الآية ٦٢ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٦٢ من سورة الفرقان

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةًۭ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًۭا ٦٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٢ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٢ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) أي : يخلف كل واحد منهما الآخر ، يتعاقبان لا يفتران .

إذا ذهب هذا جاء هذا ، وإذا جاء هذا ذهب ذاك ، كما قال : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ) [ إبراهيم : 33 ] ، وقال ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) [ الأعراف : 54 ] وقال : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 40 ] .

وقوله : ( لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) أي : جعلهما يتعاقبان ، توقيتا لعبادة عباده له ، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل .

وقد جاء في الحديث الصحيح : " إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " .

قال أبو داود الطيالسي : حدثنا أبو حرة عن الحسن : أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى ، فقيل له : صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه؟

فقال : إنه بقي علي من وردي شيء ، فأحببت أن أتمه - أو قال : أقضيه - وتلا هذه الآية : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ] ) .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [ قوله : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) ] يقول : من فاته شيء من الليل أن يعمله ، أدركه بالنهار ، أو من النهار أدركه بالليل .

وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير .

والحسن .

وقال مجاهد ، وقتادة : ( خلفة ) أي : مختلفين ، هذا بسواده ، وهذا بضيائه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) فقال بعضهم: معناه: أن الله جعل كل واحد منهما خلفًا من الآخر, في أن ما فات أحدهما من عمل يعمل فيه لله, أدرك قضاؤه في الآخر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القمي, عن حفص بن حميد, عن شمر بن عطية, عن شقيق قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: فاتتني الصلاة الليلة, فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك, فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر, أو أراد شكورا.

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار, أو من النهار أدركه بالليل.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: جعل أحدهما خلفا للآخر, إن فات رجلا من النهار شيء أدركه من الليل, وإن فاته من الليل أدركه من النهار.

وقال آخرون: بل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا صاحبه, فجعل هذا أسود وهذا أبيض.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: أسود وأبيض.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا أبو هشام الرفاعي, قال: ثنا يحيى بن يمان, قال: ثنا سفيان, عن عمر بن قيس بن أبي مسلم الماصر, عن مجاهد ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: أسود وأبيض.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه, إذا ذهب هذا جاء هذا, وإذا جاء هذا ذهب هذا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا أبو أحمد الزبيري, قال: ثنا قيس, عن عمر بن قيس الماصر, عن مجاهد, قوله: ( جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: هذا يخلف هذا, وهذا يخلف هذا.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) قال: لو لم يجعلهما خلفة لم يدر كيف يعمل, لو كان الدهر ليلا كله كيف يدري أحد كيف يصوم, أو كان الدهر نهارا كله كيف يدري أحد كيف يصلي.

قال: والخلفة: مختلفان, يذهب هذا ويأتي هذا, جعلهما الله خلفة للعباد, وقرأ ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) والخلفة: مصدر, فلذلك وحدت, وهي خبر عن الليل والنهار; والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة, وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله, كما قال الشاعر: وَلهَـــــا بالمَـــــاطِرُونَ إذَا أَكَـــلَ النَّمْــلُ الَّــذِي جَمَعَــا خِلْفَـــةٌ حَـــتَّى إذَا ارْتَبَعَـــتْ سَـــكَنَتْ مِـــنْ جِــلَّقٍ بِيَعَــا (3) وكما قال زهير: بِهَــا العِيْـنُ والآرَامُ يَمْشِـينَ خِلْفَـةً وأطْلاؤُهـا يَنْهَضْـنَ مِـنْ كُـلّ مَجْثَمِ (4) يعني بقوله: يمشين خلفة: تذهب منها طائفة, وتخلف مكانها طائفة أخرى.

وقد يحتمل أن زُهَيرا أراد بقوله: خلفة: مختلفات الألوان, وأنها ضروب في ألوانها وهيئاتها.

ويحتمل أن يكون أراد أنها تذهب في مشيها كذا, وتجيء كذا.

وقوله ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ) يقول تعالى ذكره: جعل الليل والنهار, وخلوف كل واحد منهما الآخر حجة وآية لمن أراد أن يذكَّر أمر الله, فينيب إلى الحق ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) أو أراد شكر نعمة الله التي أنعمها عليه في اختلاف الليل والنهار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) قال: شكر نعمة ربه عليه فيهما.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ) ذاك آية له ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) قال: شكر نعمة ربه عليه فيهما.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: ( يَذَّكَّرَ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( يَذَّكَّرَ ) مشددة, بمعنى يتذكر.

وقرأه عامة قرّاء الكوفيين: " يَذْكُرَ" مخففة، وقد يكون التشديد والتخفيف في مثل هذا بمعنى واحد.

يقال: ذكرت حاجة فلان وتذكرتها.

والقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيهما.

---------------------- الهوامش : (3) البيتان ليزيد بن معاوية من مقطوعة له ذكرها صاحب ( خزانة الأدب الكبرى 3: 278- 280) قالها متغزلا في امرأة نصرانية كانت قد ترهبت في دير عند الماطرون وهو بستان بظاهر دمشق .

وفي الأبيات "خرفة" في موضع "خلفة" وخرافة بضم الخاء : ما يخترف ويجتنى ، وهذه رواية المبرد في الكامل .

ورواية المؤلف موافقة لرواية صاحب العباب ، وكذلك رواها العيني عن أبي القوطية قال : الرواية : هي الخلفة باللام ، وهو ما يطلع من الثمر بعد الثمر الطيب .

قال البغدادي : والجيد عندي رواية الخلفة ، على أنها اسم من الاختلاف ، أي التردد .

وارتبعت : دخلت في الربيع .

ويروى : ربعت ، بمعناه .

ويروى : ذكرت : بدل سكنت ، وجلق : مدينة بالشام ، والبيع : جمع بيعة بكسر الباء، وهي متعبد .

قال الجوهري وصاحبا العباب ، والمصباح : هي للنصارى ، وقال العيني : البيعة: لليهود ، والكنيسة للنصارى ، وهذا لا يناسب قوله إن الشعر في نصرانية .

ومعنى البيتين : إن لهذه المرأة ترددًا إلى الماطرون في الشتاء ، فإن النمل يخزن الحب في الصيف ، ليأكله في الشتاء ؛ وإذا دخلت في أيام الربيع ارتحلت إلى البيع التي بجلق .

ا ه.

وأورد المؤلف الشعر شاهدًا على معنى الخلفة كما شرحه البغدادي .

(4) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى ( مختار شعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص 228) قال شارحه : العين : جمع عيناء ، بقر الوحش .

والآرام : جمع رئم ، وهو الظبي الخالص البياض .

وخلفة : يخلف بعضها بعضًا .

والأطلاء : جمع الطلا ، وهو الولد من ذوات الظلف.

والمجثم : المربض ، والشاهد في البيت عند المؤلف في قوله "خلفة" كما في الشاهد الذي قبله : أي يذهب بعضها ويخلفه بعض .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا .فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : خلفة قال أبو عبيدة : الخلفة كل شيء بعد شيء .

وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه .

ويقال للمبطون : أصابته خلفة ; أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك .

ومنه خلفة النبات ، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف .

ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سلمى :[ ص: 64 ]بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثمالرئم ولد الظبي وجمعه آرام ; يقول : إذا ذهب فوج جاء فوج .

ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأبا :ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعاخلفة حتى إذا ارتبعت سكنت من جلق بيعافي بيوت وسط دسكرة حولها الزيتون قد ينعاقال مجاهد : خلفة من الخلاف ; هذا أبيض وهذا أسود ; والأول أقوى .

وقيل : يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان .

وقيل : هو من باب حذف المضاف ; أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة ، أي اختلاف .

لمن أراد أن يذكر أي يتذكر ، فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله ، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم .

وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن : معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل .

وفي الصحيح : ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة .

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل .الثانية : قال ابن العربي : سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول : إن الله تعالى خلق العبد حيا [ ص: 65 ] عالما ، وبذلك كماله ، وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ونقصان الخلقة ; إذ الكمال للأول الخالق ، فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر في طاعة الله فليفعل .

ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا ، وينام سدس النهار راحة فيذهب ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة ، ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية ، ولا يتلف عمره بسهر في لذة باقية عند الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم .الثالثة : الأشياء لا تتفاضل بأنفسها ; فإن الجواهر والأعراض من حيث الوجود متماثلة ، وإنما يقع التفاضل بالصفات .

وقد اختلف أي الوقتين أفضل ، الليل أو النهار .

وفي الصوم غنية في الدلالة ، والله أعلم ; قاله ابن العربي .قلت : والليل عظيم قدره ; أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال : ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، وقال : قم الليل على ما يأتي بيانه .

ومدح المؤمنين على قيامه فقال : تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقال عليه الصلاة والسلام : والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء وفيه ينزل الرب تبارك وتعالى حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الرابعة : قرأ حمزة وحده : ( يذكر ) بسكون الذال وضم الكاف .

وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والنخعي .

وفي مصحف أبي ( يتذكر ) بزيادة تاء .

وقرأ الباقون : يذكر بتشديد الكاف .

ويذكر ويذكر بمعنى واحد .

وقيل : معنى ( يذكر ) بالتخفيف أي يذكر ما نسيه في أحد الوقتين في الوقت الثاني ، أو ليذكر تنزيه الله وتسبيحه فيها .

أو أراد شكورا يقال : شكر يشكر شكرا وشكورا ، مثل كفر يكفر كفرا وكفورا .

وهذا الشكور على أنه جعلهما قواما لمعاشهم .

وكأنهم لما قالوا : وما الرحمن قالوا : هو الذي يقدر على هذه الأشياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } أي: يذهب أحدهما فيخلفه الآخر، هكذا أبدا لا يجتمعان ولا يرتفعان، { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر ويستدل بهما على كثير من المطالب الإلهية ويشكر الله على ذلك، ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره وله ورد من الليل أو النهار، فمن فاته ورده من أحدهما أدركه في الآخر، وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل في ساعات الليل والنهار فيحدث لها النشاط والكسل والذكر والغفلة والقبض والبسط والإقبال والإعراض، فجعل الله الليل والنهار يتوالى على العباد ويتكرران ليحدث لهم الذكر والنشاط والشكر لله في وقت آخر، ولأن أوراد العبادات تتكرر بتكرر الليل والنهار، فكما تكررت الأوقات أحدث للعبد همة غير همته التي كسلت في الوقت المتقدم فزاد في تذكرها وشكرها، فوظائف الطاعات بمنزلة سقي الإيمان الذي يمده فلولا ذلك لذوى غرس الإيمان ويبس.

فلله أتم حمد وأكمله على ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) اختلفوا فيها ، قال ابن عباس والحسن وقتادة : يعني خلفا وعوضا ، يقوم أحدهما مقام صاحبه ، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر .

قال شقيق : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، قال فاتتني الصلاة الليلة ، فقال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك ، فإن الله - عز وجل - جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر .

[ قال مجاهد : يعني جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض .

وقال ابن زيد وغيره ] يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان .

) ( لمن أراد أن يذكر ) قرأ حمزة بتخفيف الذال والكاف وضمها من الذكر ، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي : يتذكر ويتعظ ) ( أو أراد شكورا ) قالمجاهد : أي : شكر نعمة ربه عليه فيهما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة» أي يخلف كل منهما الآخر «لمن أراد أن يذَّكَّر» بالتشديد والتخفيف كما تقدم: ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر «أو أراد شُكور» أي شكرا لنعمة ربه عليه فيهما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهو الذي جعل الليل والنهار متعاقبَيْن يَخْلُف أحدهما الآخر لمن أراد أن يعتبر بما في ذلك إيمانًا بالمدبِّر الخالق، أو أراد أن يشكر لله تعالى على نعمه وآلائه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى فتقول : ( وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ) .والخلفة .

كل شىء يجىء بعد شىء آخر غيره .

ومنخ خلفة النبات .

أى : الورق الذى يخرج منه بعد أن تساقط الورق السابق عليه .أى : وهو - سبحانه - الذى جعل الليل والنهار متعاقبين .

بحيث يخلف كل واحد منهما الآخر بنظام دقيق ، ليكونا مناسبين " لمن أراد أن يذكر " .

أى : يتعظ ويعتبر ويتذكر أن الله - تعالى - لم يجعلهما على هذه الهيئة عبثا فيتدارك ما فاته من تقصير وتفريط فى حقوق الله - عز وجل - " أو أراد شكورا " .أى : وجعلهما كذلك لمن أراد أن يزداد من شكر الله على نعمه التى لا تحصى ، والتى من أعظمها وجود الليل ولانهار على هذه الهيئة الحكيمة ، التى تدل على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته ، وسعة رحمته .وبعد هذا الحديث المتنوع عن شبهات المشركين والرد عليها ، وعن مظاهر قدرة الله ونعمه على عباده ، وعن الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما حكى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعباد للرحمن فقال: ﴿ تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً ﴾ أما تبارك فقد تقدم القول فيه، وأما البروج فهي منازل السيارات وهي مشهورة سميت بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، واشتقاق البروج من التبرج لظهوره، وفيه قول آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن البروج هي الكواكب العظام والأول أولى لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا ﴾ أي في البروج فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ راجعاً إلى السماء دون البروج؟

قلنا لأن البروج أقرب فعود الضمير إليها أولى.

والسراج الشمس لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً  ﴾ وقرئ ﴿ سرجاً ﴾ وهي الشمس والكواكب الكبار فيها وقرأ الحسن والأعمش ﴿ وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ وهي جمع ليلة قمراء كأنه قيل وذا قمراً منيراً، لأن الليالي تكون قمراء بالقمر فأضافه إليها، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب.

وأما الخلفة ففيها قولان: الأول: أنها عبارة عن كون الشيئين بحيث أحدهما يخلف الآخر ويأتي خلفه، يقال بفلان خلفة واختلاف، إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه، والمعنى جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر، قال أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل: يا ابن الخطاب لقد أنزل الله فيك آية وتلا: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك القول الثاني: وهو قول مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان فقوله: ﴿ خِلْفَةً ﴾ أي مختلفين وهذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير، والقول الأول أقرب.

أما قوله تعالى: ﴿ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ فقراءة العامة بالتشديد وقراءة حمزة بالتخفيف وعن أبي بن كعب (يتذكر)، والمعنى لينظر الناظر في اختلافهما فيعلم أنه لابد في انتقالهما من حال إلى حال (وتغيرهما) من ناقل ومغير وقوله: ﴿ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ راجع إلى كل ما تقدم من النعم، بين تعالى أن الذين قالوا وما الرحمن لو تفكروا في هذه النعم وتذكروها لاستدلوا بذلك على عظيم قدرته، ولشكر الشاكرين على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين، من فاته في أحدهما ورد من العبادة قام به في الآخر، والشكور مصدر شكر يشكر شكوراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الخلفة من خلف، كالركبة من ركب.

وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كلّ واحد منهما الآخر.

والمعنى: جعلهما ذوي خلفة، أي: ذوي عقبة، أي: يعقب هذا ذاك وذاك هذا.

ويقال: الليل والنهار يختلفان، كما يقال: يعتقبان.

ومنه قوله: ﴿ واختلاف اليل والنهار ﴾ [البقرة: 164] ، [آل عمران: 190] ، [الجاثية: 5] ويقال: بفلان خلفة واختلاف.

إذا اختلف كثيراً إلى متبرّزه.

وقرئ: ﴿ يذكر ﴾ و ﴿ يذّكر ﴾ .

وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه: يتذكر.

والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر، فيعلم أن لابد لانتقالهما من حال إلى حال، وتغيرهما من ناقل ومغير.

ويستدلّ بذلك على عظم قدرته، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار، كما قال عزّ وعلا: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ [القصص: 73] أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين، من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.

وعن الحسن رضي الله عنه: من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب.

ومن فاته بالليل: كان له في النهار مستعتب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ أيْ ذَوِي خِلْفَةٍ يَخْلُفُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ بِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، أوْ بِأنْ يَعْتَقِبا لِقَوْلِهِ تَعالى: ( واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ) .

وهي لِلْحالَةِ مِن خَلَفَ كالرُّكْبَةِ والجَلْسَةِ.

﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ بِأنْ يَتَذَكَّرَ آلاءَ اللَّهِ ويَتَفَكَّرَ في صُنْعِهِ فَيَعْلَمَ أنْ لا بُدَّ لَهُ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبِ الذّاتِ رَحِيمٍ عَلى العِبادِ.

﴿ أوْ أرادَ شُكُورًا ﴾ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، أوْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِينَ الشّاكِرِينَ مَن فاتَهُ وِرْدَهُ في أحَدِهِما تَدارَكَهُ في الآخِرَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( أنْ يَذَّكَّرَ ) مِن ذَكَرَ بِمَعْنى تَذَكَّرَ وكَذَلِكَ لِيَذْكُرُوا ووافَقَهُ الكِسائِيُّ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)

{وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَةً} فعلة من خلف كالركبة من ركب وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر والمعنى جعلهما ذوي خلفة يخلف أحدهما الآخر عند مضيه أو يخلفه في قضاء ما فاته من الورد {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} يتدبر في تسخيرهما واختلافهما فيعرف مدبرهما يذكر حمزة وخلف أي يذكر الله أو المنسي فيقضي {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} أي يشكر نعمة ربه عليه فيهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ أيْ: ذَوِي خِلْفَةٍ، يَخْلُفُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ، بِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يُعْمَلَ فِيهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بِأنْ يَعْقُبَهُ ويَجِيءَ بَعْدَهُ، وهو اسْمٌ لِلْحالَةِ مِن خَلَفَ كالرِّكْبَةِ والجِلْسَةِ مِن رَكِبَ وجَلَسَ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(جَعَلَ) أوْ حالٌ إنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى اخْتِلافًا، والمُرادُ الِاخْتِلافُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ - كَما قِيلَ - أوْ في السَّوادِ والبَياضِ - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - أوْ فِيما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهَ، كَما هو مُحْتَمَلٌ، وفي البَحْرِ يُقالُ: بِفُلانٍ خِلْفَةٌ واخْتِلافٌ إذا اخْتَلَفَ كَثِيرًا إلى مُتَبَرَّزِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمٍ وقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِّتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَّيْفِ دَأبًا: ولَها بِالماطِرُونَ إذا ∗∗∗ أكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعا خِلْفَةٌ حَتّى إذا ارْتَفَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَتْ مِن جَلَقٍ بَيْعا فِي بُيُوتٍ وسَطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَوْلَها الزَّيْتُونُ قَدْ نَبَعا انْتَهى.

وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ: يَذْهَبُ كُلٌّ مِنهُما ويَجِيءُ كَثِيرًا، واعْتِبارُ المُضافِ المُقَدَّرِ عَلى حالِهِ وكَذا فِيما قَبْلَهُ.

وفِي القامُوسِ: الخِلْفُ والخِلْفَةُ بِالكَسْرِ المُخْتَلَفُ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ، والإفْرادُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ.

﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِ، مَن فاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ العِبادَةِ في أحَدِهِما تَدارَكَهُ في الآخَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، ورَوى الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أطالَ صَلاةَ الضُّحى فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟

قالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ: أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكَأنَّ التَّذَكُّرَ مَجازٌ عَنْ أداءِ ما فاتَ، وهو مِمّا يَتَوَقَّفُ الأداءُ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا إعْرابٍ.

﴿ أوْ أرادَ شُكُورًا ﴾ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى بِأداءِ نَوْعٍ مِنَ العِبادَةِ لَمْ يَكُنْ وِرْدًا لَهُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ: المَعْنى: لِمَن أرادَ النّافِلَةَ بَعْدَ أداءِ الفَرِيضَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن أرادَ أنْ يَتَذَكَّرَ ويَتَفَكَّرَ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لِما ذُكِرَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبِ الذّاتِ ذِي رَحْمَةٍ عَلى العِبادِ، أوْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ يَكادُ لا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْثُورًا، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ عَلى هَذا صِلَةَ ( جَعَلَ ) ولَمّا كانَ ظُهُورُ فائِدَةِ ذَلِكَ لِمَن أرادَ التَّذَكُّرَ أوْ أرادَ الشُّكْرَ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى الِاشْتِمالِ عَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أوْ لِلتَّخْيِيرِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْلالِ بِكُلٍّ ولا مَنعَ مِنَ الِاجْتِماعِ.

وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ إفادَةُ الِاسْتِقْلالِ - ولَوْ ذُكِرَ الواوُ بَدَلَها لَتُوُهِّمَ المَعِيَّةُ - ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ أوَّلًا بِأنْ والفِعْلِ دُونَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ كَما في الشِّقِّ الثّانِي - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - إيماءً إلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّذَكُّرِ، فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «أنْ يَتَذَكَّرَ» وهو أصْلٌ لِـ(يَذَّكَّرَ) فَأُبْدِلَ التّاءُ ذالًا وأُدْغِمَ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ «أنْ يَذْكُرَ» مُضارِعَ ذَكَرَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى تَذَكَّرَ.

﴿ وعِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ أوْصافِ خُلَّصِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى وأحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ حالِ النّافِرِينَ عَنْ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ والسُّجُودِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإضافَتُهم إلى الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى وضَمائِرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَخْصِيصِهِمْ بِرَحْمَتِهِ أوْ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى مَن عَداهُمْ؛ لِكَوْنِهِمْ مَرْحُومِينَ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ، كَما يَفْهَمُ مِن فَحْوى الإضافَةِ إلى مُشْتَقٍّ، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِمَن قالُوا: (وما الرَّحْمَنُ).

والأكْثَرُونَ أنَّ عِبادًا هُنا جَمْعُ عَبْدٍ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَمْعُ عابِدٍ كَصاحِبٍ وصِحابٍ وراجِلٍ ورِجالٍ، ويُوافِقُهُ قِراءَةُ اليَمانِيِّ (وعُبّادُ) بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الباءِ فَإنَّهُ جَمْعُ عابِدٍ بِالإجْماعِ، وهو - عَلى هَذا - مِنَ العِبادَةِ، وهي أنْ يَفْعَلَ ما يَرْضاهُ الرَّبُّ، وعَلى الأوَّلِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وهي أنْ يَرْضى ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ، وقالَ الرّاغِبُ: العُبُودِيَّةُ إظْهارُ التَّذَلُّلِ، والعِبادَةُ أبْلَغُ مِنها لِأنَّها غايَةُ التَّذَلُّلِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِأنَّ العِبادَةَ فِعْلُ المَأْمُوراتِ وتَرْكُ المَنهِيّاتِ رَجاءَ الثَّوابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ بِذَلِكَ، والعُبُودِيَّةَ فِعْلُ المَأْمُوراتِ وتَرْكُ المَنهِيّاتِ لا لِما ذُكِرَ بَلْ لِمُجَرَّدِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

قِيلَ: وفَوْقَ ذَلِكَ العُبُودَةُ، وهو فِعْلُ وتَرْكُ ما ذُكِرَ لِمُجَرَّدِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ ونَهْيِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ الذّاتِيِّ لِأنْ يُعَظَّمَ ويُطاعَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ «وعُبُدُ» بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ، وهو - كَما قالَ الأخْفَشُ - جَمْعُ عَبْدٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، وأنْشَدَ: انْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ ∗∗∗ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدْ وهُوَ - عَلى كُلِّ حالٍ - مُبْتَدَأٌ، وفي خَبَرِهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ ما في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، والثّانِي - وهو الأقْرَبُ - أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: تَبارَكَ وقد ذكرناه الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً يعني: خلق في السماء بروجاً، يعني: نجوماً وكواكب.

ويقال: قصوراً.

وذكر أنه جعل في القصور حراساً، كما قال في موضع آخر: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً [الجن: 8] الآية.

ويقال: البروج الكواكب العظام، وكل ظاهر مرتفع فهو برج، وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها، ثم قال تعالى: وَجَعَلَ فِيها يعني: خلق فيها سِراجاً يعني: شمساً وَقَمَراً مُنِيراً يعني: منوراً مضيئاً.

قرأ حمزة والكسائي سُرُجاً بلفظ الجمع، يعني: الكواكب.

وقرأ الباقون سِراجاً وبه قال أبو عبيدة: بهذا نقرأ.

كقوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله: بُرُوجاً.

ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: خلق الليل والنهار خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي خليفة يخلف كل واحد منهما صاحبه.

يذهب الليل ويجيء النهار، ويذهب النهار ويجيء الليل، ويقال: خِلْفَةً يعني: مخالفاً بعضه لبعض، أحدهما أبيض، والآخر أسود، فهما مختلفان كقوله عز وجل: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.

وروي عن الحسن أنه قال: النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل فيفوته فيقضي، فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر.

قرأ حمزة يَذَّكَّرَ بالتخفيف في الذال، وضم الكاف.

يعني: يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف الليل والنهار.

وقرأ الباقون بالتشديد وأصله: يتذكر يعني: يتعظ في اختلافهما، ويستدل بهما أَوْ أَرادَ شُكُوراً يعني: العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية.

ويقال: أَوْ أَرادَ شُكُوراً، أي توحيداً وإقراراً، فيمكنه ذلك.

قوله عز وجل: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ يعني: وإن من عباد الرحمن عباداً يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني: يمضون متواضعين، وهذا جواب لقولهم وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ؟

فقال: الرحمن الذي جعل في السماء بروجاً، وهو الذي له عباد مثل هؤلاء.

يعني: أصحاب النبيّ  ، ومن كان مثل حالهم، وهذا كقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ [مريم: 61] وكقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [الزمر: 17] الآية.

وقال مجاهد: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال: في طاعة الله متواضعين.

ويقال: هَوْناً، أي: هيناً لا جور منهم على أحد ولا أذى.

ويقال: هَوْناً يعني: سكينة ووقاراً وحلماً.

وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ يعني: كلمهم الجاهلون بالجهل قالُوا سَلاماً يعني: سداداً من القول.

ويقال: ردوا إليهم بالجميل.

وقال الحسن: يعني: حلماً لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا.

وقال الكلبي: نسخت بآية القتال.

وقال بعضهم: هذا خطأ، لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خير من حالهم، والنسخ يجري في الأمر والنهي.

ثُمَّ وصف حال لياليهم فقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً يعني: يقومون بالليل في الصلاة سجداً وَقِياماً يعني: يكونون في ليلتهم مرة ساجدين، ومرة قائمين.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: «من صلى ركعتين أو أربعاً بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً وقائماً» .

ثم وصف خوفهم فقال: إنهم مع جهدهم خائفون من عذاب الله عز وجل، ويتعوذون منه فقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ يعني: عباد الرحمن رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً يعني: لازماً لا يفارق صاحبه.

وقال بعض أهل اللغة: الغرام في اللغة أشد العذاب.

وقال محمد بن كعب القرظي: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً.

قال: سألهم ثمن النعم، فلم يأتوا بثمنها، فأغرمهم ثمن النعم، وأدخلهم النار، ثم قال: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: بئس المستقر، وبئس الخلود، والمقام الخلود كقوله: دارَ الْمُقامَةِ [فاطر: 35] يعني: دار الخلود.

ويقال: نصب المستقر للتمييز، ومعناه: لأنها ساءت في المستقر.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وقرأ نافع وابن عامر يَقْتُرُوا بضم الياء وكسر التاء.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا بنصب الياء وكسر التاء.

وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء وضم التاء، ومعنى ذلك كله واحد.

يعني: لم يسرفوا، فينفقوا في معصية الله تعالى، ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً يعني: بين ذلك عدلاً ووسطاً.

وقال الحسن: ما أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ولا إقتار، فهو في سبيل الله تعالى.

وقال مجاهد: لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهباً، فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال أبو حيان «١» : والظاهر تعلق به فَسْئَلْ وبقاء الباء على بابها، وخَبِيراً من صفاته تعالى، نحو: لَقِيتُ بِزَيْدٍ أَسَداً، أي: أَنَّهُ الأَسَدُ شجاعةً، والمعنى: فاسألِ اللهَ الخبير بالأشياء، انتهى.

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ يعني أَنَّ كفار قريش قالوا: ما نعرف الرحمن إلاَّ رحمن اليمامة، وهو مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابَ، وكان مُسَيْلَمَةُ تَسَمَّى بالرحمن.

أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ هذا اللفظُ نُفُوراً والبروج هي التي عَلِمْتَها العرب، وهي المشهورة عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٩] .

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣)

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي: هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يخلف هذا، قال مجاهد وغيره: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي: يعتبر بالمصنوعات ويشكرَ الله تعالى على آلائه «٢» ، وقال عمر وابن عباس والحسن: معناه: لمن أراد أَنْ يَذْكُرَ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه «٣» ، وقرأ حمزة «٤» وحده: «يذْكُرُ» بسكون الذال وضم الكاف، ثم لما قال تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً جاء بصفات عباده الذين هم أهل التذكرة والشكور.

وقوله: الَّذِينَ يَمْشُونَ.

[خبر مبتدإ، والمعنى: وعباده حَقُّ عباده هم الذين يمشون.

وقوله: يَمْشُونَ «١» عَلَى الْأَرْضِ عبارة عن عيشهم ومدّة حياتهم وتصرّفاتهم، وهَوْناً بمعنى أَنَّ أمرهم كله هَيِّنُ، أي: ليِّنٌ حسن قال مجاهد «٢» : بالحلم والوقار.

وقال ابن عباس «٣» : بالطاعة والعَفَاف والتواضع، وقال الحسن «٤» : حُلَمَاءُ، إنْ جُهلَ عليهم لم يجهلوا.

قال الثعلبيُّ: قال الحسن «٥» : يمشون حلماء علماء مثلَ الأنبياء، لا يؤذون الذَّرَّ في سكونٍ وتواضع وخشوع، وهو ضدُّ المُخْتَالُ الفخور الذي يختال في مشيه، اه.

قال عياض في صفة نَبِيِّنا محمد صلى الله عليه وسلّم: يخطو تكفُّؤاً «٦» ، ويمشي هوناً، كأنَّما ينحطُّ من صبب، انتهى من «الشفا» .

قال أبو حيان «٧» : هَوْناً: نعت لمصدر محذوف، أي: مشياً هوناً، أو حال، أي:

هَيِّنِينَ، انتهى، وروى الترمذيُّ عن ابن مسعود أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟

على كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ، سَهْلٍ» «٨» ، قال أَبو عيسى: هذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الحِجْرِ: ١٦) .

والمُرادُ بِالسِّراجِ: الشَّمْسُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " سُرُجًا " بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ وإسْقاطِ الألِفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ: الشَّمْسَ: والكَواكِبَ العِظامَ؛ ويَجُوزُ " سُرْجًا " بِتَسْكِينِ الرّاءِ، مِثْلَ رُسْلٍ ورُسُلٍ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: لَمّا اقْتَرَنَ بِضَوْءِ الشَّمْسِ وهَجُ حَرِّها، جَعَلَها لِأجْلِ الحَرارَةِ سِراجًا، ولَمّا عَدِمَ ذَلِكَ في القَمَرِ جَعَلَهُ نُورًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُخالِفُ الآخَرَ في اللَّوْنِ، فَهَذا أبْيَضُ، وهَذا أسْوَدُ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ وأهْلُ اللُّغَةِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ أيْ: إذا ذَهَبَتْ طائِفَةٌ جاءَتْ طائِفَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ: يَتَّعِظَ ويَعْتَبِرَ بِاخْتِلافِهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ: " يَذْكُرُ " خَفِيفَةَ الذّالِ مَضْمُومَةَ الكافِ، وهي في مَعْنى: يَتَذَكَّرُ، ﴿ أوْ أرادَ ﴾ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا ﴾ ﴿ وَعِبادُ الرَحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ لَمّا جَعَلَتْ قُرَيْشٌ سُؤالَها عَنِ اللهِ تَعالى وعَنِ اسْمِهِ الَّذِي هو الرَحْمَنُ سُؤالًا عن مَجْهُولٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُصَرِّحَةً بِصِفاتِهِ الَّتِي تُعَرِّفُ بِهِ، وتُوجِبُ الإقْرارَ بِأُلُوهِيَّتِهِ.

و "البُرُوجُ" هي الَّتِي عَلِمَتْها العَرَبُ بِالتَجْرِبَةِ وكُلُّ أُمَّةٍ مُصْحِرَةٍ، وهي الشُهُورُ عِنْدَ اللُغَوِيِّينَ وأهْلِ تَعْدِيلِ الأوقاتِ، وكُلُّ بُرْجٍ مِنها عَلى مَنزِلَتَيْنِ وثُلُثٍ مِن مَنازِلِ القَمَرِ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ  ﴾ ، والعَرَبُ تُسَمِّي البِناءَ المُرْتَفِعَ المُسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ بُرْجًا تَشْبِيهًا بِبُرُوجِ السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ  ﴾ ، وقالَ الأخْطَلُ: كَأنَّها بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها: البُرُوجُ: القُصُورُ في الجَنَّةِ، وقالَ الأعْمَشُ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها: "فِي السَماءِ قُصُورًا"، وقِيلَ: البُرُوجُ: الكَواكِبُ العِظامُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي صالِحٍ، وهَذا نَحْوُ ما بَيَّنّاهُ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُلَخَّصٍ، والقَوْلُ بِأنَّها قُصُورٌ في الجَنَّةِ يَحُطُّ غَرَضَ الآيَةِ في التَنْبِيهِ عَلى أشْياءَ مُدْرَكاتٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ مُنْكِرٍ لِلَّهِ أو جاهِلٍ بِهِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِراجًا"، وهي الشَمْسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ: "سُرُجًا"، وهو اسْمُ جَمِيعِ الأنْوارِ، وقَدْ خَصَّ القَمَرَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقَرَأ النَخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: "سُرْجًا" بِسُكُونِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمْ، رَوى عِصْمَةُ عَنِ الحَسَنِ: "وَقُمْرًا" بِضَمِّ القافِ ساكِنَةَ المِيمِ، ولا أدْرِي ما أرادَ إلّا أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَثَمَرٍ وثُمُرٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والنَخَعِيِّ.

وقَوْلُهُ: "خِلْفَةً" أيْ: هَذا يَخْلُفُ هَذا، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ ومِن هَذا قَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَيْفِ دَأْبًا: ولَهَـا بِالمَـاطِـرُونَ إذا ∗∗∗ أكَـلَ النَمْـلُ الَّـذِي جَمَعَـا خِلْفَـةٌ حَتَّـى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَـتْ مِـنْ جِلَّـقٍ بِيَعًــا في بُيُـوتٍ وسْطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَـوْلَهَـا الزَيْتـُونُ قُـدْ يَنَعَـا وَقالَ مُجاهِدٌ: "خِلْفَةً" مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ، نَحْوَ ما قَدَّمْناهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرَ بِالمَصْنُوعاتِ ويَشْكُرُ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِ في العَقْلِ والفِكْرِ والفَهْمِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ما فاتَهُ مِنَ الخَيْرِ والصَلاةِ ونَحْوَهُ في أحَدِهِما فَيَسْتَدْرِكَهُ في الَّذِي يَلِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يَذْكُرَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والنَخَعِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَذَّكَّرَ" بِشَدِّ الذالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يَتَذَكَّرَ" بِزِيادَةِ تاءٍ.

ثُمْ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا ﴾ جاءَ بِصِفَةِ عِبادِهِ الَّذِينَ هم أهْلُ التَذَكُّرِ والشُكُورِ، و "العِبادُ" و "العَبِيدُ" بِمَعْنى، إلّا أنَّ العِبادَ تُسْتَعْمَلُ في مَواضِعِ التَنْوِيهِ، وسُمِّيَ قَوْمٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ العِبادَ لِأنَّ كِسْرى مَلَّكَهم دُونَ العَرَبِ، وقِيلَ: لِأنَّهم تَألَّهُوا مَعَ نَصارى الحِيرَةِ فَصارُوا عِبادَ اللهِ، وإلَيْهِمْ يُنْسَبُ عَدِيٌّ بْنُ زَيْدٍ العِبادِيُّ، وقَرَأ الحَسَنُ: وعُبُدُ الرَحْمَنِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، والمَعْنى: وعِبادُهُ حَقُّ عِبادِهِ هُمُ الَّذِينَ يَمْشُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ عِبارَةٌ عن عَيْشِهِمْ ومُدَّةِ حَياتِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ المُعْظَمِ، لا سِيَّما وفي ذَلِكَ الِانْتِقالِ في الأرْضِ مُعاشَرَةُ الناسِ وخُلْطَتُهم.

ثُمْ قالَ: "هَوْنًا" بِمَعْنى أمْرُهُ كُلُّهُ هَوْنٌ، أيْ لَيِّنٌ حَسَنٌ، قالَ مُجاهِدٌ: بِالحِلْمِ والوَقارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بِالطاعَةِ والعَفافِ والتَواضُعِ، وقالَ الحَسَنُ: حِلْمًا، إنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْهَلُوا، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "هَوْنًا" مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ ﴾ أيِ المَشْيُ هو الهَوْنُ، ويُشْبِهُ أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي هَوْنًا مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، فَيَرْجِعُ القَوْلُ إلى نَحْوِ ما بَيَّنّاهُ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ المَشْيِ وحْدَهُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذُئَيْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الصَدْرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «مَن مَشى مِنكم في طَمَعٍ فَلْيَمْشِ رُوَيْدًا» إنَّما أرادَ في عَقْدِ نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدِ المَشْيَ وحْدَهُ، ألّا تَرى أنَّ المُبْطِلِينَ المُتَحَلِّينَ بِالدِينِ تَمَسَّكُوا بِصُورَةِ المَشْيِ فَقَطْ حَتّى قالَ فِيهِمُ الشاعِرُ ذَمًّا لَهم: كُلُّهم يَمْشِي رُوَيْـدْ ∗∗∗ كُلُّهم يَطْلُـبُ صَيْـدْ وقالَ الزُهْرِيُّ: سُرْعَةُ المَشْيِ تَذْهَبُ بِبَهاءِ الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الإسْراعَ الحَثِيثَ؛ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِالوَقارِ، والخَيْرُ في التَوَسُّطُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كُنْتُ أسْألُ عن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فَما وجَدْتُ في ذَلِكَ شِفاءً، فَرَأيْتُ في النَوْمِ مَن جاءَنِي فَقالَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِلتَّفْسِيرِ في الخُلُقِ.

و "هَوْنًا" مَعْناهُ: رِفْقًا وقَصْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : " «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما» الحَدِيثُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ .

اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْبَغِي لِلْمُخاطِبِ أنْ يَقُولَ لِلْجاهِلِ: "سَلامًا" بِهَذا اللَفْظِ، أيْ: سَلَّمْنا سَلامًا وتَسْلِيمًا ونَحْوَ هَذا، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مِن لَفْظِهِ عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ.

والَّذِي أقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قالُوا" هو العامِلُ في "سَلامًا"؛ لِأنَّ المَعْنى: قالُوا هَذا اللَفْظَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى "سَلامًا": قَوْلًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِهِ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فَقالُوا في هَذا التَأْوِيلِ: العامِلُ في قَوْلِهِ "سَلامًا" عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ، وذَلِكَ أنَّهُ بِمَعْنى: قَوْلًا، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ قَبْلَ آيَةِ السَيْفِ، فَنُسِخَ مِنها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وبَقِيَ أدَبُها في المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ النَسْخَ في هَذِهِ الآيَةِ في كِتابِهِ، وما تَكَلَّمَ عَلى نَسْخٍ سِواهُ، ورَجَّحَ بِهِ أنَّ المُرادَ السَلامَةُ لا التَسْلِيمُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالسَلامِ عَلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ في بَعْضِ [مَصاحِفِ] التَوارِيخِ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ -وَكانَ مِنَ المائِلِينَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- قالَ يَوْمًا بِمَحْضَرِ المَأْمُونِ -وَعِنْدَهُ جَماعَةٌ-: كُنْتُ أرى عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَوْمِ، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ؟

فَيَقُولُ: أنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَكُنْتُ أجِيءُ مَعَهُ إلى قَنْطَرَةٍ، فَيَذْهَبُ يَتَقَدَّمُنِي في عُبُورِها، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ، ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَما رَأيْتُ لَهُ في الجَوابِ بَلاغَةً كَما يُذْكَرُ عنهُ، فَقالَ المَأْمُونُ: وبِماذا جاوَبَكَ؟

قالَ: فَكانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، قالَ الراوِي: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ لا يَحْفَظُ الآيَةَ، أو ذَهَبَتْ عنهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَنَبَّهَ المَأْمُونُ عَلى الآيَةِ أمامَ مَن حَضَرَهُ، وقالَ: هو واللهِ يا عَمِّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَدْ جاوَبَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، فَحَزِنَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيا، وكانَتْ رُؤْياهُ لا مَحالَةَ صَحِيحَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الاستدلال هذا بما في الليل والنّهار من اختلاف الحال بين ظلمة ونور، وبرد وحر، مما يكون بعضه أليق ببعض الناس من بعض ببعض آخر، وهذا مخالف للاستدلال الذي في قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً ﴾ [الفرقان: 47]، فهذه دلالة أخرى ونعمة أخرى والحِكَم في المخلوقات كثيرة.

والقصر هنا قصر حقيقي وليس إضافياً فلذلك لا يراد به الرد على المشركين بخلاف صيغ القصر السابقة من قوله ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً إلى قوله وكان ربك قديراً ﴾ [الفرقان: 47 54].

والخِلفة بكسر الخاء وسكون اللام: اسم لما يَخلف غيره في بعض ما يصلح له.

صيغ هذا الاسم على زنة فِعْلة لأنه في الأصل ذو خلفة، أي صاحب حالة خلف فيها غيره ثم شاع استعماله فصار اسماً، قال زهير: بها العين والآرام يَمشِينَ خِلفَةً *** وأطلاؤها ينهَضْن من كل مُجْثَم أي يمشي سرب ويخلفه سرب آخر ثم يتعاقب هكذا.

فالمعنى: جعل الليل خلفة والنهارَ خلفة: أي كلَّ واحد منهما خِلفة عن الآخر، أي فيما يعمل فيها من التدبر في أدلة العقيدة والتعبد والتذكر.

واللام في ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ لام التعليل وهي متعلقة ب ﴿ جعل ﴾ ، فأفاد ذلك أن هذا الجعل نافع من أراد أن يذّكر أو أراد شُكوراً.

والتذكر: تفعّل من الذِكر، أي تكلف الذكر.

والذكر جاء في القرآن بمعنى التأمل في أدلة الدين، وجاء بمعنى: تذكر فائت أو منسي، ويجمع المعنيين استظهار ما احتجب عن الفكر.

والشكور: بضم الشين مصدر مرادف الشكر، والشكر: عرفانُ إحسان المحسن.

والمراد به هنا العبادة لأنها شكر لله تعالى.

فتفيد الآية معنى: لينظرَ في اختلافهما المتفكر فيعلم أن لا بدّ لانتقالهما من حال إلى حال مؤثر حكيم فيستدل بذلك على توحيد الخالق ويعلم أنه عظيم القدرة فيوقن بأنه لا يستحق غيره الإلهية، وليشكر الشاكر على ما في اختلاف الليل والنهار من نعم عظيمة منها ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً ﴾ [الفرقان: 47] فيكثر الشاكرون على اختلاف أحوالهم ومناسباتهم، وتفيد معنى: ليتداركَ الناسِي ما فاته في الليل بسبب غلبة النوم أو التعب فيقضيَه في النهار أو ما شغله عنه شواغل العمل في النهار فيقضيه بالليل عند التفرغ فلا يرزؤه ذلك ثواب أعماله.

روي أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى يوماً فقيل له: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟

فقال: إنه بَقي عليَّ من وردي شيء فأحببت أن أقضيه وتلا قوله تعالى: ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ﴾ الآية.

ولمن أراد أن يتقرب إلى الله شكراً له بصلاة أو صيام فيكون الليل أسعد ببعض ذلك والنهار أسعد ببعض، فهذا مفاد عظيم في إيجاز بديع.

وجيء في جانب المتذكرين بقوله ﴿ أن يذكر ﴾ لدلالة المضارع على التجدد.

واقتصر في جانب الشاكرين على المصدر بقوله ﴿ أو أراد شكوراً ﴾ لأن الشكر يحصل دفعة.

ولأجل الاختلاف بين النظمين أعيد فعل ﴿ أراد ﴾ إذ لا يلتئم عطف ﴿ شكوراً ﴾ على ﴿ أن يذكر ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ أن يذَّكر ﴾ بتشديد الذال مفتوحة، وأصله: يتذكر فأدغمت التاء في الذال لتقاربهما.

وقرأ حمزة وخلف ﴿ أن يَذْكُر ﴾ بسكون الذال وضم الكاف وهو بمعنى المشدّد إلاّ أن المشدّد أشدّ عملاً، وكِلا العملين يستدركان في الليل والنهار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها النُّجُومُ العِظامُ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

الثّانِي: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وهو قَوْلُ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ.

الثّالِثُ: أنَّها مَواضِعُ الكَواكِبِ.

والرّابِعُ: أنَّها مَنازِلُ الشَّمْسِ، وقُرِئَ بُرْجًا، قَرَأ بِذَلِكَ قَتادَةُ، وتَأوَّلَهُ النَّجْمَ.

﴿ وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ يَعْنِي مُضِيئًا، ولِذا جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا والقَمَرَ مُنِيرًا، لِأنَّهُ لَمّا اقْتَرَنَ بِضِياءِ الشَّمْسِ وهَّجَ حَرَّها جَعَلَها لِأجْلِ الحَرارَةِ سِراجًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ في القَمَرِ مَعْدُومًا جَعَلَهُ نُورًا.

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ ما فاتَ مِن عَمَلِ أحَدِهِما خِلْفَةً يَقْضِي في الآخَرِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُخالِفًا لِصاحِبِهِ فَجَعَلَ أحَدَهُما أبْيَضَ والآخَرَ أسْوَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ إذا مَضى هَذا جاءَ هَذا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ يُصَلِّي بِالنَّهارِ صَلاةَ اللَّيْلِ ويُصَلِّي بِاللَّيْلِ صَلاةَ النَّهارِ.

﴿ أوْ أرادَ شُكُورًا ﴾ هو النّافِلَةُ بَعْدَ الفَرِيضَةِ، وقِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ﴾ قال: أبيض وأسود.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ جعل الليل والنهار خلفة ﴾ قال: هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ قال: يذكر نعمة ربه عليه فيهما ﴿ أو أراد شكوراً ﴾ قال: شكور نعمة ربه عليه فيهما.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ جعل الليل والنهار خلفة ﴾ قال: يختلفان.

هذا أسود وهذا أبيض، وإن المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنهار، وينسى بالنهار ويذكر بالليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ جعل الليل والنهار خلفة ﴾ يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، ومن فاته شيء من النهار أن يعمله أدركه بالليل.

وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن الحسن: أن عمر أطال صلاة الضحى فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه فقال: إنه بقي عليَّ من وردي شيء وأحببت أن أتمه.

أو قال اقضيه.

وتلا هذه الآية ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ جعل الليل والنهار خلفة ﴾ يقول: جعل الليل خلفاً من النهار، والنهار خلفاً من الليل، لمن فرط في عمل أن يقضيه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ جعل الليل والنهار خلفة ﴾ قال: إن لم يستطع عمل الليل عمله بالنهار، وإن لم يستطع عمل النهار عمله بالليل.

فهذا خلفة لهذا.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ جعل الليل والنهار خلفة ﴾ قال: من عجز بالليل كان له في أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له في الليل مستعتب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة؛ أن سلمان جاءه رجل فقال: لا أستطيع قيام الليل قال: إن كنت لا تستطيع قيام الليل فلا تعجز بالنهار قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده أن في كل ليلة ساعة؛ لا يوافقها رجل مسلم يصلي فيها، يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه» قال قتادة: فأروا الله من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيتان تحملان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان بكل موعود، إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ مشددة.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ ذكر أهل اللغة، والمفسرون، في الخلفة، قولين (١) (٢) وقال الأصمعي: خلفة الثمر: الشيء يجيء بعد الشيء.

والخلفة من نبات الصيف بعد ما يبس العشب، ومن الزروع، ما زرع بعد إدراك الذي زرع أولاً؛ لأنها تُستَخلف (٣) ولها بالماطرون إذا ...

أكل النمل الذي جمعا خِلْفة حتى إذا ارتبعت ...

سكنت من جِلَّق بِيَعَا (٤) قال المبرد: يقول: يخلف هذا المكان في هذا الوقت المكان الآخر.

قال: ومن هذا يقال للمبطون: أصابته خلفة لتردده بين أن يخلف المشي القعود، والقعود المشي.

فعلى هذا القول: الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل؛ لأن أحدهما يخلف الآخر ويأتي بعده.

قال الفراء: يقول يذهب هذا ويجيء هذا (٥) (٦) وقال مقاتل: جعل النهار (٧) (٨) وقال ابن زيد: يخلف أحدهما صاحبه؛ إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان (٩) وقال الضحاك: من عجز عن عمل الليل فعمل بالنهار كان له خلفًا، ومن عجز عن عمل بالنهار فعمل بالليل كان له خلفًا.

وقال الحسن: جعل أحدهما خلفًا للآخر فإن فات رجلًا من النهار شيء أدركه بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار (١٠) (١١) (١٢) القول الثاني، قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفَان، وخِلْفَتَان، يقال: له ابنان خِلْفان، وله عبدان خِلْفان، وله أَمَتَان خلفان، إذا كان أحدُهما طويلاً، والآخر قصيرًا، أو كان أحدُهما أبيضَ، والآخرُ أسودَ (١٣) دَلْوَاي خِلْفان وساقياهما (١٤) يقول: إحداهما مُصْعِدَةٌ، والأخرى مُنْحَدِرة (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وذكر الفراء، والزجاج، القولين جميعًا (٢٠) بها العِينُ والآرام يَمشِين خِلْفةً (٢١) أي: مختلفات، في أنهما ضربان في ألوانها، وهيئتها، وتكون خلفة في مِشْيَتها، تذهب كذا، وتجيء كذا (٢٢) ﴿ خِلْفَةً ﴾ يخلف كل واحد منهما صاحبه.

قال: ويقال الخلفة: اختلاف ألوانها (٢٣) ﴿ إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ في سورة البقرة [آية: 164] (٢٤) (٢٥) قوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أي: يتذكر، فيتبين شكر الله، وموضع النعمة، وإتقان الصنعة، فيستدل به على التوحيد.

والتشديد، على أنه: يتذكر، ويتفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده.

وقرأ حمزة، مخففًا (٢٦) (٢٧) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا  ﴾ هذا كلام أبي علي (٢٨) وقال الفراء: (ويذكر، ويتذكر) يأتيان بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ في حرف عبد الله: (وتذكَّروا) ما فيه انتهى كلامه (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ الشُكُور: مصدر شَكَر يَشْكُر، شُكْرًا وشُكُورًا، كما يقال: كَفَر يَكْفُر، كُفْرًا وكُفُورًا، قال الله تعالى: ﴿ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا  ﴾ قال ابن عباس في هذه الآية: يريد لمن أراد أن يتعظ، ويطيعني (٣٢) (٣٣) (١) أما ابن جرير 19/ 30، فقد ذكر فيها ثلاثة أقوال: 1 - يخلف أحدهما صاحبه.

2 - ما فات في أحدهما عمل في الآخر.

وقد جعلهما الواحدي، قولاً واحداً.

3 - كل واحد منهما مخالف لصاحبه.

(٢) "مجاز القرآن" 2/ 78، بمعناه.

وهو قول الأزهري، قال 7/ 398: كل شيء يجيء بعد شيء فهو خلفة.

(٣) "تهذيب اللغة" 7/ 399، 400 (خلف)، بنصه.

وفيه: والخلفة ما أثبت الصيف من العشب، بعد ما يبس العشب.

ولم ينشد البيت المذكور.

(٤) ذكره أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 79 ولم ينسبه.

قال المبرد: قال أبو عبيدة: هذا الشعر يُختلف فيه؛ فبعضهم ينسبه إلى الأحوص، وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية.

"الكامل" 1/ 498.

وذكره ابن جرير 19/ 31، ولم ينسبه.

وذكره ابن عطية 11/ 63، وزاد عليه بيتاً، وقال فيه: ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء لمنزل في الصيف دأْباً.

وأنشده أبو علي، "كتاب الشعر" 1/ 160، ولم ينسبه.

وكذا ابن جني، "سر صناعة الإعراب" 2/ 626.

والماطرون: بستان بظاهر دمشق يسمى اليوم: الميطور، وخلفة: خلفة الشجر: وهو ما يخرج من الثمر بعد الثمر الطيب، أو من الاختلاف؛ وهو: التردد، وهو الشاهد من إيراد البيت، والنمل فاعل أكل، والذي مفعوله، والعائد محذوف؛ أي: جمعه، وارتبعت: دخلت في الربيع، وجِلِّق: مدينة بالشام، وبيعا: مفعول سكنت، وهو جمع بِيعة بالكسر؛ كنيسة النصارى، ومعنى البيتين: أن لهذه المرأة تردداً إلى الماطرون في الشتاء، فإن النمل يخزن الحب في الصيف ليأكله في الشتاء، ولا يخرج إلى وجه الأرض من قريته، وإذا دخلت في أيام الربيع ارتحلت إلى البيَع التي في جلق.

"خزانة الأدب" 7/ 312.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 271.

واختار هذا المعنى ابن كثير 6/ 114.

(٦) أخرجه بسنده ابن جرير 19/ 30، عن ابن عباس -  ما- من طريق علي ابن أبي طلحة، وكذا ابن أبي حاتم 8/ 2718.

وذكره البخاري تعليقاً، "الفتح" == 8/ 490.

وذكره الثعلبي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة.

وأخرج ابن أبي حاتم، بسنده عن شقيق قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب  فقال: فاتتني الصلاة الليلة، فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

ويشهد لهذا حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -  -: "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَن شَئْ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ".

أخرجه مسلم 1/ 515، في صلاة المسافرين وقصرها، رقم 747.

والنسائي 3/ 288، في قيام الليل، رقم 1790.

(٧) في (ج)، الليل، وهو خطأ.

(٨) "تفسير مقاتل" ص 47 أ.

(٩) أخرجه بسنده ابن جرير 19/ 32 مطولاً.

وذكره الثعلبي 8/ 101 ب.

(١٠) أخرجه عبد الرزاق 2/ 71.

وابن جرير 19/ 31، وابن أبي حاتم 8/ 2718.

وساق بعده عبد الرزاق بسنده قول النبي -  -: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار".

والحديث أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم: 73، "الفتح" 1/ 165.

ومسلم 1/ 558، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: 815.

(١١) "العين" 4/ 268 (خلف).

ولم أجده في "التهذيب".

أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2718، == عن الحسن أن عمر -  -، أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه؛ فقال: إنه بقي علي من وردي شئٌ: فأحببت أن أتمه أو أقضيه، وتلا هذه الآية ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ .

(١٢) اقتصر الواحدي على هذا القول في "الوسيط" 3/ 345، و"الوجيز" 2/ 783.

(١٣) "تهذيب اللغة" 7/ 398 (خلف)، بنصه.

وهو قول أبي زيد، "النوادر في اللغة" ص 15.

(١٤) هكذا ورد في "تهذيب اللغة" 7/ 398، غير منسوب، و"اللسان" 9/ 91 (خلف) كذلك، و"مقاييس اللغة" 2/ 213، و"نوادر أبي زيد" ص 15.

(١٥) "تهذيب اللغة" 7/ 398 (خلف).

(١٦) في نسخة: (أ)، (ب)، بالتنوين في: طويلاً، وقصيراً.

(١٧) "تهذيب اللغة" 7/ 398 (خلف)، بنصه.

ولم يسم القائل.

(١٨) في (أ)، (ب): (وهذا على).

(١٩) أخرجه بسنده، عنه ابن جرير 19/ 31، وابن أبي حاتم 8/ 2718.

وتفسير مجاهد == 2/ 455.

وذكره عنه الهوَّاري 3/ 216.

وأخرجه بسنده ابن أبي حاتم 8/ 2718، عن ابن عباس  ما.

(٢٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 271.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 74.

(٢١) صدر بيتٍ وعجزه: وأطلاؤها ينهض من كل مجثم "ديوان زهير" 75، وذكره مقتصرًا على صدره: الفراء 2/ 271، وأبو عبيدة 2/ 80، وابن قتيبة في "الغريب" ص 314، وابن جرير 19/ 32، والأزهري 7/ 399.

وذكره بتمامه: الثعلبي 8/ 101 ب، وابن عطية 11/ 61، قال ابن قتيبة: الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي: إذا ذهب فوج الوحش، جاء فوج.

(٢٢) "تهذيب اللغة" 7/ 399 (خلف)، بنصه وذكر نحوه الفراء 2/ 271، وابن جرير 19/ 32.

(٢٣) في "تنوير المقباس" ص 305: مختلفة بعضها لبعض.

(٢٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فسر الاختلاف هاهنا تفسيرين؛ أحدهما: أنه افتعال من قولهم: خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه؛ أي: بعده ..

وبهذا فسر قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ ..

الثاني: قال ابن كيسان وعطاء في هذه الآية: أراد اختلافهما في الطول والقصر والنور والظلمة == والزيادة والنقصان ..

وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة: التفرق في الجهات جهة اليمين والشمال والخلف والقدام، ثم شُبه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق مواجهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر كالمختلفين في الطريق.

(٢٥) ذكره القرطبي 13/ 66، ولم ينسبه.

(٢٦) كتاب "السبعة في القراءات" ص 466، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 348، وقرأ بها من القراء العشرة خلف، "النشر في القراءات العشر" 2/ 334.

(٢٧) (معنى) (خ).

(٢٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 384، قال: المعنى في قراءة حمزة: ﴿ أن يذَّكَّرَ ﴾ يتذكر.

(٢٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 271، بلفظ: وفي قراءتنا ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ وفي حرف عبد الله (وتذكروا ما فيه) وذهب إلى أنهما بمعخى واحد: ابن جرير 19/ 32.

لم أجده عند ابن خالويه، ولا ابن جني.

(٣٠) ذكره في "الوسيط" 3/ 345، بنصه، ولم ينسبه.

(٣١) أخرج بسنده ابن أبي حاتم 8/ 2719، عن مجاهد: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ﴾ يتعظ.

(٣٢) "تنوير المقباس" ص 305.

(٣٣) "تفسير مجاهد" 2/ 455.

وأخرجه عنه ابن جرير 19/ 32، وابن أبي حاتم 8/ 2719.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالُواْ وَمَا الرحمن ﴾ لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرته قريش، وقالوا: لا نعرف الرحمن، وكان مسيلمة الكذاب قد تسمى بالرحمن، فقالوا على وجه المغالطة: إنما الحرمن الرجل الذي باليمامة ﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ تقديره لما تأمرنا أن نسجد له ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُوراً ﴾ الضمير المعفول في زادهم يعود على المقول وهو ﴿ اسجدوا للرحمن ﴾ ﴿ بُرُوجاً ﴾ يعني المنازل الأثني عشر، وقيل الكواكب العظام ﴿ سِرَاجاً ﴾ يعني الشمس، وقرئ بضم السين والراء على الجمع يعني جميع الأنوار ثم القمر بالذكر تشريفاً ﴿ جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً ﴾ أي يخلف هذا هذا، وقيل: هو من الاختلاف، لأن هذا أبيض وهذا أسود، والخلفة اسم الهيئة: كالركبة والجِلسة، والأصل جعلهما ذوي خلفة ﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ قيل: معناه يعتبر في المصنوعات، وقيل: معناه يتذكر لما فاته من الصلوات وغيرها في الليل، فيستدركه في النهار أو فاته بالنهار فيستذكره بالليل، وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.

﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الباقون بفتح الياء وكسر التاء.

﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.

الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.

﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.

وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.

النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه  لم يترك طاعة الله طرفة عين.

ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.

وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد  فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.

يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.

وسمى المائين الكثيرين بحرين.

والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان  ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.

سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله  ؟

والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.

وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.

الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.

ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.

قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.

يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.

﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.

ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.

يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.

والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.

والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير  ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.

وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".

إذا نبذها وراء ظهره.

والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.

قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.

ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.

فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.

وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.

ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.

وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.

وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.

ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.

ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".

ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.

وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.

قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.

والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله  .

وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.

وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".

قال  ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع  ﴾ .

وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.

وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.

والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.

وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير  ﴾ .

ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله  ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله  مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.

قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".

ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين  ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه  سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.

ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.

ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.

والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.

قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.

ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.

ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.

فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.

شبهت بالقصور العالية.

واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.

ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ في أحد تفاسيره.

وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.

وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.

ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.

أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.

قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.

وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.

والشكور مصدر كالكفور.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.

وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم  حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك  ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.

وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.

وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.

وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.

ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.

وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.

وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.

وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.

وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.

﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.

والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.

وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.

ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.

والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد  لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.

عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.

ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.

وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.

ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.

وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون  ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.

وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.

وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.

وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.

واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.

"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟

قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.

قلت: ثم أي؟

قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.

قلت: ثم أي؟

قال أن تزاني حليلة جارك" .

فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.

وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.

والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.

وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.

ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.

هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.

وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.

وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.

وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله  بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.

وقال الزجاج.

السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.

وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه  يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .

وقال القاضي والقفال: إنه  يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.

ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.

ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.

والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.

ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.

فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.

وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.

وعن مجاهد: أعياد المشركين.

وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله  وعلى رسوله.

والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.

وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.

وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.

ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.

وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.

وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.

قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.

والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.

قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.

ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.

عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.

وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.

وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.

وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.

قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.

وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.

والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.

والثالث حصول الرضا.

وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.

وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.

ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.

قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله  .

وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.

وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.

ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.

وقيل: الغرفة اسم للجنة.

وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.

ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.

ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.

قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.

وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟

والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله  ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم  ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.

قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.

﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.

والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.

وقيل: يكون العقاب لزاماً.

وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.

ويروى أن موسى  سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله  : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.

فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.

وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.

فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.

والرزخ هو القلب.

وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.

وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله  ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.

ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.

﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.

﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.

﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.

وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.

وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.

﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.

﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي  ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.

﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.

وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.

ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله]: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ .

قال بعضهم: مرج، أي: خلع ماء المالح على ماء العذب.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَجَ ﴾ : أرسل البحرين أحدهما عذب والآخر أجاج.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَجَ ﴾ أي: أفاض أحدهما على الآخر.

قال أبو معاذ: العرب تقول: مرجت الدابة إذا خلعتها وتركتها تذهب حيث شاءت، ومرج الوالي الناس من السجون إذا أرسلهم، فإذا رعيت دابة في المروج، قلت: أمرجت دابتي أمرجها إمراجاً، وإنما سمي المرج: مرجاً؛ لأنه متروك للسباع غير معمور، والممرج الذي يرعى دابته في المرج والدابة الممروجة.

وقال أبو عوسجة: مرج البحرين مرجهما، أي: خلطهما فهو مارج، وقال: ﴿ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ  ﴾ أي: مختلط، ويقال: مرجت عن كل شيء إذا خلطت، والله أعلم.

ثم اختلف في البحرين؛ قال بعضهم: أحدهما بحر الأرض، والآخر بحر السماء، وجعل بينهما برزخاً، أي: حاجزاً عن أن يختلط أحدهما بالآخر.

وقال بعضهم: أحدهما بحر السماء، والآخر بحر تحت الأرض، وجعل بينهما برزخاً وهو الأرض.

وقال بعضهم: بحران على وجه الأرض: أحدهما بحر الروم والآخر بحر الهند.

وقال بعضهم: أحدهما بحر الشام، والآخر بحر العراق: أحدهما مالح أجاج، والآخر عذب، وكان الأجاج هو الذي بلغ في الملوحة غايته، والفرات هو الذي بلغ في العذوبة غايته؛ ذكر منته وفضله ولطفه؛ حيث لم يخلط أحدهما بالآخر، بل حفظ كلاًّ على ما هو عليه إلى أن تقوم الساعة، فعند ذلك يصير الكل واحدا؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ  ﴾ .

ثم إن كان أحدهما بحر السماء والآخر بحر الأرض، وإن كانا بحرين في الهواء، فالحاجز بينهما ليس إلا اللطف؛ وكذلك إن كان الثالث ليعلم أن من قدر على حفظ هذا من هذا بلا حجاب ولا حاجز باللطف، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم، ولا يعجزه شيء، وله الحول والقوة.

وقال أبو عوسجة: ماء أجاج: شديد الملوحة، ويقال: أجّ الماء يؤجّ أجّا فهو أجاج، ويقال: عاج، أي: ماء روي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً ﴾ أي: من النطفة؛ يخبر عن فضله ومنته وقدرته ولطفه.

أما لطفه وقدرته: فحيث خلق البشر من النطفة، ولو اجتمع جميع حكماء البشر على أن يعرفوا أو يدركوا البشر من النطفة أو يدركوا كيفيته - لم يقدروا على ذلك؛ دل أنه قادر بذاته لطيف لا يعجزه شيء.

وأمّا فضله ومنته: فما أخبر أنه جعل لهم نسباً وصهرا؛ أمّا النسب فيه يتعارفون ويتواصلون ما لولا ذلك ما تعارفوا ولا تواصلوا، وأما الصهر فلما به يتزاوجون ويوادون ويتوالدون؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً  ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ يذكر فضله ومنته؛ ليتأدى به شكره؛ ليعلم أن خلق مثل هذا لا يخرج عبثاً باطلا بلا محنة ولا عاقبة، وكأن النسب: ما لا يجري بينهم التناكح والتزاوج، والصهر: ما يحل ويجري بينهم التناكح والتزاوج.

وفي حرف حفصة: ﴿ وهو الذي خلق من الماء نسبا وصهرا ﴾ .

قال أبو معاذ: الصهر الفتى وآله، والختن: أبو المرأة، والختنة: أم المرأة، والأختان: آل المرأة وأهلها، والأصهار، آل الفتى وأهله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَصِهْراً ﴾ من المصاهرة، وكلهم أصهار من الجانبين جميعاً، والمعروف عندنا: أنه إنما يسمى قرابة الزوج: أختاناً، وقرابة المرأة أصهاراً، وذلك لسان فهو على ما تعارفوه بينهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي: يعبدون من دون الله ما يعلمون أنه لا ينفعهم في الآخرة إن عبدوه، ولا يضرهم في الدنيا إن تركوا عبادته؛ يذكر سفههم بعبادتهم من يعلمون أنه لا ينفع ولا يضر، وتركهم العبادة لمن ينفعهم إن عبدوه ويضرهم إن تركوا عبادته؛ وهو كما ذكر: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ...

﴾ الآية [ الروم: 38]، وأمثال ما ذكر في غير آي من القرآن سفه أولئك بعبادتهم للأصنام، وتركهم عبادة الله  .

وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً ﴾ أي: تأويله - والله أعلم -: وكان الكافر للكافر ولوليه ظهيرا على من أطاع ربه، يكون بعضهم ببعض عوناً وظهيراً على أولياء الله، وإلا لا يكون الكافر على الله ظهيراً، ولكن على أوليائه، ويكون ذكر الرب على إرادة وليه ومن أطاعه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ونحو ذلك مما يراد به: أولياؤه لا نفسه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : مبشراً لمن أطاعه، ونذيراً لمن عصاه.

والبشارة: هي الإعلام لما يلحق من السرور والفرح في العاقبة بالأعمال الصالحة.

والنذارة: هي الإعلام لما يلحق من المكروه والمحذور في العاقبة بالأعمال السيئة القبيحة.

وقوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أسألكم على الدين الذي أدعوكم إليه من أجر؛ كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ ، أي: لا أسألكم أجراً على ذلك حتى يمنعكم ثقل الغرم عن إجابتي؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ كان فيه إضمار، أي: لا أسألكم عليه أجراً إلا من شاء، ولكن إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربه سبيلا.

أو أن يقول: قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ أي: ولكن من أراد أن يتخذ إلى ربه سبيلا أطاعني وأجابني.

ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ على تبليغ الرسالة إليكم، وما أدعوكم إليه ﴿ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ فيبرني.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ فيوادني؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ ﴾ أي: توكل على الله، والتوكل: هو الاعتماد عليه بكل أمر.

وقوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: نزه ربك وبرئه عن الآفات كلها والعيوب، بثناء تثني عليه وهو التسبيح بحمده.

وقال أهل التأويل: أي صل بأمر ربك، لكن التأويل ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ أي: كفى به علما بذنوب عباده، أي: لا أحد أعلم بها منه.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ : قد ذكرنا هذا.

وقوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ : قال قائلون: قوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ لما يسأل عنه محمد، وذلك "أن بعض كفار مكة قالوا: يا محمد، إن كنت تعلم الشعر فنحن لك، فقال النبي: أفشعر هذا؟!

إن هذا كلام الرحمن، فقالوا: أجل لعمر الله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال النبي: الرحمن هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من عنده يأتيني ذلك، فقالوا: أيزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني، الرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين إلهان، أو كلام نحو هذا" .

وجائز أن يكون قولهم: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ لما لا يعرفون الرحمن وعرفوا الله فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك، فعرفهم بقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ...

﴾ الآية [الإسراء: 110].

أو أن يكونوا يعرفون كل معبود: إلها؛ وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها: آلهة، وكان رسول الله  دعاهم إلى عبادة الرحمن؛ فظنوا أنه غيره، فقالوا: فلئن جاز أن يعبد غير الله، فنحن نعبد الأصنام فلِمَ تمنعنا عن ذلك؟!

فأخبر: [أن] الرحمن والإله واحد ليس هو غير؛ حيث قال: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً...

﴾ إلى آخر ما ذكر، يقول الله: محال أن يكون الرحمن غير الإله، بل الرحمن هو الذي جعل في السماء بروجاً، وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج وهي النجوم، وجعل فيها السراج وهي الشمس والقمر - هو الله، فأخبر أن الرحمن هو ذلك لا غير.

وفي قول بعضهم: إن قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية من المكتوم، وفي الآية دلالة أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم ويفسر؛ حيث قال: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ، ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به خبيراً، أو إن أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألاَّ يخبره؛ دل ذلك أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم، لكن لا يعلمه إلا الخبير، وهو العالم.

ثم يحتمل: الله أو جبريل أو من يعلمه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: بالله.

وقال بعضهم: بالذي سبق ذكره من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ قد ذكرناه.

﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ بالياء والتاء جميعاً.

وقوله  : ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُوراً ﴾ أي: زادهم دعاؤه إلى عبادة الرحمن نفورا عن رسول الله.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ يقول: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك لا شك فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ : قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ قد ذكرنا أن بعضهم يقولون: هو من البركة.

وقال بعضهم: من التعالي.

﴿ جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ : هو ما ذكرنا أنه خرج جواباً لقولهم: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ ؛ وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ أي: جعل أحدهما خلف الآخر، إذا ذهب هذا جاء هذا.

﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي: يذكر الليل والنهار لمن أراد أن يتذكر لمواعظه أو يشكر لنعمه؛ لأنهما يذكران قدرته وسلطانه، حيث يقهران الجبابرة والفراعنة ويغلبانهم حيث يظلانهم ويأتيانهم شاءوا، أو كرهوا لا يقدرون دفعهما عن أنفسهم.

وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك؛ حيث ذهب بهذا أتى بآخر بعد أن لم يبق من أثره شيء، فمن قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد الموت وذهاب أثره.

ويذكران أيضاً نعمه وآلاءه؛ لأنه جعل النهار متقلباً لمعاشهم ومطلباً لرزقهم، وما به قوام أنفسهم، وجعل الليل مستراحاً لأبدانهم وسكونهم لا قوام للأبدان بأحد دون الآخر؛ ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ الآية [القصص: 71]، وقال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ الآية [القصص: 72]، يذكرهم عظيم نعمه فيهما أعني في الليل والنهار؛ ليتأدى بذلك شكره؛ فعلى ذلك هذا ما ذكرنا قوله: ﴿ جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ النعمة التي جعل لهم.

قال بعضهم: قوله: ﴿ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي يكون كل واحد منهما خلفا للآخر فيما يفوت فيه من التذكر والتشكر، أي: ما فات في أحدهما من التذكر والتشكر يقضى في الآخر.

وقال الحسن قريبا مما ذكرنا، وقال: من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل.

وعلى مثل ذلك روي عن عمر: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أدرك الصلاة الليلة، فقال عمر: "أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك، وما فاتك من نهارك في ليلك"، ثم قرأ: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ .

وقال بعضهم ﴿ خِلْفَةً ﴾ من الاختلاف، أي: يخالف أحدهما الآخر.

ثم يحتمل الاختلاف وجهين: أحدهما: مجيء أحدهما وذهاب الآخر على ما ذكرنا؛ كقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ  ﴾ .

والثاني: هو اختلاف اللون من السواد والبياض: أحدهما أسود، والآخر أبيض، والله أعلم.

وقوله: ﴿ جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ : قال بعضهم: البروج هي النجوم العظام، والواحد: برج، وهو قول ابن الأعرابي.

وقال بعضهم: البروج: القصور في السماء، فيها تنزل الشمس في كل ليلة، وروي مثل قول عمر عن سلمان أن رجلا قال له: إني لا أستطيع قيام الليل.

قال: "إن كنت لا تستطيع قيام الليل، فلا تعجزه بالنهار".

وذكر لنا أن نبي الله  كان يقول: "أصيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعا" وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه سلم قال: "والذي نفسي بيده، إن في كل ليلة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطي له في هذا الليل والنهار؛ فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان كل موعود، حتى يؤدى ذلك إلى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يكون مصيرهم إلى الجنة وإلى النار؛ لتجزى كل نفس بما كسبت" <div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله هو الَّذي صيَّر الليل والنهار متعاقبين يعقب أحدهما الآخر ويخلفه، لمن أراد أن يعتبر بآيات الله فيهتدي، أو أراد شكر الله على نعمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.pmP7A"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد