلك منعا ، ويحجره حجرا .وقال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذى يخاف منه القتل فى الجاهلية فى الأشهر الحرم فيقول : حجرا محجورا .
أى : حرام عليك التعرض لى فى هذا الشهر فلا يبدأ بشر .والقائلون لهذا القول يرى بعضهم أنهم الملائكة ، فيكون المعنى : تقول الملائكة للكفار حجرا محجورا .
أى : حراما محرما أن تكون لكم اليوم بشرى .
أو أن يغفر الله لكم ، أو أن يدخلكم جنته .وقد رجح ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وإنما اخترنا أن القائلين هم الملائكة من أجل أن الحجر هو الحرام .
فمعلوم أن الملائكة هى التى تخبر أهل الكفر ، أن البشرى عليهم حرام .
.
.ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون هذا القول من الكفار ، فيكون المعنى : أن هؤلاء الكفار الذين طلبوا نزول الملائكة عليهم ليشهدوا لهم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرونهم عند الموت أو عند الحساب يقولون لهم بفزع وهلع : " حجرا محجورا " أى : حراما محرما عليكم أن تنزلوا بنا العذاب ، فنحن لم نرتكب ما نستحق بسببه هذا العذاب المهين ، ولعل مما يشهد لهذا المعنى قوله - تعالى - : ( الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ) وعلى كلا الرأيين فالجملة الكريمة تؤكد سوء عاقبة الكافرين .
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا ﴾ هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحاصلها: لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه ﴿ أَوْ نرى رَبَّنَا ﴾ حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟
وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل شيء، وكان له إلى تحصيله طريقان، أحدهما يفضي إليه قطعاً والآخر قد يفضي وقد لا يفضي، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أكثر إفضاء إلى المقصود، فلو أراد الله تعالى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه هذا حاصل الشبهة، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية، إذا كان معه جحد، ومثله قوله تعالى: ﴿ مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ أي لا تخافون له عظمة، وقال القاضي لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد، فكذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع لهذا الرجاء.
المسألة الثانية: المجسمة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ لِقَاءنَا ﴾ أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به، وقال تعالى: ﴿ فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ فدلت الآية على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين الأول: طريق بعض أصحابنا قال المراد من اللقاء هو الرؤية، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة، فدلت الآية من هذا الوجه على جواز الرؤية الطريق الثاني: وهو كلام المعتزلة، قال القاضي تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، فيقال في الدعاء لقاك الله الخير وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه، ويقال في الضرير لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب وقد يلقاه في الليلة الظلماء، ولا يراه بل المراد من اللقاء هاهنا هو المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً لا أن رؤية البصر، واعلم أن هذا الكلام ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين رؤية البصر، وبين الاتصال والمماسة وهو الوصول إلى الشيء، وقد بينا أن الرائي يصل برؤيته إلى المرئي واللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة، ينطلق على كل واحد من تلك المعاني فيصح قوله لقاك الخير، ويصح قول الأعمى لقيت الأمير، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني، وبين الوصول بالرؤية، وقد تعذر الأول فتعين الثاني، وقوله المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أن إنكارها ليس إلا من دين الكفار.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ ﴾ معناه هلا أنزل، قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين للنبوة والبعث.
أما قوله تعالى: ﴿ لَقَدِ استكبروا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ فاعلم أن هذا هو الجواب عن تلك الشبهة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تقرير كونه جواباً، وذلك من وجوه: أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت.
وثانيها: أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك، بل لعموم كونه معجزاً، فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجح، وهو محض الاستكبار والتعنت.
وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يقول نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقاً فأحيى هذا الميت فيحييه الله تعالى والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز تعيين في كونه تصديقاً للمدعى كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت.
ورابعها: وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة، أن نقول إن الله تعالى يفعل بحسب المشيئة عى ما يقوله أصحابنا، فإن كان الأول لم يجز لهم أن يعينوا المعجز إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملاً على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى، وكان التعيين استكباراً وعتواً من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات، وذلك استكبار عظيم، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكباراً وعتواً وخروجاً عن حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة.
وخامسها: وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع، ويقول لا أريد هذا بل أريد ذاك، حسن أن يقال إن هذا المكدي قد استكبر في نفسه وعتا عتواً شديداً من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا هاهنا.
وسادسها: يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا جرم لا أعطيهم ذلك، وهذا التأويل يعرف من اللفظ.
وسابعها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الآية دلت على أن الله تعالى لا تجوز رؤيته لأن رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً واستكباراً، قالوا وقوله: ﴿ لَقَدِ استكبروا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ ليس إلا لأجل سؤال الرؤية حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا بذلك، والدليل عليه أن الله تعالى ذكر أمر الرؤية في آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو قوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة ﴾ وذكر نزول الملائكة على حدة في آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة ﴾ وهل نرى الملائكة فثبت بهذا أن الاستكبار والعتو في هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية.
واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم في سورة البقرة، والذي نريده هاهنا أنا بينا أن قوله: ﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ يدل على الرؤية، وأما الاستكبار والعتو، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئاً محالاً، لا يقال إنه عتا واستكبر، ألا ترى أنهم لما قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتواً واستكباراً، بل قال: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقاً به، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت.
وبالجملة فقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في تحقيق معنى الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله تعالى بالاستكبار والعتو، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء طلبوها امتحاناً وتعنتاً، لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة.
المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ لأنهم أضمروا الاستكبار (عن الحق وهو الكفر والعناد) في قلوبهم واعتقدوه كما قال: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم ببالغيه ﴾ وقوله: ﴿ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا (عتا) فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو.
أما قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الملئكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ فهو جواب لقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة ﴾ فبين تعالى أن الذي سألوه سيوجد، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في انتصاب ﴿ يَوْمٍ ﴾ وجهين: الأول: أن العامل ما دل عليه ﴿ لاَ بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة (يبغون البشرى) و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ للتكرير الثاني: أن التقدير اذكر يوم يرون الملائكة.
المسألة الثانية: اختلفوا في ذلك اليوم، فقال ابن عباس يريد عند الموت، وقال الباقون يريد يوم القيامة.
المسألة الثالثة: إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالاً مضلاً إلا أنه يعتقد في نفسه أنه كان هادياً مهتدياً، فكان يطمع في ذلك الثواب العظيم، ولأنهم ربما عملوا ما رجوا فيه النفع كنصرة المظلوم وعطية الفقير وصلة الرحم، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم في أول الأمر يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة، وذلك هو النهاية في الإيلام وهو المراد من قوله: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ .
المسألة الرابعة: حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم، لكنه قال لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان: أحدهما: أنه ظاهر في موضع ضمير والثاني: أنه عام فقد تناولهم بعمومه، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو لأن قوله: ﴿ لاَ بشرى لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ نكرة في سياق النفي فيعم جميع أنواع البشرى في جميع الأوقات بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال بل له بشرى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله تعالى: ﴿ لاَ بشرى ﴾ يقتضي نفي جميع أنواع البشرى في كل الأوقات، ثم إنه سبحانه أكد هذا النفي بقوله: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ والعفو من الله من أعظم البشرى، والخلاص من النار بعد دخولها من أعظم البشرى، وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم غير مرة، قال المفسرون المراد بالمجرمين هاهنا الكفار بدليل قوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة ﴾ .
المسألة الخامسة: في تفسير قوله: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ ذكر سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ الله وقعدك (الله) وعمرك (الله)، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو (موتور) أو هجوم نازلة ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: يقول الرجل للرجل (يفعل) كذا وكذا فيقول حجراً، وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه، فكان المعنى أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، فإن قيل: لما ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه بكونه محجوراً؟
قلنا: جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا (ذبل ذابل فالذبل) الهوان وموت مائت وحرام محرم.
المسألة السادسة: اختلفوا في أن الذين يقولون حجراً محجوراً من هم؟
على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم هم الكفار وذلك لأنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، (ثم) إذا رأوهم عند الموت (و) يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو (الموتور) ونزول الشدة القول الثاني: أن القائلين هم الملائكة ومعناه حراماً محرماً عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي جعل الله ذلك حراماً عليكم، ثم اختلفوا على هذا القول فقال بعضهم إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم، قالت الحفظة لهم حجراً محجوراً، وقال الكلبي الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين حجراً محجوراً، وقال عطية إذا كان يوم القيامة يلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم بشرونا فيقولون حجراً محجوراً القول الثالث: وهو قول القفال والواحدي وروي عن الحسن أن الكفار يوم القيامة إذا شاهدوا ما يخافونه فيتعوذون منه ويقولون حجراً محجوراً، فتقول الملائكة لا يعاذ من شر هذا اليوم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا ﴾ فقد استدلت المجسمة بقوله: ﴿ وَقَدِمْنَا ﴾ لأن القدوم لا يصح إلا على الأجسام، وجوابه أنه لما قامت الدلالة على امتناع القدوم عليه لأن القدوم حركة والموصوف بالحركة محدث، ولذلك استدل الخليل عليها السلام بأفول الكواكب على حدوثها وثبت أن الله عز وجل لا يجوز أن يكون محدثاً، فوجب تأويل لفظ القدوم وهو من وجوه: أحدها: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ أي وقصدنا إلى أعمالهم، فإن القادم إلى الشيء قاصد له، فالقصد هو المؤثر في المقدوم إليه وأطلق المسبب على السبب مجازاً.
وثانيها: المراد قدوم الملائكة إلى موضع الحساب في الآخرة، ولما كانوا بأمره يقدمون جاز أن يقول: ﴿ وَقَدِمْنَا ﴾ على سبيل التوسع ونظيره قوله: ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ ﴾ .
وثالثها: ﴿ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ﴾ فلما أباد الله أعمالهم وأفسدها بالكلية صارت شبيهة بالمواضع التي يقدمها الملك فلا جرم قال: ﴿ وَقَدِمْنَا ﴾ .
أما قوله: ﴿ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ يعني الأعمال التي اعتقدوها براً وظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى، والمعنى إلى ما عملوا من أي عمل كان.
أما قوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ فالمراد أبطلناه وجعلناه بحيث لا يمكن الانتفاع به كالهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه ونظيره قوله تعالى: ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ ﴿ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح ﴾ ﴿ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ ﴾ قال أبو عبيدة والزجاج: الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس.
وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يستطير من حوافر الدواب.
أما قوله: ﴿ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما بين حال الكفار في الخسار الكلي والخيبة التامة شرح وصف أهل الجنة تنبيهاً على أن الحظ كل الحظ في طاعة الله تعالى، وهاهنا سؤالات: الأول: كيف يكون أصحاب الجنة خيراً مستقراً من أهل النار، ولا خير في النار، ولا يقال في العسل هو أحل من الخل؟
والجواب من وجوه: الأول: ما تقدم في قوله: ﴿ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد ﴾ والثاني: يجوز أن يريد أنهم في غاية الخير، لأن مستقر خير من النار، كقول الشاعر: إن الذي سمك السماء بنى لنا *** بيتاً دعائمه أعز وأطول الثالث: التفاضل الذي ذكر بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع، والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه الرابع: هذا التفاضل واقع على هذا التقدير، أي لو كان لهم مستقر فيه خير لكان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
السؤال الثاني: الآية دلت على أن مستقرهم غير مقيلهم فكيف ذلك؟
والجواب من وجوه: الأول: أن المستقر مكان الاستقرار، والمقيل زمان القيلولة، فهذا إشارة إلى أنهم من المكان في أحسن مكان، ومن الزمان في أطيب زمان الثاني: أن مستقر أهل الجنة غير مقيلهم، فإنهم يقيلون في الفردوس، ثم يعودون إلى مستقرهم الثالث: أن بعد الفراغ من المحاسبة والذهاب إلى الجنة يكون الوقت وقت القيلولة، قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار وقرأ ابن مسعود: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم).
وقال سعيد بن جبير: إن الله تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم بقدر ما بين صلاة الغداة إلى انتصاف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من أيام الدنيا، ثم يقيلون من يومهم ذلك في الجنة.
السؤال الثالث: كيف يصح القيلولة في الجنة والنار، وعندكم أن أهل الجنة في الآخرة لا ينامون، وأهل النار أبداً في عذاب يعرفونه، وأهل الجنة في نعيم يعرفونه؟
والجواب: قال الله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ وليس في الجنة بكرة وعشي، لقوله تعالى: ﴿ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ﴾ ولأنه إذا لم يكن هناك شمس لم يكن هناك نصف النهار ولا وقت القيلولة، بل المراد منه بيان أن ذلك الموضع أطيب المواضع وأحسنها، كما أن موضع القيلولة يكون أطيب المواضع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ﴾ منصوب بأحد شيئين: إما بما دلّ عليه ﴿ لاَ بشرى ﴾ أي: يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها.
ويومئذ للتكرير وإما بإضمار (اذكر) أي: اذكر يوم يرون الملائكة ثم قال: ﴿ لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
وقوله (للمجرمين): إما ظاهر في موضع ضمير وإما لأنه عام فقدتنا ولهم بعمومه وقوله: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ ذكره سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو: معاذ الله، وقعدك الله، وعمرك الله.
وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة، أو نحو ذلك.
يضعونها موضع الاستعاذة.
قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حجراً، وهي من حجره إذا منعه؛ لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه فكان المعنى: أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً.
ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن، تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، كما كان قعدك وعمرك كذلك، وأنشدت لبعض الرّجاز: قالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وَذُعْرٌ ** عُوذٌ بِرَبِّي مِنْكُمُ وَحِجْرُ فإن قلت: فإذ قد ثبت أنه من باب المصادر، فما معنى وصفه بمحجور؟
قلت: جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر، كما قالوا.
ذيل ذائل، والذيل: الهوان.
وموت مائت.
والمعنى في الآية: أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم، لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، قالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدوّ الموتور وشدّة النازلة.
وقيل: هو من قول الملائكة ومعناه: حراماً محرماً عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي: جعل الله ذلك حراماً عليكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ مَلائِكَةَ المَوْتِ أوِ العَذابِ، ويَوْمَ نُصِبَ بِاذْكُرْ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ.
﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ فَإنَّهُ بِمَعْنى يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ يُعْدَمُونَها، و ( يَوْمَئِذٍ ) تَكْرِيرٌ أوْ خَبَرٌ و ( لِلْمُجْرِمِينَ ) تَبْيِينٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ ظَرْفٌ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ، أوْ لِـ ( بُشْرى ) إنْ قُدِّرَتْ مُنَوَّنَةً غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ مَعَ ( لا ) فَإنَّها لا تَعْمَلُ، و ( لِلْمُجْرِمِينَ ) إمّا عامٌّ يَتَناوَلُ حُكْمُهُ حُكْمَهم مِن طَرِيقِ البُرْهانِ ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ البُشْرى لِعامَّةِ المُجْرِمِينَ حِينَئِذٍ نَفْيُ البُشْرى بِالعَفْوِ والشَّفاعَةِ في وقْتٍ آخَرَ، وإمّا خاصٌّ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلى جُرْمِهِمْ وَإشْعارًا بِما هو المانِعُ لِلْبُشْرى والمُوجَبُ لِما يُقابِلُها.
﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ عُطِفَ عَلى المَدْلُولِ أيْ ويَقُولُ الكَفَرَةُ حِينَئِذٍ، هَذِهِ الكَلِمَةَ اسْتِعاذَةً وطَلَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ لِقاءَهم وهي مِمّا كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ أوْ هُجُومٍ مَكْرُوهٍ، أوْ تَقُولُها المَلائِكَةُ بِمَعْنى حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الجَنَّةُ أوِ البُشْرى.
وقُرِئَ «حُجْرًا» بِالضَّمِّ وأصْلُهُ الفَتْحُ غَيْرَ أنَّهُ لَمّا اخْتُصَّ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ غُيِّرَ كَقَعْدِكَ وعُمُرِكَ ولِذَلِكَ لا يُتَصَرَّفُ فِيهِ ولا يَظْهَرُ ناصِبُهُ، ووَصَفَهُ بِـ ( مَحْجُورًا ) لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ: مَوْتٌ مائِتٌ.
﴿ وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ أيْ وعَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا في كُفْرِهِمْ مِنَ المَكارِمِ كَقِرى الضَّيْفِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ فَأحْبَطْناهُ لِفَقْدِ ما هو شَرْطُ اعْتِبارِهِ، وهو تَشْبِيهُ حالِهِمْ وأعْمالِهِمْ بِحالِ قَوْمٍ اسْتِعْصَوْا عَلى سُلْطانِهِمْ فَقَدِمَ إلى أشْيائِهِمْ فَمَزَّقَها وأبْطَلَها ولَمْ يُبْقِ لَها أثَرًا، والـ ( هَباءً ) غُبارٌ يُرى في شُعاعٍ يَطَّلِعُ مِنَ الكُوَّةِ مِنَ الهَبْوَةِ وهي الغُبارُ، و ( مَنثُورًا ) صِفَتُهُ شَبَّهَ عَمَلَهُمُ المُحْبَطَ بِالهَباءِ في حَقارَتِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ ثُمَّ بِالمَنثُورِ مِنهُ في انْتِثارِهِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ نَظْمُهُ أوْ تَفَرُّقُهُ نَحْوَ أغْراضِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَوَجَّهُونَ بِهِ نَحْوَها، أوْ مَفْعُولٌ ثالِثٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ كالخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{يوم يرون الملائكة} أى يوم الموت أو يوم البعث ويوم منصوب بمادل عليه {لاَ بشرى} أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى وقوله {يومئذ} مؤكد ليوم يرون أو بإضمار اذكر أي اذكر يوم يرن الملائكة ثم أخبر فقال لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب بيرون لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا ببشرى لأنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل لا {لّلْمُجْرِمِينَ} ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات {وَيَقُولُونَ} أي الملائكة {حِجْراً مَّحْجُوراً} حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراما عليكم انما البشرى للمؤمنين والحجر مصدروالكسر والفتح لغتان وقرئ بهما وهو من حجره إذا منعه وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها
ومحجور التأكيد معنى الحجر كما قالوا موت مائت
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَلْقُونَهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ اسْتِعْظامِ طَلَبِهِمْ إنْزالَهم عَلَيْهِمْ، وبَيانِ كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّناعَةِ.
وإنَّما قِيلَ: يَوْمَ يَرَوْنَ دُونَ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ رُؤْيَتَهم لَهم لَيْسَتْ عَلى طَرِيقِ الإجابَةِ إلى ما طَلَبُوهُ بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ لَمْ يَمُرَّ بِبالِهِمْ «ويَوْمَ» مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى: لا يُبَشَّرُ يَوْمَئِذٍ المُجْرِمُونَ، والعُدُولُ إلى نَفْيِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ البُشْرى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُبَشَّرُونَ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ يَفْقِدُونَها، والأوَّلُ أبْعَدُ مِنِ احْتِمالِ تَوَهُّمِ تَهْوِينِ الخَطْبِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: لا بُشْرى قَبْلَ يَوْمٍ وجَعَلَهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِيُعَذَّبُونَ مُقَدَّرًا لِدَلالَةِ ﴿ لا بُشْرى ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِ مَعْمُولًا لا ذُكِرَ مُقَدَّرًا قالَ: أبُو حَيّانَ: وهو أقْرَبُ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ(يَنْزِلُ) مُضْمَرًا لِقَوْلِهِمْ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَنْزِلُ المَلائِكَةُ يَوْمَ يَرَوْنَهُمْ، ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ وقْتُ الرُّؤْيَةِ وقْتًا لِلْإنْزالِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الظَّرْفُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِسَعَتِهِ، واسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ، فَقالَ: هو قَوْلٌ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا انْتَصَبَ بِيَنْزِلُ يَلْتَئِمُ الكَلامانِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ﴾ إلَخْ، نَشْرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدِمْنا ﴾ نَشْرٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ ولَمْ يُجَوِّزِ الأكْثَرُونَ تَعَلُّقَهُ بِبُشْرى المَذْكُورِ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا، وهو لا يَعْمَلُ مُتَأخِّرًا، وكَوْنِهِ مَنفِيًّا بِلا ولا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها ويَوْمَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ ولِلْمُجْرِمِينَ تَبْيِينٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في (سَقْيًا لَهُ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو ظَرْفٌ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ، أوْ لِبُشْرى إنْ قُدِّرَتْ مُنَوَّنَةً غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ مَعَ لا فَإنَّها لا تَعْمَلُ إذْ لَوْ عَمِلَ اسْمُ لا طالَ وأشْبَهَ المُضافَ فَيَنْتَصِبُ.
وفِي البَحْرِ احْتَمَلَ بُشْرى أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا مَعَ لا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ مَنصُوبَ اللَّفْظِ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، فَإنْ كانَ مَبْنِيًّا مَعَ لا احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( يَوْمَئِذٍ ) ولِلْمُجْرِمِينَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ نَعْتٌ لِبُشْرى، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وأنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) صِفَةً لِبُشْرى، والخَبَرُ ( لِلْمُجْرِمِينَ ) ويَجِيءُ خِلافُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ هَلِ الخَبَرُ لِنَفْسِ لا أوْ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ لا وما بُنِيَ مَعَها، وإنْ كانَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ وهو مُعْرَبٌ جازَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِبُشْرى وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ «لِلْمُجْرِمِينَ»، وجازَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) خَبَرًا و( لِلْمُجْرِمِينَ ) صِفَةً، وجازَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) خَبَرًا و( لِلْمُجْرِمِينَ ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والخَبَرُ إذا كانَ الِاسْمُ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِلا نَفْسِها بِالإجْماعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَوْمَئِذٍ تَكْرِيرٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ سَواءٌ أُرِيدَ بِالتَّكْرِيرِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أمْ أُرِيدَ بِهِ البَدَلُ لِأنَّ «يَوْمَ» مَنصُوبٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنِ (اذْكُرْ) أوْ مِن (يَفْقِدُونَ) وما بَعْدَ لا العامِلَةِ في الِاسْمِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَها، وعَلى تَقْدِيرِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما قَبْلَها، انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في الِاحْتِمالاتِ الَّتِي ذَكَرَها.
وأمّا ما اعْتُرِضَ بِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ فَتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ الَّتِي هي مَعْمُولٌ لِـ(يَرَوْنَ) ويَرَوْنَ مَعْمُولٌ لِـ(يَوْمَ) فَلا وما في حَيِّزِها مِن تَتِمَّةِ الظَّرْفِ الأوَّلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْمُولًا لِبَعْضِ ما في حَيِّزِهِ، ومِثْلُهُ لا يُعَدُّ مَحْذُورًا مَعَ أنَّ كَوْنَ لا لَها الصَّدْرُ مُطْلَقًا أوْ إذا بُنِيَ مَعَها اسْمُها لَيْسَ بِمُسْلَمٍ عِنْدَ جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّها لِكَثْرَةِ دَوْرِها خَرَجَتْ عَنِ الصَّدارَةِ فَتَأمَّلَ، هَذا ما وقَفْنا عَلَيْهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ في إعْرابِ الآيَةِ وما فِيهِ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ.
وقالَ بَعْضُ العَصْرِيِّينَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُ ( يَوْمَ ) بِكَبِيرٍ أوْ تَقْيِيدُ كِبَرِهِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، لَيْسَ لِنَفْيِ كِبَرِهِ في نَفْسِهِ بَلْ لِظُهُورِ مُوجِبِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ: لِزَيْدٍ عِلْمٌ عَظِيمٌ يَوْمَ يُباحِثُ الخُصُومَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَوْمُ المَوْتِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا ﴾ إلَخْ، وفِيهِ نَظَرٌ.
ونَفْيُ البُشْرى كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ ضِدِّها كَما أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والمَقْتِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ النَّذْرِ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ تَعالى، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإجْرامِ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، وإيذانًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ومَنِ اعْتَبَرَ المَفْهُومَ في مِثْلِهِ ادَّعى إفادَةَ الآيَةِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الحُكْمِ في غَيْرِهِمْ، وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا ﴾ إلَخْ، عَلى حُصُولِ البُشْرى لَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّ العُصاةَ والكُفّارَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ تَعالى، ويُفِيدُ الكَلامُ سَلْبَ البُشْرى عَنِ الكُفّارِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المانِعَ مِن حُصُولِ البُشْرى هو الإجْرامُ، ولا إجْرامَ أعْظَمَ مِن إجْرامِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَقُولُونَ ما يَقُولُونَ فَهم أوْلى بِهِ.
ويَتِمُّ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ عَلَيْهِ في نَفْيِ العَفْوِ والشَّفاعَةِ لِلْعُصاةِ لِأنَّها لا تُفِيدُ النَّفْيَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ فَيَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَ العُصاةَ بِما ذُكِرَ في وقْتٍ آخَرَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَ النَّفْيِ - لِكَوْنِها اسْمِيَّةً - تُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ، فَبَعْدَ دُخُولِ النَّفْيِ إرادَةُ نَفْيِ اسْتِمْرارِ البُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ - بِمَعْنى أنَّ البُشْرى تَكُونُ لَهم لَكِنْ لا تَسْتَمِرُّ - مِمّا لا يُظَنُّ أنَّ أحَدًا يَذْهَبُ إلَيْهِ، فَيَتَعَيَّنُ إرادَةُ اسْتِمْرارِ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ أضْدادِهِمْ ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَتَسَنّى قَوْلُهُ: إنَّها لا تُفِيدُ النَّفْيَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فالأوْلى أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِينَ مَن سَمِعْتَ حَدِيثَهم ( ويَقُولُونَ ) عَطْفٌ عَلى لا يُبَشَّرُونَ أوْ يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ نَحْوِهِ المُقَدَّرِ قَبْلَ ( يَوْمَ ) .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يُفْهَمُ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُشاهِدُونَ أهْوالَ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( يَرَوْنَ ) وجُمْلَةُ لا ( بُشْرى ) حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ - عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ - لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهُمْ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ، أيْ ويَقُولُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ: ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ وهي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ مُوتُورٍ وهُجُومِ نازِلَةٍ هائِلَةٍ، يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، حَيْثُ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ فَلا يَلْحَقُهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَنعًا ويُحْجِرَهُ حِجْرًا.
وقالَ الخَلِيلُ: كانَ الرَّجُلُ يَرى الرَّجُلَ الَّذِي يَخافُ مِنهُ القَتْلَ في الجاهِلِيَّةِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ فَيَقُولُ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ: حَرامٌ عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي في هَذا الشَّهْرِ فَلا يَبْدَؤُهُ بِشَرٍّ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي عَوْذَةٌ لِلْعَرَبِ يَقُولُها مَن يَخافُ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ تُرِكَ قَوْلُهُمْ: حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذا كانَ عِنْدَهم لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُقالَ عِنْدَ الحِرْمانِ، إذا سُئِلَ الإنْسانُ فَقالَ ذَلِكَ عَلِمَ السّائِلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَحْرِمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ: حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها حَجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهارِيسُ والمَعْنى الآخَرُ الِاسْتِعاذَةُ، كانَ الإنْسانُ إذا سافَرَ فَرَأى ما يَخافُ قالَ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ حَرامٌ عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي انْتَهى.
وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ «حِجْرًا» مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، وأنَّهُ واجِبٌ إضْمارُ ناصِبِها، وقالَ: ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا؟
فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ مِن أنْ يَلْحَقَهُ، والأصْلُ فِيهِ فَتْحُ الحاءِ، وقُرِئَ بِهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - لَكِنْ لَمّا خَصُّوا اسْتِعْمالَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ أوِ الحِرْمانِ صارَ كالمَنقُولِ، فَلَمّا تَغَيَّرَ مَعْناهُ تَغَيَّرَ لَفْظُهُ عَمّا هو أصْلُهُ - وهو الفَتْحُ - إلى الكَسْرِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الضَّمُّ أيْضًا، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ويُقالُ فِيهِ: حِجْرى بِألِفِ التَّأْنِيثِ أيْضًا، ومِثْلُهُ في التَّغْيِيرِ عَنْ أصْلِهِ (قَعْدَكَ اللَّهُ تَعالى) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ القافِ، وحُكِيَ كَسْرُها عَنِ المازِنِيِّ وأنْكَرَهُ الأزْهَرِيُّ، وقُعَيْدَكَ وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُرادُ رَقِيبُكَ وحَفِيظُكَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ نُقِلَ إلى القَسَمِ قَعْدَكَ أوْ قُعَيْدَكَ اللَّهُ تَعالى لا تَفْعَلُ، وأصْلُهُ: بِإقْعادِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: إدامَتِهِ سُبْحانَهُ لَكَ، وكَذا: عَمَرَكَ اللَّهُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ثُمَّ اخْتُصَّ بِالقَسَمِ، وأصْلُهُ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ تَعالى، أيْ بِإقْرارِكَ لَهُ بِالبَقاءِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لازِمُ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ في الدُّرِّ المَصُونِ بِما أنْشَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكم وحُجْرُ فَإنَّهُ وقَعَ فِيهِ مَرْفُوعًا، ووَصْفُهُ بِـ(مَحْجُورًا) لِلتَّأْكِيدِ كَشِعْرٍ شاعِرٍ ومَوْتٍ مايِتٍ ولَيْلٍ ألْيَلَ، وذُكِرَ أنَّ مَفْعُولًا هُنا لِلنَّسَبِ أيْ ذُو حِجْرٍ، وهو كَفاعِلٍ يَأْتِي لِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ ولَيْسَ بِذاكَ، والمَعْنى أنَّهم يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وهم إذْ رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم أشَدَّ كَراهَةً وفَزِعُوا مِنهم فَزَعًا شَدِيدًا، وقالُوا ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ خَطْبٍ شَنِيعٍ وحُلُولِ بَأْسٍ فَظِيعٍ، وقِيلَ: ضَمِيرُ يَقُولُونَ لِلْمَلائِكَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعَطِيَّةَ، ومُجاهِدٍ، عَلى ما في الدُّرِّ المَنثُورِ، قالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ البُشْرى، أيْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى حَرامًا عَلَيْكم.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم يَطْلُبُونَ البُشْرى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ لَهم.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنُونَ حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الجَنَّةُ، وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: الغُفْرانُ، وفي جَعْلِ ﴿ حِجْرًا ﴾ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ(جَعَلَ) مُقَدَّرًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِحْثٌ، والظّاهِرُ عَلى ما ذُكِرَ أنَّ إيرادَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْحِرْمانِ وهو المَعْنى الأوَّلُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الفارِسِيُّ ( ويَقُولُونَ )عَلى هَذا القَوْلِ قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ ضَمِيرَهُ لِلْكَفَرَةِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُونَ المُقَدَّرَةِ قَبْلَ لا ( بُشْرى ) الواقِعَةِ حالًا.
وقالَ الطِّيبِيُّ: هو حالٌ مِنَ ( المَلائِكَةَ ) بِتَقْدِيرِ وهم يَقُولُونَ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: قُمْتُ وأصُكُّ وجْهَهُ، وعَلى الأوَّلِ هو عَطْفٌ عَلى ( يَرَوْنَ )، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا يعني: لا يخافون البعث بعد الموت.
ويقال: لا يرجون الجنة والمغفرة، وهم كفار أهل مكة لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ يعني: هلا أنزل علينا الملائكة، فيخبروننا بأنك رسول الله إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فيخبرنا بأنك نبيّ مرسل.
قال الله تعالى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: تعظموا في أنفسهم، وأعرضوا عن الإيمان.
ويقال: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: وضعوا لأنفسهم قدراً ومنزلة، حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة عليهم السلام ورؤية الرب عز وجل: وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً يعني: أبوا إباءً كثيراً.
ويقال: اجترءوا على الله اجتراء كثيراً.
وقال أهل اللغة: العاتي الذي لا ينفعه الوعظ والنصيحة.
ثم أخبر متى يرون الملائكة فقال عز وجل: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ يعني: يوم القيامة لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ يعني: للمشركين، وتكون البشارة للمؤمنين.
ثم قال: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً يعني: تقول لهم الملائكة: حراماً محرماً، أن تكون لهم البشرى يومئذ بما يبشر به المتقون، وإنما قيل للحرام حجرا، لأنه حجر عليه.
وقال مجاهد: «تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخلوا الجنة» .
وقال الحسن وقتادة: هي كلمة كانت العرب تقولها.
كان الرجل إذا نزلت به الشدة قال: حجراً محجوراً، أي: حراماً محرماً.
ويقال: إن قريشاً كانوا إذا استقبلهم أحد كانوا يقولون له: حاجورا حاجورا، حتى يعرف أنهم من الحرم، فلا يضرونهم، وأخبر أنهم كانوا يقولون ذلك ولا ينفعهم.
ويقال: إن المشركين في الشهر الحرام إذا استقبلهم أحد يقولون: حجراً محجوراً، ويريدون أن يذكروه أنه في الشهر الحرام، وذلك القول لا ينفعهم يوم القيامة.
وقرأ الحسن: حِجْراً بضم الحاء، وقراءة العامة: بكسر الحاء.
ثم قال عز وجل: وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ قال الكلبي: يعني عمدنا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عمل لغير الله تعالى.
ويقال: قصدنا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عمل، ومعناه: نظرنا في أعمالهم ولم نجد فيها خيراً، فأبطلناها، ولم نجعل لها ثواباً، فذلك قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً قال الضحاك: هو الغبار ما لا يستطاع جمعه، ولا أخذه بيد.
وقال علي بن أبي طالب : «الهباء المنثور الذي تراه في شعاع الشمس في الكوة» ، وهذا قول عكرمة والكلبي.
وقال قتادة: هو ما ذرت الريح من حطام الشجر.
ويقال: الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب.
ثم قال عز وجل: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا يعني: أفضل منزلاً وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قال: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس إلى مقدار نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة، وهؤلاء فِي النَّارِ.
وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: «لا ينتصف النهار من ذلك اليوم حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار» ، عنيا بذلك: يوم القيامة، ولأن مقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة، وإنما أراد بتلك القيلولة القرار لا النوم، لأن لا يكون في الجنة نوم، ولا في النار نوم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...
الآية: الرجاء هنا على بابه، وقيل: هو بمعنى الخوف، ولمَا تَمَنَّتْ كُفَّارُ قريش رؤيةَ رَبِّهِمْ أخبر تعالى عنهم أَنَّهُم عَظَّمُوا أَنفسهم، وسألوا ما ليسوا له بأهل.
ص لَقَدِ جواب قَسَمٍ محذوف، انتهى.
والضمير في قوله: وَيَقُولُونَ قال مجاهد «١» ، وغيرُه: هو للملائكة، والمعنى: يقول الملائكة للمجرمين: حِجْراً محجوراً عليكم البُشْرَى، أي: حراماً مُحَرَّماً، والحِجْرُ: الحرامُ، وقال [مجاهد أيضاً] «٢» وابن جريج «٣» : الضمير للكافرين المجرمين، قال ابن جريج: كانت العرب إذا كرهوا شيئاً، قالوا: حجرا، قال مجاهد: حجرا عوذاً يستعيذون من الملائكة «٤» .
قال ع «٥» : ويحتمل أنْ يكونَ المعنى: ويقولون حرام مُحَرَّمٌ علينا العَفْوُ، وقد ذكر أبو عبيدة أنَّ هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها مَنْ خاف آخَرَ في الحَرَمِ، أو في شهرٍ حرامٍ إذا لقيه وبينهما تِرَةٌ قال الداودِيُّ: وعن مجاهد «٦» : وَقَدِمْنا أي: عمدنا، انتهى.
قال ع «٧» : وَقَدِمْنا أي: قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، ومعنى الآية: وقصدنا إلى أعمالهم التي لا تَزِنُ شَيْئاً فصيرناها هباءً، أي: شَيْئاً لا تحصيلَ له، والهباء: ما يتطايرُ في الهواء من الأجزاء الدقيقة ولا يكاد يرى إلا في الشمس، قاله ابن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ البَعْثَ ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ فَكانُوا رُسُلًا إلَيْنا وأخْبَرُونا بِصِدْقِكَ، ﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ فَيُخْبِرُنا أنَّكَ رَسُولُهُ، ﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا حِينَ سَألُوا هَذِهِ الآياتِ ﴿ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُتُوُّ في اللُّغَةِ: مُجاوَزَةُ القَدْرِ في الظُّلْمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ.
والثّانِي: يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ اليَوْمُ عَلى مَعْنى: لا بُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ مُؤَكِّدٌ لِـ ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ ؛ والمَعْنى أنَّهم يُمْنَعُونَ البُشْرى في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " يَوْم " مَنصُوبًا عَلى مَعْنى: اذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: ﴿ لا بُشْرى ﴾ ، والمُجْرِمُونَ هاهُنا: الكُفّارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ وقَرَأ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " حُجْرًا " بِضَمِّ الحاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الحَجْرِ في اللُّغَةِ: ما حَجَرْتَ عَلَيْهِ، أيْ: مَنَعْتَ مِن أنْ يُوَصَلَ إلَيْهِ، ومِنهُ حَجْرُ القُضاةِ عَلى الأيْتامِ.
وَفِي القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا.
وفِيما حَرَّمُوهُ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: البُشْرى، فالمَعْنى: حَرامٌ مُحَرَّمٌ أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى، قالَهُ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ إذا عايَنُوا العَذابَ، ومَعْناهُ الِاسْتِعاذَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: كانَ الرَّجُلُ إذا لَقِيَ مَن يَخافُهُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، قالَ: حِجْرًا، أيْ: حَرامٌ عَلَيْكَ أذايَ، فَإذا رَأى المُشْرِكُونَ المَلائِكَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا: حِجْرًا مَحْجُورًا، يَظُنُّونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم كَما كانَ يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدِمْنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: قَصَدْنا وعَمَدْنا، والأصْلُ أنَّ مَن أرادَ القُدُومَ إلى مَوْضِعٍ عَمَدَ لَهُ وقَصَدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ ﴾ \[أيْ\] مِن أعْمالِ الخَيْرِ ﴿ فَجَعَلْناهُ هَباءً ﴾ لِأنَّ العَمَلَ لا يُتَقَبَّلُ مَعَ الشِّرْكِ.
وَفِي الهَباءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما رَأيْتَهُ يَتَطايَرُ في الشَّمْسِ الَّتِي تَدْخُلُ مِنَ الكُوَّةِ مِثْلُ الغُبارِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، واللُّغَوِيُّونَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ.
والثّانِي: أنَّهُ الماءُ المِهْراقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَنْسِفُهُ الرِّياحُ وتُذْرِيهِ مِنَ التُّرابِ وحُطامِ الشَّجَرِ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّرَرُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والخامِسُ: أنَّهُ ما يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَنثُورُ: المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ أفْضَلُ مَنزِلًا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ وَأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَقِيلُ: المُقامُ وقْتَ القائِلَةِ، وهو النَّوْمُ نِصْفَ النَّهارِ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ: الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحُرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ ﴿ وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَدْ كانَ أوَّلُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ تَفِيضُ أرْواحُهُمْ، لَكِنَّ آخِرَها يَقْتَضِي أنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمْرُ العَوامِلِ في هَذِهِ الظُرُوفِ بَيِّنٌ إذا تُأُمِّلَ، فاخْتَصَرْناهُ لِذَلِكَ.
ومَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما قَدَّرَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ هو شَرٌّ لَهُمْ، ولا بُشْرى لَهُمْ، بَلْ لَهُمُ الخَسارُ ولِقاءُ المَكْرُوهِ، ويَوْمَئِذٍ لا خَيْرَ ولا بُشْرى؛ لِأنَّ الظُرُوفَ تَكُونُ إخْبارًا عَنِ المَصادِرِ.
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ"، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: هو "لِلْمَلائِكَةِ"، المَعْنى: ويَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: حِجْرًا مَحْجُورًا عَلَيْكُمُ البُشْرى، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ المَسِيحِ: حَنَّتْ إلىَّ النَخْلَةُ القُصْوى فَقُلْتُ لَها حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَهارِيسُ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ" هو لِلْكُفّارِ المُجْرِمِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهُوا شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا، قالَ مُجاهِدٌ: حِجْرًا: عَوْذًا، يَسْتَعِيذُونَ بِالمَلائِكَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَقُولُونَ: حَرامٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْنا العَفْوُ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ عُوذَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، يَقُولُها مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ، أو في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَعْنى هو مَقْصِدُ بَيْتِ المُتَلَمِّسِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أيْ: هَذا الَّذِي حَنَّتْ إلَيْهِ مَمْنُوعٌ.
وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ: "حُجْرًا" بِضَمِّ الحاءِ، والناسُ عَلى كَسْرِها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يَأْتِي قَضاؤُهُ وفِعْلُهُ فَقالَ حِكايَةً عن يَوْمِ القِيامَةِ: "وَقَدِمْنا"، أيْ: قَصَدَ حُكْمُنا وإنْفاذُنا، ونَحْوُ هَذا مِنَ الألْفاظِ اللائِقَةِ، وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أسْنَدَهُ إلَيْهِ لِأنَّهُ عن أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ "قَدِمْنا" لِأنَّ القادِمْ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، وأمّا قَوْلُ الراجِزِ: وقَدِمُ الخَوارِجُ الضُلالُ ∗∗∗ إلى عِبادِ رَبِّنا فَقالُوا ∗∗∗: إنْ دِماءَكم لَنا حَلالُ فالقُدُومُ عَلى بابِهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: وقَصَدَنا إلى أعْمالِهِمُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ لا تَزِنُ شَيْئًا؛ إذْ لا نِيَّةَ مَعَها، فَجَعَلْناها عَلى ما تَسْتَحِقُّ لا تُعَدُّ شَيْئًا، وصَيَّرْناها هَباءً مَنثُورًا، أيْ: شَيْئًا لا تَحْصِيلَ لَهُ، والهَباءُ: هي الأجْرامُ المُسْتَدَقَّةُ الشائِعَةُ في الهَواءِ الَّتِي لا يُدْرِكُها حِسٌّ إلّا حِينَ تُدْخِلُ الشَمْسُ عَلى مَكانٍ ضَيِّقٍ يُحِيطُ بِهِ الظِلُّ كالكُوَّةِ ونَحْوِها، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ فِيما قابَلَ الشَمْسَ أشْياءٌ تَغِيبُ وتَظْهَرُ، فَذَلِكَ هو الهَباءُ، ووَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "مَنثُورٍ"، ووَصْفُهُ في غَيْرِها بِـ "مُنْبَثٍّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما سَواءٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُنْبَثُّ أرَقُّ وأدَقُّ مِنَ المَنثُورِ؛ لِأنَّ المَنثُورَ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهُ نَثَرَهُ، كَسَنابِكِ الخَيْلِ والرِياحِ أو هَدْمِ حائِطٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، والمُنْبَثُّ كَأنَّهُ انْبَثَّ مِن رِقَّتِهِ، وقالَ غَيْرُهُما: الهَباءُ المَنثُورُ هو ما تَسْفِي بِهِ الرِياحُ وتَبُثُّهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الهَباءُ الماءُ المِهْراقُ، والأوَّلُ أصَحُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَبّاتُ الغُبارِ ونَحْوِهُ إذا بَثَّتْهُ، قالَ الشاعِرُ: فَتَرى خَلْفَها مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْبا وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: جَعَلْنا أعْمالَهم لا حُكْمَ لَها ولا مَنزِلَةَ.
ثُمْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مُسْتَقَرَّ أهْلِ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِن مُسْتَقَرِّ أهْلِ النارِ، وجاءَتْ "خَيْرٌ" ها هُنا لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُما، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمّا اشْتَرَكا في أنَّ هَذا مُسْتَقَرٌّ وهَذا مُسْتَقَرٌّ فَضَّلَ الِاسْتِقْرارَ الواحِدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي فِيها عُمُومٌ ما، ويَتَوَجَّهُ حُكْمُها مِن جِهاتٍ شَتّى، نَحْوَ قَوْلِكَ: أحَبُّ، وأحْسَنُ، وخَيْرٌ، وشَرٌّ، يَسُوغُ أنْ يُجاءَ بِها بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُما، فَتَقُولُ: السَعْدُ في الدُنْيا أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الشَقاءِ، أيْ: قَدْ يُوجَدُ بِوَجْهٍ ما مَن يَسْتَحِبُّ الشَقاءَ كالمُتَعَبِّدِ والمُغْتاظِ، وكَذَلِكَ في غَيْرِها، فَإذا كانَتْ "أفْعَلُ" في مَعْنى بَيْنَ أنَّ الواحِدَ مِنَ الشَيْئَيْنِ لا حَظَّ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ فَسَدَ الإخْبارُ بِالتَفْضِيلِ بِهِ، كَقَوْلِكَ: الماءُ أبْرَدُ مِنَ النارِ، ومِن هَذا أنَّكَ تَقُولُ في ياقُوتَةٍ ومَدَرَةٍ -وَتُشِيرُ إلى المَدَرَةِ-: هَذِهِ خَيْرٌ وأحْسَنُ وأحَبُّ وأفْضَلُ مِن هَذِهِ، ولَوْ قُلْتَ: هَذِهِ ألْمَعُ وأشَدُّ شَراقَةً مِن هَذِهِ، لَكانَ فاسِدًا.
وقَوْلُهُ: "مَقِيلًا"، ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والنَخَعِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ حِسابَ الخَلْقِ يَكْمُلُ في وقْتِ ارْتِفاعِ النَهارِ ومَقِيلُ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلِ النارِ في النارِ، فالمَقِيلُ مِنَ القائِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ تَفْضِيلَ الجَنَّةِ جُمْلَةً وحُسْنَ هَوائِها، والعَرَبُ تُفَضِّلُ البِلادَ بِحُسْنِ المَقِيلِ؛ لِأنَّ وقْتَ القَيْلُولَةِ يَبْدُو فَسادُ هَواءِ البِلادِ، فَإذا كانَ بَلَدٌ في وقْتِ فَسادِ الهَواءِ حَسَنًا جازَ الفَضْلُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ الإيادِيِّ: أرْضٌ تَخَيَّرَها لِطِيبِ مَقِيلِها ∗∗∗ كَعْبُ بْنُ مامَةَ وابْنُ أُمْ دُؤادِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾ ، يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ انْفِطارِ السَماءِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ ووُقُوعِ الجَزاءِ بِحَقِيقَةِ الحِسابِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَشَّقَّقُ" بِشَدِّ الشِينِ والقافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَوْلُهُ: "بِالغَمامِ"، أيْ: يُشَقَّقُ عنهُ، والغَمامُ: سَحابٌ رَقِيقٌ أبْيَضٌ جَمِيلٌ لَمْ يَرَهُ البَشَرُ بَعْدُ إلّا ما جاءَ في تَظْلِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ المَكْسُورَةِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى مَفْعُولٍ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوَهّابِ: "وَنُزِلَ" بِتَخْفِيفِ الزايِ المَكْسُورَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ "نُزِلَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ: "زُكِمُ الرَجُلُ وجُنَّ"، فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللهُ وأجَنَّهُ، وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ.
وقَرَأ أبُو رَجاءَ: "وَنَزَّلَ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَأنْزَلَ المَلائِكَةَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "وَنُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِنُونَيْنِ، فَهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو: "وَنَزَّلَ المَلائِكَةُ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَنْزِلُ المَلائِكَةُ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: "وَتَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ".
قَرَّرَ أنَّ المُلْكَ الحَقَّ هو يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ؛ إذْ قَدْ بَطَلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ كُلُّ مُلْكٍ.
وعَسِيرُهُ عَلى الكافِرِينَ يُوَجَّهُ بِدُخُولِ النارِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ سَهْلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللهَ تَعالى لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْها في الدُنْيا».
<div class="verse-tafsir"
استئناف ثان جواب عن مقالتهم، فبعد إبداء التعجيب منها عُقّب بوعيد لهم، فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار، ففي هذا الاستئناف تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءَه مطمع بالاستجابة وآخرَه مؤيس بالوعيد، فالكلام جرى على طريقة الغَيبة لأنه حكاية عن تورّكهم، والمقصود إبلاغه لهم حين يَسمعونه.
وانتصب ﴿ يوم يرون ﴾ على الظرفية لِ ﴿ لاَ بُشرى ﴾ .
وتقديم الظرف للاهتمام به لإثارة الطمع وللتشويق إلى تعيين إبانه حتى إذا ورد ما فيه خيبة طمعهم كان له وقع الكآبة على نفوسهم حينما يسمعونه.
وإعادة ﴿ يومئذٍ ﴾ تأكيد.
وذِكر وصف المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بأنهم مجرمون بعد أن وصفوا بالكفر والظلم واليأس من لقاء الله.
وانتفاءُ البشرى مستعمل في إثبات ضده وهو الحزن.
و (حجر) بكسر الحاء وسكون الجيم، ويقال بفتح الحاء وضمها على الندرة فهي كلمة يقولونها عند رؤية ما يُخاف من إصابته بمنزلة الاستعاذة.
قال الخليل وأبو عبيدة: كان الرجل إذا رأى الرجل الذي يَخاف منه أن يقتله في الأشهر الحرم يقول له: ﴿ حِجْراً محجوراً ﴾ ، أي حَرام قتلي، وهي عوذة.
و (حجر) مصدر: حجَره، إذا منعه، قال تعالى ﴿ وحرث حِجر ﴾ [الأنعام: 138]، وهو في هذا الاستعمال لازم النصب على المفعول المطلق المنصوب بفعل مضمر مثل: معاذ الله، وأمّا رفعه في قول الرّاجز: قالت فيها حيدة وذُعْر *** عَوْذ بربي منكمُ وحُجْر فهو تصرف فيه، ولعله عند سيبويه ضرورة لأنه لم يذكر الرفع في استعمال هذه الكلمات في هذا الغرض وهو الذي حكاه الراجز.
وأمّا رفع (حجر) في غير حالة استعماله للتعوذ فلا مانع منه لأنه الأصل، وقد جاء في القرآن منصوباً لا على المفعولية المطلقة في قوله تعالى: ﴿ وجعل بينهما برزخاً وحِجْراً محجوراً ﴾ [الفرقان: 53]، فإنه معطوف على مفعول ﴿ جعل ﴾ وسننبه عليه قريباً.
و ﴿ محجوراً ﴾ وصف ل ﴿ حجراً ﴾ مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا: ليل أليل، وذيل ذائل، وشِعْر شاعر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَخافُونَ ولا يَخْشَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ أيْ لَمْ يَخْشَ.
الثّانِي: لا يُبالُونَ، قالَهُ ابْنُ عُمَيْرٍ، وأنْشَدَ لِخُبَيْبٍ.
لَعَمْرَكَ ما أرْجُو إذا كُنْتَ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ حالٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي أيْ ما أُبالِي.
الثّالِثُ: لا يَأْمُلُونَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ؎ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: لِيَكُونُوا رُسُلًا إلَيْنا مِن رَبِّهِمْ بَدَلًا مِن رِسالَةِ مُحَمَّدٍ .
﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ فَيَأْمُرُنا بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ وتَصْدِيقِهِ.
﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكَبَّرُوا في أنْفُسِهِمْ لِما قَلَّ في أعْيُنِهِمْ مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا إلَيْهِمْ.
الثّانِي: اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ بِما اقْتَرَحُوهُ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّجَبُّرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: العِصْيانُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ السَّرَفُ في الظُّلْمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ الغُلُوُّ في القَوْلِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: أنَّهُ شِدَّةُ الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قِيلَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ ومِكْرَزِ بْنِ حَفْصِ بْنِ الأخْنَفِ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: لَوْلا أُنْزِلُ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا.
فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي بِالجَنَّةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُلْقى المُؤْمِنُ بِالبُشْرى فَإذا رَأى الكافِرُ ذَلِكَ تَمَنّاهُ فَلَمْ يَرَهُ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى يَوْمَئِذٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ: مَنَعَنا أنْ نَصِلَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى يَوْمَئِذٍ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ ومِنهُ قَوْلُ المُلْتَمِسِ: حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حَجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسَ.
وَفِي القائِلِينَ حِجْرًا مَحْجُورًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ قالُوهُ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ قالُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقَدِمْنا ﴾ أيْ عَمَدْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الرّاجِزُ: وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ ∗∗∗ إلى عُبّادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ ﴿ إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن عَمِلَ خَيْرًا لا يُتَقَبَّلُ مِنهم لِإحْباطِهِ بِالكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن عَمِلَ صالِحًا لا يُرادُ بِهِ وجْهُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ المُبارَكِ.
﴿ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَهْجُ الدَّوابِّ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كالغُبارِ يَكُونُ في شُعاعِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ في كُوَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ما ذَرَّتُهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّها الماءُ المُراقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ الرَّمادُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ يَعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ يَعْنِي مَنزِلًا في الجَنَّةِ مِن مُسْتَقَرِّ الكُفّارِ في النّارِ.
﴿ وَأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُسْتَقَرَّ في الجَنَّةِ والمَقِيلَ دُونَها، قالَهُ أبُو سِنانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى مَوْضِعَ القائِلَةِ لِلدَّعَةِ وإنْ لَمْ يَقِيلُوا، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَقِيلُ أوْلِياءَ اللَّهِ بَعْدَ الحِسابِ عَلى الأُسْرَةِ مَعَ الحُورِ العِينِ، ويَقِيلُ أعْداءَ اللَّهِ مَعَ الشَّياطِينِ المُقَرَّنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: لِأنَّهُ يَفْرَغُ مِن حِسابِهِمْ وقْتَ القائِلَةِ وهو نِصْفُ النَّهارِ، فَذَلِكَ أحْسَنُ مَقِيلًا، مِن مَقِيلِ الكُفّارِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يرون الملائكة ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ لا بشرى يومئذ للمجرمين ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة يلقى المؤمن بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا للملائكة: بشرونا قالوا: حجراً محجوراً.
حراماً محرماً أن نتلقاكم بالبشرى.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ويقولون حجراً محجوراً ﴾ قال: عوذاً معاذاً الملائكة تقوله.
وفي لفظ قال: حراماً محرماً أن تكون البشرى اليوم إلا للمؤمنين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ويقولون حجراً محجوراً ﴾ قال: تقول الملائكة: حراماً محرماً على الكفار البشرى يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ﴿ ويقولون حجراً محجوراً ﴾ قال: تقول الملائكة: حراماً محرماً على الكفار البشرى حين رأيتمونا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﴿ ويقولون حجراً محجوراً ﴾ قال: حراماً محرماً أن نبشركم بما نبشر به المتقين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ ويقولون حجراً محجوراً ﴾ قال: هي كلمة كانت العرب تقولها.
كان الرجل إذا نزلت به شدة قال: حجراً محجوراً حراماً محرماً.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كانت المرأة إذا رأت الشيء تكرهه تقول: حجر من هذا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: لما جاءت زلازل الساعة فكان من زلازلها أن السماء انشقت فهي يومئذ واهية، والملك على ارجائها: على سعة كل شيء تشقق.
فهي من السماء فذلك قوله: ﴿ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً ﴾ حراماً محرماً أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين رأيتمونا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ وهذا جواب لقولهم: ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ﴾ أُخبروا أنهم إذا رأوا الملائكة فلا بشرى لهم يومئذ.
قال أبو إسحاق: ﴿ يَوْمَ ﴾ منصوب على وجهين: أحدهما: على معنى: لا بشَّرَى تكون للمجرمين يوم يرون الملائكة، ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ هو مؤكدِّ لـ ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ﴾ ولا يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿ لَا بُشْرَى ﴾ لأن ما اتصل بـ: ﴿ لَا ﴾ لا يعمل فيما قبلها.
ألا ترى أنك لا تقول: زيد إلا ضارب كما تقول: لا ضارب زيدًا (١) (٢) (٣) (٤) ثم أخبر فقال: ﴿ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ قال مجاهد: يعني: يوم القيامة (٥) (٦) ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ : [الأنفال:50] وبقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ ، ثمَّ قال: وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، وجمع بين القولين؛ فقال: ولا منافاة بين هذا وما تقدم فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران.]].
وقوله: ﴿ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ قال أبو إسحاق: المجرمون: الذين اجترموا الذنوب.
وهو في هذا الموضح الذين اجترموا الكفر بالله عز وجل (٧) قوله: ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ أي: حرامًا محرمًا.
قاله ابن عباس، وجميع المفسرين (٨) (٩) قال ابن قتيبة: وإنما قيل للحرام حِجر؛ لأنه حُجر عليه بالتحريم.
يقال: حَجرت حِجرًا، واسم ما حجرت حِجْرٌ (١٠) (١١) والحِجْر: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه من التخطي إلى القبيح (١٢) (١٣) وذكرنا تفسير الحِجْر عند قوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ (١٤) واختلفوا في أنَّ هذا مِن قول مَنْ؟
فالأكثرون على أنه من قول الملائكة (١٥) قال عطاء عن ابن عباس: تقول الملائكة: محرمًا أن (١٦) (١٧) وقال مقاتل: إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قال لهم الحفظة من الملائكة: حرامًا محرمًا عليكم أيها المجرمون أن يكون لكم البشرى كما بُشر المؤمنون (١٨) وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا للملائكة: بشرونا، فيقولون: ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ أي: حرامًا محرمًا أن نلقاكم بالبشرى (١٩) (٢٠) وقال الزجاج: حرامًا محرمًا عليهم البشرى (٢١) وقال الأزهري: حُجِرَتْ عليكم البشرى فلا تبشرون بخير (٢٢) وقال آخرون: هذا من قول المجرمين للملائكة (٢٣) (٢٤) وقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة (٢٥) (٢٦) وقال أبو عبيدة: كان الرجل من العرب إذا لقي رجلاً في الشهر الحرام وبينهما تِرَة (٢٧) (٢٨) وقال الليث: كان الرجل في الجاهلية يلقى رجلاً يخافه في الشهر الحرام فيقول: حجرًا محجورًا.
أي: حرام محرم عليكم (٢٩) ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ وظنَّوا أن ذلك ينفعهم عندهم كفعلهم (٣٠) (٣١) وذكر صاحب النظم القولين جميعًا، فقال: هذا نظم كان في أول الدهر ثم درج، كان الرجل منهم إذا أراد حرمان الرجل شيئًا يسأله، أو يطمع فيه، قال: حجرًا محجورًا، فيعلم السائل بذلك أنه لا يريد أن يفعل، ومنه قول الشاعر: حَنَّتْ إلى النَّخْلَةَ القُصوَى فقلتُ لها ...
حِجْرٌ حَرَامٌ ألا تِلكَ الدَّهاريس (٣٢) ويقال فيه: إن معناه أن الرجل من العرب كان إذا سافر فخاف على نفسه قومًا لَقَوه، قال: حجرًا محجورًا، أي: حرامًا محرمًا عليِكم (٣٣) (٣٤) وفي الآية قول ثالث؛ وهو: أنَّ قوله: (حِجْرًا) من قول الكفار، و: ﴿ مَحْجُورًا ﴾ من قول الملائكة.
وهو قول الحسن؛ قال: كانو إذا خافوا شيئًا قالوا: حجرًا.
يتعوذون منه.
فإذا كان يوم القيامة قالوا: (حِجْرًا) قالت الملائكة: ﴿ مَحْجُورًا ﴾ أن تُعَاذوا من شر هذا اليوم.
فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة (٣٥) (٣٦) (٣٧) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 266.
من قوله: ألا ترى، إلى الحاشية، رقم: 2.
وما بعده فمن الزجاج.
(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).
(٣) قال السمين الحلبي: ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين: أحدهما: أنها مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله.
والثاني: أنها منفية بـ: لا، وما بعدها لا يعمل فيما قبلها الدر المصون 8/ 470.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 64.
وفيه: يجمعون البشرى يوم القيامة.
وعند الواحدي: يمنعون.
وهو الصواب.
وذكر هذا الزمخشري 3/ 266.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2677.
وتفسير مجاهد 2/ 449.
(٦) "تفسير مقاتل" ص 44 أ.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2677، عن أبي سعيد الخدريّ - -، وعطية العوفي، والضحاك.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 64.
وهو قول الهوَّاري 3/ 206.
(٨) "تفسير مقاتل" ص 44 أ.
و"تنوير المقباس" ص 302.
وأخرج عبد الرزاق 2/ 76 ، عن الحسن، وقتادة وبه قال الهوَّاري 3/ 256.
وابن جرير 19/ 2، وأخرج عن: الضحاك، وقتادة وزاد ابن أبي حاتم 8/ 2677: عطاء الخراساني.
وبه قال السمرقندي 2/ 457.
وهو قول سيبويه، "الكتاب" 1/ 326.
والمبرد، المقتضب 3/ 218.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 63.
ونقله عنه إلازهري، "تهذيب اللغة" 4/ 132 (حجر).
(١٠) "غريب القرآن" لابن قتية ص 312.
(١١) قال ابن جرير 19/ 2؛ لأنه لا يدخل إليه في الطواف، وإنما يطاف من ورائه.
(١٢) قال تعالى: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ .
(١٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 73.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 63.
(١٤) ما ذكره الواحدي هنا أكثر وأوسع مما أحال عليه، حيث اقتصر في تفسير الحجر في آية الأنعام على قوله: معنى الحجر في اللغة: الحرام، وأصله من المنع، ومنه سمي العقل حجراً لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي، أي: منعه.
(١٥) ذكر ذلك ابن جرير 19/ 2، عن الضحاك، وقتادة، ومجاهد.
وبه قال الزجاج4/ 64.
(١٦) في (ج): (حرامًا في أن يدخل).
(١٧) "تنوير المقباس" ص 302.
وفيه نسبة القول للملائكة، دون ما بعده.
(١٨) "تفسير مقاتل" ص 44ب.
(١٩) (بالبشرى) في (ج).
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2677، عن عطية العوفي، بمعناه.
(٢٠) "معاني القرآن" للفراء2/ 266.
و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 312.
(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 63.
(٢٢) "تهذيب اللغة"4/ 132 (حجر).
وبه قال الهوَّاري 3/ 206.
(٢٣) "تنوير المقباس" ص 302، حيث جعل هذا القول مشتركاً بين الملائكة، والمجرمين.
وذكر الزمخشري 3/ 266، أن هذا من قول المجرمين، ثم قال: وقيل: هو من قول الملائكة.
وقد ردَّ ابن جرير 19/ 3، هذا القول؟
فقال: معلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البشرى عليهم حرام.
وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة، وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة: حرام عليكم، فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة.
وذكر الماوردي 4/ 141، أن هذا من قول الكفار لأنفسهم.
ونسبه لقتادة.
وبيَّن ذلك ابن عطية 11/ 26، بقوله: ويحتمل أن يكون المعنى: ويقولون: حرام محرم علينا العفو.
قال ابن كثير 6/ 103: وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد، لا سيما وقد نص الجمهور على خلاف.
(٢٤) أخرجه ابن جرير 19/ 3، وابن أبي حاتم 9/ 2678، بلفظ: عوذاً معاذاً.
الملائكة تقوله.
وكذا في "تفسير مجاهد" 2/ 449، و"تفسير الهواري" 3/ 207.
فهو خلاف ما حكاه عنه الواحدي.
رحمه الله.
من أن هذا من قول المجرمين.
لكن أخرج ابن جرير 19/ 3، عن ابن جريج عن مجاهد أنه قال: عوذاً، يستعيذون من الملائكة.
وسبق ذكر نقد ابن جرير لهذا القول.
(٢٥) (شدة) في (ج).
(٢٦) أخرجه ابن جرير 19/ 3.
وأخرج عبد الرزاق 2/ 67، نحوه عن الحسن، وقتادة وأخرجه عنهما ابن أبي حاتم 8/ 2678، من طريق عبد الرزاق.
(٢٧) قال الترمذي 5/ 430، كتاب: الدعوات، حديث رقم: 3380: قال بعض أهل العربية: التِّرَةُ، هو: الثأر.
ولم أجده عند غيره (٢٨) لم أجد قول أبي عبيدة، في كتابه: "المجاز".
وقريب منه في "تفسير أبي حيان" 6/ 451، منسوبًا لأبي عبيدة وكذا في "نظم الدرر" 13/ 375.
(٢٩) هكذا في النسخ الثلاث: عليكم.
وأما في "تهذيب اللغة" 131/ 4 (حجر)، و"لسان العرب" 4/ 167: عليك.
(٣٠) في (ج): (كقولهم).
(٣١) "العين" 3/ 74 (حجر)، وفيه: فلا يبدؤه بشر.
وذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" == 4/ 131 (حجر)، وفيه: فلا ينداه منه بشر.
وفي "لسان العرب" 4/ 167: فلا يبدؤه منه بشر.
وفي النسخ الثلاث قبل: فلا ينداه ..
: إلا يداً.
ومعناها في سياق الكلام غير واضح.
ولم أجدها في المراجع السابقة.
ولذا رأيت حذفها والإشارة إلى ذلك.
ومعنى ينداه: يصله.
"تهذيب اللغة" 14/ 192 (ندأ).
وقد رد الأزهري قول الليث بقوله: فإن أهل التفسير الذين يُعتمدون مثل ابن عباس، وأصحابه فسروه على غير ما فسَّره الليث.
وهذا منهج حسن؛ لأن الصحابة - م- هم أئمة التفسير.
(٣٢) أنشده أبو عبيدة 2/ 73، ونسبه للمُتَلَمَّس، وفيه: النخلة، بالتعريف كما في النسخ الثلاث، خلافاً لما في "ديوان المتلبس" 96، وكذا ابن جرير 19/ 2، والماوردي 4/ 141.
وفي "معجم البلدان" 5/ 320: نخلةَ القصوى: واحدة النخل، والقصوى تأنيث الأقصى، ثم ذكر بيت المتلبس.
وفي "حاشية الديوان": نصب: نخلة القصوى؛ لأنه واد.
والدهاريس: الدواهي، الواحدة: دَهْرَس.
"تهذيب اللغة" 6/ 521 (دهرس).
(٣٣) في نسخة: (أ)، (ب): (عليك).
(٣٤) هكذا في النسخ الثلاث: (يوقعون).
(٣٥) "تهذيب اللغة" 4/ 132 (حجر) بمعناه.
وعلى هذا الوقف على (حِجْراً) وقف تام، القطع والائتناف 2/ 481، حيث نسب هذا الوقف للحسن، دون شرح القول.
ولم أجد أحداً نسب هذا القول للحسن باللفظ الذي ذكره الواحدي، غير الأزهري.
وذكره الرازي 24/ 71، ونسبه للقفال، والواحدي، وفي كلامه ما يُشعر باختيار الواحدي لهذا القول؛ وهذا ليس بصواب فإن الواحدي في كتابيه: "الوسيط"، و"الوجيز"، لم يذكر هذا القول مطلقاً، وإنما ذكره هنا، وذكر بعده ردَّ الأزهري.
فعبارة الرازي تحتاج إلى تحرير.
وذكره القرطبي 13/ 21، وذكر عن الحسن أيضًا أيضًا قال: ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا ﴾ وقف من قول المجرمين، فقال الله عز وجل: ﴿ مَحْجُورًا ﴾ عليهم أن يعاذوا أو يجابوا.
(٣٦) "تهذيب اللغة" 4/ 132 (حجر)، ويعني بالقول الأول، أن ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ من قول الملائكة.
(٣٧) (والله أعلم) فى (ج).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ لما طلبوا رؤية الملائكة، أخبر الله أنهم لا بشرى لهم يوم يرونهم، فالعامل في يوم معنى لا بشرى، ويومئذ بدل ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ الضمير في يقولون إن كان للملائكة، فالمعنى أنهم يقولون للمجرمين حجراً محجوراً، أي حرام عليكم الجنة أو البشرى، وإن كان الضمير للمجرمين، فالمعنى أنهم يقولون حجراً بمعنى عوذاً.
لأن العرب كانت تتعوّذ بهذه الكلمة مما تكره، وانتصابه بفعل متروك إظهاره نحو معاذ الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشقق ﴾ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة "ق":عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو.
والآخرون بالتشديد للإدغام.
﴿ وننزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير.
الباقون ﴿ وينزل ﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع.
﴿ يا ليتني اتخذت ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو عمرو ﴿ قومي اتخذوا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ وثمود ﴾ بغير تنوين في الحالين: حمزة وسهل ويعقوب وحفص.
الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ بشراً ﴾ مذكور في "الأعراف".
﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ ونسقيه ﴾ بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها.
الوقوف: ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ط ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ مقيلاً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ للرحمن ﴾ ط ﴿ عسيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ إذ جاءني ﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله ظاهراً، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم.
﴿ خذولاً ﴾ ه ﴿ مهجوراً ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ط ﴿ ونصيراً ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿ كذلك ﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم اضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت.
﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ تفسيراً ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ جهنم ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ وزيراً ﴾ ه ج للآية ولفاء العطف ﴿ بآياتنا ﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿ فدمرناهم تدميراً ﴾ 5ط لأن ﴿ قوم نوح ﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿ آية ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ أليما ﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿ عاداً ﴾ على الضمير في ﴿ جعلناهم ﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ الأمثال ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ﴿ يرونها ﴾ لا للعطف مع الإضراب.
﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعقلون ﴾ ه ج لابتداء النفي ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الظل ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلىالشرط مع اتحاد المقصود ﴿ ساكناً ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ دليلاً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ج للعدول ﴿ طهوراً ﴾ ه ج لتعلق اللام ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ليذكروا ﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقاً يكون أسهل إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على المطلوب، فلو كان محمد صادقاً لكان مؤيداً بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه.
قال الفراء: معنى ﴿ لا يرجون ﴾ لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضاً.
واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه منزه عن ذلك بل بمعنى الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والسحاب عند المعتزلة، وقد مر في أوائل البقرة في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض قوله: ﴿ أو نرى ربنا ﴾ أي جهرة وعياناً فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا.
قال جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وإنه لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون، وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ .
ثم إنه أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه.
ثم نسبهم إلى الإفراط في الظلم بقوله ﴿ وعتواً ﴾ ثم وصف العتوّ بالكبر.
قال جار الله: اللام جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوّهم!
وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت دلالة نبوّة محمد فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض الاستكبار والاستنكار.
وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان ايضاً من جملة المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح.
وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد.
ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي.
وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء.
وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم.
وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ على أن رؤية الله مرجوّة.
واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ لقد استكبروا ﴾ ﴿ وعتواً ﴾ أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب ﴿ يوم يرون ﴾ بإضمار "اذكر" فيكون ﴿ لا بشرى ﴾ مستأنفاً أو بما دل عليه ﴿ لا بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق.
﴿ يومئذ ﴾ للتكرير وقوله ﴿ للمجرمين ﴾ ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر.
أما قوله: ﴿ حجراً محجوراً ﴾ فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟
فيقول: حجراً.
وقد ذكره سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو "معاذ الله وعمرك الله ومعناه منعاً" اي اسال الله أن يمنع ذلك منعاً كما أن المستعيذ طالب من الله عز وجل أن يمنع المكروه.
ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال "شعر شاعر وجد جده".
والأكثرون على أن القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا يقولونه عند نزول كل شدّة.
وقيل: هم الملائكة ومعناه حراماً محرّماً أي جعل الله الجنة والغفران أو البشرى حراماً عليكم.
يروى أن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجراً محجوراً.
وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجراً محجوراً.
وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجراً محجوراً.
ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى اشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فافسدها بحيث لم يترك منها أثراً وإلا فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه عن الجسمية وصفاتها.
قال أهل المعاني: القادم إلى لاشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم المسبب على السبب مجازاً.
وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلا موضع الحساب في الآخرة.
والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار.
وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته.
وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك تراه منتظماً مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب.
والمراد: جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه.
ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير ﴾ ووجه صحة التفضيل ما بين في قوله: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ أو التفاوت بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو على سبيل الفرض اي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
والسمتقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والاستمتاع بمغالتهنّ وملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول "خير مقيلاً" رمزاً إلى التحسنات الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك.
قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وعن سعيد بن جبير: إن الله إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من ايام الدنيا ثم يقولون من يومهم ذلك في الجنة.
وحاصل الاية أن أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان.
ثم أراد أن يصف أهوال يوم القيامة فقال ﴿ ويوم تشقق ﴾ أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد: قال الفراء: الباء بمعنى "عن" لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل الله الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها.
عن مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب .
قال العلماء: هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات.
وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضاً وطولاً بحيث تسع كل هؤلاء.
ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام وهو سترة بين السماء والأرض، والله فوق أهل القيامة.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصبرون سبع صفوف حول العالم.
والظاهر أن اللام في الغمام لجنس.
ومنهم من قال: هي للعهد والمعهود قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه.
ومعنى ﴿ تنزيلاً ﴾ توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
قال الزجاج ﴿ الحق ﴾ صفة الملك اي الملك الثابت الذي لا يزول ﴿ للرحمن ﴾ يومئذ ونظيره ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ويجوز أن يكون يومئذ تكريراً لقوله ﴿ ويوم تشقق ﴾ وإعرابهما واحد.
والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة.
قالت الأشاعرة: ههنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان خائفاً أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق.
وأيضاً لو كان العبد مالكاً للثواب لم يكن الله مالكاً مطلقاً بل يكون عبداً ضعيفاً لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيراً محتاجاً إلى أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟
وكان ذلك اليوم يوماً عسيراً على الكافرين لا على المؤمنين.
واللام في ﴿ الظالم ﴾ ظاهر الاستغراق والشمول أو للجنس.
وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله فأبى أن يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أُبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟
قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه لو تبزق في وجهه.
فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر علياً بقتله.
وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه وذكروا فاضلين من الصحابة وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر.
والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر غالباً ونظيره "سقط في يده وأكل من بنانه" وأمثال ذلك.
وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت.
قال جار الله: تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب به طرق الضلالة والهوى، أو اراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت لنفسي في صحبة الرسول سبيلاً.
وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس، فإِن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم اتخذ أُبياً خليلاً فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم فجعله كناية عن.
قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية.
لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان.
لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله : ﴿ يقول يا ليتني ﴾ الخ.
والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة.
أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل وخالف الرسول ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن من الجن والإنس.
ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول وشكاهم إلى الله عز وجل وقال ﴿ يا رب إن قومي ﴾ يعني قريشاً ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ أي تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به.
وعن ابي مسلم أن المراد: وقال الرسول يوم القيامة.
روي عن أنس عن النبي "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" .
وقيل: هو من هجر إذا هذى.
والجار محذوف أي جعلوه مهجوراً فيه.
وعلى هذا فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه.
والثاني أنهم كانوا إذا سمعوه لغوا فيه.
وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدراً بمعنى الهجر كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجراً.
سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح ﴿ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ فكيف صارت شكاية نوح سبباً لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا سبباً لذلك؟
الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم إياه الغاية "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" هذا مع أنه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ ﴿ وكفى بربك هادياً ونصيراً ﴾ إلى مصالح الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيراً لك على أعدائك.
ثم حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة أي مجتمعاً.
ومعنى التنزيل ههنا التعدية فقط لقريتة قوله ﴿ جملة ﴾ خلاف ما تقرر في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ لنثبت ﴾ الخ.
وتقريره من وجوه أحدها: أن محمداً لم يكن قارئاً كاتباً بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة.
وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط وأبعد عن النسيان والسهو.
وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج.
وثالثها إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة.
ورابعها أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة.
وخامسها أن نزوله مفرّقاً يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعة، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز.
وسادسها أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها.
وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل.
وللترتيل معانٍ منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة.
ومنها التأني في القراءة ومعنى ﴿ ورتلناه ﴾ أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: لا يسرد كسردكم.
هذا لو اراد السامع أن يعدّ حروفها لعدها وهو مأخوذ من ترتيل الأسنان أي تفليحها.
يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه.
ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد متقاربة.
ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ اي بسؤال عجيب من اسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم.
قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا.
ووجه آخر وهو أن يراد ﴿ ولا يأتونك ﴾ بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بياناً لما بعثت به، ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقاً منجماً فإن ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكاناً من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في صفة أهل الجنة خير مستقراً.
قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله.
عن أبي هريرة عن النبي "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون نسلاً" .
ثم ذكر طرفاً من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطاً للأذهان وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من ارسلناه فكذب وآتيناه الآيات فردّ بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد.
ومعنى الوزير تقدم في "طه".
والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً.
ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما ﴿ اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماضٍ والمعنى على الاستقبال على عادة إخبار الله .
ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف.
والتدمير الإهلاك ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل ﴾ بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحاً كأنهم لم يروا بعثة الرسل اصلاً كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم ﴿ أغرقناهم وجعلناهم ﴾ أي إغراقهم وقصتهم ﴿ للناس آية ﴾ محل اعتبار ﴿ وأعتدنا للظالمين ﴾ وهم قوم نوح أو لكل من سلك سبيلهم في التكذيب.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام اصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود.
وقيل: هم اصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطيرسميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة.
ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
وقيل: هم اصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في الحفيرة.
وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس.
وعن علي أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض.
وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها قوالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص.وروى ابن جرير بإسناده إلىالنبي : "إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما اراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين.
ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة" .
قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿ وقروناً بين ذلك ﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب "فذلك كذا" أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا ﴿ وكلاً ﴾ من الأمم والقرون ﴿ ضربنا له الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا ﴿ وكلاً تبرنا ﴾ أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ينجع فيهم ضرب المثل.
والتتبير التفتيت والتكسير.
و ﴿ كلاً ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو انذرنا أو حذرنا ﴿ كلاً ﴾ الثاني منصوب ﴿ بتبرنا ﴾ لأنه ليس بمشتغل عنه بضميره.
والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت خمساً، ومطر السوء الحجارة.
﴿ افلم يكونوا ﴾ في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى الشام ﴿ يرونها بل كانوا ﴾ قوماً كفروا بالبعث لا يتوقعون نشوراً وعاقبة فمن ثم لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار.
﴿ و ﴾ من جملة كفرهم وعنادهم أنهم ﴿ إذا رأوك يتخذونك إلا ﴾ محل هزؤ.
ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون مشيرين إليه على سبيل الاستحقار.
هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولاً بزعمه.
ويجوز أن يكون تسميته رسولاً استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار.
وفي هذا جهل عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقاً وأعدلهم مزاجاً مع أنه لم يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين اصروا على الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن أخت خالتهم إذ قالوا ﴿ إن كاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام في ﴿ ليضلنا ﴾ هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط لجاجهم وصبرهم على عبادة آلهتهم.
أطلقوا المقاربة أوّلاً ثم قيدوها بلولا الامتناعية ثانياً، وفيه أنه بذل قصارى مجهوده في دعوتهم حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم.
وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد ان يكون ضالاً في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله ﴿ وسوف يعلمون ﴾ إلى آخر الآية.
وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة.
ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال معجباً لرسوله: ﴿ أرأيت من اتخذ إِلَـٰهَهُ هواه ﴾ قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً.
ثم نفى أن يكون هو حافظاً عليهم كقوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ قال الكلبي: نسختها آية القتال.
عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر.
ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً: ﴿ أم يحسب ﴾ وهي منقطعة ومعناه "بل" أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف.
وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما.
وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ قال جار الله: جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت: ويحسن أيضاً ان يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر.
ومنهم من قال: إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار.
ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ربك أو الم تر إلى الظل كيف مده ربك.
وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع.
والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال.
وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: ﴿ وظل ممدود ﴾ ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظلمه فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلاً.
فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ أي جعله ممتداً منبسطاً على الأجسام.
﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ لاصقاً بكل مظل.
﴿ ثم جعلنا الشمس ﴾ على وجوده ﴿ دليلاً ﴾ فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: ﴿ ثم قبضناه ﴾ اي أزلنا الظل لا دفعه بل يسيراً يسيراً فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئاً بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة.
الثاني أنه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدوداً منبسطاً، ولو شاء لجعله ساكناً مستقراً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها دليلاً على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء الإظلال إلى غاية مّا من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة.
وقوله ﴿ إلينا ﴾ يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله ﴿ يسيراً ﴾ كما قال ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، والسبات الراحة قاله أبومسلم.
وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة.
قال جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
الاستدلال الثالث قوله ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ﴾ أي قدم المطر وقد مر تفسيره في "الأعراف" وأنه لم قال ههنا ﴿ أرسل ﴾ بلفظ الماضي وهناك ﴿ يرسل ﴾ أما قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ فهو علم بين الفقهاء في الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.
واعتراض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس "فعول" من "التفعيل" في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم ان الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك "ماء طهور" اي طاهر، واسم غير صفة ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهراً لغيره فكأنه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه.
ومما يؤكد هذا التفسير أنه ذكره في معرض الأنعام فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ .
ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: ههنا نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟
مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات.
وقال الشافعي وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد إعوازه أيضاً ودليله في الخبث قوله "ثم اغسليه بالماء" .
النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد.
أما الأول فلإطلاق الآية ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ والصل بقاؤه وللحديث "خلق الماء طهوراً" ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وابدانهم، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
وأما الثاني فلقوله "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانياً ولو كان طهوراً لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم.
وقال مالك والسدي: إنه طاهر مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه.
وروي "أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده" .
وعن ابن عباس " أنه اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة" ، ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه.
وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياساً للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية.
والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على الثاني.
والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات.
البحث الثاني الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء.
وإن تغير بغيره ولم يتصل به كما لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضاً مطهر،وإن اتصل به وكان طاهراً ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب فهو أيضاً مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعاً للحرج، وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء مستغنياً عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضوء به وإلا فلا خلافاً لأبي حنيفة.
حجة الشافعي أنه توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه لا يقبل الصلاة بما دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه.
قال: وأيضاً إذا اختلط ماء الولد بالماء فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بما الورد لا بالماء فيكون الحدث يقيناً والطهر مشكوكاً فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر اثره فإنه كالمعدوم.
وأيضاً الوضوء تعبد لا يعقل معناه ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص.
حجة أبي حنيفة إطلاق الآية وقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ وقوله ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها.
هذا كله إذا كان الخليط طاهراً، فإن كان نجساً فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وداود وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً.
ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله في البدن لأداء عبادة.
وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري.
قال: وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله.
ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء اربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال.
وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه.
وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، ولقوله "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" فبقي ما عداه على الأصل.
ومنها قوله : ﴿ فاغسلوا ﴾ والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح.
ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير.
ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند ابي حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها.
ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟
ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة.
وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به.
وايّ فرق بين الجاري والراكد؟
والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير.
ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟.
ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر.
ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" فضعيف.
لأن راوية مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل.
فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة.
سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل.
سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب، فقد روي "إذا بلغ الماء قلتين" وروي "إذا بلغ قلة" وروي "أربعين" "وإذا بلغ كرين" سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله.
سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً.
ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ينجس شرعاً؟
سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟
أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن كثيراً من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين قال: إنه جيد الإسناد.
فقيل له: إن ابن علية وقفه على ابن عمر.
فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه.
وقوله "القلة مجهولة" غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئاً.
وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين ايضاً بتلك المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل.
حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله : ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ وقوله ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ } [النحل: 115] وقال في الخمر ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ حرم هذه الشياء مطلقاً ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءاً من النجاسة.
وأيضاً الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضاً قال "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة" أطلق من غير فرق بين القليل والكثير.
أجاب مالك أنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم.
واعلم أنه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ ففي وصفه ههنا بكونه طهوراً إشارة إلى ذلك.
ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين.
أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق.
وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم.
قال ﴿ ميتاً ﴾ مع قوله ﴿ بلدة ﴾ بالتأنيث لأن "فيعلاً" غير جارٍ على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان.
والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن اصله أناسين فقلبت النون ياء.
و"فعيل" قد يستوي فيه الواحد والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ .
اسئلة أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء ولاسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش.
الجواب لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم وتتميماً للمنة عليهم واشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهراً غير مخالط لشيء من القاذورات.
قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر آنفاً.
السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟
الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب لاماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه.
الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟
الجواب لأن بعض الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ماء السماء احتياجاً بيناً، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله ﴿ بلدة ميتاً ﴾ قوله ﴿ ولقد صرفناه ﴾ الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها.
وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفوراً وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا استقلالاً.
فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس.
والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل.
والعرب تضيف الأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع.
فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من مطر وغيره يقال: خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده اثر علوي؟
عن ابن عباس: ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية.
ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي.
قال الجبائي: في قوله ﴿ ليذكروا ﴾ دليل على أنه أراد من الكل التذكر والإيمان.
وفي قوله ﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال للزمن مثلاً إنه أن يسعى.
وقال الكعبي: الضمير في ﴿ بينهم ﴾ لكل الناس فيكون الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن يؤمنوا ويعتبروا ومعارضة الأشاعرة معلومة.
التأويل: ﴿ ويوم تشقق السماء ﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ يومئذ ﴾ ﴿ للرحمن ﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: ﴿ وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿ على يديه ﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله .
وعن مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار.
﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي في سر ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ فلما أزهر كان زهره ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلما أثمر كانت ثمرته ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ ﴿ يحشرون على وجوههم ﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿ الم تر إلى ربك ﴾ فيه أن نبينا رآه وقد قال لموسى ﴿ لن تراني ﴾ وذلك البقاء أنانيته ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ عالم الأجسام ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ في كتم العدم ﴿ ثم جعلنا ﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير.
وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه.
وفي قوله ﴿ ثم جعلنا ﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ وهذه مرتبة الصديقين.
وقوله ﴿ ثم قبضناه ﴾ كقوله ﴿ كل شيء هالك ﴾ ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من افق العناية عند صباح الهداية: ﴿ ولو شاء لجعله ﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه ﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف.
ثم بين حكمة الإظلال بقوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم ﴾ ليلة البشرية ﴿ لباساً ﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿ وهو الذي أرسل ﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿ وأنزلنا ﴾ من سماء الكرم ﴿ ماء ﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿ لنحيي به بلدة ﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ ونسقيه ﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال "لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات.
﴿ ولقد صرفنا ﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ ليذكروا ﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿ فأبى أكثر ﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿ إلا كفوراً ﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ لاَ يَرْجُونَ ﴾ أي: لا يخافون ولا يخشون لقاءنا، أي: البعث بعد الموت.
وقال أهل الكلام: الرجاء: هو الرجاء لا الخوف، لكن جائز أن يكون في الرجاء خوف، وفي الخوف رجاء؛ لأن الرجاء الذي لا خوف فيه هو أمن، والخوف الذي لا رجاء فيه إياس، فكلاهما مذمومان: الإياس والأمن جميعاً.
وقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ : جائز أن يكون قولهم: لولا أنزل علينا الملائكة رسلا دون أن أنزل البشر رسلا إلينا؛ لإنكارهم البشر رسولا؛ كقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\].
ويحتمل قولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ : بالوحي والرسالة لنا دونك، ونحن الرؤساء والملوك والقادة دونك؛ يقولون: لو كان ما تقول حقّاً وصدقاً أنك رسول، وأنه ينزل عليك الوحي والملك فنحن أولى بالرسالة منك؛ إذ نحن الملوك والرؤساء؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وأمثال هذه الأفكار.
ثم الرسالة لمن هو دونهم في الدنياوية.
أو أن يكون ذلك؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ...
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ ﴾ أي: رسول أو نرى ربنا عيانا ونكلمه ونسأله عن ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ : الاستكبار: هو ألا يرى غيره مثلا له، ولا عدلا ولا شكلا في نفسه وأمره، فإن كان هذا فهو ما لم يروا رسول الله أهلا للرسالة وموضعاً لها؛ لفقر ذات يده وحاجته، ورأوا أنفسهم أهلا لها، فاستكبارهم هو ما لم يروا غيرهم مثلا ولا شكلاً لأنفسهم؛ فاستكبروا ولم يخضعوا لرسول الله، ولم يطيعوه، ولم يتبعوه أنفا منه، بعد علمهم أنه محق في ذلك وأنه رسول إليهم.
وقوله: ﴿ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ : قال بعضهم: العتو: هو الجرأة، وهو أشدّ من الاستكبار.
وقال بعضهم: العتو: هو الغلو في القول غلوا شديداً.
وقال بعضهم: هو من التكبر.
وقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ : قال الحسن: حجرا محجورا: كلمة من كلام العرب؛ إذ كره أحدهم الشيء قال: حجراً حرام هذا، فإذا رأوا الملائكة كرهتهم، وقال: حجراً محجورا، فعلى هذا القول الكفرة هم يقولون: حجراً محجورا؛ إذا رأوا الملائكة وما معهم من المواعيد.
قال بعضهم: إن الملائكة يتلقون المؤمنين بالبشرى على أبواب الجنة، ويقولون للكفرة: لا بشرى لكم، ويقولون: حجراً محجورا، أي: تقول الملائكة: حرام البشرى للمجرمين، أو حرام عليهم الجنة أن يدخلوها، والحجر على هذا القول هو الحرام.
وقال بعضهم: الحجر هاهنا المنع والحظر، يقولون: إنهم يمنعون ويحظرون عما طمعوا وقصدوا بعبادتهم الملائكة والأصنام التي عبدوها، حيث قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ فيقول: يمنع عنهم ما قصدوا وطمعوا بعبادتهم.
أو يكون المنع: ثواب الخيرات التي عملوها في هذه الدنيا من صلة الأرحام والصدقات ونحوها، مما هي في الظاهر خيرات منعوا ثوابها في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ ونحو ذلك كله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ : هو ما ذكرنا من الأعمال عملوها في هذه الدنيا رجاء أن يصلوا إليها في الآخرة، فجعلناها هباء منثورا.
قال أهل التأويل: ﴿ وَقَدِمْنَآ ﴾ أي: عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا من عمل.
لكن عندنا: جعلنا أعمالهم تلك في الأصل هباء منثورا.
وقال بعضهم: منبثا وهو رهج الدواب.
وقال بعضهم: الهباء المنثور: هو غبار الثياب.
وقال بعضهم: هو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس، وهو الذي يسمى: الذر.
وقال بعضهم قوله: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ أي: عوذا معاذا، يقول: المجرمون يستعيذون من الملائكة.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ : هو من التكبر، ويقال: من الخلاف: عتا عتيا؛ إذا خالف، يقال في الكلام: لا تعت علي، أي: لا تخالفني.
وقال بعضهم: هو من الشدة واليبس؛ كقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً ﴾ أي: يابسا.
وقال: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ أي: حراما محرماً، وحجرت عليه ماله، أي: منعته من ماله أحجر حجرا.
ويقال: حجرت عينه، أي: لطخت أجفانها بشيء من الدواء.
وقوله: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ أي: لا شيء، والهباء: هباء النار، أي: رماداً يكون على أعلى النار إذا خمدت ويقال: هبت النار تهبو هبوا إذا خمدت والجمرة على حالها، إلا أنه قد غطاه ذلك الهباء، وكل شيء ليس لشيء فهو هباء، وتقول: هذا هباء، أي: لا شيء، ومنثور: قد نثر.
وقوله: ﴿ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ : وصف عز وجل أعمال الكفرة مرة بالهباء المنثور، ومرة بالرماد، ومرة بالسراب، ومرة بالتراب الذي يكون على الصفوان، وهو الحجر الأملس إذا أصابه الوابل.
ووصف أعمال المؤمنين بالثبات والقرار ونحوه.
وعن ابن مسعود - -: "لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة ثم قرأ: ﴿ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ .
وكذلك ذكر في حرفه في سورة الصافات: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴾ قرأ هو: ﴿ إن مقيلهم لإلى الجحيم ﴾ أي: إلى الجحيم.
ويشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: ﴿ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ أي: لنا أموال وجنات، وليس له من ذلك شيء، فقال جوابا لهم: ﴿ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً ﴾ : وصف السماء لهول ذلك اليوم بأوصاف وذكر لها أحوالا، فقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ ﴾ ، و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ ﴾ ونحو ذلك، وذلك في اختلاف الأوقات، يكون في كل وقت على الحال التي وصف؛ وكذلك ما وصف مرة بالهباء المنثور، ومرة كالعهن المنفوش، ومرة كثيباً مهيلا، ومرة قال: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ﴾ الآية [النمل: 88]، ونحوه من الأوصاف التي وصفها، وذلك في أوقات مختلفة، تكون في كل وقت على حال ووصف الذي وصف؛ فعلى ذلك السماء لشدة هول ذلك اليوم وفزعه.
وقوله: ﴿ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ﴾ أي: تنشق عن الغمام فتبقى بلا غمام؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْغَمَامِ ﴾ أي: يبقى الغمام فوق رءوس الخلائق يظلهم، وهذا يدل أن قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ ﴾ إنما معناه: بظلل من الغمام؛ فإن كان على هذا فيرتفع الاشتباه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ﴾ : يحتمل إضافة ملك ذلك اليوم إليه، وإن كان الملك له في جميع الأيام في الدنيا والآخرة - وجوهاً: أحدها: لما أن ملك الآخرة ملك دائم باق بلا فناء له، وملك الدنيا جعله فانيا لا دوام ولا بقاء [له].
والثاني: [لما] يقر له جميع الخلائق بالملك له في ذلك اليوم، وإن لم يقر له البعض بملك الدنيا.
والثالث: لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وإن كان له منازع في الدنيا.
أو أن يكون المقصود بخلق هذا العالم في ذلك اليوم يظهر للخلق، ويومئذ يعلم كل أن خلقهم في الدنيا لذلك اليوم كان، لا للدنيا خاصة.
وقوله: ﴿ لِلرَّحْمَـٰنِ ﴾ : ذكر هنا الرحمن، وقال في آية أخرى: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ لتعلم العرب أن الرحمن المذكور في هذه الآية هو الله الذي لا إله إلا هو ذكر في تلك الآية؛ لأن العرب تسمي وتعرف كل معبود: إلها، ولا تعرف الرحمن معبودا ولا تسميه الرحمن، فعرفهم أن الله والرحمن اللذين ذكرهما واحد.
وقوله: ﴿ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً ﴾ : ظاهر لا شك فيه فكذلك يكون.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً...
﴾ الآية: قال بعض أهل التأويل: "نزلت الآية في عقبة بن أبي معيط؛ كان يؤاخي رسول الله ويواده، وكان رسول الله يجيبه إذا دعاه إلى طعامه، فدعا يوما رسول الله إلى طعامه فقال: لا حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد بذلك فطعم من طعامه، فبلغ ذلك أبيّ بن خلف فأتاه فقال: صبوت يا عقبة [صدقت] محمداً وأجبته إلى ما دعاك؟!!
فعيره على ذلك حتى رجع عقبة عن ذلك، وارتد عن دينه" ، وفي الحديث طول؛ فنزلت الآية في شأنه وصنيعه وندامته وحسرته على ما فعل، فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وذكر أن عقبة وأبي بن خلف قتلا: أحدهما يوم بدر، والآخر يوم أحد، ولكن الآية في كل ظالم وكل كافر يكون على ما ذكر.
ثم يحتمل قوله: ﴿ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ﴾ على التمثيل، والكناية عن الندامة والحسرة؛ لأن من اشتد به الندامة والحسرة والغيظ على شيء كاد أن يعض يديه غيظاً منه على ذلك؛ كما كنى بغل اليد عن ترك الإنفاق، وبالبسط عن كثرة الإنفاق والمجاوزة فيه؛ وكما كنى بالنبذ وراء الظهر عن ترك الانتفاع وقلة النظر فيه والاكتراث إليه، كقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ عن الرجوع ونحوه، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ ، وأمثال هذا على التمثيل والكناية عن الرجوع والثبات والأخذ والترك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون عض الأيدي كناية عن شدة الندامة والغيظ على ما حل به.
ويشبه أن يكون على التحقيق: تحقيق عض اليد، يجعل الله عقوبته بعض اليد؛ كما جعل عقوبة أنفسهم بأنفسهم؛ حيث جعل أنفسهم حطبا للنار يعذبون ويعاقبون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾ : السبيل الذي دعاه الرسول إليه.
﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ﴾ : يحتمل الإنسان، ويحتمل الشيطان، أي: لم أتخذ الشيطان خليلا، ولم أطعه فيما دعا، أو الإنسان الذي قلده فيما قلده.
وقوله: ﴿ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ عَنِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: الشرف الذي يذكر به المرء، أضلني عن ذلك الشرف، أو أضلني عما يذكرني هذا، أو أضلني عن الذكر، أي: عن القرآن: وما فيه من الذكرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾ أي: تاركا له متبرئاً منه، يقول كما قال في آية أخرى حكاية عنه: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ ، ويقول كما قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 22] أو أن يكون كما ذكر: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25].
أو أن يكون ذلك الخذلان منه له في الدنيا يمنيه بأماني ويزين له أشياء، ثم لا يوصله إليها.
<div class="verse-tafsir"
يوم يعاين الكافرون الملائكةَ عند موتهم، وفي البرزخ، وعند بعثهم، وحين يُساقون للحساب، وحين يدخلون في النار -لا بشارة لهم في تلك المواقف، بخلاف المؤمنين، وتقول لهم الملائكة: حرامًا محرَّمًا عليكم البشرى من الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.ebB9a"