الآية ٨٣ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٨٣ من سورة القصص

تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًۭا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين ، الذين لا يريدون علوا في الأرض ، أي : ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ، ولا فسادا فيهم .

كما قال عكرمة : العلو : التجبر .

وقال سعيد بن جبير : العلو : البغي .

وقال سفيان بن سعيد الثوري ، عن منصور ، عن مسلم البطين : العلو في الأرض : التكبر بغير حق .

والفساد : أخذ المال بغير حق .

وقال ابن جريج : ( لا يريدون علوا في الأرض ) تعظما وتجبرا ، ( ولا فسادا ) : عملا بالمعاصي .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أشعث السمان ، عن أبى سلام الأعرج ، عن علي قال : إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه ، فيدخل في قوله : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) .

وهذا محمول على ما إذا أراد [ بذلك ] الفخر [ والتطاول ] على غيره ; فإن ذلك مذموم ، كما ثبت في الصحيح ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ أنه قال ] إنه أوحي إلي أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد " ، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل فهذا لا بأس به ، فقد ثبت أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة ، أفمن الكبر ذلك ؟

فقال : " لا إن الله جميل يحب الجمال " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) يقول تعالى ذكره: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحقّ في الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا.

يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ, وعملا بمعاصي الله فيها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, عن زياد بن أبي زياد, قال: سمعت عكرمة يقول: ( لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التجبر.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) قال: العلو: التكبر في الحقّ, والفساد: الأخذ بغير الحق.

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مسلم البطين: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: التكبر في الأرض بغير الحقّ( وَلا فَسَادًا ) أخذ المال بغير حق.

قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن حُبَير: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: البغي.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ ) قال: تعظُّما وتجبرا( وَلا فَسَادًا ): عملا بالمعاصي.

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن أشعث السمان, عن أبي سلمان الأعرج, عن عليّ رضي الله عنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه, فيدخل في قوله: ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ).

وقوله: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) يقول تعالى ذكره: والجنة للمتقين, وهم الذين اتقوا معاصي الله, وأدّوا فرائضه.

وبنحو الذي قلنا في معنى العاقبة قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) أي الجنة للمتقين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : تلك الدار الآخرة يعني الجنة وقال ذلك على جهة التعظيم لها والتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها ، وبلغك وصفهانجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض أي رفعة وتكبرا على الإيمان والمؤمنين ولا فسادا عملا بالمعاصي ، قاله ابن جريج ومقاتل .

وقال عكرمة ومسلم البطين : الفساد أخذ المال بغير حق وقال الكلبي الدعاء إلى غير عبادة الله وقال يحيى بن سلام : هو قتل الأنبياء والمؤمنين والعاقبة للمتقين قال الضحاك : الجنة .

وقال أبو معاوية : الذي لا يريد علوا هو من لم يجزع من ذلها ، ولم ينافس في عزها ، وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعا ، وأعزهم غدا ألزمهم لذل اليوم .[ ص: 294 ] وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال : مر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كسرا لهم ، فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم ، فتلا هذه الآية : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ثم نزل وأكل معهم ثم قال : قد أجبتكم فأجيبوني فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم خرجه أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة فذكره وقيل : لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب والمراد : إنما ينتفع بتلك الدار من اتقى ، ومن لم يتق فتلك الدار عليه لا له ، لأنها تضره ولا تنفعه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى، قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن أهل العلم قالوا: { ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها فقال: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ } التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت [بها] رسله، التي [قد] جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، { نَجْعَلُهَا } دارا وقرارا { لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق { وَلَا فَسَادًا } وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح.وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: { وَالْعَاقِبَةُ } أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم -وإن حصل لها بعض الظهور والراحة- فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب.

وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ) قال الكلبي ومقاتل : استكبارا عن الإيمان ، وقال عطاء : " علوا " واستطالة على الناس وتهاونا بهم .

وقال الحسن : لم تطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطان .

وعن علي رضي الله عنه : أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل القدرة ) ( ولا فسادا ) قال الكلبي : هو الدعاء إلى عبادة غير الله .

وقال عكرمة : أخذ أموال الناس بغير حق .

وقال ابن جريج ومقاتل : العمل بالمعاصي .

( والعاقبة للمتقين ) أي : العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب معاصيه .

وقال قتادة : الجنة للمتقين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تلك الدار الآخرة» أي الجنة «نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض» بالبغي «ولا فسادا» بعمل المعاصي «والعاقبة» المحمودة «للمتقين» عقاب الله، بعمل الطاعات.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحق في الأرض ولا فسادًا فيها.

والعاقبة المحمودة -وهي الجنة- لمن اتقى عذاب الله وعمل الطاعات، وترك المحرمات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - قصة قارون ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً ) .واسم الإشارة ( تِلْكَ ) مبتدأ ، والدار الآخرة صفة له ، ونجعلها .

.

.

خبره ، وجاءت الإشارة بهذه الصيغة المفيدة للبعد ، للإشعار بعظم هذه الدار وعلو شأنها .أى : تلك الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم ، نجعلها خالصة لعبادنا الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم ظ ( عُلُوّاً فِي الأرض ) أى : تطاولا وتعاليا فيها ( وَلاَ فَسَاداً ) أى : ظلما أو بغيا أو عدوانا على أحد .( والعاقبة ) الطيبة الحسنة ، إنما هى ( لِلْمُتَّقِينَ ) الذين صانوا أنفسهم عن كل سوء وقبيح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى عليه السلام وداعياً إلى الرضا بقضاء الله تعالى وقسمته وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبياء الله ورسله.

أما قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ الله ﴾ فاعلم أن وي كلمة مفصولة عن كأن وهي كلمة مستعملة عند التنبه للخطأ وإظهار التندم، فلما قالوا: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون  ﴾ ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطئهم فقالوا: وي ثم قالوا: كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف فقال إن وي مفصولة من كان وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم وي.

وذكر الفراء وجهين: أحدهما: أن المعنى ويلك فحذف اللام وإنما جاز هذا الحذف لكثرتها في الكلام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم أن الله، وهذا قول قطرب حكاه عن يونس الثاني: وي منفصلة من كأن وهو للتعجب يقول الرجل لغيره وي أما ترى ما بين يديك فقال الله وي ثم استأنف كان الله يبسط فالله تعالى إنما ذكرها تعجيباً لخلقه، قال الواحدي: وهذا وجه مستقيم غير أن العرب لم تكتبها منفصلة ولو كان على ما قالوه لكتبوها منفصلة، وأجاب الأولون بأن خط المصحف لا يقاس عليه، ثم قالوا: ﴿ لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ وهذا تأكيد لما قبله.

أما قوله: ﴿ تِلْكَ الدار الأخرة ﴾ فتعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، وعن علي عليه السلام: «إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه» فيدخل تحتها، قال صاحب الكشاف: ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون لقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض  ﴾ والفساد لقارون لقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض  ﴾ ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كما تدبره علي بن أبي طالب عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تِلْكَ ﴾ تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها.

لم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [هود: 113] فعلق الوعيد بالركون.

وعن علي رضي الله عنه: إنّ الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها.

وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال: ذهبت الأماني ههنا.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يردّدها حتى قبض.

ومن الطماع من يجعل العلوّ لفرعون، والفساد لقارون، متعلقاً بقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ [القصص: 4] ، ﴿ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض ﴾ [القصص: 77] ويقول: من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة، ولا يتدبر قوله: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كما تدبره عليّ والفضيل وعمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ﴾ مَنزِلَتَهُ.

﴿ بِالأمْسِ ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ.

﴿ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ ﴾ يَبْسُطُ ويَقْدِرُ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ لا لِكَرامَةٍ تَقْتَضِي البَسْطَ ولا لِهَوانٍ يُوجِبُ القَبْضَ، و ( ويْكَأنَّ ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُرَكَّبٌ مِن «وَيْ» لِلتَّعَجُّبِ و «كَأنَّ» لِلتَّشْبِيهِ والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ.

وقِيلَ مِن «وَيْكَ» بِمَعْنى ويْلَكَ و «أنَّ» تَقْدِيرُهُ ويَكَ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ.

﴿ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ فَلَمْ يُعْطَنا ما تَمَنَّيْنا.

﴿ لَخَسَفَ بِنا ﴾ لِتَوْلِيدِهِ فِينا ما ولَّدَهُ فِيهِ فَخَسَفَ بِنا لِأجْلِهِ.

وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ.

﴿ وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ وبِما وعَدُوا لَهم ثَوابَ الآخِرَةِ.

﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها وبَلَغَكَ وصْفَها، و ( الدّارُ ) صِفَةٌ والخَبَرُ: ﴿ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ﴾ غَلَبَةً وقَهْرًا.

﴿ وَلا فَسادًا ﴾ ظُلْمًا عَلى النّاسِ كَما أرادَ فِرْعَوْنُ وقارُونُ.

﴿ والعاقِبَةُ ﴾ المَحْمُودَةُ.

﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تِلْكَ الدار الآخرة} تلك تعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها وقوله {نجعلها} خبر تلك والدار نعتها {لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الأرض} بغيا ابن جبير أو ظلما

الضحاك أو كبراً {وَلاَ فَسَاداً} عملاً بالمعاصي أو قتل النفس أو دعاء إلى عبادة غير الله ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ فعلق الوعيد بالركون وعن علي رضي الله عنه إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعله صاحبه فيدخل تحتها وعن الفضيل إنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا وعن عمر بن عبد العزيز إنه كان يرددها حتى قبض وقال بعضهم حقيقته التنفير عن متابعة فرعون وقارون متشبثاً بقوله إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرض وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض {والعاقبة} المحمودة {لّلْمُتَّقِينَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ذَكَرَ مَحَلَّ ذَلِكَ الثَّوابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ مُشِيرًا إشارَةَ تَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ إلى ما نَزَلَ لِشُهْرَتِهِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها وبَلَغَكَ وصْفُها، (والدّارُ) صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الواقِعِ مُبْتَدَأً وهو يُوصَفُ بِالجامِدِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَعِيمُ الدّارِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ البَحْرِ، (والآخِرَةُ) صِفَةٌ لِلدّارِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ﴾ أيْ غَلَبَةً وتَسَلُّطًا ﴿ ولا فَسادًا ﴾ أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا عَلى العِبادِ كَدَأْبِ فِرْعَوْنَ وقارُونَ، ولَيْسَ المَوْصُولُ مَخْصُوصًا بِهِما، وفي إعادَةِ لا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ بِالنَّفْيِ، وفي تَعْلِيقِ المَوْعِدِ بِتَرْكِ إرادَتِهِما لا بِتَرْكِ أنْفُسِهِما مِن مَزِيدِ تَحْذِيرٍ مِنهُما.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: العُلُوُّ في الأرْضِ التَّكَبُّرُ وطَلَبُ الشَّرَفِ والمَنزِلَةِ عِنْدَ سَلاطِينِها ومُلُوكِها والفَسادُ العَمَلُ بِالمَعاصِي وأخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ العُلُوُّ الِاسْتِكْبارُ عَنِ الإيمانِ والفَسادُ الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ تَفْسِيرُ العُلُوِّ بِما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَمْشِي في الأسْواقِ وحْدَهُ وهو والٍ يُرْشِدُ الضّالَّ ويُعِينُ الضَّعِيفَ ويَمُرُّ بِالبَقّالِ والبَيّاعِ فَيَفْتَتِحُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَقْرَأُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ إلى آخِرِها، ويَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ إلَخْ، في أهْلِ العَدْنِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ،» وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ هاهُنا، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ.

ولَعَلَّ هَذا إذا أحَبَّ ذَلِكَ لِيَفْتَخِرَ عَلى صاحِبِهِ ويَسْتَهِينَهُ وإلّا فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ جَمِيلًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ (إلَيَّ) الجَمالُ وأُعْطِيتُ مِنهُ ما تَرى حَتّى ما أُحِبُّ أنْ يَفُوقَنِي أحَدٌ إمّا قالَ بِشِراكِ نَعْلٍ وإمّا قالَ بِشِسْعِ نَعْلٍ أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ؟

قالَ لا ولَكِنَّ الكِبْرَ مَن بَطَرَ الحَقَّ وغَمَطَ النّاسَ».

ورَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبِرٍ.

فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنًا.

قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ»».

واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ بِناءً عَلى عُمُومِ العُلُوِّ والفَسادِ فِيها عَلى تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ في النّارِ، وفي الكَشّافِ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، والتَزَمَ بَعْضُهم في الجَوابِ تَفْسِيرَ العُلُوِّ والفَسادِ بِما فَسَّرَهُما بِهِ الكَلْبِيُّ وآخَرُ أنَّ المُرادَ بِهِما ما يَكُونُ مِثْلَ العُلُوِّ والفَسادِ اللَّذَيْنِ كانا مِن فِرْعَوْنَ وقارُونَ.

ورُدَّ بِأنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي التَّقْوى ولا يَكْفِي تَرْكُ العُلُوِّ والفَسادِ المُقَيَّدَيْنِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ المُتَّقِيَ هاهُنا هو المُتَّقِي مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وفَسادِ قارُونَ أوْ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَ فِرْعَوْنَ في الِاسْتِكْبارِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ امْتِثالِ أوامِرِهِ والِارْتِداعِ عَنْ زَواجِرِهِ ولَمْ يَكُنْ مِثْلَ قارُونَ في إرادَةِ الفَسادِ في الأرْضِ وإخْراجِ كُلِّ شَيْءٍ مِن كَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ لا سِيَّما نَفْسَهُ فَإنَّ غايَةَ إفْسادِها الِامْتِناعُ مِن عِبادَةِ رَبِّها لِأنَّها خُلِقَتْ لِلْعِبادَةِ فَإذا امْتَنَعَ عَنْها خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِها مُنْتَفِعًا بِها ولَيْسَ مَعْنى المُتَّقِي إلّا ذَلِكَ.

وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الأوَّلَ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ والثّانِي هو الَّذِي يَسْعى لَهُ المُعْتَزِلِيُّ، وقالَ الفاضِلُ الخَفاجِيُّ: إمّا أنْ يُرادَ بِالعاقِبَةِ المَحْمُودَةِ عَلى وجْهِ الكَمالِ أوْ يُرادُ بِالمُتَّقِي المُتَّقِي ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ حالِ قارُونَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ غَيْرَ الكُفّارِ لا يَخْلُدُ في النّارِ فَلا وجْهَ لِلْقَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّخْصِيصِ وهو مَمْنُوعٌ، وقالَ بَعْضٌ في الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ العُمُومِ في عُلُوًّا وفَسادًا: إنَّ المُرادَ مِن جَعْلِ الجَنَّةِ لِلَّذِينِ لا يُرِيدُونَ شَيْئًا مِنهُما تَمْكِينُهم مِنها أتَمَّ تَمْكِينٍ نَحْوَ قَوْلِكَ: جَعَلَ السُّلْطانُ بَلَدَ كَذا لِفُلانٍ وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَدْخُلَها غَيْرُهم مِن مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ ويَكُونُ فِيها بِمَنزِلَةٍ دُونَ مَنزِلَتِهِمْ، ولَعَلَّهُ إنَّما دَخَلَها بِشَفاعَةِ بَعْضٍ مِنهُمْ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ جَعْلَها لَهم بِاعْتِبارِ أنَّهم أهْلُها الأوَّلُونَ ومُلُوكُها السّابِقُونَ وغَيْرُهم إنَّما يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ويَنْزِلُ بِهِمْ ويُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نَحْوَ ما مَرَّ آنِفًا عَنِ الخَفاجِيِّ.

بَقِيَ في الآيَةِ كَلامٌ آخَرُ، وهو أنْ بَعْضَهُمُ اسْتَدَلَّ بِها عَلى عَدَمِ وُجُودِ الجَنَّةِ اليَوْمَ بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى ﴿ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ ﴾ إلَخْ نَخْلُقُها في المُسْتَقْبَلِ لِأجْلِهِمْ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما ﴿ لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ ﴾ إلَخْ فَيَصِيرُ المَعْنى نَجْعَلُها كائِنَةً وحاصِلَةً لَهم في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ جَعْلَها كائِنَةً لَهم غَيْرُ حاصِلٍ الآنَ لا جَعْلُها نَفْسِها وهُوَ مَحَلُّ النِّزاعِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِن جَعْلِ الدّارِ كائِنَةً لِزَيْدٍ تَمْكِينُهُ وعَدَمُ مَنعِهِ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها سَواءٌ حَصَلَ لَهُ التَّمَكُّنُ فِيها أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَمَعْنى ﴿ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ ﴾ إلَخْ تَمَكُّنُهم في الِاسْتِقْبالِ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها، ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ لِأنَّ التَّمْكِينَ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها لازِمٌ لِوُجُودِها غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَفْسُ الجَنَّةِ الآنَ ويَكُونُ جَعَلَها كائِنَةً لَهم في الِاسْتِقْبالِ، وحَمَلَ الجَعْلَ عَلى التَّمَكُّنِ بِالفِعْلِ والتَّمْكِينِ مِنَ التَّمَكُّنِ وإنْ كانَ لازِمًا لِوُجُودِ الجَنَّةِ لَكِنَّ التَّمَكُّنَ فِيها بِالفِعْلِ غَيْرُ لازِمٍ بَلْ يَكُونُ فِيما سَيَجِيءُ عُدُولٌ عَنِ المُتَبادَرِ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِن قَوْلِكَ: جَعْلُكَ الدّارَ لِزَيْدٍ تَمْكِينُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها لا جُعِلَ زَيْدٌ مُتَمَكِّنًا فِيها بِالفِعْلِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ يعني: الجنة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ يعني: نعطيها للذين لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ يعني: تعظيماً وتكبراً وتجبراً فيها عن الإيمان وَلا فَساداً في الأرض يعني: لا يريدون المعاصي في الدنيا.

وروى وكيع، عن سفيان، عن مسلم البطين لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ.

يعني: التكبر بغير حق، وَلا فَساداً قال: أخذ المال بغير حق.

ويقال: العلو الخطرات في القلب، والفساد فعل الأعضاء وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يعني: الجنة للذين يتقون الشرك والمعاصي.

ويقال: عاقبة الأمر، وما يستقر عليه للمتقين الموحدين.

ويقال: والعاقبة المحمودة للمتقين.

قوله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بكلمة الإخلاص وهي قول لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وقد ذكرناه وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى يعني: لا يثاب الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: يصيبهم بأعمالهم.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يعني: أنزل عليك القرآن.

ويقال: أمرك بالعمل بما في القرآن لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «الموت» .

وقال السدي: إِلى مَعادٍ يعني: الجنة.

وهكذا روي عن مجاهد.

وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: «يعني: إلى مكة» .

وقال القتبي: معاد الرجل بلده، لأنه يتصرف في البلاد، وينصرف في الأرض ثم يعود إلى بلده.

والعرب تقول: ردّ فلان إلى معاده، يعني: إلى بلده، وكان النبيّ  حين خرج من مكة إلى المدينة اغتم لمفارقته مكة، لأنها مولده وموطنه ومنشأه وبها عشيرته، واستوحش، فأخبر الله تعالى في طريقه أنه سيرده إلى مكة، وبشره بالظهور والغلبة.

ثم قال تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى يعني: بالرسالة والقرآن، وذلك حين قالوا له: إنك في ضلال مبين فنزل قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى يعني: فأنا الذي جئت بالهدى، وهو أعلم بمن هو في ضلال مبين نحن أو أنتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَيْكَأَنَّ مذهبُ الخليلِ وسيبويه: أن «وي» حرف تنبيه منفصلة من (كأن) ، لكنْ أُضيفت لكثرة الاستعمال.

وقال أبو حاتم وجماعة: ويْكَ: هي (وَيْلَكَ) حذفتِ اللامُ منها لكثرةِ الاستعمال.

وقالت فرقة: «ويكأن» بجملتها كلمة.

وقوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ...

الآية: هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه- عليه السلام-، يرادُ به جميعُ العالمِ، ويتضمنُ الحضَّ على السعيِ، حسبَ ما دلت عليه الآيةُ، ويتضمنُ الانحناءَ على حالِ قارونَ ونظرائه، والمعنى: أَنَّ الآخرةَ ليست في شيء من أمر قارون وأشباهه وإنما هي لمن صفتُه كذا وكذا، والعلو المذموم: هو بالظلم والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «وذلك أَن تريد أن يكون شراكُ نعلك أفضلَ من شراكِ نعلِ أخيك» ، والفسادُ يعمُّ وجوه الشر.

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ قالت فرقة: معناه فرض عليك أحكام القرآنِ.

وقوله تعالى: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال الجمهور: معناه: لرادك إلى الآخرة، أي:

باعِثُكَ بعد الموت، وقال ابن عباس وغيره: المعاد: الجنة «١» ، وقال ابن عباس «٢» أيضا

ومجاهد «١» : المعادُ: مكة، وفي البخاري بسنده عن ابن عباس: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ: إلى مكة، انتهى.

وهذه الآية نزلت بالْجُحْفَةِ كما تقدَّم، والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه.

وقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ هو تعديد نعم، والظهيرُ: المعينُ.

وقوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ: بأقوالهم ولا تَلْتَفِتْ نحوهم وامضِ لِشَأْنِكَ، وادعُ إلى ربك، وآيات الموادَعَةِ كلُّها منسوخةٌ.

وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قالت فرقة: المعنى: كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا هو سبحانه قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي- رحمه الله- وقال الزَّجَّاجُ: إلا إياه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ ﴿ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ البَغْيُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الشَّرَفُ والعِزُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الظُّلْمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الشِّرْكُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

والخامِسُ: الِاسْتِكْبارُ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا فَسادًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: العَمَلُ بِالمَعاصِي، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: الدُّعاءُ إلى غَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيِ: العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في سُورَةِ (النَّمْلِ:٨٩) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴿ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ عَمَلِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ، وجَزاؤُهُ النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  ، يُرادُ بِهِ إخْبارُ جَمِيعِ العالَمِ وحَضُّهم عَلى السَعْيِ بِحَسْبِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ، وهَذا الحَضُّ يَتَضَمَّنُ الإنْحاءَ عَلى حالِ قارُونَ ونُظَرائِهِ، والمَعْنى أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ في شَيْءٍ مِن أمْرِ قارُونَ، إنَّما هي لِمَن صِفَتُهُ كَذا وكَذا، و"العُلُوُّ" المَذْمُومُ، وهو الظُلْمُ والتَجَبُّرُ، قالَ النَبِيُّ  : «وَذَلِكَ أنْ تُرِيدَ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِكَ أفْضَلَ مِن شِراكِ نَعْلِ أخِيكَ»، و"الفَسادُ" يَعُمُ الوُجُوهَ مِنَ الشَرِّ، ومِمّا قالَ العُلَماءُ: هو أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خَبَرٌ مُنْفَصِلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ مَعْناهُ: إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ ولا بُدَّ، فَفي وصْفِ أمْرِ جَزاءِ الآخِرَةِ أنَّهُ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلَهُ خَيْرٌ مِنَ القَدْرِ الَّذِي يَقْتَضِي النَظَرُ أنَّهُ مُوازٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ، هَذا عَلى أنْ نَجْعَلَ الحَسَنَةَ في التَفْضِيلِ، وفي القَوْلِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: مِن ثَوابِها المُوازِي لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: لَهُ خَيْرٌ بِحَسْبَ حَسَنَتِهِ ومِن أجْلِها، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ السَيِّئَةَ لا يُضاعَفُ جَزاؤُها فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ ﴾ ، مَعْناهُ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ وأثْبَتَهُ، والفَرْضُ أصِلُهُ عَمَلٌ فَرَضَهُ في عُودٍ أو نَحْوِهُ، فَكَأنَّ الأشْياءَ الَّتِي تُثْبَتُ وتُمَكَّنُ وتَبْقى تُشْبِهُ ذَلِكَ الفَرْضَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أعْطاكَ القُرْآنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ، والمَعْنى: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ: إلى الآخِرَةِ، أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَقْصِدُها إثْباتُ الحَشْرِ، والإعْلامُ بِوُقُوعِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: وغَيْرُهُما: المَعادُ: الجَنَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: المَعادُ: المَوْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ الآيَةَ -عَلى هَذا- واعِظَةٌ ومُذَكِّرَةٌ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ مَكَّةُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالجَحْفَةِ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ  في هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- مُعْلِمَةٌ بِغَيْبٍ قَدْ ظَهَرَ لِلْأُمَّةِ، ومُؤْنِسَةٌ بِفَتْحٍ، و"المَعادُ": المَوْضِعُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ، وقَدِ اشْتَهَرَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ مَعادٌ لِلْكُلِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ، آيَةُ مُتارَكَةٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، وسَمّاها مَعادًا إمّا مِن حَيْثُ قَدْ دَخَلَها النَبِيُّ  في الإسْراءِ والمِعْراجِ وغَيْرِهِ، وإمّا مِن حَيْثُ قَدْ كانَ فِيها آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَهي مَعادٌ لِذَرِّيَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قالَ هَذا مِن حَيْثُ تُعْطِي لَفْظَةَ "المَعادِ" أنَّ المُخاطَبَ قَدْ كانَ في حالٍ يَعُودُ إلَيْها، وهَذا وإنْ كانَ مِمّا يَظْهَرُ في اللَفْظَةِ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يُسَمّى مَعادًا ما لَمْ يَكُنِ المَرْءُ فِيهِ مُجَوَّزًا؛ ولِأنَّها أحْوالٌ تابِعَةٌ لِلْمَعادِ الَّذِي هو النُشُورُ مِنَ القُبُورِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو ﴾ الآيَةُ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مُضْمَنُهُ تَقْدِيرُ النِعْمَةِ عَلى مُحَمَّدٍ  ، وأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَحْتَسِبْها ولا بَلَغَها أمَلُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو ﴾ الآيَةُ كَلامٌ مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ أيْ: وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُلْقى إلَيْكَ ﴾ عِبارَةٌ عن إعْلانِ النُبُوَّةِ وتَبْلِيغِ القُرْآنِ، كَما تَقُولُ: ألْقى فَلانٌ إلى فُلانٍ بِالرِياسَةِ، ونَحْوُ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ نُصِبَ عَلى اسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ، أيِ: اشْتَدَّ يا مُحَمَّدُ في تَبْلِيغِكَ، ولا تَلِنْ، ولا تَفْشَلْ، فَتَكُونَ مَعُونَتُهُ لِلْكافِرِينَ بِهَذا الوَجْهِ، أيْ: بِالفُتُورِ عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتهب قصة قارون بما فيها من العبر من خير وشر، فأعقبت باستئناف كلام عن الجزاء على الخير وضده في الحياة الأبدية وأنها معدة للذين حالهم بضد حال قارون، مع مناسبة ذكر الجنة بعنوان الدار لذكر الخسف بدار قارون للمقابلة بين دار زائلة ودار خالدة.

وابتدئ الكلام بابتداء مشوق وهو اسم الإشارة إلى غير مذكور من قبل ليَسْتَشْرِف السامع إلى معرفة المشار إليه فيعقبه بيانه بالاسم المعرف باللام الواقع بياناً أو بدلاً من اسم الإشارة كما في قول عبيدة بن الأبرص: تلك عِرسي غَضْبَى تريد زِيالي *** ألِبَيْننٍ تريدُ أم لدَلاللِ الأبيات.

وجملة ﴿ نجعلها ﴾ هو خبر المبتدأ وكاف الخطاف الذي في اسم الإشارة غير مراد به مخاطب معيّن موجّه إلى كل سامع من قراء القرآن.

ويجوز أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود تبليغه إلى الأمة شأن جميع آي القرآن.

و ﴿ الدار ﴾ : محل السكنى، كقوله تعالى ﴿ لهم دار السلام عند ربهم ﴾ في الأنعام (127).

وأما إطلاق الدار على جهنم في قوله تعالى ﴿ وأحَلُّوا قومَهم دارَ البَوَار ﴾ [إبراهيم: 28] فهو تهكّم كقول أبي الغُول الطَهَوي: ولا يَرْعَوْن أكناف الهُوَيْنَا *** إذا نزلوا ولا روضَ الهُدون فاستعمال الروض للهدون تهكُّم لأن المقام مقام تعريض.

و ﴿ الآخرة ﴾ : مراد به الدائمة، أي التي لا دار بعدها، فاللفظ مستعمل في صريح معناه وكنايته.

ومعنى جعلها لهم أنها محضرة لأجلهم ليس لهم غيرها.

وأما من عداهم فلهم أحوال ذات مراتب أفصحت عنها آيات أخرى وأخبار نبوية فإن أحكام الدين لا يقتصر في استنباطها على لوك كلمة واحدة.

وعن الفضيل بن عياض أنه قرأ هذه الآية ثم قال: ذهبتْ الأماني ههنا، أي أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء وأن المؤمنين كلهم ناجون من العقاب، وهذا قول المرجئة قال قائلهم: كُن مسلماً ومن الذنوب فلا تخف *** حاشا المهيمن أن يُري تنكيدا لو شاء أن يُصليك نار جهنم *** ما كان ألْهَم قلبَك التوحيدا ومعنى ﴿ لا يريدون ﴾ كناية عن: لا يفعلون، لأن من لا يريد الفعل لا يفعله إلا مكرهاً.

وهذا من باب ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ﴾ كما تقدم في أول هذه السورة (5).

والعُلوّ: التكبر عن الحق وعلى الخلق، والطغيان في الأعمال، والفساد: ضد الصلاح، وهو كل فعل مذموم في الشريعة أو لدى أهل العقول الراجحة.

وقوله ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ تذييل وهو معطوف على جملة ﴿ تلك الدار ﴾ وبه صارت جملة ﴿ تلك الدار ﴾ كلها تذييلاً لما اشتملت عليه من إثبات الحكم للعام بالموصول من قوله ﴿ للذين لا يريدون علواً في الأرض ﴾ والمعرف بلام الاستغراق.

و ﴿ العاقبة ﴾ : وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة وغلب إطلاقها على عاقبة الخير.

وتقدم عند قوله تعالى ﴿ ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ في [الأنعام: 11] <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ﴾ أيِ الجَنَّةُ نَجْعَلُها.

﴿ عُلُوًّا ﴾ فِيها سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بَغْيًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: تَكَبُّرًا، قالَهُ مُسْلِمٌ.

الثّالِثُ: شَرَفًا وعِزًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ظُلْمًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: شِرْكًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

السّادِسُ: لا يَجْزَعُونَ مِن ذُلِّها ولا يَتَنافَسُونَ عَلى عِزِّها، قالَهُ أبُو مُعاوِيَةَ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا أنْ يَكُونَ سُلْطانًا فِيها عَلى النّاسِ.

﴿ وَلا فَسادًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأخْذُ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَهُ مُسْلِمٌ.

الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ بِالمَعاصِي، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَتْلُ الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ سُوءُ السِّيرَةِ.

﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: والثَّوابُ لِلْمُتَّقِينَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ والجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج المحاملي والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة رضي الله عنه «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾ قال: التجبر في الأرض، والأخذ بغير الحق» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسلم البطين رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾ قال: العلو التكبر في الأرض بغير الحق.

والفساد الأخذ بغير الحق.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يريدون علواً في الأرض ﴾ قال: بغيا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين لا يريدون علواً في الأرض ﴾ قال: تعظماً وتجبراً ﴿ ولا فساداً ﴾ قال: بالمعاصي.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلك الدار الآخرة...

﴾ قال: نجعل الدار الآخرة ﴿ للذين لا يريدون علواً في الأرض ﴾ قال: التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها ﴿ ولا فساداً ﴾ قال: لا يعملون بمعاصي الله، ولا يأخذون المال بغير حقه ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قال: الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يريدون علواً في الأرض ﴾ قال: الشرف والعز عند ذوي سلطانهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي معاوية الأسود في قوله: ﴿ لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾ قال: لم ينازعوا أهلها في عزها، ولا يجزعوا من ذلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه، فيدخل في هذه الآية ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبقال والبيع فيفتح عليه القرآن، ويقرأ ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾ ويقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع، في الولاة وأهل القدرة من سائر الناس.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، نحوه.

وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: «لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض فقال: أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً فأسلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد الجنة (١) ﴿ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال مقاتل: تعظمًا في الأرض عن الإيمان (٢) (٣) (٤) ﴿ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ﴾ بغيًا (٥) قال علي  : إن الرجل ليعجبه شرَاك نعله فيدخل في هذه الآية: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ﴾ (٦) (٧) وقال الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم (٨) قوله: ﴿ وَلَا فَسَادًا ﴾ قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله (٩) (١٠) (١١) وقال عكرمة والبطين: هو أخذ المال بغير الحق (١٢) قوله: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة المتقين الجنة (١٣) (١٤) وقال قتادة: أي الجنة للمتقين (١٥) (١) أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3022، عن عكرمة، و"تفسير ابن جرير" 20/ 122، ولم ينسبه.

و"تفسير مقاتل" 69 ب.

(٢) "تفسير مقاتل" 69 ب.

(٣) "تنوير المقباس" 331.

(٤) أخرج ابن جرير 20/ 122، عن عكرمة: العلو: التجبر.

(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 122.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 122، وابن أبي حاتم 9/ 3023، قال ابن حجر: إسناده ضعيف.

"الكافي الشاف" بحاشية الكشاف 3/ 421.

والشَّرَاك: سير النعل.

"تهذيب اللغة" 10/ 17 (شرك).

(٧) أخرجه ابن جرير 20/ 122، وابن أبي حاتم 9/ 3022.

وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عنه، وعن ابن جريج ومقاتل وعكرمة.

(٨) هكذا في النسخ الثلاث: عند ذي سلطانهم.

ورواية ابن أبي حاتم 9/ 3023: عند ذوي سلطانهم.

(٩) ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 ب، وفي "تنوير المقباس" 331: بالنقش والتصاوير والمعاصي.

(١٠) "تفسير مقاتل" 69 ب.

و"تأويل مشكل القرآن" 476.

(١١) ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 ب.

(١٢) أخرجه ابن جرير 20/ 122، عن ابن جريج، وعكرمة، ومسلم البطين.

(١٣) "تنوير المقباس" 331.

(١٤) "تنوير المقباس" 331.

(١٥) أخرجه ابن جرير 20/ 123، وابن أبي حاتم 9/ 3023.

وذكره الثعلبي 8/ 154 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عُلُوّاً فِي الأرض ﴾ أي تكبراً وطغياناً لا رفعة المنزلة، فإن إرادتها جائزة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.

الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.

الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.

﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين  حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.

والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟

والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.

قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.

قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.

وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.

وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.

وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.

ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.

وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.

وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.

وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟

فيكون ذلك زيادة في غمهم.

ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.

وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه  عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد  .

﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.

ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.

وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.

والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.

قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.

وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.

وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟

وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.

وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.

وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.

وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.

ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.

الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟

قال موسى: هكذا حكم الله.

قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.

واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله  عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟

فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.

والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.

فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.

وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.

أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.

وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.

فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.

وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.

وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.

و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم  ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.

قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله  : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.

وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.

وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله  ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.

و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.

وهذا القائل موسى  أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.

وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.

وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.

وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.

وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له  بحالي وباستئهالي لذلك.

وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله  بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.

قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟

ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله  أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.

ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.

وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.

وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.

وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.

وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.

قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.

عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.

وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.

أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.

فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.

فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.

فقال قارون: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا.

قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.

فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.

فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.

ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.

ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.

ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.

فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!

استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.

قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.

ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.

ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.

حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.

قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.

قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.

وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا  ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.

ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله  ﴿ إن فرعون علا في الأرض  ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".

وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.

ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.

وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.

فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.

وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.

وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.

وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.

ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.

ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.

ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.

استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم  ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين  ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين  ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.

وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.

ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.

التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي  يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.

وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.

وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله  جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.

﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.

عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.

وعن النبي  "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - يخوّف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل بهم؛ كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه، أي: لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به؛ لما ذكر أنه كان ابن عمه وكان ختنه: زوج أخته مريم؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله ولا اتصالكم - به من عذاب الله ومقته في الدنيا، إذا بغيتم عليه وتركتم اتباعه؛ كما لم تنفع القرابة التي بين قارون وموسى من عذاب الله ومقته في الدنيا إذا بغى عليه، وكما لم تنفع أبوة أبي إبراهيم لأبي إبراهيم إذا بغى عليه وترك اتباعه، حيث تبرأ إبراهيم منه وحيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية [مريم: 45]، وحيث لم تنفع لامرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول العذاب ومقته بهما إذا تركتا اتباعهما وبغتا عليهما؛ فعلى ذلك يأهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم برسول الله - صلوات الله عليه - ووصلتكم به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم: قال بعضهم: هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه وأبى أن يعطيه.

وقال بعضهم: بغيه عليهم هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رءوس الأخيار والملأ وأن يرجموه، فدفع الله عنه وبرأه منه.

وقال بعضهم: إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده، هذا يشبه أن يكون كأنه افتخر بكثرة ماله في دفع عذاب الله ونقمته؛ كقول أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً...

﴾ الآية [سبأ: 35].

وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى واتبعه ناس كثير، فاعتدى عليه ونحو هذا كثير مما قالوه.

والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه؛ حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ  إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 39]، فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته، وتسميته: ساحراً كذاباً، فذلك هو البغي عليه.

أو لا يفسر البغي عليه؛ لأنه ذكر البغي ولم يبين ما ذلك البغي، والله أعلم بذلك.

وقال قائلون: بغيه عليه: هو أن زاد في ثيابهم شبرا، فذلك أيضاً لا نعلمه فهو مثل الأول.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ ﴾ : قال بعضهم: مفاتحه: خزائنه.

وقال بعضهم: جمع مفتاح وهو في الأصل مفاتيح.

وذكر أن كنوزه كانت كذا كذا ألفاً، وأن مفاتيحه كان يحملها كذا كذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا، فذلك أيضاً لا نعلمه ولا نفسره ولا نذكره إلا قدر ما ذكر في الكتاب؛ إذ ذكر في الكتاب الكنوز والمفاتح، وذكر أن العصبة تنوء بها وذلك للكثرة ما ذكر، ولكن لا نعلم قدره وعدده ما هو؟

ولا كم هو؟

وكذلك العصبة أيضاً لا نعلمه كم عدده؟

إلا أن أهل التأويل يقول بعضهم: من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم: من عشرة إلى خمس وسبعين، وبعضهم: من عشرة إلى خمس عشرة ونحوه، لا نفسره ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة يتعصب بعضهم بعضاً يرجعون جميعاً إلى أمر واحد، وكذلك الشيعة هي جماعة يتشيع بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً؛ ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ أي: يتعصب بعضنا بعضاً لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل ولم نحفظه ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لتثقل بالعصبة تلك المفاتيح.

وقال القتبي: ﴿ لَتَنُوءُ ﴾ أي: تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ ، أي: لتعجز العصبة عن حملها.

وقال بعضهم: تنوء: تثقل، والعصبة: جماعة.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ﴾ : قال بعضهم: لا تبطر ولا تأشر؛ إن الله لا يحب البطرين الأشرين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ أي: لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال ولا تتكبر عليهم، و ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ : كان كثرة ما آتاه الله من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل لها، حتى حمله ذلك الجحود والإنكار، فقالوا: وابتغ الدار الآخرة بما آتاك الله.

﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: لا تنس من مالك نصيبك في الدنيا ولكن قدم لآخرتك.

قال الحسن في قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...

﴾ إلى آخره قال: أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ أي: قدم الفضل وأمسك ما يبلغك.

﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ : قال: يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا؛ فإن فيه غناء وكفاية.

وأصله: ما روي عن نبي الله  أنه قال: "لك من الدنيا ما أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت" جعل المقدم من الدنيا له، وأمّا ما خلفه فهو لغيره.

وهكذا أمر الدنيا لم تخلق الدنيا لتبقى لأهلها أو يبقى أهلها فيها، ولكن إنما خلقت لتفنى هي أو يفنى أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء، فنصيبه من الدنيا ما قدم وأنفق في طاعة الله وفي سبيله ليس ما خلفه في هذه الدنيا.

وقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَحْسِن ﴾ إلى نفسك في العمل للآخرة كما أحسن الله إليك، وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يدل أنه كان ينفق ماله إلا أنه كان ينفق في الصدّ عن سبيل الله؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولو كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض.

ثم الواجب على من حضر الملوك وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا الملوك، ويواعدوهم بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في أنفسهم وفي رعيتهم، كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك، فإن أجابوهم وإلا امتنعوا عنهم وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم، فإن لم يفعلوا فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: إن قارون كان أخبر الناس بالتوراة وأعلمهم بها وسمي: قارون لذلك، وذكر أنه سمي: المنور؛ لحسن صوته بالتوراة.

وقال بعضهم: سميّ: منوراً لذكائه، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : وهو الكمياء، ذكر أنه يعالج صنعة الذهب ويحسنها.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ أي: على خبر عندي، قال ذلك على أثر قول أولئك: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ إلى قوله  : ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه، فقال - والله أعلم -: إنما أوتيت ذلك على علم عندي، لم أوت جزافاً بلا سبب، وكأنه - والله أعلم - نسي الآخرة بما أوتي من المال والكنوز، وترك الإنفاق في الخير، وكان ينفق في صد الناس عن سبيل الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، إلا أنه كان عارفاً بالله حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ وقالوا له: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ دل هذا منهم أنه كان عارفاً بالله  .

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه.

أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك، فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب؛ فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لا يسألون عن ذنوبهم؛ كقوله: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ  ﴾ .

وقال بعضهم: لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية.

وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوباً، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنباً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إنه خرج على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب عليهن من الثياب كذا.

وقال بعضهم: إنه خرج على براذين كذا بيض ومع كذا كذا غلمان وجواري، ونحو ما ذكروا.

لكنّا لا ندري على أيّ زينة خرج؟

ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج أمثاله من الملوك، ولا نفسّر أنه كذا على كذا، وكذلك لا نفسّر العلم؛ ذكر أنه أوتي له من المال والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم: لأنه قد يؤتى العلم ربمّا، ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء ؛ حيث قالوا لأولئك: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ لم يكن من أولئك إلا التمني أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون، ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك التمني، فدل ذلك أن التمني لا يسع الاشتغال به والطلب؛ حيث قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كيف ذكره بالتأنيث، وإنما تقدم له ذكر الثواب، فألا قال: (وما يلقاه)؟

لكن اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي: لا يلقى تلك المقالة التي قالوها لأولئك إلا الصابرون.

وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال، أي: ولا يلقى تلك الأعمال ولا يوفق إليها إلا الصابرون.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ أي: لا يوفق، ويقال: لا يرزق.

﴿ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ يحتمل: المؤمنين أنفسهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ أي: آمنوا.

ويحتمل: الصابرون: الذين صبروا أنفسهم وحبسوها على أداء ما افترض الله عليهم، ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم وهواها، والله أعلم.

ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم.

أحدها: ما ذكر من صلابة [الذين] أوتوا العلم، ويقينهم، وطمأنينتهم فيما وعدوا في الآخرة من الثواب، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم، وحبسوا أنفسهم عن مُنَاهم وشهواتهم، ولصلابتهم وقوتهم في الدّين ما وعظوا قارون، حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ وهو كان يومئذ ملكاً، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

والثاني: ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذي آمنوا فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ وقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب.

والثالث: ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ  ﴾ وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ كأنه همّ أن يقتله؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ  ﴾ لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان به الله موسى، ونفع له بما قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل.

فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها.

ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ .

وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألاَّ يبدّل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشدّ ما يكون من العذاب؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشدّ العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم، فهكذا الاختيار على كل مسلم أن يختار ما اختار أولئك.

وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محذور، ويدلوهم على كل خير وكل ما هو طاعة لله، كما فعل قوم قارون بقارون، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا أتوا طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم.

وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهداً، حتى لم يتخذ لنفسه مسكناً يسكنه، ولا مقرّاً يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره.

وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركوناً، حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه.

وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته؛ لذلك قال: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظنّ أولئك: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ .

والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله؛ فلا يعذبون أبداً.

وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ ﴾ كانوا تمنّوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ...

وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ قال بعض أهل الأدب: (وَيْ) صلة، وإنما هو (كأنّ) و(كأنّه).

وقال مقاتل: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ أي: لكنه ويكأنّ.

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون.

وقال بعضهم: ألم تر أن الله يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا.

وقال الزجاج: "وي" مقطوعة من (كأنّ) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله؛ لأنهم ذكروا مِنَّة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدّين.

وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلوّ في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضاً، لكن الآية تخرج على وجهين: أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين الله واتباع الرسل، فقال - والله أعلم -: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ - أي: الجنة - ليست لهؤلاء، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل.

والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، فتلك الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة.

وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ : كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر، وهي الدار التي قال الله فيها: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: تلك الدار الآخرة للمتقين.

وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا وهي التوحيد.

والثاني: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها.

والثالث: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا.

والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا.

أو أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: السيئة: هي الشرك، ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ هو التخليد في النار أبداً، ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  ﴾ : فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تلك الدار الآخرة نجعلها دار نعيم وتكريم للذين لا يريدون تكبرًا في الأرض عن الإيمان بالحق واتباعه، ولا يريدون فسادًا فيها، والعاقبة المحمودة هي بما في الجنة من نعيم، وما يحلّ فيها من رضا الله للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5e1mW"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد