الآية ٧ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٧ من سورة النمل

إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍۢ قَبَسٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٧ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - مذكرا له ما كان من أمر موسى ، كيف اصطفاه الله وكلمه ، وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة ، والأدلة القاهرة ، وابتعثه إلى فرعون وملئه ، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له ، فقال تعالى : ( إذ قال موسى لأهله ) أي : اذكر حين سار موسى بأهله ، فأضل الطريق ، وذلك في ليل وظلام ، فآنس من جانب الطور نارا ، أي : رأى نارا تأجج وتضطرم ، فقال ( لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر ) أي : عن الطريق ، ( أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون ) أي : تتدفئون به .

وكان كما قال ، فإنه رجع منها بخبر عظيم ، واقتبس منها نورا عظيما ; ولهذا قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(إِذْ قَالَ مُوسَى) وإذ من صلة عليم.

ومعنى الكلام: عليم حين قال موسى (لأَهْلِهِ) وهو في مسيره من مدين إلى مصر, وقد آذاهم برد ليلهم لما أصلد زنده.(إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أي أبصرت نارا أو أحسستها, فامكثوا مكانكم (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) يعني من النار, والهاء والألف من ذكر النار (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: " بِشِهَابٍ قَبَسٍ" بإضافة الشهاب إلى القبس, وترك التنوين, بمعنى: أو آتيكم بشعلة نار أقتبسها منها.

وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: (بِشِهَابٍ قَبَسٍ) بتنوين الشهاب وترك إضافته إلى القبس, يعني: أو آتيكم بشهاب مقتبس.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إذا جُعل القبس بدلا من الشهاب, فالتنوين في الشهاب, وإن أضاف الشهاب إلى القبس لم ينون الشهاب.

وقال بعض نحويِّي الكوفة: إذا أضيف الشهاب إلى القبس فهو بمنـزلة قوله وَلَدَارُ الآخِرَةِ مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهما بالثاني أنه غير الأوّل قال: ومثله حبة الخضراء, وليلة القمراء, ويوم الخميس وما أشبهه.

وقال آخر منهم: إن كان الشهاب هو القبس لم تجز الإضافة, لأن القبس نعت, ولا يضاف الاسم إلى نعته إلا في قليل من الكلام, وقد جاء: وَلَدَارُ الآخِرَةِ و وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ .

والصواب من القول في ذلك: أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس, فالقراءة فيه بالإضافة, لأن معنى الكلام حينئذ, ما بينا من أنه شعلة قبس, كما قال الشاعر: فـــي كَفِّـــه صَعْــدَةٌ مُثَقَّفَــةٌ فِيهـــا سِـــنانٌ كشُــعْلَة القَبَس (1) وإذا أريد بالشهاب أنه هو القبس, أو أنه نعت له, فالصواب في الشهاب التنوين؛ لأن الصحيح في كلام العرب ترك إضافة الاسم إلى نعته, وإلى نفسه, بل الإضافات في كلامها المعروف إضافة الشيء إلى غير نفسه وغير نعته.

وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) يقول: كي تصطلوا بها من البرد.

------------------------ الهوامش : (1) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 175) قال: "بشهاب قبس" أي بشعلة نار.

ومجاز قبس: ما اقتبست منها ومن الجمر، قال: "في كفه.." البيت.

والصعدة: القناة تنبت مستقيمة.

والشاهد في البيت: إضافة الشعلة إلى القبس أي شعلة مقتبسة من نار كما في قول الله عز وجل (بشهاب قبس) في قراءة من قرأه بالإضافة.

ويجوز تنوين "شهاب" وجعل قبس صفة له إذا اعتبر الشهاب هو نفس القبس، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولا إلى صفته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ قال موسى لأهله ( إذ ) منصوب بمضمر وهو " اذكر " كأنه قال على أثر قوله .

وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم : خذ يا محمد من آثار حكمته وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله .

إني آنست نارا أي أبصرتها من بعد .

قال الحرث بن حلزة :آنست نبأة وأفزعها القن ناص عصرا وقد دنا الإمساءسآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون قرأ عاصم وحمزة والكسائي : بشهاب قبس بتنوين " شهاب " .

والباقون بغير تنوين على الإضافة ; أي بشعلة نار ; واختاره أبو عبيد وأبو حاتم .

وزعم الفراء في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم : ولدار الآخرة ، ومسجد الجامع ، وصلاة الأولى ; يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه .

قال النحاس : إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين ، لأن معنى الإضافة في اللغة ضم شيء إلى شيء فمحال أن يضم الشيء إلى نفسه ، وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليتبين به معنى الملك أو النوع ، فمحال أن يتبين أنه مالك نفسه أو من نوعها .

و " شهاب قبس " إضافة النوع والجنس ، كما تقول : هذا ثوب خز ، وخاتم حديد وشبهه .

والشهاب كل ذي نور ; نحو الكوكب والعود الموقد .

والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه ; فالمعنى بشهاب من قبس .

يقال .

أقبست قبسا ; والاسم قبس .

كما تقول : قبضت قبضا .

والاسم القبض .

ومن قرأ : بشهاب قبس جعله بدلا منه .

المهدوي : أو صفة له ; لأن القبس يجوز أن يكون اسما غير صفة ، ويجوز أن يكون صفة ; فأما كونه غير صفة فلأنهم قالوا قبسته أقبسه قبسا والقبس المقبوس ; وإذا كان صفة فالأحسن أن يكون نعتا .

والإضافة فيه إذا كان غير صفة أحسن .

وهي إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه .

ولو قرئ بنصب " قبس " على البيان أو [ ص: 147 ] الحال كان أحسن .

ويجوز في غير القرآن " بشهاب قبسا " على أنه مصدر أو بيان أو حال .

لعلكم تصطلون أصل الطاء تاء فأبدل منها هنا طاء ; لأن الطاء مطبقة والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا ، ومعناه يستدفئون من البرد .

يقال : اصطلى يصطلي : إذا استدفأ .

قال الشاعر :النار فاكهة الشتاء فمن يرد أكل الفواكه شاتيا فليصطلالزجاج : كل أبيض ذي نور فهو شهاب .

أبو عبيدة : الشهاب النار .

قال أبو النجم :كأنما كان شهابا واقدا أضاء ضوءا ثم صار خامداأحمد بن يحيى : أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه ; وقول النحاس فيه حسن ، والشهاب الشعاع المضيء ومنه الكوكب الذي يمد ضوءه في السماء .

وقال الشاعر :في كفه صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبس

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا إلى آخر قصته، يعني: اذكر هذه الحالة الفاضلة الشريفة من أحوال موسى بن عمران، ابتداء الوحي إليه واصطفائه برسالته وتكليم الله إياه، وذلك أنه لما مكث في مدين عدة سنين وسار بأهله من مدين متوجها إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق ضل وكان في ليلة مظلمة باردة فقال لهم: ( إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) أي: أبصرت نارا من بعيد سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ عن الطريق، أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي: تستدفئون، وهذا دليل على أنه تائه ومشتد برده هو وأهله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( إذ قال موسى لأهله ) أي : واذكر يا محمد إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر : ( إني آنست نارا ) أي : أبصرت نارا .

( سآتيكم منها بخبر ) أي : امكثوا مكانكم ، سآتيكم بخبر عن الطريق ، وكان قد ترك الطريق ( أو آتيكم بشهاب قبس ) قرأ أهل الكوفة : " بشهاب " بالتنوين ، جعلوا القبس نعتا للشهاب ، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة ، وهو إضافة الشيء إلى نفسه ، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى ، وهو العود الذي في أحد طرفيه نار ، وليس في الطرف الآخر نار .

وقال بعضهم : الشهاب هو شيء ذو نور ، مثل العمود ، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا ، والقبس : القطعة من النار ) ( لعلكم تصطلون ) تستدفئون من البرد ، وكان ذلك في شدة الشتاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر: «إذ قال موسى لأهله» زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر «إني آنست» أبصرت من بعيد «ناراً سآتيكم منها بخبر» عن حال الطريق وكان قد ضلها «أو آتيكم بشهاب قبس» بالإضافة للبيان أي شعلة نار في رأس فتيلة أو عود «لعلكم تصطلون» والطاء بدل من تاء الافتعال من صلى بالنار بكسر اللام وفتحها: تستدفئون من البرد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكر قصة موسى حين قال لأهله في مسيره من "مدين" إلى "مصر": إني أبصَرْتُ نارًا سآتيكم منها بخبر يدلنا على الطريق، أو آتيكم بشعلة نار؛ كي تستدفئوا بها من البرد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أن هذا القرآن ، قد تلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من لدن حكيم عليم أتبع ذلك بجانب من قصة موسى - عليه السلام - لتكون بمثابة التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عن موقف كفار مكة منه - عليه الصلاة والسلام - فقال - تعالى - : ( إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ .

.

.

) .هذا جانب من قصى موسى - عليه السلام - كما جاءت فى هذه السورة ، وقد جاءت فى سور أخرى بصورة أوسع ، كسور : البقرة ، والأعراف ، ويونس ، والشعراء ، والقصص .

.

.وقد افتتحت هنا بقوله - تعالى : ( إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً ) .والظرف " إذ " متعلق بمحذوف تقديره : اذكر .و " موسى " - عليه السلام - هو ابن عمران ، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم - عليه السلام - ، وكانت بعثته - على الراجح - فى القرن الحادى عشر أو الثانى عشر قبل الميلاد .والمراد بأهله : زوجته ، وهى ابنة الشيخ الكبير الذى قال له - بعد أن سقى لابنتيه غنمهما- : ( قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ .

.

.

) قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : " وكان ذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذى بينه وبين صهره ، فى رعاية الغنم ، وسار بأهله ، قيل : قاصداً بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ، ومعه زوجته فأضل الطريق ، وكانت ليلة شاتية ، ونزل منزلاً بين شعاب وجبال .

.

.

فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور ناراً .

.

.

" .وقوله : ( آنَسْتُ ) من الإيناس ، بمعنى الإبصار الواضح الجلى يقال : آنس فلان الشىء إذا أبصره وعلمه وأحس به .أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وذكر أتباعك ليعتبروا و يتعظوا ، وقت أن قال موسى لأهله ، وهو فى طريقه من جهة مدين إلى مصر .إنى أبصرت - إبصاراً لا شبهة فيه - ناراً .

فامكثوا فى مكانكم ، فإنى ( سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ) أى : سآتيكم من جهتها بخبر ينفعنا فى رحلتنا هذه ، وتسترشد به فى الوصول إلى أهدى الطرق التى توصلنا إلى المكان الذى نريده .و ( أَوْ ) فى قوله - سبحانه - : ( آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) مانعة خلو .قال القرطبى : ما ملخصه : " قرأ عاصم وحمزة والكسائى : ( بِشِهَابٍ قَبَسٍ ) بتنوين ( شِهَابٍ ) وقرأ الباقون بدون تنوين على الإضافة ، أى : بشعلة نار ، من إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة .

والشهاب : كل ذى نور ، نحو الكواكب ، والعود الموقد .

والقبس : اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه ، فالمعنى بشهاب من قبس .

.

.

ومن قرأ ( بِشِهَابٍ قَبَسٍ ) ، بالتنوين جعله بدلاً منه ، أو صفة له .

على تأويله بمعنى المقبوس .

.

" .وقوله : ( تَصْطَلُونَ ) أى : تستدفئون ، والاصطلاء : الدنو من النار لتدفئة البدن عند الشعور بالبرد .

قال الشاعر :النار فاكهة الشتاء فمن يرد ...

أكل الفواكه شاتيا فليصطلوالمعنى : قال موسى - عليه السلام - لأهله عندما شاهد النار : امكثوا فى مكانكم ، فإنى ذاهب إليها ، لكى آتيكم من جهتها بخبر فى رحلتنا فإن لم يكن ذلك ، فإنى آتيكم بشعلة مقتطعة منها ومقتبسة من أصلها ، لعلم تستدفئون بها فى تلك الليلة الشديدة البرودة .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : - قوله - تعالى - : هنا ( سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ) مع قوله - تعالى - فى سورة القصص ( لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ) كالمتدافعين .

لأن أحدهما ترج ، والآخر تيقن .

قلت : قد يقول الراجى إذا قوى رجاؤه : سأفعل كذا ، وسيكون كذا ، مع تجويزه الخيبة .فإن قلت : كيف جاء بسين التسويف - هنا -؟

قلت : عدة لأهله أنه يأتيهم وإن أبطأ ، أو كانت المسافة بعيدة .فإن قلت : فلم جاء بأو دون الواو؟

قلت : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منهما : إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده .

.

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ فمعناه لتؤتاه (وتلقاه) من عند أي حكيم وأي عليم، وهذا معنى مجيئهما نكرتين وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص، و(إذ) منصوب بمضمر وهو اذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى، ويجوز أن ينتصب بعليم فإن قيل الحكمة أما أن تكون نفس العلم، والعلم إما أن يكون داخلاً فيها، فلما ذكر الحكمة فلم ذكر العلم؟

جوابه: الحكمة هي العلم بالأمور العملية فقط والعلم أعم منه، لأن العلم قد يكون عملياً وقد يكون نظرياً والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية، فذكر الحكمة المشتملة على العلوم العملية، ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال العلم وكمال العلم يحصل من جهات ثلاثة وحدته وعموم تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصوناً عن كل التغيرات، وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه سبحانه وتعالى.

واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعاً من القصص.

القصة الأولى: قصة موسى عليه الصلاة والسلام: أما قوله: ﴿ إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ ﴾ فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله: ﴿ امكثوا  ﴾ .

أما قوله: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلاً، وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة في أمر الطريق، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ وقد اختلفوا فقال بعضهم المراد أبصرت ورأيت، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به، والأول أقرب، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست ببصري ورأيت ببصري.

أما قوله: ﴿ سآتيكم منها بخبر ﴾ فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضل، ثم في الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال: ﴿ سآتيكم منها بخبر ﴾ يعرف به الطريق.

أما قوله: ﴿ أو آتيكم بشهاب قبس ﴾ فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة.

وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبساً وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلاً أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم هاهنا أسئلة: السؤال الأول: ﴿ سآتيكم منها بخبر ﴾ و ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر  ﴾ كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن؟

نقول جوابه: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة.

السؤال الثاني: كيف جاء بسين التسويف؟

جوابه: عدة منه لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة.

السؤال الثالث: لماذا أدخل (أو) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معاً؟

جوابه: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده.

وأما قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون ذلك إلا في حال برد.

أما قوله تعالى: ﴿ نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا وسبحان الله رَبّ العالمين ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: ﴿ أن ﴾ أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له بورك.

البحث الثاني: اختلفوا فيمن في النار على وجوه: أحدها: ﴿ أَن بُورِكَ ﴾ بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور، وذلك هو الله سبحانه ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة.

وثانيها: ﴿ مَن فِي النار ﴾ هو نور الله، ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ الملائكة، وهو مروي عن قتادة والزجاج.

وثالثها: أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلاً للكلام، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة.

ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ وهو قول الجبائي.

ورابعها: ﴿ مَن فِي النار ﴾ هو موسى عليه السلام لقربه منها ﴿ مِنْ حَوْلَهَا ﴾ يعني الملائكة، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه.

وخامسها: قول صاحب الكشاف: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مِن شَاطِئ الواد الأيمن فِي البقعة المباركة  ﴾ ويدل عليه قراءة أبي (تباركت الأرض ومن حولها) وعنه أيضاً (بوركت النار).

البحث الثالث: السبب الذي لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولاً وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله: ﴿ ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين  ﴾ وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتاً.

البحث الرابع: أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها.

وقوله: ﴿ وسبحان الله رَبّ العالمين ﴾ فيه فائدتان: إحداهما: أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام الثانية: أن يكون ذلك إيذاناً بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيهاً على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع.

أما قوله: ﴿ إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم ﴾ فقال صاحب الكشاف الهاء في (إنه) يجوز أن يكون ضمير الشأن و ﴿ أَنَا الله ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿ العزيز الحكيم ﴾ صفتان للخبر، وأن يكون راجعاً إلى ما دل عليه ما قبله يعني أن مكلمك أنا والله بيان لأنا والعزيز الحكيم صفتان (للتعيين) وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية، الفاعل (كل) ما أفعله بحكمة وتدبير.

فإن قيل هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى، فكيف علم موسى عليه السلام أنه من الله؟

جوابه: لأهل السنة فيه طريقان: الأول: أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة الله تعالى الثاني: قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة فنقول إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور: أحدها: أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة علم أنه من قبل الله تعالى لأن أحداً منا لا يقدر عليه وهو ضعف لاحتمال أن يقال الشيطان دخل في النار والشجرة ثم نادى.

وثانيها: يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم.

وثالثها: أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك، فقيل إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز، وهذا هو الأصح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذ ﴾ منصوب بمضمر، وهو: اذكر، كأنه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى.

ويجوز أن ينتصب بعليم.

وروي أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته، وقد كنى الله عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع، وهو قوله: ﴿ امكثوا ﴾ [طه: 10] .

الشهاب: الشعلة.

والقبس: النار المقبوسة، وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبساً وغير قبس.

ومن قرأ بالتنوين: جعل القبس بدلاً، أو صفة لما فيه من معنى القبس.

والخبر: ما يخبر به عن حال الطريق، لأنه كان قد ضله.

فإن قلت: سآتيكم منها بخبر، ولعلي آتيكم منها بخبر: كالمتدافعين: لأنّ أحدهما ترجّ والآخر تيقن.

قلت: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة.

فإن قلت: كيف جاء بسين التسويف؟

قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة.

فإن قلت: فلم جاء بأو دون الواو؟

قلت بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منهما: إمّا هداية الطريق؛ وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعاً، وهما العزَّان: عز الدنيا، وعز الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ أيِ اذْكُرْ قِصَّتَهُ ( إذْ قالَ ) ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( عَلِيمٍ ) .

﴿ سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ أيْ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ لِأنَّهُ قَدْ ضَلَّهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ إنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ امْرَأتِهِ لَمّا كَنّى عَنْها بِالأهْلِ، والسِّينُ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ المَسافَةِ والوَعْدِ بِالإتْيانِ وإنْ أبْطَأ.

﴿ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ شُعْلَةِ نارٍ مَقْبُوسَةٍ، وإضافَةُ الشِّهابِ إلَيْهِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، ونَوَّنَهُ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ عَلى أنَّ الـ ( قَبَسٍ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ وصْفٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَقْبُوسُ، والعِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ التَّرَجِّي في «طَهَ»، والتَّرْدِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِما لَمْ يُعْدَمْ، أحَدَهُما بِناءً عَلى ظاهِرِ الأمْرِ أوْ ثِقَةً بِعادَةِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدِهِ.

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ رَجاءَ أنْ تَسْتَدْفِئُوا بِها والصِّلاءُ النّارُ العَظِيمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إذ} منصوب باذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى عليه السلام {قَالَ موسى لاِهْلِهِ} لزوجته ومن معه عند مسير ممن مدين إلى مصر {امكثوا إني آنست} أبصرت {نارا سآتيكم مّنْهَا بِخَبَرٍ} عن حال الطريق لأنه كان قد ضله {أو آتيكم بشهابٍ} بالتنوين كوفي أي شعلة مضيئة قَبَسٍ نار مقبوسة بدل أو صفة وغيرهم بشهاب قبس على

الإضافة لأنه يكون قبساً وغير قبس ولا تدافع بين قوله سآتيكم هنا ولعلي آتيكم في القصص مع أن أحدهما زج والآخر تيقن لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة ومجيئه بسين التسويف عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة وبأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجته جميعا لم يعد واحدة منها إما هداية الطريق وإما اقتباس النار ولم يدر أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين وهما عز الدنيا والآخرة واختلاف الألفاظ في هاتين الصورتين والقصة واحدة دليل عن جواز نقل الحديث بالمعنى وجواز النكاح بغير لفظ التزوج {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم والطاء بدل من تاء افتعل لأجل الصاد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمِرَ بِتِلاوَةِ بَعْضٍ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي تَلَقّاهُ  مِن لَدُنْهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لَهُ، أيِ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأهْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (إذْ) ظَرْفًا لِـ(عَلِيمٍ).

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواضِحٍ إذْ يَصِيرُ الوَصْفُ مُقَيَّدًا بِالمَعْمُولِ، وقالَ في الكَشْفِ: ما يُتَوَهَّمُ مِن دَخْلِ التَّقْيِيدِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مُنْدَفَعٌ؛ إذْ لَيْسَ مَفْهُومًا مُعْتَبَرًا عِنْدَ المُعْتَبِرِ، ولِأنَّهُ لَمّا كانَ تَمْهِيدَ القِصَّةِ حَسُنَ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْلَمُهُ حَيْثُ فُعِلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما فُعِلَ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ عَلى الإطْلاقِ لَمْ يَضُرَّ التَّقْيِيدَ بَلْ نَفَعَ لِرُجُوعِهِ بِالحَقِيقَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ التَّعْلِيلِ والتَّذْكِيرِ اهـ.

ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ - مَعَ هَذا - هو الوَجْهُ الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ كانَ في أثْناءِ سَيْرِهِ خارِجًا مِن مَدْيَنَ عِنْدَ وادِي طُوًى، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَقَدَحَ، فَأصْلَدَ زَنْدَهُ، فَبَدا لَهُ مِن جانِبِ الطُّورِ نارٌ، والمُرادُ بِالخَبَرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بِهِ مِن جِهَةِ النّارِ الخَبَرُ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ مَن يَذْهَبُ لِضَوْءِ نارٍ عَلى الطَّرِيقِ يَكُونُ كَذَلِكَ، ولَمْ يُجَرِّدِ الفِعْلَ عَنِ السِّينِ إمّا لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَسافَةِ النّارِ في الجُمْلَةِ؛ حَتّى لا يَسْتَوْحِشُوا إنْ أبْطَأ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْهُمْ، أوْ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ بِالإتْيانِ؛ فَإنَّها - كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - تَدْخُلُ في الوَعْدِ لِتَأْكِيدِهِ، وبَيانِ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ، وما قِيلَ مِن أنَّ السِّينَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيبِ المُدَّةِ دَفْعًا لِلِاسْتِيحاشِ إنَّما يَنْفَعُ - عَلى ما قِيلَ - في اخْتِيارِهِ عَلى سَوْفَ دُونَ التَّجْرِيدِ الَّذِي يَتَبادَرُ مِنَ الفِعْلِ مَعَهُ الحالُ الَّذِي هو أتَمُّ في دَفْعِ الِاسْتِيحاشِ.

ولَعَلَّ الأُولى اعْتِبارُ كَوْنِهِ لِلتَّأْكِيدِ، لا يُقالُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالعَرَبِيَّةِ وما ذُكِرَ مِن مَباحِثِها؛ لِأنّا نَقُولُ: ما المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ في غَيْرِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاها، بَلْ حِكايَةُ القَوْلِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الألْفاظِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَكَلَّمَ في لُغَتِهِ بِما يُؤَدِّي ذَلِكَ ولا بُدَّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ - إنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ - لِلتَّعْظِيمِ، وهو الوَجْهُ في تَسْمِيَةِ اللَّهِ - تَعالى شَأْنُهُ - امْرَأةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأهْلِ، مَعَ أنَّهُ جَماعَةُ الأتْباعِ.

﴿ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ أيْ بِشُعْلَةِ نارٍ مَقْبُوسَةٍ، أيْ: مَأْخُوذَةٍ مِن أصْلِها، فَـ(قَبَسٍ) صِفَةُ (شِهابٍ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وهَذِهِ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ «بِشِهابِ قَبَسٍ» بِالإضافَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ، وهي إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ العُمُومِ والخُصُوصِ، كَما في (ثَوْبِ خَزٍّ) فَإنَّ الشِّهابَ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، والعِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ التَّرَجِّي في سُورَةِ طه، فَلا تَدافُعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا وما وقَعَ هُناكَ، والتَّرْدِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِما لَمْ يَعْدَمْ أحَدَهُما بِناءً عَلى ظاهِرِ الأمْرِ، وثِقَةً بِسُنَّةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدٍ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: التَّرْدِيدُ؛ لِأنَّ احْتِياجَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أحَدِهِما لا لَهُما؛ لِأنَّهُ كانَ في حالِ التَّرْحالِ، وقَدْ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَمَقْصُودُهُ أنْ يَجِدَ أحَدًا يَهْدِي إلى الطَّرِيقِ، فَيَسْتَمِرُّ في سَفَرِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُ يَقْتَبِسْ نارًا ويُوقِدْها ويَدْفَعْ ضَرَرَ البَرْدِ في الإقامَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ ورَدَ في القِصَّةِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ وُلِدَ لَهُ عِنْدَ الطُّورِ ابْنٌ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ وظُلْمَةٍ مَثْلَجَةٍ، وقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ وتَفَرَّقَتْ ماشِيَتُهُ، فَرَأى النّارَ، فَقالَ لِأهْلِهِ ما قالَ، وهو يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ لَهُما مَعًا، لَكِنَّهُ تَحَرّى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الصِّدْقَ فَأتى بِـ(أوْ).

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ: رَجاءَ أوْ لِأجْلِ أنْ تَسْتَدْفِئُوا بِها، والصِّلاةُ - بِكَسْرِ الصّادِ والمَدِّ ويُفْتَحُ بِالقَصْرِ - الدُّنُوُّ مِنَ النّارِ لِتَسْخِينِ البَدَنِ، وهو الدِّفْءُ، ويُطْلَقُ عَلى النّارِ نَفْسِها، أوْ هو بِالكَسْرِ الدِّفْءُ وبِالفَتْحِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ قال بعضهم: معناه إنه عليم بما ينزل عليك، كعلمه بقول موسى  .

ويقال: حكمت لك بالنبوة، كما حكمت لموسى، إذ قال لأهله: إِنِّي آنَسْتُ نَاراً يعني: رأيت نارا وأبصرتها من بعيد سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ يعني: خبر الطريق أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ يعني: بنار أصيبها ويقال: كل أبيض ذي نور فهو شهاب، والقبس: كل ما يقتبس من النار، والقبس: يعني المقبوس.

كما يقال: ضرب فلان، يعني: مضروبه.

قرأ عاصم وحمزة والكسائي شِهَابٌ قَبَسٍ بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين.

فمن قرأ منوناً، جعل القبس نعتا لشهاب ومن قرأ بِشِهابٍ غير منون، أضاف الشهاب إلى القبس ثم قال لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ يعني: تستدفئون من البرد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً.

وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.

ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى.

وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.

وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .

قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.

وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .

وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّمْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طس ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ، قالَ: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ.

والثّانِي: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الطّاءُ مِنَ اللَّطِيفِ، والسِّينِ مِنَ السَّمِيعِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وكِتابٌ مُبِينٌ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: بُشْرى بِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ لِلْمُصَدِّقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: حَبَّبْنا إلَيْهِمْ قَبِيحَ فِعْلِهِمْ.

وقَدْ بَيَّنّا حَقِيقَةَ التَّزْيِينِ والعَمَهِ في (البَقَرَةِ: ١٥، ٢١٢) .

وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ وصارُوا إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُلْقى عَلَيْكَ فَتَتَلَقّاهُ أنْتَ، أيْ: تَأْخُذُهُ.

﴿ إذْ قالَ مُوسى ﴾ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى.

قالَ تَعالى: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا: " بِشِهابٍ " بِالتَّنْوِينِ.

وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإضافَةِ غَيْر َمُنَوَّنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَوَّنَ الشِّهابَ، وجَعَلَ القَبَسَ مِن صِفَةِ الشِّهابِ، وكُلُّ أبْيَضٍ ذِي نُورٍ، فَهو شِهابٌ.

فَأمّا مَن أضافَ، فَقالَ الفَرّاءُ: هَذا مِمّا يُضافُ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَتِ الأسْماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشِّهابُ: النّارُ، والقَبَسُ: النّارُ تَقْبِسُ، يُقالُ: قَبَسَتِ النّارُ قَبَسًا، واسْمُ ما قَبَسْتَ: قَبَسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ، وكانَ الزَّمان شِتاءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى النّارَ، وإنَّما كانَ نُورًا فاعْتَقَدَهُ نارًا، ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: قَدَّسَ مَن في النّارِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ؛ والمَعْنى: قَدَّسَ مَن ناداهُ مِنَ النّارِ، لا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَحِلُّ في شَيْءٍ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: بُورِكَتِ النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: بُورِكَ عَلى مَن في النّارِ، أوْ فِيمَن في النّارِ؛ قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: بارَكَهُ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْهِ، وبارَكَ فِيهِ، بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ: بُورِكَ مَن في طَلَبِ النّارِ، وهو مُوسى، فَحَذَفَ المُضافَ.

وهَذِهِ تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى بِالبَرَكَةِ، كَما حَيّا إبْراهِيمَ بِالبَرَكَةِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ  ﴾ .

فَخَرَجَ في قَوْلِهِ: ﴿ بُورِكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدَّسَ.

والثّانِي: مِنَ البَرَكَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: مُوسى والمَلائِكَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: مُوسى؛ فالمَعْنى: بُورِكَ فِيمَن يَطْلُبُها وهو قَرِيبٌ مِنها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا مُوسى إنَّهُ أنا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ "تَلْقى" تَفْعَلُ، مُضاعَفٌ، ومَعْناهُ: تُعْطى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: أنَّكَ لَتُقَبِّلُ القُرْآنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَفِيضُ عَلَيْهِ فَضْلُ اللهِ تَعالى فَيُقَلِّبُهُ  ، وهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: إنَّ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.

و"مِن لَدُنْ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِهِ ومِن جِهَتِهِ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ في مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، لا إلَهَ إلّا هو.

ثُمَّ قَصَّ تَعالى خَبَرَ مُوسى، والتَقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى، وكانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَلامُ يُرِيدُ مِصْرَ -وَقَدْ قَرُبَ وقْتُ نُبُوَّتِهِ- مَشَوْا في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ ذاتِ بَرْدٍ ومَطَرٍ، فَفَقَدُوا النارَ ومَسَّهُمُ البَرْدُ واشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الظُلْمَةُ وضَلُّوا الطَرِيقَ، وأصْلَدَ زِنادُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَبَيْنا هو في هَذِهِ الحالِ إذْ رَأى نارًا عَلى بُعْدٍ.

و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: رَأيْتُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: انْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جِلَّقِ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مِن أحَدٍ؟

فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ قالَ لِأهْلِهِ ما في الآيَةِ، ومَشى نَحْوَها، فَلَمّا دَنا مِنها بَعُدَتْ هي مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكُنْ نارًا في نَفْسِهِ، لَكِنْ ظَنَّهُ مُوسى نارًا، فَناداهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وسَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ النِداءَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وأسْمَعُهُ اللهُ تَعالى كَلامَهُ.

و"الخَبَرُ" الَّذِي رَجاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو الإعْلامُ بِالطَرِيقِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ ، شِبْهُ النارِ الَّتِي تُوجَدُ في طَرَفِ عُودٍ أو غَيْرِهِ بِالشِهابِ، ثُمَّ خَصَّصَهُ بِأنَّهُ مِمّا اقْتُبِسَ؛ إذِ الشُهُبُ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ اقْتِباسٍ، والقَبَسُ اسْمٌ لِقِطْعَةِ النارِ تُقْتَبَسُ في عُودٍ أو غَيْرِهِ، كَما أنَّ القَبْضَ اسْمٌ ما يَقْبِضُ، ومِنهُ قَوْلٌ أبِي زَيْدٍ: في كِفَّةٍ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ∗∗∗ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ وَقَوْلُ الآخَرِ: مَن شاءَ مِن نارِ الجَحِيمِ اسْتَقْبَسا وأصْلُ الشِهابِ الكَوْكَبُ المُنْقَضُّ في أثَرٍ مُسْتَرِقِ السَمْعِ، وكُلُّ ما يُقالُ لَهُ شِهابٌ مِنَ النَيِّراتِ فَعَلى التَشْبِيهِ، قالَ الزَجّاجُ: كُلُّ أبْيَضَ ذِي نُورٍ فَهو شِهابٌ، وكَلامُهُ مُعْتَرَضٌ، والقَبَسُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا غَيْرَ صِفَةٍ أضافَ إلَيْهِ، بِمَعْنى: بِشِهابٍ اقْتَبَسَهُ أوِ اقْتَبَسَتْهُ، وعَلى كَوْنِهِ صِفَةً يَكُونُ ذَلِكَ كَإضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، والصَلاةِ إلى الأُولى، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "شِهابٍ" إلى "قَبَسٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشامِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِشِهابٍ قَبَسٍ" بِتَنْوِينِ "شِهابٍ"، وهَذا عَلى الصِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرَ: قَبَسَ يَقْبِسُ، كَما الحَلْبُ مَصْدَرُ حَلَبَ يَحْلِبُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ: الإضافَةُ أجْوَدُ وأكْثَرُ في القِراءَةِ، كَما تَقُولُ: دارُ آجُرٍّ وسِوارُ ذَهَبٍ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.

و"تَصْطَلُونَ" مَعْناهُ: تَسْتَدْفِئُونَ مِنَ البَرْدِ.

والضَمِيرُ في "جاءَها" لِلنّارِ الَّتِي رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أنْ بُورِكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنْ بُورِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: "نُودِيَ أنَّهُ"، قالَهُ الزَجّاجُ.

وقَوْلُهُ: "بُورِكَ" مَعْناهُ:، قُدِّسَ وضُوعِفَ خَيْرُهُ ونُمِّيَ، والبَرَكَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ نَبْعُ الرُمّانِ والزَيْتُونُ و"بارَكَ" مُتَعَدٍّ بِغَيْرِ حَرْفٍ، تَقُولُ العَرَبُ: بارَكَكَ اللهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن في النارِ ﴾ اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمْ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ نَفْسَهُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم في هَذا القَوْلِ عِباراتٍ مَرْدُودَةً شَنِيعَةً.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النُورَ.

وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِـ "مِن حَوْلَها" المَلائِكَةَ ومُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرُهُ فَإنَّما يَتَخَرَّجُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، بِمَعْنى: بُورِكَ مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ، والمَعْنى: في النارِ عَلى ظَنِّكَ وما حَسِبْتَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ " مَن في النارِ " النُورُ، فَهَذا عَلى أنْ يُعَبِّرَ عَنِ النُورِ مِن حَيْثُ كانَ أنَّهُ مِن نُورِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النُورَ الَّذِي حَسِبَهُ مُوسى نارًا لَمْ يَخْلُ مِنَ المَلائِكَةِ.

و" مَن حَوْلَها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ المُطِيفِينَ بِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "بُورِكَتِ النارُ".

و" مِن حَوْلِها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ، كَذا حَكى أبُو حاتِمْ، وحَكى ابْنُ مَكِّيٍّ أنَّهُ قَرَأ: "تَبارَكَتِ النارُ ومَن حَوْلَها"، وحَكى الدانِيُّ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "وَمَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ"، قالَ: وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا قِيلَ في النِداءِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ  اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصِدُ بِهِ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- تَنْزِيهُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالٍ في مَعْنى النِداءِ في الشَجَرَةِ، وكَوْنُ قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ.

وعَوْدُ "مَن" عَلَيْهِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ -فِي جَمِيعِ هَذِهِ الحالاتِ- عَنِ التَشْبِيهِ والتَكْيِيفِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وإنَّما الأمْرُ -كَما رُوِيَ في التَوْراةِ-: (جاءَ اللهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلى مِن فارانَ )، المَعْنى: ظَهَرَتْ أوامِرُهُ بِأنْبِيائِهِ في هَذِهِ الحالاتِ.

والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْأمْرِ والشَأْنِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ويُسَمِّيها أهْلُ الكُوفَةِ المَجْهُولَةَ، آنَسَهُ اللهُ تَعالى بِصِفاتِهِ مِنَ العِزَّةِ الَّتِي لا خَوْفَ مَعَها، والحِكْمَةِ، أيْ: لا نَقْصَ في أفْعالِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قال الزجاج والزمخشري وغيرهما: انتصب ﴿ إذْ ﴾ بفعل مضمر تقديره: اذكر، أي أن ﴿ إذْ ﴾ مجردٌ عن الظرفية مستعمل بمعنى مطلق الوقت، ونصْبُه على المفعول به، أي اذكر قصة زمن قال موسى لأهله، يعني أنه جار على طريقة ﴿ وإذْ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30].

فالجملة استئناف ابتدائي.

ومناسبة موقعها إفادة تنظير تلقي النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بتلقّي موسى عليه السلام كلامَ الله إذ نودي ﴿ يا موسى إنّه أنا الله العزيز الحكيم ﴾ [النمل: 9].

وذلك من بديع التخلص إلى ذكر قصص هؤلاء الأنبياء عقب التنويه بالقرآن، وأنه من لدن حكيم عليم.

والمعنى: أن الله يقصّ عليك من أنباء الرسل ما فيه مَثَل لك ولقومك وما يثبت به فؤادك.

وفي ذلك انتقال لنوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن المغيبات وهو ما عددناه في الجهة الرابعة من جهات إعجاز القرآن في المقدمة العاشرة من المقدمات.

وجملة: ﴿ قال موسى لأهله ﴾ إلى آخرها تمهيد لجملة ﴿ فلما جاءها نُودي أن بُورك مَن في النّار ﴾ [النمل: 8] إلخ.

وزمانُ قول موسى لأهله هذه المقالة هو وقت اجتلابه للمبادرة بالوحي إليه.

فهذه القصة مثَل ضربه الله لِحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، ابتدئت بما تقدم رسالة موسى من الأحوال إدماجاً للقصة في الموعظة.

والأهل: مراد به زوجه، ولم يكن معه إلا زوجه وابنان صغيران.

والمخاطب بالقول زوجه، ويكنى عن الزوجة بالأهل.

وفي الحديث: «والله ما علمتُ على أهلي إلا خَيراً» ولم تظهر النار إلا لموسى دون غيره من أهله لأنها لم تكن ناراً معتادة، لكنها من أنوار عالم الملكوت جلاّه الله لموسى فلا يراه غيره.

ويؤيد هذا تأكيده الخبر ب (إن) المشير إلى أن زوجهُ ترددت في ظهور نار لأنها لم ترها.

والإيناس: الإحساس والشعور بأمر خفي، فيكون في المرئيات وفي الأصوات كما قال الحارث بن حلزة: آنَستْ نَبْأَةً وأفزعها القُنَّ *** اصُ عَصْرَاً وقد دنا الإِمساء والمراد بالخبر خبر المكان الذي تلوح منه النار.

ولعله ظن أن هنالك بيتاً يرجو استضافتهم إياه وأهله تلك الليلة، وإن لم يكن أهل النار أهل بيت يستضيفون بأن كانوا رجالاً مقوين يأتتِ منهم بجمرة نار ليوقد أهله ناراً من حطب الطريق للتدفُّؤ بها.

والشهاب: الجمر المشتعل.

والقبس: جمرة أو شعلة نار تُقبس، أي يُؤخذ اشتعالها من نار أخرى ليُشعل بها حطب أو ذُبالة نار أو غيرهما.

وقرأ الجمهور بإضافة ﴿ شهاب ﴾ إلى ﴿ قبس ﴾ إضافة العام إلى الخاص مثل: خَاتم حديد.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بتنوين ﴿ شهاب ﴾ ، فيكون ﴿ قبس ﴾ بدلاً من ﴿ شهاب ﴾ أو نعتاً له.

وتقدم في أول سورة طه.

والاصطلاء: افتعال من الصلي وهو الشيُّ بالنار.

ودلت صيغة الافتعال أنه محاولة الصلي فصار بمعنى التدفُّؤ بوهج النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَأيْتُ نارًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ ومِنهُ سُمِّيَ الإنْسانُ إنْسًا لِأنَّهم مَرْئِيُّونَ.

الثّانِي: أحْسَسْتُ نارًا، قالَهُ قَتادَةُ، والإيناسُ: الإحْساسُ مِن جِهَةٍ يُؤْنَسُ بِها.

﴿ سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَأُخْبِرُكم عَنْها بِعِلْمٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ ضَلَّ الطَّرِيقَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ والشِّهابُ الشُّعاعُ المُضِيءُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَمُرُّ ضَوْؤُهُ في السَّماءِ شِهابٌ، قالَ الشّاعِرُ: في كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ والقَبَسُ هو القِطْعَةُ مِنَ النّارِ، ومِنهُ اقْتَبَسْتُ النّارَ، أخَذْتُ مِنها قِطْعَةً، واقْتَبَسْتُ مِنهُ عِلْمًا إذا أخَذْتَ مِنهُ عِلْمًا، لِأنَّكَ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما تَسْتَضِيءُ بِالنّارِ.

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ شِتاءً.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ يَعْنِي ظَنَّ أنَّها نارٌ، وهي نُورٌ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمّا رَأى مُوسى النّارَ وقَفَ قَرِيبًا مِنها فَرَآها تَخْرُجُ مِن فَرْعِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها العَلِيقُ، لا تَزْدادُ النّارُ إلّا تَضَرُّمًا وعِظَمًا، ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، فَعَجِبَ مِنها ودَنا وأهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ في يَدِهِ لِيَقْتَبِسَ مِنها، فَمالَتْ إلَيْهِ فَخافَها فَتَأخَّرَ عَنْها، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها إلى أنْ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ ولا يَدْرِي ما أمْرُها، إلى أنْ: ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ وفي ﴿ بُورِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قُدِّسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: تَبارَكَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: البَرَكَةُ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَبُورِكَ في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ ∗∗∗ إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِداءُ وَفِي النّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها نارٌ فِيها نُورٌ.

الثّانِي: أنَّها نُورٌ لَيْسَ فِيها نارٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفِي ﴿ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بُورِكَتِ النّارُ، و ﴿ مَن ﴾ زِيادَةٌ، وهي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ( بُورِكَتِ النّارُ ومَن حَوْلَها ) قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بُورِكَ النُّورُ الَّذِي في النّارِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: بُورِكَ اللَّهُ الَّذِي في النُّورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: الشَّجَرَةُ لِأنَّ النّارَ اشْتَعَلَتْ فِيها وهي خَضْراءُ لا تَحْتَرِقُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُوسى، قالَها أبُو صَخْرٍ.

﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ حِينَ فَرَغَ مِن سَماعِ النِّداءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ اسْتِعانَةً بِاللَّهِ وتَنْزِيهًا لَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ ومَعْناهُ: وبُورِكَ فِيمَن يُسَبِّحُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ مُوسى.

وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثُمَّ لَمْ يَمَسَّ مُوسى امْرَأةً بَعْدَما كَلَّمَهُ رَبُّهُ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّجَرَةِ كَلامًا خَرَجَ مِنها حَتّى سَمِعَهُ مُوسى، حَكاهُ النَّقّاشُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ قالَ وهْبٌ: ظَنَّ مُوسى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِرَفْضِها فَرَفَضَها.

﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجانَّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِنانِها واسْتِتارِها.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالجانِّ الشَّيْطانَ مِنَ الجِنِّ، لِأنَّهم يُشَبِّهُونَ كُلَّ ما اسْتَهْوَلُوهُ بِالشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ  ﴾ .

وقَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا إلى أعْظَمِ الحَيّاتِ لا إلى أصْغَرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ  ﴾ و [الشُّعَراءِ: ٣٣] .

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: وكانَتِ العَصا قَدْ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ وكانَ اسْمُها: ما شاءَ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وكانَتْ مِن عَوْسَجٍ.

﴿ وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَمْ يَرْجِعْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ قُطْرُبٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ.

الثّانِي: ولَمْ يَنْتَظِرْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ بَقِيَ ولَمْ يَمْشِ، لِأنَّهُ في المَشِيءِ مُعَقِّبٌ لِابْتِدائِهِ بِوَضْعِ عُقْبَةٍ قَبْلَ قَدَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ أرادَ في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلَيْهِمْ، وإلّا فالمُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ أخْوَفُ.

﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ويَكُونُ مِنهم هَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى المُرْسَلِينَ.

وَفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما كانَ مِنهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ كالَّذِي كانَ مِن مُوسى في قَتْلِ القِبْطِيِّ، فَأمّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ جَمِيعًا.

الوَجْهُ الثّانِي: بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم مَعْصُومُونَ فِيها مَعَ وُجُودِ الصَّغائِرِ مِنهم، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِهِمْ في تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ مِنها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي تَوْبَةً بَعْدَ سَيِّئَةٍ.

﴿ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ غَفُورٌ لِذَنْبِهِمْ، رَحِيمٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله عز وجل ﴿ بشهاب قبس ﴾ قال: شعلة من نار يقتبسون منه قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول طرفة: هم عراني فبت أدفعه ** دون سهادي كشعلة القَبس <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى ﴾ قال الزجاج: موضع (إِذْ) نصب، المعنى: اذكر ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى ﴾ أي: اذكر قصته (١) وقوله: (لأَهْلِهِ) قال مقاتل: لامرأته (٢) ﴿ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ﴾ مفسر في سورة: طه (٣) ﴿ سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ﴾ أين الطريق، أي: بخبر عن الطريق؛ وقد كان تَحيَّر، وترك الطريق.

قاله ابن عباس ومقاتل (٤) ﴿ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ (٥) قال ابن السكيت: الشهاب: العود الذي فيه نار (٦) وقال أبو الهيثم: الشهاب: أصل خشبة فيها نار ساطعة (٧) وقال الليث: الشهاب شُعلةٌ نارٍ ساطعة، والجمعُ: الشُّهب والشُّهبان (٨) وقال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب (٩) ويدخل في هذا النجم والنار والسنان (١٠) وقال أبو علي: الذي قاله أبو إسحاق لا أدري أقاله رواية أم استدلالًا (١١) (١٢) وقرئ قوله: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ بالتنوين، وبالإضافة (١٣) (١٤) ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ  ﴾ (١٥) قال أبو علي: القبس يجوز أن يكون صفة، ويجوز أن يكون اسمًا غير صفة، فأما جواز كونه وصفًا فلأنهم يقولون: قَبَسْتُه أَقْبِسُه قَبْسًا، والقَبْسُ: اسم للشيء المقبوس، وكذلك الحَلْب قد يكون بمعنى: المحلوب، والقَبَس ما اقتبست، من قولهم: قَبَسْتُه نارًا إذا جئته بها.

وإذا كان قوله: (قَبَسٍ) صفة فالأحسن التنوين؛ لأن الموصوف لا يضاف إلى صفة (١٦) وقال أبو الحسن: الإضافة أكثر وأجود في القراءة كما تقول: دار آجُرٍّ، وسوارُ ذهب، قال: ولو قلت: سوار ذهبٌ، ودارٌ آجرٌ كان عربيًا، والأكثر في كلام العرب الإضافة (١٧) قال أبو علي: فأبو الحسن: جعل القبس غير صفة، ألا ترى أنه جعله بمنزلة الآجرِّ والذهب، وليس واحد منهما صفة (١٨) وقال المفسرون: شعلة نار (١٩) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ لكي تصطلوا، من البرد (٢٠) (٢١) ويقال: صَلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ.

واستقصاء تفسير هذه الآية قد تقدم في سورة طه.

(١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 108.

(٢) "تفسير مقاتل" 56 ب.

(٣) عند قوله تعالى: ﴿ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ﴾ رقم: 10.

(٤) "تفسير مقاتل" 56 ب.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2842، عن ابن عباس.

وذكره عنه الماوردي 4/ 194.

(٥) "تفسير مقاتل" 56 ب.

(٦) "تهذيب اللغة" 6/ 88 (شهب).

(٧) "تهذيب اللغة" 6/ 88 (شهب).

و"تفسير الوسيط" 3/ 369، ولم ينسبه.

(٨) "العين" 3/ 403 (شهب)، ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 6/ 87 (شهب).

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 108.

و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 143.

(١٠) السنان: سنان الرمح، وجمعه: أسنة؛ وسنان الرمح: حديدته لصقالتها ومَلاستها.

"تهذيب اللغة" 12/ 298 (سنن) و"لسان العرب" 13/ 223.

(١١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 373.

(١٢) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ  ﴾ : القبس شعلة من نار يقتبسها من معظم النار.

قال أبو زيد: أقبست الرجل عِلمًا، بالألف واللام، وقبسته نارًا؛ إذا جئته بها، فإن كان طلبها قال: أقبسته بالألف.

وقال الكسائي: أقبسته نارًا وعِلمًا سواء، وقد يجوز طرح الألف منهما.

قال المبرد: والأصل واحد؛ لأن كلاهما مستضاء به.

(١٣) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالإضافة."السبعة في القراءات" 478.

و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 372، و"النشر في القراءات العشري" 2/ 337.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 108.

ويجوز أن يكون بدلًا منه."معاني القراءات"، للأزهري 2/ 233.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 286.

وقد رد قول الفراء، النحاس، فقال: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين؛ لأن معنى الإضافة في اللغة ضم شيء إلى شيء فمحال أن يضم اليء إلى نفسه، وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليبين به معنى الملك والنوع فمحال أن يبين أنه == مالك نفسه أو من نوعها، و ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ إضافة النوع إلى الجسم، كما تقول: هذا ثوب خز ...

"إعراب القرآن" 3/ 198.

(١٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 373، مختصرًا.

(١٧) ذكر قول أبي الحسن، أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 377.

(١٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 377.

(١٩) "تفسير مقاتل" 57 أ.

و"مجاز القرآن" 2/ 92.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 322.

و"تفسير ابن جرير" 19/ 133.

(٢٠) "تفسير هود الهواري" 3/ 247.

و"تفسير ابن جرير" 19/ 133.

و"تفسير الماوردي" 4/ 194.

(٢١) "تنوير المقباس" 316.

و"تفسير هود الهواري" 3/ 247، ولم ينسبه.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2842، عن ابن عباس.

وذكره الماوردي 4/ 194، عن قتادة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ آنَسْتُ ﴾ ذكر في [طه: 11] وكذلك قبس: [طه: 12]، والشهاب: النجم شبَّه القبس به، وقرئ بإضافة شهاب إلى قبس وبالتنوين على البدل أو الصفة، فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿ سَآتِيكُمْ ﴾ وفي الموضع الآخر: ﴿ لعلي آتِيكُمْ ﴾ [طه: 10، القصص: 29]؛ والفرق بين الترجي والتسويق أن التسويق متيقن الوقوع بخلاف الترجي؟

فالجواب أنه قد يقول الراجي: سيكون كذا؛ إذا قوي رجاؤه ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ معناه: تستدفئون بالنار من البرد، ووزنه تفعلون، وهو مشتق من صلى بالنار والطاء بدل من التاء ﴿ أَن بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ ﴿ أَن ﴾ مفسرة، و ﴿ بُورِكَ ﴾ من البركة، ﴿ مَن فِي النار ﴾ : يعني من في مكان النار ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ : من حول مكانها: يريد الملائكة الحاضرين وموسى عليه السلام، قال الزمخشري: والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام ﴿ وَسُبْحَانَ الله ﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى عليه السلام، أو يكون مستأنفاً وعلى كلا الوجهين قصد به تنزيه الله مما عسى أن يخطر ببال السامع من معنى النداء، أو في قوله: ﴿ أَن بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ لأن المعنى نودي أن بورك من في النار، إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.

الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".

الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.

التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.

فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.

فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".

ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.

قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.

وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.

ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.

وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.

ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.

ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.

ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.

ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.

ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.

و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.

والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.

وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم  ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.

قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله  أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها  ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.

و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.

قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة  ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.

وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله  مروي عن ابن عباس.

وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.

وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.

وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.

وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.

وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.

والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.

وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.

وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.

ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".

وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي  ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.

ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.

قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك  ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.

وهناك قال ﴿ فذانك برهانان  ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.

قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.

أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.

وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه  ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.

والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.

وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.

التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال  "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.

وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.

وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي  بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.

ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت وأبصرت.

﴿ سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى  ﴾ ، هذا يدل أنه كان ضل الطريق على ما ذكره أهل التأويل، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ ، ذكر على التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف، والقصة واحدة، والممتحن بذلك موسى لا غير؛ فهذا يدل أن ليس على الناس تكلف حفظ الألفاظ والحروف بلا تقديم ولا تأخير ولا تغيير، بعد أن أصابوا المعنى المودع فيها - أعني: في الألفاظ - وحفظوها من غير تغيير يدخل في المعنى المودع؛ إذ قصة موسى هذه وغيرها من قصص الأنبياء - عليهم السلام - ذكرت في الكتاب في التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف فدل: أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف في كثير من الأحكام في الشهادات والأخبار وغيرها، وإنما عليهم إصابة المعنى.

ثم قوله: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ قال بعضهم: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والقبس: النار وشهبان: جمع، ولا تسمى النار: قبسا إلا ما يحمل من موضع إلى موضع، يقال: قبست النار قبسا واقتبست؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقال بعضهم: القبس: الجمر، والشهاب: النار الموقدة: وهو قول أبي عبيدة.

وقال بعضهم: الشهاب: النور، والشهاب: الكواكب، سمي: شهاباً لضوءه.

وقال بعضهم: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ أي: شعلة من نار، والجذوة: كأنها خشبة فيها نار؛ وهو مثل الأول.

ودل قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ على أن الوقت وقت البرد وأيام الشتاء؛ حيث ذكر الاصطلاء وهو الاستدفاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ : اضطربت أقاويل أهل التأويل في هذا.

صرف بعضهم تأويله إلى (ما) لا يزيده إلى سماجة وبعداً عن الحق والصواب وعمى، لكن لو جاز أن يعبر ويكنى بحرف (من) عن غير مميز وغير ذي فهم وعقل، لاستقام التأويل فيه ولم يقع فيه شبهة؛ فيجعل كأنه قال: أن بورك ما فيه من النار وما حولها، ويكون عبارة عن المكان الذي فيه النار وما حولها من الأمكنة، أي: بورك في ذلك المكان الذي فيه النار وما حولها؛ لأنه قال له في آية أخرى: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى  ﴾ أي: طوي فيه البركات.

وقال في آية: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ عن بركة ذلك المكان؛ فعلى ذلك لو جاز أن يعبر بحرف (من) عن غير المميز والفهم، ويكنى به - جاز صرف التأويل إلى ما ذكرنا من المكان.

أو يقال: ﴿ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ، أي: بورك ما في النار من النور وما حول ذلك، وما يستنار به ويستضاء، وهو ما استفاد به من النبوة والرسالة.

هذا كله إذا جازت العبارة والكناية بحرف (من) عن غير ذي التمييز والفهم، فإن جاز هذا لاستقام أن يقال: هذا.

أو أن يكون التأويل منصرفاً إلى ما ذكره في حرف ابن مسعود وأبي على طرح حرف (من) وحرف (في) ذكر: أن في حرفهما: ﴿ نودي أن بوركت النار ومن حولها ﴾ ، وذلك جائز في اللغة أن يقال: بورك في فلان وبورك فلانٌ وبوركت وبورك فيك؛ وكذلك ذكر عن الكسائي أنه قال ذلك، فإن كان ما ذكر عن ابن مسعود وأبيّ ثابتاً صحيحاً - لم يقع فيه شبهة ولا ريب.

أو إن لم يجز العبارة بحرف (من) عن غير ذي التمييز، فجائز أن يصرف حرف (من) إلى موسى؛ فيكون كأنه قال: بورك في الذي أتى النار وهو موسى، أو بورك فيمن جعل له اقتباس النار؛ فينصرف تأويل (من) إلى موسى، وقد جعل له من البركة في تلك النار ما لا يحصى من استفادة النبوة والإرشاد إلى الطريق والاصطلاء وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - تنزيهاً عن جميع ما قاله بعض أهل التأويل؛ تبرئة منه عن ذلك كله من نحو مقاتل، ومن قال بمثل قوله مما يؤدي إلى التشبيه والشبه.

وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : أي: الذي أعطاك ذلك الله العزيز الحكيم.

أو يقول: إن الذي جعل لك ذلك الله العزيز الحكيم.

أو أن يقول: إنه الذي أراك هذا وأكرمك به أنا الله العزيز الحكيم.

أو أن يقول: إن الذي أراك - أي: الذي جعل لك ذلك - الله العزيز الحكيم؛ العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الحكيم: المصيب في فعله غير مخطئ، أو أن يقال: عزيز لا يذل أبداً قط؛ لأنه عزيز بذاته، الحكيم: يضع كل شيء موضعه لا يخطئ.

قال أبو معاذ: قال مقاتل بن سليمان: إنه يقول: يا موسى، إن النور الذي رأيت أنا الله، وهذا محال لا وجه له؛ لأنك لا تقول: "إن الذي رأيت أنا" لإنسان رآه أو لشيء رآه، ولكن تقول: أنا الذي رأيت.

ومحال - أيضاً - قوله؛ لما ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ نودي يا موسى لا تخف ﴾ يكلمه الله ويخاطبه ثم يقول: إن النور الذي رأيت أنا.

ومحال - أيضاً - لقول الله: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ  ﴾ ، قال الله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا  ﴾ ، ولم يقل: أتاه.

ومحال أيضاً -: أن يكون الله نعتاً؛ لأنك لا تقول بأن الذي رأيت أنا أخوك.

فقال: قول مقاتل محال من أربعة أوجه خلافاً لظاهر الآية، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ : في الآية الأمر بإلقاء العصا، ولم يذكر أنه ألقاها، ولكن فيه: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فألقاها، ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ ، أي: تتحرك كأنها جان.

ذكر أهل التأويل أن الجان هي الحية الصغيرة ليست بعظيمة.

لكنه أخبر أن موسى خافها وولى مدبرا، وموسى لا يحتمل أن يخاف من حية صغيرة على الوصف الذي ذكر، فكأنها كانت عظيمة لكنها في تحركها والتوائها كأنها صغيرة؛ إذ الحية العظيمة الكبيرة لا تقدر على التحرك والالتواء كالصغيرة؛ لذلك خافها موسى، حتى نهاه الله عن ذلك وقال له: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ : قال بعضهم: لم يرجع.

وقال بعضهم: لم يلتفت، وهو مأخوذ من العقب.

والجان: قال بعضهم: من الجنّ، والجانّ: الحية، ولا تكون إلا من الجن.

وقول أبي عبيدة: وقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ فإن قيل: كيف نهاه عن الخوف، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون، وقد مدح الله الملائكة وغيرهم من الخلائق بالخوف من ربهم؛ حيث قال: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ ، و ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً  ﴾ ، وأمثال ذلك من الآيات مما فيها مدحهم بالخوف من ربهم؟

لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه قد أمن موسى حيث قال: ﴿ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ  ﴾ ؛ فكأنه قال هاهنا: لا تخف بعدما أمنتك؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ إذا أمنتهم.

والثاني: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ من غيري؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ من غيري؛ فكأنه قال - والله أعلم - على هذا التأويل: إنما نهاه عن الخوف من غيره، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون.

والثالث: أخبر أنه أمنه من خوف الآخرة وأهوالها؛ كأنه قال: لا تخف فإني سأؤمن المرسلين من خوف يومئذ.

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ ﴾ : هذا - أيضاً - يخرج على وجوه: أحدها: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم إذا بدل حسنا بعده سوء.

والثاني: لا يخاف لدي المرسلون، ولكن من ظلم ممن سواهم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم، رجاء المغفرة وطمع العفو عما كان منه.

والثالث: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم منهم؛ نحو: موسى بقتله النفس، وإخوة يوسف، ثم بدل حسنا وتاب عن ذلك - فإنه يخاف أيضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : فالله  قادر أن يجعل يده بيضاء من غير إدخاله إياها في جيبه، لكنه امتحن موسى بالأمر بإدخالها في جيبه؛ وكذلك قادر أن يصير عصاه في يده حية، لكنه امتحن بالأمر بإلقائها، ولله أن يمتحن عباده بكل أنواع المحن.

وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قيل: من غير آفة من برص أو غيره، وقد ذكرنا معناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : قال بعضهم: موسى من تسع آيات، وقد يجوز استعمال حرف في مكان من كما يقال: لفلان كذا كذا نوقاً فيها فحلان، أي: منها فحلان.

وقال بعضهم: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ : قال أبو معاذ: قد يكون معنى (في) و(مع) واحداً فيما لا يحصى عدده، تقول: (خرجت في أهل مرو إلى مكة)، و(مع أهل مرو إلى مكة)، فإذا قلت: (خرجت في تسعة) اختلفا؛ لأنك أحصيت العد في تسعة أنت تاسعهم، و(مع تسعة) أنت عاشرهم.

وقال بعضهم: هو على الانقطاع من الأول؛ كأنه قال لرسوله محمد: ولقد بعثنا موسى في تسع آيات إلى فرعون؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : دل هذا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وقومه جميعاً؛ إذ ذكر في آية إلى فرعون خاصة، وفي آية أخرى: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ  ﴾ ، وذكر هاهنا ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ فكان مبعوثاً إلى الكل.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ﴾ أي: يبصر بها ويعلم، كقوله: ﴿ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً  ﴾ أي: يبصر به.

وقرأ بعضهم: ﴿ مبصَرة ﴾ بنصب الصاد، أي: بينة ظاهرة يبصر فيها؛ وكذلك قال موسى لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ .

وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ : لم يزل عادة فرعون اللعين تلبيس أمر موسى وآياته على قومه؛ لئلا يؤمنوا به ولا يطيعوه فيما يدعوهم؛ مرة قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ  يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ ، وأمثال ذلك مما يلبس على قومه أمره ويغويهم عليه؛ لئلا يطيعوه فيما يدعوهم إليه ولا يجيبوه.

وقوله: ﴿ وَجَحَدُواْ ﴾ بالآيات: جائز في اللغة أن يقال: (جحد بها) و(جحدها)؛ كلاهما واحد.

ثم قال بعضهم: إن الجحود لا يكون إلا بعد العلم به والإيقان.

ولكن يجوز أن يقال: جحد بعد المعرفة والعلم، وقبل أن يعلم به ويعرف؛ إذ الجحود ليس إلا الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وبعد المعرفة.

وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة جحدوا بها ظلماً وعلوا.

﴿ وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ﴾ : أنها من الله، وأنها آياته، ليست بسحر، ولو كان سحرا في الحقيقة لكان آية؛ لأن السحر على غير تعلم يكون منه آية سماوية.

وقوله: ﴿ ظُلْماً ﴾ : لأنهم جحدوا الآيات وسموها سحرا، فوضعوا الآيات موضع السحر، لم يضعوها موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.

وقوله: ﴿ وَعُلُوّاً ﴾ أي: تكبرا وعنادا.

﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : ليس على الأمر له بالنظر في ذلك، ولكن على تنبيه أولئك، والزجر لهم عما هم فيه، أي: انظر ما ينزل بهم لجحود الآيات وعنادهم فيها على ما نزل بأوائلهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكر -أيها الرسول- حين قال موسى لأهله: إني أبصرت نارًا، سآتيكم منها بخبر من موقدها يرشدنا إلى الطريق، أو آتيكم بشعلة نار مأخوذة منها رجاء أن تستدفئوا بها من البرد.

<div class="verse-tafsir" id="91.wdVpR"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل