الآية ٤٠ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٤٠ من سورة النمل

قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّۭ كَرِيمٌۭ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلما قال سليمان : أريد أعجل من ذلك ، ( قال الذي عنده علم من الكتاب ) قال ابن عباس : وهو آصف كاتب سليمان .

وكذا روى محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان : أنه آصف بن برخياء ، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم .

وقال قتادة : كان مؤمنا من الإنس ، واسمه آصف .

وكذا قال أبو صالح ، والضحاك ، وقتادة : إنه كان من الإنس - زاد قتادة : من بني إسرائيل .

وقال مجاهد : كان اسمه أسطوم .

وقال قتادة - في رواية عنه - : كان اسمه بليخا .

وقال زهير بن محمد : هو رجل من الأندلس يقال له : ذو النور .

وزعم عبد الله بن لهيعة : أنه الخضر .

وهو غريب جدا .

وقوله : ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) أي : ارفع بصرك وانظر مد بصرك مما تقدر عليه ، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك .

وقال وهب بن منبه : امدد بصرك ، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به .

فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب ، ثم قام فتوضأ ، ودعا الله عز وجل .

قال مجاهد : قال : يا ذا الجلال والإكرام .

وقال الزهري : قال : يا إلهنا وإله كل شيء ، إلها واحدا ، لا إله إلا أنت ، ائتني بعرشها .

قال : فتمثل له بين يديه .

قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن إسحاق ، وزهير بن محمد ، وغيرهم : لما دعا الله ، عز وجل ، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس - وكان في اليمن ، وسليمان عليه السلام ببيت المقدس - غاب السرير ، وغاص في الأرض ، ثم نبع من بين يدي سليمان ، عليه السلام .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه .

قال : وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر ، فلما عاين سليمان وملؤه ذلك ، ورآه مستقرا عنده ( قال هذا من فضل ربي ) أي : هذا من نعم الله علي ( ليبلوني ) أي : ليختبرني ، ( أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) ، كقوله ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) [ فصلت : 46 ] ، وكقوله ( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) [ الروم : 44 ] .

وقوله : ( ومن كفر فإن ربي غني كريم ) أي : هو غني عن العباد وعبادتهم ، ( كريم ) أي : كريم في نفسه ، وإن لم يعبده أحد ، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد ، وهذا كما قال موسى : ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) [ إبراهيم : 8 ] .

وفي صحيح مسلم : " يقول الله تعالى : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا .

يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا .

يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم [ ثم أوفيكم إياها ] فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) يقول جلّ ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله, وكان رجلا فيما ذكر من بني آدم, فقال بعضهم: اسمه بليخا.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن بشار, قال: ثنا أبو عثمة, قال: ثنا شعبة, عن بشر, عن قتادة, في قوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال: كان اسمه بليخا.

حدثني يحيى بن داود الواسطي, قال: ثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح, في قوله: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) رجل من الإنس.

حدثنا ابن عرفة, قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاريّ, عن العلاء بن عبد الكريم, عن مجاهد, في قول الله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ ) قال: أنا أنظر في كتاب ربي, ثم آتيك به (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم.

حدثنا ابن عرفة, قال: ثني حماد بن محمد, عن عثمان بن مطر, عن الزهري, قال: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كلّ شيء إلها واحدا, لا إله إلا أنت, ائتني بعرشها, قال: فمثل بين يديه.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال: رجل من بني آدم، أحسبه قال: من بني إسرائيل, كان يعلم اسم الله الذي إذا دعي به أجاب.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) قال: الاسم الذي إذا دعي به أجاب, وهو: يا ذا الجلال والإكرام.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول: قال سليمان لمن حوله: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) فقال عفريت (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) قال سليمان: أريد أعجل من ذلك, فقال رجل من الإنس عنده علم من الكتاب, يعني اسم الله إذا دعي به أجاب.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) لا آتيك بغيره, أقول غيره أمثله لك.

قال: وخرج يومئذ رجل عابد في جزيرة من البحر, فلما سمع العفريت ، (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: ثم دعا باسم من أسماء الله, فإذا هو يحمل بين عينيه, وقرأ: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي )...

حتى بلغ (فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ).

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال رجل من الإنس.

قال: وقال مجاهد: الذي عنده علم من الكتاب: علم اسم الله.

وقال آخرون: الذي عنده علم من الكتاب, كان آصف.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (قَالَ عِفْريتٌ ) لسليمان (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) فزعموا أن سليمان بن داود قال: أبتغي أعجل من هذا, فقال آصف بن برخيا, وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب, وإذا سئل به أعطى: أَنَا يا نبيّ الله (آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ).

وقوله: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: أنا آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مدّ البصر.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني إبراهيم, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد بن جُبَير: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى, فذلك قوله (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ).

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, قال: قال غير قتادة: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قبل أن يأتيك الشخص من مدّ البصر.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) تمدّ عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك.

قال: ذلك أريد.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عثام, عن إسماعيل, عن سعيد بن جبير, قال: أخبرت أنه قال: ارفع طرفك من حيث يجيء, فلم يرجع إليه طرفه حتى وضع العرش بين يديه.

حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا سفيان, عن عطاء, عن مجاهد, في قوله: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: مدّ بصره.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: إذا مدّ البصر حتى يردّ الطرف خاسئا.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال: إذا مدّ البصر حتى يحسر الطرف.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى أثره, وذلك أن معنى قوله (يَرْتَدَّ إِلَيْكَ ) يرجع إليك البصر, إذا فتحت العين غير راجع, بل إنما يمتدّ ماضيا إلى أن يتناهى ما امتدّ نوره.

فإذا كان ذلك كذلك, وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ ) لم يكن لنا أن نقول: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ راجعا(إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) من عند منتهاه.

وقوله: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ) يقول: فلما رأى سليمان عرش ملكة سبأ مستقرا عنده.

وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ظهر عما ترك, وهو: فدعا الله, فأتى به; فلما رآه سليمان مستقرا عنده.

وذُكر أن العالم دعا الله, فغار العرش في المكان الذي كان به, ثم نبع من تحت الأرض بين يدي سليمان.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه, قال: ذكروا أن آصِف بن برخيا توضأ, ثم ركع ركعتين, ثم قال: يا نبيّ الله, امدد عينك حتى ينتهي طرفك, فمدّ سليمان عينه ينظر إليه نحو اليمن, ودعا آصف فانخرق بالعرش مكانه الذي هو فيه, ثم نبع بين يدي سليمان (فَلَمَّا رَآهُ ) سليمان (مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي )...

الآية.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: نبع عرشها من تحت الأرض.

وقوله: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ) يقول: هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إليّ عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام, من فضل ربي الذي أفضله عليّ وعطائه الذي جاد به علي, ليبلوني, يقول: ليختبرني ويمتحنني, أأشكر ذلك من فعله عليّ, أم أكفر نعمته عليّ بترك الشكر له.

وقد قيل: إن معناه: أأشكر على عرش هذه المرأة إذ أتيت به, أم كفر إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عطاء الخراساني, عن ابن عباس, في قوله: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ ) على السرير إذ أتيت به (أَمْ أَكْفُرُ ) إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني؟

.

وقوله: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يقول: ومن شكر نعمة الله عليه, وفضله عليه, فإنما يشكر طلب نفع نفسه, لأنه ليس ينفع بذلك غير نفسه؛ لأنه لا حاجة &; 19-469 &; لله إلى أحد من خلقه, وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم للنفع, لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه, ولا دفع ضرّ عنها(وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إليه, وفضله عليه, لنفسه ظلم, وحظَّها بخَس, والله غنيّ عن شكره, لا حاجة به إليه, لا يضرّه كفر من كفر به من خلقه, كريم, ومن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه, ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

و ( علم الكتاب ) على هذا علمه بكتب الله المنزلة ، أو بما في اللوح المحفوظ .

وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس .

قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا ; روي أنه صلى ركعتين ، ثم قال لسليمان : يا نبي الله امدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش ، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده .

قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا .

وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف ، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين ; وهذا أشبه ; لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة ، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة ، وكرامة الولي معجزة النبي .

قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان ، قال للعفريت : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك .

وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من [ ص: 192 ] الكرامات ، فإن الجن يقدرون على مثل هذا .

ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين ، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية ، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب .

أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها .

قال القشيري : ورواه وهب عن مالك .

وقد قيل : بل جيء به في الهواء ; قاله مجاهد .

وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة .

وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام .

وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان ; قال عبد الله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض ; فالله أعلم أي ذلك كان .قوله تعالى : فلما رآه مستقرا عنده أي ثابتا عنده .

قال هذا من فضل ربي أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي .

ليبلوني قال الأخفش : المعنى لينظر أأشكر أم أكفر وقال غيره : معنى ليبلوني ليتعبدني ; وهو مجاز .

والأصل في الابتلاء : الاختبار ، أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها ومن شكر فإنما يشكر لنفسه أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه ، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها .

والشكر قيد النعمة الموجودة ، وبه تنال النعمة المفقودة .

ومن كفر فإن ربي غني أي عن الشكر ، كريم في التفضل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا الملك العظيم الذي عند آحاد رعيته هذه القوة والقدرة وأبلغ من ذلك أن قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ قال المفسرون: هو رجل عالم صالح عند سليمان يقال له: " آصف بن برخيا "كان يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعا الله به أجاب وإذا سأل به أعطى.

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ بأن يدعو الله بذلك الاسم فيحضر حالا وأنه دعا الله فحضر.

فالله أعلم هل هذا المراد أم أن عنده علما من الكتاب يقتدر به على جلب البعيد وتحصيل الشديد فَلَمَّا رَآهُ سليمان مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ حمد الله تعالى على إقداره وملكه وتيسير الأمور له و قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ أي: ليختبرني بذلك.

فلم يغتر عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته كما هو دأب الملوك الجاهلين، بل علم أن ذلك اختبار من ربه فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة، ثم بين أن هذا الشكر لا ينتفع الله به وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه فقال: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ غني عن أعماله كريم كثير الخير يعم به الشاكر والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها وكفرها داع لزوالها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال الذي عنده علم من الكتاب ) واختلفوا فيه فقال بعضهم هو جبريل .

وقيل : هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان عليه السلام .

وقال أكثر المفسرين : هو آصف بن برخياء ، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى .

وروى جويبر ، ومقاتل ، عن الضحاك عن ابن عباس قال : إن آصف قال لسليمان حين صلى : مد عينيك حتى ينتهي طرفك ، فمد سليمان عينيه ، فنظر نحو اليمين ، ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون به خدا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان .

وقال الكلبي : خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم فغاب عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان .

وقيل : كانت المسافة مقدار شهرين .

واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف ، فقال مجاهد ، ومقاتل : يا ذا الجلال والإكرام .

وقال الكلبي : يا حي يا قيوم .

وروي ذلك عن عائشة .

وروي عن الزهري قال : دعاء الذي عنده علم من الكتاب : يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها .

وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان ، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما : ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) قال سليمان : هات ، قال : أنت النبي ابن النبي ، وليس أحد أوجه عند الله منك ، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك ، فقال : صدقت ، ففعل ذلك ، فجيء بالعرش في الوقت .

وقوله تعالى : ( قبل أن يرتد إليك طرفك ) قال سعيد بن جبير : يعني : من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى ، وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك .

قال قتادة : قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر .

وقال مجاهد : يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا .

وقال وهب : تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه ، حتى أمثله بين يديك ) ( فلما رآه ) يعني : رأى سليمان العرش ) ( مستقرا عنده ) محمولا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف ( قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ) نعمته ) ( أم أكفر ) فلا أشكرها ( ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ) أي : يعود نفع شكره إليه ، وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها ، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة ( ومن كفر فإن ربي غني ) عن شكره ) ( كريم ) بالإفضال على من يكفر نعمه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال الذي عنده علم من الكتاب» المنزل وهو آصف بن برخيا كان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجيب «أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» إذا نظرت به إلى شيء فقال له انظر إلى السماء فنظر إليها ثم رد بطرفه فوجده موضوعاً بين يديه ففي نظره إلى السماء دعا آصف الاسم الأعظم أن يأتي الله به فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان «فلما رآه مستقراً» ساكناً «عنده قال هذا» أي الإتيان لي به «من فضل ربي ليبلوني» ليختبرني «أأشكر» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألف وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة الأخرى وتركه «أم أكفر» النعمة «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه» أي لأجلها لأن ثواب شكره له «ومن كفر» النعمة «فإن ربي غني» عن شكره «كريم» بالإفضال على من يكفرها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرَّكَتْ للنظر في شيء.

فأذن له سليمان فدعا الله، فأتى بالعرش.

فلما رآه سليمان حاضرًا لديه ثابتًا عنده قال: هذا مِن فضل ربي الذي خلقني وخلق الكون كله؛ ليختبرني: أأشكر بذلك اعترافًا بنعمته تعالى عليَّ أم أكفر بترك الشكر؟

ومن شكر لله على نعمه فإنَّ نَفْعَ ذلك يرجع إليه، ومن جحد النعمة وترك الشكر فإن ربي غني عن شكره، كريم يعم بخيره في الدنيا الشاكر والكافر، ثم يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكأن سليمان قد استبطأ إحضاره عرش تلك المملكة فى هذه الفترة التى حددها ذلك العفريت القوة ، فنهض جندى آخر من جنوده ، ذكره القرآن بقوله : ( قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) .

قالوا : والمراد بهذا الذى عنده علم من الكتاب : آصف بن برخيا ، وهو رجل من صلحاء بنى إسرائيل ، آتاه الله - تعالى - من لدنه علما ، وكان وزيرا لسليمان .قالوا : وكان يعلم اسم الله الأعظم ، الذى إذا دعى به - سبحانه - أجاب الداعى ، وإذا سئل به - تعالى - أجاب السائل .قيل : المراد به سليمان نفسه ، ويكون الخطاب على هذا العفريت ، فكأنه استبطأ ما قاله العفريت فقال له : - على سبيل التحقير - أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك .وقيل : المراد به جبريل ، والأول هو المشهور عند المفسرين .أى : قال الرجل الذى عنده علم من كتاب الله - تعالى - يا سليمان أنا آتيك بعرش بلقيس ، قبل أن تغمض عينك وتفتحها ، وهو كناية عن السرعة الفائقة فى إحضاره .وفى ذلك ما فيه من الدلالة على شرف العلم وفضله وشرف حاملية وفضلهم وأن هذه الكرامة التى وهبها الله - تعالى - لهذا الرجل ، كانت بسبب ما آتاه - سبحانه - من علم .وجاء عرش الملكة لسليمان من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ، بتلك السرعة الفائقة ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ) أى : فلما رأى سليمان العرش المذكور حاضرا لديه ، وكائنا بين يديه .

.

.

لم يغتر ولم يتكبر ، ولم يأخذه الزهو والعجب .

بل قال - كما حكى القرآن عنه - : ( هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلوني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) .أى : قال سليمان : هذا الذى أراهى من إحضار العرش بتلك السرعة من فضل ربى وعطائه ، لكى يمتحننى أأشكره على نعمه أم أجحد هذه النعم .( وَمَن شَكَرَ ) الله - تعالى - على نعمه ( فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) حيث يزيده - سبحانه - منها .( وَمَن كَفَرَ ) نعم الله - تعالى - وجحدها ( فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ) عن خلقه ( كَرِيمٌ ) فى معاملته لهم ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، بل يعفو ويصفح عن كثير من ذنوبهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا ﴾ دلالة على أنها عزمت على اللحوق بسليمان، ودلالة على أن أمر ذلك العرش كان مشهوراً، فأحب أن يحصل عنده قبل حضورها، واختلفوا في غرض سليمان عليه السلام من إحضار ذلك العرض على وجوه: أحدها: أن المراد أن يكون ذلك دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى وعلى نبوة سليمان عليه السلام، حتى تنضم هذه الدلالة إلى سائر الدلائل التي سلفت.

وثانيها: أراد أن يؤتى بذلك العرش فيغير وينكر، ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو تنكره، والمقصود اختبار عقلها، وقوله تعالى: ﴿ قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى  ﴾ كالدلالة على ذلك.

وثالثها: قال قتادة: أراد أن يأخذه قبل إسلامها، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها.

ورابعها: أن العرش سرير المملكة، فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه.

أما قوله: ﴿ قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الجن ﴾ فالعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد.

أما قوله: ﴿ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ فالمعنى من مجلسك، ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت، فقيل المراد مجلس الحكم بين الناس، وقيل الوقت الذي يخطب فيه الناس، وقيل إلى انتصاف النهار.

وأما قوله: ﴿ لَقَوِىٌّ ﴾ أي على حمله ﴿ أَمِينٌ ﴾ آتي به كما هو لا أختزل منه شيئاً.

أما قوله: ﴿ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب ﴾ ففيه بحثان: الأول: اختلفوا في ذلك الشخص على قولين: قيل كان من الملائكة، وقيل كان من الإنس، فمن قال بالأول اختلفوا، قيل هو جبريل عليه السلام، وقيل هو ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، ومن قال بالثاني اختلفوا على وجوه: أحدها: قول ابن مسعود: إنه الخضر عليه السلام.

وثانيها: وهو المشهور من قول ابن عباس: إنه آصف بن برخيا وزير سليمان، وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب.

وثالثها: قول قتادة: رجل من الإنس كان يعلم اسم الله الأعظم.

ورابعها: قول ابن زيد: كان رجلاً صالحاً في جزيرة في البحر، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان.

وخامسها: بل هو سليمان نفسه والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولاً، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت، وهذا القول أقرب لوجوه: أحدها: أن لفظة (الذي) موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام، فوجب انصرافه إليه، أقصى ما في الباب أن يقال، كان آصف كذلك أيضاً لكنا نقول إن سليمان عليه السلام، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام، وأنه غير جائز الثالث: أن سليمان عليه السلام، لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق الرابع: أن سليمان قال: ﴿ هذا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان.

البحث الثاني: اختلفوا في الكتاب، فقيل اللوم المحفوظ، والذي عنده علم منه جبريل عليه السلام.

وقيل كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، ومعلوم في الجملة أن ذلك مدح، وأن لهذا الوصف تأثيراً في نقل ذلك العرش، فلذلك قالوا إنه الاسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات.

أما قوله تعالى: ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ ففيه بحثان: الأول: (آتيك) في الموضعين، يجوز أن يكون فعلاً واسم فاعل.

الثاني: اختلفوا في قوله: ﴿ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ على وجهين: الأول: أنه أراد المبالغة في السرعة، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة، وهذا قول مجاهد الثاني: أن نجريه على ظاهره، والطرف تحريك الأجفان عند النظر، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئي، وإذا أغمضت الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين، فهذا هو المراد من ارتداد الطرف وهاهنا سؤال: وهو أنه كيف يجوز والمسافة بعيدة أن ينقل العرش في هذا القدر من الزمان، وهذا يقتضي إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين جوابه: أن المهندسين قالوا كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير فإذا قسمنا زمان طلوع تمام القرص على زمان القدر الذي بين الشام واليمن كانت اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلاً إمكان وجود هذه الحركة السريعة، وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال، ثم إنه عليه السلام لما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر والكلام في تفسير الابتلاء قد مر غير مرة، ثم إنه عليه السلام بين أن نفع الشكر عائد إلى الشاكر لا إلى الله تعالى، أما أنه عائد إلى الشاكر فلوجوه: أحدها: أنه يخرج عن عهدة ما وجب عليه من الشكر.

وثانيها: أنه يستمد به المزيد على ما قال: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ  ﴾ .

وثالثها: أن المشتغل بالشكر مشتغل باللذات الحسية وفرق ما بينهما كفرق ما بين المنعم والنعمة في الشرف، ثم قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ ﴾ غني عن شكره لا يضره كفرانه، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب ﴾ هو رجل كان عنده اسم الله الأعظم، وهو: يا حي يا قيوم، وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت.

وقيل: يا ذا الجلال والإكرام، وعن الحسن رضي الله عنه: الله.

والرحمن.

وقيل: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان عليه السلام، وكان صديقاً عالماً.

وقيل: اسمه أسطوم.

وقيل: هو جبريل.

وقيل: ملك أيد الله به سليمان.

وقيل: هو سليمان نفسه، كأنه استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أسرع مما تقول.

وعن ابن لهيعة: بلغني أنه الخضر عليه السلام: علم من الكتاب: من الكتاب المنزل، وهو علم الوحي والشرائع.

وقيل: هو اللوح.

والذي عنده علم منه: جبريل عليه السلام.

وآتيك- في الموضعين- يجوز أن يكون فعلاً واسم فاعل.

الطرف: تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر.

ولما كان الناظر موصوفاً بإرسال الطرف في نحو قوله: وَكُنْتَ إِذَا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدَاً ** لِقَلْبِكَ يَوْمَاً أَتْعَبتْكَ الْمَنَاظرُ وصف بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد.

ومعنى قوله: ﴿ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ أي أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن تردّه أبصرت العرش بين يديك: ويروى: أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ عينيه فنظر نحو اليمين.

ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب، ثم نبغ عند مجلس سليمان عليه السلام بالشام بقدرة الله، قبل أن يردّ طرفه.

ويجوز أن يكون هذا مثلاً لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك: افعل كذا في لحظة، وفي ردّة طرف، والتفت ترني، وما أشبه ذلك: تريد السرعة.

﴿ يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ويصونها عن سمة الكفران، وترتبط به النعمة ويستمد المزيد.

وقيل: الشكر، قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة.

وفي كلام بعض المتقدمين: إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت ناقرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار.

واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقاراً ﴿ غَنِىٌّ ﴾ عن الشكر ﴿ كَرِيمٌ ﴾ بالإنعام على من يكفر نعمته، والذي قاله سليمان عليه السلام عند رؤية العرش شاكراً لربه، جرى على شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين من عباده يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ ﴾ آصَفُ بْنُ بَرْخِيا وزِيرُهُ، أوِ الخَضِرُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ مَلَكٌ أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، أوْ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسُهُ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ العِلْمِ وأنَّ هَذِهِ الكَرامَةَ كانَتْ بِسَبَبِهِ والخِطابُ في: ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ لِلْعِفْرِيتِ كَأنَّهُ اسْتَبْطَأهُ فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، أوْ أرادَ إظْهارَ مُعْجِزَةٍ في نَقْلِهِ فَتَحَدّاهم أوَّلًا ثُمَّ أراهم أنَّهُ يَتَأتّى لَهُ مالًا يَتَأتّى لِعَفارِيتِ الجِنِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِـ ( الكِتابِ ) جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ اللَّوْحُ، و ( آتِيكَ ) في المَوْضِعَيْنِ صالِحٌ لِلْفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ، «والطَّرْفُ» تَحْرِيكُ الأجْفانِ لِلنَّظَرِ فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ ولَمّا كانَ النّاظِرُ يُوصَفُ بِإرْسالِ الطَّرْفِ كَما في قَوْلِهِ: وكُنْتَ إذا أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رائِدًا.

.

.

لِقَلْبِكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المَناظِرُ وُصِفَ بِرَدِّ الطَّرْفِ والطَّرْفِ بِالِارْتِدادِ، والمَعْنى أنَّكَ تُرْسِلُ طَرْفَكَ نَحْوَ شَيْءٍ فَقَبْلَ أنْ تَرُدَّهُ أُحْضِرُ عَرْشَها بَيْنَ يَدَيْكَ، وهَذا غايَةٌ في الإسْراعِ ومَثَلٌ فِيهِ.

﴿ فَلَمّا رَآهُ ﴾ أيِ العَرْشَ ﴿ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴾ حاصِلًا بَيْنَ يَدَيْهِ.

﴿ قالَ ﴾ تَلَقِّيًا لِلنِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ عَلى شاكِلَةِ المُخْلِصِينَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى ﴿ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيَّ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، والإشارَةُ إلى التَّمَكُّنِ مِن إحْضارِ العَرْشِ في مُدَّةِ ارْتِدادِ الطَّرْفِ مِن مَسِيرَةِ شَهْرَيْنِ بِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ، والكَلامُ في إمْكانِ مِثْلِهِ قَدْ مَرَّ في آيَةِ «الإسْراءِ» .

﴿ لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ ﴾ بِأنْ أراهُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِلا حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ وأقُومُ بِحَقِّهِ.

﴿ أمْ أكْفُرُ ﴾ بِأنْ أجِدَ نَفْسِي في البَيْنِ، أوْ أُقَصِّرُ في أداءِ مُواجِبِهِ ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنَ الياءِ.

﴿ وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّهُ بِهِ يَسْتَجْلِبُ لَها دَوامَ النِّعْمَةِ ومَزِيدَها ويَحُطُّ عَنْها عِبْءَ الواجِبِ ويَحْفَظُها عَنْ وصْمَةِ الكُفْرانِ.

﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ.

﴿ كَرِيمٌ ﴾ بِالإنْعامِ عَلَيْهِ ثانِيًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب} أي ملك بيده كتاب المقادير أرسله الله تعالى عند قول العفريت أو

النمل (٤٢ - ٤٠)

جبريل عليه السلام والكتاب على هذا اللوح المحفوظ أو الخضر أو آصف بن برخيا كاتب سليمان وهو الأصح وعليه الجمهور وكان عنده اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجاب وهو يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أو يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله ألا أنت وقيل له علم بمجاري الغيوب ألهاما {أنا آتيك به} بالعرش وآتيك في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً أو اسم فاعل ومعنى قوله {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك ويروى أن آصف قال لسليمان عليه السلام مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد عينيه فنظر نحو اليمين فدعا آصف فغار العرش في مكانه ثم نبع عند مجلس سليمان بقدرة الله تعالى قبل أن يرتد طرفه {فلما رآه} أي العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} ثابتاً لديه غير مضطرب {قَالَ هذا} أي حصول مرادي وهو حضور العرش في مدة ارتداد الطرف {مِن فَضْلِ رَبّى} عليّ وإحسانه إلي بلا استحقاق مني بل هو فضل خال من العوض صاف عن الغرض {ليبلوني أأشكر} ليمتحنني أأشكر إنعامه {أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنه يحط به عنها عبء الواجب ويصونها عن سمة الكفران ويستجلب به المزيد وترتبط به النعمة فالشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة وفي كلام بعضهم إن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها

بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار واعلم أن سبوغ ستر الله تعالى متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقاراً أي لم تشكر لله نعمة {وَمَن كَفَرَ} بترك الشكر على النعمة {فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ} عن الشكر {كَرِيمٌ} بالإنعام على من يكفر نعمته قال الواسطي ما كان منا الشكر فهو لنا وما كان منه من النعمة فهو إلينا وله المنة والفضل علينا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ ﴾ فَصْلُهُ عَمّا قَبْلَهُ؛ لِلْإيذانِ بِما بَيْنَ القائِلَيْنِ ومَقالَتَيْهِما وكَيْفِيَّتَيْ قُدْرَتَيْهِما عَلى الإتْيانِ بِهِ مِن كَمالِ التَّبايُنِ، أوْ لِإسْقاطِ الأوَّلِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.

واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَذا القائِلِ، فالجُمْهُورُ - ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، والحَسَنُ - عَلى أنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرَخْيا بْنِ شَمْعِيا بْنِ مِنكِيلَ، واسْمُ أُمِّهِ باطُورا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ وزِيرَ سُلَيْمانَ عَلى المَشْهُورِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ وزِيرُهُ وابْنُ أُخْتِهِ، وكانَ صِدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وقِيلَ كانَ كاتِبَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ رَجُلٌ اسْمُهُ أسْطُومُ، وقِيلَ: أسْطُورَسُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ ذُو النُّورِ.

وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أنَّهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ قَتادَةَ أنَّ اسْمَهُ مَلِيخا، وقِيلَ: مَلَخُ، وقِيلَ: تَمْلِيخا، وقِيلَ: هُودٌ، وقالَتْ جَماعَةٌ: هو ضَبَّةُ بْنُ أُدٍّ، جِدُّ بَنِي ضَبَّةَ مِنَ العَرَبِ، وكانَ فاضِلًا يَخْدِمُ سُلَيْمانَ، كانَ عَلى قِطْعَةٍ مِن خَيْلِهِ، وقالَ النَّخَعِيُّ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: هو مَلَكٌ آخَرُ أيَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقالَ الجُبّائِيُّ: هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

ووَجْهُ الفَصْلِ عَلَيْهِ واضِحٌ، فَإنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ العِفْرِيتُ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: قالَ ...

إلَخْ، ويَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ العِلْمِ، وأنَّ هَذِهِ الكَرامَةَ كانَتْ بِسَبَبِهِ، ويَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ لِلْعِفْرِيتِ، وإنَّما لَمْ يَأْتِ بِهِ أوَّلًا - بَلِ اسْتَفْهَمَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ ثُمَّ قالَ ما قالَ وأتى بِهِ - قَصْدًا لِأنْ يُرِيَهم أنَّهُ يَتَأتّى لَهُ ما لا يَتَهَيَّأُ لِعَفارِيتِ الجِنِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ.

وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِالعِفْرِيتِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي تَصَدّى لِدَعْوى القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِهِ مِن بَيْنِهِمْ، وجَعْلُهُ لِكُلِّ أحَدٍ - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ - غَيْرُ ظاهِرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذُكِرَ.

وآثَرَ هَذا القَوْلَ الإمامُ، وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ المَوْصُولَ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ المُخاطَبِ، والشَّخْصُ المَعْلُومُ بِأنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ الكِتابِ هو سُلَيْمانُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ إرادَتُهُ وصَرْفُ اللَّفْظِ إلَيْهِ، وآصِفُ - وإنْ شارَكَهُ في مَضْمُونِ الصِّلَةِ - لَكِنْ هو فِيهِ أتَمُّ؛ لِأنَّهُ نَبِيٌّ وهو أعْلَمُ بِالكِتابِ مِن أُمَّتِهِ.

الثّانِي أنَّ إحْضارَ العَرْشِ في تِلْكَ السّاعَةِ اللَّطِيفَةِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، فَلَوْ حَصَلَتْ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ دُونَهُ لاقْتَضى تَفْضِيلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

الثّالِثُ أنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ في إحْضارِهِ إلى أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ لاقْتَضى قُصُورَ حالِهِ في أعْيُنِ النّاسِ.

الرّابِعُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما بَعْدُ ﴿ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ ...

إلَخْ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ الخارِقَ قَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اهـ، ولِلْمُناقَشَةِ فِيهِ مَجالٌ.

واعْتَرَضَ عَلى هَذا القَوْلِ بَعْضُهم بِأنَّ الخِطابَ في (آتِيكَ) يَأْباهُ، فَإنَّ حَقَّ الكَلامِ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: أنا آتِي بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلى الشَّخْصِ طَرْفُهُ مَثَلًا، وقَدْ عَلِمْتَ دَفْعَهُ، وبِأنَّ المُناسِبَ أنْ يُقالَ فِيما بَعْدُ: (فَلَمّا أتى بِهِ) دُونَ (فَلَمّا رَآهُ) ...

إلَخْ.

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ ذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ فِيهِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّ القائِلَ أحَدُ أتْباعِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإتْيانِ بِهِ كَذَلِكَ، فَإنَّ عادَةَ المُلُوكِ تَكْلِيفُ أتْباعِهِمْ بِمَصالِحَ لَهم لا يُعْجِزُهم فِعْلُها بِأنْفُسِهِمْ، فَلْيَكُنْ ما نَحْنُ فِيهِ جارِيًا عَلى هَذِهِ العادَةِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ الغَرَضِ مِمّا يَتِمُّ بِالقَوْلِ - وهو الدُّعاءُ - ولا يَحْتاجُ إلى أعْمالِ البَدَنِ وإتْعابِهِ كَما لا يَخْفى.

وفِي فُصُوصِ الحِكَمِ: كانَ ذَلِكَ عَلى يَدِ بَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَكُونَ أعْظَمَ لِسُلَيْمانَ في نُفُوسِ الحاضِرِينَ، وقالَ القَيْصَرِيُّ: كانَ سَلِيمانُ قُطْبَ وقْتِهِ، ومُتَصَرِّفًا، وخَلِيفَةً عَلى العالَمِ، وكانَ آصِفُ وزِيرَهُ، وكانَ كامِلًا، وخَوارِقُ العاداتِ قَلَّما تَصْدُرُ مِنَ الأقْطابِ والخُلَفاءِ بَلْ مِن وُرِّاثِهِمْ وخُلَفائِهِمْ؛ لِقِيامِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ التّامَّةِ، واتِّصافِهِمْ بِالفَقْرِ الكُلِّيِّ، فَلا يَتَصَرَّفُونَ لِأنْفُسِهِمْ في شَيْءٍ، ومِن مِنَنِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْ يَرْزُقَهم صُحْبَةَ العُلَماءِ الأُمَناءِ، يَحْمِلُونَ مِنهم أثْقالَهُمْ، ويُنَفِّذُونَ أحْكامَهم وأقْوالَهُمْ، اهـ، وما في الفُصُوصِ أقْرَبُ لِمَشْرَبِ أمْثالِنا، عَلى أنَّ ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ عَلى مَشْرَبِ القَوْمِ أيْضًا.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ رَوى العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ قالَ: التَقى مُوسى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسى ويَحْيى بْنُ أكْثَمَ، فَسَألَهُ عَنْ مَسائِلَ مِنها: هَلْ كانَ سُلَيْمانُ مُحْتاجًا إلى عِلْمِ آصِفَ؟

فَلَمْ يُجِبْ حَتّى سَألَ أخاهُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقالَ: اكْتُبْ لَهُ: لَمْ يَعْجِزْ سُلَيْمانُ عَنْ مَعْرِفَةِ ما عَرَفَ آصِفُ لَكِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَبَّ أنْ يُعَرِّفَ أُمَّتَهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ أنَّهُ الحُجَّةُ مِن بَعْدِهِ، وذَلِكَ مِن عِلْمِ سُلَيْمانَ، أوْدَعَهُ آصِفَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَفَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِئَلّا يُخْتَلَفَ في إمامَتِهِ، كَما فَهَّمَ سُلَيْمانَ في حَياةِ داوُدَ لِتُعْرَفَ إمامَتُهُ مِن بَعْدِهِ لِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ، اهـ وهو كَما تَرى.

والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في المَوْصُولِ بَعِيدٌ جِدًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الَّذِي أُرْسِلَ إلى بِلْقِيسَ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، وتَنْكِيرُ (عِلْمٌ) لِلتَّفْخِيمِ والرَّمْزِ إلى أنَّهُ عِلْمٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ العِلْمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمَ الَّذِي إذا سُئِلَ بِهِ أجابَ، وقَدْ دَعا ذَلِكَ العالِمُ بِهِ فَحَصَلَ غَرَضُهُ، وهو (يا حَيُّ يا قَيُّومُ) وقِيلَ: (يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ)، وقِيلَ: (اللَّهُ الرَّحْمَنُ) وقِيلَ: (هُوَ بِالعِبْرانِيَّةِ آهْيا شَراهْيا).

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ دَعا بِقَوْلِهِ: يا إلَهَنا وإلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، إلَهًا واحِدًا، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، ائْتِنِي بِعَرْشِها.

والطَّرْفُ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحُها لِلنَّظَرِ إلى شَيْءٍ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ النَّظَرِ، وارْتِدادُهُ انْقِطاعُهُ بِانْضِمامِ الأجْفانِ، ولِكَوْنِهِ أمْرًا طَبِيعِيًّا غَيْرَ مَنُوطٍ بِالقَصْدِ أُوثِرَ الِارْتِدادُ عَلى الرَّدِّ، فالمَعْنى: آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَنْضَمَّ جَفْنُ عَيْنِكَ بَعْدَ فَتْحِهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ التَّجَوُّزِ في الطَّرْفِ؛ إذِ المُرادُ قَبْلَ ارْتِدادِ تَحْرِيكِ الأجْفانِ بِطَبْقِها بَعْدَ فَتْحِها، وفِيهِ نَظَرٌ، والكَلامُ جارٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِلسُّرْعَةِ.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّ آصِفَ قالَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: مُدَّ عَيْنَيْكَ حَتّى يَنْتَهِيَ طَرْفُكَ، فَمَدَّ طَرْفَهُ فَنَظَرَ نَحْوَ اليَمَنِ، فَقَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْهِ حَضَرَ العَرْشُ عِنْدَهُ.

وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أتى بِهِ في مُدَّةِ طُلُوعِ دَرَجَةٍ أوْ دَرَجَتَيْنِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ أنَّ الطَّرْفَ بِمَعْنى المَطْرُوفِ، أيْ: مَن يَقَعُ إلَيْهِ النَّظَرُ، وأنَّ المَعْنى: قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ مَن يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبْعَدِ ما تَرى إذا نَظَرْتَ أمامَكَ، وهو كَما تَرى.

﴿ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴾ أيْ فَلَمّا رَأى سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَرْشَ ساكِنًا عِنْدَهُ، قارًّا عَلى حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها ﴿ قالَ ﴾ تَلَقِّيًا لِلنِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وخُلَّصِ عِبادِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: (هَذا) أيِ: الإتْيانُ بِالعَرْشِ أوْ حُضُورُهُ بَيْنَ يَدَيَّ في هَذِهِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ، وقِيلَ: أيِ: التَّمَكُّنُ مِن إحْضارِهِ بِالواسِطَةِ أوْ بِالذّاتِ ﴿ مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ أيْ: تَفَضُّلِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - عَلَيَّ، مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ ذاتِيٍّ لِي لَهُ، ولا عَمَلٍ مِنِّي يُوجِبُهُ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَأتاهُ بِهِ فَرَآهُ، فَلَمّا رَآهُ ...

إلَخْ، وحُذِفَ ما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، ولِلْإيذانِ بِكَمالِ سُرْعَةِ الإتْيانِ بِهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ الوَعْدِ بِهِ ورُؤْيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهُ شَيْءٌ ما أصْلًا، وفي تَقْيِيدِ رُؤْيَتِهِ بِاسْتِقْرارِهِ عِنْدَهُ تَأْكِيدٌ لِهَذا المَعْنى لِإيهامِهِ أنَّهُ لَمْ يَتَوَسَّطْ بَيْنَهُما ابْتِداءُ الإتْيانِ أيْضًا، كَأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ.

فَـ(مُسْتَقِرًّا) مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ و(عِنْدَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهو - عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ - كَوْنٌ خاصٌّ ولِذا ساغَ ذِكْرُهُ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ كَوْنٌ عامٌّ، فَأُشْكِلَ عَلَيْهِمْ ذِكْرُهُ مَعَ قَوْلِ جُمْهُورِ النُّحاةِ: إنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا عامًّا وجَبَ حَذْفُهُ، فالتَزَمَ بَعْضُهم لِذَلِكَ كَوْنَ الظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا بِـ(رَآهُ) لا بِهِ.

ومِنهم مَن ذَهَبَ - كابْنِ مالِكٍ - إلى أنَّ حَذْفَ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ، وأنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهِ: لَكَ العِزُّ إنْ مَوْلاكَ عَزَّ وإنْ يَهِنْ فَأنْتَ لَدى بُحْبُوحَةِ الهَوْنِ كائِنُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبارُ ما في البَيْتِ كَوْنًا خاصًّا كالَّذِي في الآيَةِ.

وفِي كَيْفِيَّةِ وُصُولِ العَرْشِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ خِلافٌ.

فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ سابِطٍ وغَيْرُهُما.

وقِيلَ: نَزَلَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السَّماءِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ ذاكَ في أرْضِ الشّامِ - عَلى ما قِيلَ - رَجَعَ إلَيْها مِن صَنْعاءَ وبَيْنَها وبَيْنَ مَأْرَبٍ - مَحَلِّ العَرْشِ - نَحْوٌ مِن مَسافَةِ شَهْرَيْنِ.

وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كانَ في صَنْعاءَ فالمَسافَةُ بَيْنَ مَحَلِّهِ ومَحَلِّ العَرْشِ نَحْوُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وأيًّا ما كانَ فَقَطْعُهُ المَسافَةَ الطَّوِيلَةَ في الزَّمَنِ القَصِيرِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ الصّادِقُ فَيَجِبُ قَبُولُهُ، وقَدِ اتَّفَقَ البَرُّ والفاجِرُ عَلى وُقُوعٍ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وهو قَطْعُ الشَّمْسِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ آلافًا مِنَ الفَراسِخِ، مَعَ أنَّ نِسْبَةَ عَرْشِ بِلْقِيسَ إلى جِرْمِها نِسْبَةُ الذَّرَّةِ إلى الجَبَلِ.

وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - إنَّ آصِفَ تَصَرَّفَ في عَيْنِ العَرْشِ فَأعْدَمَهُ في مَوْضِعِهِ وأوْجَدَهُ عِنْدَ سُلَيْمانَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ أحَدٌ بِذَلِكَ، إلّا مَن عَرَفَ الخَلْقَ الجَدِيدَ الحاصِلَ في كُلِّ آنٍ، وكانَ زَمانُ وُجُودِهِ عَيْنَ زَمانِ عَدَمِهِ، وكُلٌّ مِنهُما في آنٍ، وكانَ عَيْنُ قَوْلِ آصِفَ عَيْنَ الفِعْلِ في الزَّمانِ، فَإنَّ القَوْلَ مِنَ الكامِلِ بِمَنزِلَةِ (كُنْ) مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَسْألَةُ حُصُولِ العَرْشِ مِن أشْكَلِ المَسائِلِ إلّا عِنْدَ مَن عَرَفَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ، فَما قَطَعَ العَرْشُ مَسافَةً ولا زُوِيَتْ لَهُ أرْضٌ ولا خَرَقَها، اهـ مُلَخَّصًا، ولَهُ تَتِمَّةٌ سَتَأْتِي، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ كانَ بِالإعْدامِ والإيجادِ مِمّا يَجُوزُ عِنْدِي، وإنْ لَمْ أقُلْ بِتَجَدُّدِ الجَواهِرِ تَجَدُّدَ الأعْراضِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، إلّا أنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى ثُبُوتِ الكَراماتِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاحْتِمالَ يُسْقِطُ الِاسْتِدْلالَ، وعَلَّلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفَضُّلَهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَبْلُوَنِي ﴾ أيْ لِيُعامِلَنِي مُعامَلَةَ المُبْتَلى، أيِ: المُخْتَبَرِ ﴿ أأشْكُرُ ﴾ عَلى ذَلِكَ، بِأنْ أراهُ مَحْضَ فَضْلِهِ تَعالى مِن غَيْرٍ حَوْلٍ مِن جِهَتِي ولا قُوَّةٍ وأقُومُ بِحَقِّهِ ﴿ أمْ أكْفُرُ ﴾ بِأنْ أجِدَ لِنَفْسِي مَدْخَلًا في البَيْنِ، أوْ أُقَصِّرُ في إقامَةِ مَواجِبِهِ، كَما هو شَأْنُ سائِرِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلى العِبادِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المَعْنى: لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ إذا أُتِيتُ بِالعَرْشِ أمْ أكْفُرُ إذا رَأيْتُ مَن هو أدْنى مِنِّي في الدُّنْيا أعْلَمَ مِنِّي، ونُقِلَ مِثْلُهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ، وأبْعَدُ مِنهُ عَنِ الصِّحَّةِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ جَزِعَ وقالَ: رَجُلٌ غَيْرِي أقْدَرُ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنِّي؟!

ولَعَلَّ الحَقَّ الجَزْمُ بِكَذِبِ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ أأشْكُرُ ﴾ ...

إلَخْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ البَلْوى، وهو مُعَلَّقٌ بِالهَمْزَةِ عَنْها إجْراءً لَهُ مَجْرى العِلْمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرادِفًا لَهُ، وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنَ الياءِ.

﴿ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ لِنَفْعِها؛ لِأنَّهُ يَرْبُطُ بِهِ القَيْدَ، ويَسْتَجْلِبُ المَزِيدَ، ويَحُطُّ بِهِ عَنْ ذِمَّتِهِ عِبْءَ الواجِبِ، ويَتَخَلَّصُ عَنْ وصْمَةِ الكُفْرانِ ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ أيْ: لَمْ يَشْكُرْ ﴿ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ﴾ عَنْ شُكْرِهِ ﴿ كَرِيمٌ ﴾ بِتَرْكِ تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، والإنْعامِ مَعَ عَدَمِ الشُّكْرِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شُرْطِيَّةٌ، والجُمْلَةَ المَقْرُونَةَ بِالفاءِ جَوابُ الشَّرْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن قَسِيمِهِ، والمَذْكُورُ قائِمٌ مَقامَهُ، أيْ: ومَن كَفَرَ فَعَلى نَفْسِهِ، أيْ: فَضَرَرُ كُفْرانِهِ عَلَيْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: ( كَرِيمٌ ) وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ يعني: ماردا من الجن، والعفريت: هو الشديد القوي، ويقال: العفريت من كل شيء المبالغ والحاذق في أمره أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ يعني: في مجلس الحكم، وكان قضاؤه إلى انتصاف النهار.

ويقال: إلى وقت الضحى.

وَإِنِّي عَلَيْهِ يعني: على إتيان السرير لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ وغير ذلك.

فقال سليمان: أنا أريد أسرع من هذا قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ يعني: آصف بن برخيا، وكان وزيره ومؤدبه في حال صغره، ويقرأ كتاب الله ويعلم الاسم الأعظم- يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحد لا إله إلا أنت (١)  ، وأكثر المفسرين على أنه آصف بن برخيا  .

قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ يعني: قبل أن ينتهي إليك الذي وقع عليه منتهى بصرك، وهو جاءٍ إليك.

ويقال: قبل أن تطرف.

قال له سليمان: لقد أسرعت إن فعلت ذلك، فدعا بالاسم الأعظم، فإذا بالسرير قد ظهر بين يدي سليمان فَلَمَّا رَآهُ رأى سليمان السرير مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أي: موجوداً عنده قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي يعني: ليختبرني أَأَشْكُرُ هذه النعمة أَمْ أَكْفُرُ نعم الله تعالى إذا رأيت من دوني هو أعلم مني.

قال مقاتل: فلما رفع رأسه قال: الحمد لله، أحمد الله الذي جعل في أهلي من يدعوه فيستجيب له وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: يفعل لنفسه، لأنه يعود إليه حيث يستوجب المزيد من الله تعالى وَمَنْ كَفَرَ النعم يعني: ترك الشكر فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكر العباد كَرِيمٌ في الإفضال على من شكره بالنعمة.

ويقال: كَرِيمٌ لمن شكر من عباده- ويقال: لما رأى آصف السرير مستقراً عنده، خرج من فضل نفسه ورجع إلى فضل ربّه ورأى الحول والقوة لله تعالى فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لا من فضل نفسي، ولو لم يقل من فضل ربي، لسقط عن المنزلة أسرع من إتيان السرير حيث قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ حيث شهر نفسه بالفضيلة ويقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ يعني: بالله آتيك، لا بالمدة والحيلة، فأسقط الحول والقوة عن نفسه وسلم الأمر إلى الله فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.

فلما رأى سليمان السرير عنده، علم أن هذا ليس من قوة جلسائه وإنما هو من صنع ربه (٢) -.

قوله عز وجل: قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها يعني: قال سليمان  : غيّروا سريرها عن صورته، والتنكير: هو التغيير يقال: نكرته فتنكّر، أي غيرته، فتغير.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «التنكير أن يزاد فيه أو ينقص عنه» يعني: زيدوا في سريرها، وانقصوا منه، حتى نرى أنها تعرف سريرها أم لا، وذلك قوله: نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي يعني: أتعلم أنه عرشها أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ يعني: لا يعلمون.

يقال: إنه جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه.

ويقال: إنه أمر بذلك، لأن الجن قالوا لسليمان  في عقلها شيء من النقصان، فأراد سليمان أن يمتحن عقلها، فأمر بأن يغير السرير ويسألها عن ذلك.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من قول الله تعالى معرِّفاً لمحمَّدٍ عليه السلام وأمَّتِهِ بذلك «١» .

وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ...

الآية، روي أن بلقيس قالت لقومها: إني أُجَرِّبُ هذا الرجلَ بهدية فيها نفائسُ الأموالِ، فَإنْ كَانَ مَلِكاً دُنْيَوِيّاً أرضاه المال وإن كان نَبِيّاً لم يقبل الهديةَ، ولم يُرْضِهِ مِنّا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، فينبغي أن نؤمِنَ به، ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة.

فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)

وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ يعني: رسلُ بلقيس، وقولُ سليمان: ارْجِعْ خطابٌ لرسلِها لأن الرسولَ يقع على الجمعِ والإفرادِ والتذكيرِ والتأنيث.

وفي قراءة ابن مسعود «٢» : «فلما جاءوا سليمان» وقرأ «ارجعوا» ، ووعيدُ سليمانَ لهم مقترنٌ بدوامِهم على الكفرِ، قال البخاري: لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها: أي: لا طاقةَ لهم، انتهى.

ثم قال سليمان ٥٢ ب لجمعه/ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها.

قال ابن زيد: وغرضُه في استدعاءِ عرشِها أن يُرِيَها القدرةَ التي من عند الله وليغرب «٣» عليها، ومُسْلِمِينَ في هذا التأويل بمعنى: مُسْتَسْلِمِينَ، ويحتملُ أنُ يكونَ بمعنى الإسلام.

وقال قتادة: كان غرضُ سليمان عليه السلام أخذه قبل أن يَعْصِمَهُم الإسلامُ فالإسلامُ على هذا التأويل يراد به الدين «٤» .

ت: والتأويل الأول أَليَقُ يمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، فيتعينُ حملُ الآيةِ عليه، والله أعلم.

ورُوِي أن عرشِهَا كانَ من ذهبٍ وفضةٍ مُرَصَّعاً بالياقوتِ والجَوْهرِ وأنه كان في جوفِه سبعةُ أبياتٍ عليها سَبْعة أغلاقٍ.

والعِفْرِيتُ هو من الشياطين: القويُّ الماردُ.

وقوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ قال مجاهد «١» وقتادة «٢» : معناه: قبل قيامِك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقتَ الظهرِ في كل يوم، وقيل: معناه: قبلَ أنْ تستويَ من جلوسِكَ قَائِماً.

وقول الذي عنده علم من الكتاب: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ قال ابن جبير «٣» وقتادة «٤» : معناه: قبل أن يصل إليكَ مَنْ يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبعد ما ترى.

وقال مجاهد «٥» : معناه: قبل أن تحتاج إلى التغميض، أي: مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداده.

قال ع «٦» : وهذانِ القولانِ يقابلانِ القولينِ قبلَهما.

وقوله: لَقَوِيٌّ أَمِينٌ معناه: قويٌّ على حمله أمين على ما فيه.

ويُرْوَى أنَّ الجِنَّ كَانَتْ تُخْبِرُ سليمانَ بمَنَاقِل سَيْرِ بلقيس، فلما قربَتْ، قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها فدعا الذي عنده علم من التوراة، - وهو الكتاب المشار إليه- باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمان أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرشِ، حتَّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سليمانَ عليه السلام.

وقيل: بل جِيءَ به في الهواءِ.

وجمهورُ المفسرين على أن هذا الذي عنده علم من الكتاب- كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل اسمه (آصف بن برخيا) ، روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان [عليه السلام] : يا نبي الله امدد بصرك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا جاءَ رَسُولُها، ويَجُوزُ: فَلَمّا جاءَ بِرُّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " أتُمِدُّونَنِي " بِنُونَيْنِ وياء في الوَصْلِ ورَوى المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: " أتُمِدُّونِي " بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ وياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " أتُمِدُّونَنِ " بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: " أتُمِدُّونِي بِمالٍ " بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ ووَقْفٍ عَلى الياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما آتانِيَ اللَّهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " فَما آَتانِ اللَّهُ " بِكَسْرِ النُّونِ مِن غَيْرِ ياءٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " آتانِيَ " بِفَتْحِ الياءِ.

وكُلُّهم فَتَحُوا التّاءَ غَيْرَ الكِسائِيِّ، فَإنَّهُ أمالَها مِن " آَتانِيَ اللَّهُ "، وأمالَ حَمْزَةُ: " أنا آَتِيكَ بِهِ " أشَمَّ النُّونَ شَيْئًا مِنَ الكَسْرِ، والمَعْنى: فَما آَتانِيَ اللَّهُ، أيْ: مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ ﴿ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ ﴾ مِنَ المالِ ﴿ بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ ﴾ يَعْنِي إذا أهْدى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ فَرِحَ، فَأمّا أنا فَلا، ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿ ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ ﴾ أيْ: لا طاقَةَ ﴿ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها ﴾ يَعْنِي بَلْدَتَهم.

فَلَمّا رَجَعَتْ رُسُلُها إلَيْها بِالخَبَرِ، قالَتْ: قَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُلْكٍ وما لَنا بِهِ طاقَةٌ، فَبَعَثَتْ إلَيْهِ: إنِّي قادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي لِأنْظُرَ ما تَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ أمَرَتْ بِعَرْشِها فَجُعِلَ وراءَ سَبْعَةِ أبْوابٍ، ووَكَّلَتْ بِهِ حَرَسًا يَحْفَظُونَهُ، وشَخَصَتْ إلى سُلَيْمانَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدِي كُلِّ مَلِكٍ مِنهم أُلُوفٌ.

وكانَ سُلَيْمانُ مَهِيبًا لا يُبْتَدَأُ بِشَيْءٍ حَتّى يَسْألَ عَنْهُ، فَجَلَسَ يَوْمًا عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَرَأى رَهْجًا قَرِيبًا مِنهُ، فَقالَ: ما هَذا قالُوا: بِلْقِيسُ قَدْ نَزَلَتْ بِهَذا المَكانِ، وكانَ قَدْرَ فَرْسَخٍ وقَدْ كانَ بَلَغَهُ أنَّها احْتاطَتْ عَلى عَرْشِها قَبْلَ خُرُوجِها، فِ ﴿ قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ وفي سَبَبِ طَلَبِهِ لَهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِيَعْلَمَ صِدْقَ الهُدْهُدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِيَجْعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّها خَلَّفَتْهُ في دارِها واحْتاطَتْ عَلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ قَدْ تَقَدَّمَها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: لِيَخْتَبِرَ عَقْلَها وفِطْنَتَها، أتَعْرِفُهُ أمْ تُنْكِرُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: لِأنَّ صِفَتَهُ أعْجَبَتْهُ، فَخَشِيَ أنْ تُسْلِمَ فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ مالُها، فَأرادَ أخْذَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: لِيُرِيَها قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعِظَمَ سُلْطانِهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِفْرِيتُ مِن كُلِّ جِنٍّ أوْ إنْسٍ: الفائِقُ المُبالِغُ الرَّئِيسَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ العِفْرِيتُ: الشَّدِيدُ الوَثِيقُ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: العِفْرِيتُ: النّافِذُ في الأمْرِ، المُبالِغُ فِيهِ مَعَ خُبْثٍ ودَهاءٍ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " قالَ عَفْرِيتٌ " بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الرّاءِ.

ورَوى ابْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ: " عِفْرِيَةٌ " بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِها؛ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا تَشْدِيدُها وتَنْوِينُ الهاءِ عَلى التَّأْنِيثِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " عِفْراةٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ وبِألْفٍ مِن غَيْرِ ياءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ؛ ومِثْلُهُ ﴿ فِي مَقامٍ أمِينٍ  ﴾ وكانَ سُلَيْمانُ يَجْلِسُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ مِن وقْتِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: إلى نِصْفِ النَّهارِ.

﴿ وَإنِّي عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى حَمْلِهِ ﴿ لَقَوِيٌّ ﴾ .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أمِينٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أمِينٌ عَلى ما فِيهِ مِنَ الجَوْهَرِ والدُّرِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أمِينٌ أنْ لا آَتِيكَ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ سُلَيْمانُ: أُرِيدُ أسْرَعَ مِن ذَلِكَ.

﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ ﴾ وهَلْ هو إنْسِيٌّ أمْ مَلِكٌ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْسِيٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ.

ثُمَّ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، واسْمُهُ آَصَفُ بْنُ بَرْخِيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دَعا آَصَفَ- وكانَ آَصَفُ يَقُومُ عَلى رَأْسِ سُلَيْمانَ بِالسَّيْفِ- فَبَعَثَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فَحَمَلُوا السَّرِيرَ تَحْتَ الأرْضِ يَخُدُّونَ الأرْضَ خَدًّا، حَتّى انْخَرَقَتِ الأرْضُ بِالسَّرِيرِ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما قالَ لَهُ رَجُلٌ: أنا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ، فَقالَ: هاتِ، قالَ: أنْتَ النَّبِيُّ ابْنُ النَّبِيِّ، فَإنْ دَعَوْتَ اللَّهَ جاءَكَ، فَدَعا اللَّهَ فَجاءَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخَضِرُ، قالَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عابِدٌ خَرَجَ يَوْمئِذٍ مِن جَزِيرَةٍ في البَحْرِ فَوَجَدَ سُلَيْمانَ فَدَعا فَأُتِيَ بِالعَرْشِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ سُلَيْمانَ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

وَفِي العِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُ مِنَ الكِتابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ عِلْمُ كِتابِ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عِلْمُ ما كَتَبَ اللَّهُ لِبَنِي آَدَمَ، وهَذا عَلى أنَّهُ مَلَكٌ، حَكى القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ أقْصى ما تَنْظُرُ إلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: قَبْلَ أنْ يَنْتَهِيَ طَرْفُكَ إذا مَدَدْتَهُ إلى مَداهُ، قالَهُ وهْبٌ.

والثّالِثُ: قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ طَرْفُكَ حَسِيرًا إذا أدَمْتَ النَّظَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: بِمِقْدارِ ما تَفْتَحُ عَيْنَكَ ثُمَّ تَطْرِفُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ مُجاهِدٌ: دَعا فَقالَ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّما قالَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَآهُ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَدَعا اللَّهَ [فَأُتِيَ] بِهِ، فَلَمّا رَآَهُ، يَعْنِي: سُلَيْمانَ ﴿ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴾ أيْ: ثابِتًا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿ قالَ هَذا ﴾ يَعْنِي: التَّمَكُّنَ مِن حُصُولِ المُرادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أأُشْكُرُ عَلى السَّرِيرِ إذْ أتَيْتَ بِهِ، أمْ أكْفُرُ إذا رَأيْتَ مَن هو دُونِي في الدُّنْيا أعْلَمُ مِنِّي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أأُشْكَرُ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيَّ، أمْ أكْفُرُ نِعْمَتَهُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ لَهُ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِنَ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ القائِلُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَلَأُ المُنادى جَمْعُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في غَرْضِهِ في اسْتِدْعاءِ عَرْشِها، فَقالَ قَتادَةٌ: ذُكِرَ لَهُ بِعِظَمٍ وجَوْدَةٍ، فَأرادَ أخْذَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَها وقَوْمَها الإسْلامُ ويَحْمِيَ أمْوالَهَمْ، والإسْلامُ -عَلى هَذا- الدِينُ، وهو قَوْلُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتَدْعاهُ لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِيُغْرِبَ عَلَيْها، و"مُسْلِمِينَ" -فِي هَذا التَأْوِيلِ- هو بِمَعْنى: مُسْتَسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وذَكَرَ صِلَةً في العِبارَةِ، ولا تَأْثِيرَ لِاسْتِسْلامِهِمْ في عَرْضِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: الإسْلامِ، وأمّا في التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإسْلامِ.

وظاهِرُ الآياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها، وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في اخْتِبارِهِ صِدْقِ الهُدْهُدِ مَن كَذِبِهِ لَمّا قالَ لَهُ: ﴿ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، فَقالَ سُلَيْمانُ: ﴿ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ ؟

ثُمْ وقَعَ في تَرْتِيبِ القِصَصِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

وَرُوِيَ أنَّ عَرْشَها كانَ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ مُرَصَّعًا بِالجَوْهَرِ والياقُوتِ، وأنَّهُ كانَ في جَوْفِ سَبْعَةِ أبْياتٍ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أغْلاقٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قالَ عِفْرِيتٌ"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعِيسى الثَقَفِيِّ: "قالَ عِفْرِيَةٌ"، ورُوِيَتْ عن أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "قالَ عِفْرَةٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ لُغاتٌ فِيهِ، وهو مِنَ الشَياطِينِ: المارِدُ القَوِيُّ، والتاءُ في "عِفْرِيتٌ" زائِدَةٌ، وقَدْ قالُوا: "تَعَفَرْتَ الرَجُلَ" إذا تَخَلَّقَ بِخَلْقٍ الإذايَةِ، قالَ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ "كُورِي"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ صَخَّرَ الجِنِّيَّ، ومِن هَذا الِاسْمِ، قَوْلُ ذِيِ الرُمَّةِ: كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَيْلِ مُنْقَضِبُ وقَوْلُهُ: ﴿ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُنَبِّهٌ: مَعْناهُ: قَبْلَ أنْ تَسْتَوِي مِن جُلُوسِكَ قائِمًا، و ﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ مَن يَقَعُ طَرَفُكَ عَلَيْهِ مَن أبْعَدِ ما تَرى، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: قَبْلَ أنْ تَحْتاجَ إلى التَغْمِيضِ، أيْ: مُدَّةَ ما يُمْكِنُكَ أنْ تَمُدَّ بَصَرَكَ دُونَ تَغْمِيضٍ، وذَلِكَ ارْتِدادُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُقابِلانِ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ القِيامَ هو مِن مَجْلِسِ الحُكْمِ، ومَن قالَ: إنَّ القِيامَ هو مِنَ الجُلُوسِ، فَيَقُولُ في ارْتِدادِ الطَرَفِ: هو أنْ يَطْرِفَ، أيْ: قَبْلَ أنْ تُغْمِضَ عَيْنَيْكَ وتَفْتَحَهُما، وذَلِكَ أنَّ الثانِي يُعاطِي الأقْصَرَ في المُدَّةِ ولا بُدَّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ مَعْناهُ: لَقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ، أمِينٌ عَلى ما فِيهِ.

ويُرْوى أنَّ بِلْقِيسَ لِما فُصِلَتْ مِن بَلَدِها مُتَوَجِّهَةً إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، تَرَكَتِ العَرْشَ تَحْتَ سَقْفِ حَصِينٍ، فِلْما عَلِمْ سُلَيْمانُ بِانْفِصالِها أرادَ أنْ يُغْرِبَ عَلَيْها بِأنْ تَجِدَ عَرْشَها عِنْدَهُ لِتَعْلَمَ أنَّ مُلْكَهُ لا يُضاهى، فاسْتَدْعى سَوْقَهُ، فَدَعا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ التَوْراةِ -وَهُوَ الكِتابُ المُشارُ إلَيْهِ- بِاسْمِ اللهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَتِ العادَةُ في كُلِّ زَمانٍ ألّا يَدْعُوَ بِهِ أحَدٌ إلّا أُجِيبَ، فَشُقَّتِ الأرْضُ بِذَلِكَ العَرْشِ حَتّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: بَلْ جِيءَ بِهِ في الهَواءِ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ العَرْشِ كَما بَيْنَ الكُوفَةِ والحَيْرَةِ، وحَكى الرُمّانِيُّ أنَّ العَرْشَ حُمِلَ مِن مَأْرِبٍ إلى الشامِ في قَدْرِ رَجْعِ البَصَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ لِلْمُجِدِّ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ أشْهَرُ.

ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تُخْبِرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَناقِلَ سَرِيرِها، فَلَمّا قَرُبَتْ قالَ: ﴿ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ ؟

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ، مَن هُوَ؟

فَجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّهُ رَجُلٌ صالِحٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ اسْمُهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، رُوِيَ أنَّهُ صَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمْ قالَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: يا نَبِيَّ اللهِ أمْدُدْ بَصَرَكَ، فَمَدَّ بَصَرَهُ فَإذا بِالعَرْشِ نَحْوَ اليَمَنِ، فَما رَدَّ سُلَيْمانُ بَصَرَهُ إلّا والعَرْشُ عِنْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ: اسْمُهُ مَلِيخًا، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ لَهِيعَةٍ: هو الخِضْرُ، وحَكى النَقاشُ عن جَماعَةٍ أنَّهم سَمِعُوا أنَّهُ ضَبَّةُ بْنُ أُدٍّ جَدُّ بَنِي ضَبَّةَ مِنَ العَرَبِ، قالُوا: وكانَ رَجُلًا فاضِلًا يَخْدِمْ سُلَيْمانَ عَلى قِطْعَةٍ مِن خَيْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، والمُخاطَبَةُ -فِي هَذا التَأْوِيلِ- لِلْعِفْرِيتِ، لَمّا قالَ هُوَ: ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ قِيلَ: كَأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَبْطَأ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ عَلى جِهَةِ تَحْقِيرِهِ: ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ ، واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ.

﴿ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ ، واسْتُدِلَّ أيْضًا بِهَذا القَوْلِ مُناقِضُهُ؛ إذْ في كِلا الأمْرَيْنِ عَلى سُلَيْمانَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وعَلى الأقْوالِ الأُوَلِ المُخاطَبَةُ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَفْظُ "آتِيكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا بِاسْمِ اللهِ تَعالى فَجاءَ العَرْشُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى، فَلَمّا رَآهُ سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ جَعَلَ يَشْكُرُ نِعْمَةَ رَبِّهِ بِعِبارَةٍ فِيها تَعْلِيمُ لِلنّاسِ، وهي عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ بِها والِاقْتِباسِ مِنها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أأشْكُرُ عَلى السَرِيرِ وسَوْقِهِ أمْ أكْفُرُ إذْ رَأيْتُ مَن هو دُونِي في الدُنْيا أعْلَمُ مِنِّي؟

وظَهَرَ العامِلُ في الظَرْفِ مِن قَوْلِهِ: " مُسْتَقِرًّا "، وهَذا هو المُقَدَّرُ أبَدًا في كُلِّ ظَرْفٍ جاءَ هُنا مُظْهَرًا، ولَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى مِثْلُهُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لذكر بعض أجزاء القصة طوي خبر رجوع الرسل والهدية، وعلم سليمان أن ملكة سبأ لا يسعها إلا طاعته ومجيئها إليه، أو ورد له منها أنها عزمت على الحضور عنده عملاً بقوله: ﴿ وأتوني مسلمين ﴾ [النمل: 31].

ثم يحتمل أن يكون سليمان قال ذلك بعد أن حطت رحال الملكة في مدينة أورشليم وقبل أن تتهيَّأ للدخول على الملك، أو حين جاءه الخبَر بأنها شارفت المدينة فأراد أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليُرِيَها مقدرة أهل دولته.

وقد يكون عرشها محمولاً معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن لا يهيئ لها سليمان عرشاً، فإن للملوك تقادير وظنوناً يحترزون منها خشية الغضاضة.

وقوله: ﴿ آتيك ﴾ يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً من أتى، وأن يكون اسم فاعل منه، والباء على الاحتمالين للتعدية.

ولمّا علم سليمان بأنها ستحضر عنده أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا، فخاطب ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم.

فالباء في ﴿ بعرشها ﴾ كالباء في قوله: ﴿ فلنأتينّهم بجنود ﴾ [النمل: 37] تحتمل الوجهين.

وجملة: ﴿ قال يا أيها الملؤا ﴾ مستأنفة ابتداء لجزء من قصة.

وجملة: ﴿ قال عفريت ﴾ واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم غير مرة.

وجملة: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ أيضاً جواب محاورة.

ومعنى ﴿ عفريت ﴾ حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال، فهو يُتَّقى لشَره.

وأصله اسم لعُتاة الجن، ويوصف به الناس على معنى التشبيه.

و ﴿ الذي عنده علم من الكتاب ﴾ رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من الكتاب ﴾ ابتدائية، أي عنده علم مكتسب من الكتب، أي من الحكمة، وليس المراد بالكتاب التوراة.

وقد عدّ في سفر الملوك الأول في الإصحاح الرابع أحد عشر رجلاً أهل خاصة سليمان بأسمائهم وذكر أهل التفسير والقصص أن: ﴿ الذي عنده علم من الكتاب ﴾ هو «آصف بن برخيا» وأنه كان وزير سليمان.

وارتداد الطرف حقيقته: رجوع تحديق العين من جهة منظورة تَحُول عنَها لحظة.

وعبر عنه بالارتداد لأنهم يعبرون عن النظر بإرسال الطرف وإرسال النظر فكان الارتداد استعارة مبنية على ذلك.

وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأن الحكمة مكتسبة لقوله: ﴿ عنده علم من الكتاب ﴾ ، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضاً.

فذكر في هذه القصة مثلاً لتغلب العلم على القوة.

ولما كان هذان الرجلان مسخرَيْن لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى.

ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه الإتيان بعرش بلقيس.

والظاهر أن قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ وقوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ مثلان في السرعة والأسرعية، والضمير البارز في ﴿ رءاه ﴾ يعود إلى العرش.

والاستقرار: التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار.

وهذا استقرار خاص هو غير الاستقرار العام المرادف للكون، وهو الاستقرار الذي يقدر في الإخبار عن المبتدأ بالظرف والمجرور ليكون متعلِّقاً بهما إذا وقعا خبراً أو وقعا حالاً، إذ يقدر (كائن) أو (مستقر) فإن ذلك الاستقرار ليس شأنه أن يصرح به.

وابن عطية جعله في الآية من إظهار المقدر وهو بعيد.

ولما ذَكر الفضل أضافه إلى الله بعنوان كونه ربّه لإظهار أن فضله عليه عظيم إذ هو عبد ربه.

فليس إحسان الله إليه إلا فضلاً محضاً، ولم يشتغل سليمان حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف إلى شكر الله تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة، فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله.

وضرب حكمة خُلقية دينية وهي: ﴿ من شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كَفر فإن ربي غني كريم ﴾ ؛ فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك.

فالكلام في قوله: ﴿ يشكر لنفسه ﴾ لام الأجْل وليست اللام التي يُعدى بها فعل الشكر في نحو ﴿ واشكُروا لي ﴾ [البقرة: 152].

والمراد ب ﴿ من كفر ﴾ من كفر فضل الله عليه بأن عبَد غير الله، فإن الله غني عن شكره وهو كريم في إمهاله ورزقه في هذه الدنيا.

وقد تقدم عند قوله فيما تقدم: ﴿ قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ﴾ [النمل: 19].

والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: ﴿ فإن ربي غني كريم ﴾ دون أن يقول: فإنه غني كريم، تأكيد للاعتراف بتمحض الفضل المستفاد من قوله: ﴿ فضل ربي ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ ﴿ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ الآيَةَ.

حَكى يَزِيدُ بْنُ رُومانَ أنَّهُ لَمّا عادَ رُسُلُها بِالهَدايا قالَتْ: قَدْ واللَّهِ عَرَفْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَلِكٍ وما لَنا بِهِ طاقَةٌ، ثُمَّ بَعَثَتْ إلَيْهِ: إنِّي قادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي ثُمَّ أمَرَتْ بِعَرْشِها فَجَعَلَتْهُ في سَبْعَةِ أبْياتٍ بَعْضُها في جَوْفِ بَعْضٍ وغَلَّقَتْ عَلَيْهِ الأبْوابَ وشَخَصَتْ إلى سُلَيْمانَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ قِيلٍ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ، فَقالَ سُلَيْمانُ حِينَ عَلِمَ قُدُومَها عَلَيْهِ: ﴿ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ الآيَةَ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُسْلِمِينَ أيْ مُسْتَسْلِمِينَ طائِعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أيْ بِحُرْمَةِ الإسْلامِ ودِينِ الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أمَرَ أنْ يُؤْتى بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُوا إلَيْهِ مُسْلِمِينَ؟

قِيلَ عَنْهُ في الجَوابِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أُعْجِبَ بِصِفَتِهِ حِينَ وصَفَهُ الهُدْهُدُ وخَشِيَ أنْ تُسْلِمَ فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ مالُها فَأرادَ أخْذَهُ قَبْلَ أنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ بِإسْلامِها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ أنْ يُعالِيَها بِهِ وكانَتِ المُلُوكُ يُعالُونَ بِالمُلْكِ والقُدْرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عَقْلَها وفِطْنَتَها، وهَلْ تَعْرِفُهُ أوْ تُنْكِرُهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّها خَلَّفَتْهُ في دارِها وأوْثَقَتْهُ في حِرْزِها ثُمَّ جاءَتْ إلى سُلَيْمانَ فَوَجَدَتْهُ قَدْ تَقَدَّمَها، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ العِفْرِيتُ المارِدُ القَوِيُّ، قالَ أبُو صالِحٍ كَأنَّهُ جَبَلٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُبالِغُ في كُلِّ شَيْءٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عِفْرِيَةٌ نِفْرِيَةٌ إذا كانَ مُبالِغًا في الأُمُورِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أصْلُهُ العُفْرُ وهو الشَّدِيدُ، زِيدَتْ فِيهِ التّاءُ فَقِيلَ عِفْرِيتٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن مَجْلِسِكَ وسُمِّيَ المَجْلِسُ مَقامًا لِإقامَةِ صاحِبِهِ فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ يَوْمًا مَعْرُوفًا كانَ عادَةُ سُلَيْمانَ أنْ يَقُومَ فِيهِ خَطِيبًا يَعِظُهم، ويَأْمُرُهم، ويَنْهاهم، وكانَ مَجِيءُ اليَوْمِ تَقْرِيبًا.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ قَبْلَ أنْ تَسِيرَ عَنْ مُلْكِكَ إلَيْهِمْ مُحارِبًا.

﴿ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ لَقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ، وفي الأمِينِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أمِينٌ عَلى ما فِيهِ مِن جَوْهَرٍ ولُؤْلُؤٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: أمِينٌ ألّا آتِيَكَ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أمِينٌ عَلى فَرْجِ المَرْأةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى يَزِيدُ بْنُ رُومانَ أنَّ اسْمَ العِفْرِيتِ كُودِي، وحَكى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ أنَّ اسْمَهُ صَخْرٌ، وحَكى السُّدِّيُّ أنَّهُ آصِفُ بْنُ السَّيْطَرِ بْنِ إبْلِيسَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ سُلَيْمانَ، والعِلْمُ الَّذِي مِنَ الكِتابِ هو ما كَتَبَ اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ، وقَدْ عَلِمَ المَلائِكَةُ مِنهُ كَثِيرًا فَأذِنَ اللَّهُ لَهُ أنْ يُعْلِمَ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ، وأنْ يَأْتِيَهُ بِالعَرْشِ الَّذِي طَلَبَهُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بَعْضُ جُنُودِ سُلَيْمانَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ مِنَ الكِتابِ هو كِتابُ سُلَيْمانَ الَّذِي كَتَبَهُ إلى بِلْقِيسَ وعَلِمَ أنَّ الرِّيحَ مُسَخَّرَةٌ لِسُلَيْمانَ وأنَّ المَلائِكَةَ تُعِينُهُ فَتَوَثَّقَ بِذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ بِالعَرْشِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْهِ طَرْفُهُ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُلَيْمانُ قالَ ذَلِكَ لِلْعِفْرِيتِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُ غَيْرِهِ مِنَ الإنْسِ، وفِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلِيخا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ أسْطُومُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا وكانَ صِدِّيقًا، قالَهُ ابْنُ رُومانَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ذُو النُّورِ بِمِصْرَ، قالَهُ زُهَيْرٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الخَضِرُ، قالَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ.

وَ ﴿ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ ﴾ هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ.

﴿ أنا آتِيكَ بِهِ ﴾ يَعْنِي بِالعَرْشِ.

﴿ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ أقْصى مَن تَنْظُرُ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: قَبْلَ أنْ يَعُودَ طَرَفُكَ إلى مَدِّ بَصَرِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: قَبْلَ أنْ يَعُودَ طَرْفُكَ إلى مَجْلِسِكَ، قالَهُ إدْرِيسُ.

الرّابِعُ: قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي تَنْتَظِرُ وُرُودَهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: أنا مُمِدُّ الطَّرْفِ إلَيْكَ أيْ مُنْتَظِرٌ لَكَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الخامِسُ: قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ طَرْفُ رَجائِكَ خائِبًا لِأنَّ الرَّجاءَ يَمُدُّ الطَّرْفَ والإياسَ يُقَصِّرُ الطَّرْفَ.

السّادِسُ: قَبْلَ أنْ يَنْقُصَ طَرْفُكَ بِالمَوْتِ، أخْبَرَهُ أنَّهُ سَيَأْتِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ.

﴿ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴾ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ طَرْفُهُ لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ عَنِ الكِتابِ دَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وعادَ طَرْفُ سُلَيْمانَ إلَيْهِ فَإذا العَرْشُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَعْلَمْ سُلَيْمانُ ذَلِكَ الِاسْمَ وقَدْ أُعْطِيَ ما أُعْطِيَ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَجَزِعَ سُلَيْمانُ وقالَ: غَيْرِي أقْدَرُ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي، ثُمَّ اسْتَرْجَعَ.

﴿ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ يَعْنِي وصُولَ العَرْشِ إلَيَّ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيَّ طَرْفِي.

﴿ لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ﴾ قالَ زُهَيْرٌ: أأشْكُرُ عَلى العَرْشِ إذْ أُوتِيتُهُ في سُرْعَةٍ أمْ أكْفُرُ فَلا أشْكُرُ إذْ رَأيْتُ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي في الدُّنْيا.

قالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ عَلى الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿ وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ الشُّكْرَ تَأْدِيَةُ حَقٍّ واسْتِدْعاءُ مَزِيدٍ.

﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ﴾ عَنِ الشُّكْرِ ﴿ كَرِيمٌ ﴾ في التَّفَضُّلِ، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ لِسُلَيْمانَ أجْراها اللَّهُ عَلى يَدِ مَنِ اخْتَصَّهُ مِن أوْلِيائِهِ.

وَكانَ العَرْشُ بِاليَمَنِ وسُلَيْمانُ بِالشّامِ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّكَ بِهِ الأرْضَ حَتّى صارَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ﴾ قال: جمعت رؤوس مملكتها، فشاورتهم في أمرها، فاجتمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه.

فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله، وإن ردها تابعته فهو نبي.

فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين فهيئوا له ألف قصر من ذهب وفضة.

فلما رأت رسلها قصور ذهب قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة!

فلما دخلوا بهديتها قال: أتهدونني بمال، ثم قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ فقال كاتب سليمان: ارفع بصرك؛ فرفع بصره.

فلما رجع إليه طرفه إذا هو بسريرها ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ فنزع عنه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شيء فقيل لها ﴿ أهكذا عرشك؟

قالت كأنه هو ﴾ وأمر الشياطين: فجعلوا لها صرحاً من قوارير ممرداً، وجعل فيها تماثيل السمك فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح...

وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا فيها الشعر.

فعند ذلك أمر بصنعة النورة فقيل لها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ أفتوني في أمري ﴾ تقول: أشيروا علي برأيكم ﴿ ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ﴾ تريد: حتى تشيروا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، تحت يدي كل قيول مائة ألف مقاتل، وهم الذين قالوا ﴿ نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان أول مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً.

كل رجل منهم على عشرة آلاف من الرجال.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: بالسيف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت بلقيس ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: يقول الرب تبارك وتعالى ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: أرسلت بلبنة من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله: ﴿ أتمدوننِ بمال ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت إني باعثة إليهم بهدية، فمصانعتهم بها عن ملكي أن كانوا أهل دنيا.

فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب، صغر في أعينهم الذي جاؤوا به.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج.

فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن، فموّهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به، فألقي في الطريق.

فلما جاؤوا ورأوه ملقى في الطريق وفي كل مكان قالوا: جئنا نحمل شيئاً نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه.

فصغر في أعينهم ما جاؤوا به.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: جوار لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهن لباس الجواري.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بثمانين من وصيف ووصيفة، وحلقت رؤوسهم كلهم، وقالت: إن عرف الغلمان من الجواري فهو نبي، وإن لم يعرف الغلمان من الجواري فليس بنبي.

فدعا بوضوء فقال: توضئوا.

فجعل الغلام يأخذ من مرفقيه إلى كفيه، وجعلت الجارية تأخذ من كفها إلى مرفقها فقال: هؤلاء جوار وهؤلاء غلمان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: كانت هدية بلقيس لسليمان مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية.

الغلمان والجواري على هيئة واحدة، لا يعرف الجواري من الغلمان، ولا الغلمان من الجواري.

على كل فرس لون ليس على الآخر وكانت أول هديتهم عند سليمان وآخرها عندها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الهدية.

وصفان، ووصائف، ولبنة من ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت الهدية.

جواهر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الهدية لما جاءت سليمان بين الغلمان والجواري امتحنهم بالوضوء.

فغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها، وغسلت الجواري بطون السواعد قبل ظهورها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت: إن هو قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه دون ملككم، وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله.

فبعثت إليه بهدية غلمان في هيئة الجواري وحليهم، وجوار في هيئة الغلمان ولباسهم، وبعثت إليه بلبنات من ذهب، وبخرزة مثقوبة مختلفة، وبعثت إليه بقدح، وبعثت إليه تعلمه.

فلما جاء سليمان الهدية أمر الشياطين، فموّهوا لبن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة، فلما رأى ذلك رسلها قالوا: أين نذهب باللبنات في أرض هؤلاء وحيطانهم ذهب وفضة؟!

فحسبوا اللبنات وأدخلوا عليه ما سوى ذلك وقالوا: أخرج لنا الغلمان من الجواري.

فأمرهم فتوضأوا، وأخرج الغلمان من الجواري.

أما الجارية فافرغت على يدها، وأما الغلام فاغترف، وقالوا: ادخل لنا في هذه الخرزة خيطاً.

فدعا بالدساس فربط فيه خيطاً فأدخله فيها، فجال فيها واضطرب حتى خرج من الجانب الآخر.

وقالوا: املأ لنا هذا القدح بماء ليس من الأرض ولا من السماء.

فأمر بالخيل فأجريت حتى إذا اربدت مسح عرقها فجعله فيه حتى ملأه.

فلما رجعت رسلها فأخبروها: أن سليمان رد الهدية.

وفدت إليه وأمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات وغلقت عليها فأخذت المفاتيح.

فلما بلغ سليمان ما صنعت بعرشها ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: قال للهدهد ﴿ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ﴾ يعني من الانس والجن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم صالح في قوله: ﴿ لا قبل لهم بها ﴾ قال: لا طاقة لهم بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما بلغ سليمان أنها جاءته وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه.

وكان عرشها من ذهب، وقوائمه من لؤلؤ وجوهر، وكان مستتراً بالديباج والحرير، وكان عليه سبعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم.

وقد علم نبي الله سليمان أن القوم متى ما يسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم فقال: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ قال: سرير في أريكة.

وأخرج ابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ قال: طائعين.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: مارد ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مقعدك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ قال عفريت ﴾ قال: عظيم كأنه جبل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم العفريت.

كوزن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: اسمه كوزي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: هو صخر الجني ﴿ وإني عليه لقوي ﴾ قال: على حمله ﴿ أمين ﴾ قال: على ما استودع فيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء.

وكان سليمان إذا جلس للقضاء لم يقم حتى تزول الشمس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: على جوهره.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: إني أريد أعجل من هذا ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: فخرج العرش من نفق من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن سلمة قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: أريد أعجل من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: آصف: كاتب سليمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: هو آصف بن برخيا.

وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان اسمه أسطوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: هو الخضر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هو رجل من الإِنس يقال له: ذو النور.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: كان اسمه تمليخا.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو ياذا الجلال والإِكرام.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: ادامة النظر حتى يرتد إليك الطرف خاسئاً.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» قال: فتكلم ذلك العالم بكلام، دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: قال لسليمان: انظر إلى السماء قال: فما اطرق حتى جاءه به فوضعه بين يديه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: دعاء الذي عنده من الكتاب.

يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: ائتني بعرشها.

قال: فمثل له بين يديه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سابط قال: دعا باسمه الأعظم، فدخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: دعا باسم من أسماء الله.

فإذا عرشها يحمل بين عينيه.

ولا يدري ذلك الاسم.

قد خفي ذلك الإِسم على سليمان وقد أعظم ما أعطى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: كان رجلاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي.

وارتداد الطرف أن يرى ببصره حيث بلغ ثم يرد طرفه.

فدعاه فلما رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله مني.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذا أتيت بالعرش ﴿ أم أكفر ﴾ إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: زيد فيه ونقص ل ﴿ ننظر أتهتدي ﴾ قال: لننظر إلى عقلها.

فوجدت ثابتة العقل.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: تنكيره أن يجعل أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، ويزاد فيه أو ينقص منه، فلما جاءت ﴿ قيل أهكذا عرشك ﴾ قالت ﴿ كأنه هو ﴾ شبهته به وكانت قد تركته خلفها فوجدته أمامها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما دخلت وقد غير عرشها.

فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها قيل ﴿ أهكذا عرشك ﴾ فرهبت أن تقول نعم هو.

فيقولون: ما هكذا كان حليته ولا كسوته، ورهبت أن تقول ليس هو، فيقال لها: بل هو ولكنا غيرناه.

فقالت كأنه هو.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله: أوتينا معرفة الله وتوحيده.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله.

وفي قوله: ﴿ وصدها ما كانت تعبد من دون الله ﴾ قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق.

في قوله: ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير، وكانت بلقيس عليها شعر، قدماها حافر كحافر الحمار، وكانت أمها جنية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الصرح من زجاج وجعل فيه تماثيل السمك.

فلما رأته وقيل لها: أدخلي الصرح.

فكشفت عن ساقيها وظنت أنه ماء قال: ﴿ والممرد ﴾ : الطويل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان قد نعت لها خلقها، فأحب أن ينظر إلى ساقيها، فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح ﴾ فلما رأته ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها، فنظر إلى ساقيها أنه عليهما شعر كثير، فوقعت من عينيه وكرهها، فقالت له الشياطين: نحن نصنع لك شيئاً يذهب به.

فصنعوا له نورة من أصداف، فطلوها فذهب الشعر، ونكحها سليمان عليه السلام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله قالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ قال: ظنت أنه ماء.

وأن سليمان أراد قتلها فقالت: أراد قتلي- والله- على ذلك، لأقتحمن فيه.

فلما رأته أنه قوارير عرفت أنها ظلمت سليمان بما ظنت.

فذلك قولها ﴿ ظلمت نفسي ﴾ وإنما كانت هذه المكيدة من سليمان عليه السلام لها.

إن الجن تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد كنتم تصيبون من سليمان غرة، فإن نكح هذه المرأة اجتمعت فطنة الوحي والجن فلن تصيبوا له غرة.

فقدموا إليه فقالوا: إن النصيحة لك علينا حق، إنما قدماها حافر حمار.

فذلك حين ألبس البركة قوارير، وأرسل إلى نساء من نساء بني إسرائيل ينظرنها إذا كشفت عن ساقيها.

ما قدماها؟

فإذا هي أحسن الناس ساقاً من ساق شعراء، وإذا قدماها هما قدم إنسان، فبشرن سليمان.

وكره الشعر، فأمر الجن، فجعلت النورة.

فذلك أول ما كانت النورة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفراً قعد على سريره، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً، فيؤذن للإِنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الانس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتظلهم، وأمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم.

غدوها شهر، ورواحها شهر، رخاء حيث أراد.

ليس بالعاصف، ولا باللين، وسطا بين ذلك.

وكان سليمان يختار من كل طير طيراً، فيجعله رأس تلك الطير.

فإذا أراد أن يسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها.

فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فقال: كم بعد الماء ههنا؟

فسأل الإِنس فقالوا: لا ندري!

فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري!

فغضب سليمان وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟

فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه.

فقال سليمان: عليَّ بالهدهد.

فلم يوجد، فغضب سليمان وقال: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يقول: بعذر مبين غيبه عن مسيري هذا.

قال: ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى لها بستاناً خلف قصرها، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان فقال له: هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟

فقال له هدهد بلقيس: ومن سليمان؟!

فقال: بعث الله رجلاً يقال له: سليمان رسولاً وسخر له الجن والانس والريح والطير.

فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟

قال: أقول لك ما تسمع.

قال: إن هذا لعجب!

وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة ﴿ وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ جعلوا الشكر لله: أن يسجدوا للشمس من دون الله.

قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير فقالوا: تواعدك رسول الله، وأخبروه بما قال.

وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبداً ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً.

قال الهدهد: وما استثنى نبي الله؟

قالوا: بلى.

قال: أو ليأتيني بعذر مبين.

فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري؟

قال: ﴿ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ قال: بل اعتللت ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ وكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى بلقيس ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين ﴾ فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها، ألقى في روعها أنه كتاب كريم، وإنه من سليمان و ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين...، قالوا نحن أولوا قوة ﴾ قالت ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها...، وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم.

فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قيل مع كل قيل مائة ألف.

قال: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه.

فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال: ما هذا؟

قالوا: بلقيس يا رسول الله قال: وقد نزلت منا بهذا المكان؟

قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة قال: فأقبل على جنوده فقال: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟

قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ .

قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء، ثم يقوم قال سليمان: أريد اعجل من ذلك.

قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا انظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.

فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه، رد سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان.

من تحت كرسي كان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقراً عنده ﴿ قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي ﴿ أم أكفر ﴾ إذ جعل من هو تحت يدي أقدر على المجيء مني، ثم ﴿ قال نكروا لها عرشها...، فلما جاءت ﴾ تقدمت إلى سليمان ﴿ قيل لها أهكذا عرشك فقالت كأنه هو ﴾ ثم قالت: يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرني به قال: سلي.

قالت: أخبرني عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء.

قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإِنس عنه، فإن كان عند الإِنس منه علم...

وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا يا رسول الله!

مر بالخيل فتجري ثم لتملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان: عرق الخيل قالت: صدقت قالت: فأخبرني عن لون الرب قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك؟

قال: يا رب أنت أعلم بما قالت قال: فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال: ففعل سليمان ذلك.

فلما دخلوا عليه جميعاً قال لها: عم سألتيني؟

قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء قال: قلت لك عرق الخيل قالت: صدقت.

قال: وعن أي شيء سألتيني؟

قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا قال لها سليمان: فلأي شيء خررت عن سريري؟!

قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو.

فسأل جنودها فقالوا: مثل قولها.

فسأل جنوده من الإِنس، والجن، والطير، وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله عن شيء إلا عن ماء رواء قال: وقد كان.

قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع ثمة إلى مكانك فإني قد كفيتكم فقال سليمان للشياطين: ابنو لي صرحاً تدخل علي فيه بلقيس، فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا لسليمان: يا رسول الله قد سخر الله لك ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك له من العبودية أبداً قال: وكانت امرأة شَعْرَاء الساقين فقالت الشياطين: ابنو له بنياناً كأنه الماء يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحاً من قوارير، فجعلوا له طوابيق من قوارير، وجعلوا من باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر.

من السمك وغيره ثمَّ اطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح.

فألقي كرسياً في أقصى الصرح.

فلما دخله أتى الكرسي فصعد عليه ثم قال: أدخلوا عليَّ بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب ﴿ حسبته لجة فكشفت عن ساقيها ﴾ لتدخل.

وكان شعر ساقها ملتوياً على ساقيها.

فلما رآه سليمان ناداها وصرف وجهه عنها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ فألقت ثوبها وقالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .

فدعا سليمان الإِنس فقال: ما أقبح هذا!

ما يذهب هذا!

قالوا: يا رسول الله الموسى.

فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة، ثم دعا الشياطين فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس: فإنه لأول يوم رؤيت فيه النورة قال: واستنكحها سليمان عليه السلام.

قال ابن أبي حاتم: قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث!

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي من أراد من الانس والجن، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم.

فبينا هو يسير إذ عطشوا فقال: ما ترون بعد الماء؟

قالوا: لا ندري.

فتفقد الهدهد وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ وكان عذابه إذا عذب الطير نتفه، ثم يجففه في الشمس ﴿ أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يعني بعذر بين.

فلما جاء الهدهد استقبلته الطير فقالت له: قد أوعدك سليمان فقال لهم: هل استثنى؟

فقالوا له: نعم.

قد قال: إلا أن يجيء بعذر بين.

فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين ﴾ فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك.

فقال الذي عنده علم من الكتاب ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني سرب في الأرض قال سليمان: غيروه.

فلما جاءت ﴿ قيل لها أهكذا عرشك ﴾ فاستنكرت السرعة ورأت العرش ﴿ فقالت كأنه هو..، قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته ﴾ لجة ماء ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا هي امرأة شعراء فقال سليمان: ما يذهب هذا؟

فقال بعض الجن: أنا أذهبه.

وصنعت له النورة.

وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها بلقيس.

وأخرج ابن عساكر عن عكرمة قال: لما تزوج سليمان بلقيس قال: ما مستني حديدة قط فقال للشياطين: أنظروا أي شيء يذهب بالشعر غير الحديد؟

فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها شياطين سليمان.

وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من صنعت له الحمامات سليمان» .

وأخرج الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من دخل الحمام سليمان، فلما وجد حره أوَّهَ من عذاب الله» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما قدمت ملكة سبأ على سليمان رأت حطباً جزلاً فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن هذا الدخان؟

فقال: أنا أعلم فكيف مولاي؟

قالت: فكم وزنه؟

فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق، ثم يوزن الرماد فما نقص فهو دخانه.

وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً، مكتوب على طرف العمامة بالذهب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلاب الدنيا.

وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي قال: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان وأمهرها باعلبك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ قال محمد بن إسحاق: هو آصف بن بَرْخيا، وكان صدِّيقًا، يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به الله أجاب (١) (٢) وقال قتادة: هو رجل من بني إسرائيل كان يعلم الاسم الذي إذا دعىِ به أجاب، اسمه كليخا (٣) وقال أبو صالح وشعيب بن حرب (٤) (٥) وقال عطاء عن ابن عباس: هو جبريل (٦) وقال ابن زيد: هو رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، فخرج ذلك اليوم ينظر مَنْ ساكن الأرض، فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله فجيء بالعرش (٧) ومعنى: ﴿ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ علم اسم الله الأعظم، على ما ذكره المفسرون (٨) ﴿ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ هو سليمان  (٩) (١٠) (١١) ﴿ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ لسليمان.

وكيف يصح أن يقال: ﴿ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ هو سليمان؟.

وقوله: ﴿ أَنَا آتِيكَ ﴾ أمال حمزة (ءَاتِيكَ) أشم الهمزة شيئًا من الكسر (١٢) (١٣) وقوله: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ قال محمد بن إسحاق: قال له آصف: تمد عينيك، فلا ينتهي إليك طرفك إلى مداه حتى أُمثِّلَه بين يديك (١٤) (١٥) ونحو هذا روى عكرمة عن ابن عباس، في كيفية حصول العرش عند سليمان؛ قال: لم يخر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض، ولكنه انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان (١٦) وقال ابن سابط: دخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان (١٧) وقال مجاهد: خرج العرش من نفق في الأرض (١٨) وقال الكلبي: خر آصف ساجدًا ودعا باسمه الأعظم، فعاد عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان (١٩) وقال مقاتل: احتمل السرير احتمالًا فوضع بين يدي سليمان (٢٠) وقال أهل المعاني: الله عز وجل قادر على ذلك بأن يُعدمه من حيث كان، ثم يوجده، حيث كان سليمان بلا فصلٍ، بدعاء ﴿ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ (٢١) (٢٢) وقال شعيب بن حرب: قال الذي جاء بعرشها: إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحداً لا إله إلا أنت أئت به؛ فإذا هو مستقر عنده (٢٣) (٢٤) وروت عائشة عن النبي -  - أن الاسم الذي دعا به آصف: يا حي يا قيوم.

وهو قول الكلبي (٢٥) وأما تفسير قوله: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ فقد ذكرنا فيه قول محمد ابن إسحاق؛ وهو انتهاء طرفه إلى مداه، وهذا ضد الارتداد وإنما يصح تفسيره بتقدير محذوف في الآية؛ كأنه: قبل أن يرتد إليك طرفك بعد الانتهاء، فحذف ذكر الانتهاء؛ لأن الارتداد يدل عليه، وذلك أنه لا يرتد إليه طرفه إلا بعد مده إياه، حتى ينتهي طرفه ثم يعود إليه (٢٦) وقال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طَرُف (٢٧) (٢٨) ومعنى: ﴿ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ يعود إليك بصرك بعد مده إلى منتهاه.

وفسر مجاهد ارتداد الطرف تفسيرًا صالحًا؛ فقال: هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئًا (٢٩) وقال مقاتل: يقول قبل أن ينتهي إليك الذي هو على منتهى بصرك وهو جاءٍ إليك (٣٠) وقال الكلبي: يقول قبل أن يأتيك الشخص من مد النظر (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وفي ارتداد الطرف قول ثالث؛ قال أبو إسحاق: قيل هو مقدار ما يفتح عينه ثم يَطْرُف؛ قال: وهذا أشبه بارتداد الطرف، ومثله من الكلام: فَعَل ذلك في لحظة عين؛ أي: في مقدار ما نظر نظرة واحدة (٣٥) والإتيان بالعرش كان كرامة للولي، ومعجزة للنبي، فلا ينكر سرعة حصول ذلك، إذ كان الله تعالى قادرًا على تحصيله عنده في أسرع من لمحة ولحظة.

فهذه ثلاثة أقوال في تفسير قوله: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَآهُ ﴾ في الآية محذوف تقديره: فدعا الله فأتى به ﴿ فَلَمَّا رَآهُ ﴾ أي: رأى العرش مستقرًا عنده ثابتًا بين يديه {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّى} هذا النصر والتمكين في المُلك من فضل ربي وعطائه (٣٦) قال قتادة: والله ما جعله فخرًا ولا بطرًا، ولكن جعله منة لله وفضلًا منه ونعمة (٣٧) ﴿ لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ ﴾ على ما أعطاني ﴿ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ .

وقال مقاتل: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ﴾ هذا السرير ﴿ مِنْ فَضْلِ رَبِّي ﴾ أعطانيه (٣٨) ﴿ لِيَبْلُوَنِي ﴾ قال: يقول: ليختبرني ﴿ أَأَشْكُرُ ﴾ الله في نعمه إذ أُتيت بالعرش ﴿ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ إذ رأيت مَنْ هو دوني أعلم مني.

ثم عزم الله له على الشكر فقال: ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي: لأجل نفسه يفعل ذلك (٣٩) ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ﴾ عن شكره ﴿ كَرِيمٌ ﴾ بالإفضال على من كفر نعمه (٤٠) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2886، عنه، وعن يزيد بن رومان.

وهو في "البداية والنهاية" 2/ 23.

(٢) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2885، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير.

و"تفسير مقاتل" 59 ب.

و"تفسير هود الهواري" 3/ 254، ولم ينسبه.

وأخرجه ابن جرير 19/ 163، عن محمد بن إسحاق.

وأخرجه من طريق الضحاك الثعلبي 8/ 129ب.

واقتصر عليه الواحدي، في "الوسيط" 3/ 378، و"الوجيز" 2/ 804.

(٣) أخرجه بسنده عبد الرزاق 2/ 82، دون ذكر الاسم.

وأخرجه ابن جرير 19/ 162، من طريقين؛ إحداهما: مثل رواية عبد الرزاق، والثانية: فيها ذكر الاسم فقط، ولفظه: بليخا.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2886، واسمه: آصف.

وفي "تفسير الثعلبي" 8/ 130 أ، اسمه: مليخا.

وهذا الاختلاف في تعيين اسمه مما لا طائل تحته، ولا يفيد التعيين في معنى الآية شيئًا؛ فالأولى تركه.

(٤) شعيب بن حرب المدائني، أبو صالح، نزيل مكة، ثقة عابد، روى عن إسماعيل بن مسلم العبدي، وشعبة، وسفيان، وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل، وعلي بن بحر، وغيرهم.

مات سنة 197.

"السير" 9/ 188، و"تقريب التهذيب" 437.

(٥) أخرجه بسنده عبد الرزاق 2/ 82، عن الكلبي.

وأخرجه ابن جرير 19/ 162، 163، عن أبي صالح، وابن جريج.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2885، عن أبي صالح، وزهير بن محمد.

وأخرج أيضًا عن أبي صالح أنه قال: هو الخضر.

وكل هذه الأقوال لا دليل عليها، والأولى الوقوف عند ظاهر الآية، والله أعلم.

(٦) "تفسير هود الهواري" 3/ 255، و"تفسير الثعلبي" 8/ 129 ب، ولم ينسباه.

(٧) أخرجه ابن جرير 19/ 163.

والثعلبي 8/ 1130.

وذكر ابن كثير قولاً غريبًا، وهو.

أنه كان من الجن.

"البداية والنهاية" 2/ 23.

وكل هذه الأقوال مما لا فائدة من البحث فيها، والأولى الوقوف عند ظاهر الآية.

والله أعلم.

(٨) "تفسير مقاتل" 59 ب.

وسيذكر أقوالهم الواحدي بعد ذلك.

(٩) ذكره الثعلبي 8/ 130 أ.

(١٠) المعتزلة من الفرق الكلامية التي نشأت في أواخر العصر الأموي، على يد واصل بن عطاء الذي اعتزل الجماعة بعد خلافه مع الحسن البصري، في القدر، في أوائل المائة الثانية، فكان مع أصحابه يجلسون معتزلين فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، عظم شأنهم في العصر العباسي، والمعتزلة يعتمدون على العقل المجرد في فهم العقيدة الإِسلامية لتأثرهم بالفلسفة اليونانية، ولا يقيمون للنصوص الشرعية إذا خالفت عقولهم وزنًا ولا قدرًا، ولهم أصول خمسة هدموا بها كثيرًا من الدين؛ وهي: 1 - التوحيد، وهو عندهم توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات؛ فقالوا: إن الله لا يرى، وأن القرآن مخلوق، وأنه ليس فوق العالم، وأنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع، ولا بصر ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات.

2 - العدل، ومضمونه عندهم أن الله لم يشأ جميع الكائنات، ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شره.

3 - المنزلة بين المنزلتين، في مرتكب الكبيرة فإنه عندهم يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر.

4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومضمونه جواز الخروج على أئمة المسلمين بالقتال إذا جاروا؛ دون تقييد ذلك بالكفر البواح الصريح.

5 - إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يُخرج أحدًا منهم من النار.

"مجموع الفتاوى" 13/ 357، و"شرح العقيدة الطحاوية" 298، 520، و"الفرق بين الفرق" 21.

(١١) ذكره الطوسي، عن الجبائي.

"التبيان في تفسير القرآن" 8/ 96.

وذكره الزمخشري 3/ 355، مع غيره من الأقوال، ولم يرجح بينها.

قال ابن أبي العز: والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنباء بالمعجزات، لكن كثير منهم == لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم في منهم إنكار خوارق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك.

"شرح العقيدة الطحاوية" 150.

(١٢) "السبعة في القراءات" 482، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 390.

(١٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 391، بشيء من التصرف.

(١٤) أخرجه ابن جرير 19/ 164.

(١٥) أخرجه ابن جرير 19/ 164.

وابن أبي حاتم 9/ 2887.

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 294، ونسبه لابن عباس.

وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 165، وابن أبي حاتم 9/ 2887، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير.

(١٧) أخرجه ابن أبي شيبة عن مجاهد، المصنف 6/ 336.

وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 361، عن ابن سابط، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٨) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2887، عنه، وعن عبد الله بن شداد.

و"تفسير مجاهد" 2/ 472.

(١٩) "تفسير الوسيط" 3/ 378، ونسبه للكلبي.

(٢٠) "تفسير مقاتل" 59 ب.

(٢١) ذكره الطوسي، ولم ينسبه.

"التبيان في تفسير القرآن" 8/ 97.

وذكره في "الوسيط" 3/ 378، ولم ينسبه.

وهذا أحسن مما سبق مما لا دليل عليه.

(٢٢) أخرجه ابن جرير 19/ 163، وابن أبي حاتم 9/ 2886، عن مجاهد.

و"تفسير مجاهد" 2/ 472.

و"تفسير مقاتل" 59 ب.

و"تفسير هود الهواري" 3/ 254، ولم ينسبه، وزاد: والمنن العظام، والعز الذي لا يرام.

(٢٣) ذكره الزجاج، "معاني القرآن" 4/ 121، ولم ينسبه.

ونسبه في "الوسيط" 3/ 378، لبكر بن عبد الله.

(٢٤) أخرجه ابن جرير 19/ 163، وابن أبي حاتم 9/ 2886.

وذكره الثعلبي 8/ 130 أ.

(٢٥) ذكره الثعلبي 8/ 130 أ.

وهو في "تنوير المقباس" 318، غير مرفوع.

وذكره مرفوعًا القرطبي 13/ 204.

وذكره البغوي منسوبًا لعائشة، ولعله أقرب.

والله أعلم.

وكون يا حي يا قيوم هو الاسم الذي إذا دعي الله به أجاب ثابت؛ فعن أنس؟، قال: كنت مع النبي -  -، فدعا رجل فقال: يا بديع السماوات يا حي يا قيوم إني أسألك، فقال: (أتدرون بما دعا؟

والذي نفسي بيده دعا الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب).

أخرجه البخاري، الأدب المفرد 141، باب: الدعاء عند الاستخارة.

وأخرج أبو داود 2/ 167، كتاب الصلاة، رقم: 1495.

وأخرجه النسائي في السنن الكبرى 1/ 386، رقم: 1223.

وهو في صحيح الأدب المفرد 262، رقم: 543.

(٢٦) وجعله ابن كثير أقرب الأقوال.

"البداية والنهاية" 2/ 24.

(٢٧) الطَّرْف: إطباق الجفن على الجفن.

"تهذيب اللغة" 13/ 319 (طرف).

(٢٨) أخرجه ابن جرير 19/ 164.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2887، عنه، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

وذكره الثعلبي 8/ 1130.

(٢٩) أخرجه ابن جرير 19/ 164، وابن أبي حاتم 9/ 2889.

وذكره الثعلبي 8/ 130 أ.

(٣٠) "تفسير مقاتل" 59 ب.

(٣١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 82.

وهو في "تنوير المقباس" 318.

بمعناه.

وذكره الثعلبي 8/ 130 أ، عن قتادة.

(٣٢) ذكره ابن قتيبة، غريب القرآن 324، ونسبه لأبي صالح.

واقتصر عليه الهواري 3/ 254.

وأخرج ابن جرير 19/ 164، عن سعيد بن جبير.

(٣٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 294.

(٣٤) ذكره الثعلبي 8/ 130 أ، بمعناه.

(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 121، وذكر هذا القول ابن قتيبة، في غريب القرآن 324، ولم ينسبه.

(٣٦) "تفسير ابن جرير" 19/ 165.

(٣٧) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2889.

(٣٨) "تفسير مقاتل" 59 ب.

(٣٩) "تفسير مقاتل" 59 ب وتبعه على ذلك الهواري 3/ 255، فقال ..

كأنه وقع في نفسه مثل الحسد له، ثم فكر، فقال: أليس هذا الذي قدر على ما لم أقدر عليه مسخرًا لي.

ونسبه لابن عباس، بدون إسناد، وأخرجه ابن جرير 19/ 165، عنه من طريق عطاء الخرساني.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2889، عن السدي.

وكيف يظن بنبي الله سليمان  مثل ذلك.

والله أعلم.

(٤٠) "تفسير الثعلبي" 8/ 130 ب.

وهو بنصه، في "تفسير الوسيط" 3/ 378.

ولم ينسبه.

ويمكن أن يحمل: الكريم، هنا على الصفوح.

"تأويل مشكل القرآن" 494.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب ﴾ هو آصف بن برخيا، وكان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم وقيل: هو الخضر، وقيل هو جبريل، والأول أشهر، وقيل سليمان وهذا بعيد ﴿ آتِيكَ بِهِ ﴾ في الموضعين: يحتمل أن يكون فعلاً مستقلاً او اسم فاعل ﴿ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ الطرف العين، فالمعنى على هذا قبل أن تغمض بصرك إذا نظرت إلى شيء وقيل: الطرف تحريك الأجفان إذا نظرت ﴿ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ﴾ قيل: هنا محذوف تقديره: فجاءه الذي عنده، علم من الكتاب بعرشها، ومعنى مستقرّاً عنده حاصلاً عنده وليس هذا بمستقر الذي يقدر النحويون تعلق المجرورات به خلافاً لمن فهم ذلك ﴿ يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي منفعة الشكر لنفسه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.

وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.

﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.

﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.

﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.

الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.

وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.

الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.

﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.

الآخرون بالتشديد.

وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.

الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.

فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.

وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.

قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.

الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.

والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.

قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.

فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".

وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.

ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.

وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله  قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.

قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.

ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.

والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".

قال المفسرون: إنه  جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله  الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.

يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.

وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.

وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.

وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.

والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.

والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.

والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.

والقطاة تقول: من سكت سلم.

والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.

والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.

والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.

والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.

ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.

وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.

وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله  "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.

يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.

خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.

ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.

قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.

ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.

ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله  ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.

وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".

وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.

وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.

وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.

وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله  إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.

وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.

قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.

وما روي أنه  ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.

وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.

وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.

ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.

يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.

القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.

ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.

وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.

وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.

ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.

وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟

قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.

فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.

وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.

وأرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.

فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.

وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.

وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.

وقيل: إيداعه القفص.

وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.

وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.

وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.

ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.

وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.

ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.

ثم أخبر الله  أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.

وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.

والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.

وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.

وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.

ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.

والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.

﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.

﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.

ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.

يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.

وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان  .

قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.

والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.

والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.

وفي تخصيص وصف الله  في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله  في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.

ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.

ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.

ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول  ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.

وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.

وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.

وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.

وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟

فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.

يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال  "كرم الكتاب ختمه" .

وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.

ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟

فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.

سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟

والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.

أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله  .

و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.

يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.

قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.

ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.

والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.

ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.

ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.

وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.

قال  "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.

ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.

فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.

فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟

وقال: أين الحق؟

وأخبرهم بما فيه.

ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.

والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.

ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.

بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.

والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.

مع كل قيل ألوف.

وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.

وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.

وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".

قالوا: كان اسمه ذكوان.

و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.

ومعنى.

﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.

وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.

وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.

وقيل: إلى انتصاف النهار.

﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.

واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر  .

وقيل: جبرائيل.

وقيل: ملك أيد الله به سليمان.

وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.

وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.

وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.

ومنها قول سليمان.

﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.

واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.

وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.

وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.

وما ذلك العلم؟

قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.

والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.

ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.

والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.

يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.

ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.

وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.

وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.

وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.

قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.

﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.

زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.

قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.

وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.

﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.

وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.

أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.

﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.

والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.

وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.

والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.

ثم قال  ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.

ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.

قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.

وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.

عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟

فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.

فقال: النكاح من الإسلام.

فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.

وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.

﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.

قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.

وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.

قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.

أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.

وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.

وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.

﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.

وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.

﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.

تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.

والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.

﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.

﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.

سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.

آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.

والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ ﴾ : الرسول الذي بعثت معه بلقيس الهدية.

ويحتمل: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ ﴾ المال الذي بعثت إليه؛ يحتمل ذا أو ذا.

وقوله: ﴿ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ أي: أتعطونني بمال، وقال أهل الأدب: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ من المدد، والمدد الزيادة كما يمد القوم، ويكون الإعطاء كقوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، ويحتمل هذه الزيادة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ ﴾ أي: ما آتاني الله من النبوة والعلم والحكمة خير مما آتاكم من الأموال.

ويحتمل: ﴿ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ ﴾ فأوتيكم إذا أتيتموني مسلمين ﴿ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ ﴾ ؛ إذ لم تؤتوني وأوتيتم الإسلام، أو كلام نحو هذا.

وقال بعض أهل التأويل: فما آتاني الله من الملك خير مما آتاكم من الملك؛ لأنه سخر له الجن والإنس والشياطين والطيور والرياح وجميع الأشياء، فذلك خير له وأعظم من ملكها.

والأول أشبه وأقرب؛ إذ لا يحتمل أن يفتخر سليمان بملكه على غيره، إنما يكون افتخاره بالدين والنبوة؛ والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ : قال بعضهم: بل أنتم بهديتكم تفرحون إذا ردت إليكم، لكن هذا بعيد: لا تفرح برد الهدية إذا ردت إليها، ولم تقبل بل تحزن على ذلك وتهتم، لكنه يقول - والله أعلم - بل أنتم أولى بالفرح بالمال والهدايا منا؛ إذ مرادكم المال والدنيا، ومرادنا الدين ودار الآخرة، أو كلام نحو هذا، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ : قال ذلك - والله أعلم - للرسول الذي أتاه بالهدية: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ ، أي: لنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها إن لم يأتوني مسلمين، ﴿ وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ إن لم يأتوني مسلمين.

ثم قال سليمان -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ ﴾ إنما خاطب به أشراف قومه، وهكذا العادة في الملوك أنهم إذا خاطبوا أحداً بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمنزلة منهم.

﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إنما قال هذا لأنه علم نبي الله متى أسلموا يحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يحرم ذلك عليه، لكن هذا محال بعيد وفحش من القول لا يحتمل أن يكون رغبة سليمان في الأموال هذا الذي ذكر بعدما رد هداياها إليها، وأخبر: إنكم تفرحون بها؛ لأنكم أهل دنيا؛ إذ رغبة أهل الدنيا في الأموال، ونحن أهل الدين رغبنا في الدين به نفرح، ويستعجل كل هذا الاستعجال رغبة في مالها وعرشها.

لكنه - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: أنه أراد أن يريهم قوته وسلطانه أن يرفع واحد من جنوده عرشها - مع عظمه - بمعاينة منهم ومشاهدة وحمله من بينهم؛ ليعلموا أن من قدر على ذلك لقادر أن يأتيهم بجنود لا طاقة لهم تصديقاً لما قال: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ ، ويقدر على قهرهم وغلبتهم.

والثاني: أراد أن يريهم آية من آيات نبوته إذا أتوه ﴿ قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك.

وهذا التأويل الذي ذكرنا آية، لكنه قبل أن يأتوه؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك.

وقوله: ﴿ قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ أي: مصالحين، وذلك جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ : قال بعضهم: مقامه: مجلسه الذي كان يقضي فيه إلى أن يفرغ من قضائه حتى يؤتى به.

﴿ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾ : لأن الجن أقوى من الإنس وصف نفسه بالأمانة؛ لأن الجن لا يرغبون في الأموال ما يرغب الإنس.

وقال بعضهم: أمين على فرج تلك المرأة.

مقامه: مجلس الرجل يكون فيه حتى يقوم، ولكن لا ندري ما أراد بمقامه الذي ذكر.

وقال بعضهم: أراد سليمان أن يكون أعجل من ذلك ﴿ قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ذكر أنه كان رجلا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ .

ثم اختلف في ارتداد طرفه.

قال بعضهم: هو أن يبعث رسولا إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.

وقال بعضهم: هو الرجل ينظر إلى الشيء البعيد قبل أن يرجع إليه طرفه.

﴿ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ﴾ : قال بعضهم: دخل في نفق الأرض، فخرج بين يدي سليمان - يعني: العرش - كأنه - والله أعلم - أتاه إذ دعاه بذلك الاسم، من غير أن تكلف هو حمله أو إتيانه؛ فهذا يدل أن الآيات قد تجري على غير أيدي الرسل، لكن تكون الآية للرسول وإن كانت تجري على أيدي غيره.

ثم قال: ﴿ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ : قال بعضهم: والله ما جعله فخرا ولا أشرا ولا بطرا، لكنه جعله شكرا وتواضعا.

وقال بعضهم: لما دعا ذلك الرجل بذلك الاسم فرآه مستقرا عنده، وقع في قلب سليمان شيء وخطر بباله أنى يكون رجل عنده علم ما ليس عنده من العلم، قال: فعزم الله له على الخبر.

وقيل له: إنه ممن خولك الله، فقال سليمان: ﴿ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ ، يقول: ما أعطى ذلك الرجل ما لم يعطني ﴿ لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ ﴾ إذا كان مثله تحت يدي.

﴿ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ ، لكن لا يحتمل أن يشكر الله على ما أعطى غيره.

ثم يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ إتيانه أولئك مسلمين؛ أو النبوة والعلم الذي آتاه الله، قال: ذلك من فضل ربي، أراد تسخير ما سخر له ﴿ لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ ، أي: يمتحنني أأشكر أم أكفر؟

﴿ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ ليعلم أنه إنما يمتحن بالشكر، ويأمره به لا لمنفعة الممتحن ولكن لمنفعة المأمور به.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ : غني: عن شكره، كريم: يقبل القليل منه واليسير.

وقوله: ﴿ قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ نَكِّرُواْ ﴾ أي: غيروا لها عرشها؛ كأنه أمر أن يغيروا بعض ما عليه من الزيادة والنقصان؛ ليمتحنها أتعرف أنه عرشها أم لا؟

والمنكر هو الذي لا يعرف؛ كقوله: ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ أي: لم يعرفهم.

وقوله: ﴿ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ﴾ : كان يجيء أن يقال: نكروا عرشها، ويكون ﴿ لَهَا ﴾ زائدة، إلا أن يقال: ﴿ نَكِّرُواْ لَهَا ﴾ ، أي: نكروا لأجلها عرشها، وهذا يشبه أن يكون.

وقوله: ﴿ نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: أتهتدي أنه عرشها أو لا تهتدي إليه؟

وجائز أن يكون قوله ننظر: أتهتدي إلى دين الله وتوحيده، أم تكون من الذين لا يهتدون إلى دين الله؟

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال رجل صالح عالم عند سليمان، عنده علم من الكتاب، ومن ضمنه اسم الله الأعظم الَّذي إذا دعي به أجاب: أنا آتيك بسريرها قبل أن ترمش عينك؛ بأن أدعو الله فيأتي به، فدعا فاستجاب الله له دعاءه فلما رأى سليمان سريرها مستقرًّا عنده قال: هذا من فضل ربي سبحانه؛ ليختبرني أأشكر نعمه أم أكفرها؟

ومن شكر الله فإنما نَفْع شكره عائد إليه، فالله غني لا يزيده شكر العباد، ومن جحد نعم الله فلم يشكره له فإن ربي غني عن شكره كريم، ومن كرمه إفضاله على من يجحدها.

<div class="verse-tafsir" id="91.zP45L"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد