الآية ٤ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٤ من سورة الفرقان

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًۭا وَزُورًۭا ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار ، في قولهم عن القرآن : ( إن هذا إلا إفك ) : أي : كذب ، ( افتراه ) يعنون النبي صلى الله عليه وسلم ، ( وأعانه عليه قوم آخرون ) أي : واستعان على جمعه بقوم آخرين .

قال الله تعالى : ( فقد جاءوا ظلما وزورا ) أي : فقد افتروا هم قولا باطلا ، هم يعلمون أنه باطل ، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله، الذين اتخذوا من دونه آلهة: ما هذا القرآن الذي جاءنا به محمد ( إِلا إِفْكٌ ) يعني: إلا كذب وبهتان ( افْتَرَاهُ ) اختلقه وتخرّصه بقوله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) ذكر أنهم كانوا يقولون: إنما يعلِّم محمدا هذا الذي يجيئنا به اليهود, فذلك قوله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) يقول: وأعان محمدا على هذا الإفك الذي افتراه يهود.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) قال: يهود.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

وقوله: ( فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ) يقول تعالى ذكره: فقد أتى قائلو هذه المقالة, يعني الذين قالوا: ( إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) ظلما, يعني بالظلم نسبتهم كلام الله وتنـزيله إلى أنه إفك افتراه محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد بيَّنا فيما مضى أن معنى الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فكان ظلم قائلي هذه المقالة القرآن بقيلهم هذا وصفهم إياه بغير صفته، والزور: أصله تحسين الباطل.

فتأويل الكلام: فقد أتى هؤلاء، القوم في قيلهم ( إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) كذبا محضا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، وحدثني القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ) قال: كذبًا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الذين كفروا يعني مشركي قريش .

وقال ابن عباس : القائل منهم ذلك النضر بن الحارث ; وكذا كل ما في القرآن فيه ذكر الأساطير .

قال محمد بن إسحاق : وكان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم .

إن هذا يعني القرآن .

إلا إفك افتراه أي كذب اختلقه .

وأعانه عليه قوم آخرون يعني اليهود ; قاله مجاهد .

وقال ابن عباس : المراد بقوله : قوم آخرون أبو فكيهة مولى بني الحضرمي وعداس وجبر ، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب .

وقد مضى في ( النحل ) ذكرهم .

فقد جاءوا ظلما وزورا أي بظلم .

وقيل : المعنى فقد أتوا ظلما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وقال الكافرون بالله الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول: إن هذا القرآن كذب كذبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون.

فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور، الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام وأنه لا يمكنه، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقال الذين كفروا ) يعني : المشركين ، يعني : النضر بن الحارث وأصحابه ، ) ( إن هذا ) ما هذا القرآن ، ( إلا إفك ) كذب ، ) ( افتراه ) اختلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ( وأعانه عليه قوم آخرون ) قال مجاهد : يعني اليهود .

وقال الحسن : هو عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن .

وقيل : جبر ، ويسار ، وعداس بن عبيد ، كانوا بمكة من أهل الكتاب ، فزعم المشركون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يأخذ منهم ، قال الله تعالى : ) فقد جاءوا ) يعني قائلي هذه المقالة ، ( ظلما وزورا ) أي : بظلم وزور .

فلما حذف الباء انتصب ، يعني جاؤوا شركا وكذبا بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإفك والافتراء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الذين كفروا إن هذا» أي ما القرآن «إلا إفك» كذب «افتراه» محمد «وأعانه عليه قوم آخرون» وهم من أهل الكتاب، قال تعالى: «فقد جاءُوا ظلما وزورا» كفرا وكذبا: أي بهما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الكافرون بالله: ما هذا القرآن إلا كذب وبهتان اختلقه محمد، وأعانه على ذلك أناس آخرون، فقد ارتكبوا ظلمًا فظيعًا، وأتوا زورًا شنيعًا؛ فالقرآن ليس مما يمكن لبشر أن يختلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى أثارها المشركون حول القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَقَالَ الذين كفروا .

.

.

.

) .الإفك : أسوأ الكذب .

يقال : أفك فلان - كضرب وعلم - أفكا ، إذا قال أشنع الكذب وأقبحه .والزور فى الأصل : تحسين الباطل .

مأخوذ من الزورِ وهو الميل وأطلق على الباطل زور لما فيه من الميل عن الصدق إلى الكذب ، ومن الحق إلى ما يخالفه .أى : وقال الذين كفروا فى شأن القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما هذا إلى كذب وبهتان ( افتراه ) واختلقه محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه ، ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ ) أى وأعانه وساعده على هذا الاختلاق ( قَوْمٌ آخَرُونَ ) من اليهو أو غيرهم ، كعداس - مولى حويطب بن عبد العزى - ويسار - مولى العلاء بن الحضرمى - وأبى فكيهة الرومى .

وكان هؤلاء من أهل الكتاب الذين أسلموا .وقوله - تعالى - : ( فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً ) رد على أقوال الكافرين الفاسدة وجاءوا بمعنى فعلوا ، وقوله : ( ظُلْماً ) منصوب به .

والتنوين للتهويل .أى : فقد فعل هؤلاء الكافرون بقولهم هذا ظلما عظيما وزورا كبيرا ، حيث وضعوا الباطل موضع الحق ، والكذب موضع الصدق .ويصح أن يكون قوله : ( ظُلْماً ) منصوبا بنزع الخافض أى : فقد جاءوا بظلم عظيم ، وكذب فظيع ، انحرفوا به عن جادة الحق والصواب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه تكلم أولاً في التوحيد، وثانياً في الرد على عبدة الأوثان، وثالثاً في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة، وحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الشبهة الأولى: قولهم: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه ﴾ وأعانه عليه قوم آخرون، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى، ثم هاهنا بحثان: الأول: قال أبو مسلم: الافتراء افتعال من فريت، وقد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت واختلقت، ويقال فيمن شتم امرءاً بما ليس فيه افترى عليه.

البحث الثاني: قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي قال هذا القول ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار (غلام عامر) بن الحضرمي، وجبر مولى عامر، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال.

واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ وفيه أبحاث: الأول: أن هذا القدر إنما يكفي جواباً عن الشبهة المذكورة، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: ﴿ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ .

البحث الثاني: قال الكسائي: قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ أي أتوا ظلماً وكذباً وهو كقوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً  ﴾ فانتصب بوقوع المجيء عليه، وقال الزجاج: انتصب بنزع الخافض، أي جاءوا بالظلم والزور.

البحث الثالث: أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه، وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه، والزور كذبهم عليهم.

الشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أساطير الأولين اكتتبها فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة ﴿ اكتتبها ﴾ انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني عامراً ويساراً وجبراً، ومعنى اكتتب هاهنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك ﴿ فَهِىَ تملى عَلَيْهِ ﴾ أي تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

أما قوله: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة.

البحث الثاني: قال الحسن قوله: ﴿ فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ كلام الله ذكره جواباً عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالاً بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين، وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه: أحدها: شدة تعلق هذا الكلام بما قبله، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه.

وثانيها: أن هذا هو المراد بقولهم: ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ .

وثالثها: أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر ﴾ قال صاحب الكشاف، وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على ﴿ الأولين ﴾ ، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السموات والأرض إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة؟

وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر ﴾ وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه: أحدها: أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.

وثانيها: أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.

وثالثها: أن القرآن مبرأ عن النقص وذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

ورابعها: اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات.

وخامسها: اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر ﴾ .

البحث الثاني: اختلفوا في المراد بالسر، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر في السموات والأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب، وقال أبو مسلم: المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين  ﴾ وقال آخرون: المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تتهمونه به، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه.

البحث الثالث: إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين: الأول: قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفوراً رحيماً غير مستعجل في العقوبة الثاني: أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفوراً رحيماً يمهل ولا يعجل.

الشبهة الثالثة: وهي في نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها تخل بالرسالة إحداها: قولهم: ﴿ مَّالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾ وثانيتها: قولهم: ﴿ وَيَمْشِى فِي الأسواق ﴾ يعني أنه لما كان كذلك فمن أين له الفضل علينا وهو مثلنا في هذه الأمور وثالثتها: قولهم: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ يصدقه أو يشهد له ويرد على من خالفه ورابعتها: قولهم: ﴿ أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ﴾ أي من السماء فينفقه فلا يحتاج إلى التردد لطلب المعاش وخامستها: قولهم: ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿ نَّأْكُلَ مِنْهَا ﴾ بالنون وقرأ الباقون بالياء والمعنى إن لم يكن لك كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه وسادستها: قولهم: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ﴾ وقد تقدمت هذه القصة في آخر سورة بني إسرائيل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً ﴾ وفيه أبحاث: الأول: أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة؟

وبيانه أن الذي يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة وهذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شيء منها في المعجزة فلا يكون شيء منها قادحاً في النبوة، فكأنه تعالى قال انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً ألبتة إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول وفيه وجه آخر وهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق، وهذا إنما يصح على مذهبنا وتقريره بالعقل ظاهر، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مستوى الداعي إلى الحق والباطل، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثاني، فإن كان الأول فحال الاستواء ممتنع الرجحان فيمتنع الفعل وإن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعاً، فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق، وما كان محالاً لم يكن عليه قدرة، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْمٌ ءاخَرُونَ ﴾ قيل: هم اليهود.

وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي: قال ذلك النضر بن الحرث بن عبد الدار.

(جاء) و (أتى) يستعملان في معنى فعل، فيعديان تعديته، وقد يكون على معنى: وردوا ظلماً، كما تقول: جئت المكان.

ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل.

وظلمهم: أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب.

والزور: أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ لَمّا تَضَمَّنَ الكَلامُ إثْباتَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ أخَذَ في الرَّدِّ عَلى المُخالِفِينَ فِيهِما.

﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ﴾ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَنْحِتُونَهم ويُصَوِّرُونَهم.

﴿ وَلا يَمْلِكُونَ ﴾ ولا يَسْتَطِيعُونَ.

﴿ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ دَفْعَ ضُرٍّ.

﴿ وَلا نَفْعًا ﴾ ولا جَلْبَ نَفْعٍ.

﴿ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ ولا يَمْلِكُونَ إماتَةَ أحَدٍ وإحْياءَهُ أوَّلًا وبَعْثَهُ ثانِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ لِعِرائِهِ عَنْ لَوازِمِها واتِّصافِهِ بِما يُنافِيها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والجَزاءِ.

﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ ﴾ كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ.

﴿ افْتَراهُ ﴾ اخْتَلَقَهُ.

﴿ وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ أيِ اليَهُودُ فَإنَّهم يُلْقُونَ إلَيْهِ أخْبارَ الأُمَمِ وهو يُعَبِّرُ عَنْها بِعِبارَتِهِ، وقِيلَ جَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وقَدْ سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .

﴿ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا ﴾ بِجَعْلِ الكَلامِ المُعْجِزِ إفْكًا مُخْتَلَقًا مُتَلَقَّفًا مِنَ اليَهُودِ.

﴿ وَزُورًا ﴾ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ وأتى وجاءَ يُطْلَقانِ بِمَعْنى فَعَلَ فَيُعَدَّيانِ تَعْدِيَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)

{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا} ما هذا القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ} كذب {افتراه} اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه {وَأعانَهُ عليه قومٌ آخرون} أي اليهود وعداس ويسار وأبو فكيهة الرومى قاله النضر بن الحرث {فقد جاؤوا ظُلْماً وَزُوراً} هذا إخبار من الله رد للكفرة فيرجع الضمير إلى الكفار وجاء يستعمل في معنى فعل فيعدى تعديتها أو حذف الجار وأوصل الفعل أي بظلم وزور وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من

العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب والزور أن بهتوه بنسبة ما هو برئ منه إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ ﴾ القائِلُونَ- كَما أخْرَجَهُ جَمْعٌ عَنْ قَتادَةَ - هم مُشْرِكُو العَرَبِ لا جَمِيعَ الكَفّارِ بِقَرِينَةِ ادِّعاءٍ إعانَةِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ سُمِّيَ مِنهم في بَعْضِ الرِّواياتِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غَلّاتُهم كَهَؤُلاءِ ومِن ضامَّهُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يُؤَيِّدُهُ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ القائِلَ هو النَّضِرُ والجَمْعُ لِمُشايَعَةِ الباقِينَ لَهُ في ذَلِكَ، ومَن خَصَّ ضَمِيرَ ( اتَّخَذُوا ) بِمُشْرِكِي العَرَبِ وجَعَلَ المَوْصُولَ هُنا عِبارَةً عَنْهم كُلَّهم جَعَلَ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإيذانِ بِأنَّ ما تَفَوَّهُوا بِهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، وفي كَلِمَةِ ﴿ هَذا ﴾ حَطٌّ لِرُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ أيْ قالُوا ما هَذا إلّا كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ ﴿ افْتَراهُ ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهُ اخْتَرَعَهُ رَسُولًا لِلَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وأعانَهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى افْتِرائِهِ واخْتِراعِهِ اِفْتِرائِهِ أوْ عَلى الإفْكِ ﴿ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ يَعْنُونَ اليَهُودَ بِأنْ يُلْقُوا إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبارَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُعَبِّرُ عَنْها بِعِبارَتِهِ، وقِيلَ: هم عَدّاسٌ، وقِيلَ: عائِشٌ مَوْلى حُوَيْطَبِينَ عَبَدَ العُزّى ويَسارُ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَعَهَّدُهم فَقِيلَ ما قِيلَ، وقالَ المِبْرَدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، وفِيهِ أنَّ الِاشْتِراكَ في الوَصْفِ غَيْرُ لازِمٍ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ  ﴾ ﴿ فَقَدْ جاءُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو الظّاهِرُ ﴿ ظُلْمًا ﴾ مَنصُوبٌ بِجاءُوا فَإنْ جاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى فِعْلٍ فَيَتَعَدِّيانِ تَعْدِيَتَهُ كَما قالَ الكِسائِيُّ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ الطَّبَرْسِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ طُرْفَةَ: عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ جِئْتُهُ غَيْرَ َأنَّنِي نَشَدْتُ فَلَمْ أغْفُلْ حُمُولَةَ مَعْبَدِ وقالَ الزَّجّاجُ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ فَهو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا أيْ ظالِمِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ جاؤُوا بِما قالُوا ظُلْمًا هائِلًا عَظِيمًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ البَحْتَ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ إفْكًا مُفْتَرًى مِن قِبَلِ البَشَرِ وهو مِن جِهَةِ نَظْمِهِ الرّائِقِ وطِرازِهِ الفائِقِ بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى مُباراتِهِ لَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ آيَةٍ مِن آياتِهِ ومِن جِهَةِ اشْتِمالِهِ عَلى الحِكَمِ الخَفِيَّةِ والأحْكامِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلسِّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ عُقُولُ البَشَرِ ولا تُحِيطُ بِفَهْمِهِ القُوى والقَدَرِ، وكَذا التَّنْوِينُ في ﴿ وزُورًا ﴾ أيْ وكَذِبًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ غايَتَهُ حَيْثُ قالُوا ما لا احْتِمالَ فِيهِ لِلصِّدْقِ أصْلًا، وسُمِّيَ الكَذِبُ زُورًا لِازْوِرارِهِ أيْ مَيْلِهِ عَنْ جِهَةِ الحَقِّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها لَكِنْ لا عَلى أنَّهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ حَقِيقَةً يَقَعُ أحَدُهُما عُقَيْبَ الآخَرِ أوْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَلْ عَلى أنَّ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ حَقِيقَةً وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسْبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، وقَدْ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى فَإنَّ ما جاءَهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ هو عَيْنُ ما حُكِيَ عَنْهم لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُغايِرًا لَهُ في المَفْهُومِ وأظْهَرُ مِنهُ بُطْلانًا رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ جاءُوا ﴾ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، والجُمْلَةُ مِن مَقُولِ الكُفّارِ وأرادُوا أنَّ أُولَئِكَ المُعَيَّنِينَ جاؤُوا ظُلْمًا بِإعانَتِهِمْ وزُورًا بِما أعانُوا بِهِ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ يعني: ما القرآن إلا كذب افْتَراهُ يعني: كذباً اختلقه من ذات نفسه وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ يعني: جبراً ويساراً فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً وقال بعضهم هذا قول الكفار، يعني: إنّ الذين أعانوه قد جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً.

وقال بعضهم: هذا قول الله تعالى ردّاً على الكفار بقولهم هذا فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً يعني: شركاً وكذباً وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها يعني: أباطيلهم اكتتبها، يعني: كتبها من جبر ويسار يعني: أساطير الأولين.

فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ يعني: تقرأ وتملى عليه بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: تقرأ عليه غدوة وعشية.

قوله عز وجل: قُلْ يا محمد أَنْزَلَهُ يعني: القرآن الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: يعلم السِّرَّ والعلانية، ومعناه: لو كان هذا القول من ذات نفسه لعلمه الله تعالى، وإذا علمه لعاقبه، كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: 44] ثم قال إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً فكأنه يقول: ارجعوا وتوبوا، فإنه كان غَفُوراً لمن تاب، رَحِيماً بالمؤمنين.

قوله عز وجل: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ مثل ما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ يعني: يتردد في الطريق لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يعني: معيناً يخبره بما يراد به من الشر أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ يعني: يعطى له كنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يعني: بستانا يَأْكُلُ مِنْها وذلك أن كفار قريش اجتمعوا في بيت، فبعثوا إلى النبيّ  فأتاهم، فقال له العاص بن وائل السهمي وقريش معه: قد تعلم يا محمد أن لا بلاد أضيق ساحة من بلادنا، ولا أقل أنهاراً ولا زرعاً، ولا أشدَّ عيشاً، فادع ربك أن يسير عنا هذه الجبال، حتى تنفسح لنا بلادنا، ثم يفجر لنا فيها أنهاراً، حتى نعرف فضلك عند ذلك، ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من يسير العيش، فاسأل ربك أن يجعل لك قصوراً أو جناناً، وليبعث معك ملكاً يصدقك، فنزل حكاية عن قولهم: أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها قرأ حمزة والكسائي: نأكل منها بالنون، وقرأ الباقون بالياء.

وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ يعني: ما تطيعون يا أصحاب محمد إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً يعني: مغلوب العقل.

ويقال: مَسْحُوراً يعني: مخلوقا، لأن الذي تكون مخلوقاً يكون حياته بالمعالجة بالأكل والشرب، فيسمى مسحوراً.

ويقال: مسحوراً أي: سحر به.

قوله عز وجل: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ يعني: انظر يا محمد كيف وصفوا لك الأشباه، إلى ماذا شبهك قومك بساحر وكاهن وكذاب فَضَلُّوا عن الهدى، ويقال: ذهبت حيلتهم، وأخطئوا في المقالة.

فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يعني: لا يجدون حيلة ولا حجة على ما قالوا لك، ولا مخرجا لتناقض كلامهم حيث قالوا مرة: مجنون، ومرة: ساحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .

وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:

الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.

/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...

الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...

الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.

قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ: ما هَذا، يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿ إلا إفْكٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ ﴿ افْتَراهُ ﴾ أيِ: اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ﴿ وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنُونَ اليَهُودَ؛ وقالَ مُقاتِلٌ أشارُوا إلى عَدّاسٍ مَوْلى حُوَيْطِبٍ، ويَسارٍ غُلامِ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٍ مَوْلًى لِعامِرٍ أيْضًا، وكانَ الثَّلاثَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَقَدَ جاءُوا بِظُلْمٍ وزُورٍ، فَلَمّا سَقَطَتِ الباءُ، أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ، والزُّورُ: الكَذِبُ.

﴿ وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ المَعْنى: وقالُوا: الَّذِي جاءَ بِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (الأنْعامِ: ٢٥) .

قالَ المُفَسِّرُونَ: والَّذِي قالَ هَذا هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

وَمَعْنى ﴿ اكْتَتَبَها ﴾ أمَرَ أنْ تُكْتَبَ لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " اكْتُتِبَها " بِرَفْعِ التّاءِ الأوْلى وكَسْرِ الثّانِيَةِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَتِهِمْ بِرَفْعِ الهَمْزَةِ، ﴿ فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ ﴾ أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها لا لِيَكْتُبَها، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كاتِبًا، ﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ أيْ: غُدْوَةً وعَشِيًّا.

﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ أنْزَلَهُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا ﴾ ﴿ وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِرَّ في السَماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ المُرادُ بِـ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قُرَيْشٌ، وذَلِكَ أنْ بَعْضَهم قالُوا: هَذا كَذِبٌ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُعِينِينَ لِمُحَمَّدٍ  -عَلى زَعْمِ قُرَيْشٍ - فَقالَ مُجاهِدٌ: أشارُوا إلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أشارُوا إلى عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفَرَسِ، أحَدُهم أبُو فَكِيهَةٍ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ، وجَبْرٌ، ويَسارٌ، وعَدّاسٌ، وغَيْرُهم.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم ما جاؤُوا إلّا إثْمًا وزُورًا، أيْ: ما قالُوا إلّا بُهْتانًا وزُورًا.

و"الزُورُ": تَحْسِينُ الباطِلِ، هَذا عُرْفُهُ، وأصْلُهُ التَحْسِينُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: " فَأرَدْتُ أنْ أُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ أبِي بَكْرٍ مَقالَةً كُنْتُ زَوَّرْتُها".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ أساطِيرِ الأوَّلِينَ فَإنَّما هو بِسَبَبِ النَضِرِ بْنِ الحارِثِ المَشْهُورِ في ذَلِكَ.

ثُمْ رَمَوْا مُحَمَّدًا  بِأنَّهُ اكْتَتَبَها.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "اكْتُتِبَها" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الثانِيَةِ، عَلى مَعْنى: اكْتُتِبَتْ لَهُ، ذَكَرَها أبُو الفَتْحِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "تُتْلى" بِتاءٍ بَدَلَ المِيمِ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: الَّذِي أنْزَلَهُ هو اللهُ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ، ثُمْ أعْلَمَ بِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِيُرْجِيَ كُلُّ سامِعٍ في عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ مَعَ التَوْبَةِ والإنابَةِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ في إبْقائِهِ عَلى أهْلِ هَذِهِ المَقالاتِ والكَفْرِ لَعَلَّهم أنْ يُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من ذكر كفرهم في أفعالهم إلى ذكر كفرهم بأقوالهم الباطلة.

والإظهار هنا لإفادة أن مضمون الصلة هو علة قولهم هذا، أي ما جرأهم على هذا البهتان إلا إشراكهم وتصلبهم فيه، وليس ذلك لشبهة تبعثهم على هذه المقالة لانتفاء شبهة ذلك، بخلاف ما حكي آنفاً من كفرهم بالله فإنهم تلقوه من آبائهم، فالوصف الذي أجري عليهم هنا مناسب لمقالتهم لأنها أصل كفرهم.

وهذه الجملة مقابلة جملة: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [الفرقان: 1] فهي المقصود من افتتاح الكلام كما آذنت بذلك فاتحة السورة.

وإنما أخرت هذه الجملة التي تقابل الجملة الأولى مع أن مقتضى ظاهر المقابلة أن تذكر هذه الجملة قبل جملة: ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ [الفرقان: 3] اهتماماً بإبطال الكفر المتعلق بصفات الله كما تقدم آنفاً.

والقصر المشتمل عليه كلامهم المستفاد من (إنْ) النافية و(إلاّ) قصر قلب؛ زعموا به رد دعوى أن القرآن منزل من عند الله.

وممن قال هذه المقابلة النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد.

فإسناد هذا القول إلى جميع الكفار لأنه واقع بين ظهرانيهم وكلهم يتناقلونه.

وهذه طريقة مألوفة في نسبة أمر إلى القبيلة كما يقال: بنو أسد قتلوا حجراً.

واسم الإشارة إلى القرآن حكاية لقولهم حين يسمعون آيات القرآن.

والضمير المرفوع في ﴿ افتراه ﴾ عائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم المعلوم من قوله: ﴿ على عبده ﴾ [الفرقان: 1].

والإفك: الكذب.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين جاءو بالإفك ﴾ في سورة النور (11).

والإفتراء: اختلاق الأخبار، أي ابتكارها وهو الكذب عن عمد، وتقدم في قوله: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة العقود (103).

﴿ وأعانه عليه ﴾ أي على ما يقوله من القرآن قوم آخرون لقنوه بعض ما يقوله، وأرادوا بالقوم الآخرين اليهود.

روي هذا التفسير عن مجاهد وعن ابن عباس: أشاروا إلى عبيد أربعة كانوا للعرب من الفرس وهم: عدّاس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار أبو فكيهة الرومي مولى العلاء بن الحضرمي، وفي «سيرة ابن هشام» أنه مولى صفوان بن أمية بن محرِّث، وجبر مولى عامر.

وكان هؤلاء من موالي قريش بمكة ممن دانوا بالنصرانية وكانوا يعرفون شيئاً من التوراة والإنجيل ثم أسلموا، وقد مر ذلك في سورة النحل، فزعم المشركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتردد إلى هؤلاء سراً ويستمد منهم أخبار ما في التوراة والإنجيل.

والقصر المستفاد من قوله: ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ متسلط على كلتا الجملتين، أي لا يخلو هذا القرآن من مجموع الأمرين، هما: أن يكون افترى بعضه من نفسه، وأعانه قوم على بعضه.

وفرع على حكاية قولهم هذا ظهور أنهم ارتكبوا بقولهم ظلماً وزوراً لأنهم حين قالوا ذلك ظهر أن قولهم زور وظلم لأنه اختلاق واعتداء.

و ﴿ جاءو ﴾ مستعمل في معنى (عملوا) وهو مجاز في العناية بالعمل والقصد إليه لأن من اهتم بتحصيل شيء مشى إليه، وبهذا الاستعمال صح تعديته إلى مفعول كما في هذه الآية.

والظلم: الاعتداء بغير حق بقول أو فعل قال تعالى: ﴿ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ﴾ [ص: 24] وتقدم في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ في سورة البقرة (114).

والظلم الذي أتوه هو نسبتهم الرسول إلى الاختلاق فإنه اعتداء على حقه الذي هو الصدق.

والزور: الكذب، وأحسن ما قيل في الزور: إنه الكذب المحسَّن المموَّه بحيث يشتبه بالصدق.

وكون قولهم ذلك كذباً ظاهر لمخالفته الواقع فالقرآن ليس فيه شيء من الإفك، والذين زعموهم معينين عليه لا يستطيع واحد منهم أن يأتي بكلام عربي بالغ غاية البلاغة ومرتق إلى حد الإعجاز، وإذا كان لبعضهم معرفة ببعض أخبار الرسل فما هي إلا معرفة ضئيلة غير محققة كشأن معرفة العامة والدهماء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القائِلُ مِنهم ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

﴿ إنْ هَذا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ إلا إفْكٌ افْتَراهُ ﴾ أيْ كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ.

﴿ وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ وفِيمَن زَعَمُوا أنَّهُ أعانَهُ عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَبْدُ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: عَدّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والرّابِعُ: أبُو فُكَيْهَةَ الرُّومِيُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ قال: هو القرآن فيه حلال الله وحرامه، وشرائعه ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال: بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم.

﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ قال: هي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله ﴿ لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ وهو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة، ولا نشوراً يعني بعثاً ﴿ وقال الذين كفروا إن هذا ﴾ هذا قول مشركي العرب ﴿ إلا إفك ﴾ هو الكذب ﴿ افتراه وأعانه عليه ﴾ أي على حديثه هذا وأمره ﴿ قوم آخرون فقد جاءوا ﴾ فقد أتوا ﴿ ظلماً وزوراً ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ قال: كذب الأولين وأحاديثهم ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول!

﴾ قال: عجب الكفار من ذلك أن يكون رسول ﴿ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ قال الله يرد عليهم ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ يقول: خيراً مما قال الكفار من الكنز والجنة ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: وإنه والله من دخل الجنة ليصيبن قصوراً لا تبلى ولا تهدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كل شيء في القرأن افك، فهو كذب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ قال: يهود ﴿ فقد جاءوا ظلماً وزوراً ﴾ قال: كذباً.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.

«أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج.

اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك قال: فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد انا بعثنا إليك لنعذر منك.

فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي مما تقولون.

ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك قالوا: فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي- فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه- حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل.

ما أنا بالذي يسأل ربه هذا؛ وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فأنزل الله في قولهم ذلك ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ﴾ إلى قوله: ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً ﴾ أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون ﴾ قاله الوليد بن المغيرة وأصحابه يوم دار الندوة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك وفي قوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري ﴾ قال: حوائط ﴿ ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: بيوتاً مبنية مشيدة.

كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان.

وأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فنزل جبريل فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ ثم أتاه رضوان خازن الجنان ومعه سفط من نور يتلألأ فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل إلى الأرض أن تواضع فقال: يا رضوان لا حاجة لي فيها، فنودي: أن ارفع بصرك، فرفع فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنات عدن، فرأى منازل الأنبياء وعرفهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فقال: رضيت.

ويرون أن هذه الآية أنزلها رضوان ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطاه أحد بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة قال: اجمعها لي في الآخرة، فأنزل الله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «هذا ملك تدلى من السماء إلى الأرض.

ما نزل إلى الأرض قط قبلها، استأذن ربه في زيارتك، فأذن له، فلم يلبث ان جاء فقال: السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك السلام قال: إن الله يخبرك إن شئت أن يعطيك من خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء، لم يعط أحداً قبلك، ولا يعطيه أحداً بعدك، ولا ينقصك مما دخر لك عنده شيئاً فقال: لا بل يجمعهما لي في الآخرة جميعاً فنزلت ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ ما هذا القرآن إلا إفك: كذب افتراه محمد واختلقه من تلقاء نفسه (١) ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ قال مجاهد: يعني اليهود (٢) (٣) (٤) قال الله تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ قال مقاتل: يقول: فقد قالوا شركًا، وكذبًا، حين زعموا أن القرآن ليس من الله (٥) (٦) وقال أبو إسحاق: نصب ﴿ ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ على: فجاءوا بظلم وزور، فلما سقطت الباء أفضى الفِعلُ فَنَصبَ (٧) وقال الكسائي ﴿ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ كما تقول: أتيت أمرًا عظيمًا، وجئت أمرًا عظيمًا، وجئت شيئًا إدًّا، وشئت شيئًا نكرًا (٨) (٩) (١) "تفسير مقاتل" ص 42 ب.

ونسبه الماوردي 4/ 131، والقرطبي 13/ 3، إلى ابن عباس.

وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2663، عن سعيد بن جبير: كل شيء في القرآن إفك فهو كذب.

والفرق بين الافتراء والكذب، أن الافتراء: افتعال الكذب من قول نفسه.

والكذب: قد يكون على وجه التقليد للغير فيه.

"تفسير روح البيان" 6/ 189.

وفي "لسان العرب" 15/ 154: "يقال: فرى فلان الكذب يفتريه: اختلقه".

(٢) أخرجه ابن جرير 18/ 181، وابن أبي حاتم 8/ 2663.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 92 أ.

(٣) عامر بن عبد قيس الحضرمي، له وفادة، وهو أخو عمرو.

"الإصابة" 4/ 13.

ولم يذكر شيئاً عن غلامه.

(٤) "تفسير مقاتل" 42 ب، ونسبه للنضر بن الحارث.

وفيه: جبر مولى عامر بن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم.

وذكره الثعلبي 8/ 92 أ، ولم ينسبه.

وفي "تنوير المقباس" ص 300: جبر ويسار وأبو فكيهة الرومي.

قال الماوردي 4/ 132: == وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل: 1 - قوم من اليهود، قاله مجاهد.

2 - عبد الله ابن الحضرمي، قاله الحسن.

3 - عدّاس، غلام عتبة، قاله الكلبي.

4 - أبو فكيهة الرومي، قاله الضحاك.

ونسبه القرطبي 13/ 3، لابن عباس.

قال ابن الأثير: أبو فكيهة، اسمه أفلح، وقيل: يسار، كان عبداً لصفوان بن أمية، أسلم مع بلال، أخذه أمية بن خلف وقام بتعذيبه، ثم اشتراه أبو بكر -  - فأعتقه.

"الكامل" 2/ 46.

وهذا يدل على اختلافهم في التعيين فتبقى الآية على عمومها.

والله أعلم.

(٥) "تفسير مقاتل" ص 43 أ، بتصرف.

(٦) "تنوير المقباس" ص 300، و"تفسير مقاتل" ص 43 أ، بتصرف، وفيه: عن رستم وأسفنديار.

وليس فيه أنها نزلت في النضر.

بل فيه: وقال النضر.

وهو مذكور عند الآية: 6، الفرقان، وليس عند هذه الآية.

قال الهواري، 3/ 201، في تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ وقال الكلبي: عبد ابن الحضرمي، وعداس، مولى عتبة.

ولم أجده في أسباب النزول للواحدي.

ونسبه القرطبي 13/ 3، لابن عباس  ما.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 58.

(٨) نسبه للكسائي أبو حيان 6/ 441.

(٩) قال الزمخشري 3/ 257: "وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب.

والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَبَارَكَ ﴾ من البركة وهو فعل مختص بالله تعالى لم ينطق بالمضارع ﴿ على عَبْدِهِ ﴾ يعني محمدً صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك على وجه التشريف له والاختصاص ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم أو للقرآن، والأول أظهر وقوله: ﴿ للعالمين ﴾ عموم يشمل الجن والإنس ممن كان في عصره، ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة، وتضمن صدر هذه الآية إثبات النبوة والتوحيد، والردّ على من خالف في ذلك ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ الخلق عبارة عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير: عبارة عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره، وصفته وزمانه ومكانه، ومصلحته، وأجله، وغير ذلك ﴿ واتخذوا ﴾ الضمير لقريش وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ يعنون قوماً من اليهود منهم: عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي ﴿ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ أي ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم فما نسبوا إليه وكذبوا في ذلك عليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.

الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.

الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.

﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: إنه  تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.

ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو  عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله  ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.

والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.

والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.

قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.

وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم  ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه  بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.

ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.

الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.

وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.

والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.

وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله  ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.

وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.

فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله  .

وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله  ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي  ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.

وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.

فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.

إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.

قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.

الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.

قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.

فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.

والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.

قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.

وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.

الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.

زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.

وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.

والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.

وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.

وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.

وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.

وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.

وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.

والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.

وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.

عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله  جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.

فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.

فقال  : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.

وعن النبي  : "عرض عليّ جبرائيل  بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .

وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .

قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.

ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.

﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.

وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.

والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.

والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.

وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.

قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله  ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.

قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم  يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.

وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.

عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.

وسئل النبي  عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .

قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.

وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.

وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .

وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً  ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.

والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.

ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.

إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.

قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟

والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.

وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.

قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.

أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟

قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً  ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.

والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.

وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم  ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.

قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله  فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.

وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون  ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.

والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.

وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس  ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.

﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟

أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.

من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.

ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.

ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.

وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.

وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟

الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.

قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.

أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.

الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.

وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.

و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.

قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.

دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.

فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.

وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله  هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.

أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.

وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".

قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.

وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.

قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.

أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.

قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.

وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".

﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.

وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.

وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.

ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.

فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون  ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.

ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.

أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.

قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.

وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا أحد.

وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.

وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله  ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي  "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد  بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.

قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.

وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.

قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.

وقيل: في الآية تسلية للنبي  عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.

وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.

وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ ﴾ يعنون هذا القرآن الذي أنزل على رسوله، وكان يقرؤه عليهم، يقولون: ما هذا إلا إفك - أي: كذب - افتراه من تلقاء نفسه ويخترعه من نفسه.

إن أهل الشرك كانوا يكذبون الأنباء والأخبار من غير أن كانت لهم أسباب التي بها ما يوصل إلى معرفة صدق الأخبار وكذبها، وذلك كانت عادتهم وهِمَّتهم، والأسباب التي يعرف بها صدق الأخبار وكذبها هي الكتب السماوية والرسل التي نطقوا عن وحي السماء، فكفار مكة لم يكن لهم واحد من هذين، فكيف ادعوا على رسول الله اختلاق هذا القرآن واختراعه من نفسه، وأنه مفترى، على غير كون أسباب معرفة الكذب والصدق لهم في الأخبار، مع ما ظهرت لهم آيات رسالته وأعلام صدقه في الأخبار؛ حيث لم يؤخذ عليه كذب قط، ولا رأوه اختلف إلى أحد من أهل الكتاب، ولا كان يحسن أن يخط بيده كتاباً، وما قرع أسماعهم من أول الأمر إلى آخر الأبد قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ  ﴾ فدل عجزهم وترك تكلفهم ذلك على أنهم عرفوا أنه من عند الله، وأنهم كذبة في قولهم: إنه إفك مفترى.

وقوله: ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ ، وقالوا: إنه إفك مفترى، وأعانه على ذلك قوم آخرون في افترائه واختراعه، وهم قوم من أهل الكتاب أسلموا، وقد كانوا يجدون في التوراة والإنجيل نعته وصفته، وما كان أنبأهم رسول الله ويخبرهم من الأنباء المتقدمة والأخبار الماضية، فأخبروهم بذلك حين سألهم أولئك المشركون عما يخبرهم رسول الله، وقالوا: إنه كما يقول، وإنه صادق في ذلك كله، وإنا نجد ذلك في كتابنا، فلما سمعوا ذلك من أهل الكتاب ما سمعوا من تصديقهم إياه - عند ذلك قالوا: ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ .

ثم أخبر أنهم ﴿ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ ، أما قوله: ﴿ ظُلْماً ﴾ لأنهم كذبوه، و[قالوا:] إنه مفترى من غير أن كان لهم أسباب الكذب والصدق، فهو ظلم؛ حيث وضعوا ذلك [في] غير موضعه.

وأما قوله: ﴿ وَزُوراً ﴾ لأنهم قالوا: إنه مختلق، وإنه سحر، وإنه ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ، وإنه ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ ، وإنه ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ ، قد ظهر كذبهم بهذا فيما بينهم؛ لأنهم متى رأوه اختلف إلى واحد منهم يعلمه ذلك؟!

أو متى رأوه كتب شيئاً قط أو يحسن الكتابة قط؟!

وقولهم: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ؟!

فإذا عرف تلك الأنباء والأحاديث التي كانت من قبل - ولا شك أنها لم تكن بلسانه، وإنما كانت بلسان أولئك - دل إخباره عما في كتبهم بلسانه أنما عرف ذلك بالله  .

وقوله: ﴿ فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ قال أهل التأويل: غدوّاً وعشيّاً، فلو كان على ذلك لكان يحضرونه في البكرة والعشيّ، فيسمعون ويشاهدون ما يملى عليه؛ إذ الوقت وقت الحضور، ولكن - عندنا - كأنهم أرادوا بالبكرة والعشيّ: أول الليل وآخره، الأوقات التي هي ليست بأوقات الحضور والجلوس، يقولون: يأتونه سرّاً فتملى عليه ويعلمه، فلو كان ذلك أيضاً لكانوا يراقبونه ويحافظونه سرّاً؛ ليعرفوا ذلك ويشاهدوه، فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم كانوا يعرفون صدقه، وأنهم كذبة في زعمهم، لكنهم كابروه وعاندوه في ذلك.

ثم أخبر أنه إنما أنزل عليه الذي يعلم السر في السماوات والأرض؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ليس بمختلق منه ولا مفترى، ثم قوله: ﴿ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: يعلم الأعمال الخفية والسرية من أهل السماوات والأرض، أي: يعلم الكوائن التي في السماوات والأرض وخفياتها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ ﴾ أي: قل لهم يا محمد: أنزله - أي: هذا القرآن - الذي يعلم السر؛ وذلك أنهم قالوا بمكة سرّاً: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] فإنه بشر مثلكم، بل هو ساحر ﴿ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ  ﴾ ، ففي ذلك دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم قالوا سرّاً فيما بينهم ثم أخبرهم بذلك، دل أنه بالله عرف ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ في تأخير العذاب عنهم، ﴿ رَّحِيماً ﴾ حين لا يعجل عليهم بالعقوبة إذا تابوا ورجعوا عن التكذيب إلى التصديق على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ في تأخير العذاب، يحتمل قوله: ﴿ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ إذا تابوا عن ذلك وآمنوا به ورجعوا إلى الحق، أو غفور رحيم لا يعجل بالعقوبة أي: برحمته وفضله لا يعجل بعقوبتهم؛ لعلهم يتوبون.

وقال القتبي: "تبارك" مشتق من البركة، وكذلك قال الكسائي، وقد ذكرنا ذلك.

وقال أبو عوسجة: تنزيه، مثل قولك: "تعالى"، على ما ذكرنا، وقال: الفرقان هو الحق؛ فرق بين الحق والباطل، والقرآن: هو من قَرْنِ بعضٍ إلى بعض، والزبور: هو اسم كتاب، والزُّبُر: جميع، وزبرت: كتبت، والزُّبَر: قطع الحديد، كقوله: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ  ﴾ الواحد: زبْرة، والتوراة: اسم كتاب لا أظنه بالعربية.

قال أبو معاذ: الأساطير: الأحاديث، واحدها: أسطورة، كأرجوزة وأراجيز، وأحدوثة وأحاديث، وأعجوبة وأعاجيب.

وفي حرف حفصة: ﴿ فهي تُمَلُّ عليه ﴾ ، وهما لغتان، وفي سورة البقرة: ﴿ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ كان الكفرة يطعنون رسول الله بشيئين.

أحدهما: أنه من البشر؛ بقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] و ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ كانوا لا يرون أن يكون من البشر رسول كقوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ الآية [الأنعام: 8]، وقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ ، ونحو ذلك.

والثاني: كانوا يطعنون بالفقر والحاجة وصفارة اليد؛ حيث قالوا: ﴿ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ ، وحيث قالوا: ﴿ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ كأنهم ينكرون الرسالة في الفقراء وذوي الحاجة، ويرونها في ذوي الملك والأموال؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، فعلى ذلك قولهم: ﴿ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ ﴾ كما يأكل الفقراء، ﴿ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ في حوائجه كما يمشي الفقراء، ولو كان رسولاً لكان ملكاً غنيّاً يأكل طعام الملوك، لا يقع له الحاجة إلى أن يمشي في الأسواق في حوائجه.

فأجاب لهم في طعنهم فيه أنه بشر مثلهم، وإنكارهم الرسالة في البشر بوجوه: أحدها: قولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ، قال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ الآية [الأنعام: 8]، معناه - والله أعلم - أنه لا ينزل الملك إلا بالعذاب، فلو أنزل لأنزل بالعذاب فأهلكوا.

والثاني: ما قال: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً  ﴾ ، تأويله - والله أعلم -: أنه لم يجعل في وسع البشر رؤية الملك على صورته وعلى ما هو عليه؛ إذ جنس هذا غير جنس أولئك، وجوهرهم غير جوهر أولئك، ولو جعلناه هكذا كنا لبسنا ما كان يلبس أولئك القادة على الأتباع؛ كقولهم: إنه ساحر وإنه كذاب وإنه مجنون؛ فكان في ذلك تلبيس عليهم.

والثالث: ما قال: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ...

﴾ الآية [الإسراء: 95] أي: لو كان أهل الأرض ملائكة لكنا أنزلنا عليهم الرسول ملكا من جنسهم وجوهرهم؛ لأنهم أعرف به وأظهر صدقاً عندهم ممن هو من غير جوهرهم وجنسهم، فإذا كان أهل الأرض بشراً فالرسول إذا كان منهم، فهم أعرف به وصدقه أظهر عندهم، وقلوبهم إليه أميل لا إلى من هو من غير جنسهم.

وأجاب لطعنهم في أكله ومشيه في الأسواق حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ  ﴾ في حوائجهم، أي: غيره من الرسل الذين تؤمنون أنتم بهم كانوا فقراء، يأكلون الطعام ويمشون في حوائج أنفسهم، ثم لم يمنع ذلك عن أن يكونوا موضعاً لرسالته؛ فعلى ذلك محمد، والفقير وذو الحاجة أحق أن يكون موضعاً لرسالته من الغني الثري؛ لأن الناس يتبعون الغني ومن له الملك والثروة، فلو كان الرسول غنيّاً مثريّاً لكان لا يظهر متبع الحق من غيره، وإذا كان فقيراً محتاجاً لظهر ذلك، اللهم إلا أن يكون ملكاً هو آية الرسالة نحو ملك سليمان وداود، وذلك لنفسه آية لرسالته على ما قال: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ : كأنهم قالوا ذلك لما نزل قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ قالوا عند ذلك: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ، وقالوا: ﴿ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ عند سماع قوله: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قالوا: لو كان محمد رسول الله من له ملك السماوات والأرض ونذيراً للعالمين على ما يقول، لكان أنزل معه ملك نذيراً، ولكان أعطي هو كنزاً أي: مالا أو تكون له جنة يأكل منها على ما يكون لرسل ملوك الأرض.

لكن الجواب لهم ما ذكر: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ الآية، أي: لو شاء أعطاك خيراً مما يقولون من البنيان والقصور على ما أعطى غيرك، لكن ليس فيما يمنع منقصة لك، ولا فيما أعطاهم فضيلة.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ ﴾ أي: ما تتبعون، ﴿ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ﴾ : لا تزال عادتهم بنسبة الرسول إلى السحر والجنون والكذب.

وقوله: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ ﴾ : فتأويله - والله أعلم - أي: انظر إلى سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال، وشبهوك بها؛ نسبوك مرة إلى السحر وقالوا: إنك ساحر، ومرة إلى الجنون وقالوا: إنك مجنون، ومرة إلى الشعر وقالوا: إنك شاعر، ومرة إلى الكذب حيث قالوا: بل هو كذاب أشر، ونحو هذا مما كانوا ينسبونه إليه، فيقول: والله أعلم -: انظر إلى سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال ونسبوك إلى ما ذكروا، على علم منهم أنك لست كذلك ولا على ذلك، وأنك على الحق وهم على باطل وكذب.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ ﴾ ما قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ وأمثال ما سألوا، فيقولون: لو كان ما يقول إنه رسول، لكان ذلك له أعلام الرسالة وأمارات صدقه، فيخبر أن الأعلام والآيات ليست تأتي على شهوات سؤال المعاندين وأمانيهم، ولكن إنما تجيء على ما توجبه الحكمة، مما يدل على صدق ما ادعى ويظهر كذب من عاند وتولى، وقد أتاهم محمد صلوات الله عليه وسلامه بحجج وبراهين ما أظهر لهم صدق ما ادعى من الرسالة والنبوة، لكنهم عاندوها وكابروا، فلم يقروا بها خوفاً أن يذهب عنهم رياستهم.

وقوله: ﴿ فَضَلُّواْ ﴾ لا شك أنهم قد ضلوا عن الهدى، أي: عدلوا بضربهم الأمثال له، ونسبتهم إياه إلى ما نسبوه إليه؛ فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى أو إلى ما سألوا من الأشياء.

وفي حرف حفصة: ﴿ فلا يهتدون سبيلا ﴾ .

وقال بعضهم: فلا يستطيعون مخرجاً من الأمثال التي ضربوها لك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الذين كفروا بالله وبرسوله: ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد فنسبه بهتانًا إلى الله، وأعانه على اختلاقه أناس آخرون، فقد افترى هؤلا , الكافرون قولًا باطلًا، فالقرآن كلام الله، لا يمكن أن يأتي البشر ولا الجن بمثله.

<div class="verse-tafsir" id="91.XQbnN"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر