الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٥٩ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٩ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) أي : هو الحي الذي لا يموت ، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه ، الذي خلق بقدرته وسلطانه السماوات السبع في ارتفاعها واتساعها ، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها ، ( في ستة أيام ثم استوى على العرش [ الرحمن ] ) ، أي : يدبر الأمر ، ويقضي الحق ، وهو خير الفاصلين .
وقوله : ( ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا ) أي : استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به ، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ، صلوات الله وسلامه عليه سيد ولد آدم على الإطلاق ، في الدنيا والآخرة ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى - فما قاله فهو حق ، وما أخبر به فهو صدق ، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء ، وجب رد نزاعهم إليه ، فما يوافق أقواله ، وأفعاله فهو الحق ، وما يخالفها فهو مردود على قائله وفاعله ، كائنا من كان ، قال الله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) [ النساء : 59 ] .
وقال : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) [ الشورى : 10 ] ، وقال تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] أي : صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي; ولهذا قال : ( فاسأل به خبيرا ) قال مجاهد في قوله : ( فاسأل به خبيرا ) قال : ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك .
وكذا قال ابن جريج .
وقال شمر بن عطية في قوله : ( فاسأل به خبيرا ) قال : هذا القرآن خبير به .
يقول تعالى ذكره: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فقال: ( وَمَا بَيْنَهُمَا ) وقد ذكر السماوات والأرض, والسماوات جماع, لأنه وجه ذلك إلى الصنفين والشيئين, كما قال القطامي: ألَـــمْ يَحْــزُنْكَ أنَّ حِبــالَ قَيْسٍ وتَغْلِــبَ قَــدْ تَبايَنَتــا انقِطاعــا (1) يريد: وحبال تغلب فثنى, والحبال جمع, لأنه أراد الشيئين والنوعين.
وقوله: ( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) قيل: كان ابتداء ذلك يوم الأحد, والفراغ يوم الجمعة ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ ) يقول: ثم استوى على العرش الرحمن وعلا عليه, وذلك يوم السبت فيما قيل.
وقوله: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) يقول: فاسأل يا محمد خبيرا بالرحمن, خبيرا بخلقه, فإنه خالق كلّ شيء, ولا يخفى عليه ما خلق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) قال: يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتك شيئا, فاعلم أنه كما أخبرتك, أنا الخبير، والخبير في قوله: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) منصوب على الحال من الهاء التي في قوله به.
------------------------ الهوامش: (1) البيت للقطامي ، وقد سبق الكلام عنه مفصلا ، والشاهد فيه هنا : أن الشاعر قال : "تباينتا" بالتثنية ، مع أن حبال جمع حبل .
والمسوغ لذلك : أن حبال قيس جماعة ، وحبال تغلب جماعة أخرى ، فعاملهما في إعادة الضمير عليهما معاملة المفردين ، ومثله في القرآن : { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما} لأنه وجه ذلك إلى الصفتين .
قوله تعالى : الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا .قوله تعالى : الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام تقدم في الأعراف .
و ( الذي ) في موضع خفض نعتا للحي .
وقال : بينهما ولم يقل بينهن ; لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين ; كقول القطامي :ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعاأراد وحبال تغلب ، فثنى والحبال جمع ; لأنه أراد الشيئين والنوعين .
الرحمن فاسأل به خبيرا قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه .
وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى ( عن ) كما قال تعالى : سأل سائل بعذاب واقع وقال الشاعر :هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلميوقال علقمة بن عبدة :فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيبأي عن النساء ، وعما لم تعلمي .
وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن ; لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به [ ص: 62 ] الأسد ; أي للقيك بلقائك إياه الأسد .
المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا .
وكذلك قال ابن جبير : الخبير هو الله تعالى .
ف خبيرا نصب على المفعول به بالسؤال .قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن ، وهو أن يكون الخبير غير الله ، أي فاسأل عنه خبيرا ، أي عالما به ، أي بصفاته وأسمائه .
وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا ، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة .
قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسئول ، ولا يصح كونها حالا من الفاعل ; لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره .
ولا يكون من المفعول لأن المسئول عنه وهو الرحمن خبير أبدا ، والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل ; إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة ; مثل : وهو الحق مصدقا فيجوز .
وأما " الرحمن " ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في " استوى " .
ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى : هو الرحمن .
ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ، وخبره : فاسأل به خبيرا .
ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن ; يكون نعتا .
ويجوز النصب على المدح .
فأنت ليس عليك من هداهم شيء وليس عليك حفظ أعمالهم، وإنما ذلك كله بيد الله { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى } بعد ذلك { عَلَى الْعَرْشِ } الذي هو سقف المخلوقات وأعلاها وأوسعها وأجملها { الرَّحْمَنِ } استوى على عرشه الذي وسع السماوات والأرض باسمه الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء فاستوى على أوسع المخلوقات، بأوسع الصفات.
فأثبت بهذه الآية خلقه للمخلوقات واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم وعلوه فوق العرش ومباينته إياهم.{ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } يعني بذلك نفسه الكريمة فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله، وقد أخبركم بذلك وأبان لكم من عظمته ما تستعدون به من معرفته فعرفه العارفون وخضعوا لجلاله، واستكبر عن عبادته الكافرون واستنكفوا عن ذلك
( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا ) بالرحمن .
قال الكلبي : يقول فاسأل الخبير [ بذلك ، يعني : بما ذكر من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش .
وقيل : ] الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقا به ، والمعنى : أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري .
وقيل : الباء بمعنى " عن " ، أي : فاسأل عنه خبيرا وهو الله - عز وجل - .
وقيل : جبريل عليه السلام .
«وهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام» من أيام الدنيا: أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولو شاء لخلقهنّ في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التثبيت «ثم استوى على العرش» هو في اللغة سرير الملك «الرحمن» بدل من ضمير استوى: أي استواءً يليق به «فاسأل» أيها الإنسان «به» بالرحمن «خبيرا» يخبرك بصفاته.
الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش- أي علا وارتفع- استواءً يليق بجلاله، هو الرحمن، فاسأل - أيها النبي - به خبيرًا، يعني بذلك سبحانه نفسه الكريمة، فهو الذي يعلم صفاته وعظمته وجلاله.
ولا أحد من البشر أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
( الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ) من هواء وأجرام لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) من أيامه التى لا يعلم مقدار زمانها إلا هو - عز وجل - ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) استواء واستعلاء يليق بذاته ، بلا كيف أو تشبيه أو تمثيل ، كما قال الإمام مالك - رحمه الله - : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
ولفظ " ثم " فى قوله ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) لا يدل على الترتيب الزمنى وإنما يدل على بعد الرتبة ، رتبة الاستواء والاستعلاء والتملك .وقوله : ( الرحمن ) أى : هو الرحمن .
أى : صاحب الرحمة العظيمة الدائمة بعباده .
والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ) هى الفصيحة .
والجار والمجرور صلة " اسأل " وعدى الفعل " اسأل " بالباء لتضمنه معنى الاعتناء ، والضمير يعود إلى ما سبق ذكره من صفات الله - تعالى - ، ومن عظيم قدرته ورحمته .والمعنى : لقد بينا لك مظاهر قدرتنا ووحدانيتا ، فإن شئت الزيادة فى هذا الشأن أو غيره ، فسأل قاصدا بسؤالك ربك الخبير بأحوال كل شىء خبرة مطلقة ، يستوى معها ما ظهر من أمور الناس وما خفى منها .قال الإمام ابن جرير : وقوله - تعالى - : ( فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ) يقول : فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرا بخلقه ، فإنه خالق كل شىء ولا يخفى عليه ما خلق ، فعن ابن جريج : قوله : ( فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ) .
قال : يقول - سبحانه - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتك شيئا فاعلم أنه كلما أخبرتك فأنا الخبير .
والخبير فى قوله ( فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ) منصوب على الحال من الهاء التى فى قوله ( بِهِ ) .
اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور: أولها: بأنه حي لا يموت وهو قوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذي لاَ يَمُوتُ ﴾ .
وثانيها: أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله: ﴿ وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ .
وثالثها: أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله: ﴿ الذى خَلَقَ السموات والأرض ﴾ فقوله: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ متصل بقوله: ﴿ الحى الذي لاَ يَمُوتُ ﴾ لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه.
وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الأيام عبارة عن حركات الشمس في السموات فقبل السموات لا أيام، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام؟
الجواب: يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً، بل لابد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان، لأنا نقول هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل خمسة أيام، والمدة المتوهمة التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام، فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام، ومن الناس من قال في ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو بعيد لأن التعريف لابد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول.
السؤال الثاني: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير؟
الجواب: أما على قولنا فالمشيئة والقدرة كافية في التخصيص، قالت المعتزلة بل لابد من داعي حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين: أحدهما: أن حصول تلك الحكمة، إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة، فلا يصلح أن يكون سبباً لتخصيص زمان معين وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر ويلزم التسلسل والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله، فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح.
واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له.
من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة العرش بالثمانية وشهور السنة باثني عشر والسموات السبع وكذا الأرض وكذا القول في عدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات فالإقرار بأن كل ما قاله الله تعالى حق هو الدين، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص عليه تعالى في قوله: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ وهذا هو الجواب أيضاً في أنه لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك وعن سعيد بن جبير أنه إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت، قيل تم خلقها يوم الجمعة فجعلها الله تعالى عيداً للمسلمين.
السؤال الثالث: ما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ ؟
ولا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة، لأن الاستيلاء والقدرة في أوصاف الله لم تزل ولا يصح دخول (ثم) فيه والجواب: الاستقرار غير جائز، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب والبعضية وكل ذلك على الله محال بل المراد ثم خلق العرش ورفعه وهو مستول كقوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ ﴾ فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون، فإن قيل فعلى هذا التفسير يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء ﴾ قلنا: كلمة (ثم) ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السموات.
السؤال الرابع: كيف إعراب قوله: ﴿ الرحمن فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ؟
الجواب: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ مبتدأ و ﴿ الرحمن ﴾ خبره، أو هو صفة للحي، والرحمن خبر مبتدأ محذوف ولهذا أجاز الزجاج وغيره أن يكون الوقف على قوله: ﴿ عَلَى العرش ﴾ ثم يبتدئ بالرحمن أي هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، ويجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وخبره قوله: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ .
السؤال الخامس: ما معنى قوله: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ؟
الجواب: ذكروا فيه وجوهاً أحدها: قال الكلبي معناه فاسأل خبيراً به وقوله: ﴿ بِهِ ﴾ يعود إلى ما ذكرنا من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو الله عز وجل لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق الله السموات والأرض فلا يعلمها أحد إلا الله تعالى وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل عليه السلام وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم.
وثانيها: قال الزجاج قوله: ﴿ بِهِ ﴾ معناه عنه والمعنى فاسأل عنه خبيراً، وهو قول الأخفش، ونظيره قوله: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ وقال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير بأدواء النساء طبيب وثالثها: قال ابن جرير الباء في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ صلة والمعنى فسله خبيراً، وخبيراً نصب على الحال.
ورابعها: أن قوله: ﴿ بِهِ ﴾ يجري مجرى القسم كقوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن ﴾ فهو خبر عن قوم قالوا هذا القول.
ويحتمل أنهم جهلوا الله تعالى، ويحتمل أنهم إن عرفوه لكنهم جحدوه، ويحتمل أنهم وإن اعترفوا به لكنهم جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى وكثير من المفسرين على هذا القول الأخير قالوا الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة، والعرب ما عرفوه قال مقاتل: إن أبا جهل قال إن الذي يقوله محمد شعر، فقال عليه السلام الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن فقال أبو جهل بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك فقال عليه السلام: «الرحمن الذي هو إله السماء ومن عنده يأتيني الوحي».
فقال يا آل غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد، وهو يقول الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان ثم قال ربكم الله الذي خلق هذه الأشياء، أما الرحمن فهو مسيلمة.
قال القاضي والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم، لأن هذه اللفظة عربية، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا بأنهم كانوا منكرين لله كان قولهم: ﴿ وَمَا الرحمن ﴾ سؤال طالب عن الحقيقة، وهو يجري مجرى قول فرعون ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ وإن قلنا بأنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم: ﴿ وَمَا الرحمن ﴾ سؤالاً عن الاسم.
أما قوله: ﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ فالمعنى للذي تأمرنا بسجوده على قوله أمرتك بالخير، أو لأمرك لنا، وقرئ ﴿ يأمرنا ﴾ بالياء كأن بعضهم قال لبعض أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو، وزادهم أمره نفوراً، ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.
قال الضحاك: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين.
فهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُوراً ﴾ أي فزادهم سجودهم نفوراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ يعني في مدّة: مقدارها هذه المدّة، لأنه لم يكن حينئذ نهار ولا ليل، وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة.
والظاهر أنها من أيام الدنيا.
وعن مجاهد: أوّلها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة.
ووجهه أن يسمي الله لملائكته تلك الأيام المقدرة بهذه الأسماء فلما خلق الشمس وأدارها وترتب أمر العالم على ما هو عليه، جرت التسمية على هذه الأيام.
وأما الداعي إلى هذا العدد أعني الستة دون سائر الأعداد فلا نشك أنه داعي حكمة؛ لعلمنا أنه لا يقدّر تقديراً إلاّ بداعي حكمة، وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدي إلى معرفته.
ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر، وحملة العرش ثمانية، والشهور أثني عشر، والسموات سبعاً والأرض كذلك، والصلوات خمساً، وأعداد النصب والحدود والكفارات وغير ذلك.
والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله، وبأن ما قدّره حق وصواب هو الإيمان.
وقد نصّ عليه في قوله: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أُتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ [المدثر: 31] ثم قال: ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ [المدثر: 31] وهو الجواب أيضاً في أن لم يخلقها في لحظة، وهو قادر على ذلك.
وعن سعيد بن جبير رضي الله عنهما.
إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليماً لخلقه الرفق والتثبت.
وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين.
الذي خلق مبتدأ.
و ﴿ الرحمن ﴾ خبره.
أو صفة للحيّ، والرحمن: خبر مبتدأ محذوف.
أو بدل عن المستتر في استوى.
وقرئ: ﴿ الرحمن ﴾ بالجر صفة للحيّ.
وقرئ: ﴿ فسل ﴾ والباء في به صلة سل، كقوله تعالى: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ [المعارج: 1] كما تكون عن صلته في نحو قوله: ﴿ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ﴾ [التكاثر: 8] فسأل به؛ كقوله: اهتمّ به، واعتني به، واشتغل به.
وسأل عنه كقولك بحث عنه؛ فتش عنه، ونقر عنه.
أو صلة خبيراً: وتجعل خبيراً مفعول سل، يريد: فسل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته، أو فسل رجلاً خبيراً به وبرحمته.
أو: فسل بسؤاله خبيراً؛ كقولك: رأيت به أسداً، أي برؤيته، والمعنى: إن سألته وجدته خبيراً.
أو تجعله حالاً عن الهاء، تريد: فسل عنه عالماً بكلّ شيء.
وقيل: الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدّمة، ولم يكونوا يعرفونه: فقيل: فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب، حتى يعرف من ينكره.
ومن ثمة كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلاّ الذي باليمامة، يعنون مسيلمة.
وكان يقال له: رحمن اليمامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ في اسْتِكْفاءِ شُرُورِهِمْ والإغْناءِ عَنْ أُجُورِهِمْ، فَإنَّهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ دُونَ الأحْياءِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ ونَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ مُثْنِيًا عَلَيْهِ بِأوْصافِ الكَمالِ طالِبًا لِمَزِيدِ الأنْعامِ بِالشُّكْرِ عَلى سَوابِغِهِ.
﴿ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ ﴾ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ.
﴿ خَبِيرًا ﴾ مُطَّلِعًا فَلا عَلَيْكَ أنْ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا.
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ ﴾ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَهُ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِأنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الخالِقُ لِلْكُلِّ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الثَّباتِ والتَّأنِّي في الأمْرِ فَإنَّهُ تَعالى مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ وسُرْعَةِ نَفاذٍ أمَرَهُ في كُلِّ مُرادِ خَلْقِ الأشْياءِ عَلى تُؤَدَةٍ وتَدَرُّجٍ، و ( الرَّحْمَنُ ) خَبَرٌ لِلَّذِي إنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً ولِمَحْذُوفٍ إنْ جَعَلْتَهُ صِفَةً لِلْحَيِّ، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في اسْتَوى وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْحَيِّ.
﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ فاسْألْ عَمّا ذَكَرَ مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ عالِمًا يُخْبِرُكَ بِحَقِيقَتِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ جِبْرِيلَ أوْ مَن وجَدَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ لِيُصَدِّقَكَ فِيهِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلرَّحْمَنِ والمَعْنى إنْ أنْكَرُوا إطْلاقَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى فاسْألْ عَنْهُ مَن يُخْبِرُكَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِيَعْرِفُوا مَجِيءَ ما يُرادِفُهُ في كُتُبِهِمْ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ ما بَعْدَهُ والسُّؤالُ كَما يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّفْتِيشِ يُعَدّى بِالياءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ.
وقِيلَ إنَّهُ صِلَةُ ﴿ خَبِيرًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{الّذي خلق السّماوات والأرض وما بينهما في سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي في مدة مقدار هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ ليل ونهار روى عن مجاهد أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت {ثُمَّ استوى عَلَى العرش الرحمن} أي هو الرحمن فالرحمن خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الضمير فى استوى
أو الذى خلق مبتدأ والرحمن خبره {فاسأل} بلا همزة مكي وعلي {بِهِ} صلة سل كقوله سأل سائل بعذاب واقع كما تكون صلة في قوله تعالى ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم فسأل به كقوله اهتم به واشتغل به وسأل عنه كقولك بحث عنه وفتش عنه أو صلة {خَبِيراً} ويكون خبيراً مفعول سل أي فاسأل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته أو فاسأل رجلاً خبيرا به وبرحمته أوالرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتب حتى تعرف من ينكره ومن ثم كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة وكان يقال له رحمان اليمامة
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ قَدْ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ، ووُصِفَ سُبْحانَهُ بِالصِّفَةِ الفِعْلِيَّةِ بَعْدَ وصْفِهِ - جَلَّ وعَلا - بِالأبَدِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، والإشارَةُ إلى اتِّصافِهِ تَعالى بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ - جَلَّ جَلالُهُ - وتَأْكِيدِهِ، فَإنَّ مَن أنْشَأ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ عَلى هَذا النَّمَطِ الفائِقِ، والنَّسَقِ الرّائِقِ، بِتَدْبِيرٍ مَتِينٍ، وتَرْتِيبٍ رَصِينٍ، في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ - مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى إبْداعِها دُفْعَةً بِحِكَمِ جَلِيلَةٍ وغاياتٍ جَمِيلَةٍ لا تَقِفُ عَلى تَفاصِيلِها العُقُولُ - أحَقُّ مَن يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأوْلى مَن يُفَوَّضُ الأمْرُ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ آخَرُ لِلْحَيِّ - كَما في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالجَرِّ - مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وإنْ لَمْ يَتْبَعْهُ في الإعْرابِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المَنصُوبَ والمَرْفُوعَ مَدْحًا - وإنْ خَرَجًا عَنِ التَّبَعِيَّةِ لِما قَبْلَهُما صُورَةً حَيْثُ لَمْ يَتْبَعاهُ في الإعْرابِ وبِذَلِكَ سُمِّيا قَطْعًا - لَكِنَّهُما تابِعانِ لَهُ حَقِيقَةً، ألا تَرى كَيْفَ التَزَمُوا حَذْفَ الفِعْلِ والمُبْتَدَأِ؛ رَوْمًا لِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن مُتَعَلِّقاتِ ما قَبْلَهُ، وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، وإنَّما قَطَعُوا لِلِافْتِتانِ المُوجِبِ لِإيقاظِ السّامِعِ وتَحْرِيكِهِ إلى الجِدِّ في الإصْغاءِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ صِفَةً لَهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ والرَّحْمَنُ خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( الرَّحْمَنُ ) بَدَلًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في «اسْتَوى» ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنْ يَكُونَ «الرَّحْمَنُ» مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ خَبَرَهُ عَلى حَدِّ تَخْرِيجِهِ قَوْلَ الشّاعِرِ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ وهُوَ بَعِيدٌ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها إعْرابًا، والفاءُ فَصِيحَةٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِلَةُ (اسْألْ) والسُّؤالُ - كَما يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّفْتِيشِ - يُعَدّى بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى عَنْ كَما فَعَلَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ إجْمالًا مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ، والمَعْنى: إنْ شِئْتَ تَحْقِيقَ ما ذُكِرَ أوْ تَفْصِيلَ ما ذُكِرَ فاسْألْ مُعْتَنِيًا بِهِ، خَبِيرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، مُحِيطًا بِظَواهِرِ الأُمُورِ وبَواطِنِها، وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يُطْلِعْكَ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ.
والمَسْؤُولُ في الحَقِيقَةِ تَفاصِيلُ ما ذُكِرَ لا نَفْسُهُ؛ إذْ بَعْدَ بَيانِهِ لا يَبْقى إلى السُّؤالِ حاجَةٌ، ولا في تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ المُسْتَدْعِي لِكَوْنِ المَسْؤُولِ أمْرًا خَطِيرًا مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ غَيْرَ حاصِلٍ لِلسّائِلِ - فائِدَةٌ؛ فَإنَّ نَفْسَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ بَعْدَ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى.
وكَوْنُ التَّقْدِيرِ: إنْ شَكَكْتَ فِيهِ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ والمُرادَ غَيْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّدادِ، وقِيلَ: ( بِهِ ) صِلَةُ ( خَبِيرًا ) قُدِّمَ لِرُؤُوسِ الآيِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ، نَحْوُ: رَأيْتُ بِهِ أسَدًا، أيْ: رَأيْتُ بِرُؤْيَتِهِ أسَدًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: فاسْألْ بِسُؤالِهِ خَبِيرًا، والمَعْنى: إنْ سَألْتَهُ وجَدْتَهُ خَبِيرًا، والباءُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ صِلَةً؛ فَإنَّها باءُ التَّجْرِيدِ، وهي - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ - سَبَبِيَّةٌ، والخَبِيرُ عَلَيْهِ هو اللَّهُ تَعالى أيْضًا، وقَدْ ذَكَرَ هَذا الوَجْهَ السَّجاوَنْدِيُّ، واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، قالَ: وهو أوْجَهُ لِيَكُونَ كالتَّتْمِيمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ لِإثْباتِ القُدْرَةِ مُدْمَجًا فِيهِ العِلْمُ، وكَوْنُ ضَمِيرِ (بِهِ) راجِعًا إلى ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ، و(الخَبِيرُ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ تَفْسِيرُ الخَبِيرِ بِهِ تَعالى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أيْضًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - الخَبِيرُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مَن وجَدَ ذَلِكَ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ تَعالى، أيْ: فاسْألْ بِما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ مَن عَلِمَ بِهِ مِن أهْلِ الكُتُبِ لِيُصَدِّقَكَ، وقِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالخَبِيرِ مَن ذُكِرَ فَضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلرَّحْمَنِ، والمَعْنى: إنْ أنْكَرُوا إطْلاقَ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ تَعالى فاسْألْ بِهِ مَن يُخْبِرُكَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِيَعْرِفُوا مَجِيءَ ما يُرادِفُهُ في كُتُبِهِمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ فِيهِ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِلَفْظِ ( الرَّحْمَنُ ) دُونَ مَعْناهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ( ما الرَّحْمَنُ ) .
وقِيلَ: الخَبِيرُ مُحَمَّدٌ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلرَّحْمَنِ، والمُرادُ: فاسْألْ بِصِفاتِهِ، والخِطابُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلرَّحْمَنِ، والمُرادُ: فاسْألْ بِرَحْمَتِهِ وتَفاصِيلِها عارِفًا يُخْبِرْكَ بِها، أوِ المُرادُ: فاسْألْ بِرَحْمَتِهِ حالَ كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ، عَلى أنَّ ( خَبِيرًا ) حالٌ مِنَ الهاءِ لا مَفْعُولُ (اسْألْ) كَما في الأوْجُهِ السّابِقَةِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( خَبِيرًا ) حالًا مِنَ ( الرَّحْمَنُ ) إذا رُفِعَ بِـ(اسْتَوى) وقالَ: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (اسْألْ) لِأنَّ الخَبِيرَ لا يُسْألُ إلّا عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، مِثْلُ: ﴿ وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴾ والوَجْهُ الأقْرَبُ الأوْلى في الآيَةِ مِن بَيْنِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لا يَخْفى، وقُرِئَ «فَسَلْ» .
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وذلك حين دعي إلى ملة آبائه، فأمره الله تعالى بأن يتوكل على ربه الكريم وقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ قال مقاتل: واذكر بأمره وقال الكلبي: صلِّ بأمره وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً يعني: عالماً معناه، وكفى بالله عالماً بذنوب عباده وبمجازاتهم، فلا أحد أعلم بذنوب عباده ومجازاتهم منه.
ثم قال عز وجل: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وقد ذكرناه وتمّ الكلام، ثم قال الرَّحْمنُ قال الزجاج: الرَّحْمنُ رفعه من جهتين.
أحدهما: على البدل مما في قوله: ثُمَّ اسْتَوى فبيّن بقوله: الرَّحْمنُ يعني استوى الرحمن على العرش.
قال: ويجوز أن يكون على معنى الابتداء.
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً يعني: فاسأل عنه عالماً.
ويقال: معناه ما أخبرتك به من شيء، فهو كما أخبرتك، فاسأل بذلك عالماً حتى يبين لك ذلك كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: 94] الآية.
خاطب به النبيّ ، وأراد به أمته.
قوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ أي صلوا للرحمن، ويقال: اخضعوا له ووحدوه قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ يعني: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب.
قالوا: أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا لذلك الكذاب.
قرأ حمزة والكسائي يأمرنا بالياء على معنى المغايبة وقرأ الباقون على المخاطبة وَزادَهُمْ نُفُوراً يعني: زادهم ذكر الرحمن تباعداً عن الإيمان.
فمن قرأ بالياء، فمعناه: لما يأمرنا الرحمن بالسجود، ويقال: لما يأمرنا محمد، يعني: لا نسجد لما يأمرنا كقوله: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ [النساء: 3] يعني: من طاب لكم.
ومن قرأ بالتاء، أراد به النبيّ .
قال أبو عبيد: هذا هو الوجه، لأن المشركين خاطبوه بذلك، وكانوا غير مقرين بالرحمن.
<div class="verse-tafsir"
ابن عباس «١» : هو أبو جهل.
قال ع «٢» : فيُشْبِهُ أَنَّ أبا جهل هو سبب الآية، ولكنَّ اللفظ عام للجنس كله.
قلت: والمعنى: على دِينِ رَبِّه ظهيراً.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا الظاهر فيه: أنَّه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكن مسؤولي ومطلوبي مَنْ شاء أَنْ يهتدي ويؤمن، ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة.
وقوله سبحانه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ.
قال القشيريُّ في «التحبير» : وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه حَيٌّ لا يموت، صَحَّ تَوَكُّلُهُ عليه قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ قيل: إنَّ رجلاً كتب إلى آخر أَنَّ صديقي فلاناً قد مات، فَمِنْ كَثَرَةِ ما بكيت عليه ذَهَبَ بَصَرِي، فكتب إليه: الذَّنْبُ لك حين أحببتَ الحيَّ الذي يموت، فهلا أحببت الحيَّ الذي لا يموت حتى لا تحتاج إلى البكاء عليه، انتهى.
وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «ما كَرَبَنِي أَمْرٌ إلاَّ تَمَثَّلَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ: تَوَكَّلْتُ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً» رواه «٣» الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإِسناد، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي: قل: سبحان الله وبحمده أي: تنزيهه واجب وبحمده أقول، وصحّ عنه صلى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» «١» فهذا معنى قوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان الثقيلتين في الميزان، الحديث في البخاري وغيره «٢» .
ت: وعن جُوَيْرِيَّةَ- رضي الله عنها- أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟
قَالَتْ: نعم، قَال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتُ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنْتُهِنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» «٣» رواه الجماعة إلاَّ البخاريَّ، زاد النسائي في آخره:
«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذَلِكَ» وفي رواية له: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَاللَّهُ إكْبَرُ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً: وعيدٌ بَيِّنٌ.
وقوله تعالى: «الرحمن» : يحتمل أنْ يكون: رفعه بإضمار مبتدإٍ، أي: هو الرحمن، ويحتمل أنْ يكونَ: بَدَلاً من الضمير في قوله: اسْتَوى.
وقوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [فيه تأويلان: أحدهما: فاسأل عنه خبيراً] «٤» والمعنى:
اسأل جبريلَ والعلماء وأهل الكتاب، والثاني: أنْ يكون المعنى كما تقول: لو لقيت فلانا لقيت به البحرَ كرماً، أي: لقيتَ منه، والمعنى: فاسأل اللهَ عن كل أمر، وقال عِيَاضٌ في ٤٥ أ «الشِّفَا» قال القاضي أبو بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلّم والمسئول/ الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلّم انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى القُرْآنِ وتَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ وهَذا تَوْكِيدٌ لِصِدْقِهِ، لِأنَّهُ لَوْ سَألَهم شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ لاتَّهَمُوهُ، ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ مَعْناهُ: لَكِنَّ مَن شاءَ ﴿ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ بِإنْفاقِ مالِهِ في مَرْضاتِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أسْألُكم لِنَفْسِي.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَلِماتِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩، البَقَرَةِ: ٣٠، الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ ، و " بِهِ " بِمَعْنى: " عَنْهُ "، قالَ [عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ]: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ وَفِي هاءِ " بِهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: إلى اسْمِهِ الرَّحْمَنِ، لِأنَّهم قالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ.
والثّالِثُ: إلى ما ذَكَرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي " الخَبِير " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: سَلْنِي فَأنا الخَبِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: [أنَّهُ] القُرْآنُ، قالَهُ شَمِرٌ.
والرّابِعُ: مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ، وهَذا يَخْرُجُ عَلى قَوْلِهِمْ: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقِيلَ: سَلُوا مُسْلِمَةَ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خاطِب مُوسى في التَّوْراةِ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ سِواهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحِمْنَ اليَمامَةِ، فَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ﴿ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَأْمُرُنا " بِالياءِ، أيْ: لِما يَأْمُرُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، ومَعْناهُ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ﴿ وَزادَهُمْ ﴾ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ ﴿ نُفُورًا ﴾ أيْ: تُباعُدًا مِنَ الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي لا ظَنَّ يَنْصَرِفُ إلَيْكَ مَعَها، ولا تَهْتَمَّ مَعَها، وبَشِّرْ وأنْذِرْ وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَهو المُتَكَفِّلُ بِنَصْرِكَ في كُلِّ أمْرِكَ.
ثُمْ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالصِفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَوَكُّلَ في قَوْلِهِ: ﴿ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ ؛ إذْ هَذا المَعْنى يَخْتَصُّ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى دُونَ كُلِّ ما في الدُنْيا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ حَيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أيْ: قُلْ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، أيْ: تَنْزِيهُهُ واجِبٌ، وبِحَمْدِهِ أقُولُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ : «مَن قالَ في كُلِّ يَوْمٍ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، فَهَذا مَعْنى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ ، وهي إحْدى الكَلِمَتَيْنِ الخَفِيفَتَيْنِ عَلى اللِسانِ، الثَقِيلَتَيْنِ في المِيزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى ﴾ تَوَعُّدٌ، وإزالَةُ كَلٍّ عن كاهِلِ مُحَمَّدٍ في هَمِّهِ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ﴾ مَعَ جَمْعِهِ " السَماواتِ "، فَقِيلَ: سائِغٌ مِن حَيْثُ عادَلَ لَفْظُ "الأرْضَ" لَفْظُ "السَماواتِ"، ومِنهُ قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ: ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا مِن حَيْثُ عادَلَ حَبْلٌ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما ∗∗∗ يُوفِي المَخارِمْ يَرْقُبانِ سَوادِي وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في اليَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأ اللهُ تَعالى فِيهِ الخَلْقَ، فَأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى يَوْمِ الأحَدِ، وفي مُسْلِمْ وفي كِتابِ الدَلائِلِ: يَوْمَ السَبْتَ.
ويَتَبَيَّنُ بِكَوْنِ ذَلِكَ في سِتَّةِ أيّامٍ وضْعُ الأناةِ والتَمَهُّلُ في الأُمُورِ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تَقْضِي أنَّهُ يَخْلُقُها في طَرْفَةِ عَيْنٍ لَوْ شاءَ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاسْتِواءِ.
وقَوْلُهُ: "الرَحْمَنُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ، أيْ: هو الرَحْمَنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اسْتَوى"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ الحُسَيْنِ: "الرَحْمَنِ" بِالخَفْضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاسْألْ عنهُ، و "خَبِيرًا" -عَلى هَذا- مَنصُوبٌ بِوُقُوعِ السُؤالِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: اسْألْ جِبْرِيلَ والعُلَماءَ وأهْلَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى كَما تَقُولُ: لَوْ لَقِيتُ فُلانًا لَقِيتُ بِهِ البَحْرَ كَرَمًا، أيْ: لَقِيتُ مِنهُ، والمَعْنى: فاسْألِ اللهَ عن كُلِّ أمْرٍ، و "خَبِيرًا" -عَلى هَذا- مَنصُوبٌ إمّا بِوُقُوعِ السُؤالِ، وإمّا عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴾ ، ولَيْسَتْ هَذِهِ بِحالٍ مُنْتَقِلَةٍ؛ إذِ الصِفَةُ العَلِيَّةُ لا تَتَغَيَّرُ.
ولَمّا ذُكِرَ "الرَحْمَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَعْرِفُ هَذا في أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وكانَ مُسَيْلِمَةُ كَذّابُ اليَمامَةِ تَسَمّى بِالرَحْمَنِ، فَتَغالَطَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ بِعِبادَةِ رَحْمَنِ اليَمامَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ ﴾ ؟
اسْتِفْهامٌ عن مَجْهُولٍ عِنْدَهُمْ، فَـ "ما" عَلى بابِها المَشْهُورِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَأْمُرُنا" بِالتاءِ، أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "يَأْمُرُنا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، إمّا عَلى إرادَةِ مُحَمَّدٍ ، والكِنايَةُ عنهُ بِالغَيْبَةِ، وإمّا عَلى إرادَةِ رَحْمانِ اليَمامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزادَهُمْ ﴾ أيْ: أضَلَّهم هَذا اللَفْظُ ضَلالًا يَخْتَصُّ بِهِ، حاشى ما تَقَدَّمَ مِنهم.
<div class="verse-tafsir"
أجريت هذه الصلة وصفاً ثانياً ل ﴿ الحي الذي لا يموت ﴾ [الفرقان: 58] لاقتضائها سعة العلم وسعة القدرة وعظيم المجد، فصاحبها حقيق بأن يُتوكل عليه ويفوض أمر الجزاء إليه.
وهذا تخلّص إلى العود إلى الاستدلال على تصرف الله تعالى بالخلق.
وتقدم الكلام على خلق السماوات والأرض في ستة أيّام في سورة البقرة، وعلى الاستواء في سورة الأعراف.
و ﴿ الرحمان ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هو الرحمان.
وهذا من حذف المسند إليه الغالب في الاستعمال عندما تتقدم أخبار أو أوصاف لصاحبها، ثم يُراد الإخبار عنه بما هو إفصاح عن وصف جامع لما مضى أو أهم في الغرض مما تقدمه، فإن وصف الرحمن أهم في الغرض المسوق له الكلام وهو الأمر بالتوكل عليه فإنه وصف يقتضي أنه يدبر أمور من توكل عليه بقوي الإسعاف.
وفرع على وصفه ب ﴿ الرحمان ﴾ قوله ﴿ فسئل به خبيراً ﴾ للدلالة على أن في رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة فيعدل عن زيادة التوصيف إلى الحوالة على عليم بتصاريف رحمته مُجرب لها مُتلقّ أحاديثها ممن عَلِمها وجرّبها.
وتنكير ﴿ خبيراً ﴾ للدلالة على العُموم، فلا يظن خبيراً معيناً، لأن النكرة إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عموماً بدليل أيّ خبير سألته أعلمك.
وهذا يجري مجرى المثل ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب: «على الخبير سقطتَ» يقولها العارف بالشيء إذا سُئِل عنه.
والمَثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثَل القرآني أفصحُ لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في (سقطت).
وهو أيضاً أشرف لسلامته من معنى السقوط، وهو أبلغ معنى لما فيه من عموم كل خبير، بخلاف قولهم: على الخبير سقطتَ، لأنها إنما يقولها الواحد المعيَّن.
وقريب من معنى ﴿ فسئل به خبيراً ﴾ قول النابغة: هلا سألت بني ذبيان ما حسبي *** إذا الدخان تغشى الأشمط البرما إلى قوله: يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم *** وليس جاهلُ شيء مثلَ مَن علما والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى (عن) أي فاسأل عنه كقول علقمة: فإن تسأُلوني بالنساء فإنني *** خبير بأدواء النساء طبيب ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب ﴿ خبيراً ﴾ وتقديم المجرور للرعي على الفاصلة وللاهتمام، فله سببان.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَوْنًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَظاهِرِ وهي المَعُونَةُ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ عَلى رَبِّهِ ﴾ أيْ عَلى أوْلِياءِ رَبِّهِ.
الثّانِي: هَيِّنًا، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهْرُ فُلانٍ بِحاجَتِي إذا تَرَكَها واسْتَهانَ بِها قالَ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا ﴾ أيْ هَيِّنًا، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الرَّحْمَنَ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: وكانَ مَأْخُوذًا مِنَ الكِتابِ، فَلَمّا دُعُوا إلى السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ سَألُوا عَنْهُ مَسْألَةَ الجاهِلِ بِهِ فَقالُوا: ﴿ وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ .
الثّانِي: أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ كانَ يُسَمّى الرَّحْمَنَ، فَلَمّا سَمِعُوا هَذا الِاسْمَ في القُرْآنِ حَسِبُوهُ مُسَيْلِمَةَ، فَأنْكَرُوا ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ السُّجُودِ لَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا قَوْلُ قَوْمٍ كانُوا يَجْحَدُونَ التَّوْحِيدَ ولا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أُمِرُوا أنْ يَسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ازْدادُوا نُفُورًا مَعَ هَواهم بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، وإلّا فالعَرَبُ المُعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَهم إلى اللَّهِ زُلْفى كانُوا يَعْرِفُونَ الرَّحْمَنَ في أسْمائِهِ وأنَّهُ اسْمٌ مُسَمًّى مِنَ الرَّحْمَةِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ قال: ما أخبرتك من شيء فهو ما أخبرتك به.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شمر بن عطية في قوله: ﴿ الرحمن فاسأل به خبيراً ﴾ قال: هذا القرآن خبير به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ﴾ قال: قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة.
فأنزل الله: ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴾ [ البقرة: 163] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين الجحفي في قوله: ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ قال: جوابها ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ [ الرحمن: 1-2].
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم قال: قرأ الأسود ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ فسجد فيها قال: وقرأها يحيى ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان قال: قرأ إبراهيم في الفرقان ﴿ أنسجد لما يأمرنا ﴾ بالياء.
وقرأ سليمان كذلك.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ مفسر في سورة الأعراف (١) ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ قال الكلبي: يقول: فأسأل الخبير بذلك (٢) ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى ما ذُكر من خلق السماوات، والأرض، والاستواء على العرش، والباء: من صلة الخبير قدم عليه، وذلك الخبير هو: الله -عز وجل-، وقيل: جبريل - - (٣) - والمراد به غيره (٤) وقال مجاهد: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ أي: فأسأل الله تسل عالمًا بكل شيء لا يخفى عليه خافية (٥) ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى السؤال.
وقوله: ﴿ فَاسْأَلْ ﴾ يدل على السؤال.
والمعنى: فأسأل عالمًا بسؤالك (٦) وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا (٧) ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ .
وأنشدوا: وإن تسألوني بالنساء فإنني ...
بصير بأدواء النساء طبيب (٨) أي: عن النساء (٩) هلا سالت القوم يا ابنة مالك ...
إن كنت جاهلة بما لم تعلمي (١٠) فإن قيل: هل كان يحتاج النبي - - إلى أن يسأل عن الله أحدًا؟
قيل: يحتمل أن يكون الخطاب له، والمراد به غيره.
ويحتمل أن يكون كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ ﴾ وقد ذكرنا ما قيل فيها مستقصى (١١) وكان ابن جرير، يذهب إلى أن الباء صلة؛ ويقول: المعنى: فاسأله خبيرًا، ويذهب إلى: أن ﴿ خَبِيرًا ﴾ منصوب على الحال (١٢) قال أبو علي الفارسي: قوله ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ ﴾ مثل سل عنه، فأما ﴿ خَبِيرًا ﴾ فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال، أو مفعول به، فإن كان حالًا لم يخل من أن يكون حالًا من الفاعل، أو المفعول، فإن جعلته حالًا من الفاعل السائل لم يسهل؛ لأن الخبير لا يكاد يَسأل إنما يُسأل.
ولا يسهل الحال من المفعول أيضًا؛ لأن المسؤول عنه خبير أبدًا، وليس للحال كثير فائدة.
فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون ﴿ خَبِيرًا ﴾ إذًا: مفعولًا به؛ كأنه قال: فأسأل عنه خبيرًا.
أي.
مسؤولًا خبيرًا.
وكان المعنى: سل يتبين بسؤالك، وبحثك من تستخير ليتقرر عندك ما اقتص عليك من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك وتعلمه بالفحص عنه والتبين له، قال: ومما يقوي: أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا، قول أمية: وسلْ ولا بأسَ إنْ كُنتَ امرءًا عَمِهَا ...
إنَّ السؤالَ شِفا منْ كانَ حيرانَا (١٣) أراد: سل حتى تتبين بسؤالك؛ ألا ترى أنه قال: إن السؤال شفاء من كان حيرانًا.
والسؤال إذا خلا من العلم لم يكن شفاء، إنما يكون شفاءً إذا اقترن به العلم والتبين.
وكذلك المراد في قوله: ﴿ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ اسأل سؤالًا تبحث به لتتبين.
وأجاز أبو إسحاق، وغيره، في هذه الآية، أن يكون الوقف والتمام عند قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ ثم يبتدئ ﴿ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ فيكون ابتداء، و ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ ﴾ الخبر (١٤) ﴿ الَّذِي ﴾ على (١٥) (١٦) ﴿ الَّذِي ﴾ متصلًا بالآية المتقدمة ارتفع الرحمن على البدل مما في قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى ﴾ فبُيِّن بقوله: ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ (١٧) (١) عند قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ، حيث تكلم عن كلمة: ستة، وبين أصل اشتقاقها، والمراد بها في الآية، والحكمة من ذلك، ثم تكلم عن بقية معاني الآية في خمس صفحات.
(٢) "الوسيط" 3/ 344، ونسبه البغوي 6/ 91، للكلبي.
وهذا القول اختيار الهوارى 3/ 215: أي: خبيرًا بالعباد.
(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 101 أ، بنحوه.
(٤) وجزم به في "الوسيط" 3/ 344.
وكذا البغوي، في "تفسيره" 6/ 91.
(٥) أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2715، بسنده عن مجاهد: قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك.
وأخرج أيضًا بسنده 8/ 2715، عن شمر بن عطية: ﴿ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ قال: هذا القرآن خبيرًا.
(٦) "القطع والائتناف" 2/ 486، ونسبه لعلي بن سليمان.
وهو: علي بن سليمان بن الفضل النحوي، أبو الحسن الأخفش الأصغر، قرأ على ثعلب والمبرد، وغيرهما، من مصنفاته: "شرح سيبويه"، و"التثنية والجمع".
ت 315 هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 14/ 480، و"بغية الوعاة" 2/ 167.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 73.
(٨) ذكره ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ص 568، ونسبه لعلقمة.
وهو في "ديوانه" ص 23.
وذكره الثعلبي 8/ 101أ، ولم ينسبه.
وذكره الطبرسي 7/ 274، ونسبه لعلقمة بن عبدة، وفيه: بأغواء النساء.
وذكره أبو البركات ابن الأنباري، في "البيان" 3/ 59، ولم ينسبه، ونسبه الشوكاني 4/ 81، لامرئ القيس.
(٩) "تفسير الثعلبي" 8/ 101 أ.
وممن ذهب إلى هذا القول ابن قتيبة، "تأويل مشكل == القرآن" ص 568.
وأنكر علي ابن سليمان هذا القول: لو لقيت فلانًا لقيك به الأسد؛ أي: للقيك بلقائك إياه الأسد.
"تفسير القرطبي" 13/ 63.
ورد ذلك أيضًا الألوسي 7/ 38؛ فقال: والسؤال كما يعدي بعن، لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء ..
فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن، كما فعل الأخفش، والزجاج.
(١٠) البيت لعنترة، من معلقته، "ديوانه" ص 25.
وقد نسب البيت في "تفسير الشوكاني" 4/ 81، لامرئ القيس، ولعل ذلك خطأ؛ لأنه ذكر بعده مباشرة البيت السابق منسوبًا لامرئ القيس أيضًا.
والله أعلم.
(١١) قال الواحدي: اختلفوا في هذا الخطاب لمن هو؛ فقال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب للرسول - -، والمراد غيره من الشكاك ..
ثم نقل عن أبي إسحاق الزجاج قوله: هذا أحسن الأقوال ..
ثم قال: وذكروا في هذه الآية أقوالًا متكلفة بعيدة فلم أحكها.
سورة يونس: 94.
(١٢) حكاه عن ابن جرير النحاس، "القطع والائتناف" 2/ 486، وهو في "تفسير ابن جرير" 28/ 19، وساقه بسنده عن ابن جريج.
(١٣) العمه: الذي يتردد متحيرًا، لا يهتدي لطريقه ومذهبه، والعَمَه في الرأي، والعمى في البصر.
"تهذيب اللغة" 1/ 149 (عمه).
ولم أجد من ذكر هذا البيت.
(١٤) الوقف التام هو الوقف على كلام تم معناه، ولم يتعلق بما بعده لفظًا، ولا معنى، وهو الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده.
والوقف الكافي: هو الوقف == على كلام يؤدي معنى صحيحًا مع تعلقه بما بعده من جهة المعنى.
والوقف الحسن: هو الوقف على كلام يؤدي معنى صحيحًا، مع تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى.
والوقف القبيح: هو الوقف على ما لا يؤدي معنى صحيحًا، وذلك لشدة تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى.
وبعضه أقبح من بعض.
ولا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه.
"النشر في القراءات العشر" 1/ 224، و"حق التلاوة" لحسيني شيخ عثمان ص 51ـ.
(١٥) (على) في (أ)، (ب).
(١٦) (أي) في (ج).
فقط.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 73.
وذكره النحاس، "القطع والائتناف" 2/ 485، ولم ينسبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ ﴾ قرأ هذه الآية بعض السلف فقال: لا ينبغي لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق فإنه يموت ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي قل سبحان الله وبحمده، والتسبيح التنزيه عن كل ما لا يليق به، ومعنى بحمده أي: بحمده أقول ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى سبحه متلبساً بحمده، فهو أمر بأن يجمع بين التسبيح والحمد ﴿ وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ يحتمل أن يكون المراد بهذا أبيات حمله وعفوه من عباده مع علمه بذنوبهم أم يكون المراد تهديد العباد لعلم الله بذنوبهم ﴿ استوى عَلَى العرش ﴾ ذكر في [الأعراف: 53] ﴿ الرحمن ﴾ خبر ابتداء مضمر، أو بدل من الضمير في استوى ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ فيه معنيان: أحدهما وهو الأظهر: أن المراد اسأل عنه من هو خبير عارف به، وانتصب خبيراً على المفعولية، وهذا الخبير المسؤول هو جبريل عليه السلام والعلماء، وأهل الكتاب، والباء في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ : يحتمل أن تتعلق بخبيراً، أو تتعلق بالسؤال، ويكون معناها على هذا معنى عن، والمعنى الثاني: أن المراد اسأل بسؤاله خبيراً؛ أي إن سألته تعالى تجده خبيراً بكل شيء، فانتصب خبيراً على الحال، وهو كقولك: لو رأيت فلاناً رأيت به أسداً: أي رأيت برؤيته أسداً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.
﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الباقون بفتح الياء وكسر التاء.
﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.
الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.
﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.
وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.
النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه لم يترك طاعة الله طرفة عين.
ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.
وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.
يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.
وسمى المائين الكثيرين بحرين.
والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.
سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله ؟
والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.
وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.
الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.
ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.
قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.
يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.
﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.
ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.
يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.
والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.
والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.
وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".
إذا نبذها وراء ظهره.
والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.
قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.
ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.
فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.
وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.
ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.
وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.
وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.
ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.
ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".
ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.
وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.
قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.
والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله .
وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.
وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".
قال ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع ﴾ .
وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.
وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.
والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.
وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.
قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".
ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.
ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.
ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.
والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.
قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.
ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.
ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.
فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.
شبهت بالقصور العالية.
واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.
ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ في أحد تفاسيره.
وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.
وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.
ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.
أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.
قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.
وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.
والشكور مصدر كالكفور.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.
وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.
وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.
وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.
وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.
ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.
وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.
وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.
وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.
وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.
والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.
وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.
ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.
والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.
عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.
وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.
ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.
وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.
وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.
وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.
"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.
قلت: ثم أي؟
قال أن تزاني حليلة جارك" .
فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.
وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.
والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.
وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.
ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.
هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.
وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.
وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.
وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.
وقال الزجاج.
السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .
وقال القاضي والقفال: إنه يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.
ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.
ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.
والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.
ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.
فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.
وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.
وعن مجاهد: أعياد المشركين.
وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله وعلى رسوله.
والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.
وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.
وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.
ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.
وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.
وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.
والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.
قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.
ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.
عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.
وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.
وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.
قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.
وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.
والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.
والثالث حصول الرضا.
وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.
وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.
ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.
قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله .
وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.
وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.
وقيل: الغرفة اسم للجنة.
وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.
ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.
ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.
قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.
وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟
والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.
قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.
﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.
والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.
وقيل: يكون العقاب لزاماً.
وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.
ويروى أن موسى سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.
فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.
وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.
فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.
والرزخ هو القلب.
وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.
وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.
ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.
﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.
﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.
﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.
وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.
وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.
﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.
﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.
وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.
ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.
[قوله]: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ .
قال بعضهم: مرج، أي: خلع ماء المالح على ماء العذب.
وقال بعضهم: ﴿ مَرَجَ ﴾ : أرسل البحرين أحدهما عذب والآخر أجاج.
وقال بعضهم: ﴿ مَرَجَ ﴾ أي: أفاض أحدهما على الآخر.
قال أبو معاذ: العرب تقول: مرجت الدابة إذا خلعتها وتركتها تذهب حيث شاءت، ومرج الوالي الناس من السجون إذا أرسلهم، فإذا رعيت دابة في المروج، قلت: أمرجت دابتي أمرجها إمراجاً، وإنما سمي المرج: مرجاً؛ لأنه متروك للسباع غير معمور، والممرج الذي يرعى دابته في المرج والدابة الممروجة.
وقال أبو عوسجة: مرج البحرين مرجهما، أي: خلطهما فهو مارج، وقال: ﴿ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ أي: مختلط، ويقال: مرجت عن كل شيء إذا خلطت، والله أعلم.
ثم اختلف في البحرين؛ قال بعضهم: أحدهما بحر الأرض، والآخر بحر السماء، وجعل بينهما برزخاً، أي: حاجزاً عن أن يختلط أحدهما بالآخر.
وقال بعضهم: أحدهما بحر السماء، والآخر بحر تحت الأرض، وجعل بينهما برزخاً وهو الأرض.
وقال بعضهم: بحران على وجه الأرض: أحدهما بحر الروم والآخر بحر الهند.
وقال بعضهم: أحدهما بحر الشام، والآخر بحر العراق: أحدهما مالح أجاج، والآخر عذب، وكان الأجاج هو الذي بلغ في الملوحة غايته، والفرات هو الذي بلغ في العذوبة غايته؛ ذكر منته وفضله ولطفه؛ حيث لم يخلط أحدهما بالآخر، بل حفظ كلاًّ على ما هو عليه إلى أن تقوم الساعة، فعند ذلك يصير الكل واحدا؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ .
ثم إن كان أحدهما بحر السماء والآخر بحر الأرض، وإن كانا بحرين في الهواء، فالحاجز بينهما ليس إلا اللطف؛ وكذلك إن كان الثالث ليعلم أن من قدر على حفظ هذا من هذا بلا حجاب ولا حاجز باللطف، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم، ولا يعجزه شيء، وله الحول والقوة.
وقال أبو عوسجة: ماء أجاج: شديد الملوحة، ويقال: أجّ الماء يؤجّ أجّا فهو أجاج، ويقال: عاج، أي: ماء روي به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً ﴾ أي: من النطفة؛ يخبر عن فضله ومنته وقدرته ولطفه.
أما لطفه وقدرته: فحيث خلق البشر من النطفة، ولو اجتمع جميع حكماء البشر على أن يعرفوا أو يدركوا البشر من النطفة أو يدركوا كيفيته - لم يقدروا على ذلك؛ دل أنه قادر بذاته لطيف لا يعجزه شيء.
وأمّا فضله ومنته: فما أخبر أنه جعل لهم نسباً وصهرا؛ أمّا النسب فيه يتعارفون ويتواصلون ما لولا ذلك ما تعارفوا ولا تواصلوا، وأما الصهر فلما به يتزاوجون ويوادون ويتوالدون؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ يذكر فضله ومنته؛ ليتأدى به شكره؛ ليعلم أن خلق مثل هذا لا يخرج عبثاً باطلا بلا محنة ولا عاقبة، وكأن النسب: ما لا يجري بينهم التناكح والتزاوج، والصهر: ما يحل ويجري بينهم التناكح والتزاوج.
وفي حرف حفصة: ﴿ وهو الذي خلق من الماء نسبا وصهرا ﴾ .
قال أبو معاذ: الصهر الفتى وآله، والختن: أبو المرأة، والختنة: أم المرأة، والأختان: آل المرأة وأهلها، والأصهار، آل الفتى وأهله.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَصِهْراً ﴾ من المصاهرة، وكلهم أصهار من الجانبين جميعاً، والمعروف عندنا: أنه إنما يسمى قرابة الزوج: أختاناً، وقرابة المرأة أصهاراً، وذلك لسان فهو على ما تعارفوه بينهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي: يعبدون من دون الله ما يعلمون أنه لا ينفعهم في الآخرة إن عبدوه، ولا يضرهم في الدنيا إن تركوا عبادته؛ يذكر سفههم بعبادتهم من يعلمون أنه لا ينفع ولا يضر، وتركهم العبادة لمن ينفعهم إن عبدوه ويضرهم إن تركوا عبادته؛ وهو كما ذكر: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ...
﴾ الآية [ الروم: 38]، وأمثال ما ذكر في غير آي من القرآن سفه أولئك بعبادتهم للأصنام، وتركهم عبادة الله .
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً ﴾ أي: تأويله - والله أعلم -: وكان الكافر للكافر ولوليه ظهيرا على من أطاع ربه، يكون بعضهم ببعض عوناً وظهيراً على أولياء الله، وإلا لا يكون الكافر على الله ظهيراً، ولكن على أوليائه، ويكون ذكر الرب على إرادة وليه ومن أطاعه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ ، ونحو ذلك مما يراد به: أولياؤه لا نفسه.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : مبشراً لمن أطاعه، ونذيراً لمن عصاه.
والبشارة: هي الإعلام لما يلحق من السرور والفرح في العاقبة بالأعمال الصالحة.
والنذارة: هي الإعلام لما يلحق من المكروه والمحذور في العاقبة بالأعمال السيئة القبيحة.
وقوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أسألكم على الدين الذي أدعوكم إليه من أجر؛ كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ ، أي: لا أسألكم أجراً على ذلك حتى يمنعكم ثقل الغرم عن إجابتي؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ كان فيه إضمار، أي: لا أسألكم عليه أجراً إلا من شاء، ولكن إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربه سبيلا.
أو أن يقول: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ أي: ولكن من أراد أن يتخذ إلى ربه سبيلا أطاعني وأجابني.
ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ على تبليغ الرسالة إليكم، وما أدعوكم إليه ﴿ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ فيبرني.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ فيوادني؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ ﴾ أي: توكل على الله، والتوكل: هو الاعتماد عليه بكل أمر.
وقوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: نزه ربك وبرئه عن الآفات كلها والعيوب، بثناء تثني عليه وهو التسبيح بحمده.
وقال أهل التأويل: أي صل بأمر ربك، لكن التأويل ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ أي: كفى به علما بذنوب عباده، أي: لا أحد أعلم بها منه.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ : قد ذكرنا هذا.
وقوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ : قال قائلون: قوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ لما يسأل عنه محمد، وذلك "أن بعض كفار مكة قالوا: يا محمد، إن كنت تعلم الشعر فنحن لك، فقال النبي: أفشعر هذا؟!
إن هذا كلام الرحمن، فقالوا: أجل لعمر الله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال النبي: الرحمن هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من عنده يأتيني ذلك، فقالوا: أيزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني، الرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين إلهان، أو كلام نحو هذا" .
وجائز أن يكون قولهم: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ لما لا يعرفون الرحمن وعرفوا الله فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك، فعرفهم بقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ...
﴾ الآية [الإسراء: 110].
أو أن يكونوا يعرفون كل معبود: إلها؛ وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها: آلهة، وكان رسول الله دعاهم إلى عبادة الرحمن؛ فظنوا أنه غيره، فقالوا: فلئن جاز أن يعبد غير الله، فنحن نعبد الأصنام فلِمَ تمنعنا عن ذلك؟!
فأخبر: [أن] الرحمن والإله واحد ليس هو غير؛ حيث قال: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً...
﴾ إلى آخر ما ذكر، يقول الله: محال أن يكون الرحمن غير الإله، بل الرحمن هو الذي جعل في السماء بروجاً، وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج وهي النجوم، وجعل فيها السراج وهي الشمس والقمر - هو الله، فأخبر أن الرحمن هو ذلك لا غير.
وفي قول بعضهم: إن قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...
﴾ الآية من المكتوم، وفي الآية دلالة أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم ويفسر؛ حيث قال: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ، ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به خبيراً، أو إن أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألاَّ يخبره؛ دل ذلك أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم، لكن لا يعلمه إلا الخبير، وهو العالم.
ثم يحتمل: الله أو جبريل أو من يعلمه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: بالله.
وقال بعضهم: بالذي سبق ذكره من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ قد ذكرناه.
﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ بالياء والتاء جميعاً.
وقوله : ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُوراً ﴾ أي: زادهم دعاؤه إلى عبادة الرحمن نفورا عن رسول الله.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ يقول: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك لا شك فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ : قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ قد ذكرنا أن بعضهم يقولون: هو من البركة.
وقال بعضهم: من التعالي.
﴿ جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ : هو ما ذكرنا أنه خرج جواباً لقولهم: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ؛ وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ أي: جعل أحدهما خلف الآخر، إذا ذهب هذا جاء هذا.
﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي: يذكر الليل والنهار لمن أراد أن يتذكر لمواعظه أو يشكر لنعمه؛ لأنهما يذكران قدرته وسلطانه، حيث يقهران الجبابرة والفراعنة ويغلبانهم حيث يظلانهم ويأتيانهم شاءوا، أو كرهوا لا يقدرون دفعهما عن أنفسهم.
وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك؛ حيث ذهب بهذا أتى بآخر بعد أن لم يبق من أثره شيء، فمن قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد الموت وذهاب أثره.
ويذكران أيضاً نعمه وآلاءه؛ لأنه جعل النهار متقلباً لمعاشهم ومطلباً لرزقهم، وما به قوام أنفسهم، وجعل الليل مستراحاً لأبدانهم وسكونهم لا قوام للأبدان بأحد دون الآخر؛ ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ الآية [القصص: 71]، وقال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ الآية [القصص: 72]، يذكرهم عظيم نعمه فيهما أعني في الليل والنهار؛ ليتأدى بذلك شكره؛ فعلى ذلك هذا ما ذكرنا قوله: ﴿ جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ النعمة التي جعل لهم.
قال بعضهم: قوله: ﴿ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي يكون كل واحد منهما خلفا للآخر فيما يفوت فيه من التذكر والتشكر، أي: ما فات في أحدهما من التذكر والتشكر يقضى في الآخر.
وقال الحسن قريبا مما ذكرنا، وقال: من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل.
وعلى مثل ذلك روي عن عمر: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أدرك الصلاة الليلة، فقال عمر: "أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك، وما فاتك من نهارك في ليلك"، ثم قرأ: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ .
وقال بعضهم ﴿ خِلْفَةً ﴾ من الاختلاف، أي: يخالف أحدهما الآخر.
ثم يحتمل الاختلاف وجهين: أحدهما: مجيء أحدهما وذهاب الآخر على ما ذكرنا؛ كقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ .
والثاني: هو اختلاف اللون من السواد والبياض: أحدهما أسود، والآخر أبيض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ : قال بعضهم: البروج هي النجوم العظام، والواحد: برج، وهو قول ابن الأعرابي.
وقال بعضهم: البروج: القصور في السماء، فيها تنزل الشمس في كل ليلة، وروي مثل قول عمر عن سلمان أن رجلا قال له: إني لا أستطيع قيام الليل.
قال: "إن كنت لا تستطيع قيام الليل، فلا تعجزه بالنهار".
وذكر لنا أن نبي الله كان يقول: "أصيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعا" وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه سلم قال: "والذي نفسي بيده، إن في كل ليلة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطي له في هذا الليل والنهار؛ فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان كل موعود، حتى يؤدى ذلك إلى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يكون مصيرهم إلى الجنة وإلى النار؛ لتجزى كل نفس بما كسبت" <div class="verse-tafsir"
الَّذي خلق السماوات وخلق الأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم علا وارتفع على العرش علوًّا يليق بجلاله، وهو الرحمن، فاسأل -أيها الرسول- به خبيرًا، وهو الله الَّذي يعلم كل شيء، لا يخفى عليه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.W0ONK"