الآية ٥٦ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٥٦ من سورة الفرقان

وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه : ( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) أي : بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين ، مبشرا بالجنة لمن أطاع الله ، ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ) يا محمد إلى من أرسلناك إليه ( إِلا مُبَشِّرًا ) بالثواب الجزيل, من آمن بك وصدّقك, وآمن بالذي جئتهم به من عندي, وعملوا به ( وَنَذِيرًا ) من كذّبك وكذّب ما جئتهم به من عندي, فلم يصدّقوا به, ولم يعملوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيراقوله تعالى : وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا يريد بالجنة مبشرا ونذيرا من النار ; وما أرسلناك وكيلا ولا مسيطرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى: أنه ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم مسيطرا على الخلق ولا جعله ملكا ولا عنده خزائن الأشياء، وإنما أرسله { مُبَشِّرًا } يبشر من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل، { وَنَذِيرًا } ينذر من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل وذلك مستلزم لتبيين ما به البشارة وما تحصل به النذارة من الأوامر والنواهي .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) أي : منذرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أرسلناك إلا مبشرا» بالجنة «ونذيرا» مخوفا من النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أرسلناك - أيها الرسول - إلا مبشرًا للمؤمنين بالجنة ومنذرًا للكافرين بالنار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الوظيفة التى من أجلها أرسل رسوله فقال : ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) .أى : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلى الناس جميعا ، إلا لتبشرهم بثواب الله - تعالى - ورضوانه إذا أخلصوا له العبادة والطاعة ، ولتنذرهم بعقابه وغضبه ، إن هم استمروا على كفرهم وشركهم ، فبلغ رسالتنا - أيها الرسول - ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في عبادة الأوثان، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قيل المراد بالكافر أبو جهل لأن الآية نزلت فيه، والأولى حمله على العموم، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق بظاهر قوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في الظهير وجوهاً: أحدها: أن الظهير بمعنى المظاهر، كالعوين بمعنى المعاون، وفعيل بمعنى مفاعل غير (غريب)، والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة.

فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة؟

قلنا إنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله كقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله  ﴾ .

وثانيها: يجوز أن يريد بالظهير الجماعة، كقوله: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ  ﴾ كما جاء الصديق والخليط، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور (دين) الله تعالى، قال تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى  ﴾ .

وثالثها: قال أبو مسلم الأصفهاني: الظهير من قولهم: ظهر فلان بحاجتي إذا نبذها وراء ظهره، وهو من قوله تعالى: ﴿ واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً  ﴾ ويقال فيمن يستهين بالشيء: نبذه وراء ظهره، وقياس العربية أن يقال مظهور، أي مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه ظهير في معنى مظهور، ومعناه هين على الله أن يكفر الكافر وهو تعالى مستهين بكفره.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا ﴾ فتعلق ذلك بما تقدم، هو أن الكفار يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله، والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة، وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب ويحترزوا عن العقاب، فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرغ جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنيا، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَاء ﴾ فذكروا فيه وجوهاً متقاربة أحدها: لا يسألهم على الأداء والدعاء أجراً إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق في الجهاد وغيره، فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.

وثانيها: قال القاضي: معناه لا أسألكم عليه أجراً لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم.

وثالثها: قال صاحب الكشاف: مثال قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَاء ﴾ والمراد إلا فعل من شاء، واستثناؤه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثواباً، فإني أطلب الثواب، والثانية إظهار الشفقة البالغة، وأن حفظك لمالك يجري مجرى الثواب العظيم الذي توصله إلي، ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة، وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله.

أما قوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذي لاَ يَمُوتُ ﴾ فالمعنى أنه سبحانه لما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه، فأمره بأن لا يطلب منهم أجراً ألبتة، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: ﴿ عَلَى الحى الذي لاَ يَمُوتُ ﴾ لأن من توكل على الحي الذي يموت، فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعاً، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه ألبتة.

أما قوله: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول، ومنهم من حمله على الصلاة، ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به في توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال: ﴿ وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال: كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم وذلك وعيد شديد، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

مثال ﴿ إِلاَّ مَن شَاء ﴾ المراد: إلاّ فعل من شاء واستثنائه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلاّ أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه.

فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوّره هو بصورة الثواب وسماه باسمه، فأفاد فائدتين، إحداهما: قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله، كأنه يقول لك: إن كان حفظك لمالك ثواباً فإني أطلب الثواب، والثانية: إظهار الشفقة البالغة وأنك إن حفظت مالك: اعتدّ بحفظك ثواباً ورضي به كما يرضى المثاب بالثواب.

ولعمري إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد وفوقه.

ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً: تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة.

وقيل: المراد التقرّب بالصدقة والنفقة في سبيل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ .

﴿ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ ﴾ إلّا فِعْلَ مَن شاءَ.

﴿ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ ويَطْلُبَ الزُّلْفى عِنْدَهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، فَصَوَّرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ فِعْلِهِ واسْتَثْناهُ مِنهُ قَلْعًا لِشُبْهَةِ الطَّمَعِ وإظْهارًا لِغايَةِ الشَّفَقَةِ، حَيْثُ اعْتَدَّ بِإنْفاعِكَ نَفْسَكَ بِالتَّعَرُّضِ لِلثَّوابِ والتَّخَلُّصِ عَنِ العِقابِ أجْرًا وافِيًا مُرْضِيًا بِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإشْعارًا بِأنَّ طاعَتَهم تَعُودُ عَلَيْهِ بِالثَّوابِ مِن حَيْثُ إنَّها بِدَلالَتِهِ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ لَكِنَّ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وما أرسلناك إلا مبشرا} للمؤمنين {ونذيرا} للكافرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أرْسَلْناكَ ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ إلا ﴾ حالَ كَوْنِكَ ﴿ مُبَشِّرًا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ ونَذِيرًا ﴾ أيْ: ومُنْذِرًا مُبالِغًا في الإنْذارِ لِلْكافِرِينَ، ولِتَخْصِيصِ الإنْذارِ بِهِمْ وكَوْنِ الكَلامِ فِيهِمْ والإشْعارِ بِغايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ اقْتُصِرَ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِ، وقِيلَ: المُبالَغَةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ المُنْذَرِينَ فَإنَّ الكَفَرَةَ في كُلِّ وقْتٍ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ كَثْرَتَهم بِإدْخالِ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيهِمْ، أيْ: ونَذِيرًا لِلْعاصِينَ مُؤْمِنِينَ كانُوا أوْ كافِرِينَ، والمَقامُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالكافِرِينَ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ: ما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ ونَذِيرًا لِلْكافِرِينَ، فَلا تَحْزَنْ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني: أرسل.

ويقال: حلى البحرين.

ويقال: فلق البحرين.

ويقال: خلق البحرين العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني: حلو وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي: مرّ مالح وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً أي حاجزاً وَحِجْراً مَحْجُوراً أي حرم على العذب أن يملح، وحرم على المالح أن يعذب، وحرم على كل واحد منهما أن يختلط بصاحبه، وأن يغير كل واحد منهما طعم صاحبه.

قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً أي من النطفة إنساناً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً فالنسب: ما لا يحل لك نكاحه من القرابة، والصهر: ما يحل لك نكاحه من القرابة وغير القرابة، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: النسب القرابة، والصهر الرضاع، ويحرم من الصهر مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

ويقال: النسب الذي يحرم بالقرابة، والصهر الذي يحرم بالنسب، وهو ما ذكر في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ [النساء: 23] فهذه السبع تحرم بالقرابة، والسبع التي تحرم بالنسب، فهو ما ذكر بعده وهو قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: 23] إِلى آخر الآية.

وامرأة الأب ثم قال تعالى: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً فيما أحل من النكاح، وفيما حرم.

ويقال: قَدِيراً على ما أراد.

قوله عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ إن عبدوهم وَلا يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوهم وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً يعني: عوناً للشياطين على ربه.

قال بعضهم: نزلت في شأن أبي جهل بن هشام، ويقال: في شأن جميع الكفار.

ثم قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً يعني: ما أرسلناك يا محمد إلا مبشراً بالجنة لمن أطاع الله عز وجل، ونذيراً بالنار لمن عصاه، قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني: قل لكفار مكة: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني: على القرآن والإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني: من جُعل إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: إلا من شاء أن يؤخذ، ويتخذ إلى ربه بذلك التوحيد سبيلاً، يعني: مرجعاً.

ويقال: يعمل، فيتخذ عند ربه مرجعاً صالحاً، فيدخل به الجنة.

يعني: لا أريد الأجر، ولكن أريد لكم هذا الذي ذكر، وقصدي هذا لا أَنْ آخذ منكم شيئا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والياء المُشَدَّدَةُ بدل من النون في الواحد، قاله سيبويه، وقال المُبَرِّدُ: هو جمع إنسي، والضمير في صَرَّفْناهُ عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر، ويَعْضُدُ ذلك قوله:

وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ مَرَجَ معناه: خَلَطَ.

قال ع «١» : والذي أقول به في معنى هذه الآية: أَنَّ المقصود بها التنبيهُ على قدرة الله تعالى في أنَّ بَثَّ في الأرض مياهاً عذبة كثيرة، جعلها خلال الأُجَاجِ، وجعل الأُجَاجَ خلالها، كما هو مَرْئِيٌّ تجدُ البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضَفَّتِهِ، وتجد الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأُجاج، وكُلٌّ باقٍ على حاله ومطعمه فالبحران: يراد بهما جميعُ الماء العذب، وجميع الماء الأجاجُ، والبرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الأرض واليبس قاله «٢» الحسن، والفرات: الصافي اللذيذُ المطعم، والأُجَاجُ أبلغ ما يكون من الملوحة.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ/ بَشَراً ...

الآية تعديدُ نعم على الناس، ٤٤ ب والنسب: هو أنْ يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أمّ، والصِّهْرُ هوَ تَوَاشُجِ المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار يقع عاماً لذلك كله.

وقوله تعالى: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً أي: مُعِيناً يعينون على رَبِّهم غيرهم من الكفرة بطاعتهم للشيطان، وهذا تأويل مجاهد «٣» وغيره، والكافر هنا اسم جنس، وقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ وهَذا تَوْكِيدٌ لِصِدْقِهِ، لِأنَّهُ لَوْ سَألَهم شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ لاتَّهَمُوهُ، ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ مَعْناهُ: لَكِنَّ مَن شاءَ ﴿ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ بِإنْفاقِ مالِهِ في مَرْضاتِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أسْألُكم لِنَفْسِي.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَلِماتِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩، البَقَرَةِ: ٣٠، الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ ، و " بِهِ " بِمَعْنى: " عَنْهُ "، قالَ [عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ]: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ وَفِي هاءِ " بِهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: إلى اسْمِهِ الرَّحْمَنِ، لِأنَّهم قالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ.

والثّالِثُ: إلى ما ذَكَرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي " الخَبِير " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: سَلْنِي فَأنا الخَبِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] القُرْآنُ، قالَهُ شَمِرٌ.

والرّابِعُ: مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، وهَذا يَخْرُجُ عَلى قَوْلِهِمْ: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقِيلَ: سَلُوا مُسْلِمَةَ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خاطِب مُوسى في التَّوْراةِ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ سِواهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحِمْنَ اليَمامَةِ، فَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ﴿ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَأْمُرُنا " بِالياءِ، أيْ: لِما يَأْمُرُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، ومَعْناهُ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ﴿ وَزادَهُمْ ﴾ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ ﴿ نُفُورًا ﴾ أيْ: تُباعُدًا مِنَ الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مِن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ اضْطَرَبَ الناسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ: بَحْرَ السَماءِ والبَحْرَ الَّذِي في الأرْضِ، ورُتِّبَتْ ألْفاظُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: البَحْرُ العَذْبُ هو مِياهُ الأنْهارِ الواقِعَةُ في البَحْرِ الأُجاجِ، ووُقُوعُها فِيهِ هو مَرْجُها، قالَ: والبَرْزَخُ والحِجْرُ هو حاجِزٌ في عِلْمِ اللهِ تَعالى لا يَراهُ البَشَرُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "مَرَجَ": أدامَ أحَدَهُما في الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلّى أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَتَداعى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ في الآيَةِ: إنَّ القَصْدَ بِها التَنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وإتْقانِ خَلْقِهِ لِلْأشْياءِ، في أنْ بَثَّ في الأرْضِ مِياهًا عَذْبَةً كَثِيرَةً مِن أنْهارٍ وعُيُونٍ وآبارٍ، وجَعَلَها خِلالَ الأُجاجِ، وجَعَلَ الأُجاجَ خِلالَها، فَتَرى البَحْرَ قَدِ اكْتَنَفَتْهُ المِياهُ العَذْبَةُ في ضَفَّتَيْهِ، وتَلْقى الماءَ في البَحْرِ في الجَزائِرِ ونَحْوِها- قَدِ اكْتَنَفَهُ الماءُ الأُجاجُ، فَبَثُّها هَكَذا في الأرْضِ، هو خَلْطُها، ومِنهُ قَوْلُهُ: "مَرَجَ"، ومِنهُ ﴿ فِي أمْرٍ مَرِيجٍ  ﴾ .

و "البَحْرانِ" يُرادُ بِهِما جَمِيعُ الماءِ العَذْبِ وجَمِيعُ الماءِ الأُجاجِ، كَأنَّهُ قالَ: مَرَجَ نَوْعَيِ الماءِ، فالبَرْزَخُ والحِجْرُ هُما ما بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِنَ الأرْضِ واليُبْسِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ القُدْرَةُ الَّتِي تُمْسِكُها مَعَ قُرْبِ ما بَيْنَهُما في بَعْضِ المَواضِعِ.

وبِكَسْرِ الحاءِ قَرَأ الناسُ كُلُّهم هُنا، والحَسَنُ بِضَمِّ الحاءِ في سائِرِ القُرْآنِ، و "البَرْزَخُ": الحاجِزُ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَذا مِلْحٌ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَهَذا مَلِحٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمْ: هَذا مُنْكَرٌ في القِراءَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أرادَ: مالِحًا، وحَذَفَ الألِفَ، كَعَرْدٍ وبَرْدٍ.

و "الأُجاجُ": أبْلَغُ ما يَكُونُ مِنَ المُلُوحَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا ﴾ الآيَةُ.

هو تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في إيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ، والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ في ذَلِكَ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ في التَواشُجِ الَّذِي بَيْنَهم مِنَ النَسَبِ والصِهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الماءِ ﴾ إمّا أنْ يُرِيدَ أصْلَ الخِلْقَةِ في أنَّ كُلَّ حَيٍّ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ نُطَفَ الرِجالِ، وكُلُّ ذَلِكَ قالَتْهُ فِرْقَةٌ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأبْيَنُ.

و "النَسَبُ والصِهْرُ" مَعْنَيانِ يَعُمّانِ كُلَّ قُرْبى تَكُونُ بَيْنَ كُلِّ آدَمِيَّيْنِ، فالنَسَبُ هو أنْ يَجْتَمِعَ إنْسانٌ مَعَ آخَرَ في أبٍ أو في أُمْ، قَرُبَ ذَلِكَ أو بَعُدَ ذَلِكَ، والصِهْرُ هو تَواشُجُ المُناكَحَةِ، فَقَرابَةُ الزَوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ يَقَعُ عامًّا لِذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: النَسَبُ ما لا يَحِلُّ نِكاحُهُ، والصِهْرُ ما يَحِلُّ نِكاحُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: الصِهْرُ قَرابَةُ الرَضاعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي وهْمٌ أوجَبَهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: حُرِّمْ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ خَمْسٌ"، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، يُرِيدُ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ  ﴾ فَهَذا هو النَسَبُ، ثُمْ يُرِيدُ بِالصِهْرِ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِنَ نِسائِكم اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنَ أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، ثُمْ ذَكَرَ المُحْصَناتِ، ويَحْتَمِلُ هَذا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أرادَ: حُرِّمْ مِنَ الصِهْرِ ما ذُكِرَ مَعَهُ، فَقَصَدَ بِـ "ما ذُكِرَ" إلى عُظْمِهِ وهو الصِهْرُ؛ لا أنَّ الرَضاعَ صِهْرٌ، وإنَّما الرَضاعُ عَدِيلُ النَسَبِ يَحْرُمْ مِنهُ ما يَحْرُمْ مِنَ النَسَبِ بِحُكْمِ الحَدِيثِ المَأْثُورِ فِيهِ، ومَن رَوى: «وَحُرِّمْ مِنَ الصِهْرِ خَمْسٌ» أسْقَطَ مِنَ الآيَتَيْنِ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، والمُحْصَناتِ، وهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ.

وحَكى الزَهْراوِيُّ قَوْلًا: أنَّ النَسَبَ مِن جِهَةِ البَنِينَ، والصِهْرَ مِن جِهَةِ البَناتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ وهو في دَرَجِ ما قَدَّمْتُهُ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَبِيِّ  ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لِأنَّهُ جَمَعَهُ مَعَهُ نَسَبٌ وصِهْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاجْتِماعُهُما وِكادُ حُرْمَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ هي "كانَ" الَّتِي لِلدَّوامِ قَبْلُ وبَعْدُ، لا أنَّها تُعْطِي مُضِيًّا فَقَطْ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى خَطَأهم في عِبادَتِهِمْ أصْنامًا لا تَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّ "الظَهِيرَ" المُعِينُ، فَتَكُونُ الآيَةُ بِمَعْنى تَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ، مِن أنَّ الكَفّارَ يُعِينُونَ عَلى رَبِّهِمْ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ، ويُعِينُونَ الشَيْطانَ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويُظاهِرُوهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثانِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ في أنْ يَكُونَ " الظَهِيرُ" فَعِيلًا مِن قَوْلِكَ: "ظَهَرْتُ الشَيْءَ" إذا طَرَحْتَهُ وراءَ ظَهْرِكَ واتَّخَذْتَهُ ظِهْرِيًّا، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ احْتِقارَ الكَفَرَةِ، و "الكافِرُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ هو مُعَيَّنٌ أرادَ بِهِ أبا جَهْلٍ بْنِ هِشامٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبَهُ أنَّ أبا جَهْلٍ سَبَبُ الآيَةِ، ولَكِنَّ اللَفْظَ عامٌّ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ: لا تَهْتَمَّ بِهِمْ، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكُ حَسَراتٍ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّما أنْتَ رَسُولٌ تُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ الكَفَرَةَ بِالنارِ، ولَسْتَ بِمَطْلُوبٍ بِإيمانِهِمْ جَمِيعًا.

ثُمْ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ مُزِيلًا لِوُجُوهِ التُهَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ ، أيْ: لا أطْلُبُ مالًا ولا نَفْعًا يَخْتَصُّ بِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ ، الظاهِرُ فِيهِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: مَسْؤُولِي ومَطْلُوبِي مَن شاءَ أنْ يَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ ويَتَّخِذَ إلى رَحْمَةِ رَبِّهِ طَرِيقَ نَجاةٍ فَلْيَفْعَلْ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا إلّا إنْفاقَ المالِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهَذا هو المَسْؤُولُ، وهو السَبِيلُ إلى الرَبِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- كالمُتَّصِلِ، وكَأنَّهُ قالَ: إلّا أجْرَ مَن شاءَ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أفضى الكلامُ بأفانين انتقالاته إلى التعجيب من استمرارهم على أن يعبدوا ما لا يضرهم ولا ينفعهم أُعقب بما يومئ إلى استمرارهم على تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة بنسبة ما بلغه إليهم إلى الإفك، وأنه أساطير الأولين، وأنه سِحر، فأبطلت دعاويهم كلها بوصف النبي بأنه مرسل من الله، وقصره على صفتي التبشير والنذارة.

وهذا الكلام الوارد في الردّ عليهم جامع بين إبطال إنكارهم لرسالته وبين تأنيس الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ليس بمضلّ ولكنه مُبشّر ونذير.

وفيه تعريض بأن لا يحزن لتكذيبهم إياه.

ثم أمره بأن يخاطبهم بأنه غير طامع من دعوتهم في أن يعتز باتِّباعهم إياه حتى يحسبوا أنهم إن أعرضوا عنه فقد بلغوا من النكاية به أملهم، بل ما عليه إلا التبليغ بالتبشير والنذارة لفائدتهم لا يريد منهم الجزاء على عمله ذلك.

والأجر: العوض على العمل ولو بعمل آخر يقصد به الجزاء.

والاستثناء تأكيد لنفي أن يكون يسألهم أجراً لأنه استثناء من أحوال عامة محذوف ما يدل عليها لقصد التعميم، والاستثناء معيار العموم فلذلك كثر في كلام العرب أن يجعل تأكيد الفعللِ في صورة الاستثناء، ويسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، وبعبارة أتقن تأكيدَ الشيء بما يشبه ضده وهو مرتبتان: منه ما هو تأكيد محض وهو ما كان المستثنى فيه منقطعاً عن المستثنى منه أصلاً كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب فإن فلول سيوفهم ليس من جنس العيب فيهم بحال؛ ومنه مرتبة ما هو تأكيد في الجملة وهو ما المستثنى فيه ليس من جنس المستثنى منه لكنه قريب منه بالمشابهة لم يطلق عليه اسم المشبه به بما تضمنه الاستثناء كما في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ [الشورى: 23]، ألا ترى أنه نفى أن يكون يسألهم أجراً على الإطلاق في قوله تعالى ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ [ص: 86].

فقوله تعالى: ﴿ إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ من قبيل المرتبة الثانية لأن الكلام على حذف مضاف يناسب أجراً إذ التقدير: إلا عمل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، وذلك هو اتباع دين الإسلام.

ولما كان هذا إجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أشبه الأجر على تلك الدعوة فكان نظير قوله ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ﴾ [الشورى: 23].

وقد يسمون مثل هذا الاستثناءِ الاستثناء المنقطع ويقدرونه كالاستدراك.

والسبيل: الطريق.

واتخاذ السبيل تقدم آنفاً في قوله: ﴿ يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً ﴾ [الفرقان: 27].

وجعل السبيل هنا إلى الله لأنه وسيلة إلى إجابته فيما دعاهم إليه وهذا كقوله تعالى: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه مئاباً ﴾ [النبأ: 39].

وذكر وصف الرب دون الاسم العلَم للإشارة إلى استحقاقه السير إليه لأن العبد محقوق بأن يرجع إلى ربه وإلاّ كان آبقاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَوْنًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَظاهِرِ وهي المَعُونَةُ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ عَلى رَبِّهِ ﴾ أيْ عَلى أوْلِياءِ رَبِّهِ.

الثّانِي: هَيِّنًا، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهْرُ فُلانٍ بِحاجَتِي إذا تَرَكَها واسْتَهانَ بِها قالَ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا  ﴾ أيْ هَيِّنًا، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الرَّحْمَنَ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: وكانَ مَأْخُوذًا مِنَ الكِتابِ، فَلَمّا دُعُوا إلى السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ سَألُوا عَنْهُ مَسْألَةَ الجاهِلِ بِهِ فَقالُوا: ﴿ وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ .

الثّانِي: أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ كانَ يُسَمّى الرَّحْمَنَ، فَلَمّا سَمِعُوا هَذا الِاسْمَ في القُرْآنِ حَسِبُوهُ مُسَيْلِمَةَ، فَأنْكَرُوا ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ السُّجُودِ لَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا قَوْلُ قَوْمٍ كانُوا يَجْحَدُونَ التَّوْحِيدَ ولا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أُمِرُوا أنْ يَسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ازْدادُوا نُفُورًا مَعَ هَواهم بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، وإلّا فالعَرَبُ المُعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَهم إلى اللَّهِ زُلْفى كانُوا يَعْرِفُونَ الرَّحْمَنَ في أسْمائِهِ وأنَّهُ اسْمٌ مُسَمًّى مِنَ الرَّحْمَةِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً ﴾ قال: مبشراً بالجنة، ونذيراً من النار.

وفي قوله: ﴿ إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ قال: بطاعته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر ﴾ قال: قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر يقول: عرض من عرض الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ﴾ أي: بالجنة ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ من النار (١) (١) "تفسير مقاتل" ص 46 ب.

و"تنوير المقباس" ص 304.

و"تفسير الهواري" 3/ 215.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً ﴾ إن أراد بالبشر آدم؛ فالمراد بالماء الماء الذي خلق به مع التراب فصار طيناً، وإن أراد بالبشر بني آدم، فالمراد الماء المنيّ الذي يخلقون منه ﴿ فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ﴾ النسب والصهر يَعُمَّان كل قربى: أي كل قرابة، والنسب أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أمّ قرب ذلك أو بعد، والصهر هو الاختلاط بالنكاح، وقيل: أراد بالنسب الذكور، أي ذوي نسب ينتسب إليهم، وأراد بالصهر الإناث: أي ذوات صهر يصاهر بهنّ، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [القيامة: 39] ﴿ وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً ﴾ الكافر هنا الجنس، وقيل: المراد أبو جهل، والظهير: المعين أي يعين الشيطان على ربه بالعداوة والشرك، ولفظه يقع للواحد والجماعة كقوله: ﴿ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [التحريم: 4].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.

﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الباقون بفتح الياء وكسر التاء.

﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.

الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.

﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.

وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.

النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه  لم يترك طاعة الله طرفة عين.

ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.

وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد  فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.

يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.

وسمى المائين الكثيرين بحرين.

والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان  ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.

سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله  ؟

والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.

وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.

الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.

ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.

قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.

يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.

﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.

ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.

يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.

والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.

والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير  ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.

وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".

إذا نبذها وراء ظهره.

والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.

قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.

ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.

فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.

وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.

ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.

وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.

وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.

ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.

ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".

ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.

وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.

قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.

والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله  .

وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.

وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".

قال  ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع  ﴾ .

وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.

وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.

والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.

وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير  ﴾ .

ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله  ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله  مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.

قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".

ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين  ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه  سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.

ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.

ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.

والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.

قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.

ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.

ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.

فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.

شبهت بالقصور العالية.

واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.

ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ في أحد تفاسيره.

وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.

وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.

ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.

أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.

قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.

وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.

والشكور مصدر كالكفور.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.

وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم  حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك  ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.

وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.

وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.

وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.

ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.

وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.

وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.

وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.

وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.

﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.

والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.

وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.

ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.

والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد  لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.

عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.

ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.

وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.

ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.

وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون  ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.

وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.

وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.

وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.

واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.

"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟

قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.

قلت: ثم أي؟

قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.

قلت: ثم أي؟

قال أن تزاني حليلة جارك" .

فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.

وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.

والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.

وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.

ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.

هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.

وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.

وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.

وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله  بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.

وقال الزجاج.

السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.

وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه  يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .

وقال القاضي والقفال: إنه  يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.

ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.

ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.

والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.

ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.

فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.

وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.

وعن مجاهد: أعياد المشركين.

وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله  وعلى رسوله.

والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.

وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.

وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.

ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.

وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.

وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.

قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.

والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.

قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.

ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.

عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.

وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.

وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.

وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.

قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.

وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.

والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.

والثالث حصول الرضا.

وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.

وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.

ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.

قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله  .

وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.

وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.

ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.

وقيل: الغرفة اسم للجنة.

وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.

ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.

ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.

قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.

وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟

والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله  ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم  ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.

قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.

﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.

والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.

وقيل: يكون العقاب لزاماً.

وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.

ويروى أن موسى  سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله  : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.

فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.

وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.

فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.

والرزخ هو القلب.

وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.

وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله  ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.

ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.

﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.

﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.

﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.

وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.

وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.

﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.

﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي  ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.

﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.

وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.

ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله]: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ .

قال بعضهم: مرج، أي: خلع ماء المالح على ماء العذب.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَجَ ﴾ : أرسل البحرين أحدهما عذب والآخر أجاج.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَجَ ﴾ أي: أفاض أحدهما على الآخر.

قال أبو معاذ: العرب تقول: مرجت الدابة إذا خلعتها وتركتها تذهب حيث شاءت، ومرج الوالي الناس من السجون إذا أرسلهم، فإذا رعيت دابة في المروج، قلت: أمرجت دابتي أمرجها إمراجاً، وإنما سمي المرج: مرجاً؛ لأنه متروك للسباع غير معمور، والممرج الذي يرعى دابته في المرج والدابة الممروجة.

وقال أبو عوسجة: مرج البحرين مرجهما، أي: خلطهما فهو مارج، وقال: ﴿ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ  ﴾ أي: مختلط، ويقال: مرجت عن كل شيء إذا خلطت، والله أعلم.

ثم اختلف في البحرين؛ قال بعضهم: أحدهما بحر الأرض، والآخر بحر السماء، وجعل بينهما برزخاً، أي: حاجزاً عن أن يختلط أحدهما بالآخر.

وقال بعضهم: أحدهما بحر السماء، والآخر بحر تحت الأرض، وجعل بينهما برزخاً وهو الأرض.

وقال بعضهم: بحران على وجه الأرض: أحدهما بحر الروم والآخر بحر الهند.

وقال بعضهم: أحدهما بحر الشام، والآخر بحر العراق: أحدهما مالح أجاج، والآخر عذب، وكان الأجاج هو الذي بلغ في الملوحة غايته، والفرات هو الذي بلغ في العذوبة غايته؛ ذكر منته وفضله ولطفه؛ حيث لم يخلط أحدهما بالآخر، بل حفظ كلاًّ على ما هو عليه إلى أن تقوم الساعة، فعند ذلك يصير الكل واحدا؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ  ﴾ .

ثم إن كان أحدهما بحر السماء والآخر بحر الأرض، وإن كانا بحرين في الهواء، فالحاجز بينهما ليس إلا اللطف؛ وكذلك إن كان الثالث ليعلم أن من قدر على حفظ هذا من هذا بلا حجاب ولا حاجز باللطف، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم، ولا يعجزه شيء، وله الحول والقوة.

وقال أبو عوسجة: ماء أجاج: شديد الملوحة، ويقال: أجّ الماء يؤجّ أجّا فهو أجاج، ويقال: عاج، أي: ماء روي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً ﴾ أي: من النطفة؛ يخبر عن فضله ومنته وقدرته ولطفه.

أما لطفه وقدرته: فحيث خلق البشر من النطفة، ولو اجتمع جميع حكماء البشر على أن يعرفوا أو يدركوا البشر من النطفة أو يدركوا كيفيته - لم يقدروا على ذلك؛ دل أنه قادر بذاته لطيف لا يعجزه شيء.

وأمّا فضله ومنته: فما أخبر أنه جعل لهم نسباً وصهرا؛ أمّا النسب فيه يتعارفون ويتواصلون ما لولا ذلك ما تعارفوا ولا تواصلوا، وأما الصهر فلما به يتزاوجون ويوادون ويتوالدون؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً  ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ يذكر فضله ومنته؛ ليتأدى به شكره؛ ليعلم أن خلق مثل هذا لا يخرج عبثاً باطلا بلا محنة ولا عاقبة، وكأن النسب: ما لا يجري بينهم التناكح والتزاوج، والصهر: ما يحل ويجري بينهم التناكح والتزاوج.

وفي حرف حفصة: ﴿ وهو الذي خلق من الماء نسبا وصهرا ﴾ .

قال أبو معاذ: الصهر الفتى وآله، والختن: أبو المرأة، والختنة: أم المرأة، والأختان: آل المرأة وأهلها، والأصهار، آل الفتى وأهله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَصِهْراً ﴾ من المصاهرة، وكلهم أصهار من الجانبين جميعاً، والمعروف عندنا: أنه إنما يسمى قرابة الزوج: أختاناً، وقرابة المرأة أصهاراً، وذلك لسان فهو على ما تعارفوه بينهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي: يعبدون من دون الله ما يعلمون أنه لا ينفعهم في الآخرة إن عبدوه، ولا يضرهم في الدنيا إن تركوا عبادته؛ يذكر سفههم بعبادتهم من يعلمون أنه لا ينفع ولا يضر، وتركهم العبادة لمن ينفعهم إن عبدوه ويضرهم إن تركوا عبادته؛ وهو كما ذكر: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ...

﴾ الآية [ الروم: 38]، وأمثال ما ذكر في غير آي من القرآن سفه أولئك بعبادتهم للأصنام، وتركهم عبادة الله  .

وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً ﴾ أي: تأويله - والله أعلم -: وكان الكافر للكافر ولوليه ظهيرا على من أطاع ربه، يكون بعضهم ببعض عوناً وظهيراً على أولياء الله، وإلا لا يكون الكافر على الله ظهيراً، ولكن على أوليائه، ويكون ذكر الرب على إرادة وليه ومن أطاعه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ونحو ذلك مما يراد به: أولياؤه لا نفسه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : مبشراً لمن أطاعه، ونذيراً لمن عصاه.

والبشارة: هي الإعلام لما يلحق من السرور والفرح في العاقبة بالأعمال الصالحة.

والنذارة: هي الإعلام لما يلحق من المكروه والمحذور في العاقبة بالأعمال السيئة القبيحة.

وقوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أسألكم على الدين الذي أدعوكم إليه من أجر؛ كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ ، أي: لا أسألكم أجراً على ذلك حتى يمنعكم ثقل الغرم عن إجابتي؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ كان فيه إضمار، أي: لا أسألكم عليه أجراً إلا من شاء، ولكن إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربه سبيلا.

أو أن يقول: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ أي: ولكن من أراد أن يتخذ إلى ربه سبيلا أطاعني وأجابني.

ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ على تبليغ الرسالة إليكم، وما أدعوكم إليه ﴿ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ فيبرني.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ فيوادني؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ ﴾ أي: توكل على الله، والتوكل: هو الاعتماد عليه بكل أمر.

وقوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: نزه ربك وبرئه عن الآفات كلها والعيوب، بثناء تثني عليه وهو التسبيح بحمده.

وقال أهل التأويل: أي صل بأمر ربك، لكن التأويل ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ أي: كفى به علما بذنوب عباده، أي: لا أحد أعلم بها منه.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ : قد ذكرنا هذا.

وقوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ : قال قائلون: قوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ لما يسأل عنه محمد، وذلك "أن بعض كفار مكة قالوا: يا محمد، إن كنت تعلم الشعر فنحن لك، فقال النبي: أفشعر هذا؟!

إن هذا كلام الرحمن، فقالوا: أجل لعمر الله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال النبي: الرحمن هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من عنده يأتيني ذلك، فقالوا: أيزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني، الرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين إلهان، أو كلام نحو هذا" .

وجائز أن يكون قولهم: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ لما لا يعرفون الرحمن وعرفوا الله فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك، فعرفهم بقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ...

﴾ الآية [الإسراء: 110].

أو أن يكونوا يعرفون كل معبود: إلها؛ وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها: آلهة، وكان رسول الله  دعاهم إلى عبادة الرحمن؛ فظنوا أنه غيره، فقالوا: فلئن جاز أن يعبد غير الله، فنحن نعبد الأصنام فلِمَ تمنعنا عن ذلك؟!

فأخبر: [أن] الرحمن والإله واحد ليس هو غير؛ حيث قال: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً...

﴾ إلى آخر ما ذكر، يقول الله: محال أن يكون الرحمن غير الإله، بل الرحمن هو الذي جعل في السماء بروجاً، وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج وهي النجوم، وجعل فيها السراج وهي الشمس والقمر - هو الله، فأخبر أن الرحمن هو ذلك لا غير.

وفي قول بعضهم: إن قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية من المكتوم، وفي الآية دلالة أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم ويفسر؛ حيث قال: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ، ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به خبيراً، أو إن أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألاَّ يخبره؛ دل ذلك أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم، لكن لا يعلمه إلا الخبير، وهو العالم.

ثم يحتمل: الله أو جبريل أو من يعلمه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: بالله.

وقال بعضهم: بالذي سبق ذكره من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ قد ذكرناه.

﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ بالياء والتاء جميعاً.

وقوله  : ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُوراً ﴾ أي: زادهم دعاؤه إلى عبادة الرحمن نفورا عن رسول الله.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ يقول: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك لا شك فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ : قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ قد ذكرنا أن بعضهم يقولون: هو من البركة.

وقال بعضهم: من التعالي.

﴿ جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ : هو ما ذكرنا أنه خرج جواباً لقولهم: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ؛ وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ أي: جعل أحدهما خلف الآخر، إذا ذهب هذا جاء هذا.

﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي: يذكر الليل والنهار لمن أراد أن يتذكر لمواعظه أو يشكر لنعمه؛ لأنهما يذكران قدرته وسلطانه، حيث يقهران الجبابرة والفراعنة ويغلبانهم حيث يظلانهم ويأتيانهم شاءوا، أو كرهوا لا يقدرون دفعهما عن أنفسهم.

وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك؛ حيث ذهب بهذا أتى بآخر بعد أن لم يبق من أثره شيء، فمن قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد الموت وذهاب أثره.

ويذكران أيضاً نعمه وآلاءه؛ لأنه جعل النهار متقلباً لمعاشهم ومطلباً لرزقهم، وما به قوام أنفسهم، وجعل الليل مستراحاً لأبدانهم وسكونهم لا قوام للأبدان بأحد دون الآخر؛ ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ الآية [القصص: 71]، وقال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ الآية [القصص: 72]، يذكرهم عظيم نعمه فيهما أعني في الليل والنهار؛ ليتأدى بذلك شكره؛ فعلى ذلك هذا ما ذكرنا قوله: ﴿ جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ النعمة التي جعل لهم.

قال بعضهم: قوله: ﴿ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي يكون كل واحد منهما خلفا للآخر فيما يفوت فيه من التذكر والتشكر، أي: ما فات في أحدهما من التذكر والتشكر يقضى في الآخر.

وقال الحسن قريبا مما ذكرنا، وقال: من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل.

وعلى مثل ذلك روي عن عمر: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أدرك الصلاة الليلة، فقال عمر: "أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك، وما فاتك من نهارك في ليلك"، ثم قرأ: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ .

وقال بعضهم ﴿ خِلْفَةً ﴾ من الاختلاف، أي: يخالف أحدهما الآخر.

ثم يحتمل الاختلاف وجهين: أحدهما: مجيء أحدهما وذهاب الآخر على ما ذكرنا؛ كقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ  ﴾ .

والثاني: هو اختلاف اللون من السواد والبياض: أحدهما أسود، والآخر أبيض، والله أعلم.

وقوله: ﴿ جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ : قال بعضهم: البروج هي النجوم العظام، والواحد: برج، وهو قول ابن الأعرابي.

وقال بعضهم: البروج: القصور في السماء، فيها تنزل الشمس في كل ليلة، وروي مثل قول عمر عن سلمان أن رجلا قال له: إني لا أستطيع قيام الليل.

قال: "إن كنت لا تستطيع قيام الليل، فلا تعجزه بالنهار".

وذكر لنا أن نبي الله  كان يقول: "أصيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعا" وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه سلم قال: "والذي نفسي بيده، إن في كل ليلة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطي له في هذا الليل والنهار؛ فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان كل موعود، حتى يؤدى ذلك إلى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يكون مصيرهم إلى الجنة وإلى النار؛ لتجزى كل نفس بما كسبت" <div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا مبشرًا من أطاع الله بالإيمان والعمل الصالح، ومنذرًا من عصاه بالكفر والعصيان.

<div class="verse-tafsir" id="91.g0NZ7"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله