الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٢٨ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
(يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) يعني : من صرفه عن الهدى ، وعدل به إلى طريق الضلالة [ من دعاة الضلالة ] ، وسواء في ذلك أمية بن خلف ، أو أخوه أبي بن خلف ، أو غيرهما .
وقوله ( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) .اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ( الظَّالِمُ ) وبقوله: ( فُلانًا ) فقال بعضهم: عني بالظالم: عقبة بن أبي معيط, لأنه ارتدّ بعد إسلامه, طلبا منه لرضا أُبيّ بن خلف, وقالوا: فلان هو أُبيّ.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثني الحسين, قال: ثني حجاج عن ابن جُرَيج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قال: كان أُبيّ بن خلف يحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم, فزجره عقبة بن أبي معيط, فنـزل: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) ...
إلى قوله ( خَذُولا ) قال: ( الظَّالِمُ ) : عقبة, وفلانا خليلا أُبيّ بن خلف.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة، عن الشعبيّ في قوله: ( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) قال: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف, فأسلم عقبة, فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر; وهو الذي قال: ( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) .
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة وعثمان الجزري, عن مقسم في قوله: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) قال: اجتمع عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف, وكانا خليلين, فقال أحدهما لصاحبه: بلغني أنك أتيت محمدا فاستمعت منه, والله لا أرضى عنك حتى تتفل في وجهه وتكذّبه, فلم يسلطه الله على ذلك, فقتل عقبة يوم بدر صبرا (4) .
وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده يوم أُحد في القتال, وهما اللذان أنـزل الله فيهما: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ).
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن ابن عباس, ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) ...
إلى قوله: ( فُلانًا خَلِيلا ) قال: هو أُبيّ بن خلف, كان يحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم, فزجره عقبة بن أبي معيط.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) قال: عقبة بن أبي معيط دعا مجلسا فيهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لطعام, فأبى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأكل, وقال: " ولا آكُل حتى تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ, وأنَّ مُحمَّدًا رسُولُ الله ", فقال: ما أنت بآكل حتى أشهد؟
قال: " نعم ", قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمَّدًا رسُولُ الله.
فلقيه أمية بن خلف فقال: صبوت؟
فقال: إن أخاك على ما تعلم, ولكني صنعت طعاما فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك, فقلته, وليس من نفسي.
وقال آخرون: عنى بفلان: الشيطان.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فُلانًا خَلِيلا ) قال: الشيطان.
------------------------ الهوامش: (4) يقال : قتل فلان صبرًا : قدم فقتل ، وهو يرى وينظر ، وهو غير من يقتل في حرب أو حادث .
السقا .
يا ويلتا دعاء بالويل والثبور على محالفة الكافر ومتابعته .
ليتني لم أتخذ فلانا يعني أمية ، وكني عنه ولم يصرح باسمه لئلا يكون هذا الوعد مخصوصا به ولا مقصورا ، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما .
وقال مجاهد وأبو رجاء : الظالم عام في كل ظالم ، وفلان : الشيطان .
واحتج لصاحب هذا القول بأن بعده وكان الشيطان للإنسان خذولا .وقرأ الحسن : " يا ويلتى " .وقد مضى في هود بيانه والخليل : الصاحب والصديق وقد مضى في " النساء " بيانه .
{ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا } وهو الشيطان الإنسي أو الجني، { خَلِيلًا } أي: حبيبا مصافيا عاديت أنصح الناس لي، وأبرهم بي وأرفقهم بي، وواليت أعدى عدو لي الذي لم تفدني ولايته إلا الشقاء والخسار والخزي والبوار.
( ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) يعني : أبي بن خلف .
«يا وَيْلَتَى» ألفه عوض عن ياء الإضافة أي ويلتي، ومعناه هلكتي «ليتني لم أتخذ فلانا» أي أبيَّا «خليلا».
واذكر - أيها الرسول - يوم يَعَضُّ الظالم لنفسه على يديه ندمًا وتحسرًا قائلا يا ليتني صاحبت رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم واتبعته في اتخاذ الإسلام طريقًا إلى الجنة، ويتحسَّر قائلا يا ليتني لم أتخذ الكافر فلانًا صديقًا أتبعه وأوده.
لقد أضلَّني هذا الصديق عن القرآن بعد إذ جاءني.
وكان الشيطان الرجيم خذولا للإنسان دائمًا.
وفي هذه الآيات التحذير من مصاحبة قرين السوء؛ فإنه قد يكون سببًا لإدخال قرينه النار.
( ياويلتى ) أى : ثم يقول هذا الظالم يا هلاكى أقبل فهذا أوان إقبالك ، فهذه الكلمة تستعمل عند وقوع داهية دهياء لا نجاة منها ، وكأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من يفهم نداءه .( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ) أى : ليتنى لم أتخذ فلانا الذى أضلنى فى الدنيا صديقا وخليلا لى .
والمراد بفلان : كل من أضل غيره وصرفه عن طريق الحق ، ويدخل فى ذلك دخولا أوليا أبى بن خلف .
اعلم أن هذا الكلام مبني على ما استدعوه من إنزال الملائكة فبين سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له صفات: الصفة الأولى: أن في ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ يدل على التشقق وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام ﴾ يدل على الغمام فقوله: ﴿ تَشَقَّقُ السماء بالغمام ﴾ جامع لمعنى الآيتين ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَفُتِحَتِ السماء فَكَانَتْ أبوابا ﴾ وقوله: ﴿ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ .
المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا وفي سورة ق، والباقون بالتشديد، قال أبو عبيدة: الاختيار التخفيف كما يخفف تساءلون ومن شدد فمعناه تتشقق.
المسألة الثالثة: قال الفراء: المراد من قوله: ﴿ بالغمام ﴾ أي عن الغمام، لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل تعالى الغمام بحيث تشقق السماء باعتماده عليه وهو كقوله: ﴿ السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ .
المسألة الرابعة: لابد من أن يكون لهذا التشقق تعلق بنزول الملائكة، فقيل الملائكة في أيام الأنبياء عليهم السلام كانوا ينزلون من مواضع مخصوصة والسماء على اتصالها، ثم في ذلك اليوم تتشقق السماء فإذا انشقت خرج من أن يكون حائلاً بين الملائكة وبين الأرض فنزلت الملائكة إلى الأرض.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وَنُزّلَ الملائكة ﴾ صيغة عموم فيتناول الكل، ولأن السماء مقر الملائكة فإذا تشقق وجب أن ينزلوا إلى الأرض، ثم قال مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من سكان الدنيا، كذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب تعالى.
وروى الضحاك عن ابن عباس: قال تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصيرون سبع صفوف حول العالم، واعلم أن نزول الرب بالذات باطل قطعاً، لأن النزول حركة والموصوف بالحركة محدث والإله لا يكون محدثاً.
وأما نزول الملائكة إلى الأرض فعليه سؤال، وذلك لأنه ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش فملائكة هذه المواضع بأسرها كيف تتسع لهم الأرض جميعاً؟
فلعل الله تعالى يزيد في طول الأرض وعرضها ويبلغها مبلغاً يتسع لكل هؤلاء، ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام منه، والله تعالى يسكن الغمام فوق أهل القيامة ويكون ذلك الغمام مقر الملائكة.
قال الحسن: والغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة فيه بنسخ أعمال بني آدم والمحاسبة تكون في الأرض.
المسألة السادسة: أما نزول الملائكة فظاهر، ومعنى ﴿ تَنْزِيلاً ﴾ توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
المسألة السابعة: الألف واللام في الغمام ليس للعموم فهو للمعهود، والمراد ما ذكروه في قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة ﴾ .
المسألة الثامنة: قرئ: ﴿ وَنُنَزّلُ الملائكة ﴾ ، ﴿ وَنُنَزّلُ الملائكة ﴾ ، ﴿ وَنُزّلَ الملائكة ﴾ ، ﴿ وَنُزّلَ الملائكة ﴾ ﴿ وَنُزّلَ الملائكة ﴾ على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة.
الصفة الثانية لذلك اليوم: قوله: ﴿ الملك يَوْمَئِذٍ الحق الرحمن ﴾ قال الزجاج الحق صفة للملك وتقديره الملك الحق يومئذ للرحمن، ويجوز الحق بالنصب على تقدير أعني ولم يقرأ به ومعنى وصفه بكونه حقاً أنه لا يزول ولا يتغير، فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن فما الفائدة في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ؟
قلنا: لأن في ذلك اليوم لا مالك سواه لا في الصورة ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام، واعلم أن هذه الآية دالة على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله الثواب والعوض وذلك لأنه لو وجب لاستحق الذم بتركه فكان خائفاً من أن لا يفعل فلم يكن ملكاً مطلقاً وأيضاً فقوله: ﴿ الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن ﴾ يفيد أنه ليس لغيره ملك وذلك لا يتم على قول المعتزلة، لأن كل من استحق عليه شيئاً فإنه يكون مالكاً له، ولا يكون هو سبحانه مالكاً لذلك المستحق، لأنه سبحانه إذا استحق على أحد شيئاً أمكنه أن يعفو عنه، أما غيره إذا استحق عليه شيئاً فإنه لا يصح إبراؤه عنه، فكانت العبودية هاهنا أتم، ولأن من كفر بالله إلى آخر عمره ثم في آخر عمره عرف الله لحظة ومات فهو سبحانه لو أعطاه ألف ألف سنة أنواع الثواب وأراد بعد ذلك أن لا يعطيه لحظة واحدة صار سفيهاً، وهذا نهاية العبودية والذل فكيف يليق بمن هذا حاله أن يقال له: ﴿ الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن ﴾ وأيضاً فكل من فعل فعلاً لو لم يفعله لكان مستوجباً للذم وكان بذلك الفعل مكتسباً للكمال وبتركه مكتسباً للنقصان فلم يكن ملكاً بل فقيراً مستحقاً، فثبت أن قوله سبحانه: ﴿ الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن ﴾ غير لائق بأصول المعتزلة.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً ﴾ فالمعنى ظاهر لأنه تعالى عالم بالأحوال قادر على كل ما يريده وأما غيره فالكل في ربقة العجز ولجام القهر، فكان في نهاية العسر على الكافر.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الألف واللام في الظالم فيه قولان: أحدهما: أنه للعموم والثاني: أنه للمعهود، والقائلون بالمعهود على قولين: الأول: قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من مقر إلا صنع طعاماً يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول ويعجبه حديثه فصنع طعاماً ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلم ما آكل من طعامك حتى تأتي بالشهادتين ففعل فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه فبلغ أمية بن خلف فقال صبوت يا عقبة وكان خليله فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من طعامي فقال لا أرضى أبداً حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ففعل، فقال عليه السلام لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فنزل ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ ﴾ ندامة يعني عقبة يقول: يا ليتني لم أتخذ أمية خليلاً لقد أضلني عن الذكر.
أي صرفني عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ جاءني مع محمد صلى الله عليه وسلم فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير النضر بن الحارث الثاني: قالت الرافضة: هذا الظالم هو رجل بعينه وإن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله، واعلم أن إجراء اللفظ على العموم ليس لنفس اللفظ، لأنا بينا في أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على الاسم المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدل ذلك على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً وحينئذ يعم الحكم لعموم علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة لأن هذا الذي ذكرناه يقتضي العموم، ونزوله في واقعة أخرى خاصة لا ينافي أن يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة وغيرها ولأن المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع في أنه كفر.
المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ ﴾ قالوا الظالم يتناول الكافر والفاسق، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ ﴾ قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت، وقال أهل التحقيق هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم، يقال عض أنامله وعض على يديه.
المسألة الرابعة: كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا المراد بقوله فلاناً ليس شخصاً واحداً بل كل من أطيع في معصية الله، واستشهد القفال بقوله: ﴿ وَكَانَ الكافر على رَبّهِ ظَهِيراً ﴾ ، ﴿ وَيَقُولُ الكافر ياليتنى كُنتُ ترابا ﴾ يعني به جماعة الكفار.
المسألة الخامسة: قرئ ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها: تعالى فهذا أوانك، وإنما قلبت الياء ألفاً كما في صحارى و(عذارى).
المسألة السادسة: قوله: ﴿ عَنِ الذكر ﴾ أي عن ذكر الله أو القرآن وموعظة الرسول ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق (وغيرته) على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة، أو أراد إبليس فإنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس، ويحتمل أن يكون ﴿ وَكَانَ الشيطان ﴾ حكاية كلام الظالم وأن يكون كلام الله.
<div class="verse-tafsir"
عضّ اليدين والأنامل، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الأسنان والأرم، وقرعها: كنايات عن الغيظ والحسرة، لأنها من روادفها، فيذكر الرادفة ويدلّ بها على المردوف، فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان، ما لا يجده عند لفظ المكنى عنه.
وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس، وكان يكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين.
ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟
قال: لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي، فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي، فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألقاك خارجاً مِنْ مكة إلاّ علوتُ رأَسَك بالسيفِ» ، فقتلَ يومَ بدرٍ: أمرَ علياً رضي الله عنه بقتله.
وقيل: قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري وقال: يا محمد، إلى من السبية قال: إلى النار.
وطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبياً بأحد، فرجع إلى مكة فمات.
واللام في ﴿ الظالم ﴾ يجوز أن تكون للعهد، يراد به عقبة خاصة.
ويجوز أن تكون للجنس فيتناول عقبة وغيره.
تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم يتشعب به طرق الضلالة والهوى.
أو أراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط، فليتني حصلت بنفسي في صحبة الرسول سبيلاً، وقرئ: ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء، وهو الأصل؛ لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته، ويقول لها: تعالي فهذا أوانك.
وإنما قلبت الياء ألفاً كما في صحارى، ومدارى.
فلان: كناية عن الأعلام، كما أن الهن كناية عن الأجناس فإن أريد بالظالم عقبة، فالمعنى: ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً، فكنى عن اسمه.
وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة، فجعله كناية عنه ﴿ عَنِ الذكر ﴾ عن ذكر الله، أو القرآن، أو موعظة الرسول.
ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق، وعزمه على الإسلام.
والشيطان: إشارة إلى خليله، سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضلّ الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة، أو أراد إبليس، وأنه هو الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول، ثم خذله.
أو أراد الجنس.
وكل من تشيطن من الجنّ والإنس.
ويحتمل أن يكون ﴿ وَكَانَ الشيطان ﴾ حكاية كلام الظالم، وأن يكون كلام الله.
اتخذت: يقرأ على الإدغام والإظهار والإدغام أكثر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ مِن فَرْطِ الحَسْرَةِ، وعَضُّ اليَدَيْنِ وأكْلُ البَنانِ وحَرْقُ الأسْنانِ ونَحْوُها كِناياتٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ لِأنَّها مِن رَوادِفِهِما، والمُرادُ بِـ ( الظّالِمُ ) الجِنْسُ.
وقِيلَ «عُقْبَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ كانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ، فَدَعاهُ إلى ضِيافَتِهِ فَأبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِهِ حَتّى يَنْطِقَ بِالشَّهادَتَيْنِ فَفَعَلَ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ صَدِيقَهُ فَعاتَبَهُ وقالَ صَبَأْتَ فَقالَ: لا، ولَكِنْ آلى أنْ لا يَأْكُلَ مِن طَعامِي وهو في بَيْتِي فاسْتَحَيْتُ مِنهُ فَشَهِدْتُ لَهُ، فَقالَ لا أرْضى مِنكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَطَأ قَفاهُ وتَبْزُقَ في وجْهِهِ، فَوَجَدَهُ ساجِدًا في دارِ النَّدْوَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ، فَأُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فَأمَرَ عَلِيًّا فَقَتَلَهُ وطَعَنَ أُبَيًّا بِأُحُدٍ في المُبارَزَةِ فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ وماتَ» .
﴿ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ﴾ طَرِيقًا إلى النَّجاةِ أوْ طَرِيقًا واحِدًا وهو طَرِيقُ الحَقِّ ولَمْ تَتَشَعَّبْ بِي طُرُقُ الضَّلالَةِ.
﴿ يا ويْلَتى ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
﴿ لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ يَعْنِي مَن أضَلَّهُ وفُلانٌ كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ كَما أنَّ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأجْناسِ.
﴿ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوْ كِتابِهِ أوْ مَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ.
﴿ بَعْدَ إذْ جاءَنِي ﴾ وتَمَكَّنْتُ مِنهُ.
﴿ وَكانَ الشَّيْطانُ ﴾ يَعْنِي الخَلِيلَ المُضِلَّ أوْ إبْلِيسَ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى مُخالَّتِهِ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ، أوْ كُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِن جِنٍّ وإنْسٍ.
﴿ لِلإنْسانِ خَذُولا ﴾ يُوالِيهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ إلى الهَلاكِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ ولا يَنْفَعُهُ، فَعُولٌ مِنَ الخِذْلانِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا ويلتى} وقرئ يا ويلتي بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها تعالي
الفرقان (٣٢ - ٢٨)
فهذا أوانك وإنما قلبت الياء ألفاً كما فى صحارى ومدارى {لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} فلان كناية عن الأعلام فإن أريد بالظالم عقبة لما روى أنه اتخذ ضيافة فدعا رسول الله عليه الصلاة والسلام فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل فقال له أبيّ بن خلف وهو خليله وجهي من وجهك حرام إلا أن ترجع فارتد فالمعنى يا ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة فجعل كناية عنه وقيل وهو كناية عن الشيطان
﴿ يا ويْلَتى ﴾ بِقَلْبِ ياءِ المُتَكَلِّمِ ألِفًا كَما في صَحارى، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ: (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ والياءِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى يا هَلَكَتِي تَعالَيْ واحْضُرِي فَهَذا أوانُكِ.
﴿ لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ أرادَ بِفُلانٍ الشَّيْطانَ أوْ مَن أضَلَّهُ في الدُّنْيا كائِنًا مَن كانَ، أوْ أُبَيًّا إنْ كانَ الظّالِمُ عُقْبَةَ أوْ عُقْبَةَ إنْ كانَ الظّالِمُ أُبَيًّا، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَلَمٍ مُذَكَّرٍ، وفُلانَةُ عَنْ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ، واشْتَرَطَ ابْنُ الحاجِبِ في فُلانٍ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالقَوْلِ كَما هُنا، ورَدَّهُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ بِأنَّهُ سَمِعَ خِلافَهُ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْرِهِ بِفُلانِ وتَقْدِيرُ القَوْلِ فِيهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، والفُلانُ والفُلانَةُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العاقِلِ مِنَ الحَيَواناتِ كَما قالَ الرّاغِبُ، وفُلٌّ وفُلَّةٌ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ، فالأوَّلُ بِمَعْنى رَجُلٍ، والثّانِي بِمَعْنى امْرَأةٍ، ووَهِمَ ابْنُ عُصْفُورٍ، وابْنُ مالِكٍ، وصاحِبُ البَسِيطِ كَما في البَحْرِ في قَوْلِهِمْ: فُلٌّ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ، ويَخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا ضَرُورَةً كَما في قَوْلِهِ: فِي لُجَّةٍ أمْسَكَ فُلانٌ عَنْ فُلٍّ ولَيْسَ مُرَخَّمَ فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ، واخْتَلَفُوا في لامِ فُلٍّ وفُلانٍ فَقِيلَ واوٌ، وقِيلَ: ياءٌ، وكَنُوا بِهَنٍ - بِفَتْحِ الهاءِ وتَخْفِيفِ النُّونِ - عَنْ أسْماءِ الأجْناسِ كَثِيرًا، وقَدْ كُنِيَ بِهِ عَنِ الأعْلامِ كَما في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْطاكَ فَضْلًا عَنْ عَطِيَّتِهِ ∗∗∗ عَلى هَنٍ وهَنٍ فِيما مَضى وهَنٍ فَإنَّهُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ أرادَ عَبْدَ اللَّهِ وإبْراهِيمَ وحَسَنًا، والخَلِيلُ مِنَ الخُلَّةِ - بِضَمِّ الخاءِ - بِمَعْنى المَوَدَّةِ، أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ إمّا لِأنَّها تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ أيْ تَتَوَسَّطُها، وأنْشَدَ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وبِهِ سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا وإمّا لِأنَّها تَخَلُّها فَتُؤَثِّرُ فِيها تَأْثِيرَ السَّهْمِ في الرَّمِيَّةِ، وإمّا لِفَرْطِ الحاجَةِ إلَيْها، وهَذا التَّمَنِّي - وإنْ كانَ مَسُوقًا لِإبْرازِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ - لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِنَوْعِ تَعَلُّلٍ واعْتِذارٍ بِتَوْرِيكِ جِنايَتِهِ إلى الغَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يعني: عقبة بن أبي معيط، وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً، وكان يدعو إلى الطعام من أهل مكة من أحب وأراد، وكان يكثر مجالسة النبيّ ، ويعجبه حديثه.
فقدم ذات يوم من سفره وصنع طعاماً، ودعا رسول الله إلى طعامه، فأتاه رسول الله ، فلما قدم الطعام إليه، فأبى أن يأكل وقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وكان عندهم من العار أن يخرج من عندهم أحدهم قبل أن يأكل شيئاً، فألح على رسول الله أن يأكل، فلم يأكل، فشهد بذلك عقبة، فأكل النبيّ من طعامه، وكان أبيُّ بن خلف الجمحي غائباً، وكان خليله، فلما قدم أخبر ذلك، فأتاه فقال: صبوت يا عقبة.
فقال: لا والله ما صبوت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت، فطعم.
فقال له: ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً حتى تأتيه، فتبزق في وجهه، وتشتمه وتكذبه، ففعل ذلك (١) وروي عن أنس بن مالك أنه قال: يعض عقبة بن أبي معيط على يديه يوم القيامة، فيأكل لحم يديه حتى يبلغ العضد من الندامة، وهو يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يعني: اتخذت طريق الهدى، وكنت معه على الإسلام.
قوله عز وجل: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني: أبيَّ بن خلف.
ويقال: إنما قال فُلاناً ولم يذكر اسمه لحقارته لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ يعني: عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَنِي أي حين جاءني ويقال: إنه لم يذكر اسمه، لأنه دخل فيه جميع الظالمين، لأن مَنْ صَنَع مِثْلَ هَذَا الصَّنِيع يكون هذا جزاؤه، وقتل عقبة يوم بدر صبراً، وقتل أبيُّ بن خلف يوم أحد ويقال لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا، يعني: الشيطان بدليل قوله عز وجل: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا يعني: يتبرأ منه يوم القيامة، ونزل فيه: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف: 67] .
ثم قال عز وجل: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً يعني: متروكاً لا يؤمنون به، ولا يعملون بما فيه.
وقال القتبي: يعني: جعلوه كالهذيان.
ويقال: فلان يهجر في منامه، أي يهذي.
وقال مجاهد: يهجرون منه بالقول، يعني: يقولون فيه بالقبيح، فبين الشكاية من رسول الله إلى الرب عز وجل، ثم أن الله عزَّ وجلَّ عزاه وأخبره أن الرسل من قبله كانوا يتأذون بقومهم، فذلك قوله عز وجل: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ يعني: من المشركين، فيهجرون الكتاب.
ثم قال: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً يعني: هادِياً إلى دينه من كان أهلا لذلك.
ويقال: وَكَفى بِرَبِّكَ حافظاً على الدين وَنَصِيراً، أي مانعاً.
ويقال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا يعني: فرعوناً، كما جعلنا أبا جهل فرعونك، ويقال: سلطنا على كل نبي متكبراً ليتكبر عليه ويكذبه ويؤذيه.
وروي في الخبر: «لو أن مؤمناً ارتقى على ذروة جبل، لقيّض الله تعالى إليه منافقاً يؤذيه، فيؤجر عليه وَكَفى بِرَبِّكَ يعني: اكتف بربك واصبر على أذاهم، صار هادِياً وَنَصِيراً نصباً على الحال، أي: وكفى بربك في حال الهداية والنصرة ويقال: الباء زائدة للصلة.
ومعناه: كفى بربك هادِياً إلى دينه وَنَصِيراً أي مانعا.
(١) عزاه السيوطي: 6/ 250 إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.
<div class="verse-tafsir"
عباس «١» وغيره، ومعنى هذه الآية: جعلنا أَعمالهم لا حُكْمَ لها ولا منزلة، ووصف تعالى الهباء في هذه الآية بمنثور، ووصفه في غيرها بمُنْبَثٍّ، فقالت فرقة: هما سواء، وقالت فرقة: المُنْبَثُّ: أرَقُّ وأَدَقُّ من المنثورِ لأَنَّ المنثورَ يقتضي أَنَّ غيره نَثَرَهُ، والمُنْبَثَّ كأنه انبثَّ من دِقَّتِهِ.
وقوله تعالى: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ذهب ابن عباس والنَّخَعِيُّ وابن جريج: إلى أَن حساب الخلق يَكْمُلُ في وقت ارتفاع النهار، وَيَقِيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فالمقيل: القائلة «٢» .
قال ع: ويُحْتَمَلُ أَنَّ اللفظة إنَّما تضمنت تفضيلَ الجَنَّةِ جُمْلَةً، وحُسْنَ هوائها فالعرب تفضِّل البلادَ بحُسنِ المقيل لأَنَّ وقت القائلة يُبْدِي فسادَ هواء البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء حسناً حاز الفضل، وعلى ذلك شواهد.
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ يريد: يومَ القيامة.
ص: بِالْغَمامِ الباء: للحال، أي: متغيمة، أو للسبب، أو بمعنى «عن» ، انتهى.
وفي قوله تعالى: وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً: دليل على أَنَّهُ سهل على المؤمنين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «إنَّ اللهَ لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ أَخَفَّ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلاَّهَا فِي الدُّنْيَا» .
وعضُّ اليدين هو فعل النادم قال ابن عباس وجماعةٌ من المفسرين: الظالم في هذه الآية عُقْبَةُ بْنُ أبي معِيطٍ وذلك أَنَّهُ كان أسلم أو جَنَحَ إلى الإسلام، وكان أُبَيُّ بنُ خلف الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلّم بيده يوم أحد خليلا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " تَشَّقَّقُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَأدْغَمُوا التّاءَ في الشِّينِ، لِأنَّ الأصْلَ: تَتَشَقَّقُ.
قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: تَتَشَقَّقُ السَّماءُ عَنِ الغَمامِ، وتَنْزِلُ فِيهِ المَلائِكَةُ، و " عَلى " و " عَنْ " و " الباءُ " في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنًى واحِدٍ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ، وبِالقَوْسِ، وعَلى القَوْسِ؛ والمَعْنى واحِدٌ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: تَتَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ، كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ، وخَرَجَ بِثِيابِهِ، وإنَّما تَتَشَقَّقُ السَّماءُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتَشَقَّقُ السَّماءُ عَنِ الغَمامِ، وهو الغَيْمُ الأبْيَضُ، وتَنْزِلُ المَلائِكَةُ في الغَمامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِالسَّماءِ: السَّماواتُ، تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ، وهو غَمامٌ أبْيَضُ كَهَيْئَةِ الضَّبابِ، فَتَنْزِلُ المَلائِكَةُ عِنْدَ انْشِقاقِها.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ونُنْزِلُ " بِنُونَيْنِ: الأُولى مَضْمُومَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ، واللّامُ مَضْمُومَةٌ، و " المَلائِكَةَ " نَصْبًا.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " ونَزَّلَ " بِنُونٍ واحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ونَصْبِ الزّايِ وتَشْدِيدِها وفَتْحِ اللّامِ ونَصْبِ " المَلائِكَةَ " .
وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ: " ونَزَلَ " بِفَتْحِ النُّونِ واللّامِ والزّايِ والتَّخْفِيفِ " المَلائِكَةُ " بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: المُلْكُ الَّذِي هو المُلْكُ حَقًّا لِلرَّحْمَنِ.
فَأمّا العَسِيرُ، فَهو العَصَبُ الشَّدِيدُ يَشْتَدُّ عَلى الكُفّارِ، ويَهُونُ عَلى المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ كَمِقْدارِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ كانَ يَحْضُرُ [عِنْدَ] رَسُولِ اللَّهِ ويُجالِسُهُ مِن غَيْرِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ عُقْبَةَ دَعا قَوْمًا فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ لِطَعامٍ فَأكَلُوا، وأبى رَسُولُ اللَّهِ أنْ يَأْكُلَ، وقالَ: " لا آكُلُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ "، فَشَهِدَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وكانَ خَلِيلًا لَهُ، فَقالَ: صَبَوْتَ يا عُقْبَةُ؟!
فَقالَ: لا واللَّهِ، ولَكِنَّهُ أبى أنْ يَأْكُلَ حَتّى قُلْتُ ذَلِكَ، ولَيْسَ مِن نَفْسِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ عُقْبَةَ كانَ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقالَ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ تابَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وارْتَدَّ لِرِضا أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
فَأمّا الظّالِمُ [المَذْكُورُ] هاهُنا، فَهو الكافِرُ، وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
قالَ عَطاءٌ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتّى تَذْهَبا إلى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَنْبُتانِ، فَلا يَزالُ هَكَذا كُلَّما نَبَتَتْ يَدُهُ أكَلَها نَدامَةً عَلى ما فَعَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ ﴾ الأكْثَرُونَ يُسَكِّنُونَ " يا لَيْتَنِي " وأبُو عَمْرٍو يُحَرِّكُها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأصْلُ التَّحْرِيكُ، لِأنَّها بِإزاءِ الكافِ الَّتِي لِلْخِطابِ، إلّا أنَّ حَرْفَ اللِّينِ تُكْرَهُ فِيهِ الحَرَكَةُ، ولِذَلِكَ أسْكَنَ مَن أسْكَنَ؛ والمَعْنى: لَيْتَنِي اتَّبَعْتُهُ فاتَّخَذْتُ مَعَهُ طَرِيقًا إلى الهُدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَنى أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
والثّالِثُ: الشَّيْطانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما يُكْنى مَن يُخافُ المُبادَأةُ أوْ يَحْتاجُ إلى المُداجاةِ، فَما وجْهُ الكِنايَةِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ بِالظّالِمِ: كُلَّ ظالِمٍ، وأرادَ بِفُلانٍ: كُلَّ مَن أُطِيعَ في مَعْصِيَةٍ وأُرْضِيَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَخْصٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ﴾ أيْ: صَرَفَنِي عَنِ القُرْآنِ والإيمانِ بِهِ ﴿ بَعْدَ إذْ جاءَنِي ﴾ مَعَ الرَّسُولِ، وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ ﴿ خَذُولا ﴾ يَتَبَرَّأُ [مِنهُ] في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا ﴾ ﴿ يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ ﴿ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا ﴾ ﴿ وَقالَ الرَسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا ﴾ "يَوْمَ" ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، و "عَضُّ اليَدَيْنِ" هو فِعْلُ النادِمُ المَلْهُوفِ المُتَفَجِّعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "الظالِمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ ؛ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أسْلَمَ أو جَنَحَ لِلْإسْلامِ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ خَلِيلًا لِعُقْبَةَ، فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ، فَقَبِلَ نَهْيَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، فالظالِمْ عُقْبَةُ، وفُلانٌ أُبَيٌّ.
وفي بَعْضِ الرِواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الظالِمْ أُبَيٌّ، فَإنَّهُ كانَ يَحْضُرُ إلى النَبِيِّ ، فَنَهاهُ عُقْبَةُ، فَأطاعَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن أدْخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقَدْ وهِمْ، إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى "الظالِمُ" اسْمَ جِنْسٍ.
وَقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءَ: الظالِمُ: اسْمُ جِنْسٍ، وفُلانٌ: الشَيْطانُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "الظالِمْ" عامٌّ، وأنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ تَعْظِيمُ يَوْمٍ يَتَبَرَّأُ فِيهِ الظالِمُونَ مِن خُلّانِهِمُ الَّذِينَ أمَرُوهم بِالظُلْمِ، فَلَمّا كانَ خَلِيلُ كُلِّ ظالِمْ غَيْرَ خَلِيلِ الآخَرِ، وكانَ كُلُّ ظالِمْ يُسَمِّي رَجُلًا خاصًّا بِهِ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "فُلانٍ" الَّذِي فِيهِ الشِياعُ التامُّ، ومَعْناهُ واحِدٌ عَنِ الناسِ، ولَيْسَ مِن ظالِمْ إلّا ولَهُ في دُنْياهُ خَلِيلٌ يُعِينُهُ ويُحَرِّضُهُ، هَذا في الأغْلَبِ، ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وتَرَتُّبَ هَذِهِ المَعانِي كانَ عُقْبَةَ وأُبَيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الرَسُولِ ﴾ يُقَوِّي ذَلِكَ بِأنْ يَجْعَلَ تَعْرِيفَ "الرَسُولِ" لِلْعَهْدِ، والإشارَةِ إلى مُحَمَّدٍ ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ التَعْرِيفُ لِلْجِنْسِ.
وكُلُّهم قَرَأ "لَيْتَنِي" ساكِنَةَ الياءِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ حَرَّكَ الياءَ في "لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ"، ورَواها أبُو حامِدٍ عن نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، و "السَبِيلُ" المُتَمَنّاةُ هي طَرِيقُ الآخِرَةِ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ لِكُلِّ ذِي نُهْيَةٍ تَنْبِيهٌ عَلى تَجَنُّبِ قَرِينِ السُوءِ، والأحادِيثُ والحِكَمُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يا ويْلَتى" التاءُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ الياءِ فِي: يا ويْلِي، والألِفُ هي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: يا غُلامًا، وهي لُغَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإمالَةِ: "يا ويْلَتى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وَتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ الياءُ "يا ويْلَتى"، فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ أوَّلًا.
و "الذِكْرُ" هو ما ذَكَرَ بِهِ الإنْسانُ أمْرَ آخِرَتِهِ مِن قُرْآنٍ أو مَوْعِظَةٍ ونَحْوِهِ.
﴿ وَكانَ الشَيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الظالِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الدَلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَحْذِيرِ مِنَ الشَيْطانِ الَّذِي بَلَغَ ثَمَّ ذَلِكَ المَبْلَغَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الرَسُولُ ﴾ حِكايَةٌ عن قَوْلِ رَسُولِ اللهِ في الدُنْيا، وتَشَكِّيهِ ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الظاهِرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ عن قَوْلِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "قَوْمِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِها.
و "مَهْجُورًا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا، [وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ] مِنَ الهُجْرِ (بِضَمِ الهاءِ) إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ وكَهانَةٌ وسِحْرٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَخَعِيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقُولُ ابْنُ زَيْدٍ: هو تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُلازَمَةِ المُصْحَفِ، وألّا تَكُونَ الغَبَرَةُ تَعْلُوهُ في البُيُوتِ ويُشْتَغَلُ بِغَيْرِهِ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «مَن عَلَّقَ مُصْحَفًا ولَمْ يَتَعاهَدْهُ أتى يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، يَقُولُ: هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ يا رَبِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ».
ثُمْ آنَسَهُ عن فِعْلِ قَوْمِهِ بِأنْ أعْلَمَهُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ كَذَلِكَ امْتُحِنَ بِأعْداءٍ في زَمَنِهِ، أيْ: فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و "عَدُوًّا" يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، تَقُولُ: "هَؤُلاءِ عَدُوٌّ لِي"، فَتَصِفُ بِهِ الجَمْعَ والواحِدَ والمُؤَنَّثَ، ثُمْ وعَدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا ﴾ ، والباءُ في "بِرَبِّكَ" لِلتَّأْكِيدِ، دالَّةٌ عَلى المَعْنى، إذْ هُوَ: اكْتَفِ بِرَبِّكَ.
<div class="verse-tafsir"
هذا هو ذلك اليوم أعيد الكلام عليه باعتبار حال آخر من أحوال المشركين فيه، أو باعتبار حال بعض المشركين المقصود من الآية.
والتعريف في ﴿ الظالم ﴾ يجوز أن يكون للاستغراق.
والمراد بالظلم الشرك فيعم جميع المشركين الذين أشركوا بعد ظهور الدعوة المحمدية بقرينة قوله: ﴿ يقول يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً ﴾ إعلاماً بما لا تخلو عنه من صحبة بعضهم مع بعض وإغراء بعضهم بعضاً على مناوأة الإسلام.
ويجوز أن يكون للعهد المخصوص.
والمراد بالظلم الاعتداء الخاص المعهود من قصة معينة وهي قصة عقبة بن أبِي معيْط وما أغراه به أُبَيّ بن خلف.
قال الواحدي وغيره عن الشعبي وغيره: كان عقبة بن أبي مَعيط خليلاً لأمية بن خلف، وكان عقبة لا يقدَم من سفر إلا صنع طعاماً ودعا إليه أشرافَ قومه، وكان يُكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدِم من بعض أسفاره فصنع طعاماً ودعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم فلما قرّبوا الطعام قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم: ما أنا بآكل من طعامك حتى تَشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فأكل رسول الله من طعامه.
وكان أُبَيّ بن خلف غائباً فلما قدم أُخبر بقضيته، فقال: صَبَأتَ يا عقبةُ، قال: والله ما صبأتُ ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يأكل من طعامي حتى أشهد له، فاستحييتُ أن يخرج من بيتي ولم يَطْعَم، فشهدتُ له فطَعِم، فقال أُبَيّ: ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً إلاّ أن تأتيه فتبصق في وجهه، فكفَر عقبة وأخذ في امتثال ما أمره به أبيّ بن خلف، فيكون المراد ب (فلان) الكناية عن أبَيّ بن خلف فخصوصه يقتضي لحاق أمثاله من المشركين الذين أطاعوا أخلّتهم في الشرك ولم يتّبِعُوا سبيل الرسول، ولا يخلو أحد من المشركين عن خليل مشرك مثله يصدّه عن متابعة الإسلام إذا هَمّ به ويثْبِته على دين الشرك فيتندم يوم الجزاء على طاعته ويذكره باسمه.
والعَضّ: الشدّ بالأسنان على الشيء ليُؤلمه أو ليُمسكه، وحقه التعدية بنفسه إلا أنه كثرت تعديته ب ﴿ على ﴾ لإفادة التمكن من المعضوض إذا قصدوا عضّاً شديداً كما في هذه الآية.
والعضّ على اليد كناية عن الندامة لأنهم تعارفوا في بعض أغراض الكلام أن يصحبوها بحركات بالجسد مثل التّشذر، وهو رفع اليد عند كلام الغضب قال، لبيد: غُلْب تشذّر بالدخول كأنهم *** جن البدي رواسياً أقدامها ومثل وضع اليد على الفم عند التعجب.
قال تعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيديهم في أفواههم ﴾ [إبراهيم: 9].
ومنه في الندم قرع السن بالأصبع، وعَضّ السبابة، وعَضّ اليد.
ويقال: حَرَّق أسنانه وحرّق الأُرَّم (بوزن رُكَّع) الأضراس أو أطراف الأصابع، وفي الغيظ عضّ الأنامل قال تعالى: ﴿ عَضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ في سورة [آل عمران: 119]، وكانت كناياتتٍ بناء على ما يلازمها في العرف من معان نفسية، وأصل نشأتها عن تهيج القوة العصبية من جراء غضب أو تلهف.
والرّسول: هو المعهود وهو محمد صلى الله عليه وسلم واتخاذ السبيل: أخذه، وأصل الأخذ: التناول باليد، فأطلق هنا على قصد السير فيه قال تعالى: ﴿ واتّخذ سبيله في البحر ﴾ [الكهف: 63].
و ﴿ مع الرسول ﴾ أي متابعاً للرسول كما يتابع المسافر دليلاً يسلك به أحسن الطرق وأفضاها إلى المكان المقصود.
وإنما عُدل عن الإتيان بفعل الاتباع ونحوه بأن يقال: يا ليتني اتبعتُ الرسول، إلى هذا التركيب المطنب لأن في هذا التركيب تمثيل هيئة الاقتداء بهيئة مُسايَرة الدليللِ تمثيلاً محتوياً على تشبيه دعوة الرسول بالسبيل، ومتضمناً تشبيه ما يحصل عن سلوك ذلك السبيل من النجاة ببلوغ السائر إلى الموضع المقصود، فكان حصول هذه المعاني صائراً بالإطناب إلى إيجاز، وأما لفظ المتابعة فقد شاع إطلاقه على الاقتداء فهو غير مشعر بهذا التمثيل.
وعُلِم أن هذا السبيل سبيلُ نجاح مَن تمناه لأن التمني طلب الأمر المحبوب العزيز المنال.
و ﴿ يا ليتني ﴾ نداء للكلام الدال على التمني بتنزيل الكلمة منزلة العاقل الذي يطلب حضوره لأن الحاجة تدعو إليه في حالة الندامة، كأنه يقول: هذا مقامُك فاحضري، على نحو قوله: ﴿ يا حَسْرَتَنا على ما فرطنا فيها ﴾ في سورة [الأنعام: 31].
وهذا النداء يزيد المتمني استبعاداً للحصول.
وكذلك قوله: ﴿ يا وَيْلَتَا ﴾ هو تحسّر بطريق نداء الويل.
والويل: سوء الحال، والألف عوض عن ياء المتكلم، وهو تعويض مشهور في نداء المضاف إلى ياء المتكلم.
وقد تقدم الكلام على الويل في قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يَكْتُبون الكتاب ﴾ في سورة [البقرة: 79].
وعلى ﴿ يا وَيْلَتنا ﴾ في قوله: ﴿ يا ويْلَتَنا مَالِ هَذَا الكتاب ﴾ في سورة [الكهف: 49].
وأتبَع التحسّرَ بتمني أن لا يكون ﴿ اتّخذ فلاناً خليلاً ﴾ .
وجملة ﴿ ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً ﴾ بدل من جملة ﴿ ليتني اتّخذتُ مع الرسول سبيلاً ﴾ بدل اشتمال لأن اتباع سبيل الرسول يشتمل على نبذ خُلّة الذين يصدون عن سبيله فتمني وقوع أولهما يشتمل على تمني وقوع الثاني.
وجملة ﴿ يا ويلتا ﴾ معترضة بين جملة ﴿ يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ﴾ وجملة ﴿ ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً ﴾ .
و (فلان): اسم يكنّى عمّن لا يُذكر اسمه العلَمُ، كما يُكنّى ب (فلانة) عمّن لا يُراد ذكر اسمها العلم، سواء كان ذلك في الحكاية أم في غيرها.
قاله ابن السكيت وابن مالك خلافاً لابن السراج وابننِ الحاجب في اشتراط وقوعه في حكايةٍ بالقول، فيعامل (فلانُ) معاملةَ العَلَم المقرون بالنون الزائدة و(فلانة) معاملة العَلَم المقترن بهاء التأنيث، وقد جمعهما قول الشاعر: ألاَ قاتل اللَّه الوشَاةَ وقولَهم *** فُلانة أضحت خُلة لفلان أراد نفسه وحبيبته.
وقال المَرار العبسي: وإذا فلان مات عن أُكرومة *** دَفعوا معاوز فقده بفلان أراد: إذا مات مَن له اسم منهم أخلفوه بغيره في السؤدد، وكذلك قول معن بن أوس: وحتى سألتُ القَرض من كل ذي *** الغنى ورَدّ فلان حاجتي وفلان وقال أبو زيد في «نوادره»: أنشدني المفضل لرجل من ضبة هلك منذ أكثر من مائة سنة، أي في أواسط القرن الأول للهجرة: إن لسعد عندنا ديواناً *** يخزي فلاناً وابنَه فلاناً والداعي إلى الكناية بفلان إما قصد إخفاء اسمه خيفة عليه أو خيفة من أهلهم أو للجهل به، أو لعدم الفائدة لذكره، أو لقصد نوع من له اسمٌ عَلَم.
وهذان الأخيران هما اللذان يجريان في هذه الآية إن حُمِلت على إرادة خصوص عُقبة وأُبَيَ أو حملت على إرادة كل مشرك له خليل صَدّه عن اتّباع الإسلام.
وإنّما تمنّى أن لا يكون اتّخذه خليلاً دون تمنِّي أن يكون عصاه فيما سوّل له قصداً للاشمئزاز من خلّته من أصلها إذ كان الإضلال من أحوالها.
وفيه إيماء إلى أن شأن الخُلّة الثقة بالخليل وحمل مشورته على النصح فلا ينبغي أن يضع المرءُ خلّته إلا حيث يوقن بالسلامة من إشارات السوء قال الله تعالى ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا بطانةً من دُونِكم لا يألونكم خبالاً ﴾ [آل عمران: 118] فعلى من يريد اصطفاء خليل أن يسير سيرته في خُويصّته فإنه سيحمل من يخالّه على ما يسير به لنفسه، وقد قال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهُذلي: فأول راضضٍ سُنة مَن يسيرها *** وهذا عندي هو محمل قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو كنتُ متّخِذاً خليلاً غيرَ ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلاً " فإن مقام النبوءة يستدعي من الأخلاق ما هو فوق مكارم الأخلاق المتعارفة في الناس فلا يليق به إلا متابعة ما لله من الكمالات بقدر الطاقة ولهذا قالت عائشة: كان خُلُقُه القرآن.
وعلمنا بهذا أن أبا بكر أفضل الأمة مكارمَ أخلاق بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي جعَلَه المخيَّرَ لخلته لو كان مُتّخذاً خليلاً غيرَ الله.
وجملة ﴿ لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ﴾ تعليلية لتمنِّيه أن لا يكون اتخذ فلاناً خليلاً بأنه قد صدر عن خُلته أعظم خسران لخليله إذ أضله عن الحق بعد أن كاد يتمكن منه.
وقوله: ﴿ أضلني عن الذكر ﴾ معناه سوّل لي الانصراف عن الحق.
والضلال: إضاعة الطريق وخطؤه بحيث يسلك طريقاً غيرَ المقصود فيقع في غير المكان الذي أراده، وإنما وقع في أرض العدوّ أو في مَسبَعة.
ويستعار الضلال للحياد عن الحق والرشد إلى الباطل والسفه كما يستعار ضده وهو الهُدى (الذي هو إصابة الطريق) لمعرفة الحق والصواب حتى تساوى المعنيان الحقيقيان والمعنيان المجازيان لكثرة الاستعمال، ولذلك سموا الدليل الذي يَسلك بالركب الطريقَ المقصود هَادياً.
والإضلال مستعار هنا للصرف عن الحق لمناسبة استعارة السبيل لهدى الرسول وليس مستعملاً هنا في المعنى الذي غلب على الباطل بقرينة تعديته بحرف ﴿ عن ﴾ في قوله: ﴿ عن الذكر ﴾ فإنه لو كان الإضلال هو تسويل الضلال لما احتاج إلى تعديته ولكن أريد هنا متابعة التمثيل السابق.
ففي قوله: ﴿ أضلني ﴾ مكنية تقتضي تشبيه الذكر بالسبيل الموصل إلى المنجَى، وإثبات الإضلال عنه تخييل كإثبات الأظفار للمنية، فهذه نكت من بلاغة نظْم الآية.
و ﴿ الذكر ﴾ : هو القرآن، أي نهاني عن التدبر فيه والاستماع له بعد أن قاربت فهمه.
والمجيء في قوله: ﴿ إذ جاءني ﴾ مستعمل في إسماعه القرآن فكأنَّ القرآن جاءٍ حلَّ عنده.
ومنه قولهم: أتاني نبأ كذا، قال النابغة: أتاني أبيْتَ اللعن أنك لُمتَني *** فإذا حُمل الظالم في قوله: ﴿ ويوم يعضّ الظالم على يديه ﴾ على معيّن وهو عقبة بن أبي مُعيْط فمعنى مَجيء الذكر إياه أنه كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأنس إليه حتى صرفه عن ذلك أُبيُّ بن خلف وحمله على عداوته وأذاته، وإذا حُمِل الظالم على العموم فمجيء الذكر هو شيوع القرآن بينهم، وإمكان استماعهم إياه.
وإضلال خِلاّنهم إياهم صرفُ كل واحد خليلَه عن ذلك، وتعاوُن بعضهم على بعض في ذلك.
وقيل: ﴿ الذكر ﴾ : كلمة الشهادة، بناء على تخصيص الظالم بعقبة بن أبي معيط كما تقدم، وتأتي في ذلك الوجوه المتقدمة، فإن كلمة الشهادة لما كانت سببَ النجاة مثلت بسبيل الرسول الهادي، ومُثل الصرف عنها بالإضلال عن السبيل.
و ﴿ إذْ ﴾ ظرف للزمن الماضي، أي بعد وقتتٍ جاءني فيه الذكر، والإتيان بالظرف هنا دون أن يقال: بعد ما جاءني، أو بعد أن جاءني، للإشارة إلى شدة التمكن من الذكر لأنه قد استقر في زمن وتحقق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وما كان الله لِيُضِلّ قوماً بعد إذْ هداهم ﴾ [التوبة: 115] أي تمكن هديه منهم.
وجملة ﴿ وكان الشيطان للإنسان خَذولاً ﴾ تذييل من كلام الله تعالى لا من كلام الظالم تنبيها للناس على أن كل هذا الإضلال من عمل الشيطان فهو الذي يسوّل لخليل الظالم إضلال خليله لأن الشيطان خذول الإنسان، أي مجبول على شدة خذله.
والخذل: ترك نصر المستنجِد مع القدرة على نصره، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وإن يَخْذُلْكم فَمَنْ ذَا الذي يَنصرُكُم مِن بَعده ﴾ في سورة [آل عمران: 160].
فإذا أعان على الهزيمة فهو أشد الخذل، وهو المقصود من صيغة المبالغة في وصف الشيطان بخذل الإنسان لأن الشيطان يكيد الإنسان فيورطه في الضر فهو خذول.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى عَلى الغَمامِ كَما يُقالُ رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ويَكُونُ المُرادُ بِهِ الغَمامَ المَعْهُودَ والَّذِي دُونَ السَّماءِ لِأنَّهُ يَبْقى دُونَها إذا انْشَقَّتْ غَمامٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غَمامٌ أبْيَضُ يَكُونُ في السَّماءِ يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِثْلَ الَّذِي أظَلُّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ قالَ في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ فَتَنْشَقُّ السَّماءُ فَيَخْرُجُ مِنها.
﴿ وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَّلاقِ.
الَّذِي يَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ.
وَفِي نُزُولِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيُبَشِّرُوا المُؤْمِنَ بِالجَنَّةِ، والكافِرَ بِالنّارِ.
الثّانِي: لِيَكُونَ مَعَ كُلِّ نَفْسٍ سائِقٌ وشَهِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ قِيلَ هو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.
﴿ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَبِيلًا بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: طَرِيقًا إلى النَّجاةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: وسِيلَةٌ عِنْدَ الرَّسُولِ يَكُونُ وصْلَةً إلَيْهِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
﴿ يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّيْطانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَكَرَ «أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ عُقْبَةُ وأُمَيَّةُ كانا خَلِيلَيْنِ وكانَ عُقْبَةُ يَغْشى مَجْلِسَ النَّبِيِّ ، فَقالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لَهُ: بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَوْتَ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: ما صَبَوْتُ، قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَتَبَرَّأ مِنهُ، فَأتى عُقْبَةُ رَسُولَ اللَّهِ فَتَفَلَ عَلى وجْهِهِ وتَبَرَّأ مِنهُ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مُخْبِرًا عَمّا يَصِيرُ إلَيْهِ ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ ﴾ الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها» .
وفُلانٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: «ان أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش: صبا أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلاً فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟
فقالت: أشد مما كان أمراً فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟
فقالت: صبأ.
فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه، فلم يرد عليه التحية فقال: ما لك.
لا ترد عليَّ تحيتي؟
فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟
قال: أوقد فعلتها قريش؟!
قال: نعم.
قال فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت قال: نأتيه في مجلسه، وتبصق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم.
ففعل، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن مسح وجهه من البصاق، ثم التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراً.
فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه، أبى أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً فقالوا: لك جمل أحمر لا يُدْرَكَ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين، وحل به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيراً في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟
قال: نعم.
بما بصقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان الشيطان للإِنسان خذولاً ﴾ » .
وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
فقال: أطعم يا ابن أخي.
قال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول...
فشهد بذلك وطعم من طعامه.
فبلغ ذلك أُبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟- وكان خليله- فقال: لا والله ما صبوت.
ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له، فطعم.
فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه.
ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: «كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فزجره عقبة بن أبي معيط، فنزل ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان الشيطان للإِنسان خذولاً ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن مقسم مولى ابن عباس قال: «إن عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف الجمحي التقيا.
فقال عقبة بن أبي معيط لأبي بن خلف- وكانا خليلين في الجاهلية- وكان أبي قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإِسلام، فلما سمع بذلك عقبة قال: لا أرضى عنك حتى تأتي محمداً فتتفل في وجهه وتشمته وتكذبه.
قال: فلم يسلطه الله على ذلك.
فلما كان يوم بدر، أسر عقبة بن أبي معيط في الأسارى فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يقتله فقال عقبة: يا محمد أمن بين هؤلاء أقتل؟
قال: نعم.
قال: بم؟
قال: بكفرك وفجورك وعتوك على الله وعلى رسوله، فقام إليه علي بن أبي طالب فضرب عنقه.
وأما أبي بن خلف فقال: والله لا قتلن محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
فافزعه ذلك فوقعت في نفسه لأنهم لم يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولاً إلا كان حقاً، فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين، فجعل يلتمس غفلة النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل عليه.
فيحول رجل من المسلمين بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينه.
فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: خلفوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها، فوقعت ترقوته، فلم يخرج منه كبير دم واحتقن الدم في جوفه، فخار كما يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور وقالوا: ما هذا؟!
فوالله ما بك إلا خدش فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال: أنا أقتله، والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم.
قال: فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى مات إلى النار، وأنزل الله فيه ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان الشيطان للإِنسان خذولاً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سابط قال: «صنع أبي بن خلف طعاماً ثم أتى مجلساً فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قوموا.
فقاموا غير النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أقوم حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فتشهد.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه عقبة بن أبي معيط فقال: قلت: كذا وكذا قال: إنما أردت لطعامنا فذلك قوله: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ » وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: «عقبة بن أبي معيط دعا مجلساً فيه النبي صلى الله عليه وسلم لطعام، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل وقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فلقيه أمية بن خلف فقال: أقد صبوت؟
فقال: إن أخاك على ما تعلم ولكن صنعت طعاماً فأبى أن يأكل حتى قلت ذلك، فقلته وليس من نفسي» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام في قوله: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: يأكل كفيه ندامة حتى يبلغ منكبه لا يجد مسها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: يأكل يده ثم تنبت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: بلغني أنه يعضه حتى يكسر العظم ثم يعود.
وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في أمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: هذا عقبة.
﴿ لم أتخذ فلاناً خليلاً ﴾ قال: أمية وكان عقبة خدناً لأمية فبلغ أمية أن عقبة يريد الإِسلام، فأتاه وقال وجهي من وجهك حرام إن أسلمت أن أكلمك أبداً.
ففعل، فنزلت هذه الآية فيهما.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ لم أتخذ فلاناً خليلاً ﴾ قال: عقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف كانا متواخيين في الجاهلية يقول أمية بن خلف: يا ليتني لم أتخذ عقبة بن أبي معيط خليلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: «نزلت في عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عقبة في حاجة وقد صنع طعاماً للناس، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعامه قال: لا...
حتى تسلم.
فأسلم فأكل...
وبلغ الخبر أبي بن خلف، فأتى عقبة فذكر له ما صنع فقال له عقبة أترى مثل محمد يدخل منزلي وفيه طعام ثم يخرج ولا يأكل!
قال: فوجهي من وجهك حرام حتى ترجع عما دخلت فيه.
فرجع.
فنزلت الآية» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ قال: أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط.
وهما الخليلان في جهنم على منبر من نار.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً من قريش كان يغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيه رجل من قريش- وكان له صديقاً- فلم يزل به حتى صرفه وصده عن غشيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهما ما تسمعون.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وكان الشيطان للإِنسان خذولاً ﴾ قال: خذل يوم القيامة وتبرأ منه ﴿ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ هذا قول نبيكم يشتكي قومه إلى ربه قال الله يعزي نبيه: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين ﴾ يقول: إن الرسل قد لقيت هذا من قومها قبلك فلا يكبرن عليك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ قال: يهجرون فيه بالقول السيء.
يقولون: هذا سحر.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ قالوا: فيه هجيراً غير الحق.
ألم تر المريض إذا هذى قيل: هجر؟
أي قال: غير الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين ﴾ قال: لم يبعث نبي قط إلا كان المجرمون له أعداء.
ولم يبعث نبي قط إلا كان بعض المجرمين أشد عليه من بعض.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين ﴾ قال: كان عدوّ النبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل، وعدوّ موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين ﴾ قال: يوطن محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاعل له عدوّاً من المجرمين كما جعل لمن قبله.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ ﴾ عض اليدين كناية عن الندم والحسرة، والظالم هنا عقبة بن أبي معيط، وقيل: كل ظالم والظلم هنا الكفر ﴿ مَعَ الرسول ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، أو اسم جنس على العموم ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ﴾ روي أن عقبة جنح إلى الإسلام فنهاه أبيّ بن خلف فهو فلان، وقيل: إن عقبة نهى أبيّ بن خلف عن الإسلام، فالظالم على هذا أبيّ وفلان عقبة، وإن كان الظالم على العموم ففلاناً على العموم أي خليل كل كافر ﴿ وَكَانَ الشيطان لِلإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾ يحتمل أن يكون هذا من قول الظالم، أو ابتداء إخبار من قول الله تعالى، ويحتمل أن يريد الشيطان إبليس أو الخليل المذكور ﴿ وَقَالَ الرسول ﴾ قيل: إن هذا حكاية قوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وقيل: في الآخرة ﴿ مَهْجُوراً ﴾ من الهجر بمعنى البعد والترك وقيل: من الهجر بضم الهاء، أي قالوا فيه الهجر حين قالوا: إنه شعر وسحر والأول أظهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشقق ﴾ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة "ق":عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو.
والآخرون بالتشديد للإدغام.
﴿ وننزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير.
الباقون ﴿ وينزل ﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع.
﴿ يا ليتني اتخذت ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو عمرو ﴿ قومي اتخذوا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ وثمود ﴾ بغير تنوين في الحالين: حمزة وسهل ويعقوب وحفص.
الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ بشراً ﴾ مذكور في "الأعراف".
﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ ونسقيه ﴾ بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها.
الوقوف: ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ط ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ مقيلاً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ للرحمن ﴾ ط ﴿ عسيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ إذ جاءني ﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله ظاهراً، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم.
﴿ خذولاً ﴾ ه ﴿ مهجوراً ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ط ﴿ ونصيراً ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿ كذلك ﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم اضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت.
﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ تفسيراً ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ جهنم ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ وزيراً ﴾ ه ج للآية ولفاء العطف ﴿ بآياتنا ﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿ فدمرناهم تدميراً ﴾ 5ط لأن ﴿ قوم نوح ﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿ آية ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ أليما ﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿ عاداً ﴾ على الضمير في ﴿ جعلناهم ﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ الأمثال ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ﴿ يرونها ﴾ لا للعطف مع الإضراب.
﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعقلون ﴾ ه ج لابتداء النفي ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الظل ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلىالشرط مع اتحاد المقصود ﴿ ساكناً ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ دليلاً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ج للعدول ﴿ طهوراً ﴾ ه ج لتعلق اللام ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ليذكروا ﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقاً يكون أسهل إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على المطلوب، فلو كان محمد صادقاً لكان مؤيداً بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه.
قال الفراء: معنى ﴿ لا يرجون ﴾ لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضاً.
واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه منزه عن ذلك بل بمعنى الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والسحاب عند المعتزلة، وقد مر في أوائل البقرة في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض قوله: ﴿ أو نرى ربنا ﴾ أي جهرة وعياناً فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا.
قال جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وإنه لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون، وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ .
ثم إنه أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه.
ثم نسبهم إلى الإفراط في الظلم بقوله ﴿ وعتواً ﴾ ثم وصف العتوّ بالكبر.
قال جار الله: اللام جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوّهم!
وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت دلالة نبوّة محمد فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض الاستكبار والاستنكار.
وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان ايضاً من جملة المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح.
وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد.
ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي.
وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء.
وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم.
وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ على أن رؤية الله مرجوّة.
واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ لقد استكبروا ﴾ ﴿ وعتواً ﴾ أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب ﴿ يوم يرون ﴾ بإضمار "اذكر" فيكون ﴿ لا بشرى ﴾ مستأنفاً أو بما دل عليه ﴿ لا بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق.
﴿ يومئذ ﴾ للتكرير وقوله ﴿ للمجرمين ﴾ ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر.
أما قوله: ﴿ حجراً محجوراً ﴾ فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟
فيقول: حجراً.
وقد ذكره سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو "معاذ الله وعمرك الله ومعناه منعاً" اي اسال الله أن يمنع ذلك منعاً كما أن المستعيذ طالب من الله عز وجل أن يمنع المكروه.
ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال "شعر شاعر وجد جده".
والأكثرون على أن القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا يقولونه عند نزول كل شدّة.
وقيل: هم الملائكة ومعناه حراماً محرّماً أي جعل الله الجنة والغفران أو البشرى حراماً عليكم.
يروى أن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجراً محجوراً.
وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجراً محجوراً.
وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجراً محجوراً.
ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى اشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فافسدها بحيث لم يترك منها أثراً وإلا فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه عن الجسمية وصفاتها.
قال أهل المعاني: القادم إلى لاشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم المسبب على السبب مجازاً.
وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلا موضع الحساب في الآخرة.
والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار.
وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته.
وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك تراه منتظماً مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب.
والمراد: جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه.
ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير ﴾ ووجه صحة التفضيل ما بين في قوله: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ أو التفاوت بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو على سبيل الفرض اي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
والسمتقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والاستمتاع بمغالتهنّ وملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول "خير مقيلاً" رمزاً إلى التحسنات الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك.
قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وعن سعيد بن جبير: إن الله إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من ايام الدنيا ثم يقولون من يومهم ذلك في الجنة.
وحاصل الاية أن أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان.
ثم أراد أن يصف أهوال يوم القيامة فقال ﴿ ويوم تشقق ﴾ أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد: قال الفراء: الباء بمعنى "عن" لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل الله الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها.
عن مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب .
قال العلماء: هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات.
وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضاً وطولاً بحيث تسع كل هؤلاء.
ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام وهو سترة بين السماء والأرض، والله فوق أهل القيامة.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصبرون سبع صفوف حول العالم.
والظاهر أن اللام في الغمام لجنس.
ومنهم من قال: هي للعهد والمعهود قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه.
ومعنى ﴿ تنزيلاً ﴾ توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
قال الزجاج ﴿ الحق ﴾ صفة الملك اي الملك الثابت الذي لا يزول ﴿ للرحمن ﴾ يومئذ ونظيره ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ويجوز أن يكون يومئذ تكريراً لقوله ﴿ ويوم تشقق ﴾ وإعرابهما واحد.
والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة.
قالت الأشاعرة: ههنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان خائفاً أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق.
وأيضاً لو كان العبد مالكاً للثواب لم يكن الله مالكاً مطلقاً بل يكون عبداً ضعيفاً لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيراً محتاجاً إلى أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟
وكان ذلك اليوم يوماً عسيراً على الكافرين لا على المؤمنين.
واللام في ﴿ الظالم ﴾ ظاهر الاستغراق والشمول أو للجنس.
وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله فأبى أن يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أُبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟
قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه لو تبزق في وجهه.
فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر علياً بقتله.
وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه وذكروا فاضلين من الصحابة وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر.
والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر غالباً ونظيره "سقط في يده وأكل من بنانه" وأمثال ذلك.
وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت.
قال جار الله: تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب به طرق الضلالة والهوى، أو اراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت لنفسي في صحبة الرسول سبيلاً.
وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس، فإِن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم اتخذ أُبياً خليلاً فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم فجعله كناية عن.
قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية.
لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان.
لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله : ﴿ يقول يا ليتني ﴾ الخ.
والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة.
أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل وخالف الرسول ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن من الجن والإنس.
ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول وشكاهم إلى الله عز وجل وقال ﴿ يا رب إن قومي ﴾ يعني قريشاً ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ أي تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به.
وعن ابي مسلم أن المراد: وقال الرسول يوم القيامة.
روي عن أنس عن النبي "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" .
وقيل: هو من هجر إذا هذى.
والجار محذوف أي جعلوه مهجوراً فيه.
وعلى هذا فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه.
والثاني أنهم كانوا إذا سمعوه لغوا فيه.
وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدراً بمعنى الهجر كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجراً.
سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح ﴿ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ فكيف صارت شكاية نوح سبباً لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا سبباً لذلك؟
الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم إياه الغاية "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" هذا مع أنه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ ﴿ وكفى بربك هادياً ونصيراً ﴾ إلى مصالح الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيراً لك على أعدائك.
ثم حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة أي مجتمعاً.
ومعنى التنزيل ههنا التعدية فقط لقريتة قوله ﴿ جملة ﴾ خلاف ما تقرر في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ لنثبت ﴾ الخ.
وتقريره من وجوه أحدها: أن محمداً لم يكن قارئاً كاتباً بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة.
وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط وأبعد عن النسيان والسهو.
وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج.
وثالثها إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة.
ورابعها أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة.
وخامسها أن نزوله مفرّقاً يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعة، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز.
وسادسها أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها.
وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل.
وللترتيل معانٍ منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة.
ومنها التأني في القراءة ومعنى ﴿ ورتلناه ﴾ أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: لا يسرد كسردكم.
هذا لو اراد السامع أن يعدّ حروفها لعدها وهو مأخوذ من ترتيل الأسنان أي تفليحها.
يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه.
ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد متقاربة.
ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ اي بسؤال عجيب من اسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم.
قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا.
ووجه آخر وهو أن يراد ﴿ ولا يأتونك ﴾ بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بياناً لما بعثت به، ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقاً منجماً فإن ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكاناً من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في صفة أهل الجنة خير مستقراً.
قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله.
عن أبي هريرة عن النبي "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون نسلاً" .
ثم ذكر طرفاً من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطاً للأذهان وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من ارسلناه فكذب وآتيناه الآيات فردّ بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد.
ومعنى الوزير تقدم في "طه".
والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً.
ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما ﴿ اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماضٍ والمعنى على الاستقبال على عادة إخبار الله .
ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف.
والتدمير الإهلاك ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل ﴾ بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحاً كأنهم لم يروا بعثة الرسل اصلاً كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم ﴿ أغرقناهم وجعلناهم ﴾ أي إغراقهم وقصتهم ﴿ للناس آية ﴾ محل اعتبار ﴿ وأعتدنا للظالمين ﴾ وهم قوم نوح أو لكل من سلك سبيلهم في التكذيب.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام اصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود.
وقيل: هم اصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطيرسميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة.
ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
وقيل: هم اصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في الحفيرة.
وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس.
وعن علي أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض.
وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها قوالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص.وروى ابن جرير بإسناده إلىالنبي : "إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما اراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين.
ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة" .
قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿ وقروناً بين ذلك ﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب "فذلك كذا" أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا ﴿ وكلاً ﴾ من الأمم والقرون ﴿ ضربنا له الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا ﴿ وكلاً تبرنا ﴾ أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ينجع فيهم ضرب المثل.
والتتبير التفتيت والتكسير.
و ﴿ كلاً ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو انذرنا أو حذرنا ﴿ كلاً ﴾ الثاني منصوب ﴿ بتبرنا ﴾ لأنه ليس بمشتغل عنه بضميره.
والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت خمساً، ومطر السوء الحجارة.
﴿ افلم يكونوا ﴾ في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى الشام ﴿ يرونها بل كانوا ﴾ قوماً كفروا بالبعث لا يتوقعون نشوراً وعاقبة فمن ثم لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار.
﴿ و ﴾ من جملة كفرهم وعنادهم أنهم ﴿ إذا رأوك يتخذونك إلا ﴾ محل هزؤ.
ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون مشيرين إليه على سبيل الاستحقار.
هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولاً بزعمه.
ويجوز أن يكون تسميته رسولاً استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار.
وفي هذا جهل عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقاً وأعدلهم مزاجاً مع أنه لم يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين اصروا على الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن أخت خالتهم إذ قالوا ﴿ إن كاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام في ﴿ ليضلنا ﴾ هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط لجاجهم وصبرهم على عبادة آلهتهم.
أطلقوا المقاربة أوّلاً ثم قيدوها بلولا الامتناعية ثانياً، وفيه أنه بذل قصارى مجهوده في دعوتهم حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم.
وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد ان يكون ضالاً في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله ﴿ وسوف يعلمون ﴾ إلى آخر الآية.
وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة.
ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال معجباً لرسوله: ﴿ أرأيت من اتخذ إِلَـٰهَهُ هواه ﴾ قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً.
ثم نفى أن يكون هو حافظاً عليهم كقوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ قال الكلبي: نسختها آية القتال.
عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر.
ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً: ﴿ أم يحسب ﴾ وهي منقطعة ومعناه "بل" أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف.
وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما.
وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ قال جار الله: جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت: ويحسن أيضاً ان يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر.
ومنهم من قال: إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار.
ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ربك أو الم تر إلى الظل كيف مده ربك.
وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع.
والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال.
وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: ﴿ وظل ممدود ﴾ ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظلمه فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلاً.
فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ أي جعله ممتداً منبسطاً على الأجسام.
﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ لاصقاً بكل مظل.
﴿ ثم جعلنا الشمس ﴾ على وجوده ﴿ دليلاً ﴾ فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: ﴿ ثم قبضناه ﴾ اي أزلنا الظل لا دفعه بل يسيراً يسيراً فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئاً بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة.
الثاني أنه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدوداً منبسطاً، ولو شاء لجعله ساكناً مستقراً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها دليلاً على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء الإظلال إلى غاية مّا من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة.
وقوله ﴿ إلينا ﴾ يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله ﴿ يسيراً ﴾ كما قال ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، والسبات الراحة قاله أبومسلم.
وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة.
قال جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
الاستدلال الثالث قوله ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ﴾ أي قدم المطر وقد مر تفسيره في "الأعراف" وأنه لم قال ههنا ﴿ أرسل ﴾ بلفظ الماضي وهناك ﴿ يرسل ﴾ أما قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ فهو علم بين الفقهاء في الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.
واعتراض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس "فعول" من "التفعيل" في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم ان الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك "ماء طهور" اي طاهر، واسم غير صفة ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهراً لغيره فكأنه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه.
ومما يؤكد هذا التفسير أنه ذكره في معرض الأنعام فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ .
ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: ههنا نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟
مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات.
وقال الشافعي وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد إعوازه أيضاً ودليله في الخبث قوله "ثم اغسليه بالماء" .
النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد.
أما الأول فلإطلاق الآية ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ والصل بقاؤه وللحديث "خلق الماء طهوراً" ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وابدانهم، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
وأما الثاني فلقوله "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانياً ولو كان طهوراً لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم.
وقال مالك والسدي: إنه طاهر مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه.
وروي "أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده" .
وعن ابن عباس " أنه اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة" ، ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه.
وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياساً للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية.
والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على الثاني.
والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات.
البحث الثاني الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء.
وإن تغير بغيره ولم يتصل به كما لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضاً مطهر،وإن اتصل به وكان طاهراً ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب فهو أيضاً مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعاً للحرج، وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء مستغنياً عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضوء به وإلا فلا خلافاً لأبي حنيفة.
حجة الشافعي أنه توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه لا يقبل الصلاة بما دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه.
قال: وأيضاً إذا اختلط ماء الولد بالماء فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بما الورد لا بالماء فيكون الحدث يقيناً والطهر مشكوكاً فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر اثره فإنه كالمعدوم.
وأيضاً الوضوء تعبد لا يعقل معناه ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص.
حجة أبي حنيفة إطلاق الآية وقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ وقوله ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها.
هذا كله إذا كان الخليط طاهراً، فإن كان نجساً فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وداود وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً.
ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله في البدن لأداء عبادة.
وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري.
قال: وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله.
ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء اربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال.
وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه.
وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، ولقوله "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" فبقي ما عداه على الأصل.
ومنها قوله : ﴿ فاغسلوا ﴾ والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح.
ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير.
ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند ابي حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها.
ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟
ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة.
وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به.
وايّ فرق بين الجاري والراكد؟
والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير.
ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟.
ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر.
ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" فضعيف.
لأن راوية مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل.
فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة.
سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل.
سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب، فقد روي "إذا بلغ الماء قلتين" وروي "إذا بلغ قلة" وروي "أربعين" "وإذا بلغ كرين" سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله.
سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً.
ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ينجس شرعاً؟
سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟
أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن كثيراً من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين قال: إنه جيد الإسناد.
فقيل له: إن ابن علية وقفه على ابن عمر.
فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه.
وقوله "القلة مجهولة" غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئاً.
وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين ايضاً بتلك المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل.
حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله : ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ وقوله ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ } [النحل: 115] وقال في الخمر ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ حرم هذه الشياء مطلقاً ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءاً من النجاسة.
وأيضاً الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضاً قال "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة" أطلق من غير فرق بين القليل والكثير.
أجاب مالك أنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم.
واعلم أنه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ ففي وصفه ههنا بكونه طهوراً إشارة إلى ذلك.
ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين.
أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق.
وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم.
قال ﴿ ميتاً ﴾ مع قوله ﴿ بلدة ﴾ بالتأنيث لأن "فيعلاً" غير جارٍ على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان.
والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن اصله أناسين فقلبت النون ياء.
و"فعيل" قد يستوي فيه الواحد والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ .
اسئلة أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء ولاسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش.
الجواب لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم وتتميماً للمنة عليهم واشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهراً غير مخالط لشيء من القاذورات.
قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر آنفاً.
السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟
الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب لاماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه.
الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟
الجواب لأن بعض الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ماء السماء احتياجاً بيناً، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله ﴿ بلدة ميتاً ﴾ قوله ﴿ ولقد صرفناه ﴾ الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها.
وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفوراً وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا استقلالاً.
فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس.
والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل.
والعرب تضيف الأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع.
فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من مطر وغيره يقال: خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده اثر علوي؟
عن ابن عباس: ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية.
ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي.
قال الجبائي: في قوله ﴿ ليذكروا ﴾ دليل على أنه أراد من الكل التذكر والإيمان.
وفي قوله ﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال للزمن مثلاً إنه أن يسعى.
وقال الكعبي: الضمير في ﴿ بينهم ﴾ لكل الناس فيكون الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن يؤمنوا ويعتبروا ومعارضة الأشاعرة معلومة.
التأويل: ﴿ ويوم تشقق السماء ﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ يومئذ ﴾ ﴿ للرحمن ﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: ﴿ وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿ على يديه ﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله .
وعن مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار.
﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي في سر ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ فلما أزهر كان زهره ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلما أثمر كانت ثمرته ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ ﴿ يحشرون على وجوههم ﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿ الم تر إلى ربك ﴾ فيه أن نبينا رآه وقد قال لموسى ﴿ لن تراني ﴾ وذلك البقاء أنانيته ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ عالم الأجسام ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ في كتم العدم ﴿ ثم جعلنا ﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير.
وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه.
وفي قوله ﴿ ثم جعلنا ﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ وهذه مرتبة الصديقين.
وقوله ﴿ ثم قبضناه ﴾ كقوله ﴿ كل شيء هالك ﴾ ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من افق العناية عند صباح الهداية: ﴿ ولو شاء لجعله ﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه ﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف.
ثم بين حكمة الإظلال بقوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم ﴾ ليلة البشرية ﴿ لباساً ﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿ وهو الذي أرسل ﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿ وأنزلنا ﴾ من سماء الكرم ﴿ ماء ﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿ لنحيي به بلدة ﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ ونسقيه ﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال "لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات.
﴿ ولقد صرفنا ﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ ليذكروا ﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿ فأبى أكثر ﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿ إلا كفوراً ﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ لاَ يَرْجُونَ ﴾ أي: لا يخافون ولا يخشون لقاءنا، أي: البعث بعد الموت.
وقال أهل الكلام: الرجاء: هو الرجاء لا الخوف، لكن جائز أن يكون في الرجاء خوف، وفي الخوف رجاء؛ لأن الرجاء الذي لا خوف فيه هو أمن، والخوف الذي لا رجاء فيه إياس، فكلاهما مذمومان: الإياس والأمن جميعاً.
وقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ : جائز أن يكون قولهم: لولا أنزل علينا الملائكة رسلا دون أن أنزل البشر رسلا إلينا؛ لإنكارهم البشر رسولا؛ كقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\].
ويحتمل قولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ : بالوحي والرسالة لنا دونك، ونحن الرؤساء والملوك والقادة دونك؛ يقولون: لو كان ما تقول حقّاً وصدقاً أنك رسول، وأنه ينزل عليك الوحي والملك فنحن أولى بالرسالة منك؛ إذ نحن الملوك والرؤساء؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وأمثال هذه الأفكار.
ثم الرسالة لمن هو دونهم في الدنياوية.
أو أن يكون ذلك؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ...
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ ﴾ أي: رسول أو نرى ربنا عيانا ونكلمه ونسأله عن ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ : الاستكبار: هو ألا يرى غيره مثلا له، ولا عدلا ولا شكلا في نفسه وأمره، فإن كان هذا فهو ما لم يروا رسول الله أهلا للرسالة وموضعاً لها؛ لفقر ذات يده وحاجته، ورأوا أنفسهم أهلا لها، فاستكبارهم هو ما لم يروا غيرهم مثلا ولا شكلاً لأنفسهم؛ فاستكبروا ولم يخضعوا لرسول الله، ولم يطيعوه، ولم يتبعوه أنفا منه، بعد علمهم أنه محق في ذلك وأنه رسول إليهم.
وقوله: ﴿ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ : قال بعضهم: العتو: هو الجرأة، وهو أشدّ من الاستكبار.
وقال بعضهم: العتو: هو الغلو في القول غلوا شديداً.
وقال بعضهم: هو من التكبر.
وقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ : قال الحسن: حجرا محجورا: كلمة من كلام العرب؛ إذ كره أحدهم الشيء قال: حجراً حرام هذا، فإذا رأوا الملائكة كرهتهم، وقال: حجراً محجورا، فعلى هذا القول الكفرة هم يقولون: حجراً محجورا؛ إذا رأوا الملائكة وما معهم من المواعيد.
قال بعضهم: إن الملائكة يتلقون المؤمنين بالبشرى على أبواب الجنة، ويقولون للكفرة: لا بشرى لكم، ويقولون: حجراً محجورا، أي: تقول الملائكة: حرام البشرى للمجرمين، أو حرام عليهم الجنة أن يدخلوها، والحجر على هذا القول هو الحرام.
وقال بعضهم: الحجر هاهنا المنع والحظر، يقولون: إنهم يمنعون ويحظرون عما طمعوا وقصدوا بعبادتهم الملائكة والأصنام التي عبدوها، حيث قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ فيقول: يمنع عنهم ما قصدوا وطمعوا بعبادتهم.
أو يكون المنع: ثواب الخيرات التي عملوها في هذه الدنيا من صلة الأرحام والصدقات ونحوها، مما هي في الظاهر خيرات منعوا ثوابها في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ ونحو ذلك كله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ : هو ما ذكرنا من الأعمال عملوها في هذه الدنيا رجاء أن يصلوا إليها في الآخرة، فجعلناها هباء منثورا.
قال أهل التأويل: ﴿ وَقَدِمْنَآ ﴾ أي: عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا من عمل.
لكن عندنا: جعلنا أعمالهم تلك في الأصل هباء منثورا.
وقال بعضهم: منبثا وهو رهج الدواب.
وقال بعضهم: الهباء المنثور: هو غبار الثياب.
وقال بعضهم: هو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس، وهو الذي يسمى: الذر.
وقال بعضهم قوله: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ أي: عوذا معاذا، يقول: المجرمون يستعيذون من الملائكة.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ : هو من التكبر، ويقال: من الخلاف: عتا عتيا؛ إذا خالف، يقال في الكلام: لا تعت علي، أي: لا تخالفني.
وقال بعضهم: هو من الشدة واليبس؛ كقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً ﴾ أي: يابسا.
وقال: ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ أي: حراما محرماً، وحجرت عليه ماله، أي: منعته من ماله أحجر حجرا.
ويقال: حجرت عينه، أي: لطخت أجفانها بشيء من الدواء.
وقوله: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ أي: لا شيء، والهباء: هباء النار، أي: رماداً يكون على أعلى النار إذا خمدت ويقال: هبت النار تهبو هبوا إذا خمدت والجمرة على حالها، إلا أنه قد غطاه ذلك الهباء، وكل شيء ليس لشيء فهو هباء، وتقول: هذا هباء، أي: لا شيء، ومنثور: قد نثر.
وقوله: ﴿ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ : وصف عز وجل أعمال الكفرة مرة بالهباء المنثور، ومرة بالرماد، ومرة بالسراب، ومرة بالتراب الذي يكون على الصفوان، وهو الحجر الأملس إذا أصابه الوابل.
ووصف أعمال المؤمنين بالثبات والقرار ونحوه.
وعن ابن مسعود - -: "لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة ثم قرأ: ﴿ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ .
وكذلك ذكر في حرفه في سورة الصافات: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴾ قرأ هو: ﴿ إن مقيلهم لإلى الجحيم ﴾ أي: إلى الجحيم.
ويشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: ﴿ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ أي: لنا أموال وجنات، وليس له من ذلك شيء، فقال جوابا لهم: ﴿ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً ﴾ : وصف السماء لهول ذلك اليوم بأوصاف وذكر لها أحوالا، فقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ ﴾ ، و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ ﴾ ونحو ذلك، وذلك في اختلاف الأوقات، يكون في كل وقت على الحال التي وصف؛ وكذلك ما وصف مرة بالهباء المنثور، ومرة كالعهن المنفوش، ومرة كثيباً مهيلا، ومرة قال: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ﴾ الآية [النمل: 88]، ونحوه من الأوصاف التي وصفها، وذلك في أوقات مختلفة، تكون في كل وقت على حال ووصف الذي وصف؛ فعلى ذلك السماء لشدة هول ذلك اليوم وفزعه.
وقوله: ﴿ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ﴾ أي: تنشق عن الغمام فتبقى بلا غمام؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْغَمَامِ ﴾ أي: يبقى الغمام فوق رءوس الخلائق يظلهم، وهذا يدل أن قوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ ﴾ إنما معناه: بظلل من الغمام؛ فإن كان على هذا فيرتفع الاشتباه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ﴾ : يحتمل إضافة ملك ذلك اليوم إليه، وإن كان الملك له في جميع الأيام في الدنيا والآخرة - وجوهاً: أحدها: لما أن ملك الآخرة ملك دائم باق بلا فناء له، وملك الدنيا جعله فانيا لا دوام ولا بقاء [له].
والثاني: [لما] يقر له جميع الخلائق بالملك له في ذلك اليوم، وإن لم يقر له البعض بملك الدنيا.
والثالث: لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وإن كان له منازع في الدنيا.
أو أن يكون المقصود بخلق هذا العالم في ذلك اليوم يظهر للخلق، ويومئذ يعلم كل أن خلقهم في الدنيا لذلك اليوم كان، لا للدنيا خاصة.
وقوله: ﴿ لِلرَّحْمَـٰنِ ﴾ : ذكر هنا الرحمن، وقال في آية أخرى: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ لتعلم العرب أن الرحمن المذكور في هذه الآية هو الله الذي لا إله إلا هو ذكر في تلك الآية؛ لأن العرب تسمي وتعرف كل معبود: إلها، ولا تعرف الرحمن معبودا ولا تسميه الرحمن، فعرفهم أن الله والرحمن اللذين ذكرهما واحد.
وقوله: ﴿ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً ﴾ : ظاهر لا شك فيه فكذلك يكون.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً...
﴾ الآية: قال بعض أهل التأويل: "نزلت الآية في عقبة بن أبي معيط؛ كان يؤاخي رسول الله ويواده، وكان رسول الله يجيبه إذا دعاه إلى طعامه، فدعا يوما رسول الله إلى طعامه فقال: لا حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد بذلك فطعم من طعامه، فبلغ ذلك أبيّ بن خلف فأتاه فقال: صبوت يا عقبة [صدقت] محمداً وأجبته إلى ما دعاك؟!!
فعيره على ذلك حتى رجع عقبة عن ذلك، وارتد عن دينه" ، وفي الحديث طول؛ فنزلت الآية في شأنه وصنيعه وندامته وحسرته على ما فعل، فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وذكر أن عقبة وأبي بن خلف قتلا: أحدهما يوم بدر، والآخر يوم أحد، ولكن الآية في كل ظالم وكل كافر يكون على ما ذكر.
ثم يحتمل قوله: ﴿ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ﴾ على التمثيل، والكناية عن الندامة والحسرة؛ لأن من اشتد به الندامة والحسرة والغيظ على شيء كاد أن يعض يديه غيظاً منه على ذلك؛ كما كنى بغل اليد عن ترك الإنفاق، وبالبسط عن كثرة الإنفاق والمجاوزة فيه؛ وكما كنى بالنبذ وراء الظهر عن ترك الانتفاع وقلة النظر فيه والاكتراث إليه، كقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ عن الرجوع ونحوه، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ ، وأمثال هذا على التمثيل والكناية عن الرجوع والثبات والأخذ والترك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون عض الأيدي كناية عن شدة الندامة والغيظ على ما حل به.
ويشبه أن يكون على التحقيق: تحقيق عض اليد، يجعل الله عقوبته بعض اليد؛ كما جعل عقوبة أنفسهم بأنفسهم؛ حيث جعل أنفسهم حطبا للنار يعذبون ويعاقبون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾ : السبيل الذي دعاه الرسول إليه.
﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ﴾ : يحتمل الإنسان، ويحتمل الشيطان، أي: لم أتخذ الشيطان خليلا، ولم أطعه فيما دعا، أو الإنسان الذي قلده فيما قلده.
وقوله: ﴿ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ عَنِ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: الشرف الذي يذكر به المرء، أضلني عن ذلك الشرف، أو أضلني عما يذكرني هذا، أو أضلني عن الذكر، أي: عن القرآن: وما فيه من الذكرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾ أي: تاركا له متبرئاً منه، يقول كما قال في آية أخرى حكاية عنه: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ ، ويقول كما قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 22] أو أن يكون كما ذكر: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25].
أو أن يكون ذلك الخذلان منه له في الدنيا يمنيه بأماني ويزين له أشياء، ثم لا يوصله إليها.
<div class="verse-tafsir"
ويقول من شدة الأسف داعيًا على نفس بالويل: يا ويلي ليتني لم اتخذ الكافر فلانًا صديقًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.mA0z5"