الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٨ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
( فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ) أي : فلما أتاها رأى منظرا هائلا عظيما ، حيث انتهى إليها ، والنار تضطرم في شجرة خضراء ، لا تزداد النار إلا توقدا ، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة ، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء .
قال ابن عباس وغيره : لم تكن نارا ، إنما كانت نورا يتوهج .
وفي رواية عن ابن عباس : نور رب العالمين .
فوقف موسى متعجبا مما رأى ، فنودي أن بورك من في النار .
قال ابن عباس : [ أي ] قدس .
( ومن حولها ) أي : من الملائكة .
قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود - [ و ] هو الطيالسي - حدثنا شعبة والمسعودي ، عن عمرو بن مرة ، سمع أبا عبيدة يحدث ، عن أبي موسى ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل .
زاد المسعودي : " وحجابه النور - أو النار - لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره " .
ثم قرأ أبو عبيدة : ( أن بورك من في النار ومن حولها ) وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم ، من حديث عمرو بن مرة ، به .
وقوله : ( وسبحان الله رب العالمين ) أي : الذي يفعل ما يشاء ولا يشبه شيئا من مخلوقاته ، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته ، وهو العلي العظيم ، المباين لجميع المخلوقات ، ولا يكتنفه الأرض والسموات ، بل هو الأحد الصمد ، المنزه عن مماثلة المحدثات .
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا ) يقول: فلما جاء موسى النار التي آنسها(نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ).
كما حدثنا عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يقول: قدّس.
واختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله (مَنْ فِي النَّارِ ) فقال بعضهم: عنى جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان في النار, وكانت النار نوره تعالى ذكره في قول جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يعني نفسه; قال: كان نور ربّ العالمين في الشجرة.
حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي, قال: ثنا أبو قُتَيبة, عن ورقاء, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبير, في قول الله: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: ناداه وهو في النار.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن في قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: هو النور.
قال معمر: قال قَتادة: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: نور الله بورك.
قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الحسن البصري: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) (2) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.
*ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) بوركت النار.
كذلك قاله ابن عباس.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: بوركت النار.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال مجاهد: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) قال: بوركت النار.
حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب, في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) نور الرحمن, والنور هو الله (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
واختلف أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: النور، كما ذكرت عمن ذكرت ذلك عنه.
وقال آخرون: معناه النار لا النور.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن سعيد بن جبير, أنه قال: حجاب العزّة, وحجاب المَلِكَ, وحجاب السلطان, وحجاب النار, وهي تلك النار التي نودي منها.
قال: وحجاب النور, وحجاب الغمام, وحجاب الماء, وإنما قيل: بورك من في النار, ولم يقل: بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون: باركك الله.
والعرب تقول: باركك الله, وبارك فيك.
وقوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا ) يقول: ومن حول النار.
وقيل: عَنى بمن حولها: الملائكة.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: يعني الملائكة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن الحسن, مثله.
وقال آخرون: هو موسى والملائكة.
حدثنا محمد بن سنان القزّاز, قال: ثنا مكي بن إبراهيم, قال: ثنا موسى, عن محمد بن كعب (وَمَنْ حَوْلَهَا ) قال: موسى النبيّ والملائكة, ثم قال: يَا مُوسَى &; 19-430 &; إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
وقوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول: وتنـزيها لله رب العالمين, مما يصفه به الظالمون.
------------------------ الهوامش: (2) لعل المؤلف لم يجيء بمقول القول، اكتفاء بنص ما قبله، لموافقته إياه لفظًا ومعنى.
وقد تكرر منه ذلك في مواضع.
قوله تعالى : فلما جاءها نودي أي فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار وهي نور ; قاله وهب بن منبه .
فلما رأى موسى النار وقف قريبا منها ، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق ، لا تزداد النار إلا عظما وتضرما ، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا ; فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها ; فمالت إليه ; فخافها فتأخر عنها ; ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها على أنها مأمورة لا يدري من أمرها ، إلى أن نودي أن بورك من في النار ومن حولها .
وقد مضى هذا المعنى في ( طه ) .
( نودي ) أي ناداه الله ; كما قال : وناديناه من جانب الطور الأيمن .
أن بورك قال الزجاج : " أن " في موضع نصب ; أي : بأنه قال .
ويجوز أن تكون في موضع رفع جعلها اسم ما لم يسم فاعله .
وحكى أبو حاتم أن في قراءة أبي وابن عباس ومجاهد ( أن بوركت النار ومن حولها ) .
قال النحاس : ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح ، ولو صح لكان على التفسير ، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها : الملائكة وموسى .
وحكى الكسائي عن العرب : باركك الله ، وبارك فيك .
الثعلبي : العرب تقول باركك الله ، وبارك فيك ، وبارك عليك ، وبارك لك ، أربع لغات .
قال الشاعر :فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب[ ص: 148 ] الطبري : قال بورك من في النار ولم يقل بورك في من في النار على لغة من يقول باركك الله .
ويقال باركه الله ، وبارك له ، وبارك عليه ، وبارك فيه بمعنى ; أي بورك على من في النار وهو موسى ، أو على من في قرب النار ; لا أنه كان في وسطها .
وقال السدي : كان في النار ملائكة فالتبريك عائد إلى موسى والملائكة ; أي بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها .
وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له ، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه ; قال : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت .
وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير : قدس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى ، عنى به نفسه تقدس وتعالى .
قال ابن عباس ومحمد بن كعب : النار نور الله عز وجل ; نادى الله موسى وهو في النور ; وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نورا عظيما فظنه نارا ; وهذا لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله لا أنه يتحيز فيهما ، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل .
وقيل على هذا : أي بورك من في النار سلطانه وقدرته .
وقيل : أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة .قلت : ومما يدل على صحة قول ابن عباس ما خرجه مسلم في صحيحه ، وابن ماجه في سننه واللفظ له عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ثم قرأ أبو عبيدة : أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين أخرجه البيهقي أيضا .
ولفظ مسلم عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات ; فقال : إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور - وفي رواية أبي بكر النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قال أبو عبيد : يقال السبحات إنها جلال وجهه ، [ ص: 149 ] ومنها قيل : سبحان الله ، إنما هو تعظيم له وتنزيه .
وقوله : ( لو كشفها ) يعني لو رفع الحجاب عن أعينهم ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها .
قال ابن جريج : النار حجاب من الحجب وهي سبعة حجب ; حجاب العزة ، وحجاب الملك ، وحجاب السلطان ، وحجاب النار ، وحجاب النور ، وحجاب الغمام ، وحجاب الماء .
وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شيء ; فكانت النار نورا وإنما ذكره بلفظ النار ; لأن موسى حسبه نارا ، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر .
وقال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها ، وأظهر له ربوبيته من جهتها .
وهو كما روي أنه مكتوب في التوراة : ( جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فاران ) .
فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها ، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها ، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وفاران مكة .
وسيأتي في ( القصص ) بإسماعه سبحانه كلامه من الشجرة زيادة بيان إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : وسبحان الله رب العالمين تنزيها وتقديسا لله رب العالمين .
وقد تقدم في غير موضع ، والمعنى : أي يقول من حولها : وسبحان الله فحذف .
وقيل : إن موسى عليه السلام قاله حين فرغ من سماع النداء ; استعانة بالله تعالى وتنزيها له ; قاله السدي .
وقيل : هو من قول الله تعالى .
ومعناه : وبورك فيمن سبح الله تعالى رب العالمين ; حكاه ابن شجرة .
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا أي: ناداه الله تعالى وأخبره أن هذا محل مقدس مبارك، ومن بركته أن جعله الله موضعا لتكليم الله لموسى وندائه وإرساله.
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عن أن يظن به نقص أو سوء بل هو الكامل في وصفه وفعله.
( فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ) أي : بورك على من في النار أو من في النار ، والعرب تقول : باركه الله وبارك فيه ، وبارك عليه ، بمعنى واحد .
وقال قوم : البركة راجعة إلى موسى والملائكة ، معناه : بورك في من طلب النار ، وهو موسى عليه السلام ) ( ومن حولها ) وهم الملائكة الذين حول النار ، ومعناه : بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار ، وهذا تحية من عند الله - عز وجل - لموسى بالبركة ، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت .
ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور ، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا ، و " من في النار " هم الملائكة ، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح ، و " من حولها " هو موسى لأنه كان بالقرب منها ، ولم يكن فيها .
وقيل : " من في النار ومن حولها " جميعا الملائكة .
وقيل : " من في النار " موسى و " من حولها " الملائكة ، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبا منها ، كما يقال : بلغ فلان المنزل ، إذا قرب منه ، وإن لم يبلغه بعد .
وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار .
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : معناه بوركت النار .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سمعت أبيا يقرأ : أن بوركت النار ومن حولها ، و " من " قد تأتي بمعنى ما ، كقوله تعالى : فمنهم من يمشي على بطنه ( النور - 45 ) ، و " ما " قد يكون صلة في الكلام ، كقوله " جند ما هنالك " ( ص - 11 ) ، ومعناه : بورك في النار وفيمن حولها ، وهم الملائكة وموسى عليهم السلام ، وسمى النار مباركة كما سمى البقعة مباركة فقال : " في البقعة المباركة " .
وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله : ( بورك من في النار ) يعني قدس من في النار ، وهو الله ، عنى به نفسه ، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها كما روي : أنه مكتوب في التوراة : " جاء الله من سيناء ، وأشرف من ساعين ، واستعلى من جبال فاران " فمجيئه من سيناء : بعثة موسى منها ، ومن ساعين بعثة المسيح منها ، ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها ، وفاران مكة .
قيل : كان ذلك نوره - عز وجل - .
قال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها ، والنار إحدى حجب الله تعالى ، كما جاء في الحديث : " حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ثم نزه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب ، فقال جل ذكره .
( وسبحان الله رب العالمين )
«فلما جاءها نودي أن» أي بأن «بورك» أي بارك الله «من في النار» أي موسى «ومن حولها» أي الملائكة، أو العكس وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف ويقدر بعد في مكان «وسبحان الله رب العالمين» من جملة ما نودي ومعناه تنزيه الله من السوء.
فلما جاء موسى النارَ ناداه الله وأخبره أن هذا مكانٌ قدَّسه الله وباركه فجعله موضعًا لتكليم موسى وإرساله، وأن الله بارك مَن في النار ومَن حولها مِنَ الملائكة، وتنزيهًا لله رب الخلائق عما لا يليق به.
يا موسى إنه أنا الله المستحق للعبادة وحدي، العزيز الغالب في انتقامي من أعدائي، الحكيم في تدبير خلقي.
وألق عصاك فألقاها فصارت حية، فلما رآها تتحرك في خفة تَحَرُّكَ الحية السريعة ولَّى هاربًا ولم يرجع إليها، فطمأنه الله بقوله: يا موسى لا تَخَفْ، إني لا يخاف لديَّ من أرسلتهم برسالتي، لكن مَن تجاوز الحدَّ بذنب، ثم تاب فبدَّل حُسْن التوبة بعد قبح الذنب، فإني غفور له رحيم به، فلا ييئس أحدٌ من رحمة الله ومغفرته.
وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء كالثلج من غير بَرَص في جملة تسع معجزات، وهي مع اليد: العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم؛ لتأييدك في رسالتك إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن أمر الله كافرين به.
ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى عندما اقترب من النار فقال : ( فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا .
.
) و ( أَن ) هنا مفسرة ، لما فى النداء من معنى القول .وقوله : ( بُورِكَ ) من البركة ، بمعنى ثبوت الخير وكثرته .
والخير هنا يتمثل فى تكليم الله - تعالى - لنبيه موسى .
وفى ندائه له .
وتشريفه برسالته ، وتأييده بالمعجزات .والمراد بمن فى النار : من هو قريب منها ، وهو موسى - عليه السلام - .والمراد بمن حولها : الملائكة الحاضرون لهذا النداء ، أو الأماكن المجاورة لها .أى : فلما وصل موسى - عليه السلام - إلى القرب من مكان النار ، نودى موسى من قبل الله - عز وجل - على سبيل التكريم والتحية : أن قُدس وطهر واختير للرسالة من هو بالقرب منها وهو موسى - عليه السلام - ومن حولها من الملائكة ، أو الأماكن القريبة منها .قال الآلوسى : " قوله : ( مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ) ذهب جماعة إلى أن فى الكلام مضافا مقدراً فى موضعين .
أى : من فى مكان النار ، ومن حول مكانها قالوا : ومكانها البقعة التى حصلت فيها ، وهى البقعة المباركة ، المذكورة فى قوله - تعالى - : ( فَلَمَّآ أَتَاهَا ) أى : النار - ( نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة .
.
) وقيل : من فى النار : موسى - عليه السلام - ، ومن حولها : الملائكة الحاضرون .
.
.
وقيل الأول الملائكة ، والثانى موسى ، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازاً عن القرب التام .
.
.
وأيا ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى - عليه السلام - " .وقال الشوكانى : " ومذهب المفسرين أن المراد بالنار - هنا - النور " .وقوله - تعالى - : ( وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين ) من تتمة النداء ، وخبر منه - تعالى - لموسى بالتنزيه .
لئلا يتوهم من سماع كلامه - تعالى - التشبيه بما للبشر من كلام .أى : وتنزه الله - عز وجل - وتقدس رب العالمين عن كل سوء ونقص ومماثلة للحوادث .
أما قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ فمعناه لتؤتاه (وتلقاه) من عند أي حكيم وأي عليم، وهذا معنى مجيئهما نكرتين وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص، و(إذ) منصوب بمضمر وهو اذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى، ويجوز أن ينتصب بعليم فإن قيل الحكمة أما أن تكون نفس العلم، والعلم إما أن يكون داخلاً فيها، فلما ذكر الحكمة فلم ذكر العلم؟
جوابه: الحكمة هي العلم بالأمور العملية فقط والعلم أعم منه، لأن العلم قد يكون عملياً وقد يكون نظرياً والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية، فذكر الحكمة المشتملة على العلوم العملية، ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال العلم وكمال العلم يحصل من جهات ثلاثة وحدته وعموم تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصوناً عن كل التغيرات، وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه سبحانه وتعالى.
واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعاً من القصص.
القصة الأولى: قصة موسى عليه الصلاة والسلام: أما قوله: ﴿ إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ ﴾ فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله: ﴿ امكثوا ﴾ .
أما قوله: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلاً، وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة في أمر الطريق، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ وقد اختلفوا فقال بعضهم المراد أبصرت ورأيت، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به، والأول أقرب، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست ببصري ورأيت ببصري.
أما قوله: ﴿ سآتيكم منها بخبر ﴾ فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضل، ثم في الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال: ﴿ سآتيكم منها بخبر ﴾ يعرف به الطريق.
أما قوله: ﴿ أو آتيكم بشهاب قبس ﴾ فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة.
وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبساً وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلاً أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم هاهنا أسئلة: السؤال الأول: ﴿ سآتيكم منها بخبر ﴾ و ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن؟
نقول جوابه: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة.
السؤال الثاني: كيف جاء بسين التسويف؟
جوابه: عدة منه لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة.
السؤال الثالث: لماذا أدخل (أو) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معاً؟
جوابه: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده.
وأما قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون ذلك إلا في حال برد.
أما قوله تعالى: ﴿ نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا وسبحان الله رَبّ العالمين ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: ﴿ أن ﴾ أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له بورك.
البحث الثاني: اختلفوا فيمن في النار على وجوه: أحدها: ﴿ أَن بُورِكَ ﴾ بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور، وذلك هو الله سبحانه ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة.
وثانيها: ﴿ مَن فِي النار ﴾ هو نور الله، ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ الملائكة، وهو مروي عن قتادة والزجاج.
وثالثها: أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة محلاً للكلام، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة.
ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ وهو قول الجبائي.
ورابعها: ﴿ مَن فِي النار ﴾ هو موسى عليه السلام لقربه منها ﴿ مِنْ حَوْلَهَا ﴾ يعني الملائكة، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد يقال إنه فيه.
وخامسها: قول صاحب الكشاف: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ أي من في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مِن شَاطِئ الواد الأيمن فِي البقعة المباركة ﴾ ويدل عليه قراءة أبي (تباركت الأرض ومن حولها) وعنه أيضاً (بوركت النار).
البحث الثالث: السبب الذي لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولاً وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بالبركات في قوله: ﴿ ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين ﴾ وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم، ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتاً.
البحث الرابع: أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله: ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه في أرض الشام كلها.
وقوله: ﴿ وسبحان الله رَبّ العالمين ﴾ فيه فائدتان: إحداهما: أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام الثانية: أن يكون ذلك إيذاناً بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيهاً على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع.
أما قوله: ﴿ إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم ﴾ فقال صاحب الكشاف الهاء في (إنه) يجوز أن يكون ضمير الشأن و ﴿ أَنَا الله ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿ العزيز الحكيم ﴾ صفتان للخبر، وأن يكون راجعاً إلى ما دل عليه ما قبله يعني أن مكلمك أنا والله بيان لأنا والعزيز الحكيم صفتان (للتعيين) وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية، الفاعل (كل) ما أفعله بحكمة وتدبير.
فإن قيل هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى، فكيف علم موسى عليه السلام أنه من الله؟
جوابه: لأهل السنة فيه طريقان: الأول: أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة الله تعالى الثاني: قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة فنقول إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور: أحدها: أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة علم أنه من قبل الله تعالى لأن أحداً منا لا يقدر عليه وهو ضعف لاحتمال أن يقال الشيطان دخل في النار والشجرة ثم نادى.
وثانيها: يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم.
وثالثها: أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك، فقيل إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز، وهذا هو الأصح، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنَ ﴾ هي المفسرة: لأنّ النداء فيه معنى القول.
والمعنى: قيل له بورك فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره: نودي بأنه بورك.
والضمير ضمير الشأن؟
قلت: لا، لأنه لابد من (قد).
فإن قلت: فعلى إضمارها؟
قلت: لا يصح؛ لأنها علامة لا تحذف.
ومعنى ﴿ بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها.
ومكانها: البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ نُودِىَ مِن شَاطِئ الوادى الأيمن فِي البقعة المباركة ﴾ [القصص: 30] وتدل عليه قراءة أبيّ.
﴿ تباركت الأرض ومن حولها ﴾ .
وعنه: ﴿ بوركت النار ﴾ ؛ والذي بوركت له البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها: وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه؛ وربّ خير يتجدّد في بعض البقاع، فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها، ويبث آثار يمنه في أباعدها، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة.
وقيل: المراد بالمبارك فيهم: موسى والملائكة الحاضرون.
والظاهر أنه عامّ في كل من كان في تلك الأرض وفي تلك الوادي وحواليهما من أرض الشام، ولقد جعل الله أرض الشام بالبركات موسومة في قوله: ﴿ ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين ﴾ [الأنبياء: 71] وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومهبط الوحي إليهم وكفاتهم أحياء وأمواتاً.
فإن قلت: فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه؟
قلت: هي بشارة له بأنه قد قضى بأمر عظيم تنتشر منه في أرض الشام كلها البركة ﴿ وسبحان الله رَبّ العالمين ﴾ تعجيب لموسى عليه السلام من ذلك، وإيذان بأنّ ذلك الأمر مريده ومكوّنه رب العالمين، تنبيهاً على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ ﴾ أيْ ( بُورِكَ ) فَإنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ بِـ ﴿ أنْ بُورِكَ ﴾ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والتَّخْفِيفُ وإنِ اقْتَضى التَّعْوِيضَ بِلا أوْ قَدْ أوِ السِّينِ أوْ سَوْفَ لَكِنَّهُ دُعاءٌ وهو يُخالِفُ غَيْرَهُ في أحْكامٍ كَثِيرَةٍ.
﴿ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ ( مَن ) في مَكانِ ( النّارِ ) وهو البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ ومَن حَوْلَ مَكانِها والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن في تِلْكَ الأرْضِ، وفي ذَلِكَ الوادِي وحَوالَيْها مِن أرْضِ الشّامِ المَوْسُومَةِ بِالبَرَكاتِ لِكَوْنِها مَبْعَثَ الأنْبِياءِ وكِفاتَهم أحْياءً وأمْواتًا وخُصُوصًا تِلْكَ البُقْعَةَ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيها مُوسى.
وقِيلَ المُرادُ مُوسى والمَلائِكَةُ الحاضِرُونَ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِذَلِكَ بِشارَةٌ بِأنَّهُ قَدْ قَضى لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ بَرَكَتُهُ في أقْطارِ الشَّأْمِ.
﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ مِن تَمامِ ما نُودِيَ بِهِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن سَماعِ كَلامِهِ تَشْبِيهًا ولِلتَّعْجِيبِ مِن عَظَمَةِ ذَلِكَ الأمْرِ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن مُوسى لِما دَهاهُ مِن عَظَمَتِهِ.
﴿ يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ ﴾ الهاءُ لِلشَّأْنِ و ( أنا اللَّهُ ) جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، أوْ لِلْمُتَكَلِّمِ و ( أنا ) خَبَرُهُ و ( اللَّهُ ) بَيانٌ لَهُ.
﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ صِفَتانِ لِلَّهِ مُمَهِّدَتانِ لِما أرادَ أنْ يُظْهِرَهُ، يُرِيدُ أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما يَبْعُدُ مِنَ الأوْهامِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً الفاعِلُ كُلَّ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ.
<div class="verse-tafsir"
{فَلَمَّا جَاءهَا} أي النار التي أبصرها نُودِىَ موسى {أَن بُورِكَ} مخففة من الثقيلة وتقديره نودى بأن بورك والضمير ضمير الشأن وجاز ذلك من غير عوض وإن منعه الزمخشري لأن قوله بورك دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة ومفسرة لأن في النداء معنى القول أي قيل له بورك أي قدس أو جعل فيه البركة والخير {مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا} أي بورك من في مكان النار وهم الملائكة ومن حول مكانها أي موسى لحدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه {وسبحان الله رَبّ العالمين} هو من جملة ما نودي فقد نزه ذاته عما لا يليق به من التشبيه وغيره
﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ ، أيِ: النّارَ الَّتِي قالَ فِيها: (إنِّي آنَسْتُ نارًا) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّجَرَةِ وهو كَما تَرى، وما ظَنَّهُ داعِيًا لَيْسَ بِداعٍ لِما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿ نُودِيَ ﴾ أيْ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جانِبِ الطُّورِ ﴿ أنْ بُورِكَ ﴾ مَعْناهُ: أيْ بُورِكَ عَلى أنَّ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ومَنَعَهُ بَعْضُهم لِعَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِـ(قَدْ) أوِ السِّينِ أوْ سَوْفَ أوْ حَرْفِ النَّفْيِ، وهو مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إذا كانَتْ مُخَفَّفَةً؛ لِما في الحُجَّةِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّها لَمّا كانَتْ لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ اسْتَقْبَحُوا أنْ يَلِيَها الفِعْلُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ اشْتِراطِ الفَصْلِ في مَواضِعَ، مِنها ما يَكُونُ الفِعْلُ فِيهِ دُعاءً، فَلَعَلَّ مَن جَوَّزَ كَوْنَها المُخَفِّفَةَ هاهُنا جَعَلَ (بُورِكَ) دُعاءً، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُدَّعى أنَّ الفَصْلَ بِإحْدى المَذْكُوراتِ في غَيْرِ ما اسْتُثْنِيَ أغْلَبِيٌّ لِقَوْلِهِ: عَلِمُوا أنْ يُؤَمِّلُونَ فَجادُوا قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْأفْعالِ (وبُورِكَ) حِينَئِذٍ إمّا خَبَرٌ أوْ إنْشاءٌ لِلدُّعاءِ.
وادَّعى الرَّضِيُّ أنَّ (بُورِكَ) إذا جُعِلَ دُعاءً فَإنْ مُفَسِّرَةٌ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ المُخَفَّفَةَ لا يَقَعُ بَعْدَها فِعْلٌ إنْشائِيٌّ إجْماعًا، وكَذا المَصْدَرِيَّةُ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، ودَعْوى الإجْماعِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، والقَوْلُ بِأنْ يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالمَصْدَرِ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ.
وفِي الكَشْفِ يَمْنَعُ عَنْ جَعْلِها مَصْدَرِيَّةً عَدَمُ سَدادِ المَعْنى لِأنَّ (بُورِكَ) إذْ ذاكَ لَيْسَ يَصْلُحُ بِشارَةً، وقَدْ قالُوا: إنَّ تَصْدِيرَ الخِطابِ بِذَلِكَ بِشارَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ قَدْ قُضِيَ لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ، وهَذا بِخِلافِ ما إذا كانَ (بُورِكَ) تَفْسِيرًا لِلشَّأْنِ، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: نُودِيَ بِأنْ إلَخْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ نائِبَ الفاعِلِ، بَلْ نائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: هو نائِبُ الفاعِلِ ولا ضَمِيرَ.
وقالَ بَعْضُهم في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا: إنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لَيْسَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هو لِمَصْدَرِ الفِعْلِ، أيْ: نُودِيَ هُوَ، أيِ: النِّداءَ، وفُسِّرَ النِّداءُ بِما بَعْدَهُ، والأظْهَرُ في الضَّمِيرِ رُجُوعُهُ لِمُوسى، وفي أنْ أنَّها مُفَسِّرَةٌ وفي (بُورِكَ) أنَّهُ خَبَرٌ، وهو مِنَ البَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وقِيلَ هُنا: المَعْنى قُدِّسَ وطُهِّرَ وزِيدَ خَيْرًا.
﴿ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا في مَوْضِعَيْنِ، أيْ: مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها، قالُوا: ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ وتَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها» واسْتُظْهِرَ عُمُومُ (مَن) لِكُلِّ (مَن) في ذَلِكَ الوادِي وحَوالَيْهِ مِن أرْضِ الشّامِ المَوْسُومَةِ بِالبَرَكاتِ؛ لِكَوْنِها مَبْعَثَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكِفاتَهم أحْياءً وأمْواتًا، ولا سِيَّما تِلْكَ البُقْعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيها.
وقِيلَ: مَن في النّارِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن حَوْلَها المَلائِكَةُ الحاضِرُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ - فِيما نَقَلَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ -: «ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ» وهي عِنْدَ كَثِيرٍ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ؛ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ المَلائِكَةُ والثّانِي مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واسْتَغْنى بَعْضُهم عَنْ تَقْدِيرِ المُضافِ بِجَعْلِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازًا عَنِ القُرْبِ التّامِّ، وذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي في المُرادِ بِالمَوْصُولَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ بِشارَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى - عَلى ما قِيلَ -: ﴿ وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ تَعْجِيبٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الشُّؤُونِ، ومِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ، أوْ خَبَرٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِن سَماعِ كَلامِهِ تَعالى التَّشْبِيهُ بِما لِلْبَشَرِ، أوْ طَلَبٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا صادِرًا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ...
إلَخْ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنْ سِماتِ المُحَدَّثِينَ، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْضًا، وجَعَلَ المُقَدَّرَ عَطْفًا عَلى (نُودِيَ).
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ: وبُورِكَ مَن سَبَّحَ اللَّهَ تَعالى رَبَّ العالَمِينَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ جِدًّا، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِنَبِيِّنا مُرادٌ بِهِ التَّنْزِيهُ، وجُعِلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ما <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَها يعني: النار، ويقال يعني: الشجرة نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ يعني: بورك مَنْ عند النار، وهو موسى وَمَنْ حَوْلَها يعني: الملائكة عليهم السلام وهو على وجه التقديم: فَلَمَّا جاءَها ومن حولها من الملائكة، نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ أي: عند النار.
ويقال: من في طلب النار، وقصدها والمعنى: بورك فيك يا موسى.
وقال أهل اللغة: بارك فلان وبارك فيه، وبارك عليه واحد، وهذا تحية من الله تعالى لموسى ثم قال: وَسُبْحانَ اللَّهِ يعني: قيل له: قل سبحان الله تنزيهاً لله تعالى من السُّوء ويقال: إنه أي الله في النداء قال: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وقال بعض المفسرين: كان ذلك نور رب العزة، وإنما أراد به تعظيم ذلك النور، كما يقال للمساجد بيوت الله تعظيماً لها.
ثم قال عز وجل: يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ وذكر عن الفراء أنه قال: هذه الهاء عماد، وإنما يراد به وصل الكلام، كما يقال: إنما، وما يكون للوصل، كذلك هاهنا، فكأنه قَالَ: يَا موسى إِنّى أنا الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ويقال: معناه إن الذي تسمع نداءه هو الله العزيز الحكيم.
قوله عز وجل: وَأَلْقِ عَصاكَ يعني: من يدك فألقاها، فصارت حية، وقد يجوز أن يضمر الكلام إذا كان في ظاهره دليل فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ يعني: تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ يعني: حية والجان هي الحية الخفيفة الأهلية، فإن قيل: إنه قال في موضع آخر، فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107] والثعبان الحية الكبيرة، فأجاب بعض أصحاب المعاني: أنه كان في كبر الثعبان، وفي خفة الجان.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: والجواب الصحيح: أن الثعبان كان عند فرعون، والجان عند الطور.
ثم قال: وَلَّى مُدْبِراً يعني: أدبر هارباً من الخوف وَلَمْ يُعَقِّبْ يعني: لم يرجع.
ويقال: لم يلتفت.
يقول الله تعالى لموسى يا مُوسى لاَ تَخَفْ من الحية إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ يعني: إَلاَّ مَن ظَلَمَ، ثُمَّ استثنى فقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ قال مقاتل: إلا من ظلم نفسه من المرسلين، مثل آدم وسليمان، وإخوة يوسف، وداود وموسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ويقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ يعني: لكن من ظلم ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً أي: فعل إحساناً بَعْدَ سُوءٍ أي بعد إساءته فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ قال الكلبي: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ يعني: أشرك فهذا الذي يخاف ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً يعني: توحيداً بعد سوء، يعني: بعد شرك فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
قال أبو الليث رحمه الله: وتكون إلا على هذا التفسير، بمعنى: لكن، لا على وجه الاستثناء، وذكر عن الفراء أنه قال: الاستثناء وقع في معنى مضمر من الكلام، كأنه قال: لا يخاف لدى المرسلون، بل غيرهم يخاف إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ فإنه لا يخاف.
وقال القتبي: هذا لا يصح، لأن الإضمار يصح إذا كان في ظاهره دليل، ولكن معناه: أن الله تعالى لما قال: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، علم أن موسى كان مستشعراً خيفة من قبل القبطي، فقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فإنه يخاف، ولكني أغفر له، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ثم قال عز وجل: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ يعني: جيب المدرعة، ثم أخرجها تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يعني: من غير برص فِي تِسْعِ آياتٍ يعني: هذه الآية من تسع آيات، كما تقول أعطيت لفلان عشرة أبعرة فيها فحلان، أي منها وقد بيّن في موضع آخر حيث قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: 101] وقد ذكرناها.
إِلى فِرْعَوْنَ يعني: اذهب إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: إنهم كانوا قوماً عاصين.
<div class="verse-tafsir"
الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسماً، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً.
وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ» ، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ» : فَهَذَا على الصِّفَةِ.
ص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى.
وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.
وقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢» ، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .
قال ع «٤» : ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى ناراً لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.
وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .
وقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.
سُورَةُ النَّمْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طس ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ، قالَ: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ.
والثّانِي: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الطّاءُ مِنَ اللَّطِيفِ، والسِّينِ مِنَ السَّمِيعِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وكِتابٌ مُبِينٌ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: بُشْرى بِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ لِلْمُصَدِّقِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: حَبَّبْنا إلَيْهِمْ قَبِيحَ فِعْلِهِمْ.
وقَدْ بَيَّنّا حَقِيقَةَ التَّزْيِينِ والعَمَهِ في (البَقَرَةِ: ١٥، ٢١٢) .
وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ وصارُوا إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُلْقى عَلَيْكَ فَتَتَلَقّاهُ أنْتَ، أيْ: تَأْخُذُهُ.
﴿ إذْ قالَ مُوسى ﴾ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى.
قالَ تَعالى: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا: " بِشِهابٍ " بِالتَّنْوِينِ.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإضافَةِ غَيْر َمُنَوَّنٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَوَّنَ الشِّهابَ، وجَعَلَ القَبَسَ مِن صِفَةِ الشِّهابِ، وكُلُّ أبْيَضٍ ذِي نُورٍ، فَهو شِهابٌ.
فَأمّا مَن أضافَ، فَقالَ الفَرّاءُ: هَذا مِمّا يُضافُ إلى نَفْسِهِ إذا اخْتَلَفَتِ الأسْماءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشِّهابُ: النّارُ، والقَبَسُ: النّارُ تَقْبِسُ، يُقالُ: قَبَسَتِ النّارُ قَبَسًا، واسْمُ ما قَبَسْتَ: قَبَسٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ، وكانَ الزَّمان شِتاءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى النّارَ، وإنَّما كانَ نُورًا فاعْتَقَدَهُ نارًا، ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: قَدَّسَ مَن في النّارِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ؛ والمَعْنى: قَدَّسَ مَن ناداهُ مِنَ النّارِ، لا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَحِلُّ في شَيْءٍ.
والثّانِي: أنَّ " مِن " زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: بُورِكَتِ النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: بُورِكَ عَلى مَن في النّارِ، أوْ فِيمَن في النّارِ؛ قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: بارَكَهُ اللَّهُ، وبارَكَ عَلَيْهِ، وبارَكَ فِيهِ، بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ: بُورِكَ مَن في طَلَبِ النّارِ، وهو مُوسى، فَحَذَفَ المُضافَ.
وهَذِهِ تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى بِالبَرَكَةِ، كَما حَيّا إبْراهِيمَ بِالبَرَكَةِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ .
فَخَرَجَ في قَوْلِهِ: ﴿ بُورِكَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قَدَّسَ.
والثّانِي: مِنَ البَرَكَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والثّانِي: مُوسى والمَلائِكَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: مُوسى؛ فالمَعْنى: بُورِكَ فِيمَن يَطْلُبُها وهو قَرِيبٌ مِنها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا مُوسى إنَّهُ أنا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ "تَلْقى" تَفْعَلُ، مُضاعَفٌ، ومَعْناهُ: تُعْطى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: أنَّكَ لَتُقَبِّلُ القُرْآنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَفِيضُ عَلَيْهِ فَضْلُ اللهِ تَعالى فَيُقَلِّبُهُ ، وهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: إنَّ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
و"مِن لَدُنْ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِهِ ومِن جِهَتِهِ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ في مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، لا إلَهَ إلّا هو.
ثُمَّ قَصَّ تَعالى خَبَرَ مُوسى، والتَقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى، وكانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَلامُ يُرِيدُ مِصْرَ -وَقَدْ قَرُبَ وقْتُ نُبُوَّتِهِ- مَشَوْا في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ ذاتِ بَرْدٍ ومَطَرٍ، فَفَقَدُوا النارَ ومَسَّهُمُ البَرْدُ واشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الظُلْمَةُ وضَلُّوا الطَرِيقَ، وأصْلَدَ زِنادُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَبَيْنا هو في هَذِهِ الحالِ إذْ رَأى نارًا عَلى بُعْدٍ.
و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: رَأيْتُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: انْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جِلَّقِ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مِن أحَدٍ؟
فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ قالَ لِأهْلِهِ ما في الآيَةِ، ومَشى نَحْوَها، فَلَمّا دَنا مِنها بَعُدَتْ هي مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكُنْ نارًا في نَفْسِهِ، لَكِنْ ظَنَّهُ مُوسى نارًا، فَناداهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وسَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ النِداءَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وأسْمَعُهُ اللهُ تَعالى كَلامَهُ.
و"الخَبَرُ" الَّذِي رَجاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو الإعْلامُ بِالطَرِيقِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ ، شِبْهُ النارِ الَّتِي تُوجَدُ في طَرَفِ عُودٍ أو غَيْرِهِ بِالشِهابِ، ثُمَّ خَصَّصَهُ بِأنَّهُ مِمّا اقْتُبِسَ؛ إذِ الشُهُبُ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ اقْتِباسٍ، والقَبَسُ اسْمٌ لِقِطْعَةِ النارِ تُقْتَبَسُ في عُودٍ أو غَيْرِهِ، كَما أنَّ القَبْضَ اسْمٌ ما يَقْبِضُ، ومِنهُ قَوْلٌ أبِي زَيْدٍ: في كِفَّةٍ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ∗∗∗ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ وَقَوْلُ الآخَرِ: مَن شاءَ مِن نارِ الجَحِيمِ اسْتَقْبَسا وأصْلُ الشِهابِ الكَوْكَبُ المُنْقَضُّ في أثَرٍ مُسْتَرِقِ السَمْعِ، وكُلُّ ما يُقالُ لَهُ شِهابٌ مِنَ النَيِّراتِ فَعَلى التَشْبِيهِ، قالَ الزَجّاجُ: كُلُّ أبْيَضَ ذِي نُورٍ فَهو شِهابٌ، وكَلامُهُ مُعْتَرَضٌ، والقَبَسُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا غَيْرَ صِفَةٍ أضافَ إلَيْهِ، بِمَعْنى: بِشِهابٍ اقْتَبَسَهُ أوِ اقْتَبَسَتْهُ، وعَلى كَوْنِهِ صِفَةً يَكُونُ ذَلِكَ كَإضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، والصَلاةِ إلى الأُولى، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "شِهابٍ" إلى "قَبَسٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشامِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِشِهابٍ قَبَسٍ" بِتَنْوِينِ "شِهابٍ"، وهَذا عَلى الصِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرَ: قَبَسَ يَقْبِسُ، كَما الحَلْبُ مَصْدَرُ حَلَبَ يَحْلِبُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ: الإضافَةُ أجْوَدُ وأكْثَرُ في القِراءَةِ، كَما تَقُولُ: دارُ آجُرٍّ وسِوارُ ذَهَبٍ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
و"تَصْطَلُونَ" مَعْناهُ: تَسْتَدْفِئُونَ مِنَ البَرْدِ.
والضَمِيرُ في "جاءَها" لِلنّارِ الَّتِي رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أنْ بُورِكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنْ بُورِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: "نُودِيَ أنَّهُ"، قالَهُ الزَجّاجُ.
وقَوْلُهُ: "بُورِكَ" مَعْناهُ:، قُدِّسَ وضُوعِفَ خَيْرُهُ ونُمِّيَ، والبَرَكَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ نَبْعُ الرُمّانِ والزَيْتُونُ و"بارَكَ" مُتَعَدٍّ بِغَيْرِ حَرْفٍ، تَقُولُ العَرَبُ: بارَكَكَ اللهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن في النارِ ﴾ اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمْ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ نَفْسَهُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم في هَذا القَوْلِ عِباراتٍ مَرْدُودَةً شَنِيعَةً.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النُورَ.
وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِـ "مِن حَوْلَها" المَلائِكَةَ ومُوسى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرُهُ فَإنَّما يَتَخَرَّجُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، بِمَعْنى: بُورِكَ مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ، والمَعْنى: في النارِ عَلى ظَنِّكَ وما حَسِبْتَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ " مَن في النارِ " النُورُ، فَهَذا عَلى أنْ يُعَبِّرَ عَنِ النُورِ مِن حَيْثُ كانَ أنَّهُ مِن نُورِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النُورَ الَّذِي حَسِبَهُ مُوسى نارًا لَمْ يَخْلُ مِنَ المَلائِكَةِ.
و" مَن حَوْلَها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ المُطِيفِينَ بِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "بُورِكَتِ النارُ".
و" مِن حَوْلِها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ، كَذا حَكى أبُو حاتِمْ، وحَكى ابْنُ مَكِّيٍّ أنَّهُ قَرَأ: "تَبارَكَتِ النارُ ومَن حَوْلَها"، وحَكى الدانِيُّ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "وَمَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ"، قالَ: وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا قِيلَ في النِداءِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصِدُ بِهِ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- تَنْزِيهُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالٍ في مَعْنى النِداءِ في الشَجَرَةِ، وكَوْنُ قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ.
وعَوْدُ "مَن" عَلَيْهِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ -فِي جَمِيعِ هَذِهِ الحالاتِ- عَنِ التَشْبِيهِ والتَكْيِيفِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وإنَّما الأمْرُ -كَما رُوِيَ في التَوْراةِ-: (جاءَ اللهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلى مِن فارانَ )، المَعْنى: ظَهَرَتْ أوامِرُهُ بِأنْبِيائِهِ في هَذِهِ الحالاتِ.
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْأمْرِ والشَأْنِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ويُسَمِّيها أهْلُ الكُوفَةِ المَجْهُولَةَ، آنَسَهُ اللهُ تَعالى بِصِفاتِهِ مِنَ العِزَّةِ الَّتِي لا خَوْفَ مَعَها، والحِكْمَةِ، أيْ: لا نَقْصَ في أفْعالِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أُنث ضمير ﴿ جاءها ﴾ جرياً على ما تقدم من تسمية النور ناراً بحسب ما لاح لموسى.
وتقدم ذكر هذه القصة في سورة طه، فبنا أن نتعرض هنا لما انفردت به هذه الآيات من المفردات والتراكيب، فقوله: ﴿ أن بورك من في النار ومن حولها ﴾ هو بعض ما اقتضاه قوله في طه (12): ﴿ فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طُوى ﴾ لأن معنى بورك قُدّس وزُكِّيَ.
وفعل (بارك) يستعمل متعدياً، يقال: باركك الله، أي جعل لك بركة وتقدم بيان معنى البركة في قوله تعالى: ﴿ للَّذِي بِبَكَّة مباركاً ﴾ في آل عمران (96)، وقوله ﴿ وبركاتتٍ عليك وعلى أمم ممّن معك ﴾ في سورة هود (48).
و(أن) تفسيرية لفعل ﴿ نُودِيَ ﴾ لأن فيه معنى القول دون حروفه، أي نودي بهذا الكلام.
و ﴿ مَن في النار ﴾ مراد به موسى فإنه لما حل في موضع النور صار محيطاً به فتلك الإحاطة تشبه إحاطة الظرف بالمظروف، فعبر عنه ب ﴿ مَن في النار ﴾ وهو نفسه.
والعدول عن ذِكره بضمير الخِطاب كما هو مقتضى الظاهر، أو باسمه العلم إن أريد العدول عن مقتضى الظاهر، لأن في معنى صلة الموصول إيناساً له وتلطفاً كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ «قُم أبَا تراب» وكثيرٌ التلطف بذكر بعض ما التبس به المتلطَّف به من أحواله.
وهذا الكلام خبر هو بشارة لموسى عليه السلام ببركة النبوءة.
ومَن حَوْل النار: هو جبريل الذي أرسل إليه بما نودي به والملائكة الذين وكل إليهم إنارة المكان وتقديسُه إن كان النداء بغير واسطة جبريل بل كان من لدن الله تعالى.
فهذا التبريك تبريك ذوات لا تبريك مكان بدليل ذكر ﴿ مَن ﴾ الموصولة في الموضعين، وهو تبريك الاصطفاء الإلهي بالكرامة.
وقيل إن قوله ﴿ أن بورك من في النار ﴾ إنشاء تحية من الله تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم ﴿ رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ [هود: 73] أي أهل هذا البيت الذي نحن فيه.
و ﴿ سبحان الله رب العالمين ﴾ عطف على ما نودي به موسى على صريح معناه إخباراً بتنزيه الله تعالى عما لا يليق بإلهيته من أحوال المحدثات ليعلم موسى أمرين: أحدهما أن النداء وحي من الله تعالى، والثاني أن الله منزه عما عسى أن يخطر بالبال أن جلالته في ذلك المكان.
ويجوز أن يكون ﴿ سبحان الله ﴾ مستعملاً للتعجيب من ذلك المشهد وأنه أمر عظيم من أمر الله تعالى وعنايته يقتضي تذكُّر تنزيهه وتقديسه.
وفي حذف متعلق التنزيه إيذان بالعموم المناسب لمصدر التنزيه وهو عموم الأشياء التي لا يليق إثباتها لله تعالى وإنما يُعلم تفصيلها بالأدلة العقلية والشرعية.
فالمعنى: ونَزِّه الله تنزيهاً عن كل ما لا يليق به، ومن أول تلك الأشياء تنزيهه عن أن يكون حالاً في ذلك المكان.
وإرداف اسم الجلالة بوصف ﴿ رب العالمين ﴾ فيه معنى التعليل للتنزيه عن شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى شؤونهم.
وضمير ﴿ إنه ﴾ ضمير الشأن، وجملة: ﴿ أنا الله العزيز الحكيم ﴾ خبر عن ضمير الشأن.
والمعنى: إعلامه بأن أمراً مهماً يجب علمه وهو أن الله عزيز حكيم، أي لا يغلبه شيء، لا يستصعب عليه تكوين.
وتقديم هذا بين يدي ما سيلقى إليه من الأمر لإحداث رِبَاطَة جأْش لموسى ليعلم أنه خلعت عليه النبوءة إذ ألقي إليه الوحي، ويعلم أنه سيتعرض إلى أذى وتألب عليه، وذلك كناية عن كونه سيصير رسولاً، وأن الله يؤيده وينصره على كل قوي، وليعلمَ أن ما شاهد من النار وما تلقّاه من الوحي وما سيشاهده من قلب العصا حية ليس بعجيب في جانب حكمة الله تعالى، فتلك ثلاث كنايات، فلذلك أتبع هذا بقوله: ﴿ وألق عصاك ﴾ .
والمعنى: وقلنا ألق عصاك.
والاهتزاز: الاضطراب، وهو افتعال من الهَزّ وهو الرفع كأنها تطاوع فعل هازَ يهزُّها.
والجانّ: ذَكَر الحيات، وهو شديد الاهتزاز وجمعه جِنّان (وأما الجانّ بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جنّ).
والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن الحيات خفيفة التحرك، وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [الأعراف: 107] فذلك لضخامة الجرم.
والتولي: الرجوع عن السير في طريقه.
وفعل (تولى) مرادف فعل ﴿ ولّى ﴾ كما هو ظاهر صنيع «القاموس» وإن كان مقتضى ما في فعل (تولى) من زيادة المبنى أن يفيد (تولى) زيادة في معنى الفعل.
وقد قال تعالى: ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ في سورة القصص (24).
ولعل قصد إفادة قوة توليه لمّا رأى عصاه تهْتَزّ هو الداعي لتأكيد فعل ﴿ ولّى ﴾ بقوله: ﴿ مدبراً ولم يعقب ﴾ فتأمّل.
والإدبار: التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله: ﴿ مدبراً ﴾ حال لازمة لفعل ﴿ ولَّى ﴾ .
والتعقب: الرجوع بعد الانصراف مشتق من العَقب لأنه رجوع إلى جهة العَقب، أي الخلْف، فقوله: ﴿ ولم يعقب ﴾ تأكيد لشدة تولّيه، أي ولّى تولياً قوياً لا تردد فيه.
وكان ذلك التولي منه لتغلّب القوة الواهمة التي في جبلة الإنسان على قوة العقل الباعثة على التأمل فيما دل عليه قوله: ﴿ أنا الله العزيز ﴾ من الكناية عن إعطائه النبوءة والتأييد، إذ كانت القوة الواهمة متأصلة في الجبلة سابقة على ما تلقاه من التعريض بالرسالة، وتأصُّل القوة الواهمة يزول بالتخلق وبمحاربة العقل للوهَم فلا يزالان يتدافعان ويضعف سلطان الوَهَم بتعاقب الأيام.
وقوله: ﴿ يا موسى لا تخف ﴾ مقول قول محذوف، أي قلنا له.
والنهي عن الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف.
لأن خوفه قد حصل.
والخوف الحاصل لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذَنب، فالمعنى: لا يَجْبُنُ لديَّ المرسلون لأني أحفَظُهم.
و ﴿ إني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه.
وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة الرسالة إذ عُلّل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى.
ومعنى ﴿ لديّ ﴾ في حضرتي، أي حين تلقِّي رسالتي.
وحقيقة ﴿ لدي ﴾ مستحيلة على الله لأن حقيقتها المكان.
وإذا قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعاً لما سبقه من الوحي، وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رِبَاطة الجأش.
وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما هو جار على طريقة: مثلُكَ لا يبخل.
والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله: ﴿ فاضْرِب لهم طريقاً في البَحر يَبَساً لا تخافُ درَكاً ولا تخشى ﴾ [طه: 77].
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا من ظلم ﴾ ظاهره أنه متصل.
ونسَب ابن عطية هذا إلى مقاتل وابن جُريج فيكون ﴿ من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ مستثنى من عموم الخوف الواقع فعله في حيّز النفي فيعم الخوف بمعنى الرعب والخوف الذي هو خوف العقاب على الذنب، أي إلا رسولاً ظَلم، أي فَرط منه ظلم، أي ذَنب قبل اصطفائه للرسالة، أي صدر منه اعتداء بفعل ما لا يفعله مثلُه في متعارف شرائع البشر المتقرر أنها عدل، بأن ارتكب ما يخالف المتقرر بين أهل الاستقامة أنه عدل (قبل أن يكون الرسول متعبَّداً بشرع) فهو يخاف أن يؤاخذه الله به ويجازيه على ارتكابه وذلك مثل كيد إخوة يوسف لأخيهم، واعتداء موسى على القِبطي بالقتل دون معرفة المحق في تلك القضية؛ فذلك الذي ظلم ثم بَدَّل حُسناً بعد سوء، أي تاب عن فعله وأصلح حاله يغفر الله له.
والمقصود من هذا الاستثناء على هذا الوجه تسكين خاطر موسى وتبشيره بأن الله غفر له ما كان فرط فيه، وأنه قبل توبته مما قاله يوم الاعتداء ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ﴾ [القصص: 15، 16]، فأفرغ هذا التطمين لموسى في قالَب العموم تعميماً للفائدة.
واستقامةُ نظم الكلام بهذا المعنى يكون بتقدير كلام محذوف يدل عليه التفريع في قوله: ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ .
فالتقدير: إلا من ظلم من قبل الإرسال وتاب من ظلمه فخاف عقابي فلا يَخاف لأني غافر له وقابل لتوبته لأني غفور رحيم.
وانتظم الكلام على إيجاز بديع اقتضاه مقام تعجيل المسرة، ونسج على منسج التذكرة الرمزية لعلم المتخاطبَيْن بذلك كأنه يقول: لم أهمل توبتك يوم اعتديت وقولَك ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضلّ مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ﴾ [القصص: 15، 16]، وعزمَك على الاستقامة يوم قلتَ: ﴿ رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ [القصص: 17].
ولذلك اقتصر في الاستثناء على خصوص من بدّل حسناً بعد سوء إذ لا يتصور في الرسول الإصرار على الظلم.
ومن ألطف الإيماء الإتيان بفعل ﴿ ظَلم ﴾ ليومئ إلى قول موسى يوم ارتكب الاعتداء ﴿ ربّ إني ظلمتُ نفسي ﴾ [القصص: 16] ولذلك تعين أن يكون المقصود ب ﴿ من ظَلم ثم بدّل حسناً بعد سوء ﴾ موسى نفسَه.
وقال الفرّاء والزجاج والزمخشري وجرى عليه كلام الضحاك: الاستثناء منقطع وحرف الاستثناء بمعنى الاستدراك فالكلام استطراد للتنبيه على أن من ظَلم وبدّل حسناً بعد سوء من الناس يغفر له.
وعليه تكون ﴿ مَن ﴾ صادقة على شَخص ظَلَم وليس المراد بها مخالفات بعض الرسل.
وهذا التأويل دعا إليه أن الرسالة تنافي سبق ظلم النفس.
والذي حداهم إلى ذلك أن من مقتضى الاستثناء المتصل إثباتَ نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، ونقيضُ انتفاء الخوف حصول الخوف.
والموجود بعد أداة الاستثناء أنه مغفور له فلا خلاف عليه.
ويُفهم منه أنه لو ظلم ولم يبدل حسناً بعد سوء يخاف عذاب الآخرة.
أما الزمخشري فزاد على ما سلكه الفرّاء والزجاج فجعل ما صْدَق ﴿ من ظلم ﴾ رسولاً ظلم.
والذي دعاه إلى اعتبار الاستثناء منقطعاً هو أحد الداعيين اللذين دعيا الفرّاء والزجاج وهو أن الحكم المثبت للمستثنى ليس نقيضاً لحكم المستثنى منه ولذلك جعل ما صْدَق ﴿ مَن ظلم ﴾ رسولاً من الرسل ظلم بما فرط منه من صغائر ليشمل موسى وهو واحد منهم.
وقد تحصل من الاحتمالين في معنى الاستثناء أن الرسل في حضرة الله (أي حين القيام بواجبات الرسالة) لا يخافون شيئاً من المخلوقات لأن الله تعالى تكفل لهم السلامة، ولا يخافون الذنوب لأن الله تكفل لهم العصْمة.
ولا يخافون عقاباً على الذنوب لأنهم لا يقربونها، وأن من عداهم إن ظلم نفسه ثم بَدَّل حسناً بعد سوء أمِن ممّا يُخاف من عقاب الذنوب لأنه تدارك ظلمه بالتوبة، وإن ظلم نفسه ولم يتب يخف عقاب الذنب فإن لم يظلم نفسه فلا خوف عليه.
فهذه معان دلّ عليها الاستثناء باحتماليه، وذلك إيجاز.
وفي «تفسير ابن عطية» أن أبا جعفر قرأ: ﴿ أَلاَ من ظلم ﴾ بفتح همزة (أَلاَ) وتخفيف اللام فتكون حرف تنبيه، ولا تعرف نسبة هذه القراءة لأبي جعفر فيما رأينا من كتب علم القراءات فلعلها رواية ضعيفة عن أبي جعفر.
وفعل ﴿ بدّل ﴾ يقتضي شيئين: مأخوذاً، ومُعطى، فيتعدى الفعل إلى الشيئين تارة بنفسه كقوله تعالى في الفرقان (70) ﴿ فأولئك يبدِّل الله سيئاتهم حسنات، ويتعدّى تارة إلى المأخوذ بنفسه وإلى المعطى بالباء على تضمينه معنى عَاوض كما قال تعالى: ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيب ﴾ [النساء: 2]، أي لا تأخذوا خبيث المال وتضيّعوا طيِّبه، فإذا ذكر المفعولان منصوبين تعين المأخوذ والمبذول بالقرينة وإلا فالمجرور بالباء هو المبذول، وإن لم يذكر إلا مفعول واحد فهو المأخوذ كقول امرئ القيس: وبُدِّلت قُرحاً دامياً بعد صحة *** فيا لككِ من نُعمى تبدَّلْنَ أبؤسا وكذلك قوله تعالى هنا: ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي أخذ حسناً بسوء، فإن كلمة ﴿ بعد ﴾ تدل على أن ما أضيفت إليه هو الذي كان ثابتاً ثم زال وخلفه غيره.
وكذلك ما يفيد معنى (بعد) كقوله تعالى: ﴿ ثم بدلنا مكانَ السيئة الحسنة ﴾ [الأعراف: 95] فالحالة الحسنة هي المأخوذة مجعولة في موضع الحالة السيئة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: رَأيْتُ نارًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ ومِنهُ سُمِّيَ الإنْسانُ إنْسًا لِأنَّهم مَرْئِيُّونَ.
الثّانِي: أحْسَسْتُ نارًا، قالَهُ قَتادَةُ، والإيناسُ: الإحْساسُ مِن جِهَةٍ يُؤْنَسُ بِها.
﴿ سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَأُخْبِرُكم عَنْها بِعِلْمٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ ضَلَّ الطَّرِيقَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ والشِّهابُ الشُّعاعُ المُضِيءُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَمُرُّ ضَوْؤُهُ في السَّماءِ شِهابٌ، قالَ الشّاعِرُ: في كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ والقَبَسُ هو القِطْعَةُ مِنَ النّارِ، ومِنهُ اقْتَبَسْتُ النّارَ، أخَذْتُ مِنها قِطْعَةً، واقْتَبَسْتُ مِنهُ عِلْمًا إذا أخَذْتَ مِنهُ عِلْمًا، لِأنَّكَ تَسْتَضِيءُ بِهِ كَما تَسْتَضِيءُ بِالنّارِ.
﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ شِتاءً.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا جاءَها ﴾ يَعْنِي ظَنَّ أنَّها نارٌ، وهي نُورٌ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمّا رَأى مُوسى النّارَ وقَفَ قَرِيبًا مِنها فَرَآها تَخْرُجُ مِن فَرْعِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها العَلِيقُ، لا تَزْدادُ النّارُ إلّا تَضَرُّمًا وعِظَمًا، ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، فَعَجِبَ مِنها ودَنا وأهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ في يَدِهِ لِيَقْتَبِسَ مِنها، فَمالَتْ إلَيْهِ فَخافَها فَتَأخَّرَ عَنْها، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها إلى أنْ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ ولا يَدْرِي ما أمْرُها، إلى أنْ: ﴿ نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها ﴾ وفي ﴿ بُورِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قُدِّسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: تَبارَكَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: البَرَكَةُ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَبُورِكَ في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ ∗∗∗ إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِداءُ وَفِي النّارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها نارٌ فِيها نُورٌ.
الثّانِي: أنَّها نُورٌ لَيْسَ فِيها نارٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَفِي ﴿ بُورِكَ مَن في النّارِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بُورِكَتِ النّارُ، و ﴿ مَن ﴾ زِيادَةٌ، وهي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ( بُورِكَتِ النّارُ ومَن حَوْلَها ) قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بُورِكَ النُّورُ الَّذِي في النّارِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: بُورِكَ اللَّهُ الَّذِي في النُّورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: الشَّجَرَةُ لِأنَّ النّارَ اشْتَعَلَتْ فِيها وهي خَضْراءُ لا تَحْتَرِقُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مُوسى، قالَها أبُو صَخْرٍ.
﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ حِينَ فَرَغَ مِن سَماعِ النِّداءِ مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ اسْتِعانَةً بِاللَّهِ وتَنْزِيهًا لَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ ومَعْناهُ: وبُورِكَ فِيمَن يُسَبِّحُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ مُوسى.
وَفِي ذَلِكَ الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السَّماءِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثُمَّ لَمْ يَمَسَّ مُوسى امْرَأةً بَعْدَما كَلَّمَهُ رَبُّهُ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّجَرَةِ كَلامًا خَرَجَ مِنها حَتّى سَمِعَهُ مُوسى، حَكاهُ النَّقّاشُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ ﴾ قالَ وهْبٌ: ظَنَّ مُوسى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِرَفْضِها فَرَفَضَها.
﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجانَّ الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِنانِها واسْتِتارِها.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالجانِّ الشَّيْطانَ مِنَ الجِنِّ، لِأنَّهم يُشَبِّهُونَ كُلَّ ما اسْتَهْوَلُوهُ بِالشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ ﴾ .
وقَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا إلى أعْظَمِ الحَيّاتِ لا إلى أصْغَرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ و [الشُّعَراءِ: ٣٣] .
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: وكانَتِ العَصا قَدْ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ وكانَ اسْمُها: ما شاءَ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وكانَتْ مِن عَوْسَجٍ.
﴿ وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَمْ يَرْجِعْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ قُطْرُبٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ.
الثّانِي: ولَمْ يَنْتَظِرْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ بَقِيَ ولَمْ يَمْشِ، لِأنَّهُ في المَشِيءِ مُعَقِّبٌ لِابْتِدائِهِ بِوَضْعِ عُقْبَةٍ قَبْلَ قَدَمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ أرادَ في المَوْضِعِ الَّذِي يُوحى فِيهِ إلَيْهِمْ، وإلّا فالمُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ أخْوَفُ.
﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ويَكُونُ مِنهم هَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى المُرْسَلِينَ.
وَفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما كانَ مِنهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ كالَّذِي كانَ مِن مُوسى في قَتْلِ القِبْطِيِّ، فَأمّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ جَمِيعًا.
الوَجْهُ الثّانِي: بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم مَعْصُومُونَ فِيها مَعَ وُجُودِ الصَّغائِرِ مِنهم، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِهِمْ في تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ مِنها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي تَوْبَةً بَعْدَ سَيِّئَةٍ.
﴿ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ غَفُورٌ لِذَنْبِهِمْ، رَحِيمٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ﴾ يعني تبارك وتعالى نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة ﴿ ومن حولها ﴾ يعني الملائكة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن مردويه عنه عن ابن عباس ﴿ نودي أن بورك من في النار ومن حولها ﴾ يقول: بوركت بالنار ناداه الله وهو في النور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: كانت تلك النار نوراً ﴿ أن بورك من في النار ومن ﴾ حول النار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ أن بورك من في النار ﴾ قال: بوركت النار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: في مصحف أبي بن كعب ﴿ بوركت النار ومن حولها ﴾ أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين ﴿ ومن حولها ﴾ الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان يقرأ ﴿ أن بوركت النار ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: النار: نور الرحمن ﴿ ومن حولها ﴾ موسى والملائكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ بورك ﴾ قال: قدس.
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه.
يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل.
حجابه النور لو رفع الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» ثم قرأ أبو عبيدة ﴿ أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ ﴾ قال الفراء (أَن) في موضع نصب إذا أضمرت اسم موسى في (نُودِيَ) وإن لم تضمر اسم موسى كانت (أَن) في موضع رفع.
ونحو هذا قال الزجاج (١) وقوله: ﴿ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ قال الفراء: العرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك فيه (٢) فبوركت مولودًا وبوركت ناشئًا ...
وبوركت عند الشيب إذ أنت أَشْيَبُ (٣) والمعنى: بورك فيمن في النار، أو على من في النار.
وقال آخر: بورك الميتُ الغريبُ كما بورِكَ ...
نَظْمُ الرُّمان والزيتون (٤) واختلفوا فيمن في النار؟
فالأحسن: أن الآية من باب حذف المضاف على تقدير: بورك من في طلب النار، وهو موسى ، وكأنه تحية من الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيمَ بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ (٥) وقال أبو علي: ﴿ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ مَنْ في قرب النار ليس يراد به: متوغلها.
وقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة في قوله: ﴿ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ : قُدِّس من في النار، وهو الله سبحانه؛ عني به نفسه (٦) والمراد بالنار هاهنا: النور، وذلك أن موسى رأى نورًا عظيمًا فظنه نارًا لذلك ذكرها هنا بلفظ النار (٧) (٨) وهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: جاء الله من سيناء يعني: بعث الله موسى من سيناء حتى يدعو الخلق إليه، ويعرفهم توحيده ودينه وشرائعه، فلما عرفوا بعثة موسى من سيناء قيل: جاء الله من سيناء، كذلك لما ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، وصف بأنه في النار؛ على معنى: أنه عُرف منها (٩) وقال بعضهم: على هذا القول تقدير الآية: ﴿ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ سلطانه وقدرته، فحذف للإحاطة (١٠) وروي عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: معناه: وبوركت النار (١١) (١٢) ولا يتوجه قول مجاهد على قراءة] (١٣) وقال السدي: كان في النار ملائكة (١٤) ﴿ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ الملائكة (١٥) وروي أيضًا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا: ﴿ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ نور الله (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ هم الملائكة وموسى، في قول الجميع (١٨) وذلك أنه كان حول ذلك النور الذي رأى موسى ملائكةٌ، لهم زَجَل بالتسبيح والتقديس (١٩) وقال أبو علي: ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ومن لم يقرب منها قرب الآخذ فيها وهو موسى.
يعني: أن موسى هو الآخذ منها، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ﴾ لم يَقرب المنافقدن الذين حولهم قرب المخالِطين لهم؛ حيث يحضرونهم ويشهدونهم في مشاهدهم (٢٠) ﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه (٢١) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 286.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 109.
(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 286.
وذكره النحاس، عن الكسائي.
"إعراب القرآن" 3/ 199.
(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 121 أ، ولم ينسبه.
وعنه القرطبي 13/ 158.
وذكره أبو حيان 7/ 54، ولم ينسبه.
والبيت للكميت، يمدح فيه النبي - - "شرح هاشميات الكميت" 61.
(٤) أنشده الزجاج 4/ 45، ولم ينسبه.
بلفظ: نظم، واستشهد به على أنه ليس شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان.
وذكره البغدادي، "خزانة الأدب" 10/ 467، بلفظ: نضح، وبلفظ: غصن الريحان، ونسبه لأبي طالب؛ عم النبي - - من قصيدة له يرثي بها مسافر بن أبي عمرو.
ديوان أبي طالب 93.
(٥) "تفسير الثعلبي" 8/ 120 ب.
ولم ينسبه.
واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 369، و"الوجيز" 2/ 800.
وجعله الرازي 24/ 182، أقرب الأقوال.
واقتصر عليه ابن عاشور 19/ 226.
(٦) أخرجه ابن جرير 19/ 133، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2845، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة.
وأخرجه عن ابن عباس، عبد الله ابن الإمام أحمد، كتاب السنة 1/ 300، رقم: 582.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 79، عن قتادة بلفظ: نور الله بورك.
وعن الحسن بلفظ: هو النور.
وهو موافق لما عند ابن جرير.
وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية مقررًا له.
مجموع الفتاوى 5/ 461.
ومن الروايات التي ذكرها شيخ الإسلام عن ابن أبي حاتم رواية سعيد بن أبي مريم ثنا مفضل ابن أبي فضالة حدثني ابن ضمرة: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال: إن موسى كان على شاطئ الوادى -إلى أن قال- فلما قام أبصر النار فسار إليها، فلما أتاها ﴿ نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال: إنها لم تكن نارًا ولكن كان نور الله، وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله.
وعلى هذا فلا وجه لرد هذه الأخبار أو تأويلها كما فعل بعض المفسرين؛ كالرازي 24/ 182، وابن جزي 502، وأبي حيان 7/ 54.
وتوجيه الواحدي لهذا القول توجيه حسن.
وذكر الألوسي عن الشيخ: إبراهيم الكوراني، تصحيحه لخبر ابن عباس، وأنه لا يحتاج إلى تأويل، وأن معناه ظاهر.
(٧) "الوسيط" 3/ 369، وصدره بقوله: ومذهب المفسرين.
ونقله عنه الشوكاني 4/ 122، ولم يعترض عليه.
وذكره الماوردي 4/ 195، ولم ينسبه.
واقتصر عليه ابن كثير 6/ 179، وذكر عن ابن عباس، أنه قال: نور رب العالمين.
وأخرجه ابن جرير 19/ 134، بلفظ: يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة.
ثم ذكر ابن كثير بعد ذلك حديثَ أَبِي مُوسَى؟
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - - (إِنَّ الله لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيرْفَعُهُ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
أخرجه ابن ماجه 1/ 71، المقدمة، رقم: 196.
ومسلم 1/ 162، كتاب الإيمان، رقم: 179.
دون ذكر الآية.
وصححه الألباني، "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 39، رقم: 162.
وجوَّد إسناده محقق مسند أبي يعلي الموصلي 13/ 245.
قال السيوطي: أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب، قال: النار: نور الرحمن.
"الدر المنثور" 6/ 341.
قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها.
"تفسير البغوي" 6/ 145، ثم قال البغوي والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث (حجابه النار).
وهي رواية للحديث السابق أخرجها الإمام أحمد، مسند الكوفيين، رقم: 19090.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- صحة هذا التأويل، ولا يلزم من القول به لوازم باطلة فإن الله تعالى قد أخبر بنفسه عن نفسه بذلك كما أخبرنا عن تجليه سبحانه وتعالى للجبل فقال: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾ والله أعلم.
(٨) "التبيان في تفسير القرآن" 8/ 77.
(٩) "تفسير الثعلبي" 8/ 120 أ.
قال النيسابوري في وضح البرهان 2/ 138: وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.
أي: من هذه المواضع جاءت آياته، وظهرت رحمته حيث كلم موسى بسيناء، وبعث عيسى من ساعير، ومحمدًا من فاران جبال مكة.
"وضح البرهان" 2/ 138.
(١٠) "تفسير الثعلبي" 8/ 120ب.
(١١) "تفسير مجاهد" 2/ 469.
وفيه: قال مجاهد: وكذلك قال ابن عباس.
وهو كذلك عند ابن جرير 19/ 134، وابن أبي حاتم 9/ 2845.
(١٢) أخرجها ابن أبي حاتم 9/ 2846.
وذكرها الثعلبي 8/ 120 ب.
قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير.
"إعراب القرآن" 3/ 199.
وذكر هذه القراءة ابن جني، بلفظ: تباركت الأرض.
"المحتسب" 2/ 134.
واختار هذا القول لهذه القراءة الزمخشري 3/ 338.
وذكره أبو السعود 6/ 273، وصدر غيره بـ: قيل.
واختاره البيضاوي 2/ 171.
والبرسوي 6/ 321، قال: أي: من في مكان النار، وهو البقعة المباركة.
ورجح هذا القول شيخنا: عبد الله الوهيبي، في تحقيقه لتفسير العز بن عبد السلام 2/ 457، مع أن العز لم يذكر هذا القول.
وأما قول السعدي 5/ 562: أي: ناداه الله تعالى وأخبره أن هذا محل مقدس مبارك، ومن بركته أن جعله موضعًا لتكليم الله لموسى وإرساله.
فإنه لا يلزم منه نفي ما عداه من الأقوال إذ لم يصرح بذلك.
والله أعلم.
وقد ذكر القاسمي == 13/ 58، هذه الأقوال كلها ولم يرجح.
لكنه قدم القول الذي اختاره الزمخشري، وقدمه أيضًا المراغي 19/ 123.
(١٣) ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2846، عن السدي.
وذكره عنه الماوردي 4/ 195.
(١٥) وذكر هذا القول النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 138، ولم ينسبه.
(١٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 79.
وابن جرير 19/ 134، عن قتادة بلفظ: نور الله بورك.
وعن الحسن بلفظ: هو النور.
وذكره الزجاج 4/ 109، ولم ينسبه.
(١٧) حكى هذا القول الماوردي 4/ 195، والنيسابوري 2/ 138، ولم ينسباه.
(١٨) هما قولان، الأول: الملائكة، "تفسير مقاتل" 57 أ، و"تفسير هود الهواري" 3/ 247، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 79، عن الحسن، وأخرجه ابن جرير 19/ 135، عن ابن عباس، والحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2847، عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وأخرجه عن ابن عباس، عبد الله بن الإمام أحمد، كتاب السنة 1/ 300، رقم: 582.
وذكره الفراء 2/ 286، ولم ينسبه.
والثاني: موسى والملائكة، أخرجه ابن جرير 19/ 135، وابن أبي حاتم 9/ 2846، عن محمد بن كعب.
وذكره الثعلبي، 8/ 121 أ، ولم ينسبه.
والقولان في "تنوير المقباس" 316، و"تفسير الماوردي" 4/ 195.
ونسبه ابن عطية 11/ 172، للحسن، وابن عباس.
وذكر ابن الجوزي 6/ 155، قولًا ثالثًا، وهو: موسى فقط.
والمعنى: بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها.
وذكر هذا القول العز في "تفسيره" 2/ 457.
(١٩) "تفسير الوسيط" 3/ 369.
و"تفسير البغوي" 6/ 145، ولم ينسبه.
والزَجَل: رفع الصوت الطَرِب.
"تهذيب اللغة" 10/ 616 (زجل).
(٢٠) هكذا في نسخة (ج).
وفي نسخة أ: لم يقرب المنافق الذي حولهم قرب بالمخاطبين لهم.
وفي نسخة ب: لم يقرب المنافقون الذي حولهم قرب بالمخاطبين لهم.
(٢١) "تنوير المقباس" 316، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 369، ولم ينسبه.
وذكره الماوردي 4/ 195، عن السدي، من كلام موسى عليه الصلاة والسلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آنَسْتُ ﴾ ذكر في [طه: 11] وكذلك قبس: [طه: 12]، والشهاب: النجم شبَّه القبس به، وقرئ بإضافة شهاب إلى قبس وبالتنوين على البدل أو الصفة، فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿ سَآتِيكُمْ ﴾ وفي الموضع الآخر: ﴿ لعلي آتِيكُمْ ﴾ [طه: 10، القصص: 29]؛ والفرق بين الترجي والتسويق أن التسويق متيقن الوقوع بخلاف الترجي؟
فالجواب أنه قد يقول الراجي: سيكون كذا؛ إذا قوي رجاؤه ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ معناه: تستدفئون بالنار من البرد، ووزنه تفعلون، وهو مشتق من صلى بالنار والطاء بدل من التاء ﴿ أَن بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ ﴿ أَن ﴾ مفسرة، و ﴿ بُورِكَ ﴾ من البركة، ﴿ مَن فِي النار ﴾ : يعني من في مكان النار ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ : من حول مكانها: يريد الملائكة الحاضرين وموسى عليه السلام، قال الزمخشري: والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام ﴿ وَسُبْحَانَ الله ﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى عليه السلام، أو يكون مستأنفاً وعلى كلا الوجهين قصد به تنزيه الله مما عسى أن يخطر ببال السامع من معنى النداء، أو في قوله: ﴿ أَن بُورِكَ مَن فِي النار ﴾ لأن المعنى نودي أن بورك من في النار، إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني آنست ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ بشهاب ﴾ منوناً على أن قبساً وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس.
الباقون بالإضافة ﴿ من في النار ﴾ ممالة: عليّ غير ليث وابي حمدون وحمدويه وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد وكذلك في "القصص".
الوقوف: ﴿ طس ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ هدى ﴾ حال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ أو هو مرفوع بدلاً من ﴿ الآيات ﴾ أو خبراً بعد خبر وإن كان التقدير هي هدى به فلك الوقف ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ط تنصيصاً على أن ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ مستأنف ﴿ الأخسرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه ﴿ تصطلون ﴾ ﴿ حولها ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه لا للعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء ﴿ عصاك ﴾ ط للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ﴿ ولم يعقب ﴾ ط لابتداء النداء ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن "إلاّ" إن كان بمعنى "لكن" فالاستدراك يوجب الوصل أيضاً.
﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وقومه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ج ه للآية والعطف ﴿ وعلواً ﴾ ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي فأغرقناهم ﴿ المفسدين ﴾ ه.
التفسير: تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك مصدق لما بين يديه وكتاب مبين.
فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير.
فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يفخى، ولأن الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما ههنا وبين ما في أول "الحجر".
ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم بالثواب.
قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ من تتمة الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل عليهم متاعب التكاليف.
وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، وهذه إشارة إلى وسط.
ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق.
وفيه أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقناً بأحوال المعاد لا شاكاً فيها، آتياً بالطاعات للاحتياط قائلاً: إن كنت مصيباً فيها فقد نلت السعادة وإن كنت مخطئاً فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة.
ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك أعمالهم.
ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات.
ولا ريب أن إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ ملابسة ظاهرة للتزيين.
ومنها أنه أراد زيناً لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك أن بينا لهم حسنه وما لهم فيه من الثواب ﴿ فهم يعمهون ﴾ يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن ﴿ لهم سوء العذاب ﴾ أي القتل والأسر كيوم بدر.
ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من الأخبار العجيبة فقال ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لتؤتاه وتلقنه من عند أيّ حكيم وأيّ عليم.
و ﴿ إذ قال ﴾ منصوب بـ ﴿ عليم ﴾ أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى العجيبة الشأن.
والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله.
وفي قوله ﴿ سآتيكم ﴾ مع قوله في "طه" و "القصص" ﴿ لعلي آتيكم ﴾ دليل على أنه كان قوي الرجاء إلا أنه كان يجوّز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن أبطأ لبعد المسافة أو غيره.
قالوا: في "أو" دليل على أنه جزم بوجدان أحد الأمرين ثقة بعناية الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة بقوله ﴿ فلما جاءها ﴾ وقد قال في "طه" و"القصص" ﴿ فلما أتاها ﴾ ﴿ نودي ﴾ لأنه كرر لفظ ﴿ آتيكم ﴾ ههنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق مرة أخرى.
و ﴿ أن ﴾ مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان "قد" في فعلها.
قال جار الله: معنى ﴿ بورك من في النار ﴾ بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص ﴿ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة ﴾ وسبب البركة حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه.
وقيل: معنى بورك تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله مروي عن ابن عباس.
وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها الملائكة.
وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة وهي الشأم فكانت الشجرة محلاً للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة.
وقيل: من في النار هو موسى لقربه منها، ومن حولها الملائكة.
وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشأم.
وفي قوله ﴿ وسبحان الله رب العالمين ﴾ تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين.
والهاء في ﴿ إنه ﴾ إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم ﴿ انا ﴾ وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً.
وقوله ﴿ وألق عصاك ﴾ معطوف على ﴿ بورك ﴾ وكلاهما تفسير ﴿ نودي ﴾ والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى ﴿ لم يعقب ﴾ لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر.
وإنما اقتصر ههنا على قوله ﴿ لا تخف ﴾ ولم يضف إليه أقبل كما في "القصص" لأنه أراد أن يبني عليه قوله ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم.
ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول "البقرة".
وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله ﴿ أني لا يخاف لديّ المرسلون ﴾ إلى أن موسى قد جعل رسولاً.
ومنها أنه أشار بقوله ﴿ إلا من ظلم ﴾ إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله ﴿ ثم بدل حسناً بعد سوء ﴾ أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى ﴿ رب إِنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي ﴾ وقرئ "الا" بحرف التنبيه.
ومنها أنه أشار بقوله ﴿ ثم بدل ﴾ معطوفاً على ﴿ ظلم ﴾ إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً.
ومنها أنه أشار بقوله ﴿ فإني غفور رحيم ﴾ إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخر *** وكقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صواباً إن شاء العزيز.
قوله ﴿ وأدخل يدك ﴾ وفي "القصص" ﴿ اسلك يدك ﴾ موافقة لأضمم ولأن المبالغة في ﴿ أدخل ﴾ أكثر منها في ﴿ أسلك ﴾ لأن سلك لازم ومتعد.
وهناك قال ﴿ فذانك برهانان ﴾ وههنا قال ﴿ في تسع آيات ﴾ وكان أبلغ في العدد فناسب الأبلغ في اللفظ.
قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع آيات.
أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون.
وتفسير التسع قد مر في آخر "سبحان" وإنما قال ههنا ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ دون أن يقول ﴿ وملئه ﴾ كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ههنا بقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ إلى قوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ينبئ عن المدح.
ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ويجوز أن يكون الإِبصار مجازاً باعتبار إبصار صاحبها وهو كل ذي عقل أو فرعون وقومه.
والواو في ﴿ واستيقنتها ﴾ للحال وقد مضمرة وفي زيادة ﴿ انفسهم ﴾ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان.
وقوله ﴿ ظلماً وعلواً ﴾ أي كبراً وترفعاً مفعول لأجلهما.
وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم نحو "مبخلة" قرأها علي بن السحين وقتادة والله أعلم.
التأويل: طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره ﴿ وكتاب مبين ﴾ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال ﴿ هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين ﴿ زيناً لهم أعمالهم ﴾ الدنيوية النفسانية ﴿ فهم يعمهون ﴾ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان اصم وأبكم ولهذا قال "حبك للشيء يعمي ويصم" فيُحب الدنيا صمت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللداني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحاً إذا ربح المولى.
وجد أبو زيد في البادية قحفاً مكتوباً عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي.
وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي بقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ لا من عند جبريل بل ﴿ من لدن حكيم ﴾ تجلى لقلبك بحكمة القرآن ﴿ عليم ﴾ يعلم حيث يجعل رسالته.
ثم ضرب مثالاً لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة (قال لأهله) وهم النفس وصفاتها ﴿ إني آنست ناراً ﴾ بوادي أيمن السر ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ بتلك النار عن جمود الطبيعة ﴿ فلما جاءها ﴾ على قدمي الشوق وصدق الطلب ﴿ نودي ﴾ من الشجرة الروحانية ﴿ أن بورك من في ﴾ نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴿ ومن حولها ﴾ كالفراش يريد أن يقع فيها و ﴿ ألق ﴾ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ﴿ ولى مدبراً ﴾ هارباً إلى الله ﴿ ولم يعقب ﴾ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي بـ ﴿ لا تخف ﴾ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والالطاف لا تخاف سوى الله ﴿ إلاَّ من ظلم ﴾ نفسه بالرجوع إلى الغير ﴿ وأدخل ﴾ يد همتك في جيب قناعتك ﴿ تخرج بيضاء ﴾ نقية من لوث الدارين ﴿ في تسع آيات ﴾ من أسباب هلاك النفس وصفاتها ﴿ فانظر كيف كان عاقبة ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت وأبصرت.
﴿ سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ ، هذا يدل أنه كان ضل الطريق على ما ذكره أهل التأويل، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ ، ذكر على التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف، والقصة واحدة، والممتحن بذلك موسى لا غير؛ فهذا يدل أن ليس على الناس تكلف حفظ الألفاظ والحروف بلا تقديم ولا تأخير ولا تغيير، بعد أن أصابوا المعنى المودع فيها - أعني: في الألفاظ - وحفظوها من غير تغيير يدخل في المعنى المودع؛ إذ قصة موسى هذه وغيرها من قصص الأنبياء - عليهم السلام - ذكرت في الكتاب في التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف فدل: أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف في كثير من الأحكام في الشهادات والأخبار وغيرها، وإنما عليهم إصابة المعنى.
ثم قوله: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ قال بعضهم: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والقبس: النار وشهبان: جمع، ولا تسمى النار: قبسا إلا ما يحمل من موضع إلى موضع، يقال: قبست النار قبسا واقتبست؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقال بعضهم: القبس: الجمر، والشهاب: النار الموقدة: وهو قول أبي عبيدة.
وقال بعضهم: الشهاب: النور، والشهاب: الكواكب، سمي: شهاباً لضوءه.
وقال بعضهم: ﴿ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ﴾ أي: شعلة من نار، والجذوة: كأنها خشبة فيها نار؛ وهو مثل الأول.
ودل قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ على أن الوقت وقت البرد وأيام الشتاء؛ حيث ذكر الاصطلاء وهو الاستدفاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ : اضطربت أقاويل أهل التأويل في هذا.
صرف بعضهم تأويله إلى (ما) لا يزيده إلى سماجة وبعداً عن الحق والصواب وعمى، لكن لو جاز أن يعبر ويكنى بحرف (من) عن غير مميز وغير ذي فهم وعقل، لاستقام التأويل فيه ولم يقع فيه شبهة؛ فيجعل كأنه قال: أن بورك ما فيه من النار وما حولها، ويكون عبارة عن المكان الذي فيه النار وما حولها من الأمكنة، أي: بورك في ذلك المكان الذي فيه النار وما حولها؛ لأنه قال له في آية أخرى: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ أي: طوي فيه البركات.
وقال في آية: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ عن بركة ذلك المكان؛ فعلى ذلك لو جاز أن يعبر بحرف (من) عن غير المميز والفهم، ويكنى به - جاز صرف التأويل إلى ما ذكرنا من المكان.
أو يقال: ﴿ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ ، أي: بورك ما في النار من النور وما حول ذلك، وما يستنار به ويستضاء، وهو ما استفاد به من النبوة والرسالة.
هذا كله إذا جازت العبارة والكناية بحرف (من) عن غير ذي التمييز والفهم، فإن جاز هذا لاستقام أن يقال: هذا.
أو أن يكون التأويل منصرفاً إلى ما ذكره في حرف ابن مسعود وأبي على طرح حرف (من) وحرف (في) ذكر: أن في حرفهما: ﴿ نودي أن بوركت النار ومن حولها ﴾ ، وذلك جائز في اللغة أن يقال: بورك في فلان وبورك فلانٌ وبوركت وبورك فيك؛ وكذلك ذكر عن الكسائي أنه قال ذلك، فإن كان ما ذكر عن ابن مسعود وأبيّ ثابتاً صحيحاً - لم يقع فيه شبهة ولا ريب.
أو إن لم يجز العبارة بحرف (من) عن غير ذي التمييز، فجائز أن يصرف حرف (من) إلى موسى؛ فيكون كأنه قال: بورك في الذي أتى النار وهو موسى، أو بورك فيمن جعل له اقتباس النار؛ فينصرف تأويل (من) إلى موسى، وقد جعل له من البركة في تلك النار ما لا يحصى من استفادة النبوة والإرشاد إلى الطريق والاصطلاء وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - تنزيهاً عن جميع ما قاله بعض أهل التأويل؛ تبرئة منه عن ذلك كله من نحو مقاتل، ومن قال بمثل قوله مما يؤدي إلى التشبيه والشبه.
وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : أي: الذي أعطاك ذلك الله العزيز الحكيم.
أو يقول: إن الذي جعل لك ذلك الله العزيز الحكيم.
أو أن يقول: إنه الذي أراك هذا وأكرمك به أنا الله العزيز الحكيم.
أو أن يقول: إن الذي أراك - أي: الذي جعل لك ذلك - الله العزيز الحكيم؛ العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الحكيم: المصيب في فعله غير مخطئ، أو أن يقال: عزيز لا يذل أبداً قط؛ لأنه عزيز بذاته، الحكيم: يضع كل شيء موضعه لا يخطئ.
قال أبو معاذ: قال مقاتل بن سليمان: إنه يقول: يا موسى، إن النور الذي رأيت أنا الله، وهذا محال لا وجه له؛ لأنك لا تقول: "إن الذي رأيت أنا" لإنسان رآه أو لشيء رآه، ولكن تقول: أنا الذي رأيت.
ومحال - أيضاً - قوله؛ لما ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ نودي يا موسى لا تخف ﴾ يكلمه الله ويخاطبه ثم يقول: إن النور الذي رأيت أنا.
ومحال - أيضاً - لقول الله: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ﴾ ، قال الله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا ﴾ ، ولم يقل: أتاه.
ومحال أيضاً -: أن يكون الله نعتاً؛ لأنك لا تقول بأن الذي رأيت أنا أخوك.
فقال: قول مقاتل محال من أربعة أوجه خلافاً لظاهر الآية، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ : في الآية الأمر بإلقاء العصا، ولم يذكر أنه ألقاها، ولكن فيه: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فألقاها، ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ ، أي: تتحرك كأنها جان.
ذكر أهل التأويل أن الجان هي الحية الصغيرة ليست بعظيمة.
لكنه أخبر أن موسى خافها وولى مدبرا، وموسى لا يحتمل أن يخاف من حية صغيرة على الوصف الذي ذكر، فكأنها كانت عظيمة لكنها في تحركها والتوائها كأنها صغيرة؛ إذ الحية العظيمة الكبيرة لا تقدر على التحرك والالتواء كالصغيرة؛ لذلك خافها موسى، حتى نهاه الله عن ذلك وقال له: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ : قال بعضهم: لم يرجع.
وقال بعضهم: لم يلتفت، وهو مأخوذ من العقب.
والجان: قال بعضهم: من الجنّ، والجانّ: الحية، ولا تكون إلا من الجن.
وقول أبي عبيدة: وقوله: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ فإن قيل: كيف نهاه عن الخوف، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون، وقد مدح الله الملائكة وغيرهم من الخلائق بالخوف من ربهم؛ حيث قال: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ ، و ﴿ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ ، وأمثال ذلك من الآيات مما فيها مدحهم بالخوف من ربهم؟
لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه قد أمن موسى حيث قال: ﴿ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ ؛ فكأنه قال هاهنا: لا تخف بعدما أمنتك؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ إذا أمنتهم.
والثاني: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ من غيري؛ ﴿ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ من غيري؛ فكأنه قال - والله أعلم - على هذا التأويل: إنما نهاه عن الخوف من غيره، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون.
والثالث: أخبر أنه أمنه من خوف الآخرة وأهوالها؛ كأنه قال: لا تخف فإني سأؤمن المرسلين من خوف يومئذ.
ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ ﴾ : هذا - أيضاً - يخرج على وجوه: أحدها: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم إذا بدل حسنا بعده سوء.
والثاني: لا يخاف لدي المرسلون، ولكن من ظلم ممن سواهم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم، رجاء المغفرة وطمع العفو عما كان منه.
والثالث: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم منهم؛ نحو: موسى بقتله النفس، وإخوة يوسف، ثم بدل حسنا وتاب عن ذلك - فإنه يخاف أيضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : فالله قادر أن يجعل يده بيضاء من غير إدخاله إياها في جيبه، لكنه امتحن موسى بالأمر بإدخالها في جيبه؛ وكذلك قادر أن يصير عصاه في يده حية، لكنه امتحن بالأمر بإلقائها، ولله أن يمتحن عباده بكل أنواع المحن.
وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قيل: من غير آفة من برص أو غيره، وقد ذكرنا معناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : قال بعضهم: موسى من تسع آيات، وقد يجوز استعمال حرف في مكان من كما يقال: لفلان كذا كذا نوقاً فيها فحلان، أي: منها فحلان.
وقال بعضهم: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ : قال أبو معاذ: قد يكون معنى (في) و(مع) واحداً فيما لا يحصى عدده، تقول: (خرجت في أهل مرو إلى مكة)، و(مع أهل مرو إلى مكة)، فإذا قلت: (خرجت في تسعة) اختلفا؛ لأنك أحصيت العد في تسعة أنت تاسعهم، و(مع تسعة) أنت عاشرهم.
وقال بعضهم: هو على الانقطاع من الأول؛ كأنه قال لرسوله محمد: ولقد بعثنا موسى في تسع آيات إلى فرعون؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ : دل هذا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وقومه جميعاً؛ إذ ذكر في آية إلى فرعون خاصة، وفي آية أخرى: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ ، وذكر هاهنا ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴾ فكان مبعوثاً إلى الكل.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ﴾ أي: يبصر بها ويعلم، كقوله: ﴿ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ أي: يبصر به.
وقرأ بعضهم: ﴿ مبصَرة ﴾ بنصب الصاد، أي: بينة ظاهرة يبصر فيها؛ وكذلك قال موسى لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ .
وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ : لم يزل عادة فرعون اللعين تلبيس أمر موسى وآياته على قومه؛ لئلا يؤمنوا به ولا يطيعوه فيما يدعوهم؛ مرة قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، وأمثال ذلك مما يلبس على قومه أمره ويغويهم عليه؛ لئلا يطيعوه فيما يدعوهم إليه ولا يجيبوه.
وقوله: ﴿ وَجَحَدُواْ ﴾ بالآيات: جائز في اللغة أن يقال: (جحد بها) و(جحدها)؛ كلاهما واحد.
ثم قال بعضهم: إن الجحود لا يكون إلا بعد العلم به والإيقان.
ولكن يجوز أن يقال: جحد بعد المعرفة والعلم، وقبل أن يعلم به ويعرف؛ إذ الجحود ليس إلا الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وبعد المعرفة.
وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة جحدوا بها ظلماً وعلوا.
﴿ وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ﴾ : أنها من الله، وأنها آياته، ليست بسحر، ولو كان سحرا في الحقيقة لكان آية؛ لأن السحر على غير تعلم يكون منه آية سماوية.
وقوله: ﴿ ظُلْماً ﴾ : لأنهم جحدوا الآيات وسموها سحرا، فوضعوا الآيات موضع السحر، لم يضعوها موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.
وقوله: ﴿ وَعُلُوّاً ﴾ أي: تكبرا وعنادا.
﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : ليس على الأمر له بالنظر في ذلك، ولكن على تنبيه أولئك، والزجر لهم عما هم فيه، أي: انظر ما ينزل بهم لجحود الآيات وعنادهم فيها على ما نزل بأوائلهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلما وصل إلى مكان النار التي أبصرها ناداه الله: أنْ قُدِّس من في النار، ومن حولها من الملائكة، وتعظيمًا لرب العالمين وتنزيهًا له عما لا يليق به من الصفات التي يصفه بها الضالون.
<div class="verse-tafsir" id="91.o1OzB"