الآية ٤١ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٤١ من سورة النمل

قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٤١ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما جيء سليمان ، عليه السلام ، بعرش بلقيس قبل قدومها ، أمر به أن يغير بعض صفاته ، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته ، هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس به ، فقال : ( نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ) .

قال ابن عباس : نزع عنه فصوصه ومرافقه .

وقال مجاهد : أمر به فغير ما كان أحمر جعل أصفر ، وما كان أصفر جعل أحمر : وما كان أخضر جعل أحمر ، غير كل شيء عن حاله .

وقال عكرمة : زادوا فيه ونقصوا .

[ وقال قتادة : جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره ، وزادوا فيه ونقصوا ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قال سليمان -لما أتى عرش بلقيس صاحبة سبإٍ, وقدمت هي عليه, لجنده: غيِّروا لهذه المرأة سريرها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة, قوله: (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: غيروا.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: فلما أتته (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: وتنكير العرش, أنه زيد فيه ونقص.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: غيِّروه.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, نحوه.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) قال: مجلسها الذي تجلس فيه.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول, أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) أمرهم أن يزيدوا فيه, وينقصوا منه.

وقوله: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) يقول: ننظر أتعقل فتثبت عرشها أنه هو الذي لها(أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) يقول: من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها.

وقيل: إن سليمان إنما نكَّر لها عرشها, وأمر بالصرح يعمل لها, من أجل أن الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها, وأن رجلها كحافر حمار, فأراد أن يعرف صحة ما قيل له من ذلك.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) قال: زيد في عرشها ونقص منه؛ لينظر إلى عقلها, فُوجدت ثابتة العقل.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) أتعرفه؟.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثني ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) قال: تَعرفه.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: (أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) أي أتعقل, أم تكون من الذين لا يعقلون؟

ففعل ذلك لينظر أتعرفه, أم لا تعرفه؟

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال نكروا لها عرشها أي غيروه .

قيل : جعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه .

وقيل : غير بزيادة أو نقصان .

قال الفراء وغيره : إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له : إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها .

وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا ، فقالوا لسليمان : إنها ضعيفة العقل ، ورجلها كرجل الحمار ; فقال : نكروا لها عرشها لنعرف عقلها .

وكان لسليمان ناصح من الجن ، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفها ؟

فقال : أنا أجعل في هذا القصر ماء ، وأجعل فوق الماء زجاجا ، تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها ; فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى عنه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال لمن عنده: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا أي: غيروه بزيادة ونقص، ونحو ذلك نَنْظُرْ مختبرين لعقلها أَتَهْتَدِي للصواب ويكون عندها ذكاء وفطنة تليق بملكها أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قال نكروا لها عرشها ) يقول : غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته ، قال قتادة ومقاتل : هو أن يزاد فيه وينقص ، وروي أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله ، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر ) ( ننظر أتهتدي ) إلى عرشها فتعرفه ) ( أم تكون من ) الجاهلين ) ( الذين لا يهتدون ) إليه ، وإنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما : أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية ، وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده ، فأساؤا الثناء عليها ليزهدوه فيها ، وقالوا : إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال نكّروا لها عرشها» أي غيروه إلى حال تنكره إذا رأته «ننظر أتهتدي» إلى معرفته «أم تكون من الذين لا يهتدون» إلى معرفة ما يغيّر عليهم قصد بذلك اختبار عقلها لما قيل إن فيه شيئاً فغيروه بزيادة أو نقص وغير ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال سليمان لمن عنده: غيِّروا سرير ملكها الذي تجلس عليه إلى حال تنكره إذا رأته؛ لنرى أتهتدي إلى معرفته أم تكون من الذين لا يهتدون؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه القصة البديعة ، ببيان ما فعله سليمان بالعرش ، وبما قاله لملكة سبأ بعد أن قدمت إليه ، وبما انتهى إليه أمرها ، فقال - تعالى - : ( قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا .

.

.

) .قوله : ( نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ) من التنكير الذى هو ضد التعريف ، وهو جعل الشىء على هيئة تخالف هيئته السابقة حتى لا يعرف .أى : قال سليمان لجنوده ، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس : غيروا لهذه الملكة عرشها ، كأن تجعلوا مؤخرته فى مقدمته ، وأعلاه أسفله .وافعلوا ذلك لكى ( نَنظُرْ ) ونعرف ( أتهتدي ) إليه بعد هذا التغيير ، أو إلى الجواب اللائق بالمقام عندما تسأل ( أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ ) إلى معرفة الشىء بعد تغيير معالمه المميزة له .

أو إلى الجواب الصحيح عندما تسأل عنه .فالمقصود بتغيير هيئة عرشها : اختبار ذكائها وفطنتها ، وحسن تصرفها ، عند مفاجأتها بإطلاعها على عرشها الذى خلفته وراءها فى بلادها .

وإيقافها على مظاهر قدرة الله - تعالى - وعلى ما وهبه لسليمان - عليه السلام - من معجزات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ نَكّرُواْ ﴾ معناه اجعلوا العرش منكراً مغيراً عن شكله كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا محالة، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو توقفها فيه على فضل عقل، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى إليه أن فيها نقصان عقل لكي لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد، فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها.

أما قوله: ﴿ نَنظُرْ ﴾ فقرئ بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف، واختلفوا في ﴿ أَتَهْتَدِى ﴾ على وجهين: أحدهما: أتعرف أنه عرشها أم لا؟

كما قدمنا الثاني: أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال: ﴿ أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ ﴾ وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة، فكأنه عليه السلام أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلاً من المكان البعيد إلى هناك، وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام، ويعرف بذلك أيضاً فضل عقلها لأغراض كانت له، فعند ذلك سألها.

أما قوله: ﴿ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾ فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات، حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة، ولم يقل أهذا عرشك، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقيناً فقالت: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف.

أما قوله: ﴿ وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا ﴾ ففيه سؤالان، وهو أن هذا الكلام كلام من؟

وأيضاً فعلى أي شيء عطف هذا الكلام؟

وعنه جوابان: الأول: أنه كلام سليمان وقومه، وذلك لأن بلقيس لما سئلت عن عرشها، ثم إنها أجابت بقولها: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ فالظاهر أن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام، ثم عطفوا على ذلك قولهم وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته قبل علمها ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزية التقدم في الإسلام الثاني: أنه من كلام بلقيس موصولاً بقولها: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة، ثم أن قوله: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله ﴾ إلى آخر الآية يكون من كلام رب العزة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله ﴾ ففيه وجهان: الأول: المراد: وصدها عبادتها لغير الله عن الإيمان الثاني: وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل، وقرئ أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد وبمعنى لأنها، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصاد لها كفرها المتقدم ولا كونها من جملة الكفار، بل كان يكون الصاد لها عن الإيمان تجدد خلق الله الكفر فيها والجواب: أما على التأويل الثاني فلا شك في سقوط الاستدلال، وأما على الأول فجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سبباً لحصول الداعية المستلزمة للكفر، وحينئذ يبقى ظاهر الآية موافقاً لقولنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نَكِّرُواْ ﴾ اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله، كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه، قالوا: وسعوه وجعلوا مقدّمه مؤخره، وأعلاه أسفله.

وقرئ: ﴿ ننظر ﴾ بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف ﴿ أتهتدى ﴾ لمعرفته، أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين والإيمان بنبوّة سليمان عليه السلام إذا رأت تلك المعجزة البينة، من تقدّم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب ونصبت عليه الحرَّاس.

هكذا ثلاث كلمات: حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة.

لم يقل: أهذا عرشك، ولكن: أمثل هذا عرشك؛ لئلا يكون تلقيناً ﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ ولم تقل: هو هو، ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل ﴿ وَأُوتِينَا العلم ﴾ من كلام سليمان وملئه: فإن قلت: علام عطف هذا الكلام، وبم اتصل؟

قلت: لما كان المقام- الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به- مقاماً أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم: ﴿ وَأُوتِينَا العلم ﴾ نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو: قد أصابت في جوابها وطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله وصحة النبوّة بالآيات التي تقدّمت عند وفدة المنذر، وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها- عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، ولم نزل على دين الإسلام شكراً لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها ﴿ وَصَدَّهَا ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة؛ ويجوز أن يكون من كلام بلقيس موصولاً بقولها: ﴿ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان عليه السلام قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة، تعني: ما تبينت من الآيات عند وفدة المنذر ودخلنا في الإسلام، ثم قال الله تعالى: وصدها قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل.

وقيل: وصدها الله- أو سليمان- عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل إنها وقرى: ﴿ أنها ﴾ بالفتح على أنه بدل من فاعل صد.

أو بمعنى لأنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ﴾ بِتَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ وشَكْلِهِ.

﴿ نَنْظُرْ ﴾ جَوابُ الأمْرِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

﴿ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ إلى مَعْرِفَتِهِ أوِ الجَوابِ الصَّوابِ، وقِيلَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ إذا رَأتْ تَقَدُّمَ عَرْشِها وقَدْ خَلَّفَتْهُ مُغْلِّقَةً عَلَيْهِ الأبْوابَ مُوَكِّلَةً عَلَيْها الحُرّاسَ.

﴿ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ ﴾ تَشْبِيهًا عَلَيْها زِيادَةً في امْتِحانِ عَقْلِها إذْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ بِسَخافَةِ العَقْلِ.

﴿ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ ﴾ ولَمْ تَقُلْ هو هو لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ وذَلِكَ مِن كَمالِ عَقْلِها.

﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِها كَأنَّها ظَنَّتْ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ اخْتِبارَ عَقْلِها وإظْهارَ مُعْجِزَةٍ لَها فَقالَتْ: وأُوتِينا العِلْمَ بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ، أوِ المُعْجِزَةُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ.

وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ وعَطَفُوهُ عَلى جَوابِها لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إيمانِها بِاللَّهِ ورَسُولِهِ حَيْثُ جَوَّزَتْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْشَها تَجْوِيزًا غالِبًا، وإحْضارُهُ ثَمَّةَ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ولا تَظْهَرُ إلّا عَلى يَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وقُدْرَتِهِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِهِ قَبْلَها وكُنّا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ ولَمْ نَزَلْ عَلى دِينِهِ، ويَكُونُ غَرَضُهم فِيهِ التَّحَدُّثَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّقَدُّمِ في ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} غيروا أي اجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله {نَنظُرْ} بالجزم على الجواب {أتهتدي} إلى معرفة عرشها أو الجواب الصواب إذا سئلت عنه {أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُرِّرَتِ الحِكايَةُ - مَعَ كَوْنِ المَحْكِيِّ سابِقًا ولاحِقًا مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهًا عَلى ما بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما أنَّ الأوَّلَ مِن بابِ الشُّكْرِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والثّانِيَ أمْرٌ لِخَدَمِهِ: ﴿ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِتَغْيِيرِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ والشَّكْلِ، ولَعَلَّ المُرادَ التَّغْيِيرُ في الجُمْلَةِ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ أنَّهُ كانَ بِالزِّيادَةِ فِيهِ والنَّقْصِ مِنهُ، وقِيلَ: بِنَزْعِ ما عَلَيْهِ مِنَ الجَواهِرِ، وقِيلَ: بِجَعْلِ أسْفَلِهِ أعْلاهُ ومُقَدِّمِهِ مُؤَخِّرَهُ، ولامُ (لَها) لِلْبَيانِ كَما في ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّها المُرادَّةُ خاصَّةً بِالتَّنْكِيرِ ﴿ نَنْظُرْ ﴾ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿ أتَهْتَدِي ﴾ إلى مَعْرِفَتِهِ أوْ إلى الجَوابِ اللّائِقِ بِالمَقامِ.

وقِيلَ: إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأتْ تَقَدُّمَ عَرْشِها وقَدْ خَلَّفَتْهُ مُغَلِّقَةً عَلَيْهِ الأبْوابَ، مُوَكِّلَةً عَلَيْهِ الحُرّاسَ والحُجّابَ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الجُبّائِيِّ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَظْهَرُ مَدْخَلِيَّةُ التَّنْكِيرِ في الإيمانِ ﴿ أمْ تَكُونُ ﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِنا ﴿ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: إلى ما ذُكِرَ مِن مَعْرِفَةِ عَرْشِها، أوِ الجَوابِ اللّائِقِ بِالمَقامِ، فَإنَّ كَوْنَها في نَفْسِ الأمْرِ مِنهم - وإنْ كانَ أمْرًا مُسْتَمِرًّا - لَكِنَّ كَوْنَها مِنهم عِنْدَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ أمْرٌ حادِثٌ يَظْهَرُ بِالِاخْتِبارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ يعني: ماردا من الجن، والعفريت: هو الشديد القوي، ويقال: العفريت من كل شيء المبالغ والحاذق في أمره أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ يعني: في مجلس الحكم، وكان قضاؤه إلى انتصاف النهار.

ويقال: إلى وقت الضحى.

وَإِنِّي عَلَيْهِ يعني: على إتيان السرير لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ وغير ذلك.

فقال سليمان: أنا أريد أسرع من هذا قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ يعني: آصف بن برخيا، وكان وزيره ومؤدبه في حال صغره، ويقرأ كتاب الله ويعلم الاسم الأعظم- يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحد لا إله إلا أنت (١)  ، وأكثر المفسرين على أنه آصف بن برخيا  .

قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ يعني: قبل أن ينتهي إليك الذي وقع عليه منتهى بصرك، وهو جاءٍ إليك.

ويقال: قبل أن تطرف.

قال له سليمان: لقد أسرعت إن فعلت ذلك، فدعا بالاسم الأعظم، فإذا بالسرير قد ظهر بين يدي سليمان فَلَمَّا رَآهُ رأى سليمان السرير مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أي: موجوداً عنده قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي يعني: ليختبرني أَأَشْكُرُ هذه النعمة أَمْ أَكْفُرُ نعم الله تعالى إذا رأيت من دوني هو أعلم مني.

قال مقاتل: فلما رفع رأسه قال: الحمد لله، أحمد الله الذي جعل في أهلي من يدعوه فيستجيب له وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: يفعل لنفسه، لأنه يعود إليه حيث يستوجب المزيد من الله تعالى وَمَنْ كَفَرَ النعم يعني: ترك الشكر فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكر العباد كَرِيمٌ في الإفضال على من شكره بالنعمة.

ويقال: كَرِيمٌ لمن شكر من عباده- ويقال: لما رأى آصف السرير مستقراً عنده، خرج من فضل نفسه ورجع إلى فضل ربّه ورأى الحول والقوة لله تعالى فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لا من فضل نفسي، ولو لم يقل من فضل ربي، لسقط عن المنزلة أسرع من إتيان السرير حيث قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ حيث شهر نفسه بالفضيلة ويقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ يعني: بالله آتيك، لا بالمدة والحيلة، فأسقط الحول والقوة عن نفسه وسلم الأمر إلى الله فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.

فلما رأى سليمان السرير عنده، علم أن هذا ليس من قوة جلسائه وإنما هو من صنع ربه (٢) -.

قوله عز وجل: قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها يعني: قال سليمان  : غيّروا سريرها عن صورته، والتنكير: هو التغيير يقال: نكرته فتنكّر، أي غيرته، فتغير.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «التنكير أن يزاد فيه أو ينقص عنه» يعني: زيدوا في سريرها، وانقصوا منه، حتى نرى أنها تعرف سريرها أم لا، وذلك قوله: نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي يعني: أتعلم أنه عرشها أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ يعني: لا يعلمون.

يقال: إنه جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه.

ويقال: إنه أمر بذلك، لأن الجن قالوا لسليمان  في عقلها شيء من النقصان، فأراد سليمان أن يمتحن عقلها، فأمر بأن يغير السرير ويسألها عن ذلك.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من قول الله تعالى معرِّفاً لمحمَّدٍ عليه السلام وأمَّتِهِ بذلك «١» .

وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ...

الآية، روي أن بلقيس قالت لقومها: إني أُجَرِّبُ هذا الرجلَ بهدية فيها نفائسُ الأموالِ، فَإنْ كَانَ مَلِكاً دُنْيَوِيّاً أرضاه المال وإن كان نَبِيّاً لم يقبل الهديةَ، ولم يُرْضِهِ مِنّا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، فينبغي أن نؤمِنَ به، ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة.

فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)

وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ يعني: رسلُ بلقيس، وقولُ سليمان: ارْجِعْ خطابٌ لرسلِها لأن الرسولَ يقع على الجمعِ والإفرادِ والتذكيرِ والتأنيث.

وفي قراءة ابن مسعود «٢» : «فلما جاءوا سليمان» وقرأ «ارجعوا» ، ووعيدُ سليمانَ لهم مقترنٌ بدوامِهم على الكفرِ، قال البخاري: لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها: أي: لا طاقةَ لهم، انتهى.

ثم قال سليمان ٥٢ ب لجمعه/ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها.

قال ابن زيد: وغرضُه في استدعاءِ عرشِها أن يُرِيَها القدرةَ التي من عند الله وليغرب «٣» عليها، ومُسْلِمِينَ في هذا التأويل بمعنى: مُسْتَسْلِمِينَ، ويحتملُ أنُ يكونَ بمعنى الإسلام.

وقال قتادة: كان غرضُ سليمان عليه السلام أخذه قبل أن يَعْصِمَهُم الإسلامُ فالإسلامُ على هذا التأويل يراد به الدين «٤» .

ت: والتأويل الأول أَليَقُ يمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، فيتعينُ حملُ الآيةِ عليه، والله أعلم.

ورُوِي أن عرشِهَا كانَ من ذهبٍ وفضةٍ مُرَصَّعاً بالياقوتِ والجَوْهرِ وأنه كان في جوفِه سبعةُ أبياتٍ عليها سَبْعة أغلاقٍ.

والعِفْرِيتُ هو من الشياطين: القويُّ الماردُ.

وقوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ قال مجاهد «١» وقتادة «٢» : معناه: قبل قيامِك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقتَ الظهرِ في كل يوم، وقيل: معناه: قبلَ أنْ تستويَ من جلوسِكَ قَائِماً.

وقول الذي عنده علم من الكتاب: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ قال ابن جبير «٣» وقتادة «٤» : معناه: قبل أن يصل إليكَ مَنْ يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبعد ما ترى.

وقال مجاهد «٥» : معناه: قبل أن تحتاج إلى التغميض، أي: مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداده.

قال ع «٦» : وهذانِ القولانِ يقابلانِ القولينِ قبلَهما.

وقوله: لَقَوِيٌّ أَمِينٌ معناه: قويٌّ على حمله أمين على ما فيه.

ويُرْوَى أنَّ الجِنَّ كَانَتْ تُخْبِرُ سليمانَ بمَنَاقِل سَيْرِ بلقيس، فلما قربَتْ، قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها فدعا الذي عنده علم من التوراة، - وهو الكتاب المشار إليه- باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمان أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرشِ، حتَّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سليمانَ عليه السلام.

وقيل: بل جِيءَ به في الهواءِ.

وجمهورُ المفسرين على أن هذا الذي عنده علم من الكتاب- كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل اسمه (آصف بن برخيا) ، روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان [عليه السلام] : يا نبي الله امدد بصرك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خافَتِ الشَّياطِينُ أنْ يَتَزَوَّجَ سُلَيْمانُ بِلْقِيسَ فَتُفْشِيَ إلَيْهِ أسْرارَ الجِنِّ، لِأنَّ أُمَّها كانَتْ جِنِّيَّةً، فَلا يَنْفَكُّونَ مِن تَسْخِيرِ سُلَيْمانَ وذُرِّيَّتَهُ بَعْدَهُ، فَأساؤُوا الثَّناءَ عَلَيْها وقالُوا: إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا، وإنَّ رِجْلَها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأرادَ سُلَيْمانُ [أنْ] يَخْتَبِرَ عَقْلَها بِتَنْكِيرِ عَرْشِها، ويَنْظُرُ إلى قَدَمَيْها بِبِناءِ الصَّرْحِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿ نَكِّرُوا ﴾ : غَيِّرُوا، يُقالُ: نَكَّرْتُ الشَّيْءَ فَتَنَكَّرَ، أيْ: غَيَّرْتُهُ فَتَغَيَّرَ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في كَيْفِيَّةِ تَغْيِيرِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ زِيدَ فِيهِ ونَقُصَ مِنهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم جَعَلُوا صَفائِحَ الذَّهَبِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ مَكانَ صَفائِحِ الفِضَّةِ، وصَفائِحَ الفِضَّةِ مَكانَ صَفائِحِ الذَّهَبِ، والياقُوتَ مَكانَ الزَّبَرْجَدِ، والدُّرَّ مَكانَ اللُّؤْلُؤِ، وقائِمَتِيِ الزَّبَرْجَدِ مَكانَ قائِمَتِيِ الياقُوتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهم نَزَعُوا ما عَلَيْهِ مِن فُصُوصِهِ وجَواهِرِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّهم جَعَلُوا ما كانَ مِنهُ أحْمَرَ أخْضَرَ، وما كانَ أخْضَرَ أحْمَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهم جَعَلُوا أسْفَلَهُ أعْلاهُ، ومُقَدِّمَهُ مُؤَخِّرَهُ، وزادُوا فِيهِ، ونَقَصُوا مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِس: أنَّهم جَعَلُوا فِيهِ تَماثِيلَ السَّمَكِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كَأنَّهُ هُوَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لَمّا رَأتْهُ جَعَلَتْ تَعْرِفُ وتُنْكِرُ، ثُمَّ قالَتْ في نَفْسِها: مِن أيْنَ يُخْلُصُ إلى ذَلِكَ وهو في سَبْعَةِ أبْياتٍ والحَرَسُ حَوْلَهُ؟!

ثُمَّ قالَتْ: كَأنَّهُ هو، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: شَبَّهَتْهُ بِعَرْشِها.

وقالَ السُّدِّيُّ: وجَدَتْ فِيهِ ما تَعْرِفُهُ فَلَمْ تُنْكِرْ، ووَجَدَتْ فِيهِ ما تُنْكِرُهُ فَلَمْ تُثْبِتْ، فَلِذَلِكَ قالَتْ: كَأنَّهُ هو.

والثّانِي: أنَّها عَرَفَتْهُ، ولَكِنَّها شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَما شَبَّهُوا [عَلَيْها]، فَلَوْ أنَّهم قالُوا: هَذا عَرْشُكَ، لَقالَتْ: نَعَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقِيلَ لَها: فَإنَّهُ عَرْشُكَ، فَما أغْنى عَنْكَ إغْلاقُ الأبْوابِ.

!

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ سُلَيْمانَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى ما يَشاءُ مِن قِبَلِ هَذِهِ المَرْأةِ.

والثّانِي: أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قِبَلِ مَجِيئِها وكُنّا مُسْلِمِينَ لِلَّهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ بِلْقِيسَ، فَإنَّها لَمّا رَأتْ عَرْشَها، قالَتْ: قَدْ عَرَفْتُ هَذِهِ الآيَةَ، وأُوتِينا العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ بِالآَياتِ المُتَقَدِّمَةِ، تَعْنِي أمْرَ الهُدْهُدِ والرُّسُلِ الَّتِي بُعِثَتْ مِن قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ، وكُنّا مُسْلِمِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِكَ قَبْلَ أنْ نَجِيءَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مِن قَوْلِ قَوْمِ سُلَيْمانَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الكَلامِ: هي عاقِلَةٌ، إنَّما صَدَّها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ عِبادَتُها الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَ عادَةً مِن دِينِ آَبائِها؛ والمَعْنى: وصَدَّها أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ما كانَتْ تَعْبُدُ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: صَدَّها سُلَيْمانُ، أيْ: مَنَعَها ما كانَتْ تَعْبُدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: صَدَّها عَنِ الإيمانِ العادَةُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها، لِأنَّها نَشَأتْ ولَمْ تَعْرِفْ إلّا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، وبَيَّنَ عِبادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أنَّها كانَتْ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أمَرَ الشَّياطِينَ فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا كَهَيْئَةِ السَّطْحِ مِن زُجاجٍ.

وَفِي سَبَبِ أمْرِهِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يُرِيَها مَلِكًا هو أعَزُّ مِن مَلِكِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَنْظُرُ إلى قَدَمِها مِن غَيْرِ أنْ يَسْألَها كَشْفَها، لِأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ رِجْلَها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأمَرَ أنْ يُهَيَّأ لَها بَيْتٌ مِن قَوارِيرَ فَوْقَ الماءِ، ووَضَعَ سَرِيرَ سُلَيْمانَ في صَدْرِ البَيْتِ، هَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَها كَما اخْتَبَرَتْهُ بِالوَصائِفِ والوُصَفاءِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

فَأمّا الصَّرْحُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو القَصْرُ، وجَمْعُهُ: صُرُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: [عَلى طُرُقٍ كَنُحُورِ الرِّكا بِ ] تَحْسَبُ أعْلامُهُنَّ الصُّرُوحا قالَ: ويُقالُ: الصَّرْحُ بَلاطٌ اتُّخِذَ لَها مِن قَوارِيرَ، وجُعِلَ تَحْتَها ماءٌ وسَمَكٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ بِرْكَةً مِن ماءٍ ضَرَبَ عَلَيْها سُلَيْمانُ قَوارِيرَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ قَصْرًا مِن قَوارِيرَ بُنِيَ عَلى الماءِ وتَحْتَهُ السَّمَكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ﴾ وهي: مُعْظَمُ الماءِ ﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ﴾ لِدُخُولِ الماءِ، فَناداها سُلَيْمانُ ﴿ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ أيْ: مُمَلَّسٌ ﴿ مِن قَوارِيرَ ﴾ أيْ: مِن زُجاجٍ؛ فَعَلِمَتْ حِينَئِذٍ أنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فِ ﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أيْ: بِعِبادَةِ غَيْرِكَ.

وقِيلَ: ظَنَّتْ في سُلَيْمانَ أنَّهُ يُرِيدُ تَفْرِيقَها في الماءِ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ قالَتْ: رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الظَّنِّ، وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ، ثُمَّ تَزَوَّجَها سُلَيْمانُ.

وقِيلَ: إنَّهُ رَدَّها إلى مَمْلَكَتِها وكانَ يَزُورُها في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ويُقِيمُ عِنْدَها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأنَّها ولَدَتْ مِنهُ.

وقِيلَ: إنَّهُ زَوَّجَها بِبَعْضِ المُلُوكِ ولَمْ يَتَزَوَّجْها هو.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عن ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أرادَ سُلَيْمانُ في هَذا "التَنْكِيرِ" تَجْرِبَةً مَيَّزَها ونَظَرَها، ولِيَزِيدَ في الإغْرابِ عَلَيْها، ورَوَتْ فِرْقَةٌ: أنَّ الجِنَّ أحَسَّتْ مِن سُلَيْمانَ أو ظَنَّتْ بِهِ أنَّهُ رُبَّما تَزَوَّجُ بِلْقِيسَ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، ورَمَوْها عِنْدَهُ بِأنَّها غَيْرُ عاقِلَةٍ ولا مُمَيَّزَةٍ، وبِأنَّ رِجْلَها كَحافِرِ دابَّةٍ، فَجَرَّبَ عَقَلَها وَمَيَّزَها بِتَنْكِيرِ عَرْشَها، وجَرَّبَ أمْرَ رِجْلِها بِأمْرِ الصَرْحِ لِتَكْشِفَ عن ساقِها عِنْدَهُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةِ: "تَنْظُرُ" بِضَمِّ الراءِ.

وتَنْكِيرُ العَرْشِ تَغْيِيرُ وصْفِهِ وسَتْرِ بَعْضِهِ ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: تَنْكِيرُهُ بِأنْ زِيدَ فِيهِ ونَقَصَ مِنهُ، وهَذا يَعْتَرِضُ بِأنَّ مِن حَقِّها -عَلى هَذا- أنْ تَقُولَ: لَيْسَ بِهِ وتَكُونُ صادِقَةً.

وقَوْلُها: "كَأنَّهُ هُوَ" تَحْرُّزٌ فَصِيحٌ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ  ﴾ ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: شَبَّهُوا عَلَيْها فَشُبِّهَتْ عَلَيْهِمْ، ولَوْ قالُوا: هَذا عَرْشُكِ؟

لَقالَتْ: نَعِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَنَكِرُوا عَرْشَها، ونَظَرُوا ما جَوابَها إذا سُئِلَتْ عنهُ، فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ: أهَكَذا عَرْشُكِ؟

وقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها ﴾ الآيَةُ، وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آبائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ  ، و"الصادُّ": ما كانَتْ تَعْبُدُ، أيْ عَنِ الإيمانِ ونَحْوَهُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: عَنِ التَفَطُّنِ لِلْعَرْشِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ فَطِنٌ يَقِظٌ والكافِرَ خَبِيثٌ، أو يَكُونُ الصادُّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، أو يَكُونُ الصادُّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ.

ولَمّا كانَ "صَدَّها" بِمَعْنى (مَنَعَها)، تَجاوَزَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، وإلّا فَإنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِـ "عن".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنَّها" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أنَّها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ أنَّها، أو عَلى البَدَلِ مِن "ما"، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

ولَمّا وصَلَتْ بِلْقِيسُ: أمَرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ الجِنَّ فَصَنَعَتْ لَهُ صَرْحًا، وهو السَطْحُ في الصَحْنِ مِن غَيْرِ سَقْفٍ، وجَعَلَتْهُ مَبْنِيًّا كالصِهْرِيجِ، ومُلِئَ ماءً، وبَثَّ فِيهِ السَمَكَ والضَفادِعَ، وطُبِّقَ بِالزُجاجِ الشَفّافِ، وبِهَذا جاءَ صَرْحًا، والصَرْحُ أيْضًا كُلُّ بِناءٍ عالٍ، وكُلُّ هَذا مِنَ التَصْرِيحِ، وهو الإعْلانُ البالِغُ، وجُعِلَ لِسُلَيْمانَ في وسَطِهِ كُرْسِيٌّ، فَلَمّا وصَلَتْهُ بِلْقِيسُ قِيلَ لَها: ادْخُلِي إلى النَبِيِّ  ، فَرَأتِ اللُجَّةَ وفَزِعَتْ وظَنَّتْ أنَّهُ قَصَدَ بِها الغَرَقَ، وعَجِبَتْ مِن كَوْنِ كُرْسِيِّهِ عَلى الماءِ، ورَأتْ ما هالَها، ولَمْ يَكُنْ لَها بُدٌّ مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ فَكَشَفَتْ عن ساقَيْها، فَرَأى سُلَيْمانُ ساقَيْها سَلِيمَتَيْنِ مِمّا قالَتِ الجِنُّ غَيْرَ أنَّها كَثِيرَةُ الشَعْرِ، فَلَمّا بَلَغَتْ هَذا الحَدَّ قالَ لَها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ ﴾ ، و"المُمَرَّدُ": المَحْكُوكُ الَأمْلَسُ، ومِنهُ: الأمْرَدُ، والشَجَرَةُ المَرْداءُ: الَّتِي لا ورَقَ عَلَيْها، والمُمَرَّدُ أيْضًا: المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحِصْنِ: مارِدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَسْلَمَتْ بِلْقِيسُ وأذْعَنَتْ وأسْلَمَتْ، وأقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالظُلْمِ، فَرُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ تَزَوَّجَها عِنْدَ ذَلِكَ وأسْكَنَها الشامَ، قالَهُ الضِحاكُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في كِتابِ النَقاشِ: تَزَوُّجُها ورَدَّها إلى مُلْكِها بِاليَمَنِ، وكانَ يَأْتِيها عَلى الرِيحِ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدًا أسْماهُ داوُدَ، ماتَ في حَياتِهِ، و"مَعَ" ظَرْفٌ، وقِيلَ: حَرْفٌ بُنَيَ عَلى الفَتْحِ، وأمّا إذا سُكِّنَتِ العَيْنُ فَلا خِلافَ أنَّهُ حَرْفٌ جاءَ لِمَعْنى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ -فِي رِوايَةٍ الإخْرِيطِ -: "عن سَأقِيها" بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ يَضْعُفُ الهَمْزُ في قِراءَةِ قَنْبَلِ: "يَكْشِفُ عن سَأْقٍ"، وأمّا هَمْزُ "بالسُؤْقِ"، و"عَلى سَؤْقِهِ" فَلُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هَمْزِ الواوِ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ، حَكى أبُو عَلِيٍّ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيِّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وأنْشُدُ: أحَبُّ المُؤْقَدانِ إلَيْكَ مُؤْسى..........

وَوَجْهُها أنَّ الضَمَّةَ تَقُومُ عَلى الواوِ إذْ لا حائِلَ بَيْنَهُما.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عن رِجْلِها".

ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ لِما أرادَ زَوالَ شَعْرِ ساقَيْها أشْفَقَ مِن حَمْلِ المُوسى عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ: ما مَسَّنِي حَدِيدٌ قَطٌّ، فَأمْرَ الجِنَّ بِالتَلَطُّفِ في زَوالِهِ فَصَنَعُوا النُورَةَ ولَمْ تَكُنْ قَبْلُ في الأُمَمِ.

وهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي فَعَلَها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: مِن سَوْقِ العَرْشِ، وعَمَلِ الصَرْحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، قَصَدَ بِها الإغْرابَ عَلَيْها، كَما سَلَكَتْ هي قَبْلُ سَبِيلَ مُلُوكِ الدُنْيا في ذَلِكَ بِأنْ أرْسَلَتِ الجَوارِيَ والغِلْمانَ، واقْتَرَحَتْ في أمْرِ القَدَحِ والدُرَّتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا من جملة المحاورة التي جرت بين سليمان عليه السلام وبين ملئه، ولذلك لم يعطف لأنه جرى على طريقة المقاولة والمحاورة.

والتنكير: التغيير للحالة.

قال جميل: وقالوا نراها يا جميلُ تنكّرت *** وغيرها الواشي فقلت: لعلها أراد: تنكرت حالة معاشرتها بسبب تغيير الواشين، بأن يغير بعض أوصافه، قالوا: أراد مفاجأتها واختبار مظنتها.

والمأمور بالتنكير أهل المقدرة على ذلك من ملئه.

و ﴿ من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ في انتفاء الاهتداء من: لا تهتدي، كما تقدم في نظائره غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ﴾ أيْ غَيِّرُوهُ وفي تَغْيِيرِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَزَعَ ما عَلَيْهِ مِن فُصُوصِهِ، ومَرافِقِهِ وجَواهِرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ غَيَّرَ ما كانَ أحْمَرَ فَجَعَلَهُ أخْضَرَ وما كانَ أخْضَرَ جَعَلَهُ أحْمَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: غَيَّرَ بِأنْ زِيدَ فِيهِ ونُقِصَ مِنهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: حَوَّلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ ومُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ، قالَهُ شَيْبانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

الخامِسُ: غَيَّرَهُ بِأنْ جَعَلَ فِيهِ تِمْثالَ السَّمَكِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

﴿ نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتَهْتَدِي إلى الحَقِّ بِعَقْلِها أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ رُومانَ.

الثّانِي: إلى مَعْرِفَةِ العَرْشِ بِفِطْنَتِها أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ.

﴿ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ ﴾ فَلَمْ تُثْبِتْهُ ولَمْ تُنْكِرْهُ واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَوْلِها ذَلِكَ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّها خَلَّفَتْهُ وراءَها فَوَجَدَتْهُ أمامَها فَكانَ مَعْرِفَتُها لَهُ تَمْنَعُ مِن إنْكارِهِ وتَرْكُها لَهُ وراءَها يَمْنَعُ إثْباتَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: لِأنَّها وجَدَتْ فِيهِ ما تَعْرِفُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُنْكِرْهُ ووَجَدَتْ فِيهِ ما بُدِّلَ وغُيِّرَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُثْبِتْهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: شَبَّهُوا عَلَيْها حِينَ قالُوا: أهَكَذا عَرْشُكِ؟

فَشَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو ولَوْ قالُوا لَها: هَذا عَرْشُكِ لَقالَتْ: نَعَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها ﴾ وهَذا قَوْلٌ مِن سُلَيْمانَ وقِيلَ هو مِن كَلامِ قَوْمِهِ، وفي تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْرِفَةُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ، قالَهُ زُهَيْرٌ.

الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: أيْ عَلِمْنا أنَّ العَرْشَ عَرْشُها قَبْلَ أنْ نَسْألَها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ وَكُنّا مُسْلِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طائِعِينَ لِلَّهِ بِالِاسْتِسْلامِ لَهُ.

الثّانِي: مُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وصَدَّها عِبادَةُ الشَّمْسِ أنْ تُعْبَدَ اللَّهَ.

الثّانِي: وصَدَّها كُفْرُها بِقَضاءِ اللَّهِ أنْ تَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ.

الثّالِثُ: وصَدَّها سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ في كُفْرِها.

الرّابِعُ: وصَدَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِتَوْفِيقِها بِالإيمانِ عَنِ الكُفْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بَرَكَةٌ بُنِيَتْ قَوارِيرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها صَحْنُ الدّارِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى يُقالُ صَرْحَةُ الدّارِ وساحَةُ الدّارِ وباحَةُ الدّارِ وقاعَةُ الدّارِ كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

قالَ زُهَيْرٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ التَّصْرِيحِ ومِنهُ صَرَّحَ بِالأمْرِ إذا أظْهَرَهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القَصْرُ قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الهُذَلِيِّ.

عَلى طُرُقٍ كَنُحُورِ الظِّباءِ تَحْسَبُ أعْلامَهُنَّ الصُّرُوحا ﴿ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ﴾ أيْ ماءً لِأنَّ سُلَيْمانَ أمَرَ الجِنَّ أنْ يَبْنُوهُ مِن قَوارِيرَ في ماءٍ فَبَنَوْهُ وجَعَلُوا حَوْلَهُ أمْثالَ السَّمَكِ فَأمَرَها بِالدُّخُولِ لِأنَّها وُصِفَتْ لَهُ فَأحَبَّ أنْ يَراها.

قالَ مُجاهِدٌ: وكانَتْ هَلْباءَ الشَّعْرِ والهَلْباءُ الطَّوِيلَةُ الشَّعْرِ، قَدَمُها كَحافِرِ الحِمارِ وكانَتْ أُمُّها جِنِّيَّةً.

قالَ الحَسَنُ: وخافَتِ الجِنُّ أنْ يَتَزَوَّجَها سُلَيْمانُ فَيَطَّلِعَ مِنها عَلى أشْياءَ كانَتِ الجِنُّ تُخْفِيها عَنْهُ.

وَهَذا القَوْلُ بِأنَّ أُمَّها جِنِّيَّةٌ مُسْتَنْكَرٌ في العُقُولِ لِتَبايُنِ الجِنْسَيْنِ واخْتِلافِ الطَّبْعَيْنِ وتَفاوُتِ الجِسْمَيْنِ، لِأنَّ الآدَمِيَّ جُسْمانِيٌّ، والجِنِّيَّ رَوْحانِيٌّ، وخَلَقَ اللَّهُ الآدَمِيَّ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ وخَلَقَ الجِنِّيَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، ويَمْتَنِعُ الِامْتِزاجُ مِن هَذا التَّبايُنِ ويَسْتَحِيلُ التَّناسُلُ مَعَ هَذا الِاخْتِلافِ، لَكِنَّهُ قِيلَ فَذَكَرْتُهُ حاكِيًا.

﴿ وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ﴾ فَرَآهُما سُلَيْمانُ شَعْراوَيْنِ فَصَنَعَتْ لَهُ الجِنُّ النُّورَةَ فَحَلَقَهُما، فَكانَ أوَّلَ مَن صَنَعَتِ النُّورَةَ.

واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي كانَ مِن أجْلِهِ أرادَ سُلَيْمانُ كَشْفَ ساقَيْها لِدُخُولِ الصَّرْحِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عَقْلَها.

الثّانِي: أنَّهُ ذُكِرَ لَهُ أنَّ ساقَها ساقُ حِمارٍ لِأنَّ أُمَّها جِنِّيَّةٌ فَأحَبَّ أنْ يَخْتَبِرَها.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها فَأحَبَّ أنْ يُشاهِدَها.

﴿ قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَجْلِسُ ومِنهُ الأمْرَدُ لِمُلُوسَتِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ الواسِعُ طُولُهُ وعَرْضُهُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ وأنْشَدَ: غَدَوْتُ صَباحًا باكِرًا فَوَجَدْتُهم ∗∗∗ قُبَيْلَ الضُّحى في البابِلِيِّ المُمَرَّدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالشِّرْكِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: بِالظَّنِّ الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ في سُلَيْمانَ لِأنَّها لَمّا أُمِرَتْ بِدُخُولِ الصَّرْحِ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وأنَّ سُلَيْمانَ يُرِيدُ تَغْرِيقَها فِيهِ فَلَمّا بانَ لَها أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ عَلِمَتْ أنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِذَلِكَ الظَّنِّ، قالَهُ سُفْيانُ.

﴿ وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيِ اسْتَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ طائِعَةً لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

قالَ مُقاتِلٌ: فَتَزَوَّجَها سُلَيْمانُ واتَّخَذَ لَها حَمّامًا ونُورَةً بِالشّامِ، وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يُرَ إلّا كَذَلِكَ حَتّى فَرَّقَ المَوْتُ بَيْنَهُما، فَحَكى الشَّعْبِيُّ عَنْ ناسٍ مِن حِمْيَرَ أنَّهم حَفَرُوا مَقْبَرَةَ المَلِكِ فَوَجَدُوا فِيها أرْضًا مَعْقُودَةً فِيها امْرَأةٌ عَلَيْها حُلَلٌ مَنسُوخَةٌ بِالذَّهَبِ وعِنْدَ رَأْسِها لَوْحُ رُخامٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ: - ؎ يا أيُّها الأقْوامُ عُوجُوا مَعًا ∗∗∗ وأرْبِعُوا في مَقْبَرِي العِيسا ∗∗∗ لِتَعْلَمُوا أنِّي تِلْكَ الَّتِي ∗∗∗ قَدْ كُنْتُ أُدْعى الدَّهْرَ بِلْقِيسا ∗∗∗ شَيَّدْتُ قَصْرَ المُلْكِ في حِمْيَرٍ ∗∗∗ قَوْمِي وقَدْ كانَ مَأْنُوسًا ∗∗∗ وكُنْتُ في مُلْكِي وتَدْبِيرِهِ ∗∗∗ أُرْغِمُ في اللَّهِ المَعاطِيسا ∗∗∗ بَعْلِي سُلَيْمانُ النَّبِيُّ الَّذِي ∗∗∗ قَدْ كانَ لِلتَّوْراةِ دَرِّيسا ∗∗∗ وسُخِّرَ الرِّيحُ لَهُ مَرْكَبًا ∗∗∗ تَهَبُ أحْيانًا رَوامِيسا ∗∗∗ مَعَ ابْنِ داوُدَ النَّبِيِّ الَّذِي ∗∗∗ قَدَّسَهُ الرَّحْمَنُ تَقْدِيسا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ﴾ قال: جمعت رؤوس مملكتها، فشاورتهم في أمرها، فاجتمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه.

فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله، وإن ردها تابعته فهو نبي.

فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين فهيئوا له ألف قصر من ذهب وفضة.

فلما رأت رسلها قصور ذهب قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا، وقصوره ذهب وفضة!

فلما دخلوا بهديتها قال: أتهدونني بمال، ثم قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ فقال كاتب سليمان: ارفع بصرك؛ فرفع بصره.

فلما رجع إليه طرفه إذا هو بسريرها ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ فنزع عنه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شيء فقيل لها ﴿ أهكذا عرشك؟

قالت كأنه هو ﴾ وأمر الشياطين: فجعلوا لها صرحاً من قوارير ممرداً، وجعل فيها تماثيل السمك فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح...

وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا فيها الشعر.

فعند ذلك أمر بصنعة النورة فقيل لها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ أفتوني في أمري ﴾ تقول: أشيروا علي برأيكم ﴿ ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ﴾ تريد: حتى تشيروا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، تحت يدي كل قيول مائة ألف مقاتل، وهم الذين قالوا ﴿ نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان أول مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً.

كل رجل منهم على عشرة آلاف من الرجال.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: بالسيف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت بلقيس ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ قال: يقول الرب تبارك وتعالى ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: أرسلت بلبنة من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله: ﴿ أتمدوننِ بمال ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت إني باعثة إليهم بهدية، فمصانعتهم بها عن ملكي أن كانوا أهل دنيا.

فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب، صغر في أعينهم الذي جاؤوا به.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج.

فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن، فموّهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به، فألقي في الطريق.

فلما جاؤوا ورأوه ملقى في الطريق وفي كل مكان قالوا: جئنا نحمل شيئاً نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه.

فصغر في أعينهم ما جاؤوا به.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ قال: جوار لباسهن لباس الغلمان، وغلمان لباسهن لباس الجواري.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بثمانين من وصيف ووصيفة، وحلقت رؤوسهم كلهم، وقالت: إن عرف الغلمان من الجواري فهو نبي، وإن لم يعرف الغلمان من الجواري فليس بنبي.

فدعا بوضوء فقال: توضئوا.

فجعل الغلام يأخذ من مرفقيه إلى كفيه، وجعلت الجارية تأخذ من كفها إلى مرفقها فقال: هؤلاء جوار وهؤلاء غلمان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: كانت هدية بلقيس لسليمان مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية.

الغلمان والجواري على هيئة واحدة، لا يعرف الجواري من الغلمان، ولا الغلمان من الجواري.

على كل فرس لون ليس على الآخر وكانت أول هديتهم عند سليمان وآخرها عندها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الهدية.

وصفان، ووصائف، ولبنة من ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت الهدية.

جواهر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الهدية لما جاءت سليمان بين الغلمان والجواري امتحنهم بالوضوء.

فغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها، وغسلت الجواري بطون السواعد قبل ظهورها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت: إن هو قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه دون ملككم، وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله.

فبعثت إليه بهدية غلمان في هيئة الجواري وحليهم، وجوار في هيئة الغلمان ولباسهم، وبعثت إليه بلبنات من ذهب، وبخرزة مثقوبة مختلفة، وبعثت إليه بقدح، وبعثت إليه تعلمه.

فلما جاء سليمان الهدية أمر الشياطين، فموّهوا لبن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة، فلما رأى ذلك رسلها قالوا: أين نذهب باللبنات في أرض هؤلاء وحيطانهم ذهب وفضة؟!

فحسبوا اللبنات وأدخلوا عليه ما سوى ذلك وقالوا: أخرج لنا الغلمان من الجواري.

فأمرهم فتوضأوا، وأخرج الغلمان من الجواري.

أما الجارية فافرغت على يدها، وأما الغلام فاغترف، وقالوا: ادخل لنا في هذه الخرزة خيطاً.

فدعا بالدساس فربط فيه خيطاً فأدخله فيها، فجال فيها واضطرب حتى خرج من الجانب الآخر.

وقالوا: املأ لنا هذا القدح بماء ليس من الأرض ولا من السماء.

فأمر بالخيل فأجريت حتى إذا اربدت مسح عرقها فجعله فيه حتى ملأه.

فلما رجعت رسلها فأخبروها: أن سليمان رد الهدية.

وفدت إليه وأمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات وغلقت عليها فأخذت المفاتيح.

فلما بلغ سليمان ما صنعت بعرشها ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: قال للهدهد ﴿ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ﴾ يعني من الانس والجن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم صالح في قوله: ﴿ لا قبل لهم بها ﴾ قال: لا طاقة لهم بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما بلغ سليمان أنها جاءته وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه.

وكان عرشها من ذهب، وقوائمه من لؤلؤ وجوهر، وكان مستتراً بالديباج والحرير، وكان عليه سبعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم.

وقد علم نبي الله سليمان أن القوم متى ما يسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم فقال: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ قال: سرير في أريكة.

وأخرج ابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن يأتوني مسلمين ﴾ قال: طائعين.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: مارد ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مقعدك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ قال عفريت ﴾ قال: عظيم كأنه جبل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم العفريت.

كوزن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: اسمه كوزي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال عفريت من الجن ﴾ قال: هو صخر الجني ﴿ وإني عليه لقوي ﴾ قال: على حمله ﴿ أمين ﴾ قال: على ما استودع فيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء.

وكان سليمان إذا جلس للقضاء لم يقم حتى تزول الشمس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: على جوهره.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ قال: إني أريد أعجل من هذا ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: فخرج العرش من نفق من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن سلمة قال: قرأت في مصحف أبي بن كعب ﴿ وإني عليه لقوي أمين ﴾ قال: أريد أعجل من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: آصف: كاتب سليمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: هو آصف بن برخيا.

وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان اسمه أسطوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: هو الخضر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هو رجل من الإِنس يقال له: ذو النور.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: كان اسمه تمليخا.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب ﴾ قال: الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو ياذا الجلال والإِكرام.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: ادامة النظر حتى يرتد إليك الطرف خاسئاً.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» قال: فتكلم ذلك العالم بكلام، دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: قال لسليمان: انظر إلى السماء قال: فما اطرق حتى جاءه به فوضعه بين يديه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: دعاء الذي عنده من الكتاب.

يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: ائتني بعرشها.

قال: فمثل له بين يديه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سابط قال: دعا باسمه الأعظم، فدخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: دعا باسم من أسماء الله.

فإذا عرشها يحمل بين عينيه.

ولا يدري ذلك الاسم.

قد خفي ذلك الإِسم على سليمان وقد أعظم ما أعطى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ قال: كان رجلاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي.

وارتداد الطرف أن يرى ببصره حيث بلغ ثم يرد طرفه.

فدعاه فلما رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجل غيري أقدر على ما عند الله مني.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذا أتيت بالعرش ﴿ أم أكفر ﴾ إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: زيد فيه ونقص ل ﴿ ننظر أتهتدي ﴾ قال: لننظر إلى عقلها.

فوجدت ثابتة العقل.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال نكروا لها عرشها ﴾ قال: تنكيره أن يجعل أسفله أعلاه، ومقدمه مؤخره، ويزاد فيه أو ينقص منه، فلما جاءت ﴿ قيل أهكذا عرشك ﴾ قالت ﴿ كأنه هو ﴾ شبهته به وكانت قد تركته خلفها فوجدته أمامها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما دخلت وقد غير عرشها.

فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها قيل ﴿ أهكذا عرشك ﴾ فرهبت أن تقول نعم هو.

فيقولون: ما هكذا كان حليته ولا كسوته، ورهبت أن تقول ليس هو، فيقال لها: بل هو ولكنا غيرناه.

فقالت كأنه هو.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله: أوتينا معرفة الله وتوحيده.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوتينا العلم من قبلها ﴾ قال: سليمان يقوله.

وفي قوله: ﴿ وصدها ما كانت تعبد من دون الله ﴾ قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق.

في قوله: ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير، وكانت بلقيس عليها شعر، قدماها حافر كحافر الحمار، وكانت أمها جنية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الصرح من زجاج وجعل فيه تماثيل السمك.

فلما رأته وقيل لها: أدخلي الصرح.

فكشفت عن ساقيها وظنت أنه ماء قال: ﴿ والممرد ﴾ : الطويل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان قد نعت لها خلقها، فأحب أن ينظر إلى ساقيها، فقيل لها ﴿ ادخلي الصرح ﴾ فلما رأته ظنت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها، فنظر إلى ساقيها أنه عليهما شعر كثير، فوقعت من عينيه وكرهها، فقالت له الشياطين: نحن نصنع لك شيئاً يذهب به.

فصنعوا له نورة من أصداف، فطلوها فذهب الشعر، ونكحها سليمان عليه السلام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله قالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ قال: ظنت أنه ماء.

وأن سليمان أراد قتلها فقالت: أراد قتلي- والله- على ذلك، لأقتحمن فيه.

فلما رأته أنه قوارير عرفت أنها ظلمت سليمان بما ظنت.

فذلك قولها ﴿ ظلمت نفسي ﴾ وإنما كانت هذه المكيدة من سليمان عليه السلام لها.

إن الجن تراجعوا فيما بينهم فقالوا: قد كنتم تصيبون من سليمان غرة، فإن نكح هذه المرأة اجتمعت فطنة الوحي والجن فلن تصيبوا له غرة.

فقدموا إليه فقالوا: إن النصيحة لك علينا حق، إنما قدماها حافر حمار.

فذلك حين ألبس البركة قوارير، وأرسل إلى نساء من نساء بني إسرائيل ينظرنها إذا كشفت عن ساقيها.

ما قدماها؟

فإذا هي أحسن الناس ساقاً من ساق شعراء، وإذا قدماها هما قدم إنسان، فبشرن سليمان.

وكره الشعر، فأمر الجن، فجعلت النورة.

فذلك أول ما كانت النورة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفراً قعد على سريره، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً، فيؤذن للإِنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الانس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتظلهم، وأمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم.

غدوها شهر، ورواحها شهر، رخاء حيث أراد.

ليس بالعاصف، ولا باللين، وسطا بين ذلك.

وكان سليمان يختار من كل طير طيراً، فيجعله رأس تلك الطير.

فإذا أراد أن يسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها.

فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فقال: كم بعد الماء ههنا؟

فسأل الإِنس فقالوا: لا ندري!

فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري!

فغضب سليمان وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟

فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه.

فقال سليمان: عليَّ بالهدهد.

فلم يوجد، فغضب سليمان وقال: ﴿ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يقول: بعذر مبين غيبه عن مسيري هذا.

قال: ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى لها بستاناً خلف قصرها، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان فقال له: هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟

فقال له هدهد بلقيس: ومن سليمان؟!

فقال: بعث الله رجلاً يقال له: سليمان رسولاً وسخر له الجن والانس والريح والطير.

فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟

قال: أقول لك ما تسمع.

قال: إن هذا لعجب!

وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة ﴿ وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ جعلوا الشكر لله: أن يسجدوا للشمس من دون الله.

قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير فقالوا: تواعدك رسول الله، وأخبروه بما قال.

وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبداً ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً.

قال الهدهد: وما استثنى نبي الله؟

قالوا: بلى.

قال: أو ليأتيني بعذر مبين.

فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري؟

قال: ﴿ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ﴾ قال: بل اعتللت ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ وكتب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى بلقيس ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين ﴾ فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها، ألقى في روعها أنه كتاب كريم، وإنه من سليمان و ﴿ ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين...، قالوا نحن أولوا قوة ﴾ قالت ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها...، وإني مرسلة إليهم بهدية ﴾ فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم.

فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قيل مع كل قيل مائة ألف.

قال: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه.

فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال: ما هذا؟

قالوا: بلقيس يا رسول الله قال: وقد نزلت منا بهذا المكان؟

قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة قال: فأقبل على جنوده فقال: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟

قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ .

قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء، ثم يقوم قال سليمان: أريد اعجل من ذلك.

قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا انظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.

فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه، رد سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان.

من تحت كرسي كان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقراً عنده ﴿ قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر ﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي ﴿ أم أكفر ﴾ إذ جعل من هو تحت يدي أقدر على المجيء مني، ثم ﴿ قال نكروا لها عرشها...، فلما جاءت ﴾ تقدمت إلى سليمان ﴿ قيل لها أهكذا عرشك فقالت كأنه هو ﴾ ثم قالت: يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرني به قال: سلي.

قالت: أخبرني عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء.

قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإِنس عنه، فإن كان عند الإِنس منه علم...

وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا يا رسول الله!

مر بالخيل فتجري ثم لتملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان: عرق الخيل قالت: صدقت قالت: فأخبرني عن لون الرب قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك؟

قال: يا رب أنت أعلم بما قالت قال: فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال: ففعل سليمان ذلك.

فلما دخلوا عليه جميعاً قال لها: عم سألتيني؟

قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء قال: قلت لك عرق الخيل قالت: صدقت.

قال: وعن أي شيء سألتيني؟

قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا قال لها سليمان: فلأي شيء خررت عن سريري؟!

قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو.

فسأل جنودها فقالوا: مثل قولها.

فسأل جنوده من الإِنس، والجن، والطير، وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله عن شيء إلا عن ماء رواء قال: وقد كان.

قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع ثمة إلى مكانك فإني قد كفيتكم فقال سليمان للشياطين: ابنو لي صرحاً تدخل علي فيه بلقيس، فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا لسليمان: يا رسول الله قد سخر الله لك ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك له من العبودية أبداً قال: وكانت امرأة شَعْرَاء الساقين فقالت الشياطين: ابنو له بنياناً كأنه الماء يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحاً من قوارير، فجعلوا له طوابيق من قوارير، وجعلوا من باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر.

من السمك وغيره ثمَّ اطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح.

فألقي كرسياً في أقصى الصرح.

فلما دخله أتى الكرسي فصعد عليه ثم قال: أدخلوا عليَّ بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب ﴿ حسبته لجة فكشفت عن ساقيها ﴾ لتدخل.

وكان شعر ساقها ملتوياً على ساقيها.

فلما رآه سليمان ناداها وصرف وجهه عنها ﴿ إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ فألقت ثوبها وقالت ﴿ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .

فدعا سليمان الإِنس فقال: ما أقبح هذا!

ما يذهب هذا!

قالوا: يا رسول الله الموسى.

فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة، ثم دعا الشياطين فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس: فإنه لأول يوم رؤيت فيه النورة قال: واستنكحها سليمان عليه السلام.

قال ابن أبي حاتم: قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث!

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي من أراد من الانس والجن، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم.

فبينا هو يسير إذ عطشوا فقال: ما ترون بعد الماء؟

قالوا: لا ندري.

فتفقد الهدهد وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره فقال: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً ﴾ وكان عذابه إذا عذب الطير نتفه، ثم يجففه في الشمس ﴿ أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ يعني بعذر بين.

فلما جاء الهدهد استقبلته الطير فقالت له: قد أوعدك سليمان فقال لهم: هل استثنى؟

فقالوا له: نعم.

قد قال: إلا أن يجيء بعذر بين.

فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين ﴾ فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان ﴿ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ﴾ فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك.

فقال الذي عنده علم من الكتاب ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني سرب في الأرض قال سليمان: غيروه.

فلما جاءت ﴿ قيل لها أهكذا عرشك ﴾ فاستنكرت السرعة ورأت العرش ﴿ فقالت كأنه هو..، قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته ﴾ لجة ماء ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ فإذا هي امرأة شعراء فقال سليمان: ما يذهب هذا؟

فقال بعض الجن: أنا أذهبه.

وصنعت له النورة.

وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها بلقيس.

وأخرج ابن عساكر عن عكرمة قال: لما تزوج سليمان بلقيس قال: ما مستني حديدة قط فقال للشياطين: أنظروا أي شيء يذهب بالشعر غير الحديد؟

فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها شياطين سليمان.

وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من صنعت له الحمامات سليمان» .

وأخرج الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من دخل الحمام سليمان، فلما وجد حره أوَّهَ من عذاب الله» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما قدمت ملكة سبأ على سليمان رأت حطباً جزلاً فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن هذا الدخان؟

فقال: أنا أعلم فكيف مولاي؟

قالت: فكم وزنه؟

فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق، ثم يوزن الرماد فما نقص فهو دخانه.

وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً، مكتوب على طرف العمامة بالذهب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلاب الدنيا.

وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي قال: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان وأمهرها باعلبك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ﴾ قال وهب، ومحمد ابن كعب، والمفسرون: خافت الشياطين أن يتزوج سليمانُ بلقيسَ فتفشي عليه أسرار الجن، ولا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده، فأساءوا الثناء على بلقيس ليزهدوه فيها؛ وقالوا: إن في عقلها شيئًا، وإن رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان أن يختجر عقلها بتنكير عرشها، فذلك قوله.

﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ﴾ (١) قال المفسرون: يقول: غيروا لها سريرها (٢) (٣) ومعنى التنكير في اللغة: التغيير إلى حال ينكرها صاحبها إذا رآها (٤) قال قتادة ومقاتل: نكرته: أن يزاد فيه وينقص (٥) ﴿ أَتَهْتَدِي ﴾ أتعرف السرير، أي: أتهتدي لمعرفته ﴿ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ لا يعرفون (٦) (١) بنصه، في "تفسير الوسيط" 3/ 378، ولم ينسبه.

وذكره مطولاً الهواري 3/ 256، ونسب بعضه للكلبي.

وأورده مطولًا ابن جرير، في التاريخ 1/ 493، والتفسير 19/ 169.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2897، عن ابن عباس.

وذكره الثعلبي 8/ 130 ب، عن وهب، ومحمد بن كعب.

وذكره الفراء في المعاني 2/ 294، بمعناه.

قال ابن كثير: وهذا ضعيف.

"البداية والنهاية" 2/ 24.

ولم يبين سبب ضعفه، والظاهر أنه يعني متنه؛ لأنه لم يذكر إسناده.

والله أعلم.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2893، عن مجاهد، وقتادة.

(٢) ذكره البخاري، عن مجاهد، بلفظ: غيروا.

كتاب التفسير، "الفتح" 8/ 504.

وكذا عند الهواري 3/ 255.

وأخرجه ابن جرير 19/ 165، 166، عن قتادة، ومجاهد.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2890، عن مجاهد.

وهو في "تفسير مجاهد" 2/ 472.

(٣) غريب القرآن لابن قتيبة 325، بنصه.

(٤) "تهذيب اللغة" 10/ 191 (نكر)، بمعناه.

(٥) "تفسير مقاتل" 59 ب.

وأخرجه عبد الرزاق 2/ 82، عن قتادة.

وأخرج ابن جرير 19/ 166، 166، عن ابن عباس، والضحاك.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2890، عن قتادة، وعكرمة.

(٦) "تفسير مقاتل" 59 ب، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ﴾ تنكيره تغيير وصفه وستر بعضه، وقيل: الزيادة فيه والنقص منه، وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها ﴿ أتهتدي ﴾ يحتمل أن يرتد: تهتدي لمعرفة عرشها، أو للجواب عنه إذا سئلت أو للإيمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.

وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.

﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.

﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.

﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.

الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.

وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.

الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.

﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.

الآخرون بالتشديد.

وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.

الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.

فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.

وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.

قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.

الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.

والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.

قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.

فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".

وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.

ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.

وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله  قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.

قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.

ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.

والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".

قال المفسرون: إنه  جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله  الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.

يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.

وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.

وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.

وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.

والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.

والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.

والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.

والقطاة تقول: من سكت سلم.

والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.

والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.

والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.

والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.

ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.

وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.

وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله  "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.

يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.

خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.

ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.

قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.

ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.

ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟

فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله  ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.

وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".

وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.

وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.

وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.

وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله  إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.

وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.

قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.

وما روي أنه  ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.

وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.

وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.

ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.

يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.

القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.

ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.

وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.

وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.

ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.

وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟

قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.

فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.

وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.

وأرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.

فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.

وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.

وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.

وقيل: إيداعه القفص.

وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.

وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.

وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.

ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.

وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.

ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.

ثم أخبر الله  أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.

وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.

والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.

وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.

وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.

ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.

والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.

﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.

﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.

ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.

يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.

وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان  .

قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.

والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.

والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.

وفي تخصيص وصف الله  في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله  في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.

ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.

ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.

ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول  ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.

وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.

وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.

وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.

وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟

فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.

يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال  "كرم الكتاب ختمه" .

وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.

ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟

فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.

سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟

والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.

أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله  .

و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.

يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.

وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.

قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.

ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.

والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.

ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.

ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.

وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.

قال  "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.

ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.

فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.

فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟

وقال: أين الحق؟

وأخبرهم بما فيه.

ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.

والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.

ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.

بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.

والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.

مع كل قيل ألوف.

وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.

وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.

وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".

قالوا: كان اسمه ذكوان.

و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.

ومعنى.

﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.

وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.

وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.

وقيل: إلى انتصاف النهار.

﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.

واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر  .

وقيل: جبرائيل.

وقيل: ملك أيد الله به سليمان.

وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.

وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.

وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.

ومنها قول سليمان.

﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.

واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.

وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.

وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.

وما ذلك العلم؟

قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.

والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.

ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.

والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.

يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.

ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.

وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.

وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.

وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.

قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.

﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.

زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.

قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.

وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.

﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.

وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.

أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.

﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.

والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.

وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.

والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.

ثم قال  ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.

ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.

قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.

وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.

عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟

فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.

فقال: النكاح من الإسلام.

فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.

وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.

﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.

قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.

وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.

قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.

أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.

وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.

وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.

﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.

وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.

﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.

تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.

والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.

﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.

﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.

سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.

آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.

والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ ﴾ : الرسول الذي بعثت معه بلقيس الهدية.

ويحتمل: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ ﴾ المال الذي بعثت إليه؛ يحتمل ذا أو ذا.

وقوله: ﴿ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ أي: أتعطونني بمال، وقال أهل الأدب: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ من المدد، والمدد الزيادة كما يمد القوم، ويكون الإعطاء كقوله: ﴿ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، ويحتمل هذه الزيادة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ ﴾ أي: ما آتاني الله من النبوة والعلم والحكمة خير مما آتاكم من الأموال.

ويحتمل: ﴿ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ ﴾ فأوتيكم إذا أتيتموني مسلمين ﴿ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ ﴾ ؛ إذ لم تؤتوني وأوتيتم الإسلام، أو كلام نحو هذا.

وقال بعض أهل التأويل: فما آتاني الله من الملك خير مما آتاكم من الملك؛ لأنه سخر له الجن والإنس والشياطين والطيور والرياح وجميع الأشياء، فذلك خير له وأعظم من ملكها.

والأول أشبه وأقرب؛ إذ لا يحتمل أن يفتخر سليمان بملكه على غيره، إنما يكون افتخاره بالدين والنبوة؛ والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ : قال بعضهم: بل أنتم بهديتكم تفرحون إذا ردت إليكم، لكن هذا بعيد: لا تفرح برد الهدية إذا ردت إليها، ولم تقبل بل تحزن على ذلك وتهتم، لكنه يقول - والله أعلم - بل أنتم أولى بالفرح بالمال والهدايا منا؛ إذ مرادكم المال والدنيا، ومرادنا الدين ودار الآخرة، أو كلام نحو هذا، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ : قال ذلك - والله أعلم - للرسول الذي أتاه بالهدية: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ ، أي: لنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها إن لم يأتوني مسلمين، ﴿ وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ إن لم يأتوني مسلمين.

ثم قال سليمان -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ ﴾ إنما خاطب به أشراف قومه، وهكذا العادة في الملوك أنهم إذا خاطبوا أحداً بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمنزلة منهم.

﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إنما قال هذا لأنه علم نبي الله متى أسلموا يحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يحرم ذلك عليه، لكن هذا محال بعيد وفحش من القول لا يحتمل أن يكون رغبة سليمان في الأموال هذا الذي ذكر بعدما رد هداياها إليها، وأخبر: إنكم تفرحون بها؛ لأنكم أهل دنيا؛ إذ رغبة أهل الدنيا في الأموال، ونحن أهل الدين رغبنا في الدين به نفرح، ويستعجل كل هذا الاستعجال رغبة في مالها وعرشها.

لكنه - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: أنه أراد أن يريهم قوته وسلطانه أن يرفع واحد من جنوده عرشها - مع عظمه - بمعاينة منهم ومشاهدة وحمله من بينهم؛ ليعلموا أن من قدر على ذلك لقادر أن يأتيهم بجنود لا طاقة لهم تصديقاً لما قال: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ ، ويقدر على قهرهم وغلبتهم.

والثاني: أراد أن يريهم آية من آيات نبوته إذا أتوه ﴿ قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك.

وهذا التأويل الذي ذكرنا آية، لكنه قبل أن يأتوه؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك.

وقوله: ﴿ قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ أي: مصالحين، وذلك جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ : قال بعضهم: مقامه: مجلسه الذي كان يقضي فيه إلى أن يفرغ من قضائه حتى يؤتى به.

﴿ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾ : لأن الجن أقوى من الإنس وصف نفسه بالأمانة؛ لأن الجن لا يرغبون في الأموال ما يرغب الإنس.

وقال بعضهم: أمين على فرج تلك المرأة.

مقامه: مجلس الرجل يكون فيه حتى يقوم، ولكن لا ندري ما أراد بمقامه الذي ذكر.

وقال بعضهم: أراد سليمان أن يكون أعجل من ذلك ﴿ قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ذكر أنه كان رجلا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: ﴿ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ .

ثم اختلف في ارتداد طرفه.

قال بعضهم: هو أن يبعث رسولا إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.

وقال بعضهم: هو الرجل ينظر إلى الشيء البعيد قبل أن يرجع إليه طرفه.

﴿ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ﴾ : قال بعضهم: دخل في نفق الأرض، فخرج بين يدي سليمان - يعني: العرش - كأنه - والله أعلم - أتاه إذ دعاه بذلك الاسم، من غير أن تكلف هو حمله أو إتيانه؛ فهذا يدل أن الآيات قد تجري على غير أيدي الرسل، لكن تكون الآية للرسول وإن كانت تجري على أيدي غيره.

ثم قال: ﴿ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ : قال بعضهم: والله ما جعله فخرا ولا أشرا ولا بطرا، لكنه جعله شكرا وتواضعا.

وقال بعضهم: لما دعا ذلك الرجل بذلك الاسم فرآه مستقرا عنده، وقع في قلب سليمان شيء وخطر بباله أنى يكون رجل عنده علم ما ليس عنده من العلم، قال: فعزم الله له على الخبر.

وقيل له: إنه ممن خولك الله، فقال سليمان: ﴿ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ ، يقول: ما أعطى ذلك الرجل ما لم يعطني ﴿ لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ ﴾ إذا كان مثله تحت يدي.

﴿ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ ، لكن لا يحتمل أن يشكر الله على ما أعطى غيره.

ثم يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ إتيانه أولئك مسلمين؛ أو النبوة والعلم الذي آتاه الله، قال: ذلك من فضل ربي، أراد تسخير ما سخر له ﴿ لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ ، أي: يمتحنني أأشكر أم أكفر؟

﴿ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ ليعلم أنه إنما يمتحن بالشكر، ويأمره به لا لمنفعة الممتحن ولكن لمنفعة المأمور به.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ : غني: عن شكره، كريم: يقبل القليل منه واليسير.

وقوله: ﴿ قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ نَكِّرُواْ ﴾ أي: غيروا لها عرشها؛ كأنه أمر أن يغيروا بعض ما عليه من الزيادة والنقصان؛ ليمتحنها أتعرف أنه عرشها أم لا؟

والمنكر هو الذي لا يعرف؛ كقوله: ﴿ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ أي: لم يعرفهم.

وقوله: ﴿ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا ﴾ : كان يجيء أن يقال: نكروا عرشها، ويكون ﴿ لَهَا ﴾ زائدة، إلا أن يقال: ﴿ نَكِّرُواْ لَهَا ﴾ ، أي: نكروا لأجلها عرشها، وهذا يشبه أن يكون.

وقوله: ﴿ نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: أتهتدي أنه عرشها أو لا تهتدي إليه؟

وجائز أن يكون قوله ننظر: أتهتدي إلى دين الله وتوحيده، أم تكون من الذين لا يهتدون إلى دين الله؟

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال سليمان  : غيِّروا لها سرير ملكها عن هيئته التي كان عليها ننظر: هل تهتدي إلى معرفة أنَّه سريرها، أم تكون من الذين لا يهتدون إلى معرفة أشيائهم؟

<div class="verse-tafsir" id="91.rl4RP"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا إله إلا الله