الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٧٤ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٤ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) يعني : الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له .
قال ابن عباس : يعنون من يعمل بالطاعة ، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة .
وقال عكرمة : لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين .
وقال الحسن البصري - وسئل عن هذه الآية - فقال : أن يري الله العبد المسلم من زوجته ، ومن أخيه ، ومن حميمه طاعة الله .
لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا ، أو ولد ولد ، أو أخا ، أو حميما مطيعا لله عز وجل .
وقال ابن جريج في قوله : ( هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) قال : يعبدونك ويحسنون عبادتك ، ولا يجرون علينا الجرائر .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني : يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو ، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه قال : جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما ، فمر به رجل فقال : طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم!
لوددنا أنا رأينا ما رأيت ، وشهدنا ما شهدت .
فاستغضب ، فجعلت أعجب ، ما قال إلا خيرا!
ثم أقبل إليه فقال : ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه ، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟
والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم ، لم يجيبوه ولم يصدقوه ، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين لما جاء به نبيكم ، قد كفيتم البلاء بغيركم؟
لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبيا من الأنبياء في فترة من جاهلية ، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان .
فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل ، وفرق بين الوالد وولده ، حتى إن كان الرجل ليرى والده وولده ، أو أخاه كافرا ، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان ، يعلم أنه إن هلك دخل النار ، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار ، وإنها التي قال الله تعالى : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) .
وهذا إسناد صحيح ، ولم يخرجوه .
وقوله : ( واجعلنا للمتقين إماما ) قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والربيع بن أنس : أئمة يقتدى بنا في الخير .
وقال غيرهم : هداة مهتدين [ ودعاة ] إلى الخير ، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع ، وذلك أكثر ثوابا ، وأحسن مآبا; ولهذا ورد في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به من بعده ، أو صدقة جارية " .
يقول تعالى ذكره: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) يعنون: من يعمل لك بالطاعة فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا والآخرة.
حدثني أحمد بن المقدام, قال: ثنا حزم, قال: سمعت كثيرا سأل الحسن, قال: يا أبا سعيد, قول الله: ( هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) في الدنيا والآخرة؟
قال: لا بل في الدنيا, قال: وما ذاك؟
قال: المؤمن يرى زوجته وولده يطيعون الله.
حدثنا الفضل بن إسحاق, قال: ثنا سالم بن قُتَيبة, قال: ثنا حزم, قال: سمعت الحسن فذكر نحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, قال: قرأ حضرمي ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: وإنما قرّة أعينهم أن يروهم يعملون بطاعة الله.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج فيما قرأنا عليه في قوله: ( هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك, ولا يجرُّون الجرائر.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قوله: ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يعبدونك يحسنون عبادتك, ولا يجرّون علينا الجرائر.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) قال: يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.
حدثنا محمد بن عون, قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, قال: ثني أبي, عن صفوان بن عمرو, عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير, عن أبيه, قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود, فقال: لقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أشدّ حالة بُعث عليها نبيّ من الأنبياء في فترة وجاهلية, ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان, فجاء بفرقان فَرق به بين الحق والباطل, وفرق بين الوالد وولده, حتى إن كان الرجل ليرى ولده ووالده وأخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه بالإسلام, فيعلم أنه إن مات دخل النار, فلا تقرّ عينه, وهو يعلم أن حبيبه في النار, وإنها للتي قال الله: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ...
الآية.
حدثني ابن عوف, قال: ثني علي بن الحسن العسقلاني, عن عبد الله بن المبارك, عن صفوان, عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَيرٍ, عن أبيه, عن المقداد, نحوه.
وقيل: هب لنا قرّة أعين, وقد ذكر الأزواج والذريات وهم جمع, وقوله: ( قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) واحدة لأن قوله: قرّة أعين مصدر من قول القائل: قرّت عينك قرة, والمصدر لا تكاد العرب تجمعه.
وقوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) اختلف أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: معناه: اجعلنا أئمة يَقْتَدِي بنا من بعدنا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل, قال: ثني عون بن سلام, قال: أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس, في قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) يقول: أثمة يُقْتَدَى بنا.
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) أثمة التقوى ولأهله يقتدى بنا.
قال ابن زيد: كما قال لإبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا .
وقال آخرون: بل معناه: واجعلنا للمتقين إمامًا: نأتمّ بهم, ويأتمّ بنا من بعدنا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) أئمة نقتدي بمن قبلنا, ونكون أئمة لمن بعدنا.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا ابن عيينة, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) قال: اجعلنا مؤتمين بهم, مقتدين بهم.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: واجعلنا للمتقين الذين يتقون معاصيك, ويخافون عقابك إماما يأتمون بنا في الخيرات, لأنهم إنما سألوا ربهم أن يجعلهم للمتقين أئمة ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إماما, وقال: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) ولم يقل أئمة.
وقد قالوا: واجعلنا وهم جماعة, لأن الإمام مصدر من قول القائل: أمّ فلان فلانا إماما, كما يقال: قام فلان قياما وصام يوم كذا صياما.
ومن جمع الإمام أئمة, جعل الإمام اسما, كما يقال: أصحاب محمد إمام, وأئمة للناس.
فمن وحَّد قال: يأتمّ بهم الناس.
وهذا القول الذي قلناه في ذلك قول بعض نحويِّي أهل الكوفة.
وقال بعض أهل البصرة من أهل العربية: الإمام في قوله: ( لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) جماعة, كما تقول: كلهم عُدُول.
قال: ويكون على الحكاية كما يقول القائل: إذا قيل له: من أميركم، هؤلاء أميرنا، واستشهد لذلك بقول الشاعر: يــا عــاذِلاتي لا تُـرِدْنَ مَلامَتِـي إنَّ العــوَاذلَ لَسْــنَ لــي بـأمِيرِ (6) ----------------------------- الهوامش : (6) البيت من شواهد بن هشام في المغني في حرف اللام ، على أن قوله : " لا تردن ملامتي " أبلغ من : لا تلمني لأنه نهى عن السبب ، والنهي عن إرادة الفعل أبلغ من النهي عن الفعل نفسه .
وقال الأمير في حاشيته : قوله : " بأمير" : أخبر به عن الجمع ، إما لكونه "فعيلا" يستوي فيه الواحد وغيره ، قال الله تعالى : { والملائكة بعد ذلك ظهير} .
أو أنه صفة لمفرد لفظًا ، جمع معنى محذوف ، أي بفريق أمير .
فلاحظ في الإخبار معناه وفي وصفه لفظه .
قلت : ولم ينسب البيت ابن هشام ولا الأمير ، ولا ذكره السيوطي في شرح شواهد المغني في حرف اللام.
وتوحيد الأمير في البيت نظير توحيد الإمام في قوله تعالى: { واجعلنا للمتقين إمامًا } ، وكلاهما يراد به الجمع في المعنى .
قال في اللسان : وقوله تعالى : {واجعلنا للمتقين إمامًا} .
قال أبو عبيدة : هو واحد يدل على الجمع .
ا هـ .
قوله تعالى : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين قال الضحاك : أي مطيعين لك .
وفيه جواز الدعاء بالولد .
وقد تقدم .
والذرية تكون واحدا وجمعا .
فكونها للواحد قوله : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة فهب لي من لدنك وليا وكونها للجمع ذرية ضعافا وقد مضى في ( البقرة ) اشتقاقها مستوفى .
وقرأ نافع وابن كثير [ ص: 79 ] وابن عامر والحسن : " وذرياتنا " وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى : " وذريتنا " بالإفراد .
قرة أعين نصب على المفعول ، أي قرة أعين لنا .
وهذا نحو قوله عليه الصلاة والسلام لأنس : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه .
وقد تقدم بيانه في ( آل عمران ) و ( مريم ) وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله ، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة ، معاونون له على وظائف الدين والدنيا ، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده ، فتسكن عينه عن الملاحظة ، ولا تمتد عينه إلى ما ترى ; فذلك حين قرة العين وسكون النفس .
ووحد " قرة " لأنه مصدر ; تقول : قرت عينك قرة .
وقرة العين يحتمل أن تكون من القرار ، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر .
والقر البرد ; لأن العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد .
وأيضا فإن دمع السرور بارد ، ودمع الحزن سخن ، فمن هذا يقال : أقر الله عينك ، وأسخن الله عين العدو .
وقال الشاعر :فكم سخنت بالأمس عين قريرة وقرت عيون دمعها اليوم ساكبقوله تعالى : واجعلنا للمتقين إماما أي قدوة يقتدى بنا في الخير ، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة ; وهذا هو قصد الداعي .
وفي الموطأ : " إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم " فكان ابن عمر يقول في دعائه : اللهم اجعلنا من أئمة المتقين .
وقال : " إماما " ولم يقل " أئمة " على الجمع ; لأن الإمام مصدر .
يقال : أم القوم فلان إماما ; مثل الصيام والقيام .
وقال بعضهم : أراد أئمة ، كما يقول القائل أميرنا هؤلاء ، يعني أمراءنا .
وقال الشاعر :يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي إن العواذل لسن لي بأميرأي أمراء .
وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول : الإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، يعني بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه .
وقال إبراهيم النخعي : لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين .
وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هدى ، كما قال تعالى : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا وقال مكحول : اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون .
وقيل : هذا من المقلوب ; مجازه : واجعل المتقين لنا إماما ; وقال مجاهد .
والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول ، ويكون فيه دليل .
على أن طلب الرياسة في [ ص: 80 ] الدين ندب .
و " إمام " واحد يدل على جمع ; لأنه مصدر كالقيام .
قال الأخفش : الإمام جمع " آم " من أم يؤم ، جمع على فعال ، نحو صاحب وصحاب ، وقائم وقيام .
{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا } أي: قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات، { وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي: تقر بهم أعيننا.
وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم عرفنا من هممهم وعلو مرتبتهم أنهم لا تقر أعينهم حتى يروهم مطيعين لربهم عالمين عاملين وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم فإنه دعاء لأنفسهم لأن نفعه يعود عليهم ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم فقالوا: { هَبْ لَنَا } بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين لأن بصلاح من ذكر يكون سببا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم.
{ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين وهي درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم يقتدى بأفعالهم، ويطمئن لأقوالهم ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون.
ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة -درجة الإمامة في الدين- لا تتم إلا بالصبر واليقين كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَاهم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعة الله وعن معصيته وأقداره المؤلمة ومن العلم التام الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، خيرا كثيرا وعطاء جزيلا وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل.
( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ) قرأ بغير ألف : أبو عمرو ، والكسائي ، وأبو بكر .
وقرأ الباقون بالألف على الجمع ، ) ( قرة أعين ) أي : أولادا أبرارا أتقياء ، يقولون اجعلهم صالحين فتقر أعيننا بذلك .
قال القرظي : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله - عز وجل - .
وقاله الحسن ، ووحد القرة لأنها مصدر ، وأصلها من البرد ، لأن العرب تتأذى من الحر وتستروح إلى البرد ، وتذكر قرة العين عند السرور ، وسخنة العين عند الحزن ، ويقال : دمع العين عند السرور بارد ، وعند الحزن حار .
وقال الأزهري : معنى قرة الأعين : أن يصادف قلبه من يرضاه ، فتقر عينه به عن النظر إلى غيره .
( واجعلنا للمتقين إماما ) أي : أئمة يقتدون في الخير بنا ، ولم يقل : أئمة ، كقوله تعالى : " إنا رسول رب العالمين " ( الشعراء - 16 ) ، وقيل : أراد أئمة كقوله : " فإنهم عدو لي " ( الشعراء - 77 ) ، أي : أعداء ، ويقال : أميرنا هؤلاء ، أي : أمراؤنا .
وقيل : لأنه مصدر كالصيام والقيام ، يقال : أم إماما ، كما يقال : قام قياما ، وصام صياما .
قال الحسن : نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون .
وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هداة ، كما قال : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ( السجدة - 24 ) ، ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ( القصص - 41 ) ، وقيل : هذا من المقلوب ، يعني : واجعل المتقين لنا إماما ، واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم ، وهو قول مجاهد .
«والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا» بالجمع والإفراد «قرة أعين» لنا بأن نراهم مطيعين لك «واجعلنا للمتقين إماما» في الخير.
والذين يسألون الله تعالى قائلين: ربنا هب لنا مِن أزواجنا وذريَّاتنا ما تَقَرُّ به أعيننا، وفيه أنسنا وسرورنا، واجعلنا قدوة يُقتدى بنا في الخير.
ثم ذكر - سبحانه - فى نهاية الحديث عنهم أنهم لا يكتفون بهذه المناقب الحميدة التى وهبهم الله إياها ، وإنما هم يتضرعون إليه - سبحانه - أن يجعل منهم الذرية الصالحة ، وأن يرزقهم الزوجات الصالحات .
فقال - تعالى - : ( والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) .أى : يقولون فى دعائهم وتضرعهم يا ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا ) بفضلك وجودك ( مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) أى : ما يجعل عيوننا تسر بهم ، ونفوسنا تنشرح برؤيتهم ، وقلوبنا تسكن وتطمئن وجودهم ، لأنهم أتقياء صالحون مهتدون .( واجعلنا ) يا ربنا ( لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) أى : اجعلنا قدوة وأسوة للمتقين .يقتدون بنا فى أقوالنا الطيبة ، وأعمالنا الصالحة ، فأنت تعلم - يا مولانا - أننا نعمل على قدر ما نستطيع فى سبيل إرضائك وفى السير على هدى رسولك صلى الله عليه وسلم .
هذه هى صفات عباد الرحمن ذكرها القرآن فى هذه الآيات الكريمة ، وهى تدل على قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم .
.
.
فماذا أعد الله - تعالى - لهم؟
الصفة التاسعة: وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ ذرياتنا ﴾ بألف الجمع وحذفها الباقون على التوحيد والذرية تكون واحداً وجمعاً.
المسألة الثانية: أنه لا شبهة أن المراد أن يكون قرة أعين لهم في الدين لا في الأمور الدنيوية من المال والجمال ثم ذكروا فيه وجهان: أحدهما: أنهم سألوا أزواجاً وذرية في الدنيا يشاركونهم فأحبوا أن يكونوا معهم في التمسك بطاعة الله فيقوى طمعهم في أن يحصلوا معهم في الجنة فيتكامل سرورهم في الدنيا بهذا الطمع وفي الآخرة عند حصول الثواب والثاني: أنهم سألوا أن يلحق الله أزواجهم وذريتهم بهم في الجنة ليتم سرورهم بهم.
المسألة الثالثة: فإن قيل: (من) في قوله: ﴿ لَنَا مِنْ أزواجنا ﴾ ما هي؟
قلنا: يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل: هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة وفسرت بقوله: ﴿ مِنْ أزواجنا ﴾ وهو من قولهم: رأيت منك أسداً أي أنت أسد، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح، فإن قيل لم قال: ﴿ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ فنكر وقلل؟
قلنا أما التنكير فلأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال: هب لنا منهم سروراً وفرحاً وإنما قال (أعين) دون عيون لأنه أراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ .
المسألة الرابعة: قال الزجاج أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يحبه، وقال المفضل في قرة العين ثلاثة أقوال: أحدها: يرد دمعتها وهي التي تكون مع الضحك والسرور ودمعة الحزن حارة والثاني: نومها لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع والثالث: حضور الرضا.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ الأقرب أنهم سألوا الله تعالى أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم، قال بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين ﴾ وقيل نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة.
المسألة السادسة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، قالوا لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، فدل على أن العلم والعمل إنما يكون بجعل الله تعالى وخلقه، وقال القاضي المراد من السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة والجواب: أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
المسألة السابعة: قال الفراء: قال (إماماً)، ولم يقل أئمة كما قال للاثنين ﴿ إِنّى رَسُولُ رَبّ العالمين ﴾ ويجوز أن يكون المعنى اجعل كل واحد منا إماماً كما قال: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ وقال الأخفش: الإمام جمع واحده آم كصائم وصيام.
وقال القفال وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين، ومثله البينة يقال هؤلاء بينة فلان.
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد صفات المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع إحسانه إليهم وهي مجموعة في أمرين المنافع والتعظيم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ذريتنا و ﴿ ذرياتنا ﴾ و ﴿ قرة أعين ﴾ ، و ﴿ قرّات أعين ﴾ .
سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً عمالاً لله، يسرون بمكانهم، وتقرّ بهم عيونهم.
وعن محمد بن كعب: ليس شيء أقرّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.
وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ .
أراد: أئمة، فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ [غافر: 67] أو أرادوا اجعل كل واحد منا إماماً.
أو أراد جمع آمّ، كصائم وصيام.
أو أرادوا اجعلنا إماماً واحداً لاتحادنا واتفاق كلمتنا.
وعن بعضهم: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها.
وقيل: نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة.
فإن قلت: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِنْ أزواجنا ﴾ ما هي؟
قلت: يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل: هب لنا قرّة أعين، ثم بينت القرّة وفسرت بقوله: من أزواجنا وذرياتنا.
ومعناه: أن يجعلهم الله لهم قرّة أعين، وهو من قولهم: رأيت منك أسداً، أي: أنت أسد وأن تكون ابتدائية على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من طاعة وصلاح.
فإن قلت: لم قال ﴿ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ فنكر وقلل؟
قلت: أما التنكير فلأجل تنكير القرّة؛ لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه، كأنه قيل: هب لنا منهم سروراً وفرحاً.
وإنما قيل: ﴿ أَعْيُنٍ ﴾ دون عيون؛ لأنه أراد أعين المتقين.
وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم.
قال الله تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ [سبأ: 13] ، ويجوز أن يقال في تنكير ﴿ أَعْيُنٍ ﴾ أنها أعين خاصة وهي أعين المتقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلطّاعَةِ وحِيازَةِ الفَضائِلِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا شارَكَهُ أهْلُهُ في طاعَةِ اللَّهِ سُرَّ بِهِمْ قَلْبُهُ وقَرَّتْ بِهِمْ عَيْنُهُ لِما يَرى مِن مُساعَدَتِهِمْ لَهُ في الدِّينِ وتَوَقُّعِ لُحُوقِهِمْ بِهِ في الجَنَّةِ، و ( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا، وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ «وَذُرِّيَتِنا» وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ ﴿ وَذُرِّيّاتِنا ﴾ بِالألِفِ، وتَنْكِيرُ الـ ( أعْيُنٍ ) لِإرادَةِ تَنْكِيرِ الـ ( قُرَّةً ) تَعْظِيمًا وتَقْلِيلُها لِأنَّ المُرادَ أعْيُنُ المُتَّقِينَ وهي قَلِيلَةٌ بِالإضافَةِ إلى عُيُونِ غَيْرِهِمْ.
﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ يَقْتَدُونَ بِنا في أمْرِ الدِّينِ بِإضافَةِ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وتَوْحِيدُهُ إمّا لِلدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ وعَدَمِ اللَّبْسِ كَقَوْلِهِ ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ واجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا، أوْ لِأنَّهم كَنَفْسِ واحِدَةٍ لِاتِّحادِ طَرِيقَتِهِمْ واتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ.
وقِيلَ جَمْعُ آمٍّ كَصائِمٍ وصِيامٍ ومَعْناهُ قاصِدِينَ لَهم مُقْتَدِينَ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا} من البيان كأنه قيل هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة وفسرت بقوله من أزواجنا {وذرّيّاتنا} ومعناه أن يجعلهم الله لهم قرة أعين وهو من قولهم رأيت منك أسداً أي أنت أسد أو للابتداء على معنى هب لنا من جهنم ما تقربه عيوننا من طاعة وصلاح وذريتنا أبو عمرو وكوفي غير حفص لإرادة الجنس وغيرهم ذرياتنا {قرّة أعينٍ} وإنما نكر لأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال هب لنا منهم
سروراً وفرحاً وإنما قيل أعين على القلة دون عيون لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم قال الله تعالى وقليل من عبادى الشكور ويجوز أن يقال في تنكير أعين إنها أعين خاصة وهي أعين المتقين والمعنى أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً عمالاً لله تعالى بسرون بمكانهم وتقربهم عيونهم وقيل ليس شئ أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله تعالى وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما هو الولد إذا رآه يكتب الفقه {واجعلنا للمتّقين إماماً} أي أئمة يقتدون بنا في الدين فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس أو واجعل كل واحد منا إماماً قيل في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها
﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلطّاعَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، فَإنَّ المُؤْمِنَ الصّادِقَ إذا رَأى أهْلَهُ قَدْ شارَكُوهُ في الطّاعَةِ قَرَّتْ بِهِمْ عَيْنُهُ، وسُرَّ قَلْبُهُ، وتَوَقَّعَ نَفْعَهم لَهُ في الدُّنْيا حَيًّا ومَيِّتًا، ولُحُوقَهم بِهِ في الأُخْرى، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ يَهْتَدِي الأبُ والِابْنُ كافِرٌ، والزَّوْجُ والزَّوْجَةُ كافِرَةٌ، فَلا يَطِيبُ عَيْشُ ذَلِكَ المُهْتَدِي، فَكانَ يَدْعُو بِما ذُكِرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قُرَّةُ عَيْنِ الوالِدِ بِوَلَدِهِ أنْ يَراهُ يَكْتُبُ الفِقْهَ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(هَبْ) أيْ: هَبْ لَنا مِن جِهَتِهِمْ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، كَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، ثُمَّ بُيِّنَتِ القُرَّةُ وفُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا ﴾ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَجِيءِ مِن لِلْبَيانِ، وجَوازِ تَقَدُّمِ المُبَيَّنِ عَلى المُبَيِّنِ، وقُرَّةُ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ والفَرَحِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ وهو البَرْدُ؛ لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ، ولِذا يُقالُ في ضِدِّهِ: أسْخَنَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرارِ؛ لِأنَّ ما يَسُرُّ يَقَرُّ النَّظَرُ بِهِ ولا يُنْظَرُ إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: في الضِّدِّ: أسْخَنَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَهُ، عَلى مَعْنى جَعَلَهُ خائِفًا مُتَرَقِّبًا ما يُحْزِنُهُ، يَنْظُرُ يَمِينًا وشِمالًا وأمامًا ووَراءً، لا يَدْرِي مِن أيْنَ يَأْتِيهِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ تَسْخُنُ عَيْنُهُ لِمَزِيدِ الحَرَكَةِ الَّتِي تُورِثُ السُّخُونَةَ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، وقِيلَ: ( أعْيُنٍ ) بِالتَّنْكِيرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ بِها أعْيُنُ القائِلِينَ وهي مُعَيَّنَةٌ لِقَصْدِ تَنْكِيرِ المُضافِ - لِلتَّعْظِيمِ، وهو لا يَكُونُ بِدُونِ تَنْكِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، وجَمْعُ القِلَّةِ - عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِأنَّ أعْيُنَ المُتَّقِينَ قَلِيلَةٌ بِالإضافَةِ إلى عُيُونِ غَيْرِهِمْ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ المُتَّقِينَ - وإنْ كانُوا قَلِيلًا بِالإضافَةِ إلى غَيْرِهِمْ - إلّا أنَّهم في أنْفُسِهِمْ عَلى كَثْرَةٍ مِنَ العَدَدِ، والمُعْتَبَرُ في إطْلاقِ جَمْعِ القِلَّةِ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ قَلِيلًا في نَفْسِهِ لا بِالإضافَةِ إلى غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ الجَمْعُ المَذْكُورُ في مَعْنى القِلَّةِ مُجَرَّدًا عَنِ العَدَدِ بِقَرِينَةِ كَثْرَةِ القائِلِينَ وعُيُونِهِمْ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ كُلٍّ واحِدٍ مِنَ المُتَّقِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ: هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، فَتَدَبَّرْ وتَأمَّلْ في وجْهِ اخْتِيارِ هَذا الجَمْعِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِمّا لا يَتَأتّى فِيهِ ما ذَكَرُوهُ هاهُنا.
وأنا أظُنُّ أنَّهُ اخْتِيرَ الأعْيُنُ جَمْعًا لِلْعَيْنِ الباصِرَةِ، والعُيُونُ جَمْعًا لِلْعَيْنِ الجارِيَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ويَخْطُرُ لِي في وجْهِ ذَلِكَ شَيْءٌ لا أظُنُّهُ وجِيهًا، ولَعَلَّكَ تَفُوزُ بِما يُغْنِيكَ عَنْ ذِكْرِهِ، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «وذُرِّيَتِنا» عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ «قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ ﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ أيِ: اجْعَلْنا بِحَيْثُ يَقْتَدُونَ بِنا في إقامَةِ مَراسِمِ الدِّينِ بِإفاضَةِ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وإمامٌ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا كَهِجانٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ؛ لِيُطابِقَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِجَعَلَ، واخْتِيرَ عَلى أئِمَّةٍ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ، وأُفْرِدَ - مَعَ لُزُومِ المُطابَقَةِ - لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى مَعْنى الجَمْعِ مَجازًا بِتَجْرِيدِهِ مِن قَيْدِ الوَحْدَةِ، أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وهو - لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْماهِيَّةِ - شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ وضْعًا، فَإذا نُقِلَ لِغَيْرِهِ قَدْ يُراعى أصْلُهُ، أوْ لِأنَّ المُرادَ: (واجْعَلْ) كُلَّ واحِدٍ مِنّا، أوْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ؛ لِاتِّحادِ طَرِيقَتِهِمْ واتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما ذُكِرَ أنَّ مَدارَ التَّوْجِيهِ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ صَدَرَ عَنِ الكُلِّ عَلى طَرِيقِ المَعِيَّةِ وهو غَيْرُ واقِعٍ، أوْ عَنْ كُلِّ واحِدٍ وهو غَيْرُ ثابِتٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ صَدَرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ قَوْلُ: (واجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إمامًا) فَعُبِّرَ عَنْهم لِلْإيجازِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وأُبْقِيَ ( إمامًا ) عَلى حالِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا وتَعَسُّفًا مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْعَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ لَيْسَ مَدارُهُ عَلى ذَلِكَ، بَلْ إنَّهم شَرِكُوا في الحِكايَةِ في لَفْظٍ واحِدٍ لِاتِّحادٍ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ اخْتِيارُ الثّانِي؛ لِأنَّ التَّشْرِيكَ في الدُّعاءِ أدْعى لِلْإجابَةِ، فاعْرِفْ ولا تَغْفُلْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ (إمامًا) جَمْعُ آمٍّ بِمَعْنى قاصِدٍ، كَصِيامٍ جَمْعِ صائِمٍ، والمَعْنى: اجْعَلْنا قاصِدِينَ لِلْمُتَّقِينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أقْرَبُ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ في ذَلِكَ - كَما قالَ النَّخَعِيُّ - طَلَبٌ لِلرِّياسَةِ، بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِمْ قُدْوَةً في الدِّينِ وعُلَماءَ عامِلِينَ، وقِيلَ: في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياسَةَ في الدِّينِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَبَ، وإعادَةُ المَوْصُولِ في المَواقِعِ السَّبْعَةِ - مَعَ كِفايَةِ ذِكْرِ الصِّلاتِ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ صِلَةِ المَوْصُولاتِ المَذْكُورَةِ وصْفٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ، لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ، حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ، ولا يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَتِمَّةً لِغَيْرِهِ، وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما عَرَفْتَهُ فِيما سَبَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً يعني: تاب من الشرك والمعاصي، وعمل صالحاً بعد التوبة، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً يعني: مناصحاً لا يرجع.
ويقال: مَتاباً له في الجنة.
ويقال: مَتاباً.
يعني: توبة.
يعني: يتوب توبة مخلصة.
ثم قال: وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ يعني: لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ يعني: مجالس اللهو والباطل مَرُّوا كِراماً يعني: حلماء معرضين عنها.
وقال القتبي: مَرُّوا كِراماً لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني: وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها يعني: لم يقعوا عليها صُمًّا يعني: لا يسمعون وَعُمْياناً ولا يبصرون، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به، وهذا قول مقاتل.
وقال القتبي: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها أي: لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم يروها.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني: اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين، تقر أعيننا بذلك.
ويقال: وفقهم للطاعة، واعصمهم من المعصية، ليكونوا معنا في الجنة، فتقر بهم أعيننا.
قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وذريتنا بلفظ الوحدان.
وقرأ الباقون وَذُرِّيَّاتِنا بلفظ الجماعة، ثم قال: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يعني: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي: قادة في الخير.
وروي عن عروة: أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يحمل عنه العلم، فاستجيب دعاؤه.
وروي عن مجاهد: معناه، «اجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا، حتى يقتدي بنا من بعدنا» .
ويقال: معناه اجعلنا ممن يقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا المتقون، فهذا كله من خصال عباد الرحمن، من قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ إلى هاهنا.
فوصف أعمالهم.
ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ يعني: غرف الجنة كقوله: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: 20] بِما صَبَرُوا يعني: صبروا على أمر الله تعالى في الدنيا، وعلى الطاعة وَيُلَقَّوْنَ فِيها يعني: في الجنة تَحِيَّةً يعني: التسليم وَسَلاماً يعني: سلام الله تعالى لهم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وَيُلَقَّوْنَ فِيها بنصب الياء، وجزم اللام، والتخفيف.
وقرأ الباقون وَيُلَقَّوْنَ بضم الياء ونصب اللام، وتشديد القاف، فمن قرأ بالتخفيف، يعني: يلقي بعضهم بعضاً بالسلام، ومن قرأ بالتشديد يعني: يجيء إليهم سلام الله تعالى، يعني: يلقى إليهم السلام من الله تعالى.
ثم قال عز وجل: خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين في الجنة حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: موضع القرار، وموضع الخلود.
قوله عز وجل: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول: ما يفعل بكم ربي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: لولا عبادتكم.
ويقال: ما يفعل بعذابكم لولا عبادتكم غير الله تعالى.
ويقال: مَا ينتظر بهلاككم، لولا عبادة من يعبدوني، لأنزلت عذابي- ويقال: لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: يقول، لولا إيمانكم (١) ثم قال: عز وجل فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً يعني: عذاباً يلزمهم، فقتلوا ببدر، وعجلت أرواحهم إلى النار، فتلك عقوبتهم فيها.
ويقال: لِزاماً يعني: موتاً.
وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: «خمس قد مضين من ذلك: اللزام، والروم والقمر والدخان والبطشة» .
- ويقال: ما يحتاج بعذابكم لولا عبادتكم الأصنام.
ويقال مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ لولا عبادتكم غير الله.
ويقال: ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة من يعبدني، لأنزلت عذابي إلى غير ذلك، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد (٢) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
وآمن، وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سيئاتهم حسنات، انتهى.
ثم أَكَّدَ سبحانه أمر التوبة، ومدح المتاب فقال: «وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً» كأنه قال:
فإنه يجد باباً للفرج والمغفرة عظيماً، ثم استمرت الآيات في صفة عباد الله المؤمنين بأن ٤٦ أنفى/ عنهم شهادة الزور، ويَشْهَدُونَ في هذا الموضع ظاهر، معناها: يُشَاهِدُون وَيَحْضُرُون، والزور: كل باطل زُوِّرَ، وأعظمه الشرك، وبه فسر الضَّحَّاكُ «١» ، ومنه الغِنَاءُ، وبه فَسَّرَ مجاهد «٢» ، وقال عليٌّ وغيره: معناه لا يشهدون بالزور، فهي من الشهادة لا من المشاهدة، والمعنى الأوَّلُ أعَمُّ.
واللغو: كل سَقَطٍ من فعل أو قول، وقال الثعلبيُّ: اللغو كل ما ينبغي أن يطرح ويلغى، انتهى.
وكِراماً معناه: معرضين مستحيين، يتجافون عن ذلك، ويصبرون على الأذى فيه.
قال ع «٣» : وإذا مَرَّ المسلم بمنكر فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحدود التغير معروفة.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يريدُ: ذكِّرُوا بالقرآن أمر آخرتهم ومعادهم.
وقوله: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً يحتمل تأويلين: أحدهما: أنْ يكون المعنى: لم يكن خُرُورُهم بهذه الصفة بل يكونوا سُجَّداً وُبكِيّاً، وهذا كما تقول: لم يخرج زيد إلى الحرب جزعاً، أي: إنما خرج جريئاً مِقْدَاماً، وكأنَّ الذي يَخِرُّ أَصَمَّ أعمى هو المنافق أو الشَّاكُّ، والتأويل الثاني: ذهب إليه الطبريُّ «٤» وهو أنَّ: يخروا صماً وعمياناً، هي صفة للكفار، وهي عبارة عن إعراضهم.
وقال الفَرَّاءُ: لَمْ يَخِرُّوا، أي: لم يقيموا، وهو نحو تأويل الطبريّ، انتهى.
وقال
ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً.
قال علماؤنا: يعني الذين إذا قرأوا القرآن قرأوه بقلوبهم قراءة فهم وتثبيت، ولم ينثروه نثر الدَّقَلِ، فإنَّ المرور عليه بغير فهم ولا تثبيت صَمَمٌ وعَمًى، انتهى.
وقُرَّةُ العين:
من القر وهذا هو الأشهر لأَنَّ دمعَ السرور بارد، ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ فلهذا يقال: أَقَرَّ الله عينك، وأسخن الله عين العَدُوِّ، وقرة العين في الأزواج والذُّرِّيَّةِ أَنْ يراهم الإنسان مطيعين للَّه تعالى قاله ابن عباس والحسن وغيرهما «٢» ، وبَيَّن المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنَّه كان في أوَّلِ الإسلام يهتدي الأب، والابن كافر، أو الزوج والزوجة كافرة، فكانت قرة أعينهم في إيمان أحبابهم.
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي: اجعلنا يَأْتَمُّ بنا المتقون، وذلك بأن يكون الداعي متقيا قدوة، وهذا هو قصد الداعي، قال النخعي: لم يطلبوا الرياسة، بل أنْ يكونوا قدوة في الدين، وهذا حَسَنٌ أَنْ يُطْلَبَ وَيُسْعَى «٣» له.
قال الثعلبي: قال ابن عباس: المعنى: واجعلنا أئمة هدى «٤» ، انتهى، وهو حسن، لأَنَّهُم طلبوا أن يجعلهم أهلاٌ لذلك.
والغرفة من منازل الجنة وهي الغرف فوق «٥» الغرف، وهي اسم جنس كما قال: [من الهزج]
وَلَوْلاً الحبّة السمراء ...
لم نحلل بواديكم
ت: وأخرج أبو القاسم، زاهر بن طاهر بن محمد بن الشحامي عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ لَغُرَفاً لَيْسَ لَهَا مَعَالِيقُ مِنْ فَوْقِهَا وَلاَ عِمَادٌ مِنْ تَحْتِهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا؟
قال: يَدْخُلُونَهَا أَشْبَاهَ الطَّيْرِ، قيل: هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ؟
قال: هِيَ لأَهْلِ/ الأَسْقَامِ وَالأَوْجَاعِ والبلوى «٦» » .
انتهى من ٤٦ ب «التذكرة» .
وقرأ حمزة «٧» وغيره: «يَلْقَوْنَ» بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن تابَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أنَّها عَنِ الذُّنُوبِ المَذْكُورَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَزْنِ، ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ فَإنِّي قَدْ قَدَّمْتُهم وفَضَّلْتُهم عَلى مَن قاتَلَ نَبِيِّي واسْتَحَلَّ مَحارِمِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مَن أرادَ التَّوْبَةَ وقَصَدَ حَقِيقَتَها، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يُرِيدَ اللَّهَ بِها ولا يَخْلِطْ بِها ما يُفْسِدُها؛ وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ مَن تَجَرَ فَإنَّهُ يَتَّجِرُ في البَزِّ ومَن ناظَرَ فَإنَّهُ يُناظِرُ في النَّحْوِ، أيْ: مَن أرادَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ هَذا الفَنَّ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى [هَذِهِ] الآيَةِ: ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا، فَإنَّ ثَوابَهُ وجَزاءَهُ يَعْظُمانِ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ الَّذِي أرادَ بِتَوْبَتِهِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا ﴾ يُؤَدِّي عَنْ هَذا المَعْنى، كَفى مِنهُ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: إذا تَكَلَّمْتَ فاعْلَمْ أنَّكَ تُكَلِّمُ الوَزِيرَ، أيْ: تُكَلِّمُ مَن يَعْرِفُ كَلامَكَ ويُجازِيكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أيْ: فَإنِّي أتَوَكَّلُ عَلى مَن يَنْصُرُنِي ولا يُسْلِمُنِي.
وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ مَرْجِعًا يَقْبَلُهُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصَّنَمُ؛ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزُّورَ صَنَمٌ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ الغِناءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، ومَكْحُولٌ؛ ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَسْمَعُونَ الغِناءَ.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
والرّابِعُ: لَعِبٌ كانَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: الكَذِبُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ.
والسّابِعُ: أعْيادُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّامِنُ: مَجالِسُ الخَنا، قالَهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.
وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَعاصِي قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أذى المُشْرِكِينَ إيّاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الباطِلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنُّوا عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذا ذَكَرُوا الفُرُوجَ كَنُّوا عَنْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَرُّوا كِرامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مَرُّوا حُلَماءَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: مَرُّوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ جاوَزُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا ﴾ أيْ: وُعِظُوا ﴿ بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ وهي القُرْآنُ ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَتَغافَلُوا عَنْها كَأنَّهم صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوها، عُمْيٌ لَمْ يَرَوْها.
وقالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَثْبُتُوا عَلى حالَتِهِمُ الأُولى كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا ولَمْ يَرَوْا، وإنْ لَمْ يَكُونُوا خَرُّوا حَقِيقَةً؛ تَقُولُ العَرَبُ: شَتَمْتُ فُلانًا فَقامَ يَبْكِي، وقَعَدَ يَنْدُبُ، وأقْبَلَ يَعْتَذِرُ، وظَلَّ يَتَحَيَّرُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قامَ ولا قَعَدَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " وذُرِّيّاتِنا " عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، [وَحَفْصٌ] عَنْ عاصِمٍ: " وذَرِّيَّتَنا " عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيَوَةَ: " قُرّاتِ أعْيُنٍ " يَعْنُونَ: مَن يَعْمَلُ بِطاعَتِك فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ؟
قالَ: لا، بَلْ في الدُّنْيا، وأيُّ شَيْءٍ أقَرُّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ مِن أنْ يَرى زَوْجَتَهُ ووَلَدُهُ يُطِيعُونَ اللَّهَ، واللَّهِ ما طَلَبَ القَوْمُ إلّا أنْ يُطاعَ اللَّهُ فَتَقَرُّ أعْيُنُهم.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: ﴿ قُرَّةَ ﴾ لِأنَّها فُعْلٌ، والفُعْلُ لا يَكادُ يُجْمَعُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ فَلَمْ يَجْمَعْهُ؛ والقُرَّةُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَرَّتْ عَيْنُهُ قُرَّةً، ولَوْ قِيلَ: قُرَّةُ عَيْنٍ أوْ قِراتُ أعْيُنٍ كانَ صَوابًا.
وقالَ غَيْرُهُ: أصِلُ القُرَّةِ مِنَ البَرْدِ، لِأنَّ العَرَبَ تَتَأذّى بِالحَرِّ، وتَسْتَرْوِحُ إلى البَرْدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اجْعَلْنا أئِمَّةً يُقْتَدى بِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: هَذا مِنَ الواحِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي ﴾ .
والثّانِي: اجْعَلْنا مُؤْتَمِّينَ بِالمُتَّقِينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مِنَ المَقْلُوبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلِ المُتَّقِينَ لَنا إمامًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللهِ مَتابًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُورَ وإذا مَرُّوا بِاللَغْوِ مَرُّوا كِرامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ أكَّدَ هَذا اللَفْظُ أمْرَ التَوْبَةِ، والمَعْنى: ومَن تابَ فَإنَّهُ قَدْ تَمَسَّكَ بِأمْرٍ وثِيقٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن يُسْتَحْسَنُ قَوْلُهُ في أمْرٍ: لَقَدْ قُلْتَ يا فُلانُ قُولًا.
وكَذَلِكَ الآيَةُ مَعْناها مَدْحُ المَتابِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنَّهُ يَجِدُ بابًا لِلْفَرَجِ والمَغْفِرَةِ عَظِيمًا.
ثُمُ اسْتَمَرَّتِ الآياتُ في صِفَةِ عِبادِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى- المُؤْمِنِينَ بِأنْ نَفى عنهم شَهادَةَ الزُورِ.
و"يَشْهَدُونَ" في هَذَهِ الآيَةِ ظاهِرُ مَعْناها: يُشاهِدُونَ ويَحْضُرُونَ.
و "الزُورُ": كُلُّ باطِلٍ زُوِّرَ وزُخْرِفَ، فَأعْظَمُهُ الشِرْكُ، وبِهِ فَسَّرَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ الغِناءُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، ومِنهُ الكَذِبُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: لا يَشْهَدُونَ الزُورَ، فَهي مِنَ الشَهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ، و "الزُورُ": الكَذِبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشاهِدُ بِالزُورِ -حاضِرُهُ ومُؤَدِّيهِ- فَجَرَةٌ، فالمَعْنى الأوَّلُ أعَمُّ، لَكِنَّ المَعْنى الثانِيَ أغْرَقُ في المَعاصِي وأنْكى.
و "اللَغْوُ": كُلُّ سَقْطٍ مِن فِعْلٍ أو قَوْلٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الغِناءُ واللهْوُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قارَبَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ سَفَهُ المُشْرِكِينَ وأذاهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وذِكْرُ النِساءِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنُ المُنْكَرِ، و "كِرامًا" مَعْناهُ: مُعْرِضِينِ مُسْتَخِفِّينَ يَتَجافَوْنَ عن ذَلِكَ، ويَصْبِرُونَ عَلى الإيذاءِ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمِعَ غِناءً فَأسْرَعَ في مَشْيِهِ وذَهَبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ فَقالَ: "لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ أُمْ عَبْدٍ كَرِيمًا، وقَرَأ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا إذا مَرَّ المُسْلِمْ بِمُنْكَرٍ فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحُدُودُ التَغْيِيرِ مَعْرُوفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ ، يُرِيدُ: ذُكِّرُوا بِالقُرْآنِ آخِرَتَهم ومَعادَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهم بِهَذِهِ الصِفَةِ بَلْ يَكُونُ خُرُوجُهم سُجَّدًا وبُكِيًّا، وهَذا كَما تَقُولُ: لَمْ يَخْرُجْ زَيْدٌ لِلْحَرْبِ جَزَعًا، أيْ: إنَّما خَرَجَ جَرِيئًا مُقْدِمًا، أو كَأنَّ الَّذِي يَخِرُّ أصَمَّ أعْمى هو المُنافِقُ أوِ الشاكُّ، والتَأْوِيلُ الثانِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ ﴿ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ هي صِفَةٌ لِلْكُفّارِ، وهي عِبارَةٌ عن إعْراضِهِمْ وجَهْدِهِمْ في ذَلِكَ، وقِرْنُ ذَلِكَ بِقَوْلِكَ، قَعَدَ فُلانٌ يَشْتُمُنِي، وقامَ فُلانٌ يَبْكِي، وأنْتَ لَمْ تَقْصِدِ الإخْبارَ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ، وإنَّما هي تَوْطِئاتٌ في الكَلامِ والعِبارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ المُسْتَمِعَ لِلذِّكْرِ قائِمُ القَناةِ قَوِيمُ الأمْرِ، فَإذا أعْرَضَ وضَلَّ كانَ ذَلِكَ خُرُورًا، وهو السُقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ وتَرْتِيبٍ، وإنْ كانَ قَدْ شُبِّهَ بِهِ الَّذِي يَخِرُّ ساجِدًا، ولَكِنَّ أصْلَهُ أنَّهُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبٍ.
ثُمْ مَدَحَ المُؤْمِنِينَ حالَ الدُعاءِ إلَيْهِ في أنْ يُقِرَّ العُيُونَ بِالأهْلِ والذُرِّيَّةِ.
و "قُرَّةُ العَيْنِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرِّ، وهو الأشْهَرُ؛ لِأنَّ دَمْعَ السُرُورِ بارِدٌ ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ، فَمِن هَذا يُقالُ: أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ وأسْخَنَ اللهُ عَيْنَ العَدُوِّ، وقُرَّةُ العَيْنِ في الأزْواجِ والذُرِّيَّةِ أنْ يَراهُمُ الإنْسانُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وحَضْرَمِيٌّ، وبَيَّنَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الوَجْهَ مِن ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ يَهْتَدِي الِابْنُ، والأبُ كافِرٌ، والزَوْجُ، والزَوْجَةُ كافِرَةٌ، فَكانَتْ قُرَّةُ عُيُونِهِمْ في إيمانِ أحْبابِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ: "وَذُرِّيّاتِنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: "وَذُرِّيَّتِنا" بِالإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ "آمٍّ"، مِثْلُ قائِمْ وقِيامٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، أيِ: اجْعَلْنا يَأْتَمُّ بِنا المُتَّقُونَ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا أنْ يَكُونَ الداعِي مُتَّقِيًا قُدْوَةً، وهَذا هو قَصْدُ الداعِي، قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: لَمْ يَطْلُبُوا الرِياسَةَ، بَلْ أنْ يَكُونُوا قُدْوَةً في الدِينِ، وهَذا حَسَنٌ أنْ يُطْلَبَ ويُسْعى لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
هذه صفة ثالثة للمؤمنين بأنهم يُعْنَون بانتشار الإسلام وتكثير أتباعه فيدْعُون الله أن يرزقهم أزواجاً وذرّيّات تقَرُّ بهم أعينُهم، فالأزواج يُطعنهم باتباع الإسلام وشرائعه؛ فقد كان بعض أزواج المسلمين مخالفات أزواجهم في الدين، والذّريات إذا نَشَأوا نشأوا مؤمنين، وقد جُمع ذلك لهم في صفة ﴿ قرة أعين ﴾ .
فإنها جامعة للكمال في الدين واستقامة الأحوال في الحياة إذ لا تقَرّ عيون المؤمنين إلاّ بأزواج وأبناء مؤمنين.
وقد نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في العصمة بقوله: ﴿ ولا تُمسِكوا بعِصَم الكوافر ﴾ [الممتحنة: 10]، وقال: ﴿ والذي قال لوالدَيه أُف لكما أَتَعِدَانِنِيَ أن أُخرَج ﴾ [الأحقاف: 17] الآية.
فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقُرّة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين في أعمالهم، كما في قول عبد الله ابن رواحة وهو خارج إلى غزوة مؤتة، فدعا له المسلمون ولمن معه أن يَردّهم الله سالمين فقال: لكنني أسأل الرحمن مغفرة *** وضربةً ذات فَرْغ تَقِذف الزبَدا أو طعنةً بيديْ حرَّانَ مجهزة *** بحَرْبة تُنفذ الأحشاءَ والكَبِدا حتى يقولوا إذا مَروا على جَدَثي *** أرشدَك الله من غَاز وقد رَشَدا فإن في قوله: حتى يقولوا، حظاً لنفسه من حسن الذكر وإن كان فيه دعاء له بالرشد وهو حظّ ديني أيضاً، وقوله: وقد رَشَدَ، حُسْن ذِكرٍ محض.
وفي كتاب «الجامع» من «جَامع العتبية» من أحاديث ابن وهب قال مالك: رأيت رجلاً يَسأل ربيعة يقول: إني لأُحِبّ أن أُرى رائحاً إلى المسجد، فكأنه كره من قوله ولم يعجبه أن يحبّ أحدٌ أن يُرى في شيء من أعمال الخير.
وقال ابن رشد في «شرحه»: وهذا خلاف قول مالك في رسم العُقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة: إنه لا بأس بذلك إذا كان أولُه لله (أي القصد الأول من العمل لله).
وقال ابن رشد في موضع آخر من «شرحه» قال الله تعالى: ﴿ وألقَيْتُ عليك محبةً منّي ﴾ [طه: 39]، وقال: ﴿ واجعل لي لسانَ صِدق في الآخرين ﴾ [الشعراء: 84].
وقال الشاطبي في «الموافقات»: «عد مالك ذلك من قبيل الوسوسة، أي أن الشيطان باقي للإنسان إذا سَرّه مرأى الناس له على الخير فيقول لك: إنك لَمُراءٍ.
وليس كذلك وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يُملَك» اه.
وفي «المعيار» عن كتاب «سراج المريدين» لأبي بكر بن العربي قال: سألت شيخنا أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى: ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا ﴾ [البقرة: 160] ما بَيّنوا؟
قال: أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات.
قال الشاطبي: وهذا الموضع محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعاً لقصد العبادة.
وقد التزم الغزالي فيها وفي أشباهها أنها خارجة عن الإخلاص لكن بشرط أن يصير العمل أخفّ عليه بسبب هذه الأغراض.
وأما ابن العربي فذهب إلى خلاف ذلك وكأنَّ مجالَ النظر يلتفت إلى انفكاك القصدين، على أن القول بصحة الانفكاك فيما يصح فيه الانفكاك أَوْجَهُ لما جاء من الأدلة على ذلك، إلى آخره.
و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من أزواجنا ﴾ للابتداء، أي اجعل لنا قُرّة أعْيُن تنشأ من أزواجنا وذرّياتنا.
وقرأ الجمهور: ﴿ وذرياتنا ﴾ جمع ذرية، والجمع مراعى فيه التوزيع على الطوائف من الذين يدعون بذلك، وإلا فقد يكون لأحد الداعين ولد واحد.
وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف و ﴿ ذريتنا ﴾ بدون ألف بعد التحتية، ويستفاد معنى الجمع من الإضافة إلى ضمير ﴿ الذين يقولون ﴾ ، أي ذرية كل واحد.
والأعين: هي أعين الداعين، أي قرة أعيُن لنا.
وإذ قد كان الدعاء صادراً منهم جميعاً اقتضى ذلك أنهم يريدون قرة أعين جميعهم.
وكما سألوا التوفيق والخير لأزواجهم وذرّياتهم سألوا لأنفسهم بعد أن وفقهم الله إلى الإيمان أن يجعلهم قُدوةً يَقتدي بهم المتقّون.
وهذا يقتضي أنهم يسألون لأنفسهم بلوغَ الدرجات العظيمة من التقوى فإن القدوة يجب أن يكون بالغاً أقصى غاية العمل الذي يرغب المهتمّون به الكمالَ فيه.
وهذا يقتضي أيضاً أنهم يسألون أن يكونوا دعاة للدخول في الإسلام وأن يهتدي الناس إليه بواسطتهم.
والإمام أصله: المثال والقالب الذي يصنع على شكله مصنوع من مثله، قال النابغة: أبوه قبله وأبو أبيه *** بنَوْا مجدَ الحياة على إمام وأُطلق الإمام على القدوة تشبيهاً بالمثال والقالَب، وغلب ذلك فصار الإمام بمعنى القدوة.
وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال إني جاعلُك للناس إماماً ﴾ في سورة البقرة (124).
ووقع الإخبار بإماماً } وهو مفرد عن ضمير جماعة المتكلمين لأن المقصود أن يكون كل واحد منهم إماماً يُقتَدى به، فالكلام على التوزيع، أو أريد من إمام معناه الحقيقي وجرى الكلام على التشبيه البليغ.
وقيل إمام جمع، مثل هِجان وصِيام ومفردهُ: إمٌّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أعْيادُ أهْلِ الذِّمَّةِ وشَبَهُهُ، قالَ ابْنُ سِيرِينَ هو الشَّعانِينُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مَجالِسُ الخَنا، قالَهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ لَعِبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّادِسُ: أنَّهُ الكَذِبُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ.
السّابِعُ: أنَّهُ مَجْلِسٌ كانَ يُشْتَمُ فِيهِ النَّبِيُّ ، قالَهُ خالِدُ بْنُ كَثِيرٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّهُ العُهُودُ عَلى المَعاصِي.
﴿ وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ مِن أذِيَّةِ المُسْلِمِينَ في أنْفُسِهِمْ وأعْراضِهِمْ فَيُعْرِضُوا عَنْهم وعَنْ أذاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهم إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنَّوْا عَنْهُ، حَكاهُ العَوّامُ.
الثّالِثُ: أنَّهم إذا ذَكَرُوا الفُرُوجَ كَنَّوْا عَنْها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الباقِرُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الرّابِعُ: أنَّهم إذا مَرُّوا بِإفْكِ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ اللَّغْوَ هُنا المَعاصِي كُلُّها، ومَرُّهم بِها كِرامًا إعْراضُهم عَنْها، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: وإذا مَرُّوا بِالهَزْلِ عَدَلُوا عَنْهُ إلى الجِدِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
الثّانِي: بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ.
﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ يَعْنِي سَمِعُوا الوَعْظَ فَلَمْ يَصُمُّوا عَنْهُ وأبْصَرُوا الرُّشْدَ فَلَمْ يَعْمَوْا عَنْهُ بِخِلافِ مَن أصَمَّهُ الشِّرْكُ عَنِ الوَعْظِ وأعْماهُ الضَّلالُ عَنِ الرُّشْدِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُقِيمُوا، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: لَمْ يَتَغافَلُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اجْعَلْ أزْواجَنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: ارْزُقْنا مِن أزْواجِنا ومِن ذُرِّيّاتِنا أعْوانًا ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ أيْ أهْلَ طاعَةٍ تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا بِالصَّلاحِ، وفي الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ.
وَفي قُرَّةِ العَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تُصادِفَ ما يُرْضِيهِما فَتَقَرَّ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
الثّانِي: أنَّ القَرَّ البَرْدُ فَيَكُونُ مَعْناهُ بَرَّدَ اللَّهُ دَمْعَها، لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ.
وَدَمْعَةَ [الحُزْنِ] حارَةٌ، وضِدَّ قُرَّةِ العَيْنِ سُخْنَةُ العَيْنِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.
﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْثالًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: رِضًا، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
الثّالِثُ: قادَةً إلى الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: نَأْتَمُّ بِمَن قَبْلَنا حَتّى يَأْتَمَّ بِنا مَن بَعْدَنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ طَلَبَ الرِّياسَةِ في الدِّينِ نَدْبٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: إن الزور كان صنماً بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مروا به مروا كراماً لا ينظرون إليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: الشرك.
وأخرج الخطيب عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: أعياد المشركين.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: الكذب.
وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والذين لا يشهدون الزور...
﴾ قال: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ولا يمالؤونهم فيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس الملائي ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: مجالس السوء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: لعب كان في الجاهلية.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن محمد بن الحنفية ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: الغناء واللهو.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجحاف ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: الغناء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: الغناء النياحة.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال: مجالس الغناء ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ قال: إذا أوذوا صفحوا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ قال: يعرضون عنهم لا يكلمونهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ قال: هي مكية.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن إبراهيم بن ميسرة رضي الله عنه قال: بلغني ان ابن مسعود مر معرضاً ولم يقف فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريماً، ثم تلا إبراهيم ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ قال: لم يكن اللغو من حالهم ولا بالهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ قال: اللغو كله المعاصي.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً ﴾ قال: لم يصموا عن الحق، ولم يعموا عنه، هم قوم عقلوا عن الله فانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً ﴾ قال: كم من قارئ يقرأها بلسانه يخر عليها أصم أعمى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾ قال: يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة.
﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ قال: أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ﴾ [ الأنبياء: 73] ولأهل الشقاوة ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ [ القصص: 41] .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾ قال: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين.
وأخرج ابن المبارك في البر والصلة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية ﴿ هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾ أهذه القرة أعين في الدنيا أم في الآخرة؟
قال: لا والله بل في الدنيا.
قيل: وما هي؟
قال: هي أن يرى الرجل المسلم من زوجته، من ذريته، من أخيه، من حميمه، طاعة الله ولا والله ما شيء أحب إلى المرء المسلم من أن يرى ولداً، أو والداً، أو حميماً، أو أخاً مطيعاً لله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾ قال: يحسنون عبادتك ولا يجرون عليها الجرائر ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ قال: اجعلنا مؤتمين بهم مقتدين بهم.
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن المقداد بن الأسود قال: لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبياً من الأنبياء في قومه من جاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق به بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه بالإِيمان ويعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار.
إنها للتي قال الله: ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ «هب لنا من أزواجنا وذريتنا واحدة» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ يقول: قادة في الخير ودعاة وهداة يؤتم بهم في الخير.
وأخرج الفريابي عن أبي صالح في قوله: ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ قال: أئمة يقتدى بهدانا والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ﴾ (١) ﴿ وذريتنا ﴾ (٢) ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ فهذا كقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي﴾\[مريم 5، 6\] وكونها للجمع قوله: ﴿ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا ﴾ فمن أفرد في هذه الآية، فإنه أراد به الجمع، فاشغنى عن جمعه لما كان جمعًا، ومن جمع (٣) (٤) وجاء في الحديث: "صواحبات يوسف" (٥) جَذْبُ الصَّرارِيِّين بالكُرُور (٦) (٧) أَشاربُ قهوةٍ وخدينُ زِيرٍ ...
وصُرَّاءٍ لفسوته بُخارُ (٨) قوله: ﴿ قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ (٩) ﴿ وقُرَّةَ ﴾ ؛ لأنه فعل، والفعل لا يكادون يجمعونه، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ فلم يجمعه، وهو كثير.
والقُرَّة: مصدر، تقول: قَرَّت عينُك قُرَّةً (١٠) قال ابن عباس، في هذه الآية: يريد أبرارًا أتقياء (١١) وقال مقاتل: يقولون: اجعلهم صالحين، فتقر أعيننا بذلك (١٢) وقال الكلبي: ﴿ قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ في الدنيا، صالحين مطيعين لك (١٣) وقال الضحاك: اجعلهم أبرارًا صالحين.
وقال القرظي: ليس شيء أقرَّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله (١٤) قوله عز وجل: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يُقتدى بنا في الخير (١٥) وقال أبو صالح: يُقتدى بهدانا (١٦) (١٧) وقال مكحول: أئمة في التقوى، يَقتدي بنا المتقون (١٨) قال الفراء: إنما قال: ﴿ إِمَامًا ﴾ ولم يقل: أئمة، كما قال: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، للاثنين، وعلى هذا هو من الواحد الذي أُريد به الجمع (١٩) يا عاذلاتي لا تُردْن ملامتي ...
إن العواذل لسن لي بأمير (٢٠) وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ، يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب (٢١) ونحوه قول الحطيئة: ....
الأَطِبَّةُ والإسَاءُ (٢٢) جمع آسٍ.
وقال غيره: الإمام، هاهنا: مصدر سمي به؛ يقال: أمَّ فلان فلانًا إمامًا، كقولك: قام قيامًا، وصام صيامًا (٢٣) وروي عن مجاهد، في هذه الآية روايتان؛ إحداهما: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ قال: مؤتمين بهم مقتدين بهم (٢٤) (٢٥) والثانية قال: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يَقتدي بنا مَنْ بعدنا (٢٦) وحكى الفراء، والزجاج، هذا القول الأخير (٢٧) (٢٨) (١) من، في قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَزْوَاجِنَا ﴾ ابتدائية، على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا.
"تفسير الرازي" 24/ 115.
(٢) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: ﴿ وَذُرِّيَّاتِنَا ﴾ بالجمع.
وقرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: ﴿ وَذُرِّيَّتِنَا ﴾ واحدة.
كتاب السبعة في القراءات 467، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 352، و"النشر في == القراءات العشر" 2/ 335، قال الأزهري: المعنى واحد في القراءتين؛ لأن الذرية تنوب عن الذريات، فاقرأ كيف شئت.
(٣) (ومن جمع) في (أ)، (ج).
(٤) جَزَر الناقة يجزَرُها جَزْرَاً: نحرها وقطعها، والجَزور: الناقة المجزورة، والجمع: جزائر وجُزُز وجُزُرَات جمع الجمع، كطرق وطرقات.
"لسان العرب" 4/ 134 (جزر)، و"القاموس المحيط" ص 465.
(٥) جزء من حديث طويل في أمر النبي - - أبا بكر - -، أن يصلي بالناس، ومراجعة عائشة، وحفصة - ما- رسول الله - - في ذلك، فقال لهن رَسُولُ الله - -: "إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
أخرجه الترمذي 5/ 573، كتاب المناقب، رقم: 3672.
والنسائي 2/ 434، كتاب الإمامة، رقم: 833، وأخرجه البخاري، في مواضع من صحيحه، بلفظ: صواحب يوسف.
"الفتح" 2/ 164، 206، و6/ 417، و13/ 276.
وقد وهم محقق كتاب "الحجة للقراء السبعة" 5/ 353، بعزو لفظ: صواحبات، للبخاري.
(٦) "ديوان العجاج" ص 191، وأنشده الأزهري 9/ 442، وقال: جعل العجاج الكَرَّ حبلاً تقاد به السفن على الماء، والصراري: الملاّح.
وأنشده أبو علي في "الححة" == / 353، ونسبه للعجاج.
وكذا في "لسان العرب" 4/ 454 (صرر)، وفيه: وصواب إنشاد بيت العجاج: جذبُ برفع الباء؛ لأنه فاعل لفعل في بيت قبله.
(٧) في "لسان العرب" 4/ 454 (صرر): وكان أبو علي يقول: صراءٌ واحد، مثل: حُسَّانٍ للحَسَن.
(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 353، بنصه، ونسب البيت للفرزدق، وعزاه المحقق لديوانه 1/ 388، وأنشده في "لسان العرب" 4/ 454 (صرر)، منسوبًا للفرزدق؛ وفيه: أشاربُ خمرة.
وفيه: ولا حجة لأبي علي في هذا البيت؛ لأن الصراري الذي هو عنده جمع، بدليل قول المسيب بن عَلَس، يصف غائصًا أصاب درة: وترى الصراري يسجدون لها ...
ويضمهما بيديه للنحر (٩) ﴿ قُرَّة أَعْيُنٍ ﴾ كل ما تقر به عين الإنسان، ومعنى ذلك: أن الرجل إذا فرح بالشيء خرج من عينه ماء بارد، وهو القَرُّ، وإذا اغتم وبكى خرج من عينه ماء ساخن، فيقال: سخن الله عينه، إذا دعوا عليه، وإذا دعوا له: أقر الله عينه، ويقال: معنى أقر الله عينه، أي: غنم، وقيل: أقر الله عينه، أي: بلغه الله مراده حتى تقر عينه فلا تطمح إلى شيء وتستقر.
"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 128.
(١٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 274.
بنصه.
قال الألوسي 19/ 52: اختير الأعين جمعاً للعين الباصرة، والعيون جمعاً للعين الجارية، في جميع القرآن الكريم.
(١١) أخرج ابن جرير 19/ 52، وابن أبي حاتم 8/ 2742، عن ابن عباس - ما- من طريق علي ابن أبي طلحة: من يعمل لك بالطاعة فتقر بهم أعيننا في الدنيا والآخرة.
وذكر الهواري 3/ 219، عن ابن عباس - ما-: أعواناً على طاعة الله.
(١٢) "تفسير مقاتل" ص 47 ب.
ونحوه في "تنوير المقباس" ص 305.
(١٣) نحوه في "تفسير الماوردي" 4/ 160، منسوبًا للكلبي.
(١٤) ذكره البخاري، تعليقاً عن الحسن، ولفظه: وما شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى حبيبه في طاعة الله.
"الفتح" 8/ 490.
وكذا ابن جرير 19/ 52.
وذكره البغوي 6/ 99، عن القرظي، والحسن.
وأخرج نحو هذه الأقوال، ابن أبي حاتم 8/ 2742، عن عكرمة، والحسن، قال المقداد بن الأسود - -: حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها للتي قال الله: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ (١٥) أخرج ابن جرير 19/ 53، وابن أبي حاتم 8/ 2742، عن ابن عباس - ما-.
و"تفسير مقاتل" ص 47 ب.
وفيه: قال أبو محمد: سألت أبا صالح عنها، فقال: قال مقاتل.
اجعلنا نقتدي بصالح أسلافنا، حتى يُقتدى بنا بعدنا.
وهذا القول اختيار الفراء في "المعاني" 2/ 274.
والهواري 3/ 219.
(١٦) قال ابن أبي حاتم 8/ 2742، بعد ذكر قول ابن عباس - ما- السابق: وروي عن أبي صالح، وعبد الله بن شوذب نحو ذلك.
(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2743.
(١٨) أخرجه الثعلبي 8/ 105 ب، وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2743، بسياق أطول من هذا.
وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2743، عن سعيد بن جبير، والسدي.
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 274، بمعناه (٢٠) أنشد البيت الأخفش 2/ 643، ولم ينسبه.
وأنشد عجزه أبو عبيدة 2/ 45، ولم ينسبه، وقال: أراد: أمراء.
وذكره ابن جرير 19/ 54، من إنشاد بعض نحوي البصرة.
وأنشده ولم ينسبه: الثعلبي 8/ 105 ب، وابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 285، وابن جني، "الخصائص" 3/ 174، وابن هشام، "مغني اللبيب" 1/ 211.
(٢١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 643.
ولفظه: فالإمام هاهنا جماعة، كما قال: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ﴾ ، ويكون على الحكاية كما يقول الرجل إذا قيل له: من أميركم؟
قال: هؤلاء أميرنا وذكره أبو علي في كتابه: "التكملة" 464، ولم ينسبه.
قال ابن جزي ص 488: هو جمع آمّ، أي: متبع.
وكذا الأنباري، "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 210.
(٢٢) أنشده كاملاً، ونسبه للحطيئة، المبرد، "الكامل" 2/ 722، وأنشده مع أبيات أخر ص: 724، وأنشده كذلك الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 140 (أسى)، والبيت بتمامه: همُ الآسُونَ أُمَّ الرأسِ لمَّا ...
تواكلها الأطبة والإساء والبيت من قصيدة طويلة يمدح فيها الحطيئة بني أنف الناقة، وهم من بني عوف بن كعب.
"ديوان الحطيئة" 82.
الآسي: الطبيب.
"الكامل" 2/ 722، والإساء: الدواء "تهذيب اللغة" 13/ 140 (أسى)، وأم الرأس: الجلدة الرقيقة التي أُلبست الدماغ، والمعنى: أنهم يصلحون الفاسد.
"ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت" ص 82.
(٢٣) "تفسير ابن جرير" 19/ 54، بنصه، والثعلبي 8/ 105 ب، ولم ينسباه.
(٢٤) أخرجه عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 72.
وعنه ابن جرير 19/ 53.
(٢٥) "تفسير الثعلبي" 8/ 105 ب.
وذكره ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 200 ورده، فقال: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عز وجل، لو لم يجد له مذهباً؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت.
ثم ذكر شواهد كثيرة لفعل الشعراء.
ثم قال: والله تعالى لا يغلط، ولا يضطر.
وهذا قول حسن، وحمل ابن قتيبة، الآية على ظاهرها، فقال ص 205: يريد: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾ ، أي: قادة، كذلك قال المفسرون.
وروي عن بعض خيار السلف، أنه كان == يدعو الله أن يُحمل عنه الحديث، فحُمل عنه.
وقال بعض المفسرين، في قوله: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ أي: اجعلنا نقتدي من قبلنا، حتى يقتديَ بنا مَنْ بعدنا.
فهم على هذا التأويل متَّبِعون، ومتَّبَعون.
وجعل الماوردي 4/ 161، هذه الآية دليلاً على أن طلب الرياسة في الدين ندب.
وذكر نحوه ابن عطية 11/ 81، عن إبراهيم النخعي.
واستدل عليه الرازي 24/ 115، بقوله تعالى عن الخليل : ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ .
وذكر الطوسي 7/ 512، أن قراءة أهل البيت: واجعل لنا من المتقين إماماً.
وتبعه الطبرسي 7/ 282.
ولم أجد من ذكر هذه القراءة غيرهما، فلا يبعد أن تكون من تأويلات الشيعة لإثبات عقيدة الإمامة.
والله أعلم.
(٢٦) أخرجه عنه، ابن جرير 19/ 53، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2742، ثم قال: وروي عن الحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
(٢٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 274.
وذكر قبل قول مجاهد، أن المراد: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا.
وأما الزجاج 4/ 78، فذكر قولاً واحداً واقتصر عليه، ولم ينسبه، وهو: واجعلنا ممن يهتدي بنا المتقون، ونهتدي بالمتقين.
ولم يرجح الواحدي -رحمه الله- أحد القولين، مع أنه اقتصر في "الوسيط" 3/ 349، على القول الأول.
ومال في "الوجيز" إلى الجمع بينهما فقال: اجعلنا ممن يهتدي به المتقون، ويهتدي بالمتقين.
"الوجيز" 2/ 784.
وأما ابن جرير، فقد رجح القول الأول: اجعلنا للمتقين إمامًا يأتمون بنا في الخيرات.
لموافقته لظاهر الآية.
وقال ابن عاشور 13/ 435: ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس فقالوا: ﴿ إِمَامًا ﴾ .
(٢٨) "تفسير مقاتل" ص 47 ب، بمعناه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ قيل: معناه اجعل أزواجنا وذريتنا مطيعين لك، وقيل: أدخلهم معنا الجنة، واللفظ أعم من ذلك ﴿ واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ أي قدوة يقتدي بنا المتقون، فإمام مفرد يراد به الجنس، وقيل: هو جمع آمّ أي متبع ﴿ الغرفة ﴾ يعني غرفة الجنة فهي اسم الجنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.
﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الباقون بفتح الياء وكسر التاء.
﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.
الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.
﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.
وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.
النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه لم يترك طاعة الله طرفة عين.
ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.
وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.
يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.
وسمى المائين الكثيرين بحرين.
والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.
سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله ؟
والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.
وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.
الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.
ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.
قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.
يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.
﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.
ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.
يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.
والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.
والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.
وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".
إذا نبذها وراء ظهره.
والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.
قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.
ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.
فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.
وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.
ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.
وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.
وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.
ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.
ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".
ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.
وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.
قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.
والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله .
وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.
وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".
قال ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع ﴾ .
وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.
وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.
والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.
وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.
قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".
ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.
ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.
ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.
والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.
قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.
ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.
ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.
فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.
شبهت بالقصور العالية.
واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.
ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ في أحد تفاسيره.
وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.
وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.
ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.
أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.
قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.
وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.
والشكور مصدر كالكفور.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.
وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.
وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.
وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.
وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.
ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.
وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.
وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.
وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.
وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.
والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.
وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.
ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.
والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.
عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.
وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.
ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.
وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.
وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.
وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.
"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.
قلت: ثم أي؟
قال أن تزاني حليلة جارك" .
فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.
وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.
والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.
وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.
ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.
هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.
وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.
وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.
وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.
وقال الزجاج.
السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .
وقال القاضي والقفال: إنه يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.
ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.
ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.
والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.
ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.
فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.
وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.
وعن مجاهد: أعياد المشركين.
وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله وعلى رسوله.
والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.
وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.
وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.
ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.
وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.
وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.
والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.
قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.
ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.
عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.
وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.
وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.
قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.
وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.
والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.
والثالث حصول الرضا.
وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.
وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.
ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.
قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله .
وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.
وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.
وقيل: الغرفة اسم للجنة.
وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.
ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.
ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.
قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.
وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟
والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.
قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.
﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.
والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.
وقيل: يكون العقاب لزاماً.
وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.
ويروى أن موسى سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.
فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.
وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.
فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.
والرزخ هو القلب.
وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.
وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.
ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.
﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.
﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.
﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.
وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.
وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.
﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.
﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.
وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.
ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.
قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ وصف - عز وجل - هؤلاء الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن.
وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى.
وقوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ : قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر.
وقال بعضهم: ﴿ هَوْناً ﴾ أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحاً.
وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم.
وفي بعض الأخبار مرفوعاً عن رسول الله قال: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ" وأصله: أنهم يمشون هوناً من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضرر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ : قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم.
وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاماً، أي سداداً وصواباً من القول، وردّاً مصروفاً أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...
﴾ الآية [القصص: 55]، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفة والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ .
عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم" ثم قال: "من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً قائماً" وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجداً لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له نهارهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع.
ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم.
ثم أخبر عن عذابها فقال: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .
قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم.
وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا.
وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال أبو عوسجة: ﴿ هَوْناً ﴾ من الرفق يقال: هان يهون هوناً، فهو هائن.
وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به.
والغرام: الهلاك.
وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة.
وقال: مشياً هوناً: رويداً، سلاماً، أي: سداداً من القول لا رفث فيه ولا هجر.
وقوله: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ .
قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصداً وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: ولم يتمسكوا عن الحق.
وقوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: بين الإسراف والتقتير مقصداً؛ وهو تأويل مقاتل.
وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم يمنعوا عن طاعته، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله.
وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها.
والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به.
وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: وسطا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ولكن بين ذلك.
وأصل ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾ ، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: قائماً في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر.
ثم يحتمل هذا وجهين: ﴿ لاَ يَدْعُونَ ﴾ أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا يسمون غير الله.
﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ : أخبر في الآية الأولى في قوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هوناً ولا يؤذون أحداً ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديداً،؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية.
ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها.
وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ موصول بهذا أيضاً، ومقدم عن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ ؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاماً.
قال بعضهم: أثاماً: أي: وادياً في جهنم.
وقال بعضهم: أثاماً: عذاباً في النار.
وقوله: ﴿ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قال بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه.
وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب.
وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ دل أنها محرمة بعد غير كافرة.
﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وإما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق" ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛ فدل أنه ما ذكرنا.
وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.
قال: والقوام: الوسط.
ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.
قال أبو معاذ: في قوله: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ لغات أربع: ﴿ ولم يُقْتِروا ﴾ : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و ﴿ يَقْتِروا ﴾ بنصب الياء، وخفض التاء، و ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ برفع التاء، والمعنى كله واحد.
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ : قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.
وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صمّاً ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين متفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...
﴾ الآية [الأنفال: 2].
وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ : فإن قيل: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ، فما معنى الضعف هاهنا؟
قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول الله : ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضاً - لأزواجه حيث قال: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، كل من كان أعظم قدراً وأكثر نعماً عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.
والثاني: أن يكون ذلك للأئمة - أعني: الكفرة والرؤساء - دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ .
أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.
ثم استثنى من تاب منهم، فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً...
﴾ الآية، في الذين قال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.
وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.
والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: "ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟
قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً ﴾ لا يرجع عنها أبداً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ على الأمر، دليله قوله حيث قال: ﴿ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية [الأنفال: 66].
والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبداً، وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبداً.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قد ذكرناه، ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : قد ذكرناه أيضاً.
وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا.
وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.
وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.
وقوله: ﴿ مَرُّوا كِراماً ﴾ أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.
﴿ صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ أي: لم يتغافلوا عنها.
وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعمياناً عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعاً وبصراً؛ وهو واحد.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ : قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار [و]نعتهم أيضاً في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...
﴾ الآية [التحريم: 6]؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا.
قال الحسن: والله ما شيء أحبّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ : قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا.
وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون.
وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقياً، لا من اقتدى صار ضالا فاسقاً، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إماماً للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.
ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ أولئك يجزون الجنة بما عملوا ﴾ ، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود.
وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ ﴾ فيها بالتخفيف والتشديد، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ﴾ أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ﴾ .
أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ : دائمين.
﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ : تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام.
وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه.
وقال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي: ما يصنع بكم ربي.
وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: هو عذاب يوم بدر - يعني: ألزم بعضهم بعضا - وكذلك قال ابن مسعود قال: "مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر"، وقال: لزاماً، أي: عذاباً ملازماً غير مفارق، وهو عذاب الآخرة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: "ما أعبأ بهذا الأمر" أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم.
والذين يقولون في دعائهم لربهم: ربنا، أعطنا من أزواجنا، ومن أولادنا من يكون قرة عين لنا لتقواه واستقامته على الحق، وصَيِّرنا للمتقين أئمة في الحق يُقْتَدى بنا.
<div class="verse-tafsir" id="91.jZYzp"