الآية ٦٠ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٦٠ من سورة النمل

أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍۢ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ يَعْدِلُونَ ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره ، فقال : ( أمن خلق السموات والأرض ) أي : تلك السموات بارتفاعها وصفائها ، وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة ، والأرض باستفالها وكثافتها ، وما جعل فيها من الجبال والأوعار والسهول ، والفيافي والقفار ، والأشجار والزروع ، والثمار والبحور والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك .

وقوله : ( وأنزل لكم من السماء ماء ) أي : جعله رزقا للعباد ، ( فأنبتنا به حدائق ) أي : بساتين ( ذات بهجة ) أي : منظر حسن وشكل بهي ، ( ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) أي : لم تكونوا تقدرون على إنبات شجرها ، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق ، المستقل بذلك المتفرد به ، دون ما سواه من الأصنام والأنداد ، كما يعترف به هؤلاء المشركون ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) [ الزخرف : 87 ] ، ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ) [ العنكبوت : 63 ] أي : هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له ، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق ، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق ; ولهذا قال : ( أإله مع الله ) أي : أإله مع الله يعبد .

وقد تبين لكم ، ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضا أنه الخالق الرازق .

ومن المفسرين من يقول : معنى قوله : ( أإله مع الله ) [ أي : أإله مع الله ] فعل هذا .

وهو يرجع إلى معنى الأول ; لأن تقدير الجواب أنهم يقولون : ليس ثم أحد فعل هذا معه ، بل هو المتفرد به .

فيقال : فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير ؟

كما قال : ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) [ النحل : 17 ] .

وقوله هاهنا : ( أمن خلق السموات والأرض ) : ( أمن ) في هذه الآيات [ كلها ] تقديره : أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها ؟

هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر ; لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك ، وقد قال : ( آلله خير أما يشركون ) .

ثم قال في آخر الآية : ( بل هم قوم يعدلون ) أي : يجعلون لله عدلا ونظيرا .

وهكذا قال تعالى : ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [ الزمر : 9 ] أي : أمن هو هكذا كمن ليس كذلك ؟

ولهذا قال : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ) [ الزمر : 9 ] ، ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) [ الزمر : 22 ] وقال ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) [ الرعد : 33 ] أي : أمن هو شهيد على أفعال الخلق ، حركاتهم وسكناتهم ، يعلم الغيب جليله وحقيره ، كمن هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها ؟

ولهذا قال : ( وجعلوا لله شركاء قل سموهم ) [ الرعد : 33 ] ، وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره للمشركين به من قُريش: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم التي لا تضرّ ولا تنفع خير, أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟(وَأَنـزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) يعني مطرا, وقد يجوز أن يكون مريدا به العيون التي فجَّرها في الأرض؛ لأن كل ذلك من خلقه (فَأَنْبَتْنَا بِهِ ) يعني بالماء الذي أنـزل من السماء (حَدَائِقَ) وهي جمع حديقة, والحديقة: البستان عليه حائط محوّط, وإن لم يكن عليه حائط لم يكن حديقة.

وقوله: (ذَاتَ بَهْجَةٍ ) يقول: ذات منظر حسن.

وقيل ذات بالتوحيد.

وقد قيل حدائق, كما قال: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ,وقد بيَّنت ذلك فيما مضى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء, جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ) قال: البهجة: الفقاح مما يأكل الناس والأنعام.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ) قال: من كل شيء تأكله الناس والأنعام.

وقوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) يقول تعالى ذكره: أنبتنا بالماء الذي أنـزلناه من السماء لكم هذه الحدائق، إذ لم يكن لكم لولا أنه أنـزل عليكم الماء من السماء، طاقة أن تنبتوا شجر هذه الحدائق, ولم تكونوا قادرين على ذهاب ذلك, لأنه لا يصلح ذلك إلا بالماء.

وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: أمعبود مع الله أيها الجهلة خلق ذلك, وأنـزل من السماء الماء, فأنبت به لكم الحدائق؟

فقوله: (أَإِلَهٌ) مردود على تأويل: أمع الله إله، (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضلال, يعدلون عن الحقّ, ويجورون عليه, على عمد منهم لذلك, مع علمهم بأنهم على خطأ وضلال ولم يعدلوا عن جهل منهم, بأن من لا يقدر على نفع ولا ضرّ, خير ممن خلق السماوات والأرض, وفعل هذه الأفعال, ولكنهم عدلوا على علم منهم ومعرفة, اقتفاء منهم سُنّة من مضى قبلهم من آبائهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

[ ص: 205 ] قوله تعالى : أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء قال أبو حاتم : تقديره ; آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض ; وقد تقدم .

ومعناه : قدر على خلقهن .

وقيل : المعنى : أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض ؟

فهو مردود على ما قبله من المعنى ; وفيه معنى التوبيخ لهم ، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم .

فأنبتنا به حدائق ذات بهجة الحديقة : البستان الذي عليه حائط .

والبهجة : المنظر الحسن .

قال الفراء : الحديقة : البستان المحظر عليه حائط ، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة .

وقال قتادة وعكرمة : الحدائق : النخل ذات بهجة ، والبهجة : الزينة والحسن ; يبهج به من رآه .

ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ( ما ) للنفي .

ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا ; أي ما كان للبشر ، ولا يتهيأ لهم ، ولا يقع تحت قدرتهم ، أن ينبتوا شجرها ; إذ هم عجزة عن مثلها ، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود .قلت : وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن ; وهو قول مجاهد .

ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ; قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل فذكره ; فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع .

هذا واضح .

وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به .

وقد قال ابن عباس للذي سأله أن يصنع الصور : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا .

والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في ( سبأ ) إن شاء الله تعالى .

ثم قال على جهة التوبيخ : ( أإله مع الله ) أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك .

بل هم قوم يعدلون بالله غيره .

وقيل : يعدلون عن الحق والقصد ; أي يكفرون .

وقيل : ( إله ) مرفوع ب ( مع ) تقديره : أمع الله ويلكم إله .

والوقف على مع الله حسن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أمن خلق السماوات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والملائكة والأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار وأشجار وغير ذلك.{ وَأَنْزَلَ لَكُمْ ْ} أي: لأجلكم { مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ْ} أي: بساتين { ذَاتَ بَهْجَةٍ } أي: حسن منظر من كثرة أشجارها وتنوعها وحسن ثمارها، { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ْ} لولا منة الله عليكم بإنزال المطر.

{ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ْ} فعل هذه الأفعال حتى يعبد معه ويشرك به؟

{ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ْ} به غيره ويسوون به سواه مع علمهم أنه وحده خالق العالم العلوي والسفلي ومنزل الرزق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أمن خلق السماوات والأرض ) معناه آلهتكم خير أم الذي خلق السماوات والأرض ، ( وأنزل لكم من السماء ماء ) يعني المطر ، ( فأنبتنا به حدائق ) ؟

بساتين جمع حديقة ، قال الفراء : الحديقة البستان المحاط عليه ، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة ، ( ذات بهجة ) أي : منظر حسن ، والبهجة : الحسن يبتهج به من يراه ، ( ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) أي : ما ينبغي لكم ، لأنكم لا تقدرون عليها .

( أإله مع الله ) استفهام على طريق الإنكار ، أي : هل معه معبود سواه أعانه على صنعه ؟

بل ليس معه إله .

( بل هم قوم ) يعني كفار مكة ، ( يعدلون ) يشركون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أمَّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا» فيه التفتات من الغيبة إلى التكلم «به حدائق» جمع حديقة وهو البستان المحوط «ذات بهجةِ» حُسن «ما كان لكم أن تنبتوا شجرها» لعدم قدرتكم عليه «أإلهٌ» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في مواضعه السبعة «مع الله» أعانه على ذلك أي ليس معه إله «بل هم قوم يعدلون» يشركون بالله غيره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واسألهم مَن خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبت به حدائق ذات منظر حسن؟

ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، لولا أن الله أنزل عليكم الماء من السماء.

إن عبادته سبحانه هي الحق، وعبادة ما سواه هي الباطل.

أمعبود مع الله فعل هذه الأفعال حتى يُعبد معه ويُشرك به؟

بل هؤلاء المشركون قوم ينحرفون عن طريق الحق والإيمان، فيسوون بالله غيره في العبادة والتعظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - خمس آيات ، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه ، وختم كل آية بقوله : ( أإله مَّعَ الله ) ؟

فقال - تعالى - ( أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض .

.

) و ( أم ) هنا منقطعة بمعنى بل الإضرابية والاستفهام للإنكار والتوبيخ .أى : بل قالوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض ، وأوجدهما على هذا النحو البديع ، والتركيب المحكم .( وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السمآء مَآءً ) وهو المطر ، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم .( فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ) والحدائق : جمع حديقة ، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار ، من أحدث بالشىء إذا أحاط به ، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا .أى : وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا ، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن ، يشرح الصدور ، ويدخل السرور على النفوس .وقال - سبحانه - : ( فَأَنبَتْنَا .

.

) بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم .

لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده ، وللإيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها ، وأشجارها ، وطعومها .

لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه - .ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله : ( مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ) أى : ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال ، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق ، فضلا عن إيجاد ثمارها ، وإخراجها من العدم إلى الوجود .قال الإمام الرازى : يقال : ما حكمة الالتفات فى قوله : ( فَأَنبَتْنَا .

.

) والجواب : أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض ، ومنزل الماء من السماء ، ليس إلا الله - تعالى - .ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإنسان ، فإن الإنسان قد يقول : أنا الذى ألقى البذر فى الأرض ، وأسقيها الماء .

.

.

وفاعل السبب ، فاعل للمسبب ، فأنا المنبت للشجرة .فلما كان هذا الاحتمال قائما .

لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال .

لأن الإنسان قد يأتى بالبذر والسقى .

.

.

ولا يأتى الزرع على وفق مراده .

.

.

فلهذه النكتة جاء الالتفات .

.

.وقوله - تعالى - : ( أإله مَّعَ الله ) أى : أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء .

.

.

كلا .

لا شريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته ، وإيجاده لهذه الكائنات ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) .أى : بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد ، إلى الباطل البين وهو الشرك .فقوله : ( يَعْدِلُونَ ) مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل .

أو من العدل والمساواة ، فيكون المعنى : بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم .والجملة الكريمة : انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب ، إلى توبيخهم ، وتجهيلهم ، وبيان سوء تفكيرهم ، وانطماس بصائرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

النوع الأول ما يتعلق بالسموات: وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الفرق بين أم وأم في ﴿ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ و ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ﴾ أن الأولى متصلة لأن المعنى أيهما خير وهذه منقطعة بمعنى بل، والحديقة البستان عليه سور من الإحداق وهو الإحاطة، وقيل ﴿ ذَاتُ ﴾ لأن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة، كما يقال النساء ذهبت والبهجة الحسن، لأن الناظر يبتهج به ﴿ أإله مَّعَ الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له وقرئ ﴿ أإلهاً مَعَ الله ﴾ بمعنى (تدعون أو تشركون).

المسألة الثانية: أنه تعالى بين أنه الذي اختص بأن خلق السموات والأرض، وجعل السماء مكاناً للماء، والأرض للنبات، وذكر أعظم النعم وهي الحدائق ذات البهجة، ونبه تعالى على أن هذا الإنبات في الحدائق لا يقدر عليه إلا الله تعالى، لأن أحدنا لو قدر عليه لما احتاج إلى غرس ومصابرة على ظهور الثمرة وإذا كان تعالى هو المختص بهذا الإنعام وجب أن يخص بالعبادة، ثم قال: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ وقد اختلفوا فيه فقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر وقيل، يعدلون بالله سواه ونظير هذه الآية أول سورة الإنعام.

المسألة الثالثة: يقال ما حكمة الالتفات في قوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا ﴾ ؟

جوابه: أنه لا شبهة للعاقل في أن خالق السموات والأرض ومنزل الماء من السماء ليس إلا الله تعالى، وربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان، فإن الإنسان يقول أنا الذي ألقى البذر في الأرض الحرة وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها، وفاعل السبب فاعل للمسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة فلما كان هذا الاحتمال قائماً، لا جرم أزال هذا الاحتمال فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا ﴾ وقال: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ لأن الإنسان قد يأتي بالبذر والسقي والكرب والتشميس ثم لا يأتي على وفق مراده والذي يقع على وفق مراده فإنه يكون جاهلاً بطبعه ومقداره وكيفيته فكيف يكون فاعلاً لها، فلهذه النكتة حسن الالتفات هاهنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما الفرق بين أم وأم في ﴿ أَمْ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ و ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السماوات ﴾ ؟

قلت: تلك متصلة؛ لأنّ المعنى: أيهما خير.

وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة، لما قال تعالى: آلله خير أم الآلهة؟

قال: بل أمّن خلق السموات والأرض خير؟

تقريراً لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء.

وقرأ الأعمش: أمَن، بالتخفيف.

ووجهه أن يجعل بدلاً من الله، كأنه قال: أمّن خلق السموات والأرض خير أم ما تشركون؟

فإن قلت: أي نكتة في نقل الإخبار عن الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله فَأَنْبَتْنَا؟

قلت: تأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها وبهجتها بماء واحد.

لا يقدر عليه إلا هو وحده.

ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ ومعنى الكينونة: الانبغاء.

أراد أن تأتي ذلك محال من غيره، وكذلك قوله: ﴿ بَلْ هُمْ ﴾ بعد الخطاب: أبلغ في تخطئة رأيهم.

والحديقة: البستان عليه حائط: من الإحداق وهو الإحاطة.

وقيل (ذات)؛ لأنّ المعنى: جماعة حدائق ذات بهجة، كما يقال: النساء ذهبت.

والبهجة: الحسن، لأنّ الناظر يبتهج به ﴿ أءلاه مَّعَ الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

وقرئ: ﴿ أإلها مع الله ﴾ ، بمعنى: أتدعون، أو أتشركون.

ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدّة، وتخرج الثانية بين بين ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمَّنْ ﴾ بَلْ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ الَّتِي هي أُصُولُ الكائِناتِ ومَبادِئُ المَنافِعِ.

وقَرَأ «أمَن» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ.

﴿ وَأنْزَلَ لَكُمْ ﴾ لِأجْلِكم.

﴿ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ﴾ عَدَلَ بِهِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِتَأْكِيدِ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِذاتِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إنْباتَ الحَدائِقِ البَهِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ الأنْواعِ المُتَباعِدَةِ الطِّباعِ مِنَ المَوادِّ المُتَشابِهَةِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ شَجَرَ الحَدائِقِ وهي البَساتِينُ مِنَ الإحْداقِ وهو الإحاطَةُ.

﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ أغَيْرُهُ يَقْرِنُ بِهِ ويَجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا، وهو المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ.

وقُرِئَ «أإلَهًا» بِإضْمارِ فِعْلٍ مِثْلَ أتَدَعُونَ أوْ أتُشْرِكُونَ وبِتَوْسِيطِ مَدَّةٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ وإخْراجُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ عَنِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أم من خلق السماوات والأرض} والفرق بين أم وأم في أمله يشركون وأمن خلق السموات ان تلك متصله إذا المعنى أيهما خير

وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة ولما قال الله خير أم الآلهة قال بل أمن خلق السموات والأرض خير تقريراً لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء ماء} مطرا {فأنبتنا} صرف

النمل (٦٤ - ٦٠)

الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل بذاته وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة والأصناف والألوان والطعوم والأشكال مع حسنها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده {بِهِ} بالماء {حَدَائِقَ} بساتين والحديقة البستان وعليه حائط من الإحداق وهو الإحاطة {ذَاتُ} ولم يقل ذوات لأن المعنى جماعة حدائق كما تقول النساء ذهبت {بَهْجَةٍ} حسن لأن الناظر يبتهج به ثم رشح معنى الاختصاص بقوله {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} ومعنى الكينونة الانبغاء أراد أنّ تأتّى ذلك محال من غيره {أإله مَّعَ الله} أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} به غيره أو يعدلون ن الحق الذي هو التوحيد وبل هم بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

و (أمْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةٌ كالسّابِقَةِ، وبَلِ المُقَدَّرَةُ عَلى القِراءَةِ الأُولى وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَلِتَثْنِيَةِ التَّبْكِيتِ وتَكْرِيرِ الإلْزامِ كَنَظائِرِها الآتِيَةِ، والهَمْزَةِ لِحَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِالحَقِّ الَّذِي لا مَحِيصَ لِمَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنِ الإقْرارِ بِهِ، ومِن مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مَعَ أمِ المُعادِلَةِ لِلْهَمْزَةِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ خَلا- أنْ تُشْرِكُونَ- المُقَدَّرِ هاهُنا بِتاءِ الخِطابِ عَلى القِراءَتَيْنِ مَعًا، وهَكَذا في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، والمَعْنى أمْ مَن خَلَقَ قُطْرَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ ومَبْدَأيْ مَنافِعِ ما بَيْنَهُما ﴿ وأنْزَلَ لَكُمْ ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الكَفَرَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى لِتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ وأنْزَلَ لِأجْلِكم ومَنفَعَتِكم ﴿ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ أيْ نَوْعًا مِنهُ وهو المَطَرُ ﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ لا أنَّ الإنْباتَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ عَقْلًا، وقِيلَ: أيْ أنْبَتْنا عِنْدَهُ ﴿ حَدائِقَ ﴾ جَمْعَ حَدِيقَةٍ وهي كَما في البَحْرِ البُسْتانُ سَواءٌ أحاطَ بِهِ جِدارٌ أمْ لا، وهو ظاهِرُ إطْلاقِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ حَيْثُ فَسَّرَ الحَدائِقَ لِابْنِ الأزْرَقِ بِالبَساتِينِ ولَمْ يُقَيِّدْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البُسْتانُ عَلَيْهِ حائِطٌ مِنَ الإحْداقِ وهو الإحاطَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتَ ماءٍ سُمِّيَتْ حَدِيقَةً تَشْبِيهًا بِحَدَقَةِ العَيْنِ في الهَيْئَةِ وحُصُولِ الماءِ فِيها، ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما في البَحْرِ وكَأنَّ وجْهَ تَسْمِيَةِ البُسْتانِ عَلَيْهِ حَدِيقَةً أنَّ مِن شَأْنِها أنْ تُحْدِقَ بِالحِيطانِ أوْ تَصْرِفَ نَحْوَها الأحْداقَ وتَنْظُرَ إلَيْها ﴿ ذاتَ بَهْجَةٍ ﴾ أيْ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يَبْتَهِجُ بِهِ النّاظِرُ ويُسِرُّ ما ﴿ كانَ لَكُمْ ﴾ أيْ ما صَحَّ وما أمْكَنَ لَكم ﴿ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ فَضْلًا عَنْ خَلْقِ ثَمَرِها وسائِرِ صِفاتِها البَدِيعَةِ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ هَكَذا هو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ غَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَدَّرُ الخَبَرُ يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويُشْرِكُ بِهِ ونَحْوَ هَذا في المَعْنى، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارٍ مُعادِلٍ وذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ في أخَواتِها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أُضْمِرَ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ انْتَهى، ولَعَلَّ الأوْلى ما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ «أمَن» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، ومَن بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وتَقْدِيمُ صِلَتَيِ الإنْزالِ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِتَأْكِيدِ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِحُكْمِ المُقابَلَةِ بِذاتِهِ تَعالى والإيذانِ بِأنَّ إنْباتَ تِلْكَ الحَدائِقِ المُخْتَلِفَةِ الأصْنافِ والأوْصافِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ مَعَ ما لَها مِنَ الحُسْنِ البارِعِ والبَهاءِ الرّائِعِ بِماءٍ واحِدٍ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو وحْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ورَشَّحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكُمْ ﴾ إلَخْ سَواءً كانَ صِفَةً لِحَدائِقَ أوْ حالًا أوِ اسْتِئْنافًا، وتَوْحِيدُ وصْفِها السّابِقِ أعْنِي ذاتَ بَهْجَةٍ لِما أنَّ المَعْنى جَماعَةٌ حَدائِقِ ذاتَ بَهْجَةٍ، وهَذا شائِعٌ في جَمْعِ التَّكْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) وكَذا الحالُ في ضَمِيرِ ”شَجَرَها“.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ذَواتَ» بِالجَمْعِ «بَهَجَةٍ» بِفَتْحِ الهاءِ ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ أيْ أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ جَعْلُهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ فَإنَّ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ كَما لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِالمَرَّةِ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ رَأْسًا لا سِيَّما بَعْدَ مُلاحَظَةِ انْتِفاءِ أحْكامِها عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا الحالُ في المَواقِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى إلَهٌ آخَرُ في الخَلْقِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا عَلى أنَّ التَّبْكِيتَ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَقَطْ فَإنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ بَلْ بِإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى ما يَعْتَرِفُونَ بِعَدَمِ مُشارَكَتِهِ لَهُ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أإلَهٌ آخَرُ مَعَ اللَّهِ في خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أغَيْرُهُ يُقْرَنُ بِهِ سُبْحانَهُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ مَعَ تَفَرُّدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ.

فالإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ مَعَ تَحَقُّقِ المُنْكَرِ دُونَ النَّفْيِ كَما في الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، ورَجَّحَ بِأنَّهُ الأظْهَرُ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ ﴾ والأوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ آخَرَ مَعَهُ تَعالى رَأْسًا لا نَفْيَ مَعِيَّتِهِ في الخَلْقِ وفُرُوعِهِ فَقَطْ.

وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ «آالَهٌ» بِتَوْسِيطِ مَدَّةً بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ وإخْراجِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ «أإلَهًا» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ مِثْلَ أتَجْعَلُونَ أوْ أتَدَّعُونَ أوْ أتُشْرِكُونَ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الخِطابِ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ وحِكايَتِهِ لِغَيْرِهِمْ و ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ مِنَ العُدُولِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ أيْ بَلْ هم قَوْمٌ عادَتْهُمُ العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ والِانْحِرافِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَلِذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعُكُوفُ عَلى الباطِلِ البَيِّنِ الَّذِي هو الإشْراكُ، وقِيلَ: مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى المُساواةِ أيْ يُساوُونَ بِهِ غَيْرَهُ تَعالى مِن آلِهَتِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلَيْهِ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: الله الذى خَلَقَ السموات والارض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَنْبَتْنا بِهِ يعني: بالمطر حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ يعني: البساتين، واحدها حديقة، وإنما سميت حديقة لأنها محاطة بالحيطان.

وقال بعضهم: إذا كانت ذا شجر يقال لها: حديقة سواء كان لها حائط أو لا.

ذاتَ بَهْجَةٍ، يعني: ذات حسن مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يعني: ما كان لمعبودكم قوة.

ويقال: ما كان ينبغي لكم أن تنبتوا شجرها.

ويقال: ما قدرتم عليه، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: أَمَّا يُشْرِكُونَ بالياء على معنى الخبر.

وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها بتخفيف الدال، وقرأ الباقون بالتشديد.

ثم قال: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإنكار والزجر بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون الأصنام.

ثم قال عز وجل: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً يعني: مستقراً لا تميد بأهلها.

ويقال: قَراراً أي لا تتحرك وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وجَعَلَ يعني: خلقا لها.

يعني: فجر بنواحي الأرض أنهاراً.

ويقال: شقّ بينهما أنهاراً وَجَعَلَ لَها أي خلق للأرض رَواسِيَ أي: الجبال الثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً يعني: العذب والمالح حاجزاً يعني: ستراً مانعا من قدرته لا يختلطان بعضهما في بعض أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله عز وجل.

ثم قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ يعني: أمن يستجيب في البلاء للمضْطَّر إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ يعني: ومن يكشف الضر وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يعني: سكان الأرض بعد هلاك أهلها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ قرأ أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين يذكرون بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.

وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال وقرأ الباقون: بالتشديد.

وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية قالون: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بالهمز والمد، وقرأ الباقون: بغير مد بهمزتين.

ثم قال عز وجل: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: من يرشدكم في أهوال البر والبحر.

وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهِ أي: تعظم الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني: خلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم يعيدهم في الآخرة وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ يعني: المطر وَالْأَرْضِ يعني: النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم وعذركم، بأنه صنع شيئاً من هذا غير الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن مع الله آلهة أخرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واللفظُ له وابن ماجهْ وابنُ حِبَّان في صحيحه، انتهى من «السلاح» .

وقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ الآياتِ: هذا ابتداء تقريرٍ وتنبيهٍ لقريشٍ والعربِ وهو بعدُ يَعُمُّ كلَّ مُكَلَّفٍ من الناس جميعاً، وافتتح ذَلِكَ بالقولِ بحمدِه- سبحانَه- وتمجيدِه وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوّة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من ولد آدم، وكأنَّ هذا صدرُ خُطْبَةٍ للتقريرِ المذكورِ، قالتْ فرقة: وفي الآية حذْفُ مضافٍ في موْضِعَيْن، التقدير: أتوحيدُ اللهِ خيرٌ أم عبادةٌ ما تشركونَ، ف «ما» ، على هذا: موصولةٌ بمعنى: الذي، وقالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، وحذفُ المضافِ إنما هو أولاً تَقْديرُه: أتوحيدُ الله خير أم شركُكُمْ.

ت: ومِنْ كلاَم الشيخ العارفِ بالله أَبى الحسن الشاذليِّ قَال- رحمه الله-: إن أردتَ أَن لا يصدأَ لكَ قلبٌ ولا يلحقك همٌّ ولا كربٌ ولا يبقَى عليكَ ذنبٌ- فأكْثِرْ من قولك: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله، اللهم ثبِّتْ عِلْمَها في قلبي، واغفر لي ذنبي، واغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، وقل الحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى» انتهى.

وقوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ وما بعدها من التقريراتِ توبيخٌ لهم وتقريرٌ على ما لا مَنْدُوحَةَ عن الإقرارِ به، و «الحدائق» مُجْتَمع الشجرِ من الأعنابِ والنَّخِيل وغير ذلك، قال قوم: لا يقال حديقةٌ إلا لِمَا عليه جدارٌ قد أحدق له.

وقال قوم: يقال ذلك كان جدارٌ أو لم يَكُنْ لأَن البَيَاضَ مُحْدِقٌ بالأشجار، والبهجةُ الجمالُ والنَّضَارَة.

وقوله سبحانه: مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي: ليس ذلك في قدرتكم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، أُمِرَ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ، ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ، الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الرُّسُلُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ، قالَ: اصْطَفى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، ومُوسى بِالكَلامِ، ومُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ.

والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ وحَّدُوهُ وآَمَنُوا بِهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: أوْ ما يُشْرِكُونَ، وهَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: اللَّهُ خَيْرٌ لِمَن عَبْدَهُ، أمِ الأصْنامُ لِعابِدِيها؟!

ومَعْنى الكَلامِ: أنَّهُ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، أخْبَرَهم أنَّهُ نَجّى عابِدِيهِ، ولَمْ تُغْنِ الأصْنامُ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: أما يُشْرِكُونَ خَيْرٌ، أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ ﴿ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ﴾ ؟!

فَأمّا الحَدائِقُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي البَساتِينُ، واحِدُها: حَدِيقَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُحْدِقُ عَلَيْها، أيْ: يَحْظُرُ، والبَهْجَةُ: الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لَكم ذَلِكَ [لِأنَّكُمْ] لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ مُسْتَفْهِمًا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ ؟!

أيْ: لَيْسَ مَعَهُ إلَهٌ ﴿ بَلْ هُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في فاتِحَةِ (الأنْعامِ) .

﴿ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا ﴾ أيْ: مُسْتَقَرًّا لا تَمِيدُ بِأهْلِها ﴿ وَجَعَلَ خِلالَها ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَها ﴿ أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا ﴾ أيْ: مانِعًا مِن قُدْرَتِهِ بَيْنَ العَذْبِ والمِلْحِ أنْ يَخْتَلِطا، ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَدْرُ عَظَمَةِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَرَأ أبُو السَمالِ: "قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَذَلِكَ في آخِرِ السُورَةِ، وهَذِهِ ابْتِداءُ تَقْرِيرٍ وتَثْبِيتٌ لِقُرَيْشٍ، وهو أيْضًا يَعُمْ كُلَّ مُكَلِّفٍ مِنَ الناسِ جَمِيعًا، وافْتَتَحَ ذَلِكَ بِالقَوْلِ بِحَمْدِهِ وتَمْجِيدِهِ والسَلامِ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفاهم لِلنُّبُوَّةِ والإيمانِ، وهَذا اللَفْظُ عامٌ لِجَمِيعِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، وكَأنَّ هَذا صَدْرُ خُطْبَةٍ لِلتَّقْرِيرِ المَذْكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ النَبِيِّ  ، واصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الِاخْتِصاصِ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ.

وقالَ الفِراءُ: الأمْرُ بِالقَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ.

ثُمْ وقَّفَ قُرَيْشًا والعَرَبَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى مَوْضِعِ التَبايُنِ بَيْنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ الأوثانِ والأنْصابِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وعاصِمْ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وفِي هَذا التَفْضِيلِ بِلَفْظَةِ "خَيْرٌ" أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ التَفْضِيلَ وقَعَ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كانَتْ يَعْتَقِدُونَ أنَّ في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ في المَوْضِعَيْنِ، التَقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما تُشْرِكُونَ؟

فَـ "ما" في هَذا التَأْوِيلِ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وحَذْفُ المُضافِ إنَّما هو أوَّلًا، وتَقْدِيرُهُ: أتَوْحِيدُ اللهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكُمْ؟

وقِيلَ: "خَيْرٌ" هُنا لَيْسَتْ بِأفْعَلَ، وإنَّما هي بِفِعْلٍ، كَما تَقُولُ: "الصَلاةُ خَيْرٌ" دُونَ تَفْضِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي تَعُمْ مَعانِي كَثِيرَةٍ كَخَيْرٍ وشَرٍّ أو حُبٍّ ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ التَفْضِيلُ بِها بَيْنَ أشْياءَ مُتَبايِنَةٍ؛ لِأنَّ المُتَبايِناتِ رُبَّما اشْتَرَكَتْ فِيها ولَوْ بِوَجْهٍ ضَعِيفٍ بَعِيدٍ، وأيْضًا فَهَذا تَقْرِيرٌ، والمُجادِلُ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ لِتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ وإلْزامِهِ بِحَصْرِ التَفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ وانْتِفائِهِ عَنِ الأُخَرِ، وقَدِ اسْتَوْعَبْنا هَذا فِيما مَضى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: آللَّهُ ذُو خَيْرٍ أمّا تُشْرِكُونَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا النَوْعُ مِنَ الحَذْفِ بَعِيدٌ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعاصِمْ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أمَّنْ خَلَقَ ﴾ وما بَعْدَها مِنَ التَوْقِيفاتِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وتَقْرِيرٌ عَلى ما لا مَندُوحَةَ لَهم عَنِ الإقْرارِ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أمَّنَ" بِشَدِّ المِيمِ، وهي "أمْ" دَخَلَتْ عَلى "مِن"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أمَن" بِفَتْحِ المِيمِ مُسَهَّلَةً، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلِاسْتِفْهامِ و"مِنَ" ابْتِداءٌ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويُشْرِكُ بِهِ؟

ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعْنى.

و"الحَدائِقُ" مُجْتَمَعُ الشَجَرِ مِنَ العِنَبِ والنَخِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ قَوْمٌ: لا يُقالُ: "حَدِيقَةٌ" إلّا لِما عَلَيْهِ جِدارٌ قَدْ أحْدَقَ بِهِ، وقالَ قَوْمٌ: تَقُولُ ذَلِكَ إذا كانَ جِدارٌ أو لَمْ يَكُنْ لِأنَّ البَياضَ مُحَدَّقٌ بِالأشْجارِ.

و"البَهْجَةُ": الجَمالُ والنُضْرَةُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَواتِ بَهْجَةٍ".

ثُمْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- أنَّهُ ما كانَ لِلْبَشَرِ، أيْ: ما يَتَهَيَّأُ لَهُمْ، ولا يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ أنْ يُنْبِتُوا شَجَرَها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِإخْراجِ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَرْتِيبُ القِراءَةِ في الهَمْزَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: أئِنَّ و ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "أإلَهٌ"، قالَ أبُو حاتِمُ: القِراءَةُ بِاجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ مُحَدَّثَةٌ لا تُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ ولا قَرَأ بِها قارِئٌ عَتِيقٌ.

و"يَعْدِلُونَ" يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ: يَعْدِلُونَ عن طَرِيقِ الحَقِّ، أيْ: يَجُورُونَ في فِعْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ: يَعْدِلُونَ بِاللهِ غَيْرَهُ، أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا.

و"خِلالَها" مَعْناهُ: بَيْنَها وأثْناءَها، و"الرَواسِي": الجِبالُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ وتَأصَّلَ، و"البَحْرانِ": الماءُ العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ، و"الحاجِزُ": ما جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَغَلَبَ المُلْحُ العَذْبَ، وكُلُّ ما مَضى مِنَ القَوْلِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ  ﴾ فَهو مُتَرَتِّبٌ هُنا فَتَأمَّلَهُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أم ﴾ منقطعة بمعنى (بل) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض مع مراعاة وجود معنى الاستفهام أو لفظه بعدها لأن (أم) لا تفارق معنى الاستفهام.

انتقل بهذا الإضراب من الاستفهام الحقيقي التهكمي إلى الاستفهام التقريري، ومن المقدمة الإجمالية وهي قوله ﴿ ءالله خير أم ما تشركون ﴾ [النمل: 59]، إلى الغرض المقصود وهو الاستدلال.

عدد الله الخيرات والمنافع من آثار رحمته ومن آثار قدرته.

فهو استدلال مشوب بامتنان لأنه ذكرهم بخلق السموات والأرض فشمل ذلك كل الخلائق التي تحتوي عليها الأرض من الناس والعجماوات، فهو امتنان بنعمة إيجادهم وإيجاد ما به قوام شؤونهم في الحياة، وبسابق رحمته، كما عددها في موضع آخر عليهم بقوله ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [الروم: 40].

و ﴿ من ﴾ للاستفهام.

وهي مبتدأ والخبر جملة ﴿ خلق السموات..

﴾ الخ وهو استفهام تقريري على أن الله إله واحد لا شريك له، ولا تقدير في الكلام.

وذهب الزمخشري وجميع متابعيه إلى أن (من) موصولة وأن خبرها محذوف دل عليه قوله فيما تقدم ﴿ ءالله خير ﴾ [النمل: 59] وأن بعد (أم) همزة استفهام محذوفة، والتقدير: بل أمّن خلق السموات الخ خير أم ما تشركون.

وهو تفسير لا داعي إليه ولا يناسب معنى الإضراب لأنه يكون من جملة الغرض الأول على ما فسر به في «الكشاف» فلا يجدر به إضراب الانتقال.

فالاستفهام تقرير كما دل عليه قوله في نهايته في ﴿ أإله مع الله، ﴾ فهو تقرير لإثبات أن الخالق والمنبت والرازق هو الله، وهو مشوب بتوبيخ، فلذلك ذيل بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ كما سيأتي، أي من غرض الدليل الإجمالي إلى التفصيل.

والخطاب ب ﴿ لكم ﴾ موجه إلى المشركين للتعريض بأنهم ما شكروا نعمة الله.

وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه الله، ولقطع شبهة أن يقولوا: إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء، اغتراراً بالسبب فبودروا بالتذكير بأن الله خلق الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب، وتقدير المقادير المناسبة للانتفاع بالأسباب، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو يقتلهما، ولذلك جمع بين قوله ﴿ وأنزل ﴾ وقوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تنبيهاً على إزالة الشبهة.

ونون الجمع في ﴿ أنبتنا ﴾ إلتفات من الغيبة إلى الحضور.

ومن لطائفه هنا التنصيص على أن المقصود إسناد الإنبات إليه لئلا ينصرف ضمير الغائب إلى الماء لأن التذكير بالمنبت الحقيقي الذي خلق الأسباب أليق بمقام التوبيخ على عدم رعايتهم نعمه.

والإنبات: تكوين النبات.

والحدائق: جمع حديقة وهي البستان والجنة التي فيها نخل وعنب.

سميت حديقة لأنهم كانوا يحدقون بها حائطاً يمنع الداخل إليها صوناً للعنب لأنه ليس كالنخل الذي يعسر اجتناء ثمره لارتفاع شجره فهي بمعنى: محدق بها.

ولا تطلق الحديقة إلا على ذلك.

والبهجة: حسن المنظر لأن الناظر يبتهج به.

ومعنى ﴿ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ﴾ ليس في ملككم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق، فاللام في ﴿ لكم ﴾ للملك و ﴿ أن تنبتوا ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ و ﴿ لكم ﴾ خبرها.

وقدم الخبر على الاسم للاهتمام بنفي ملك ذلك.

وجملة ﴿ أإله مع الله ﴾ استئناف هو كالنتيجة للجملة قبلها لأن إثبات الخلق والرزق والإنعام لله تعالى بدليل لا يسعهم إلا الإقرار به ينتج أنه لا إله معه.

والاستفهام إنكاري.

و ﴿ بل ﴾ للإضراب عن الاستفهام الإنكاري تفيد معنى (لكن) باعتبار ما تضمنه الإنكار من انتفاء أن يكون مع الله إله فكان حق الناس أن لا يشركوا معه في الإلهية غيره فجيء بالاستدراك لأن المخاطبين بقوله ﴿ وأنزل لكم ﴾ وقوله ﴿ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ﴾ لم ينتفعوا بالدليل مع أنه دليل ظاهر مكشوف، فهم مكابرون في إعراضهم عن الاهتداء بهذا الدليل، فهم يعدلون بالله غيره، أي يجعلون غيره عديلاً مثيلاً له في الإلهية مع أن غيره عاجز عن ذلك فيكون ﴿ يعدلون ﴾ من عدل الذي يتعدى بالباء، أو يعدلون عن الحق من عدل الذي يعدّى ب (عن).

وسُئل بعض العرب عن الحجاج فقال: «قاسط عادل»، فظنوه أثنى عليه فبلغت كلمته للحجاج، فقال: أراد قوله تعالى ﴿ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ﴾ [الجن: 15] أي وذلك قرينة على أن المرار ب (عادل) أنه عادل عن الحق.

وأيَّاً مَّا كان فالمقصود توبيخهم على الإشراك مع وضوح دلالة خلق السموات والأرض وما ينزل من السماء إلى الأرض من الماء.

ولما كانت تلك الدلالة أوضح الدلالات المحسوسة الدالة على انفراد الله بالخلق وصف الذين أشركوا مع الله غيره بأنهم في إشراكهم معرضون إعراض مكابرة عدولاً عن الحق الواضح قال تعالى ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾ [لقمان: 25].

والإخبار عنهم بالمضارع لإفادة أنهم مستمرون على شركهم لم يستنيروا بدليل العقل ولا أقلعوا بعد التذكير بالدلائل.

وفي الإخبار عنهم بأنهم قوم إيماء إلى تمكن صفة العدول عن الحق منهم حتى كأنها من مقومات قوميتهم كما تقدم غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّخْلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الحائِطُ مِنَ الشَّجَرِ والنَّخْلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ ذاتَ بَهْجَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ذاتُ غَضارَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ذاتُ حُسْنٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ أيْ ما كانَ في قُدْرَتِكم أنْ تَخْلُقُوا مِثْلَها.

﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لَيْسَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أإلَهُ مَعَ اللَّهِ يَفْعَلُ هَذا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ.

الثّانِي: يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فَيَجْعَلُونَ لَهُ عِدْلًا أيْ مَثَلًا، قالَهُ قُطْرُبٌ ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ حدائق ﴾ قال: البساتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم.

أما سمعت الشاعر يقول؟: بلاد سقاها الله أما سهولها ** فقضب ودر مغدق وحدائق وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ حدائق ﴾ قال: النخل الحسان ﴿ ذات بهجة ﴾ قال: ذات نضارة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ حدائق ﴾ قال: البساتين تخللها الحيطان ﴿ ذات بهجة ﴾ قال: ذات حسن.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ حدائق ذات بهجة ﴾ قال: ﴿ البهجة ﴾ الفقاع.

يعني النوار مما يأكل الناس والأنعام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أإله مع الله ﴾ أي ليس مع الله إله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ قال: يشركون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله.

ليس لله عدل، ولا ند، ولا اتخذ صاحبة، ولا ولداً.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ قال: رواسيها: جبالها ﴿ وجعل بين البحرين حاجزاً ﴾ قال: حاجزاً من الله لا يبغي أحدهما على صاحبه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ (١) ﴿ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ وهذا معنى قول أبي حاتم (٢) وقوله: (حَدَائِقَ) قال الليث: الحديقة: أرض ذات شجر مثمر، والحديقة من الرياض: كل روضة قد أحدق بها حاجزٌ، أو أرضٌ مرتفعة، وأنشد لطرفة: تَرَبعت القُفَّين في الشَّول ترتعي ...

حدائق مَولِيِّ الأسرةِ أَغْيدِ (٣) وكل شيء استدار بشيء فقد أحدق به (٤) وقال أبو عبيدة: الحديقة والجنة في الدنيا مثل الحائط (٥) قال الفراء: إنما يقال حديقة لكل بستان عليه حائط، وما لم يكن عليه حائط لا يقال له: حديقة (٦) وقال ابن قتيبة: إنما يقال حديقة؛ لأنها يُحدَق عليها، أي: يُحْظَر (٧) قال ابن عباس: يريد الأجنة والشجر (٨) وقال مقاتل: يعني حيطان النخل والشجر (٩) وقال الكلبي: الحدائق من البساتين: ما أحيط عليه حائط (١٠) قوله: ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ قال الكلبي: ذات منظر حسن (١١) وقال ابن عباس ومقاتل: ذات حُسن (١٢) وقال قتادة: النخل الحسان (١٣) والبهجة: الحُسْن يبتهج به مَنْ رآه، أي: يُسر.

قوله: ﴿ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ﴾ أي: ما ينبغي لكم ذلك؛ لأنكم لا تقدرون عليها (١٤) ثم قال مستفهمًا منكرًا عليهم: ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه (١٥) ﴿ بَلْ ﴾ أي: ليس معه إله ﴿ هُمْ قَوْمٌ ﴾ يعني: كفار مكة ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ يشركون به غيره.

هذا معنى قول المفسرين (١٦) (١٧) (١) قال الأخفش: مَنْ، هاهنا ليست باستفهام على قوله: ﴿ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ إنما هي بمنزلة: الذي.

"معاني القرآن" 2/ 650.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب.

ونحوه في "القطع والائتناف" 2/ 503.

(٣) البيت من معلقة طرفة، ومعنى: تربعت: أقامت زمن الربيع، القُفَّين: مثنى القف؛ وهو حجارة مترادف بعضها إلى بعض، لا يخالطها من اللين والسهولة شيء.

والمراد هنا: موضع في نجد إذا أخصب ربعت العرب فيه لسعته واتساعه.

والشول عند الناقة: فترة تمتد من انتهاء إرضاعها إلى حملها التالي، وهو فترة تنشط فيها الناقة، المولي: المكان الذي يصيبه الولي؛ وهو المطر الثاني، الأسرة: جمع السر؛ وهو من الوادي أفضل مكان فيه.

أغيد: النبات الأغيد؛ هو الناعم المتثني، ويكون كذلك لنضرته ووفرة الماء في منبته.

أراد طرفة بهذا البيت أن يعلل قوة هذه الناقة بحسن تغذيتها.

شرح ديوان طرفة 93.

(٤) "العين" 3/ 41 (حدق)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 4/ 34.

وليس فيهما إنشاد هذا البيت.

(٥) لم أجده في كتاب المجاز، وإنما فيه: أي: جنانًا من جنان الدنيا، واحدتها: حديقة.

"مجار القرآن" 2/ 95.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 297.

وذكره ابن جرير 20/ 3، ولم ينسبه.

وقال الزجاج 4/ 128: الحديقة: البستان، وكذلك الحائط، وقيل: القطعة من النخل.

(٧) "غريب القرآن" 326، بلفظ: يحظر عليها حائط.

وفي الحاشية: أي: يقام عليها حظيرة من قصب وخشب.

(٨) ذكره الزجاج 4/ 128، ولم ينسبه.

(٩) هكذا في نسخة (ج): حيطان، وكذا عند مقاتل 61 أ، وفي نسخة (أ)، (ب): حظار النخل والشجر.

وقال عكرمة: الحدائق: النخل.

"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 217.

(١٠) ذكره الهواري 3/ 260، عنه بلفظ قريب من قول مقاتل، حيث قال: الحديقة: الحائط من الشجر والنخل.

وفي "تنوير المقباس" 320: بساتين؛ ما أحيط عليها من النخل والشجر.

(١١) "تنوير المقباس" 320.

وذكره ابن جرير 20/ 3، ولم ينسبه.

(١٢) "تفسير مقاتل" 161.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2907، عن الضحاك.

وهو قول ابن قتيبة، "غريب القرآن" 326.

والزجاج 4/ 128.

(١٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 85.

وعه ابن أبي حاتم 9/ 2907.

(١٤) قال الثعلبي8/ 133 ب: (ما): هي ما النفي، بمعنى: ما قدر عليه.

(١٥) "تفسير مقاتل" 61 أ، و"تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب، ولم ينسبه.

(١٦) "تفسير مقاتل" 61 أ، و"تفسير الهواري" 3/ 260.

و"تفسير ابن جرير" 20/ 3.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2908، عن مجاهد.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 128.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى ﴾ أمر الله رسول أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا، لأنها براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على من اصطفاه من عباده، كما تستفتخ الخطب والكتب وغيرها بذلك، تيمناً بذكر الله، قال ابن عباس: يعني بعباده الذين اصطفى الصحابة، واللفظ يعم الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ على وجه الرد على المشركين، فدخلت خير التي يراد بها التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خبر فيما أشركوا أصلاً، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله: ﴿ أإله مَّعَ الله ﴾ على وجه التقرير لهم، على أنه لم يفعل ذلك كله إلا الله وحده، فقامت عليهم الحجة بذلك وفيها أيضاَ نِعَمٌ يجب شركها فقامت بذلك أيضاً، وأمَّا في قوله: ﴿ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ متصلة عاطفة، وأم في المواضع التي بعد منقطعة بمعنى بل والهمزة ﴿ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ أي يعدلون عن الحق والصواب أو يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلاً ومثيلاً ﴿ رَوَاسِيَ ﴾ يعني الجبال ﴿ البحرين ﴾ ذكر في [الفرقان: 53].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.

وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.

الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.

الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.

الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.

﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.

"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.

والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.

وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.

وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله  هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.

ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.

عن ابن عباس: كان النبي  قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.

﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.

والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.

وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.

قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.

ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.

قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.

يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.

وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.

من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".

وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون  ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.

القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.

أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط  أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.

وقيل: أمر لنبينا  بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله  بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.

ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.

قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.

قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.

عن رسول الله  أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.

ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل  ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.

ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.

والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.

والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.

وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.

ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.

قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.

ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.

وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.

والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.

والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".

ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.

والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله  ، وإنه افتعال من الضر.

وعن ابن عباس: هو المجهود.

وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.

والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".

وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.

ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.

والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.

واعلم أن الله  ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.

قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.

وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.

قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.

قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله  في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.

وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله  في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.

وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.

وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.

وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.

ومن هنا قال  : "بئس خطيب القوم أنت" .

لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.

والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.

عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله  يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.

قال المفسرون: سال المشركون رسول الله  عن وقت الساعة فنزلت.

وأيان بمعنى متى.

إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.

ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.

ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.

وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.

ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.

وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.

وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.

وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.

قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.

التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.

والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.

وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق  .

ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.

فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.

ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.

وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.

وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء الرسل الخالية.

ثم قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم.

وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفاً لأعداء رسول الله  أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية.

أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من أنواع النعم من النبوة والرسالة والهداية ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ : يحتمل الرسل؛ كقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أمر رسوله بالسلام على المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين.

ثم في قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا تملك شيئاً من ذلك؟

يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئاً، فكيف تشركونها في ألوهيته؟!

وإلا لم يذكر جواب قوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ جوابه أن يقولوا: بل الله خير.

وكذلك روي في الخبر عن رسول الله  - إن ثبت -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية، قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" وقوله: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : يذكرهم بهذا؛ لوجهين: أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟!

والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعاً، واتصال منافع أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟!

وهو كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة.

وقوله: ﴿ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الحدائق: الحيطان، والبساتين: ما دون الحيطان.

وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة بها.

وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة.

وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق بها، أي: تحيط ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : حسن المنظر.

وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر.

وقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد؛ فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: [أحدهما]: يحتمل ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.

والثاني: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يعدلون على الله، ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.

﴿ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ﴾ : يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، ﴿ وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً ﴾ : ينتفعون بها أنواع المنافع ويشربون، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ ، أي: الجبال لئلا تميد بهم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ : قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب حاجزاً، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب.

وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ بين العذب والمالح حاجزاً بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفاً منه، يذكرهم نعمه عليهم ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى غير المنعم؟!

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به.

والثاني: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخرج على الصلة بقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير، أمّن لا يملك من ذلك شيئاً؟

فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك.

أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله  ، لا الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟!

والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوية، والأوّل على المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسيمته الإله.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ على الوجوه التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ﴾ أي: من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر [على] هذا يقدر [على] ما ذكر.

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون.

وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره، ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في مقالتكم.

وقوله: ﴿ بُشْرَاً ﴾ من البشارة و"نُشْراً" بالنون من التفريق والرفع.

وقوله: ﴿ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ويرعى أنعامكم، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشراً، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئاً أن يفعل ذلك بكم؟!

يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.

ثم قال: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أن مع الله إلهاً فعل ذلك بكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب الله.

ثم قوله: ﴿ ٱلْغَيْبَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.

والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك.

ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا الله.

وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعاً سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]، أخبر أنه لم يطَّلِعْ أحد على علم ذلك عند الله.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : اختلف في قراءته وتأويله.

أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد والألف.

وقرأ بعضهم: ﴿ ادَّرَكَ ﴾ بإسقاط الألف والتشديد.

وقرأ بعضهم: ﴿ بلي ﴾ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ ، على الوقف عليها، و ﴿ أَأَدّرَكَ ﴾ على الاستفهام: ﴿ بلى أَأَدَّرَكَ ﴾ .

ومنهم من قرأ على الاستفهام: ﴿ آدْرَكَ ﴾ على غير إثبات الياء في حرف ﴿ بَل ﴾ وعلى غير قطع منه.

فمن قرأ: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.

أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ ، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أم ادَّارك علمهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادّرك في الآخرة حين لم ينفعهم.

وعن الحسن: قال: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ ، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.

﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ﴾ قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ يعني: جهلة بها.

وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيّاً.

وأبو عوسجة والقتبي يقولان: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ أي: من علمها.

وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أم من خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأنزل لكم -أيها الناس- من السماء ماء المطر، فأنبتنا لكم به حدائق ذات حسن وجمال، ما كان لكم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق لعجزكم عن ذلك، فالله هو الَّذي أنبتها، أمعبود فعل هذا مع الله؟!

لا، بل هم قوم ينحرفون عن الحق فَيُسَوُّون الخالق بالمخلوقين ظلمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.xlzpb"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده