الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٤٠ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ) يعني : قوم لوط ، وهي سدوم ومعاملتها التي أهلكها الله بالقلب ، وبالمطر الحجارة من سجيل ، كما قال تعالى : ( وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) [ الشعراء : 173 ] وقال ( وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ) [ الصافات : 137 - 138 ] وقال تعالى : ( وإنها لبسبيل مقيم ) [ الحجر : 76 ] وقال ( وإنهما لبإمام مبين ) [ الحجر : 79 ] ; ولهذا قال : ( أفلم يكونوا يرونها ) أي : فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم أوامر الله .
وقوله : ( بل كانوا لا يرجون نشورا ) يعني : المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشورا ، أي : معادا يوم القيامة .
وقوله: ( وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ ) يقول تعالى ذكره: وكل هذه الأمم التي أهلكناها التي سميناها لكم أو لم نسمها ضربنا له الأمثال يقول: مثلنا له الأمثال ونبهناها على حججنا عليها, وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ, فلم نهلك أمة إلا بعد الإبلاغ إليهم في المعذرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ ) قال: كلّ قد أعذر الله إليه, ثم انتقم منه.
وقوله: ( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم أمرهم استأصلناهم, فدمرناهم بالعذاب إبادة, وأهلكناهم جميعا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: تبر الله كلا بعذاب تتبيرا.
حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن جُبير ( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: تتبير بالنبطية.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قوله: ( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) قال: بالعذاب.
قوله تعالى : ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا .[ ص: 34 ] قوله تعالى : ولقد أتوا على القرية التي أمطرت يعني مشركي مكة .
والقرية قرية قوم لوط و مطر السوء الحجارة التي أمطروا بها .
أفلم يكونوا يرونها أي في أسفارهم ليعتبروا .
قال ابن عباس : كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط كما قال الله تعالى : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وقال : وإنهما لبإمام مبين .
وقد تقدم بل كانوا لا يرجون نشورا أي لا يصدقون بالبعث .
ويجوز أن يكون معنى " يرجون " يخافون .
ويجوز أن يكون على بابه ويكون معناه : بل كانوا لا يرجون ثواب الآخرة .
تفسير الايات من 35 الى 40 أشار تعالى إلى هذه القصص وقد بسطها في آيات أخر ليحذر المخاطبين من استمرارهم على تكذيب رسولهم فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم الذين قريبا منهم ويعرفون قصصهم بما استفاض واشتهر عنهم.
ومنهم من يرون آثارهم عيانا كقوم صالح في الحجر وكالقرية التي أمطرت مطر السوء بحجارة من سجيل يمرون عليهم مصبحين وبالليل في أسفارهم، فإن أولئك الأمم ليسوا شرا منهم ورسلهم ليسوا خيرا من رسول هؤلاء { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان -مع ما شاهدوا من الآيات- أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا، فلا يرجون لقاء ربهم ولا يخشون نكاله فلذلك استمروا على عنادهم، وإلا فقد جاءهم من الآيات ما لا يبقي معه شك ولا شبهة ولا إشكال ولا ارتياب.
( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ) يعني الحجارة ، وهي قريات قوم لوط ، وكانت خمس قرى ، فأهلك الله أربعا منها ، ونجت واحدة ، وهي أصغرها ، وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث ، ( أفلم يكونوا يرونها ) إذ مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ويتذكروا ، لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام ، ( بل كانوا لا يرجون ) لا يخافون ، ) ( نشورا ) بعثا .
«ولقد أتوا» أي مرَّ كفار مكة «على القرية التي أمطرت مطر السوء» مصدر ساء أي بالحجارة وهي عظمى قرى قوم لوط فأهلك الله أهلها لفعلهم الفاحشة «أفلم يكونوا يرونَها» في سفرهم إلى الشام فيعتبرون، والاستفهام للتقرير «بل كانوا لا يرجون» يخافون «نشورا» بعثا فلا يؤمنون.
ولقد كان مشركو "مكة" يمرون في أسفارهم على قرية قوم لوط، وهي قرية "سدوم" التي أُهلِكت بالحجارة من السماء، فلم يعتبروا بها، بل كانوا لا يرجون معادًا يوم القيامة يجازون فيه.
ثم وبخ - سبحانه - مشركى مكة على عدم اعتبارهم واتعاظهم بما يرون من آثار فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً ) .والمراد بالقرية هنا : قرية سدوم التى هى أكبر قرى قوم لوط ، والتى جعل الله - تعالى - عاليها سافلها .
والمراد بما أمطرت به : الحجارة التى أنزلها الله - تعالى - عليها ، كما قال - تعالى - : ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ) والسوء - بفتح السين وتشديدها - مصدر ساءه .
أى : فعل به ما يكره .
والسوء - بالضم والتشديد- اسم منه .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا ) للتقريع والتوبيخ على عدم الاعتبار بما يرونه من أمور تدعو كل عاقل إلى التدبر والتفكر والاتعاظ .أى : أقسم لك - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا ، كانوا وما زالوا يمرون مصبحين وبالليل على قرية قوم لوط ، التى دمرناها تدميرا ، بسبب فسوق أهلها وفجورهم ، وكانوا يرون ما حل بها من خراب .
.ولكنهم لكفرهم بك والبعث والحساب ، لم يتأثروا بما رأوا ، ولم يعتبروا بما شاهدوا ، وسيندمون يوم القيامة على كفرهم ولكن لن ينفعهم الندم .وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد ، لتأكيد رؤيتهم لتلك القرية التى أمطرت مطر السوء .والمراد برؤيتها ، رؤية ما حل بها من خراب ودمار كما قال - تعالى - : ( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) وقوله - سحانه - : ( بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً ) بيان للسبب الذى جعلهم لا يعتبرون ولا يتعظون .أى : أنهم كانوا يرون عاقبة أهل تلك القرية التى جعلنا عاليها سافلها ، ولكن تكذيبهم بالبعث والنشور ، والثواب والعقاب يوم القيامة ، حال بينهم وبين الاعتبار والاتعاظ والإيمان بالحق ، وجعلهم يمرون بما يدعو إلى التدبر والتفكر ، ولكنهم لعدم توقعهم للقاء الله ، ولعدم إيمانهم بالجزاء يوم القيامة قست قلوبهم وانطمست بصائرهم ، وصاروا كما قال - تعالى - : ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ).
القصة الرابعة: قصة لوط عليه السلام: واعلم أنه تعالى أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط عليه السلام وكانت خمساً أهلك الله تعالى أربعاً بأهلها وبقيت واحدة، و(مطر السوء) الحجارة يعني أن قريشاً مروا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشأم على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء، ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ ﴾ في (مرار) مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى ونكاله (ويذَّكرون) ﴿ بَلْ كَانُواْ ﴾ قوماً كفرة ﴿ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً ﴾ وذكروا في تفسير ﴿ يَرْجُونَ ﴾ وجوها: أحدها: وهو الذي قاله القاضي وهو الأقوى أنه محمول على حقيقة الرجاء لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف ومشاق النظر والاستدلال إلا لرجاء ثواب الآخرة فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق والمتاعب.
وثانيها: معناه لا يتوقعون نشوراً (وعاقبة)، فوضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن.
وثالثها: معناه لا يخافون على اللغة التهامية، وهو ضعيف والأول هو الحق.
<div class="verse-tafsir"
أراد بالقرية (سدوم) من قرى قوم لوط، وكانت خمساً: أهلك الله تعالى أربعاً بأهلها وبقيت واحدة.
ومطر السوء: الحجارة، يعني أن قريشاً مرّوا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ ﴾ في مرار مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله ونكاله ويذكرون ﴿ بَلْ كَانُواْ ﴾ قوماً كفرة بالبعث لا يتوقعون ﴿ نُشُوراً ﴾ وعاقبة، فوضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا، ومرّوا بها كما مرّت ركابهم.
أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم، أو لا يخافون، على اللغة التهامية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أتَوْا ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا مَرُّوا مِرارًا في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ.
﴿ عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ يَعْنِي سَدُومَ عُظْمى قُرى قَوْمِ لُوطٍ أُمْطِرَتْ عَلَيْها الحِجارَةُ.
﴿ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴾ في مِرارِ مُرُورِهِمْ فَيَتَّعِظُوا بِما يَرَوْنَ فِيها مِن آثارِ عَذابِ اللَّهِ.
﴿ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ بَلْ كانُوا كَفَرَةً لا يَتَوَقَّعُونَ نُشُورًا ولا عاقِبَةً فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَّعِظُوا فَمَرُّوا بِها كَما مَرَّتْ رِكابُهم، أوْ لا يَأْمُلُونَ نُشُورًا كَما يَأْمُلُهُ المُؤْمِنُونَ طَمَعًا في الثَّوابِ، أوْ لا يَخافُونَهُ عَلى اللُّغَةِ التِّهامِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ أَتَوْا} يعني أهل مكة {عَلَى القرية} سدوم وهي أعظم قرى قوم لوط وكانت خمساً أهلك الله أربعاً مع أهلها وبقيت واحدة {التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء} أي أمطر الله عليها الحجارة يعني أن قريشاً مروا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ومطر السوء مفعول ثانٍ والأصل أمطرت القرية مطراً أو مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} أما شاهدوا ذلك بأبصارهم عند سفرهم الشام فيتفكروا فيؤمنوا {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} بل كانوا قوماً كفرة بالبعث لا يخافون بعثا فلا يؤمنون أو
لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون لطعمهم فى الوصول إلى ثواب
الفرقان (٤٤ - ٤١)
أعمالهم
﴿ ولَقَدْ أتَوْا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مُشاهَدَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ المُتَبَّرَةِ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِها، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها؛ اعْتِناءً بِهِ، و(أتى) مُضَمَّنٌ مَعْنى مَرَّ لِتَعَدِّيهِ بِـ(عَلى) والمَعْنى: بِاللَّهِ لَقَدْ مَرَّ قُرَيْشٌ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ.
﴿ عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ وهي سَذُومُ، وهي أعْظَمُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ قاضِيها سَذُومَ - بِالذّالِ المُعْجَمَةِ عَلى ما صَحَّحَهُ الأزْهَرِيُّ واعْتَمَدَهُ في الكَشْفِ - وفي المَثَلِ: (أجْوَرُ مِن سَذُومَ) أهْلَكَها اللَّهُ تَعالى بِالحِجارَةِ، وهو المُرادُ بِمَطَرِ السَّوْءِ، وكَذا أهْلَكَ سائِرَ قُراهم - وكانَتْ خَمْسًا - إلّا قَرْيَةً واحِدَةً وهي زَغَرُ لَمْ يُهْلِكْها؛ لِأنَّ أهْلَها لَمْ يَعْمَلُوا العَمَلَ الخَبِيثَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وإفْرادُ القَرْيَةِ بِالذِّكْرِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ، وانْتَصَبَ ( مَطَرَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(أُمْطِرَتْ) عَلى مَعْنى أُعْطِيَتْ أوْ أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ كَما قِيلَ في ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ إمْطارًا مِثْلَ مَطَرِ السَّوْءِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (مُطِرَتْ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومُطِرَ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «مَطَرَ السُّوءِ» بِضَمِّ السِّينِ ﴿ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴾ تَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ التَّذَكُّرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما يُوجِبُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ نَفْيِ اسْتِمْرارِ رُؤْيَتِهِمْ لَها وتَقْرِيرِ اسْتِمْرارِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ ما يُوجِبُها مِن إتْيانِهِمْ عَلَيْها لا لِإنْكارِ اسْتِمْرارِ نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ وتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِمْ لَها، والفاءُ لِعَطْفِ مَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، أوْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مِرارِ مُرُورِهِمْ لِيَتَّعِظُوا بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ العَذابِ.
والمُنْكَرُ في الأوَّلِ النَّظَرُ وعَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّظَرِ المُوجِبِ لَها عادَةً، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
ولَمْ يَقُلْ: أفَلَمْ يَرَوْنَها - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ قَصْدًا - لِإفادَةِ التَّكْرارِ مَعَ الِاسْتِمْرارِ، ولَمْ يُصَرَّحْ في أوَّلِ الآيَةِ بِنَحْوِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: (ولَقَدْ كانُوا يَأْتُونَ) بَدَلَ (ولَقَدْ أتَوْا) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرُورَ - ولَوْ مَرَّةً - كافٍ في العِبْرَةِ، فَتَأمَّلْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ إمّا إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِ ما جَرى عَلى أهْلِ القُرى مِنَ العُقُوبَةِ وبَيانٌ لِكَوْنِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِمَعاصِيهِمْ لا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِهِمْ، خَلا أنَّهُ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن إنْكارِ الجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ، وقَدْ كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعَدَمِ رَجاءِ النُّشُورِ، والمُرادُ بِالرَّجاءِ التَّوَقُّعُ مَجازًا، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ كانُوا لا يَتَوَقَّعُونَ النُّشُورَ المُسْتَتْبَعَ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ ويُنْكِرُونَهُ، ولا يَرَوْنَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ نُشُورًا أصْلًا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَتْمًا، وشُمُولِهِ لِلنّاسِ عُمُومًا، واطِّرادِهِ وُقُوعًا، فَكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ الدُّنْيَوِيِّ في حَقِّ طائِفَةٍ خاصَّةٍ مَعَ عَدَمِ الِاطِّرادِ والمُلازَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعاصِي حَتّى يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِما شاهَدُوهُ مِن آثارِ الهَلاكِ وإنَّما يَحْمِلُونَهُ عَلى الِاتِّفاقِ، وإمّا انْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ التَّذَكُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ رَجاءِ النُّشُورِ، وحَمْلُ الرَّجاءِ عَلى التَّوَقُّعِ وعُمُومِ النُّشُورِ أوْفَقُ بِالمَقامِ.
وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، أعْنِي انْتِظارَ الخَيْرِ، والمُرادُ بِالنُّشُورِ نُشُورٌ فِيهِ خَيْرٌ كَنُشُورِ المُسْلِمِينَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ عَلى لُغَةِ تِهامَةَ، والمُرادُ بِالنُّشُورِ نُشُورُهُمْ، والكُلُّ كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ يعني: أهل مكة مروا على القرية الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعني: قريات لوط أمطرنا عليهم الحجارة: أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها يعني: أفلم يبصروها، فيعتبروا بها بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً يعني: بل كانوا لا يخافون البعث.
ويقال: لا يرجون ثواب الآخرة، وإنما جاز أن يعبر عنهما، لأن في الرجاء طرفاً من الخوف، لأن كل من يرجو شيئاً فإنه يخاف، وربما يدرك، وربما لا يدرك.
قوله عز وجل: وَإِذا رَأَوْكَ يعني: أهل مكة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً يعني: ما يقولون لك إلا سخرية فيما بينهم ويقولون: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يعني: إلينا، وهو قول أبي جهل حين قال لأبي سفيان بن حرب: أهذا نبي بني عبد مناف إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا يعني: أراد أن يصرفنا عَنْ آلِهَتِنا يعني: عن عبادة آلهتنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها يعني: ثبتنا على عبادتها لأدخلنا في دينه.
حكى قولهم ثم بين مصيرهم فقال: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ يعني: يوم القيامة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أخطأ طريقاً، يعني: يبيّن لهم أن الذي قلت لهم كان حقا.
<div class="verse-tafsir"
قد قَدَّرَهَا وَقَدَّرَ نزوله فيها، وأَنَّ هؤلاءِ الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة منهم إلاَّ جاء القرآن بالحَقِّ في ذلك والجلية، ثم هو أحسن تفسيراً، وأفصح بياناً، وباقي الآية بَيِّنٌ تقدم تفسير نظيره، والجمهور: أَنَّ هذا المشي على الوجوه حقيقة، وقد جاء ٤٤ أكذلك في الحديث، وقد تقدَّمَ، ولفظ البخاريِّ عن أنس [رضي الله عنه] : / أَنَّ رَجُلاَّ قَالَ:
يَا نَبِيَّ الله، أَيُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
قال: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ في الدُّنْيَا قَادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» قال قتادة: بلى وعزّة ربّنا، انتهى.
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ...
الآيات تنبيه لكفار قريشٍ، وَتَوَعَّدٌ أَنْ يَحِلَّ بِهِم ما حَلَّ بهؤلاء المُعَذَّبين قال قتادة «٢» : أصحاب الرَّسِّ، وأَصحابُ الأيْكَةِ: قومانِ أُرْسِلَ إليهِما شُعَيْبٌ، وقاله وهب «٣» بن منبه، وقيل غير هذا.
وقوله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً إبهام لاَ يَعْلَمُ حقيقتَه إلاَّ الله عز وجل، والتَّبَارُ: الهلاك، والقرية التي أُمْطِرَت مَطَرَ السوء هي: «سدُوم» مدينة قوم لوط، وما لم نذكر تفسيره قد تقدم بيانه للفاهم المتيقظ، ثم ذكر سبحانه أَنَّهُم إذا رأوا محمداً عليه السلام قالوا على جهة الاستهزاء: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا.
قال ص: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ [إنْ] «٤» نافية، جوابُ «إذا» ، انتهى، ثم آنس الله تعالى نبيّه بقوله: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ...
الآية، المعنى: لا تتأسف عليهم،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أتَوْا ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ يَعْنِي قَرْيَةَ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي رُمِيَتْ بِالحِجارَةِ ﴿ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴾ في أسْفارِهِمْ فَيَعْتَبَرُوا؟!
ثُمَّ أخْبَرَ بِالَّذِي جَرَّأهم عَلى التَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ بَعْثًا، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الرَّجاءَ لَيْسَ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما المَعْنى: بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ ثَوابَ عَمَلِ الخَيْرِ، فَرَكَبُوا المَعاصِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكَ ﴿ إلا هُزُوًا ﴾ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَقُولُونَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ﴾ ﴿ إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا ﴾ أيْ: لَيَصْرِفُنا عَنْ عِبادَةِ آلِهَتِنا ﴿ لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِها؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ مَن أضَلُّ ﴾ أيْ: مَن أخْطَأُ طَرِيقًا عَنِ الهُدى، أهم، أمِ المُؤْمِنُونَ.
ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ مِن جَهْلِهِمْ حِينَ عَبَدُوا ما دَعاهم إلَيْهِ الهَوى، فَقالَ: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى يَتَّبِعُ هَواهُ ويَدَعُ الحَقَّ، فَهو لَهُ كالإلَهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ أيْ: حَفِيظًا يَحْفَظُهُ مِنَ اتِّباعِ هَواهُ.
وزَعَمَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ؛ والمُرادُ: يَسْمَعُونَ سَماعَ طالِبِ الإفْهامِ ﴿ أوْ يَعْقِلُونَ ﴾ ما يُعايِنُونَ مِنَ الحُجَجِ والأعْلامِ ﴿ إنْ هم إلا كالأنْعامِ ﴾ وفي وجْهِ تَشْبِيهِهِمْ بِالأنْعامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الأنْعامَ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْقَهُ القَوْلَ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لَها هَمٌّ إلّا المَأْكَلَ والمَشْرَبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا ﴾ لِأنَّ البَهائِمَ تَهْتَدِي لِمَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وتُقْبِلُ عَلى المُحْسِنِ إلَيْها، وهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ ﴿ وَإذا رَأوكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ﴿ إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عن آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ ﴿ أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والجَماعَةُ: الإشارَةُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي (سَدُومَ) بِالشامِ.
و "مَطَرُ السَوْءِ" حِجارَةُ السِجِّيلِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "السُوءِ" بِضَمِّ السِينِ المُشَدَّدَةِ.
ثُمْ وقَّفَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَعَرُّضِهِمْ لِسُخْطِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ رُؤْيَتِهِمُ العِبْرَةَ مِن تِلْكَ القَرْيَةِ، ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما أوجَبَهُ فَسادُ مُعْتَقَدِهِمْ في أمْرِ الآخِرَةِ، وأنَّهم لا يَرْجُونَ البَعْثَ، وكَذَلِكَ لا يَخافُونَهُ.
ثُمْ حَكى اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم إذا رَأوا مُحَمَّدًا اسْتَهْزَؤُوا بِهِ واحْتَقَرُوهُ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَهُ اللهُ تَعالى رَسُولًا، فَقالُوا -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ، وفي "بَعَثَ" ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى "الَّذِي" حُذِفَتِ اخْتِصارًا، وحَسُنَ ذَلِكَ في الصِفَةِ.
ثُمْ آيَسَ النَبِيَّ عن كُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ الآيَةُ، والمَعْنى: لا تَتَأسَّفُ عَلَيْهِمْ ودَعْهم لِرَأْيِهِمْ، ولا تَحْسَبْ أنَّهم عَلى ما تُحِبُّ مِنَ التَحْصِيلِ، بَلْ هم كالأنْعامِ في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ، وقِلَّةِ التَحَسُّسِ لِلْعَواقِبِ، ثُمْ حَكَمَ بِأنَّهم أضَلُّ سَبِيلًا مِن حَيْثُ لَهُمُ الفَهْمُ وتَرَكُوهُ، والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ، ومِن حَيْثُ جَهالَةِ هَؤُلاءِ وضَلالَتِهِمْ، وهي في أمْرٍ أخْطَرَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ جَهالَةُ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ أيْ: جَعَلَ هَواهُ مُطاعًا فَصارَ كالإلَهِ، والهَوى قائِدٌ إلى كُلِّ فَسادٍ، والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ، وإنَّما الصَلاحُ إذا ائْتَمَرَتْ لِلْعَقْلِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " إلَهَهُ هَواهُ " إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ حَجَرًا، فَإذا وجَدُوا أحْسَنَ مِنهُ طَرَحُوا الأوَّلَ وعَبَدُوا الثانِي الَّذِي وقَعَ هَواهم عَلَيْهِ.
قالَ أبُو حاتِمْ ورُوِيَ عن رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ -قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو الأعْرَجُ- [إلاهَهُ هَواهُ]، والمَعْنى: اتَّخَذَ شَمْسًا يَسْتَضِيءُ بِها، إذِ الشَمْسُ يُقالُ لَها: إلاهَةُ، ويُصْرَفُ ولا يُصْرَفُ، و "الوَكِيلُ": القائِمْ عَلى الأمْرِ الناهِضُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
لما كان سَوْق خبر قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرسّ وما بينهما من القرون مقصوداً لاعتبار قريش بمصائرهم نُقِل نَظْم الكلام هنا إلى إضاعتهم الاعتبار بذلك وبما هو أظهر منه لأنظارهم، وهو آثار العذاب الذي نَزل بقرية قوم لوط.
واقتران الخبر بلام القسم لإفادة معنى التعجيب من عدم اعتبارهم كما تقدم في قوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ [الفرقان: 21].
وكانت قريش يمرّون بديار قوم لوط في أسفارهم للتجارة إلى الشام فكانت ديارهم يمرّ بها طريقهم قال تعالى: ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحِين وبالليل أفلا تعقلون ﴾ [الصافات: 137، 138].
وكان طريق تجارتهم من مكة على المدينة ويدخلون أرض فلسطين فيمرّون حذو بحيرة لوط التي على شافتها بقايا مدينة «سدوم» ومعظمها غمرها الماء.
وتقدم ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وإنهما لبإماممٍ مُبين ﴾ في سورة الحجر (79).
والإتيان: المجيء.
وتعديته ب ﴿ على ﴾ لتضمينه معنى: مرّوا، لأن المقصود من التذكير بمجيء القرية التذكير بمصير أهلها فكأنّ مجيئهم إياها مرور بأهلها، فضمّن المجيء معنى المرور لأنه يشبه المرور، فإن المرور يتعلق بالسكان والمجيءَ يتعلق بالمكان فيقال: جئنا خراسان، ولا يقال: مررنا بخراسان.
وقال تعالى: ﴿ وإنكم لَتَمُرُّون عليهم مُصبِحِين وبالليل أفلا تعقلون ﴾ [الصافات: 137، 138].
ووصف القرية ب ﴿ التي أمطرت مطر السوء ﴾ لأنها اشتهرت بمضمون الصلة بين العرب وأهل الكتاب.
وهذه القرية هي المسماة «سَدُوم» بفتح السين وتخفيف الدال وكانت لقوم لوط قرى خمس أعظمها «سَدوم».
وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه ﴾ في سورة الأعراف (80).
و ﴿ مطر السوْء ﴾ هو عذاب نزل عليهم من السماء وهو حجارة من كبريت ورماد، وتسميته مطراً على طريقة التشبيه لأن حقيقة المطر ماء السماء.
والسَّوْء بفتح السين: الضرّ والعذاب، وأما بضم السين فهو ما يسوء.
والفتح هو الأصل في مصدر ساءه، وأما السُّوء بالضم فهو اسم مصدر، فغلب استعمال المصدر في الذي يسوء بضر، واستعمال اسم المصدر في ضد الإحسان.
وتفرع على تحقيق إتيانهم على القرية مع عدم انتفاعهم به استفهام صوري عن انتفاء رؤيتهم إياها حينما يأتون عليها، لأنهم لمّا لم يتّعظوا بها كانوا بحال من يُسأل عنهم: هل رأوها، فكان الاستفهام لإيقاظ العقول للبحث عن حالهم.
وهو استفهام إما مستعمل في الإنكار والتهديد، وإما مستعمل في الإيقاظ لمعرفة سبب عدم اتعاظهم.
وقوله: ﴿ بل كانوا لا يرجون نشوراً ﴾ يجوز أن يكون ﴿ بل ﴾ للإضراب الانتقالي انتقالاً من وصف تكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم اتعاظهم بما حل بالمكذبين من الأمم إلى ذكر تكذيبهم بالبعث، فيكون انتهاء الكلام عند قوله: ﴿ أفلم يكونوا يرونها ﴾ وهو الذي يجري على الوجه الأول في الاستفهام.
وعبر عن إنكارهم البعث بعَدم رجائه لأن منكر البعث لا يَرجو منه نفعاً ولا يخشى منه ضراً، فعبر عن إنكار البعث بأحد شقّي الإنكار تعريضاً بأنهم ليسوا مثل المؤمنين يرجون رحمة الله.
والنشور: مصدر نشر الميت أحْياه، فنشَر، أي حيي.
وهو من الألفاظ التي جرت في كلام العرب على معنى التخيّل لأنهم لا يعتقدونه، ويروى للمُهَلْهِل في قتاله لبني بكر ابن وائل الذين قتلوا أخاه كليباً قولُه: يا لبَكر انشروا لي كُليباً *** يا لبكر أين أينَ الفِرارُ فإذا صحّت نسبة البيت إليه كان مراده من ذلك تعجيزهم ليتوسل إلى قتالهم.
والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فلم يكن لهم استعداد للاعتبار، لأن الاعتبار ينشأ عن المراقبة ومحاسبةِ النفس لطلب النجاة، وهؤلاء المشركون لما نشأوا على إهمال الاستعداد لِمَا بعد الموت قُصرت أفهامهم على هذا العالم العاجل فلم يُعنَوا إلا بأسباب وسائل العاجلة، فهم مع زكانتهم في تفرس الذوات والشيات ومراقبة سير النجوم وأنواء المطر والريح ورائحة أتربة منازل الأحياء، هم مع ذلك كله معرضون بأنظارهم عن توسم الإلهيات وحياة الأنفس ونحو ذلك.
وأصل ذلك الضلاللِ كلّه انجرّ لهم من إنكار البعث فلذلك جعل هنا علة لانتفاء اعتبارهم بمصير أمة كذبت رسولها وعصت ربها.
وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ [الحجر: 75] أي دون مَن لا يتوسمون.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الرَّسَّ المَعْدِنُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ قَرْيَةٌ مِن قُرى اليَمامَةِ يُقالُ لَهُ الفَجُّ مِن ثَمُودَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ نَجْرانَ واليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ البِئْرُ.
وَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها البِئْرُ الَّتِي قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ بِئْرٍ إذا حُفِرَتْ ولَمْ تُطْوَ فَهي رَسٌّ قالَ زُهَيْرٌ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ في الفَمِ وَفِي أصْحابِ الرَّسِّ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمُ شُعَيْبٍ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا نُزُولًا عَلى بِئْرٍ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، وكانُوا لا يَظْفَرُونَ بِأحَدٍ يُخالِفُ دِينَهم إلّا قَتَلُوهُ ورَسُّوهُ فِيها، وكانَ الرَّسُّ بِالشّامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ وهم أوَّلُ مَن عَمِلَ نِساؤُهُمُ السِّحْرَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ ﴾ وهي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ.
﴿ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، والَّذِينَ أتَوْا عَلَيْها قُرَيْشٌ.
﴿ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴾ أيْ يَعْتَبِرُونَ بِها.
﴿ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ أيْ لا يَخافُونَ بَعْثًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وكلاًّ ضربنا له الأمثال وكلاًّ تبرنا تتبيراً ﴾ قال: كل قد أعذر الله إليه وبين له ثم انتقم منه ﴿ ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ﴾ قال: قرية لوط ﴿ بل كانوا لا يرجون نشوراً ﴾ قال: بعثا ولا حساباً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وكلاًّ تبرنا تتبيراً ﴾ قال: تبر الله كلا بالعذاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: ﴿ تبرنا ﴾ بالنبطية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد أتوا على القرية ﴾ قال: هي سدوم قرية قوم لوط ﴿ التي أمطرت مطر السوء ﴾ قال: الحجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ ولقد أتوا على القرية ﴾ قال: قرية لوط.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ولقد أتوا على القرية ﴾ قال: هي بين الشام والمدينة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لا يرجون نشوراً ﴾ قال: بعثاً وفي قوله: ﴿ لولا أن صبرنا عليها ﴾ قال: ثبتنا.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا ﴾ يعني: كفار مكة (١) ﴿ عَلَى الْقَرْيَةِ ﴾ يعني: قرية قوم لوط (٢) ﴿ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ قال مقاتل، وغيره: يعنى: الحجارة، كل حجر في العِظَم على قدر إنسان (٣) ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ﴾ في أسفارهم إذا مروا بها فيخافوا ويعتبروا (٤) قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط (٥) ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴾ .
ثم أعلم الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن الذي جرأهم على التكذيب، وترك المبالاة بما شاهدوا من التعذيب في الدنيا أنهم كانوا لا يصدقون بالبعث، فقال: ﴿ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لا يخافون بعثًا، ولا يصدقون به (٦) (١) "تنوير المقباس" ص 303.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 69.
و"تفسير السمرقندي" 2/ 461.
وتصدير قصة قوم لوط - - باللام، وقد، دليل على عظم إعراضهم عن الانتفاع بالمواعظ والزواجر.
والله أعلم.
(٢) "تنوير المقباس" ص 303.
والزجاج 4/ 69.
والسمرقندي 2/ 461.
وذكر الثعلبي 8/ 99 أ، والزمخشري 3/ 273، والرازي 24/ 84، وأبو حيان 6/ 458 ونسبه == لابن عباس، وأبو السعود 6/ 219، والألوسي 19/ 21، أنها خمس قرى، فأهلك الله أربعاً، وبقيت الخامسة، وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل الخبيث.
وهذا مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى لم يستثن منهم قرية، بل استُثني من العذاب أهلُ لوط - - فقط.
قال الله تعالى: ﴿ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ﴾ ، قال ابن كثير 4/ 174: والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطاً - -.
وذكر ابن عطية 11/ 42، وابن كثير 6/ 112، والبيضاوي 2/ 142، أن اسم القرية: سدوم، بالشام.
قال أبو حاتم في كتاب: المُزال والمُفسَد: إنما هو سذوم، بالذال المعجمة، والدال خطأ.
نقله الأزهري، في "تهذيب اللغة" 12/ 374، وصححه.
وعنه ياقوت في معجم البلدان 3/ 226 - واقتصر المراغي 19/ 18، والألوسي 19/ 21، على ذكرها بالذال.
(٣) "تفسير مقاتل" ص 45 ب.
وذكره البرسوي 6/ 214، ولم ينسبه.
وهي حجارة السجيل، المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴾ .
ووصف مقاتل لها بأنها في العظم على قدر الإنسان يحتاج إلى إثبات؛ ووصفها بالإمطار يدل على أنها شبيهة بالمطر في الكثرة، والتتابع، ولا يلزم من ذلك كبرها وعظمها، والله أعلم.
(٤) "تفسير الثعلبي" 8/ 99 أ.
و"تفسير الماوردي" 4/ 146.
(٥) ذكره البغوي 6/ 85، ولم يخسجه.
ونسبه القرطبي 13/ 34، لابن عباس ما.
(٦) "تفسير مقاتل" ص 45 ب.
أخرج ابن أبي حاتم 182 أ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿ لَا يَرْجُونَ ﴾ أي: لا يخافون.
وأخرج ابن جرير 19/ 17، عن ابن جريج: ﴿ وَلاَ نُشُورًا ﴾ بعثاً.
قال ابن الجوزي: أي: لا يخافون بعثاً، هذا قول المفسرين.
"زاد المسير" 6/ 91.
وقال الزجاج: الذي عليه أهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، وإنما المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير، فركبوا المعاصي.
"معاني القرآن" للزجاج 4/ 69.
وارتضى هذا القول الرازي 24/ 84.
وجوَّز القرطبي 13/ 34، القولين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال ﴾ أي بيناً له ﴿ تَبَّرْنَا ﴾ أي أهلكنا ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية ﴾ الضمير في أتوا لقريش وغيرهم من الكفار، والقرية قرية قوم لوط، ومطر السوء الحجارة ثم سألهم على رؤيتهم لها؛ لأنها في طريقهم إلى الشام، ثم أخبر أن سبب عدم اعتبارهم بها كفرهم بالنشور.
و ﴿ يَرْجُونَ ﴾ كقوله: ﴿ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ [الفرقان: 21]، وقد ذكر ﴿ أهذا الذي ﴾ حكاية قولهم على وجه الاستهزاء، فالجملة في موضع مفعول لقول محذوف يدل عليه هذا، وقوله: ﴿ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا ﴾ استئناف جملة أخرى وتم كلامهم، واستأنف كلام الله تعالى في قوله: ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ الآية على وجه التهديد لهم ﴿ اتخذ إلهه هَوَاهُ ﴾ أي أطاع هواه حتى صار كأنه له إله ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ لأن الأنعام ليس لها عقول، وهؤلاء لهم عقول ضيعوها، ولأن الأنعام تطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء يتركون أنفع الأشياء وهو الثواب، ولا يخافون أضرّ الأشياء وهو العقاب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تشقق ﴾ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة "ق":عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو.
والآخرون بالتشديد للإدغام.
﴿ وننزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير.
الباقون ﴿ وينزل ﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع.
﴿ يا ليتني اتخذت ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو عمرو ﴿ قومي اتخذوا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ وثمود ﴾ بغير تنوين في الحالين: حمزة وسهل ويعقوب وحفص.
الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير ﴿ بشراً ﴾ مذكور في "الأعراف".
﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ ونسقيه ﴾ بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها.
الوقوف: ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ط ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ مقيلاً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ للرحمن ﴾ ط ﴿ عسيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ إذ جاءني ﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله ظاهراً، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم.
﴿ خذولاً ﴾ ه ﴿ مهجوراً ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ط ﴿ ونصيراً ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿ كذلك ﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم اضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت.
﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ تفسيراً ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ جهنم ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ وزيراً ﴾ ه ج للآية ولفاء العطف ﴿ بآياتنا ﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿ فدمرناهم تدميراً ﴾ 5ط لأن ﴿ قوم نوح ﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿ آية ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ أليما ﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿ عاداً ﴾ على الضمير في ﴿ جعلناهم ﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ الأمثال ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ﴿ يرونها ﴾ لا للعطف مع الإضراب.
﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعقلون ﴾ ه ج لابتداء النفي ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الظل ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلىالشرط مع اتحاد المقصود ﴿ ساكناً ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ دليلاً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ نشوراً ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ج للعدول ﴿ طهوراً ﴾ ه ج لتعلق اللام ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ليذكروا ﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقاً يكون أسهل إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على المطلوب، فلو كان محمد صادقاً لكان مؤيداً بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه.
قال الفراء: معنى ﴿ لا يرجون ﴾ لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضاً.
واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه منزه عن ذلك بل بمعنى الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والسحاب عند المعتزلة، وقد مر في أوائل البقرة في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض قوله: ﴿ أو نرى ربنا ﴾ أي جهرة وعياناً فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا.
قال جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وإنه لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون، وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ .
ثم إنه أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه.
ثم نسبهم إلى الإفراط في الظلم بقوله ﴿ وعتواً ﴾ ثم وصف العتوّ بالكبر.
قال جار الله: اللام جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوّهم!
وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت دلالة نبوّة محمد فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض الاستكبار والاستنكار.
وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان ايضاً من جملة المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح.
وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد.
ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي.
وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء.
وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم.
وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ لا يرجون لقاءنا ﴾ على أن رؤية الله مرجوّة.
واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ لقد استكبروا ﴾ ﴿ وعتواً ﴾ أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب ﴿ يوم يرون ﴾ بإضمار "اذكر" فيكون ﴿ لا بشرى ﴾ مستأنفاً أو بما دل عليه ﴿ لا بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق.
﴿ يومئذ ﴾ للتكرير وقوله ﴿ للمجرمين ﴾ ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر.
أما قوله: ﴿ حجراً محجوراً ﴾ فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟
فيقول: حجراً.
وقد ذكره سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو "معاذ الله وعمرك الله ومعناه منعاً" اي اسال الله أن يمنع ذلك منعاً كما أن المستعيذ طالب من الله عز وجل أن يمنع المكروه.
ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال "شعر شاعر وجد جده".
والأكثرون على أن القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا يقولونه عند نزول كل شدّة.
وقيل: هم الملائكة ومعناه حراماً محرّماً أي جعل الله الجنة والغفران أو البشرى حراماً عليكم.
يروى أن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجراً محجوراً.
وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجراً محجوراً.
وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجراً محجوراً.
ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى اشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فافسدها بحيث لم يترك منها أثراً وإلا فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه عن الجسمية وصفاتها.
قال أهل المعاني: القادم إلى لاشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم المسبب على السبب مجازاً.
وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلا موضع الحساب في الآخرة.
والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار.
وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته.
وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك تراه منتظماً مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب.
والمراد: جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه.
ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير ﴾ ووجه صحة التفضيل ما بين في قوله: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ أو التفاوت بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو على سبيل الفرض اي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
والسمتقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والاستمتاع بمغالتهنّ وملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول "خير مقيلاً" رمزاً إلى التحسنات الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك.
قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وعن سعيد بن جبير: إن الله إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من ايام الدنيا ثم يقولون من يومهم ذلك في الجنة.
وحاصل الاية أن أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان.
ثم أراد أن يصف أهوال يوم القيامة فقال ﴿ ويوم تشقق ﴾ أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد: قال الفراء: الباء بمعنى "عن" لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل الله الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها.
عن مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب .
قال العلماء: هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات.
وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضاً وطولاً بحيث تسع كل هؤلاء.
ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام وهو سترة بين السماء والأرض، والله فوق أهل القيامة.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصبرون سبع صفوف حول العالم.
والظاهر أن اللام في الغمام لجنس.
ومنهم من قال: هي للعهد والمعهود قوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه.
ومعنى ﴿ تنزيلاً ﴾ توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
قال الزجاج ﴿ الحق ﴾ صفة الملك اي الملك الثابت الذي لا يزول ﴿ للرحمن ﴾ يومئذ ونظيره ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ويجوز أن يكون يومئذ تكريراً لقوله ﴿ ويوم تشقق ﴾ وإعرابهما واحد.
والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة.
قالت الأشاعرة: ههنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان خائفاً أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق.
وأيضاً لو كان العبد مالكاً للثواب لم يكن الله مالكاً مطلقاً بل يكون عبداً ضعيفاً لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيراً محتاجاً إلى أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟
وكان ذلك اليوم يوماً عسيراً على الكافرين لا على المؤمنين.
واللام في ﴿ الظالم ﴾ ظاهر الاستغراق والشمول أو للجنس.
وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله فأبى أن يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أُبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟
قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه لو تبزق في وجهه.
فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر علياً بقتله.
وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه وذكروا فاضلين من الصحابة وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر.
والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر غالباً ونظيره "سقط في يده وأكل من بنانه" وأمثال ذلك.
وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت.
قال جار الله: تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب به طرق الضلالة والهوى، أو اراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت لنفسي في صحبة الرسول سبيلاً.
وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس، فإِن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم اتخذ أُبياً خليلاً فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم فجعله كناية عن.
قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية.
لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان.
لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله : ﴿ يقول يا ليتني ﴾ الخ.
والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة.
أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل وخالف الرسول ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن من الجن والإنس.
ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول وشكاهم إلى الله عز وجل وقال ﴿ يا رب إن قومي ﴾ يعني قريشاً ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ﴾ أي تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به.
وعن ابي مسلم أن المراد: وقال الرسول يوم القيامة.
روي عن أنس عن النبي "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" .
وقيل: هو من هجر إذا هذى.
والجار محذوف أي جعلوه مهجوراً فيه.
وعلى هذا فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه.
والثاني أنهم كانوا إذا سمعوه لغوا فيه.
وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدراً بمعنى الهجر كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجراً.
سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح ﴿ رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ فكيف صارت شكاية نوح سبباً لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا سبباً لذلك؟
الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم إياه الغاية "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" هذا مع أنه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال ﴿ وكذلك جعلنا ﴾ بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ ﴿ وكفى بربك هادياً ونصيراً ﴾ إلى مصالح الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيراً لك على أعدائك.
ثم حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة أي مجتمعاً.
ومعنى التنزيل ههنا التعدية فقط لقريتة قوله ﴿ جملة ﴾ خلاف ما تقرر في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ لنثبت ﴾ الخ.
وتقريره من وجوه أحدها: أن محمداً لم يكن قارئاً كاتباً بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة.
وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط وأبعد عن النسيان والسهو.
وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج.
وثالثها إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة.
ورابعها أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة.
وخامسها أن نزوله مفرّقاً يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعة، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز.
وسادسها أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها.
وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل.
وللترتيل معانٍ منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة.
ومنها التأني في القراءة ومعنى ﴿ ورتلناه ﴾ أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: لا يسرد كسردكم.
هذا لو اراد السامع أن يعدّ حروفها لعدها وهو مأخوذ من ترتيل الأسنان أي تفليحها.
يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه.
ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد متقاربة.
ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ اي بسؤال عجيب من اسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم.
قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا.
ووجه آخر وهو أن يراد ﴿ ولا يأتونك ﴾ بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بياناً لما بعثت به، ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقاً منجماً فإن ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكاناً من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في صفة أهل الجنة خير مستقراً.
قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله.
عن أبي هريرة عن النبي "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون نسلاً" .
ثم ذكر طرفاً من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطاً للأذهان وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من ارسلناه فكذب وآتيناه الآيات فردّ بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد.
ومعنى الوزير تقدم في "طه".
والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً.
ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما ﴿ اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماضٍ والمعنى على الاستقبال على عادة إخبار الله .
ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف.
والتدمير الإهلاك ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل ﴾ بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحاً كأنهم لم يروا بعثة الرسل اصلاً كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم ﴿ أغرقناهم وجعلناهم ﴾ أي إغراقهم وقصتهم ﴿ للناس آية ﴾ محل اعتبار ﴿ وأعتدنا للظالمين ﴾ وهم قوم نوح أو لكل من سلك سبيلهم في التكذيب.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام اصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود.
وقيل: هم اصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطيرسميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة.
ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
وقيل: هم اصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في الحفيرة.
وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس.
وعن علي أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض.
وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها قوالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص.وروى ابن جرير بإسناده إلىالنبي : "إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما اراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين.
ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة" .
قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿ وقروناً بين ذلك ﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب "فذلك كذا" أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا ﴿ وكلاً ﴾ من الأمم والقرون ﴿ ضربنا له الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا ﴿ وكلاً تبرنا ﴾ أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ينجع فيهم ضرب المثل.
والتتبير التفتيت والتكسير.
و ﴿ كلاً ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو انذرنا أو حذرنا ﴿ كلاً ﴾ الثاني منصوب ﴿ بتبرنا ﴾ لأنه ليس بمشتغل عنه بضميره.
والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت خمساً، ومطر السوء الحجارة.
﴿ افلم يكونوا ﴾ في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى الشام ﴿ يرونها بل كانوا ﴾ قوماً كفروا بالبعث لا يتوقعون نشوراً وعاقبة فمن ثم لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار.
﴿ و ﴾ من جملة كفرهم وعنادهم أنهم ﴿ إذا رأوك يتخذونك إلا ﴾ محل هزؤ.
ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون مشيرين إليه على سبيل الاستحقار.
هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولاً بزعمه.
ويجوز أن يكون تسميته رسولاً استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار.
وفي هذا جهل عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقاً وأعدلهم مزاجاً مع أنه لم يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين اصروا على الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن أخت خالتهم إذ قالوا ﴿ إن كاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام في ﴿ ليضلنا ﴾ هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط لجاجهم وصبرهم على عبادة آلهتهم.
أطلقوا المقاربة أوّلاً ثم قيدوها بلولا الامتناعية ثانياً، وفيه أنه بذل قصارى مجهوده في دعوتهم حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم.
وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد ان يكون ضالاً في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله ﴿ وسوف يعلمون ﴾ إلى آخر الآية.
وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة.
ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال معجباً لرسوله: ﴿ أرأيت من اتخذ إِلَـٰهَهُ هواه ﴾ قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً.
ثم نفى أن يكون هو حافظاً عليهم كقوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ قال الكلبي: نسختها آية القتال.
عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر.
ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً: ﴿ أم يحسب ﴾ وهي منقطعة ومعناه "بل" أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف.
وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما.
وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ قال جار الله: جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت: ويحسن أيضاً ان يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر.
ومنهم من قال: إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار.
ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ربك أو الم تر إلى الظل كيف مده ربك.
وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع.
والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال.
وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: ﴿ وظل ممدود ﴾ ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظلمه فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلاً.
فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ أي جعله ممتداً منبسطاً على الأجسام.
﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ لاصقاً بكل مظل.
﴿ ثم جعلنا الشمس ﴾ على وجوده ﴿ دليلاً ﴾ فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: ﴿ ثم قبضناه ﴾ اي أزلنا الظل لا دفعه بل يسيراً يسيراً فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئاً بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة.
الثاني أنه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدوداً منبسطاً، ولو شاء لجعله ساكناً مستقراً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها دليلاً على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء الإظلال إلى غاية مّا من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة.
وقوله ﴿ إلينا ﴾ يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله ﴿ يسيراً ﴾ كما قال ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، والسبات الراحة قاله أبومسلم.
وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة.
قال جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
الاستدلال الثالث قوله ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ﴾ أي قدم المطر وقد مر تفسيره في "الأعراف" وأنه لم قال ههنا ﴿ أرسل ﴾ بلفظ الماضي وهناك ﴿ يرسل ﴾ أما قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ فهو علم بين الفقهاء في الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.
واعتراض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس "فعول" من "التفعيل" في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم ان الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك "ماء طهور" اي طاهر، واسم غير صفة ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهراً لغيره فكأنه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه.
ومما يؤكد هذا التفسير أنه ذكره في معرض الأنعام فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ .
ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: ههنا نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟
مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات.
وقال الشافعي وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد إعوازه أيضاً ودليله في الخبث قوله "ثم اغسليه بالماء" .
النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد.
أما الأول فلإطلاق الآية ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ والصل بقاؤه وللحديث "خلق الماء طهوراً" ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وابدانهم، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
وأما الثاني فلقوله "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانياً ولو كان طهوراً لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم.
وقال مالك والسدي: إنه طاهر مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه.
وروي "أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده" .
وعن ابن عباس " أنه اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة" ، ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه.
وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياساً للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية.
والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على الثاني.
والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات.
البحث الثاني الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء.
وإن تغير بغيره ولم يتصل به كما لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضاً مطهر،وإن اتصل به وكان طاهراً ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب فهو أيضاً مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعاً للحرج، وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء مستغنياً عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضوء به وإلا فلا خلافاً لأبي حنيفة.
حجة الشافعي أنه توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه لا يقبل الصلاة بما دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه.
قال: وأيضاً إذا اختلط ماء الولد بالماء فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بما الورد لا بالماء فيكون الحدث يقيناً والطهر مشكوكاً فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر اثره فإنه كالمعدوم.
وأيضاً الوضوء تعبد لا يعقل معناه ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص.
حجة أبي حنيفة إطلاق الآية وقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ وقوله ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها.
هذا كله إذا كان الخليط طاهراً، فإن كان نجساً فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وداود وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً.
ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله في البدن لأداء عبادة.
وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري.
قال: وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله.
ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء اربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال.
وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه.
وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ﴾ ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، ولقوله "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" فبقي ما عداه على الأصل.
ومنها قوله : ﴿ فاغسلوا ﴾ والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح.
ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير.
ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند ابي حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها.
ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟
ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة.
وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به.
وايّ فرق بين الجاري والراكد؟
والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير.
ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟.
ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر.
ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" فضعيف.
لأن راوية مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل.
فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة.
سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل.
سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب، فقد روي "إذا بلغ الماء قلتين" وروي "إذا بلغ قلة" وروي "أربعين" "وإذا بلغ كرين" سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله.
سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً.
ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ينجس شرعاً؟
سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟
أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن كثيراً من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين قال: إنه جيد الإسناد.
فقيل له: إن ابن علية وقفه على ابن عمر.
فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه.
وقوله "القلة مجهولة" غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال هجر.
ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئاً.
وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين ايضاً بتلك المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل.
حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله : ﴿ ويحرم عليهم الخبائث ﴾ وقوله ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ } [النحل: 115] وقال في الخمر ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ حرم هذه الشياء مطلقاً ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءاً من النجاسة.
وأيضاً الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضاً قال "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة" أطلق من غير فرق بين القليل والكثير.
أجاب مالك أنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم.
واعلم أنه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال: ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴾ ففي وصفه ههنا بكونه طهوراً إشارة إلى ذلك.
ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين.
أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق.
وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم.
قال ﴿ ميتاً ﴾ مع قوله ﴿ بلدة ﴾ بالتأنيث لأن "فيعلاً" غير جارٍ على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان.
والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن اصله أناسين فقلبت النون ياء.
و"فعيل" قد يستوي فيه الواحد والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ .
اسئلة أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء ولاسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش.
الجواب لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم وتتميماً للمنة عليهم واشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهراً غير مخالط لشيء من القاذورات.
قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر آنفاً.
السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟
الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب لاماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه.
الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟
الجواب لأن بعض الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ماء السماء احتياجاً بيناً، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله ﴿ بلدة ميتاً ﴾ قوله ﴿ ولقد صرفناه ﴾ الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها.
وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفوراً وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا استقلالاً.
فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس.
والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل.
والعرب تضيف الأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع.
فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من مطر وغيره يقال: خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده اثر علوي؟
عن ابن عباس: ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية.
ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي.
قال الجبائي: في قوله ﴿ ليذكروا ﴾ دليل على أنه أراد من الكل التذكر والإيمان.
وفي قوله ﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال للزمن مثلاً إنه أن يسعى.
وقال الكعبي: الضمير في ﴿ بينهم ﴾ لكل الناس فيكون الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن يؤمنوا ويعتبروا ومعارضة الأشاعرة معلومة.
التأويل: ﴿ ويوم تشقق السماء ﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿ الملك ﴾ الحقيقي ﴿ يومئذ ﴾ ﴿ للرحمن ﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: ﴿ وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿ على يديه ﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله .
وعن مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار.
﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي في سر ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ فلما أزهر كان زهره ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلما أثمر كانت ثمرته ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ ﴿ يحشرون على وجوههم ﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿ الم تر إلى ربك ﴾ فيه أن نبينا رآه وقد قال لموسى ﴿ لن تراني ﴾ وذلك البقاء أنانيته ﴿ كيف مدّ الظل ﴾ عالم الأجسام ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ في كتم العدم ﴿ ثم جعلنا ﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير.
وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه.
وفي قوله ﴿ ثم جعلنا ﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ وهذه مرتبة الصديقين.
وقوله ﴿ ثم قبضناه ﴾ كقوله ﴿ كل شيء هالك ﴾ ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من افق العناية عند صباح الهداية: ﴿ ولو شاء لجعله ﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان.
وفي قوله: ﴿ ثم قبضناه ﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف.
ثم بين حكمة الإظلال بقوله: ﴿ وهو الذي جعل لكم ﴾ ليلة البشرية ﴿ لباساً ﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿ وهو الذي أرسل ﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿ وأنزلنا ﴾ من سماء الكرم ﴿ ماء ﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿ لنحيي به بلدة ﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ ونسقيه ﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال "لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات.
﴿ ولقد صرفنا ﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ ليذكروا ﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿ فأبى أكثر ﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿ إلا كفوراً ﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ أي: التوراة، ﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً ﴾ : ذكر هاهنا أنه كان وزيرا له، وذكر في آية أخرى: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ﴾ ، وفي آية أخرى: أنه كان نبيّاً حيث قال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ﴾ ، فكان ما ذكر ذلك كله نبيّاً ورسولا، وكان له وزيرا، والوزير هو العون والعضد، فإنه قال: ﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً ﴾ أي: عونا وعضدا؛ كقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ ؛ لأنه سأل ربه المعونة له والإشراك في أمره، وقال: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ﴾ .
وقال الزجاج: الوزير هو الذي يلجأ إليه في النوائب ويعتصم بأمره؛ وهو واحد.
وقوله: ﴿ فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً ﴾ أي: أهلكناهم إهلاكا.
وقوله: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ ﴾ نوحاً خاصة؛ لأنه ذكر قوم نوح، فإن كان ذلك، ففيه دلالة جواز تسمية الواحد باسم الجماعة.
وجائز أن يكون نوح دعاهم إلى الإيمان وتصديق الرسل، فكذبوه وكذبوا الرسل جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَغْرَقْنَاهُمْ ﴾ : لم يغرقهم على أثر تكذيبهم إياه، ولكن إنما أغرقهم بعدما دعاهم ألف سنة إلى خمسين عاماً.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ﴾ أي: آية للمكذبين والمصدقين، لما بين حكمه في المكذبين منهم: الإهلاك والاستئصال، وفي المصدقين منهم: النجاة والخلاص منه، فذلك آية لكل مكذب ومصدق؛ لما إليه يئول عاقبة أمرهم: عاقبة المكذبين: الإهلاك، وعاقبة المصدقين: النجاة.
فإن قيل: إنهم جميعاً قد هلكوا المصدقون منهم والمكذبون، قيل: أهلك المكذبون منهم إهلاك عقوبة وتعذيب، والمصدقون هلاكهم بانقضاء آجالهم لا هلاك عقوبة.
ثم ذكر: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ﴾ فمعنى جعل أنفسهم آية ما ذكرنا.
وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أي: السفينة.
قال بعضهم: جعل السفينة آية؛ لأن من طبع السفن أنها إذا امتدت الأوقات وطال الزمان أنها تفسد وتتلاشى، وهي بعد باقية كما هي - أعني: سفينة نوح - لكن ذلك لا يعلم أنه كما ذكر أو لا، فالوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : هكذا جزاء كل ظالم - ظلم كفر وشرك - أن يعد له العذاب الأليم.
وقوله: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً ﴾ : أخبر أنه أهلك هؤلاء كلهم بالتكذيب: عادا وهم قوم هود، وثمودا وهم قوم صالح، وأصحاب الرس: قال بعضهم: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في بئر، أي: رسوه فيها.
وقال بعضهم: الرس: هو اسم لبئر كانوا نزولا عليها، فبعث إليها شعيباً فكذبوه، فسموا بذلك ونسبوا إلى تلك البئر.
وعن ابن عباس: أنه سأل كعباً عن أصحاب الرس فقال: إنكم معاشر العرب تدعون البئر: رسا، والقبر: رسا، وتدعون الخد: رسا، فخدوا خدوداً في الأرض فأوقدوا فيها النيران للرسولين اللذين ذكر الله في يس: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: ذكرنا لأهل مكة أمثال من تقدم منهم من الأمم من المكذبين والمصدقين، وما حل بهم وما إليه آل عاقبة أمورهم بالتكذيب، حيث قال: ﴿ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً ﴾ أي: أهلكنا إهلاكاً.
وقال بعضهم: ﴿ تَبَّرْنَا ﴾ أي: كسرنا بالنبطية، يقول أحدهم للشيء إذا أراد أن يكسره: أتبره.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا ﴾ : يعني والله أعلم: أهل مكة، ﴿ عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ ﴾ : وهي الحجارة، يعني - والله أعلم -: قريات لوط، أي: يمر عليهم أهل مكة في تجارتهم ويأتونها؛ وهو كما قال في الصافات: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ...
﴾ الآية [الصافات: 137].
﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا ﴾ : ما حلّ بهم بالتكذيب فيعتبروا، ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً ﴾ أي: بعثاً بعد الموت وإحياء، أي: إنما كذبوا الرسل؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولا يخافون نشورا.
<div class="verse-tafsir"
ولقد أتى المكذبون من قومك -في ذهابهم إلى الشام- إلى قرية قوم لوط التي أُمْطِرت بالحجارة؛ عقابًا لها على فعل الفاحشة ليعتبروا، أَفَعَمُوا عن هذه القرية فلم يكونوا يشاهدونها؟
لا، بل كانوا لا يتوقعون بعثًا يحاسبون بعده.
<div class="verse-tafsir" id="91.zGQKO"