الآية ٥٩ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٥٩ من سورة النمل

قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ۗ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : ( الحمد لله ) أي : على نعمه على عباده ، من النعم التي لا تعد ولا تحصى ، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى ، وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم ، وهم رسله وأنبياؤه الكرام ، عليهم من الله الصلاة والسلام ، هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيره : إن المراد بعباده الذين اصطفى : هم الأنبياء ، قال : وهو كقوله تعالى : ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) [ الصافات : 180 - 182 ] .

وقال الثوري ، والسدي : هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - رضي [ الله ] عنهم أجمعين ، وروي نحوه عن ابن عباس .

ولا منافاة ، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى ، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى ، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعدما ذكر لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد ، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر ، أن يحمدوه على جميع أفعاله ، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار .

وقد قال أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح ، حدثنا طلق بن غنام ، حدثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي - إن شاء الله - عن أبي مالك ، عن ابن عباس : ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) قال : هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - اصطفاهم الله لنبيه ، رضي الله عنهم .

وقوله : ( آلله خير أم ما يشركون ) : استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( قُلِ ) يا محمد (الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على نعمه علينا, وتوفيقه إيانا لما وفِّقنا من الهداية، (وَسَلامٌ ) يقول: وأمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط, وقوم صالح, على الذين اصطفاهم, يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدِّين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركين به, الجاحدين نبوّة نبيه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حديث أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق, يعني ابن غنام, عن ابن ظهير, عن السديّ, عن أبي مالك, عن ابن عباس: (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه.

حدثنا عليّ بن سهل, قال: ثنا الوليد بن مسلم, قال: قلت لعبد الله بن المبارك: أرأيت قول الله (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) من هؤلاء؟

فحدثني عن سفيان الثوري, قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ ) يقول تعالى ذكره; قل يا محمد لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: آلله الذي أنعم على أوليائه هذه النعم التي قصَّها عليكم في هذه السورة, وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها خير, أما تشركون من أوثانكم التي لا تنفعكم ولا تضرّكم, ولا تدفع عن أنفسها، ولا عن أوليائها سوءً , ولا تجلب إليها ولا إليهم نفعا؟

يقول: إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل, فكيف تستجيزون أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم, ولا دفع ضرّ عنكم في عبادة من بيده النفع والضرّ, وله كل شيء؟

ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم, وأياديه عندهم, وتعريفهم بقلة شكرهم إياه على ما أولاهم من ذلك, فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال الفراء : قال أهل المعاني : قيل للوط قل الحمد لله على هلاكهم .

وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا وقالوا : هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ; أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية .

قال النحاس : وهذا أولى ، لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره .

وقيل : المعنى ; أي قل يا محمد [ ص: 204 ] الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى يعني أمته عليه السلام .

قال الكلبي : اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته .

وقال ابن عباس وسفيان : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته ، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده .

وفيه تعليم حسن ، وتوقيف على أدب جميل ، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما ، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين ، وإصغائهم إليه ، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع .

ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب ، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد ، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة ، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني ، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن .قوله تعالى : الذين اصطفى اختار ; أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام ; دليله قوله تعالى : وسلام على المرسلين .

( آلله خير ) وأجاز أبو حمزة ( أألله خير ) بهمزتين .

النحاس : ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك ; لأن هذه المدة إنما جيء بها فرقا بين الاستفهام والخبر ، وهذه ألف التوقيف ، و ( خير ) هاهنا ليس بمعنى أفضل منك ، وإنما هو مثل قول الشاعر [ حسان بن ثابت ] :أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداءفالمعنى : فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء .

ولا يجوز أن يكون بمعنى ( من ) لأنك إذا قلت : فلان شر من فلان .

ففي كل واحد منهما شر .

وقيل : المعنى : الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة !

وحكى سيبويه : السعادة أحب إليك أم الشقاء ; وهو يعلم أن السعادة أحب إليه .

وقيل : هو على بابه من التفضيل ، والمعنى : آلله خير أم ما تشركون ; أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون .

وقيل : قال لهم ذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيرا فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم .

وقيل : اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر .

وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب : ( يشركون ) بياء على الخبر .

الباقون بالتاء على الخطاب ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ; فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول : بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل الحمد لله الذي يستحق كمال الحمد والمدح والثناء لكمال أوصافه وجميل معروفه وهباته وعدله وحكمته في عقوبته المكذبين وتعذيب الظالمين، وسلم أيضا على عباده الذين تخيرهم واصطفاهم على العالمين من الأنبياء والمرسلين وصفوة الله من العالمين، وذلك لرفع ذكرهم وتنويها بقدرهم وسلامتهم من الشر والأدناس، وسلامة ما قالوه في ربهم من النقائص والعيوب.{ آللَّهُ خَيْرٌ أمَا يُشْرِكُونَ ْ} وهذا استفهام قد تقرر وعرف، أي: الله الرب العظيم كامل الأوصاف عظيم الألطاف خير أم الأصنام والأوثان التي عبدوها معه، وهي ناقصة من كل وجه، لا تنفع ولا تضر ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها مثقال ذرة من الخير فالله خير مما يشركون.ثم ذكر تفاصيل ما به يعرف ويتعين أنه الإله المعبود وأن عبادته هي الحق وعبادة [ما] سواه هي الباطل فقال:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( قل الحمد لله ) هذا خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية .

وقيل : على جميع نعمه .

( قل الحمد لله ) هذا خطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية .

وقيل : على جميع نعمه .

( وسلام على عباده الذين اصطفى ) قال مقاتل : هم الأنبياء والمرسلون دليله قوله - عز وجل - : " وسلام على المرسلين " .

وقال ابن عباس في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال الكلبي : هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين ( آلله خير أم ما يشركون ) قرأ أهل البصرة وعاصم : ( يشركون ) بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء ، يخاطب أهل مكة ، وفيه إلزام الحجة على المشركين بعد هلاك الكفار ، يقول : آلله خير لمن عبده ، أم الأصنام لمن عبدها ؟

والمعنى : أن الله نجى من عبده من الهلاك ، والأصنام لم تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» يا محمد «الحمد لله» على هلاك الكفار من الأمم الخالية «وسلام على عباده الذين اصطفى» هم «آلله» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهليها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه «خير» لمن يعبده «أمّا تشركون» بالتاء والياء أي أهل مكة به الآلهة خير لعابديها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: الثناء والشكر لله، وسلام منه، وأَمَنَةٌ على عباده الذين تخيرهم لرسالته، ثم اسأل مشركي قومك هل الله الذي يملك النفع والضر خير أو الذي يشركون من دونه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص بعض الأنبياء ، ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته ، وكمال قدرته ، وسعة فضله على عباده ، فقال - تعالى - : ( قُلِ الحمد لِلَّهِ .

.

.

) .قال صاحب البحر المحيط : لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة ، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين ، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع الله وعبدوها ، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله ، وكأنها صدر خطبة ، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة .

وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم ، وخطبهم ، ووعظهم ، فافتتحوا بتحميد الله ، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : ( الحمد لِلَّهِ ) - تعالى - وحده ، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده ، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه .وقل - أيضا - ( وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى ) أى : أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته ، والاستجابة لأمره ونهيه ، والطاعة له فى السر والعلن .والاستفهام فى قوله ( ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) للإنكار والتقريع ، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام .أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر ، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى ، خير ، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر ، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى - .

إن كل من عنده عقل ، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة ، هو الله رب العالمين .ولفظ ( خَيْرٌ ) ليس للتفضيل ، وإنما هو من باب التهكم بهم ، إذ لا خير فى عبادة الأصنام أصلا .

وقد حكى عن العرب أنهم يقولون : السعادة أحب إليك أم الشقاوة ، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا .قال الآلوسى : وقوله ( ءَآللَّهُ ) بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا ، والأصل أألله؟

( خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) والظاهر أن ( ما ) موصولة ، والعائد محذوف أى : آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و ( خَيْرٌ ) أفعل تفضيل ، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة ، والتهكم بهم ، إذا من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير ، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القول في خطاب الله عز وجل مع محمد صلى الله عليه وسلم: في هذه الآية قولان: الأول: أنه متعلق بما قبله من القصص والمعنى الحمد لله على إهلاكهم وسلام على عباده الذين اصطفى بأن أرسلهم ونجاهم الثاني: أنه مبتدأ فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام وكان محمد صلى الله عليه وسلم كالمخالف لمن قبله في أمر العذاب لأن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، أمره تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه بهذه النعم، وبأن يسلم على الأنبياء عليهم السلام الذين صبروا على مشاق الرسالة.

فأما قوله: ﴿ الله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فهو تبكيت للمشركين وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبيهاً على نهاية ضلالهم وجهلهم وقرئ ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ بالياء والتاء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال: «بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم».

ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى تكلم بعد ذلك في عدة فصول: الفصل الأول: في الرد على عبدة الأوثان، ومدار هذا الفصل على بيان أنه سبحانه وتعالى هو الخالق لأصول النعم وفروعها، فكيف تحسن عبادة ما لا منفعة منه ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده.

وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المسمع.

ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابراً عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله عزّ وجل وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد وقبل كل عظة وتذكرة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن.

وقيل: هو متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم والصلاة على الأنبياء عليهم السلام وأشياعهم الناجين.

وقيل: هو خطاب للوط عليه السلام، وأن يحمد الله على هلاك كفار قومه، ويسلم على من اصطفاه الله ونجاه من هلكتهم وعصمه من ذنوبهم ﴿ آلله خيرٌ أما يشركون ﴾ معلوم أن لا خير فيما أشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، وإنما هو إلزام لهم وتبكيت وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله، ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره من زيادة خير ومنفعة، فقيل لهم، مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه، وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن هوى وعبثاً، لينبهوا على الخطأ المفرط والجهل المورط وإضلالهم التمييز ونبذهم المعقول وليعلموا أنّ الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد.

ونحوه ما حكاه عن فرعون ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذا الذى هُوَ مَهِينٌ ﴾ [الزخرف: 52] مع علمه أنه ليس لموسى مثل أنهاره التي كانت تجري تحته.

ثم عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عدّدها في موضع آخر ثم قال: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء.

وقرئ: ﴿ يشركون ﴾ بالياء والتاء.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قرأها يقول: «بل الله خير وأبقى وأجل أكرم» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ  بَعْدَ ما قَصَّ عَلَيْهِ القِصَصَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِظَمَ شَأْنِهِ وما خَصَّ بِهِ رُسُلَهُ مِنَ الآياتِ الكُبْرى والِانْتِصارِ مِنَ العِدا- بِتَحْمِيدِهِ والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، أوْ عَلَّمَهُ ما جَهِلَ مِن أحْوالِهِمْ وعِرْفانًا لِفَضْلِهِمْ وحَقِّ تَقَدُّمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الدِّينِ، أوْ لُوطًا بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى هَلاكِ كَفَرَةِ قَوْمِهِ ويُسَلِّمُ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ الفَواحِشِ والنَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ.

﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ إلْزامٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا خَيْرَ فِيما أشْرَكُوهُ رَأْسًا حَتّى يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى} أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحميده ثم بالصلاة على المصطفين من عباده توطئه لما يتلوه من الدلالة على وحدانيته وقدرته على كل شيء وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال بأن يتبرك بهما ويستظهر بمكانهما أو هو خطاب للوط عليه السلام بأن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه الله ونجاه من هلكتهم وعصمه من ذنوبهم {آلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} بالياء بصري وعاصم ولا خير فيما أشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل شيء وإنما هو إلزام لهم وتهكم بحالهم وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لداع يدعوه إلى ايثارة من زيادة خبر ومنفعة فقيل لهم مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخبر ولكن هوى وعبثاً لينبهوا على الخطأ المفرط والجهل المورط وليعلموا أن الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ إثْرَ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى رَسُولِهِ  قِصَصَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ وأخْبارَهُمُ النّاطِقَةَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وعِظَمِ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وبِما خَصَّهم بِهِ مِنَ الآياتِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى جَلالَةِ أقْدارِهِمْ وصِحَّةِ أخْبارِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ صِحَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ وبُطْلانَ الكُفْرِ والإشْراكِ وأنَّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ فَقَدِ اهْتَدى، ومَن أعْرَضَ عَنْهم فَقَدْ تَرَدّى في مُهاوِي الرَّدى، وشَرَحَ صَدْرَهُ الشَّرِيفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما في تَضاعِيفِ تِلْكَ القِصَصَ مِن فُنُونِ المَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، ونُورِ قَلْبِهِ بِأنْوارِ المَلَكاتِ السُّبْحانِيَّةِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ القُدْسِ، وقَرَّرَ بِذَلِكَ فَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ .

أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَحْمَدَهُ بِأتَمِّ وجْهٍ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ ويُسَلِّمَ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ مَن قُصَّتْ أخْبارُهم وشُرِحَتْ آثارُهم عِرْفانًا لِفَضْلِهِمْ وأداءً لِحَقِّ تَقَدُّمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الدِّينِ، فالمُرادُ بِالعِبادِ المُصْطَفِينَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِدَلالَةِ المَقامِ، وقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ ﴾ ، وقِيلَ: هَذا أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، والسَّلامُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا لَمْ يَكُنِ اسْتِقْلالًا مِمّا لا خِلافَ في جَوازِهِ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ لا يَرْتابُ في جَوازِهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالحَمْدِ عَلى ما خَصَّهُ جَلَّ وعَلا بِهِ مِن رَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْ أُمَّتِهِ ومُخالَفَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ مِنَ الأُمَمِ المُسْتَأْصَلَةِ بِالعَذابِ، وبِالسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.

فالمُرادُ بِالمُصْطَفَيْنَ الأنْبِياءُ خاصَّةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيهِمْ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ في ﴿ وسَلامٌ ﴾ إلَخْ: نَزَلَتْ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ  خاصَّةً.

وهَذا ظاهِرٌ في القَوْلِ بِجَوازِ السَّلامِ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ اسْتِقْلالًا كَما هو مَذْهَبُ الحَنابِلَةِ وغَيْرِهِمْ، والكَلامُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابِ الِاقْتِضابِ كَأنَّهُ خُطْبَةٌ مُبْتَدَأةٌ حَيْثُ قالَ: أمَرَ رَسُولَهُ  أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ آللَّهُ ﴾ إلَخْ، وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ.

وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ وبَعْثٌ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذَّكِرِينَ والتَّبَرُّكِ بِهِما والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما عَلى قَبُولِ ما يَلْقى إلى السّامِعِينَ وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةِ الَّتِي يَبْغِيها المَسْمَعُ، ولَقَدْ تَوارَثَتِ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ فَحَمِدُوا اللَّهَ تَعالى وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمامَ كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ وقَبْلَ كُلِّ مَوْعِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ، وتَبِعَهُمُ المُتَراسِلُونَ فَأجْرُوا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ انْتَهى، ولَعَلَّ جَعَلَ ذَلِكَ تَخْلُّصًا مِن قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما جَرى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ المُشْرِكِينَ أوْلى، وأبْعَدُ الأقْوالِ القَوْلُ بِاتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْمَدَهُ تَعالى عَلى إهْلاكِ كَفَرَةِ قَوْمِهِ، وأنْ يُسَلِّمَ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ بِالعِصْمَةِ عَنِ الفَواحِشِ والنَّجاةِ عَنِ الهَلاكِ لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما بَعْدَهُ واحْتِياجِهِ إلى تَقْدِيرٍ وقُلْنا لَهُ، وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّ (سَلامٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ داخِلَةٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَوْلِ.

وقَرَأ أبُو السَّمالِ «الحَمْدُ لِلَّهِ» بِفَتْحِ اللّامِ ﴿ آللَّهُ ﴾ بِالمَدِّ لِقَلْبِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ألِفًا والأصْلُ أاللَّهُ.

﴿ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدَ مَحْذُوفٌ أيِ (آللَّهُ) الَّذِي ذَكَرْتَ شُؤُونَهُ العَظِيمَةَ خَيْرٌ أمِ الَّذِي يُشْرِكُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، (وخَيْرٌ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ ومَرْجِعُ التَّرْدِيدِ إلى التَّعْرِيضِ بِتَبْكِيتِ الكَفَرَةِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَسْفِيهِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ مِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ فِيما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ شائِبَةٌ خَيْرٌ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خَيْرٌ مَحْضٌ، وقِيلَ: ﴿ خَيْرٌ ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: الصَّلاةُ خَيْرٌ تَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ، والمُخْتارُ الأوَّلُ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ: كَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شِرْكَةَ هُناكَ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى الخَطَأِ ويُقْصَدُ بِالِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ ذَلِكَ إلْزامُهُ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، واسْتَظْهَرَ أيْضًا كَوْنُ المُرادِ بِالخَيْرِيَّةِ الخَيْرِيَّةَ في الذّاتِ، وقِيلَ: الخَيْرِيَّةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أعِبادَةُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ والحَذْفُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ إشْراكُهم ولا داعِيَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ الغائِبِ لِقُرَيْشٍ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المُهْلَكِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ الأكْثَرُونَ- تُشْرِكُونَ- بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى تَوْجِيهِ الخِطابِ لِمَن ذَكَرْنا مِنَ الكَفَرَةِ وهُوَ الألْيَقُ بِما بَعْدَهُ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْبَتْنا ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ التَّبْكِيتَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ، وحَمَلَهُ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أمَرَ بِهِ بِعِبادَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ، تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ، وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلُوطاً يعني: وأرسلنا لوطاً، عطفاً على قوله، وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ ويقال معناه: واذكر لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يعني: حين قال لقومه: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ- يعني: أتعملون المعصية وهي اللواطة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ يعني: تعلمون أنها فاحشة ومعصية هو وأعظم لذنوبكم (١) قوله عز وجل: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً يعني: تجامعون الرجال شهوة منكم مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أي جاهلون فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ وإنما نصب الجواب، لأنه خبر كان واسمه إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يعني: يتنزهون ويقذروننا بهذا الفعل، وإنا لا نحب أن يكون بين أظهرنا من ينهانا عن أعمالنا.

قال الله تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ يعني: ابنتيه ريثا وزعورا إِلَّا امْرَأَتَهُ لم ننجها من العذاب قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ أي: تركناها من الباقين في العذاب.

ويقال: قضينا عليها أنها من الباقين في العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً- يعني: على شذاذهم، أي الخارجين، المنفردين منهم، ومن كان منهم في الأسفار (٢) ثم قال عز وجل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال بعضهم: معناه قال الله تعالى للنبي  قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وقال بعضهم: معناه الحمد لله على هلاك كفار الأمم الماضية.

يعني: ما ذكر في هذه السورة من هلاك فرعون وقومه وثمود وقوم لوط.

ويقال: قال: الحمد لله الذي علمك، وبيّن لك هذا الأمر.

ويقال: إن هذا كان للوط حين أنجاه، أمره بأن يحمد الله تعالى.

ثم قال: وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ يعني: المرسلين الَّذِينَ اصْطَفى يعني: اختارهم الله تعالى للرسالة والنبوة.

وروي عن مجاهد أنه قال: «هم أمة محمد  ،» وكذلك قال مقاتل.

وقال سفيان الثوري: «هم أصحاب محمد  » ثم قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: الله تعالى أفضل أم الآلهة التي تعبدونها، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير يعني: الله تعالى خير لهم مما يشركون، فكان النبيّ  إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم» ويقال: معناه أعبادة الله خير أم عبادة ما يُشْرِكُونَ به من الأوثان؟

وقال القتبي: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.

يعني: أم من تشركون؟

فتكون ما مكان من كما قال: وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس: 5] يعني: ومن بناها وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الليل: 3] يعني: ومن خلق.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واللفظُ له وابن ماجهْ وابنُ حِبَّان في صحيحه، انتهى من «السلاح» .

وقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ الآياتِ: هذا ابتداء تقريرٍ وتنبيهٍ لقريشٍ والعربِ وهو بعدُ يَعُمُّ كلَّ مُكَلَّفٍ من الناس جميعاً، وافتتح ذَلِكَ بالقولِ بحمدِه- سبحانَه- وتمجيدِه وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوّة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من ولد آدم، وكأنَّ هذا صدرُ خُطْبَةٍ للتقريرِ المذكورِ، قالتْ فرقة: وفي الآية حذْفُ مضافٍ في موْضِعَيْن، التقدير: أتوحيدُ اللهِ خيرٌ أم عبادةٌ ما تشركونَ، ف «ما» ، على هذا: موصولةٌ بمعنى: الذي، وقالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، وحذفُ المضافِ إنما هو أولاً تَقْديرُه: أتوحيدُ الله خير أم شركُكُمْ.

ت: ومِنْ كلاَم الشيخ العارفِ بالله أَبى الحسن الشاذليِّ قَال- رحمه الله-: إن أردتَ أَن لا يصدأَ لكَ قلبٌ ولا يلحقك همٌّ ولا كربٌ ولا يبقَى عليكَ ذنبٌ- فأكْثِرْ من قولك: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله، اللهم ثبِّتْ عِلْمَها في قلبي، واغفر لي ذنبي، واغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، وقل الحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى» انتهى.

وقوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ وما بعدها من التقريراتِ توبيخٌ لهم وتقريرٌ على ما لا مَنْدُوحَةَ عن الإقرارِ به، و «الحدائق» مُجْتَمع الشجرِ من الأعنابِ والنَّخِيل وغير ذلك، قال قوم: لا يقال حديقةٌ إلا لِمَا عليه جدارٌ قد أحدق له.

وقال قوم: يقال ذلك كان جدارٌ أو لم يَكُنْ لأَن البَيَاضَ مُحْدِقٌ بالأشجار، والبهجةُ الجمالُ والنَّضَارَة.

وقوله سبحانه: مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي: ليس ذلك في قدرتكم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، أُمِرَ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ، ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ، الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الرُّسُلُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ، قالَ: اصْطَفى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، ومُوسى بِالكَلامِ، ومُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ.

والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ وحَّدُوهُ وآَمَنُوا بِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: أوْ ما يُشْرِكُونَ، وهَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: اللَّهُ خَيْرٌ لِمَن عَبْدَهُ، أمِ الأصْنامُ لِعابِدِيها؟!

ومَعْنى الكَلامِ: أنَّهُ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، أخْبَرَهم أنَّهُ نَجّى عابِدِيهِ، ولَمْ تُغْنِ الأصْنامُ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: أما يُشْرِكُونَ خَيْرٌ، أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ ﴿ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ﴾ ؟!

فَأمّا الحَدائِقُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي البَساتِينُ، واحِدُها: حَدِيقَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُحْدِقُ عَلَيْها، أيْ: يَحْظُرُ، والبَهْجَةُ: الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لَكم ذَلِكَ [لِأنَّكُمْ] لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ مُسْتَفْهِمًا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ ؟!

أيْ: لَيْسَ مَعَهُ إلَهٌ ﴿ بَلْ هُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في فاتِحَةِ (الأنْعامِ) .

﴿ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا ﴾ أيْ: مُسْتَقَرًّا لا تَمِيدُ بِأهْلِها ﴿ وَجَعَلَ خِلالَها ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَها ﴿ أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا ﴾ أيْ: مانِعًا مِن قُدْرَتِهِ بَيْنَ العَذْبِ والمِلْحِ أنْ يَخْتَلِطا، ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَدْرُ عَظَمَةِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَرَأ أبُو السَمالِ: "قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَذَلِكَ في آخِرِ السُورَةِ، وهَذِهِ ابْتِداءُ تَقْرِيرٍ وتَثْبِيتٌ لِقُرَيْشٍ، وهو أيْضًا يَعُمْ كُلَّ مُكَلِّفٍ مِنَ الناسِ جَمِيعًا، وافْتَتَحَ ذَلِكَ بِالقَوْلِ بِحَمْدِهِ وتَمْجِيدِهِ والسَلامِ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفاهم لِلنُّبُوَّةِ والإيمانِ، وهَذا اللَفْظُ عامٌ لِجَمِيعِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، وكَأنَّ هَذا صَدْرُ خُطْبَةٍ لِلتَّقْرِيرِ المَذْكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ النَبِيِّ  ، واصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الِاخْتِصاصِ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ.

وقالَ الفِراءُ: الأمْرُ بِالقَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ.

ثُمْ وقَّفَ قُرَيْشًا والعَرَبَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى مَوْضِعِ التَبايُنِ بَيْنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ الأوثانِ والأنْصابِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وعاصِمْ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وفِي هَذا التَفْضِيلِ بِلَفْظَةِ "خَيْرٌ" أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ التَفْضِيلَ وقَعَ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كانَتْ يَعْتَقِدُونَ أنَّ في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ في المَوْضِعَيْنِ، التَقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما تُشْرِكُونَ؟

فَـ "ما" في هَذا التَأْوِيلِ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وحَذْفُ المُضافِ إنَّما هو أوَّلًا، وتَقْدِيرُهُ: أتَوْحِيدُ اللهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكُمْ؟

وقِيلَ: "خَيْرٌ" هُنا لَيْسَتْ بِأفْعَلَ، وإنَّما هي بِفِعْلٍ، كَما تَقُولُ: "الصَلاةُ خَيْرٌ" دُونَ تَفْضِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي تَعُمْ مَعانِي كَثِيرَةٍ كَخَيْرٍ وشَرٍّ أو حُبٍّ ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ التَفْضِيلُ بِها بَيْنَ أشْياءَ مُتَبايِنَةٍ؛ لِأنَّ المُتَبايِناتِ رُبَّما اشْتَرَكَتْ فِيها ولَوْ بِوَجْهٍ ضَعِيفٍ بَعِيدٍ، وأيْضًا فَهَذا تَقْرِيرٌ، والمُجادِلُ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ لِتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ وإلْزامِهِ بِحَصْرِ التَفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ وانْتِفائِهِ عَنِ الأُخَرِ، وقَدِ اسْتَوْعَبْنا هَذا فِيما مَضى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: آللَّهُ ذُو خَيْرٍ أمّا تُشْرِكُونَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا النَوْعُ مِنَ الحَذْفِ بَعِيدٌ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعاصِمْ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أمَّنْ خَلَقَ ﴾ وما بَعْدَها مِنَ التَوْقِيفاتِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وتَقْرِيرٌ عَلى ما لا مَندُوحَةَ لَهم عَنِ الإقْرارِ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أمَّنَ" بِشَدِّ المِيمِ، وهي "أمْ" دَخَلَتْ عَلى "مِن"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أمَن" بِفَتْحِ المِيمِ مُسَهَّلَةً، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلِاسْتِفْهامِ و"مِنَ" ابْتِداءٌ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويُشْرِكُ بِهِ؟

ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعْنى.

و"الحَدائِقُ" مُجْتَمَعُ الشَجَرِ مِنَ العِنَبِ والنَخِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ قَوْمٌ: لا يُقالُ: "حَدِيقَةٌ" إلّا لِما عَلَيْهِ جِدارٌ قَدْ أحْدَقَ بِهِ، وقالَ قَوْمٌ: تَقُولُ ذَلِكَ إذا كانَ جِدارٌ أو لَمْ يَكُنْ لِأنَّ البَياضَ مُحَدَّقٌ بِالأشْجارِ.

و"البَهْجَةُ": الجَمالُ والنُضْرَةُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَواتِ بَهْجَةٍ".

ثُمْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- أنَّهُ ما كانَ لِلْبَشَرِ، أيْ: ما يَتَهَيَّأُ لَهُمْ، ولا يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ أنْ يُنْبِتُوا شَجَرَها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِإخْراجِ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَرْتِيبُ القِراءَةِ في الهَمْزَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: أئِنَّ و ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "أإلَهٌ"، قالَ أبُو حاتِمُ: القِراءَةُ بِاجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ مُحَدَّثَةٌ لا تُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ ولا قَرَأ بِها قارِئٌ عَتِيقٌ.

و"يَعْدِلُونَ" يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ: يَعْدِلُونَ عن طَرِيقِ الحَقِّ، أيْ: يَجُورُونَ في فِعْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ: يَعْدِلُونَ بِاللهِ غَيْرَهُ، أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا.

و"خِلالَها" مَعْناهُ: بَيْنَها وأثْناءَها، و"الرَواسِي": الجِبالُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ وتَأصَّلَ، و"البَحْرانِ": الماءُ العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ، و"الحاجِزُ": ما جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَغَلَبَ المُلْحُ العَذْبَ، وكُلُّ ما مَضى مِنَ القَوْلِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ  ﴾ فَهو مُتَرَتِّبٌ هُنا فَتَأمَّلَهُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ المنذرين * قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ ﴾ لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالاً بأحوال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي أنزل عليه، وفي خلال ذلك وحَفَافيه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه أقبل الله بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصاً واستنتاجاً منها، وشكر الله على المقصود منها.

فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت.

أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات.

وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين كقوله ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ [الأنعام: 45] ونظيره قوله في سورة العنكبوت (63) ﴿ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقوله في آخر هذه السورة (93) ﴿ وقل الحمد لله سيريكم ﴾ الآية.

فأمر الرسول بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء إلى وعد الرسول بالنصر على أعدائه.

فقوله قل الحمد لله } أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بإنشاء حمد الله.

وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة.

وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بأن يتبعه بالسلام على الرسل الذين سبقوه قدراً لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق.

وأصل ﴿ سلام ﴾ سلمت سلاماً، مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم مفعوله المطلق بدلاً عنه.

وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام كما تقدم عند قوله ﴿ الحمد لله ﴾ في أول سورة الفاتحة (2).

والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ: سلام عليك، أو السلام عليك.

ومعناه سلامة وأمنٌ ثابت لك لا نكول فيه، لما تؤذن به (على) من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].

وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحَن أو يكون من أحدهما إغراء بالآخر، فكان لفظ (السلام عليك) كالعهد بالأمان.

ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ونية الإعانة والقرى، شاع إطلاق كلمة: السلام عليك، ونحوها عند قصد الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة، فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو له بالسلامة في حياته.

فلذلك قال تعالى ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ﴾ كما تقدم في سورة النور (61) وصار قول: السلام، بمنزلة قول: حياك الله، ولكنهم خصُّوا كلمة: (حياك الله) بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة (السلام عليكم) بهذا إلى طور آخر من أطوار استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم.

ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا كقوله حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله ﴿ والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ﴾ [مريم: 33].

وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ [مريم: 33]، وقوله عن أهل الجنة ﴿ لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولاً من رب رحيم ﴾ [يس: 57، 58].

وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات.

وأيضاً أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال ﴿ يأ أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ [الأحزاب: 56] أي قولوا: السلام عليك أيها النبي لأن مادة التفعيل قد يُؤتى بها للدلالة على قول منحوب من صيغة التفعيل، فقوله: ومعنى وسلام على عباده الذين اصطفى} إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد المصطفين، أي أن يجعل لهم ذكراً حسناً في الملأ الأعلى.

فإذا قال القائل: السلام على فلان؛ وفلان غائب أو في حكم الغائب كان ذلك قرينة على أن المقصود الدعاء له بسلام من الله عليه.

فقد أزيل منه معنى التحية لا محالة وتعين للدعاء، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين.

عن أن يقولوا في التشهد: السلام على الله السلام على النبي السلام على فلان وفلان.

فقال لهم " إن الله هو السلام " أي لا معنى للسلام على الله في مقام الدعاء لأن الله هو المدعو بأن يسلم على من يطلب له ذلك.

فلما أمر تعالى في هذه السورة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول ﴿ سلام على عباده الذين اصطفى ﴾ فقد عيّن له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر، إذ قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله أن ينفحه بالكرامة.

والعباد الذين اصطفاهم الله في مقدمتهم الرسل والأنبياء ويشمل ذلك الصالحين من عباده كما في صيغة التشهد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».

وسيأتي الكلام على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب.

﴿ اصطفى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا ﴾ 4 هذا مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله فأمر أن يقول: ﴿ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ تمهيداً لقوله: ﴿ آللَّه خير أما تشركون ﴾ لأن العباد الذين اصطفاهم الله جاؤوا كلهم بحاصل هذه الجملة.

وأمر أن يشرع في الاستدلال على مسامع المشركين فيقول لهم هذا الكلام، بقرينة قوله ﴿ أما تشركون ﴾ بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور، ولأن المناسب للاستفهام أن يكون موجهاً إلى الذين أشركوا بالله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين.

والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على خطئه.

وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية والعبادة.

فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية، وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم الجامع لمعاني الصفات كلها، وهو اسم الجلالة.

فقيل: ﴿ آللَّه خير ﴾ .

وجيء فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات.

وجاء ﴿ خير ﴾ بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء الله في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم، فعبّر ب ﴿ خير ﴾ لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية الله تعالى على أصنامهم استدراجاً لهم في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله.

والعاقل لا يؤثر شيئاً على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره، ففي هذا الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء.

والمعنى: ءالله الحقيق بالإلهية أم ما تشركونهم معه.

والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود ﴿ أم ﴾ المعادلة للهمزة فإن التهكم يبنى على الاستعمال الحقيقي.

وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ستعلمه..

وقرأ الجمهور ﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب.

وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم محكياً بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر.

و ﴿ ما ﴾ موصولة والعائد محذوف.

والتقدير: ما يشركونها إياه، أي أصنامكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّخْلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الحائِطُ مِنَ الشَّجَرِ والنَّخْلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ ذاتَ بَهْجَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ذاتُ غَضارَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ذاتُ حُسْنٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ أيْ ما كانَ في قُدْرَتِكم أنْ تَخْلُقُوا مِثْلَها.

﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لَيْسَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أإلَهُ مَعَ اللَّهِ يَفْعَلُ هَذا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ.

الثّانِي: يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فَيَجْعَلُونَ لَهُ عِدْلًا أيْ مَثَلًا، قالَهُ قُطْرُبٌ ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى الله ﴾ قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سفيان الثوري في قوله: ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ قال: نزلت في أصحاب محمد خاصة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان إذا قرأ ﴿ آلله خير أما يشركون ﴾ قال: بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب لرسول الله -  -، أُمِر أن يقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ (١) (٢) وقال الفراء: قيل للوط: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على هلاك من هلك (٣) ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ والمفسرون على ما ذكرنا.

قوله تعالى: ﴿ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾ قال مقاتل: هم الأنبياء الذين اختارهم الله لرسالته (٤) وقال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد -  - (٥) (٦) وقال عطاء عنه: يريد الذين وحدوني وآمنوا بي (٧) (٨) وقال الكلبي: هم أمة محمد -  -، اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته (٩) ثم قال: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [[قال الثعلبي 8/ 133 ب: بهمزة ممدودة، وكذا كل استفهام لقيته ألف وصل، مثل: ﴿ آلذَّكَرَيْنِ ﴾ \[الأنعام 143، 144\] و ﴿ آلْآنَ ﴾ \[يونس 51، 91\] جعلت المدة علمًا بين الاستفهام والخبر.]] قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يا أهل مكة، يريد: الذين جعلتموهم لي أندادًا.

وقال مقاتل: أراد يشركون به.

يقول: الله أفضل أم الآلهة التي يعبدونها، يعني: كفار مكة، قال: وكان النبي إذا قرأ هذه الآية قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" (١٠) وهذا مذهب أهل التفسير (١١) وجعل الفراء هذه الآية من باب حذف المضاف؛ فقال: يقول: أعبادة الله خير أم عبادة الأصنام (١٢) وقال أهل المعاني: يجوز في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه إذا كان يتوهم بعض الجهال الأمر على خلاف ما هو به أن يقال: هذا الخير خير من الشر، فلما كان المشركون يتوهمون في الأصنام وفي عبادتها خيرًا، قيل لهم احتجاجًا عليهم: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (١٣) (١) "تفسير ابن جرير" 20/ 2.

والثعلبي 8/ 1133.

قال النحاس: وهذا أولى؛ لأن القرآن منزل على النبي -  -.

(٢) "تفسير مقاتل" 61 أ.

وفي نسخة: ب: الماضية.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 297.

(٤) "تفسير مقاتل" 61 أ.

(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 2، وابن أبي حاتم 9/ 2906، والثعلبي 8/ 133 أ، كلهم من طريق السدي عن أبي مالك؛ وهو: عبيد الله بن الأخنس النخعي، أبو مالك الخزاز، صدوق يخطئ كثيرًا، روى عن نافع وابن أبي مليكة وغيرهم، وروى عنه: يحيى بن القطان، وغيره.

الجرح والتعديل 5/ 307، و"تقريب التهذيب" 635.

(٦) أخرجه عنهما ابن جرير 20/ 2.

وسفيان بن سعيد، هو: الثوري.

وقال ابن أبي حاتم 9/ 2906: وروي عن السدي، وسفيان الثوري نحو ذلك.

وأخرجه الثعلبي 8/ 133 أ، عن سفيان.

(٧) ذكره عنه من طريق عطاء ابن الجوزي 6/ 185.

(٨) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2906، عن عبد الرحمن بن زيد.

وهذا القول أحسن لعمومه، فيدخل فيه الأنبياء والرسل وأتباعهم.

وذكر هذا القول الهواري 3/ 260.

(٩) ذكره عنه الثعلبي 8/ 1133.

وهو في "تنوير المقباس" 320.

(١٠) "تفسير مقاتل" 161.

وذكره الثعلبي 8/ 133ب، من غير سند ولا راو، كما قال الزيلعىِ في تخريج أحاديث الكشاف 3/ 18، وقال فيه: قال البيهقي في "شعب الإيمان" في الباب التاسع: وقد روي في ختم القرآن حديث منقطع بسند ضعيف، ثم ساقه بتمامه، وفيه هذا اللفظ.

وقد أعرض عن ذكره الواحدي في كتابيه: الوسيط، والوجيز.

والحديث ذكره البيهقي في شعب الإيمان في حديث طويل، في الباب التاسع عشر، ولم أجده في الباب التاسع.

شعب الإيمان 2/ 372، رقم الحديث: 2082.

(١١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2906، عن السدي.

وهو قول الهواري 3/ 260.

وابن جرير 20/ 2.

والثعلبي 8/ 133 ب.

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 297.

(١٣) ذكر معناه النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 217.

وسبق الحديث عن هذه المسألة في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى ﴾ أمر الله رسول أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا، لأنها براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على من اصطفاه من عباده، كما تستفتخ الخطب والكتب وغيرها بذلك، تيمناً بذكر الله، قال ابن عباس: يعني بعباده الذين اصطفى الصحابة، واللفظ يعم الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ على وجه الرد على المشركين، فدخلت خير التي يراد بها التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خبر فيما أشركوا أصلاً، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله: ﴿ أإله مَّعَ الله ﴾ على وجه التقرير لهم، على أنه لم يفعل ذلك كله إلا الله وحده، فقامت عليهم الحجة بذلك وفيها أيضاَ نِعَمٌ يجب شركها فقامت بذلك أيضاً، وأمَّا في قوله: ﴿ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ متصلة عاطفة، وأم في المواضع التي بعد منقطعة بمعنى بل والهمزة ﴿ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ أي يعدلون عن الحق والصواب أو يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلاً ومثيلاً ﴿ رَوَاسِيَ ﴾ يعني الجبال ﴿ البحرين ﴾ ذكر في [الفرقان: 53].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.

وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.

الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.

الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.

الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.

﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.

"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.

والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.

وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.

وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله  هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.

ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.

عن ابن عباس: كان النبي  قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.

﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.

والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.

وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.

قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.

ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.

قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.

يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.

وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.

من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".

وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون  ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.

القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.

أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط  أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.

وقيل: أمر لنبينا  بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله  بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.

ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.

قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.

قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.

عن رسول الله  أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.

ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل  ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.

ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.

والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.

والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.

وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.

ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.

قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.

ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.

وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.

والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.

والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".

ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.

والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله  ، وإنه افتعال من الضر.

وعن ابن عباس: هو المجهود.

وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.

والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".

وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.

ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.

والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.

واعلم أن الله  ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.

قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.

وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.

قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.

قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله  في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.

وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله  في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.

وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.

وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.

وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.

ومن هنا قال  : "بئس خطيب القوم أنت" .

لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.

والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.

عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله  يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.

قال المفسرون: سال المشركون رسول الله  عن وقت الساعة فنزلت.

وأيان بمعنى متى.

إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.

ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.

ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.

وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.

ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.

وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.

وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.

وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.

قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.

التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.

والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.

وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق  .

ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.

فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.

ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.

وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.

وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء الرسل الخالية.

ثم قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم.

وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفاً لأعداء رسول الله  أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية.

أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من أنواع النعم من النبوة والرسالة والهداية ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ : يحتمل الرسل؛ كقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أمر رسوله بالسلام على المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين.

ثم في قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا تملك شيئاً من ذلك؟

يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئاً، فكيف تشركونها في ألوهيته؟!

وإلا لم يذكر جواب قوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ جوابه أن يقولوا: بل الله خير.

وكذلك روي في الخبر عن رسول الله  - إن ثبت -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية، قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" وقوله: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : يذكرهم بهذا؛ لوجهين: أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟!

والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعاً، واتصال منافع أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟!

وهو كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة.

وقوله: ﴿ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الحدائق: الحيطان، والبساتين: ما دون الحيطان.

وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة بها.

وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة.

وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق بها، أي: تحيط ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : حسن المنظر.

وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر.

وقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد؛ فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: [أحدهما]: يحتمل ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.

والثاني: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يعدلون على الله، ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.

﴿ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ﴾ : يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، ﴿ وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً ﴾ : ينتفعون بها أنواع المنافع ويشربون، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ ، أي: الجبال لئلا تميد بهم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ : قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب حاجزاً، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب.

وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ بين العذب والمالح حاجزاً بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفاً منه، يذكرهم نعمه عليهم ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى غير المنعم؟!

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به.

والثاني: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخرج على الصلة بقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير، أمّن لا يملك من ذلك شيئاً؟

فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك.

أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله  ، لا الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟!

والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوية، والأوّل على المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسيمته الإله.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ على الوجوه التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ﴾ أي: من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر [على] هذا يقدر [على] ما ذكر.

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون.

وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره، ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في مقالتكم.

وقوله: ﴿ بُشْرَاً ﴾ من البشارة و"نُشْراً" بالنون من التفريق والرفع.

وقوله: ﴿ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ويرعى أنعامكم، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشراً، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئاً أن يفعل ذلك بكم؟!

يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.

ثم قال: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أن مع الله إلهاً فعل ذلك بكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب الله.

ثم قوله: ﴿ ٱلْغَيْبَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.

والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك.

ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا الله.

وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعاً سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]، أخبر أنه لم يطَّلِعْ أحد على علم ذلك عند الله.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : اختلف في قراءته وتأويله.

أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد والألف.

وقرأ بعضهم: ﴿ ادَّرَكَ ﴾ بإسقاط الألف والتشديد.

وقرأ بعضهم: ﴿ بلي ﴾ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ ، على الوقف عليها، و ﴿ أَأَدّرَكَ ﴾ على الاستفهام: ﴿ بلى أَأَدَّرَكَ ﴾ .

ومنهم من قرأ على الاستفهام: ﴿ آدْرَكَ ﴾ على غير إثبات الياء في حرف ﴿ بَل ﴾ وعلى غير قطع منه.

فمن قرأ: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.

أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ ، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أم ادَّارك علمهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادّرك في الآخرة حين لم ينفعهم.

وعن الحسن: قال: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ ، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.

﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ﴾ قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ يعني: جهلة بها.

وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيّاً.

وأبو عوسجة والقتبي يقولان: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ أي: من علمها.

وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: الحمد لله على نعمه، وأمان منه من عذابه الَّذي عذب به قوم لوط وصالح لأصحاب النبي  ، الله المعبودُ بحقٍّ الَّذي بيده ملكوت كل شيء خير أم ما يعبده المشركون من معبودات لا تملك نفعًا ولا ضرًّا؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.3AxML"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله