الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٨٢ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٢ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ) أي : الذين لما رأوه في زينته قالوا ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) ، فلما خسف به أصبحوا يقولون : ( ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ) أي : ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه [ وعن عباده ] ; فإن الله يعطي ويمنع ، ويضيق ويوسع ، ويخفض ويرفع ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة .
وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب ، ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب " .
( لولا أن من الله علينا لخسف بنا ) أي : لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا ، كما خسف به ، لأنا وددنا أن نكون مثله .
( ويكأنه لا يفلح الكافرون ) يعنون : أنه كان كافرا ، ولا يفلح الكافر عند الله ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .
وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ هاهنا ] : ( ويكأن ) ، فقال بعضهم : معناها : " ويلك اعلم أن " ، ولكن خففت فقيل : " ويك " ، ودل فتح " أن " على حذف " اعلم " .
وهذا القول ضعفه ابن جرير ، والظاهر أنه قوي ، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة " ويكأن " .
والكتابة أمر وضعي اصطلاحي ، والمرجع إلى اللفظ العربي ، والله أعلم .
وقيل : معناها : ويكأن ، أي : ألم تر أن .
قاله قتادة .
وقيل : معناها " وي كأن " ، ففصلها وجعل حرف " وي " للتعجب أو للتنبيه ، و " كأن " بمعنى " أظن وأحسب " .
قال ابن جرير : وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة : إنها بمعنى : ألم تر أن ، واستشهد بقول الشاعر : سالتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي ، وقد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) يقول تعالى ذكره: وأصبح الذين تمنَّوا مكانه بالأمس من الدنيا, وغناه وكثرة ماله, وما بسط له منها بالأمس, يعني قبل أن ينـزل به ما نـزل من سخط الله وعقابه, يقولون: ويكأنّ الله ...
اختلف في معنى ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ) فأما قَتادة, فإنه رُوي عنه في ذلك قولان: أحدهما ما: حدثنا به ابن بشار, قال: ثنا محمد بن خالد بن عثمة, قال: ثنا سعيد بن بشير, عن قَتادة, قال في قوله: ( وَيْكَأَنَّهُ ) قال: ألم تر أنه.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَيْكَأَنَّهُ ) أولا ترى أنه.
وحدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي, قال: ثنا محمد بن كثير, قال: ثني معمر, عن قَتادة ( وَيْكَأَنَّهُ ) قال: ألم تر أنه.
والقول الآخر: ما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة, في قوله: ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) قال: أو لم يعلم أن الله ( وَيْكَأَنَّهُ ) أو لا يعلم أنه.
وتأول هذا التأويل الذي ذكرناه عن قَتادة في ذلك أيضا بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة, واستشهد لصحة تأويله ذلك كذلك, بقول الشاعر: ســـألَتانِي الطَّــلاقَ أنْ رأتــانِي قَــلَّ مــالي, قَــدْ جِئْتُمـا بِنُكْـرِ وَيْكـأن مَـنْ يَكُـنْ لَـهُ نشـب يُـحْ بَـبْ وَمـن يَفْتَقِـرْ يعِش عَيْشَ ضَـرّ (4) وقال بعض نحويي الكوفة: " ويكأنّ" في كلام العرب: تقرير, كقول الرجل: أما ترى إلى صُنع الله وإحسانه، وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابننا؟
فقال: ويكأنه وراء البيت.
معناه: أما ترينه وراء البيت؟
قال: وقد يذهب بها بعض النحويين إلى أنها كلمتان, يريد: ويك أنه, كأنه أراد: ويلك, فحذف اللام, فتجعل " أن " مفتوحة بفعل مضمر, كأنه قال: ويلك اعلم أنه وراء البيت, فأضمر " اعلم ".
قال: ولم نجد العرب تعمل الظن مضمرا, ولا العلم وأشباهه في " أن " , وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين, أو في آخر الكلمة, فلما أضمر جرى مجرى المتأخر; ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن يقول: يا هذا أنك قائم, ويا هذا أن قمت, يريد: علمت, أو أعلم, أو ظننت, أو أظنّ، وأما حذف اللام من قولك: ويلك حتى تصير: ويك, فقد تقوله:العرب, لكثرتها في الكلام, قال عنترة: وَلَقَـدْ شَـفَى نَفْسِـي وَأَبْـرَأَ سُـقْمَها قَـوْلُ الفَـوَارِسِ وَيْـكَ عَنْـتَرَ أَقْـدِمِ (5) قال: وقال آخرون: إن معنى قوله: ( وَيْكَأَنَّ ): " وي" منفصلة من كأنّ, كقولك للرجل: وَيْ أما ترى ما بين يديك؟
فقال: " وي" ثم استأنف, كأن الله يبسط الرزق, وهي تعجب, وكأنّ في معنى الظنّ والعلم, فهذا وجه يستقيم.
قال: ولم تكتبها العرب منفصلة, ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة, وقد يجوز أن تكون كَثُر بها الكلام, فوصلت بما ليست منه .
وقال آخر منهم: إن " ويْ": تنبيه, وكأنّ حرفٌ آخر غيره, بمعنى: لعل الأمر كذا, وأظنّ الأمر كذا, لأن كأنّ بمنـزلة أظنّ وأحسب وأعلم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذكرنا عن قَتادة, من أن معناه: ألم تر, ألم تعلم, للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر, والرواية عن العرب; وأن " ويكأنّ" في خطّ المصحف حرف واحد.
ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قَتادة, فإنه يصير حرفين, وذلك أنه إن وجه إلى قول من تأوّله بمعنى: ويلك اعلم أن الله؛ وجب أن يفصل " ويك " من " أن " , وذلك خلاف خط جميع المصاحف, مع فساده في العربية, لما ذكرنا.
وإن وجه إلى قول من يقول: " وي" بمعنى التنبيه, ثم استأنف الكلام بكأن, وجب أن يفصل " وي" من " كأن " , وذلك أيضا خلاف خطوط المصاحف كلها (6) .
فإذا كان ذلك حرفا واحدا, فالصواب من التأويل: ما قاله قَتادة, وإذ كان ذلك هو الصواب, فتأويل الكلام: وأصبح الذين تمنوا مكان قارون وموضعه من الدنيا بالأمس, يقولون لما عاينوا ما أحلّ الله به من نقمته: ألم تريا هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده, فيوسع عليه, لا لفضل منـزلته عنده, ولا لكرامته عليه, كما كان بسط من ذلك لقارون, لا لفضله ولا لكرامته عليه ( وَيَقْدِرُ ) يقول: ويضيق على من يشاء من خلقه ذلك, ويقتر عليه, لا لهوانه, ولا لسخطه عمله.
وقوله: ( لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) يقول: لولا أن تفضل علينا, فصرف عنا ما كنا نتمناه بالأمس ( لَخَسَفَ بِنَا ).
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى شيبة: " لخُسِفَ بِنَا " بضم الخاء, وكسر السين وذُكر عن شيبة والحسن: ( لَخَسَفَ بِنَا ) بفتح الخاء والسين, بمعنى: لخسف الله بنا.
وقوله: ( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) يقول: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون, فَتُنجِح طلباتهم.
----------------------- الهوامش : (4) البيتان لزيد بن عمرو بن نفيل (خزانة الأدب الكبرى للبغدادي 3: 95-97) وقبلهما بيت ثالث وهو: تَلْـكَ عرْسَايَ تَنْطِقَـانِ عَـلَى عَـمْـ ـدٍ إلـى الْيَــوْمِ قَـوْل زُورٍ وَهِـتْر الشاعر ينكر حال زوجيه معه بعد أن كبر وافتقر.
وفي البيت الثاني: "أن رأتا مالي قليلا..." إلخ والعرس: الزوجة.
والهتر بفتح الهاء: مصدر هتر يهتره هترا من باب نصر:إذا مزق عرضه.
وبكسر الهاء: الكذب، والداهية، والأمر العجب.
والسقط من الكلام، والخطأ فيه.
وبالضم: ذهاب العقل من كبر، أو مرض، أو حزن.
والنكر: الأمر القبيح المنكر.
والنشب: المال الأصيل، من الناطق والصامت.
والشاهد في قوله: "ويكأنه" فقد اختلف فيها البصريون والكوفيون أهي كلمة واحدة أم كلمتان؟
فقال سيبويه: سألت الخليل عن قوله تعالى: (ويكأنه لا يفلح الكافرون) وعن قوله: (ويكأن الله) فزعم أنها: "وي" مفصولة من "كأن".
والمعنى على أن القوم انتبهوا، فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا، فقيل لهم: أما يشبه أن هذا عندكم هكذا؟
وقال الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة الورقة 243): "ويكأن..." في كلام العرب تقرير كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله؟
وأنشدني: "ويكأن من يكن..." البيت.
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك، ويلك؟
فقال: "ويكأنه وراء البيت، معناه أما ترينه وراء البيت...
إلى آخر ما نقله عنه المؤلف.
قلت: والذي قاله الخليل وسيبويه من حيث اللفظ أقرب إلى الصواب، لأن الكلمة مركبة من ثلاثة أشياء: وي، والكاف وأن.
والذي قال الفراء من جهة المعنى حسن واضح.
(5) البيت لعنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من معلقته (مختار الشعر الجاهلي بشعر مصطفى السقا ص 379) قال شارحه: يريد أن تعويل أصحابه عليه، والتجاءهم إليه شفى نفسه، ونفى غمه.
اه.
ووي: كلمة يقولها المتعجب من شيء، وهي بدائية ثنائية الوضع.
لأنها من أسماء الأصوات ثم صارت اسم فعل وقد تدخلها كاف الخطاب، وقد يزيدون عليها لامًا، فتصير ويل أو الحاء، فتصير ويح، وتستعمل الأولى في الإِنذار بالشر، والثانية في الإِشعار بالرحمة، فيقال ويلك، وويحك، وويسك وويبك: مثل ويلك.
وروايته البيت هنا كروايته في معاني القرآن للفراء (ص 243) فقد نقله في كلامه الذي نقله المؤلف، وذكر فيه هذا الشاهد، وفي مختار الشعر قيل: الفوارس: في موضع: قول الفوارس وهما بمعنى.
(6) قلت: العجب من المؤلف على إمامته وعلو كعبه في العلم كيف يجعل رسم المصاحف دليلا على المعنى، مع أن المصاحف مختلفة رسمها اختلافًا بينًا، وليس لاختلاف المعاني أي دخل في ذلك الرسم، وإنما وجد إلى أسباب أخرى.
قوله تعالى : وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس أي صاروا يتندمون على ذلك التمني و يقولون ويكأن الله ( وي ) حرف تندم .
قال النحاس : أحسن ما قيل في هذا قول الخليل وسيبويه ويونس والكسائي أن القوم تنبهوا أو نبهوا ; فقالوا ( وي ) والمتندم من العرب يقول في خلال تندمه : وي .
قال الجوهري : ( وي ) كلمة تعجب ، ويقال : ويك ووي لعبد الله .
وقد تدخل ( وي ) على ( كأن ) المخففة والمشددة ، تقول : ويكأن الله .
قال الخليل : هي مفصولة ; تقول : ( وي ) ثم تبتدئ فتقول : ( كأن ) .
قال الثعلبي : وقال الفراء هي كلمة تقرير ; كقولك : أما ترى إلى صنع الله وإحسانه ; وذكر أن أعرابية قالت لزوجها : أين ابنك ويك ؟
فقال : وي كأنه وراء البيت ; أي أما ترينه وقال ابن عباس والحسن : ( ويك ) كلمة ابتداء وتحقيق تقديره : إن الله يبسط الرزق وقيل : هو تنبيه بمنزلة ( ألا ) في قولك : ألا تفعل ، و ( أما ) في قولك : أما بعد .
قال الشاعر :سالتاني الطلاق إذ رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر وي كأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضروقال قطرب : إنما هو ( ويلك ) وأسقطت لامه وضمت الكاف التي هي للخطاب إلى ( وي ) قال عنترة :ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم[ ص: 293 ] وأنكره النحاس وغيره ، وقالوا : إن المعنى لا يصح عليه ; لأن القوم لم يخاطبوا أحدا فيقولوا له : ويك ، ولو كان كذلك لكان ( إنه ) بالكسر .
وأيضا فإن حذف اللام من ( ويلك ) لا يجوز .
وقال بعضهم : التقدير : ويلك اعلم أنه ; فأضمر ( اعلم ) ابن الأعرابي : ( ويكأن الله ) أي اعلم .
وقيل : معناه ألم تر أن الله .
وقال القتبي : معناه رحمة لك ، بلغة حمير وقال الكسائي : ( وي ) فيه معنى التعجب ويروى عنه أيضا الوقف على ( وي ) وقال : كلمة تفجع .
ومن قال : ( ويك ) فوقف على الكاف فمعناه : أعجب لأن الله يبسط الرزق وأعجب لأنه لا يفلح الكافرون .
وينبغي أن تكون الكاف حرف خطاب لا اسما ; لأن ( وي ) ليست مما يضاف وإنما كتبت متصلة ; لأنها لما كثر استعمالها جعلت مع ما بعدها كشيء واحد .
لولا أن من الله علينا بالإيمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي والبطر لخسف بنا وقرأ الأعمش : ( لولا من الله علينا ) .
وقرأ حفص : لخسف بنا مسمى الفاعل الباقون : على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد وفي حرف عبد الله ( لانخسف بنا ) كما تقول انطلق بنا .
وكذلك قرأ الأعمش وطلحة بن مصرف .
واختار قراءة الجماعة أبو حاتم لوجهين : أحدهما قوله : فخسفنا به وبداره الأرض والثاني قوله : لولا أن من الله علينا فهو بأن يضاف إلى الله تعالى لقرب اسمه منه أولى ويكأنه لا يفلح الكافرون عند الله .
{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ } أي: الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا: { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } { يَقُولُونَ } متوجعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم: { وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي: يضيق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذ أن بسطه لقارون، ليس دليلا على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا: { إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } و { لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومنته { لَخَسَفَ بِنَا } فصار هلاك قارون عقوبة له، وعبرة وموعظة لغيره، حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغير فكرهم الأول.{ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة.
( وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ) صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني ، والعرب تعبر عن الصيرورة بأضحى وأمسى وأصبح ، تقول : أصبح فلان عالما ، وأضحى معدما ، وأمسى حزينا ( يقولون ويكأن الله ) اختلفوا في معنى هذه اللفظة ، قال مجاهد : ألم تعلم ، وقال قتادة : ألم تر .
قال الفراء : هي كلمة تقرير كقول الرجل : أما ترى إلى صنع الله وإحسانه .
وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها : أين ابنك ؟
فقال : ويكأنه وراء البيت ، يعني : أما ترينه وراء البيت .
وعن الحسن : أنه كلمة ابتداء ، تقديره : أن الله يبسط الرزق .
وقيل : هو تنبيه بمنزلة ألا وقال قطرب : " ويك " بمعنى ويلك ، حذفت منه اللام ، كما قال عنترة : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم أي : ويلك ، و " أن " منصوب بإضمار اعلم أن الله ، وقال الخليل : " وي " مفصولة من " كأن " ومعناها التعجب ، كما تقول : وي لم فعلت ذلك!
وذلك أن القوم تندموا فقالوا : وي!
متندمين على ما سلف منهم وكأن معناه أظن ذلك وأقدره ، كما تقول كأن : الفرج قد أتاك أي أظن ذلك وأقدره ( يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ) أي : يوسع ويضيق ( لولا أن من الله علينا لخسف بنا ) قرأ حفص ، ويعقوب : بفتح الخاء والسين ، وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين ( ويكأنه لا يفلح الكافرون )
«وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس» أي من قريب «يقولون ويكأن الله يبسط» يوسع «الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر» يضيق على ما يشاء و "وي" اسم فعل بمعنى: أعجب، أي أنا والكاف بمعنى اللام «لولا أن من الله علينا لخسف بنا» بالبناء للفاعل والمفعول «ويكأنه لا يفلح الكافرون» لنعمة الله كقارون.
وصار الذين تمنوا حاله بالأمس يقولون متوجعين ومعتبرين وخائفين من وقوع العذاب بهم: إن الله يوسِّع الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيِّق على مَن يشاء منهم، لولا أن الله منَّ علينا فلم يعاقبنا على ما قلنا لَخسف بنا كما فعل بقارون، ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، لا في الدنيا ولا في الآخرة؟
ثم - بين - سبحانه - ما قاله الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثل قارون فقال - تعالى - : ( وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بالأمس يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لولا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ) .ولفظ " وى " اسم فعل بمعنى أعجب ، ويكون - أيضا - للتحسر والتندم ، وكان الرجل من العرب إذا أراد أن يظهر ندمه وحسرته على أمر فائت يقول : وى .وقد يدخل هذا اللفظ على حرف " كأن " المشددة - كما فى الآية - وعلى المخففة .قال الجمل ما ملخصه قوله : ( وَيْكَأَنَّ الله ) فى هذا اللفظ مذاهب : أحدها : أن ( وى ) كلمة برأسها ، وهى اسم فعل معناها أعجب ، أى : أنا ، ( والكاف ) للتعليل ، ( وأن ) وما فى حيزها مجرورة بها ، أى : أعجب لأن الله - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ..
.
وقياس هذا القول أن يوقف على " وى " وحدها ، وقد فعل ذلك الكسائى .الثانى : أن كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب معناه وصارت للخبر واليقين ، وهذا - أيضا - يناسبه الوقف على ( وى ) .الثالث : أن " ويك " كلمة برأسها ، والكاف حرف خطاب ، و " أن " معمولة لمحذوف .
أى : أعمل أن الله يبسط .
.
.
وهذا ياسب الوقف على ( ويك ) وقد فعله أبو عمرو .الرابع : أن أصل الكلمة ويلك ، فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف - أيضا - كما فعل أبو عمرو .الخامس : أن ( وَيْكَأَنَّ ) كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها : ألم تر .
.
.
ولم يرسم فى القرآن إلا ( وَيْكَأَنَّ ) و ( وَيْكَأَنَّهُ ) متصلة فى الموضعين .
.
ووصل هذه الكلمة عند القراءة لا خلاف بينهم فيه .والمعنى : وبعد أن خسف الله - تعالى - الأرض بقارون ومعه داره ، أصبح الذين تمنوا أن يكونوا مثله ( بالأمس ) أى : منذ زمان قريب ، عندما خرج عليهم فى زينته ، أصبحوا يقولون بعد أن رأوا هلاكه : ( وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ) أى : صاروا يقولون ما أعجب قدرة الله - تعالى - فى إعطائه الزرق لمن يشاء من عباده وفى منعه عمن يشاء منهم ، وما أحكمها فى تصريف الأمور ، وما أشد غفلتنا عندما تمنينا أن نكون مثل قارون ، وما أكثر ندمنا على ذلك .لولا أن الله - تعالى - قد منّ علينا ، بفضله وكرمه لخسف بنا الأرض كما خسفها بقارون وبداره .( وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ) أى : ما أعظم حكمة الله - تعالى - فى إهلاكه للقوم الكافرين ، وفى إمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر .
اعلم أن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى عليه السلام وداعياً إلى الرضا بقضاء الله تعالى وقسمته وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبياء الله ورسله.
أما قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ الله ﴾ فاعلم أن وي كلمة مفصولة عن كأن وهي كلمة مستعملة عند التنبه للخطأ وإظهار التندم، فلما قالوا: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون ﴾ ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطئهم فقالوا: وي ثم قالوا: كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف فقال إن وي مفصولة من كان وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم وي.
وذكر الفراء وجهين: أحدهما: أن المعنى ويلك فحذف اللام وإنما جاز هذا الحذف لكثرتها في الكلام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم أن الله، وهذا قول قطرب حكاه عن يونس الثاني: وي منفصلة من كأن وهو للتعجب يقول الرجل لغيره وي أما ترى ما بين يديك فقال الله وي ثم استأنف كان الله يبسط فالله تعالى إنما ذكرها تعجيباً لخلقه، قال الواحدي: وهذا وجه مستقيم غير أن العرب لم تكتبها منفصلة ولو كان على ما قالوه لكتبوها منفصلة، وأجاب الأولون بأن خط المصحف لا يقاس عليه، ثم قالوا: ﴿ لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ وهذا تأكيد لما قبله.
أما قوله: ﴿ تِلْكَ الدار الأخرة ﴾ فتعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، وعن علي عليه السلام: «إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه» فيدخل تحتها، قال صاحب الكشاف: ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون لقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ والفساد لقارون لقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض ﴾ ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كما تدبره علي بن أبي طالب عليه السلام.
<div class="verse-tafsir"
قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة ﴿ مَكَانَهُ ﴾ منزلته من الدنيا (وي) مفصولة عن كأن، وهي كلمة تنبُّهٍ على الخطأ وتندُّم.
ومعناه: أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون ﴾ وتندموا ثم قالوا: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون ﴾ أي: ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح، وهو مذهب الخليل وسيبويه.
قال: وَيْ كَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ** بب وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وحكى الفراء أنّ أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟
فقال: وي كأنه وراء البيت.
وعند الكوفيين أنّ ﴿ ويك ﴾ بمعنى: ويلك، وأنّ المعنى ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.
ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي، كقوله: ...
وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ وأنه بمعنى لأنه، واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كان ذلك، وهو الخسف بقارون، ومن الناس من يقف على (وي) ويبتدئ (كَأَنَّهُ) ومنهم من يقف على ﴿ ويك ﴾ .
وقرأ الأعمش ﴿ لولا منّ الله علينا ﴾ .
وقرئ: ﴿ لَخَسَفَ بِنَا ﴾ وفيه ضمير الله.
ولا نخسف بنا، كقولك: انقطع به.
ولتخسف بنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ﴾ مَنزِلَتَهُ.
﴿ بِالأمْسِ ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ.
﴿ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ ﴾ يَبْسُطُ ويَقْدِرُ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ لا لِكَرامَةٍ تَقْتَضِي البَسْطَ ولا لِهَوانٍ يُوجِبُ القَبْضَ، و ( ويْكَأنَّ ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُرَكَّبٌ مِن «وَيْ» لِلتَّعَجُّبِ و «كَأنَّ» لِلتَّشْبِيهِ والمَعْنى: ما أشْبَهَ الأمْرَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ.
وقِيلَ مِن «وَيْكَ» بِمَعْنى ويْلَكَ و «أنَّ» تَقْدِيرُهُ ويَكَ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ.
﴿ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ فَلَمْ يُعْطَنا ما تَمَنَّيْنا.
﴿ لَخَسَفَ بِنا ﴾ لِتَوْلِيدِهِ فِينا ما ولَّدَهُ فِيهِ فَخَسَفَ بِنا لِأجْلِهِ.
وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ.
﴿ وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ وبِما وعَدُوا لَهم ثَوابَ الآخِرَةِ.
﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها وبَلَغَكَ وصْفَها، و ( الدّارُ ) صِفَةٌ والخَبَرُ: ﴿ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ﴾ غَلَبَةً وقَهْرًا.
﴿ وَلا فَسادًا ﴾ ظُلْمًا عَلى النّاسِ كَما أرادَ فِرْعَوْنُ وقارُونُ.
﴿ والعاقِبَةُ ﴾ المَحْمُودَةُ.
﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَصْبَحَ} وصار {الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ} منزلته من الدنيا {بالأمس} ظرف لتمنوا ولم يرد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت القريب استعارة {يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} وي منفصلة عن كأن عند البصريين قال سيبويه وي كلمة تنبه على الخطأ وتندم يستعملها النادم بإظهار ندامته يعني ان القوم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون وتندموا {لَوْلاَ أَن مَنَّ الله عَلَيْنَا} بصرف ما كنا نتمناه بالأمس {لخسف بنا} وبفتحتين حفص ويعقوب وسهل وفيه ضمير الله تعالى {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون} أي تندموا ثم قالوا كأنه لا يفلح الكافرون
﴿ وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ﴾ أيْ مِثْلَ مَكانِهِ ومَنزِلَتِهِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ، وجَوَّزَ كَوْنَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ (ومِثْلَ) هُناكَ مُقْحَمَةٌ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ بِالأمْسِ ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ وهو مَجازٌ شائِعٌ، وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنَّوْا أوْ بِمَكانِهِ، قِيلَ: والعَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في ﴿ فَخَسَفْنا ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وفِي البَحْرِ دَلَّ أصْبَحَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ عَلى أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا وهو أفْظَعُ العَذابِ إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي بِمَعْنى صارَ أيْ صارَ المُتَمَنُّونَ.
﴿ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ ﴾ أيْ يَفْعَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ أيِ التَّضْيِيقِ والقَتْرِ لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ ولا لِهَوانٍ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ، ووَيْ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ اسْمُ فِعْلٍ ومَعْناها أعْجَبُ وتَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ أيْضًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم «ويْ» وكُلُّ مَن نَدِمَ وأرادَ إظْهارَ نَدَمِهِ قالَ «ويْ» ولَعَلَّ الأظْهَرَ إرادَةُ التَّعَجُّبِ بِأنْ يَكُونُوا تَعَجَّبُوا أوَّلًا مِمّا وقَعَ وقالُوا ثانِيًا كَأنَّ إلَخْ وكَأنَّ فِيهِ عارِيَةٌ عَنْ مَعْنى التَّشْبِيهِ جِيءَ بِها لِلتَّحْقِيقِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هِشامٌ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّنِي حِينَ أُمْسِي لا تُكَلِّمُنِي ∗∗∗ مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي ما لَيْسَ مَوْجُودًا وقِيلَ: هي غَيْرُ عارِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ، والمُرادُ تَشْبِيهُ الحالِ المُطْلَقُ بِما في حَيِّزِها إشارَةً إلى أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وهو كَما تَرى وزَعَمَ الهَمْدانِيُّ أنَّ الخَلِيلَ ذَهَبَ إلى أنَّ «ويْ» لِلتَّنَدُّمِ وكَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ والمَعْنى نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْسُطُ إلَخْ، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ كَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ، وأيًّا ما كانَ فالوَقْفُ كَما في البَحْرِ عَلى (ويْ والقِياسُ كِتابَتُها مَفْصُولَةً وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِالكافِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وقَدْ كُتِبَتْ عَلى القِياسِ في قَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضَرِّ وقالَ الأخْفَشُ: الكافُ مُتَّصِلَةٌ بِها وهي اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أعْجَبُ والكافُ حَرْفُ خِطابٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما قالُوا في ذَلِكَ ونَحْوِهِ، والوَقْفُ عَلى ويْكَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ و(أنْ عِنْدَهُ مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ أيْ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ إلَخْ، وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ فَبَقِيَ ويْكَ، وهي لِلرَّدْعِ والزَّجْرِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يَرْضى، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي كَلِمَةُ تَحَزُّنٍ وأنْشَدَ في التَّحْقِيقِ قَوْلَهُ: ألا ويْكَ المَضَرَّةُ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يَبْقى عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ والكافُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ، والعامِلُ في أنَّ فِعْلُ العِلْمِ المُقَدَّرِ كَما سَمِعْتَ أوْ هو بِتَقْدِيرٍ لِأنَّ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي قِيلَ لِأجْلِهِ ويْكَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَعْنى ويْكَ رَحْمَةٌ لَكَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: ألا تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويْكَأنَّ حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ وهو بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
﴿ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ بِعَدَمِ إعْطائِهِ تَعالى ما تَمَنَّيْناهُ مِن إعْطائِنا مِثْلَ ما أعْطاهُ قارُونَ ﴿ لَخَسَفَ بِنا ﴾ أيِ الأرْضَ كَما خُسِفَ بِهِ أوْ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالتَّجاوُزِ عَنْ تَقْصِيرِنا في تَمَنِّينا ذَلِكَ لَخَسَفَ بِنا جَزاءَ ذَلِكَ كَما خَسَفَ بِهِ جَزاءَ ما كانَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ «لَوْلا (مَنَّ)» بِحَذْفِ (أنْ) وهي مُرادَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ مَنُّ اللَّهِ بِرَفْعِ مَنُّ والإضافَةِ.
وقَرَأ الأكْثَرُ «لَخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وبِنا) هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لَخَسَفَ هو أيِ الخَسْفَ بِنا عَلى مَعْنى لَفَعَلَ الخَسْفَ بِنا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «لانْخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا (وبِنا) أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ، وعَنْهُ أيْضًا «(لَتُخُسِّفَ)» بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ (مَبْنِيًّا) لِلْمَفْعُولِ ﴿ ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبِما وُعِدُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، والكَلامُ فِي- ويْكَأنَّ- هُنا كَما تَقَدَّمَ بَيْدَ أنَّهُ جَوَّزَ هُنا أنْ يَكُونَ لِأنَّ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ أيْ لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ فِعْلَ ذَلِكَ أيِ الخَسْفَ بِقارُونَ، واعْتِبارُ نَظِيرِهِ فِيما سَبَقَ دُونَ اعْتِبارِ هَذا هُنا، وضَمِيرُ ويْكَأنَّهُ لِلشَّأْنِ.
هَذا وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ قِصَّةَ قارُونَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ، وقِيلَ: لَمّا تَقَدَّمَ خِزْيُ الكُفّارِ وافْتِضاحُهم يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ تَعالى عَقِيبَهُ أنَّ قارُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ وأنَّهُ يَفْتَضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما افْتَضَحَ في الدُّنْيا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ العِلْمِ ﴿ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ يعني: خرج قارون على بني إسرائيل فِي زِينَتِهِ.
قال مقاتل: وهو على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب، عليه أرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس، وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية بيض، عليهن من الحلل والثياب الحمر على البغال الشهب.
وقال قتادة: خرج معه أربعة آلاف دابة عليها ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف أرجوان.
وقال في رواية الكلبي: خرج على ثلاثمائة دابة بيضاء عليها أنواع من الكساء، وعليها ثلاثمائة قطيفة حمراء، عليها جواري وغلمان قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وكانوا من أهل التوحيد يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ يعني: مثل ما أعطي من الأموال قارون إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يقول: ذو نصيب وافر في الدنيا.
قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أكرموا بالعلم بما وعد الله تعالى في الآخرة للذين تمنوا ذلك وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ يعني: ويحكم ثواب الآخرة خَيْرٌ يعني: أفضل لِمَنْ آمَنَ يعني: صدق بتوحيد الله تعالى وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى مما أعطى قارون في الدنيا وَلا يُلَقَّاها يعني: ولا يوفّق ولا يرزق في الجنة إِلَّا الصَّابِرُونَ في الدنيا على أمر الله تعالى.
ويقال: وَلا يُلَقَّاها، يعني: لا يعطى الأعمال الصالحة إلاَّ الصابرون على الطاعات وعن زينة الدنيا ويقال: وَلا يُلَقَّاها يعني: ولا يلقّن ولا يوفّق لهذه الكلمة إلاَّ الصابرون عن زينة الدنيا.
يقول الله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ يعني: قارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ يعني: بقارون وبداره وأمواله، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: لم يكن له جند وأعوان يمنعونه من عذاب الله عز وجل وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ يعني: وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من عذاب الله.
قوله عز وجل: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ حين رأوه في زينته، وقالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ قال القتبي: قد اختلف في هذه اللفظة.
فقال الكسائي: معناها ألم تر اللَّهَ يَبْسُطُ، وَيْكَأَنَّهُ يعني: ألم تر إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون.
روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، يعني: أو لا يعلم أن الله يَبْسُطُ وهذا شاهد لقول الكسائي.
وذكر الخليل بن أحمد: أنها مفصولة وي ثم يبتدئ فيقول: كأن الله.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «كان الله يَبْسُطُ» الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ كأنه لا يفلح الكافرون.
وقال: وي صلة في الكلام، وهذا شاهد لقول الخليل.
وقال الزجاج: الذي قاله الخليل أجود، وهو أن قوله: وي مفصولة من كان، لأن من ندم على شيء يقول: وي كما تعاتب الرجل على ما سلف تقول: وي، كأنك قصدت مكروهي.
وقال مقاتل: معناه، ولكن اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: يوسعه على من يشاء من عباده وَيَقْدِرُ يعني: يقتر ويقال: ويضيق على من يشاء لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: لولا أن من الله علينا، لكنا مثل قارون في العذاب لَخَسَفَ بِنا معهم.
ويقال: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يعني: عصمنا مثل ما كان عليه من البطر والبغي، لَخَسَفَ بِنا كما خسف به.
قال قرأ عاصم في رواية حفص بنصب الخاء، وكسر السين يعني: لَخَسَفَ الله بِنَا وقرأ الباقون بضمّ الخاء وكسر السين على فعل ما لم يسم فاعله وَيْكَأَنَّهُ يعني: ولكنه لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ الجاحدون للنعم.
<div class="verse-tafsir"
أحد إنما يُكَلَّمُ ويُعَاتَبُ بِحَسْبِ ما يَخْصُّه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنَفٌ عَنْ حالِ يومِ القيامةِ، وجَاءتْ آيات أُخَرُ تَقْتَضِي السؤالَ، فقالَ الناسُ في هذا: إنها مواطنُ وطوائفُ.
وقِيل غيرُ هذا، ويوم القيامة هو مواطنُ.
ثم أخبرَ تعالى عن خُروج قارونَ على قومهِ في زينتِه من الملابِسِ والمَراكِبِ وزينةِ الدنيا وأَكثَرَ النَّاسُ في تحديدِ زينةِ قارونَ وتَعْيِينِها بِمَا لاَ صِحَّةَ لَه فَتَرَكْتُه، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ فِي اغترارِ الجَهَلَةِ والإغْمَارِ مِن النّاس.
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)
وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ...
الآية: أخبر تعَالَى عَنْ الذين أوتوا العلم والمعرفةَ باللهِ وبِحَقِّ طاعتِه أَنَّهُمْ زَجَرُوا الأَغْمَارَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا حَالَ قَارُوْنَ وَحَمَلُوهُمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى مِنْ أَنَّ النَّظَرَ والتَّمَنِّي إنَّما يَنْبَغِى أنْ يَكونَ في أمورِ الآخرةِ، وأنَّ حالةَ المؤمنِ العاملِ الذي ينتظرُ ثوابَ اللهِ تعالى خيرٌ مِن حالِ كلِّ ذِي دُنيا.
ثم أخبر تعالى عن هذه النَّزْعَةِ وهذه القوَّةِ في الخير والدينِ أَنَّها «١» لاَ يُلَقَّاها أي: لا يُمَكَّنُ فيها ويُخَوَّلُها إلا الصَّابِرُ عَلى طَاعَةِ الله وعن شهواتِ نفسه وهذا هو جماع الخير كله.
وقال الطبري «٢» : الضمير عائد على الكلمة وهي قوله: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، أي: لا يُلَقَّنُ هذه الكلمة إلا الصابرون وعنهم تصدر، ورُوِيَ في الخسف بقارونَ ودارِه أن موسى عليه السلام لما أمَضَّه فعلُ قارونَ به وتعدّيه عليه استجارَ بالله تعالى وطلب النصرة فأوحى الله إليه، أَني قد أمرتُ الأرض أَنْ تطيعكَ في قارونَ وأتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، فاستغاثوا: يا موسى يا ٦٠ ب موسى فقال: خذيهم، فأخذتهم شيئاً فشيئاً إلى أن تم الخسفُ بهم/، فأوحى الله إليه:
يا موسى لَوْ بِيَ استغاثوا وإليَّ تابوا لرحمتِهُم.
قال قتادةُ وغيره: رُوِيَ أَنه يخسفُ به كل يوم قامةً فهو يتجلجل إلى يوم «٣» القيامة.
ت: وفي الترمذي عن معاذ بن أنس الجهنيّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ تَرَكَ اللَّبَاسَ تَوَاضُعاً لِلَّهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ على رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ حتى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» «١» .
وروى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: كان لنا قِرَامُ سِتْرٍ فيه تماثيلُ على بابي فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «انْزَعِيهِ فَإنَّهُ يُذَكِّرُنِي الدُّنْيَا» «٢» ، الحديثَ وروى الترمذيّ عن كعب بن عياض قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلّم يقول: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي: المَالُ» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وفيه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سوى هذه الْخِصَالِ: بَيْتٍ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وجلف الْخَبَزِ والمَاءِ» «٤» .
قال النضر بن شميلٍ: «جِلْفُ الخبز» يعني: ليس معه إدام.
انتهى.
فهذه الأحاديث وأشباهها تزهِّد في زينةِ الدنيا وغضارة «٥» عيشها الفاني.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ ﴾ لِما أُمِرَ قارُونُ البَغْيَ بِقَذْفِ مُوسى عَلى ما سَبَقَ شَرْحُهُ [القَصَصِ: ٧٦] غَضِبَ مُوسى فَدَعا عَلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنِّي قَدْ أمَرْتُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَكَ فَمُرْها؛ فَقالَ مُوسى: يا أرْضُ خُذِيهِ، فَأخَذَتْهُ حَتّى غَيَّبَتْ سَرِيرَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ناشَدَهُ بِالرَّحِمِ، فَقالَ: خُذِيهِ، فَأخَذَتْهُ حَتّى غَيَّبَتْ قَدَمَيْهِ؛ فَما زالَ يَقُولُ: خُذِيهِ، حَتّى غَيَّبَتْهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُوسى ما أفْظَّكَ، وعِزَّتِي وجَلالِي لَوِ اسْتَغاثَ بِي لَأغَثْتُهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَخُسِفَتْ بِهِ الأرْضُ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وقالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ.
إنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قامَةٌ، فَتُبْلَغُ بِهِ الأرْضُ السُّفْلى يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا هَلَكَ قارُونُ قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما أهْلَكَهُ مُوسى لِيَأْخُذَ مالَهُ ودارَهُ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِدارِهِ ومالِهِ بَعْدَهُ بِثَلاثَةِ أيّامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَهُ مِنَ اللَّهِ ﴿ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ.
ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ المُتَمَنِّينَ مَكانَهُ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ التَّمَنِّي بِالآَيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ لَخَسَفَ بِنا ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى ضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والوَلِيدُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: " ويَكُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ألَمْ تَرَ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: " ويَكَ أنَّ " في كَلامِ العَرَبِ تَقْرِيرٌ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ الله وإحْسانِهِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: ويَكُ أنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في قَوْلِهِ ﴿ وَيْكَأنَّهُ ﴾ ثَلاثَة أوْجُهٍ.
إنْ شِئْتَ قُلْتَ: " ويَكَ " حَرْفٌ، و " أنَّهُ " حَرْفٌ؛ والمَعْنى: ألَمْ تَرَ أنَّهُ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: سَألَتانِي الطَّلاقَ أنْ رَأتانِي ∗∗∗ قَلَّ مالِي قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرٍ ∗∗∗ ويَكَ أنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبُّ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ والثّانِي: أنْ يَكُونَ " ويَكَ " حَرْفًا، و " أنَّهُ " حَرْفًا.
والمَعْنى: ويْلُكَ أعْلَمُ أنَّهُ، فَحُذِفَتِ اللّامُ، كَما قالُوا: قُمْ لا أبا لَكَ، يُرِيدُونَ: لا أبا لَكَ، وأنْشَدُوا: أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي ∗∗∗ مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوِّفِينِي أرادَ لا أبا لَكِ فَحَذَفَ اللّامَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ " ويْ " حَرْفًا، و " كَأنَّهُ " حَرْفًا، فَيَكُونُ مَعْنى " وي " التَّعَجُّبُ، كَما تَقُولُ: وي لِمَ فَعَلْتَ كَذا كَذا، ويَكُونُ مَعْنى " كَأنَّهُ ": أظُنُّهُ وأعْلَمُهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: كَأنَّكَ بِالفَرَجِ قَدْ أقْبَلُ؛ فَمَعْناهُ: أظُنُّ الفَرَجَ مُقْبِلًا.
وإنَّما وصَلُوا الياءَ بِالكافِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَيْكَأنَّهُ ﴾ لِأنَّ الكَلامَ بِهِما كَثُرَ، كَما جَعَلُوا " يا ابْنَ أُمَّ " في المُصْحَفِ حَرْفًا واحِدًا، وهُما حَرْفانِ [طَهَ: ٩٤] .
وكانَ جَماعَةٌ مِنهم يَعْقُوبُ، يَقِفُونَ عَلى " ويَكَ " في الحَرْفَيْنِ، ويَبْتَدِؤُونَ " أنْ " و " أنَّهُ " في المَوْضِعَيْنِ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: " ويْ " مَفْصُولَةً مِن " كَأنَّ "، وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ تَنَدَّمُوا فَقالُوا: " ويْ " مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم، وكُلُّ مَن نَدِمَ فَأظْهَرَ نَدامَتَهُ قالَ: ويْ.
وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى " ويْكَأنَّ ": رَحْمَةٌ لَكَ، بِلُغَةِ حَمِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيْ: بِالرَّحْمَةِ والمُعافاةِ والإيمانِ ﴿ لَخَسَفَ بِنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلا الصابِرُونَ ﴾ ﴿ فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مِن المُنْتَصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مِن اللهَ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والمَعْرِفَةَ بِاللهِ تَعالى وبِحَقِّ طاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ أنَّهم زَجَرُوا الأغْمارَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا حالَ قارُونَ، وحَمَلُوهم عَلى الطَرِيقَةِ المُثْلى مِن أنَّ النَظَرَ والتَمَنِّيَ إنَّما يَكُونُ في أُمُورِ الآخِرَةِ، وأنَّ حالَةَ المُؤْمِنِ العامِلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ ثَوابَ اللهِ خَيْرٌ مِن حالِ كُلِّ ذِي دُنْيا.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن هَذِهِ النَزْعَةِ وهَذِهِ القُوَّةِ في الخَيْرِ في الدِينِ أنَّهُ لا يُلَقّاها، أيْ: لا يُمَكَّنُ مِنها ويُخَوَّلُها إلّا الصابِرُ عَلى طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعن شَهَواتِ نَفْسِهِ، وهَذا هو جِماعُ الخَيْرِ كُلِّهِ.
والضَمِيرُ في "يُلَقّاها" عائِدٌ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ مِن حَيْثُ الكَلامُ دالٌّ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى: ﴿ تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ .
وقالَ الطَبَرِيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الكَلِمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ ، أيْ: لا يُلَقّى هَذِهِ الكَلِمَةَ إلّا الصابِرُونَ، وعنهم تَصْدُرُ.
ورُوِيَ في الخَسْفِ بِقارُونَ ودارِهِ «أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أمَضَّهُ فِعْلَ قارُونَ بِهِ، وتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ، ورَمْيَهُ بِأمْرِ المَرْأةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ، اسْتَجارَ اللهَ تَعالى وبَكى وطَلَبَ النُصْرَةَ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: لا تَهْتَمَّ فَإنِّي أمَرْتُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَكَ في قارُونَ وأهْلِهِ وخاصَّتِهِ وأتْباعِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْأرْضِ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْ مِنهم إلى الرُكَبِ، فاسْتَغاثُوا بِمُوسى، يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم شَيْئًا فَشَيْئًا، وهم يَسْتَغِيثُونَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ، وهو يُلَجُّ إلى أنْ تَمَّ الخَسْفُ بِهِمْ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُوسى، اسْتَغاثُوا بِكَ فَلَمْ تَرْحَمْهُمْ، لَوْ بِي اسْتَغاثُوا وإلَيَّ تابُوا لِرَحْمَتُهم وكَشَفْتُ ما بِهِمْ».
وقالَ قَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: «رُوِيَ لَنا أنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قامَةً فَهو يَتَجَلْجَلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ».
و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الناصِرَةُ الَّتِي يَفِيءُ إلَيْها الإنْسانُ الطالِبُ لِلنُّصْرَةِ.
وقِصَّةُ قارُونَ هي بَعْدَ جَوازِهِمُ اليَمَّ؛ لِأنَّ الرُواةَ ذَكَرُوا أنَّهُ كانَ مِمَّنْ حَفِظَ التَوْراةَ، وكانَ يَقْرَؤُها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ، ونَدَمِهِمْ واسْتِشْعارِهِمْ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ لِلَّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيْكَأنَّ ﴾ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّ "وَيْ" حَرْفُ تَنْبِيهٍ، وهي مُنْفَصِلَةٌ عن "كَأنَّ"، لَكِنْ أُضِيفَتْ في الكِتابِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، [والمَعْنى أنَّ القَوْمَ انْتَبَهُوا فَتَكَلَّمُوا عَلى قَدْرِ عِلْمِهِمْ، أو نُبِّهُوا فَقِيلَ لَهُمْ: أما يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا عِنْدَكم هَكَذا]، فَقالُوا عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والتَنَدُّمْ: فَإنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ.
وقالَ أبُو حاتِمْ وجَماعَةٌ مِنَ النَحَوِيِّينَ: "وَيْكَ" هي ويْلَكَ، حُذِفَتْ لامُهُ وجَرَتْ في الكَلامِ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبَرَّ سُقْمَها قِيلُ الفَوارِسِ: ويْكَ عنتَرُ أقْدِمْ فَكَأنَّ المَعْنى: ويْلَكَ، اعْلَمْ أنَّ اللهَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الإضْمارِ لِلْفِعْلِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: "وَيْكَأنَّ" بِجُمْلَتِها دُونَ تَقْدِيرِ انْفِصالِ كَلِمَةٍ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ألَمْ تَرَ أنَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْوى الِانْفِصالُ فِيها عَلى ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّها تَجِيءُ مَعَ "أنَّ" ومَعَ "أنْ"، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ويْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبُّ يُحْـ ∗∗∗ ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وَهَذا البَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَوْلا مَنَّ اللهُ" بِحَذْفِ "أنْ"، ورُوِيَ عنهُ: "لَوْلا مَنُّ" بِرَفْعِ النُونِ، وبِالإضافَةِ إلى "اللهِ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَخُسِفَ" بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمْ بِفَتْحِ الخاءِ والسِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لانَخُسِفَ" كَأنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ أُرِيدَ بِهِ أنَّ الأرْضَ كانَتْ مُنْفَعِلَةً، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى "وَيْ"، ويَبْتَدِئُ "كَأنَّ"، ورُوِيَ عنهُ الوَصْلُ كالجَماعَةِ، ورَوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى "وَيْكَ"، ويَبْتَدِئُ "إنَّ اللهَ"، وعَلى هَذا المَعْنى قالَ الحَسَنُ: إنْ شِئْتَ: "وَيْكَ أنَّ" أو "وَيْكَ إنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِكَسْرِها، فَكَذَلِكَ في "وَيْكَأنَّهُ".
<div class="verse-tafsir"
﴿ أصبح ﴾ هنا بمعنى صار.
و (الأمس) مستعمل في مطلق زمن مضى قريباً على طريقة المجاز المرسل.
و(مكان) مستعمل مجازاً في الحالة المستقر فيها صاحبها، وقد يعبر عن الحالة أيضاً بالمنزلة.
ومعنى ﴿ يقولون ﴾ أنهم يجهرون بذلك ندامة على ما تمنوه ورجوعاً إلى التفويض لحكمة الله فيما يختاره لمن يشاء من عباده.
وحكي مضمون مقالاتهم بقوله تعالى ﴿ ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ الآية.
وكلمة ﴿ ويكأن ﴾ عند الأخفش وقطرب مركبة من ثلاث كلمات: (وي) وكاف الخطاب و(أن).
فأما (وي) فهي اسم فعل بمعنى: أعجب، وأما الكاف فهي لتوجيه الخطاب تنبيهاً عليه مثل الكاف اللاحقة لأسماء الإشارة، وأما (أن) فهي (أن) المفتوحة الهمزة أخت (إن) المكسورة الهمزة فما بعدها في تأويل مصدر هو المتعجب منه فيقدر لها حرف جرّ ملتزم حذفه لكثرة استعماله وكان حذفه مع (أن) جائزاً فصار في هذا التركيب واجباً وهذا الحرف هو اللام أو (من) فالتقدير: أعجب يا هذا من بسط الله الرزق لمن يشاء.
وكل كلمة من هذه الكلمات الثلاث تستعمل بدون الأخرى فيقال: وي بمعنى أعجب، ويقال (ويك) بمعناه أيضاً قال عنترة: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها *** قيل الفوارس ويك عنتر أقدم ويقال: ﴿ ويكأن ﴾ ، كما في هذه الآية وقول سعيد بن زيد أو نبيه بن الحجاج السهمي: ويكأن من يكن له نشبٌ يُح *** بَبْ ومن يفتقر يعش عيش ضرّ فخفّف (أن) وكتبوها متصلة لأنها جرت على الألسن كذلك في كثير الكلام فلم يتحققوا أصل تركيبها وكان القياس أن تكتب (ويك) مفصولة عن (أن) وقد وجدوها مكتوبة مفصولة في بيت سعيد بن زيد.
وذهب الخليل ويونس وسيبويه والجوهري والزمخشري إلى أنها مركبة من كلمتين (وي) و(كأن) التي للتشبيه.
والمعنى: التعجب من الأمر وأنه يشبه أن يكون كذا والتشبيه مستعمل في الظن واليقين.
والمعنى: أما تعجب كأن الله يبسط الرزق.
وذهب أبو عمرو بن العلاء والكسائي والليث وثعلب ونسبه في «الكشاف» إلى الكوفيين (وأبو عمرو بصري) أنها مركبة من أربع كلمات كلمة (ويل) وكاف الخطاب وفعل (اعلم) و(أن).
وأصله: ويلك أعلم أنه كذا، فحذف لام الويل وحذف فعل (اعلم) فصار (وَيْكَأنّه).
وكتابتها متصلة على هذا الوجه متعينة لأنها صارت رمزاً لمجموع كلماته فكانت مثل النحت.
ولاختلاف هذه التقادير اختلفوا في الوقف فالجمهور يقفون على ﴿ ويكأنه ﴾ بتمامه والبعض يقف على (وي) والبعض يقف على (ويك).
ومعنى الآية على الأقوال كلها أن الذين كانوا يتمنون منزلة قارون ندموا على تمنيهم لما رأوا سوء عاقبته وامتلكهم العجب من تلك القصة ومن خفي تصرفات الله تعالى في خلقه وعلموا وجوب الرضى بما قدر للناس من الرزق فخاطب بعضهم بعضاً بذلك وأعلنوه.
والبسط: مستعمل مجازاً في السعة والكثرة.
و ﴿ يقدر ﴾ مضارع قدر المتعدي، وهو بمعنى: أعدى بمقدار، وهو مجاز في القلة لأن التقدير يستلزم قلة المقدر لعسر تقدير الشيء الكثير قال تعالى ﴿ ومن قدر عليه رزقه فَليُنْفِق مما آتاه الله لا يكلِّف الله نفساً إلا ما ءاتاها ﴾ [الطلاق: 7].
وفائدة البيان بقوله ﴿ من عباده ﴾ الإيماء إلى أنه في بسطة الأرزاق وقدرها متصرف تصرف المالك في ملكه إذ المبسوط لهم والمقدور عليهم كلهم عبيده فحقهم الرضى بما قسم لهم مولاهم.
ومعنى ﴿ لولا أن منَّ الله علينا لخسف بنا ﴾ : لولا أن منَّ الله علينا فحفظنا من رزق كرزق قارون لخسف بنا، أي لكنا طغينا مثل طغيان قارون فخسف بنا كما خسف به، أو لولا أن منّ الله علينا بأن لم نكن من شيعة قارون لخسف بنا كما خسف به وبصاحبيه، أو لولا أن منّ الله علينا بثبات الإيمان.
وقرأ الجمهور ﴿ لَخُسِف بنا ﴾ على بناء فعل «خُسِف» للمجهول للعلم بالفاعل من قولهم: لولا أن منّ الله علينا.
وقرأه يعقوب بفتح الخاء والسين، أي لخسف الله الأرض بنا.
وجملة ﴿ ويكأنه لا يفلح الكافرون ﴾ تكرير للتعجيب، أي قد تبين أن سبب هلاك قارون هو كفره برسول الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا شَكا مُوسى إلى اللَّهِ أمْرَ قارُونَ أمَرَ اللَّهُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَ مُوسى، ولَمّا أقْبَلَ قارُونُ وشِيعَتُهُ قالَ مُوسى: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أوْساطِهِمْ ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ وبِدارِ قارُونَ وكُنُوزِهِ.
رَوى يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ أنَّ قارُونَ لَمّا أخَذَتْهُ الأرْضُ إلى عُنُقِهِ أخَذَ مُوسى نَعْلَيْهِ فَخَفَقَ بِهِما وجْهَهُ فَقالَ قارُونُ: يا مُوسى ارْحَمْنِي، قالَ اللَّهُ تَعالى ( يا مُوسى ما أشَدَّ قَلْبَكَ، دَعاكَ عَبْدِي واسْتَرْحَمَكَ فَلَمْ تَرْحَمْهُ: وعِزَّتِي لَوْ دَعانِي عَبْدِي لَأجَبْتُهُ ) رَوى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ أنَّهُ يُخْسَفُ بِقارُونَ وقَوْمِهِ في كُلِّ يَوْمٍ بِقَدْرِ قامَةٍ فَلا يَبْلُغُ إلى الأرْضِ السُّفْلى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَ مُوسى الأرْضَ فابْتَلَعَتْهُ قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّما أهْلَكَهُ لِيَرِثَ مالَهُ لِأنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّهِ أخِي أبِيهِ فَخَسَفَ اللَّهُ بِدارِهِ وبِجَمِيعِ أمْوالِهِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أوَلا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ؟
رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.
الثّانِي: أوَلا يَرى؟
رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: "وَلَكِنَّ اللَّهَ" بِلُغَةِ حِمْيَرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: "وَإنَّ اللَّهَ" والياءُ والكافُ صِلَتانِ زائِدَتانِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: "وَكَأنَّ اللَّهَ" والياءُ وحْدَها صِلَةٌ زائِدَةٌ.
وَقالَ ابْنُ عِيسى بِهَذا التَّأْوِيلِ غَيْرَ أنَّهُ جَعَلَ الياءَ لِلتَّنْبِيهِ.
السّادِسُ: مَعْناهُ ويْكَ أنَّ اللَّهَ فَفَصَلَ بَيْنَ الكافِ والألِفِ وجَعَلَ ويْكَ بِمَعْنى ويْحَ فَأبْدَلَ الحاءَ كافًا ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ السّابِعُ: ويْلَكَ إنَّ اللَّهَ فَحَذَفَ اللّامَ إيجازًا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّامِنُ: ويْ مُنْفَصِلَةٌ عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ كَأنَّ اللَّهَ، قالَهُ الخَلِيلُ.
﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْنى يَقْدِرُ أنْ يَخْتارَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَنْظُرُ لَهُ فَإنْ كانَ الغِنى خَيْرًا لَهُ أغْناهُ وإنْ كانَ الفَقْرُ خَيْرًا لَهُ أفْقَرَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: يَضِيقُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتى جمع علماً، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده.
فقال له موسى عليه السلام: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال: إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم.
جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه أن تعطوه أموالكم؟
قالوا: لا نحتمل فما ترى فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها.
فارسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك.
قالت: نعم.
فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال: نعم.
فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربك؟
قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم.
قالوا: وإن كنت أنت قال: نعم.
قالوا: فإنك قد زنيت قال: أنا.
فأرسلوا إلى المرأة، فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟
فقال لها موسى عليه السلام: أنشدك بالله إلا ما صدقت قالت: أما إذ نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟
قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك.
فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...
يا موسى...
فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى...
يا موسى...
فقال: خذيهم فغيبتهم فأوحى الله يا موسى: سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.
قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ وخسف به إلى الأرض السفلى.
وأخرج الفريابي عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان قارون ابن عم موسى.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ قال: كان ابن عمه أخي أبي قارون بن مصر بن فاهث أو قاهث، وموسى بن عرمرم بن فاهث أو قاهث، وعرمرم بالعربية عمران.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى النور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه الله ببغيه.
وإنما بغى لكثرة ماله وولده.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فبغى عليهم ﴾ قال: فعلا عليهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ﴾ قال: زاد عليهم في طول ثيابه شبراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: أصاب كنزاً من كنوز يوسف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الوليد بن زوران رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ قال: كان قارون يعلم الكيمياء.
وأخرج ابن مردويه عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت أرض دار قارون من فضة، وأساسها من ذهب» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن خيثمة رضي الله عنه قال: وجدت في الإِنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلةً، ما يزيد منها مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة رضي الله عنه قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانت المفاتيح من جلود الإِبل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ يقول: لا يرفعها العصبة من الرجال ﴿ أولي القوّة ﴾ .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لتنوء بالعصبة ﴾ قال: لتثقل قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول امرئ القيس إذ يقول: تمشي فتثقلها عجيزتها ** مشي الضعيف ينوء بالوسق وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين العشرة إلى الخمسة عشر ﴿ أولوا القوّة ﴾ خمسة عشر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: ﴿ العصبة ﴾ ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ العصبة ﴾ أربعون رجلاً.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أن ﴿ العصبة ﴾ ما فوق العشرة إلى الأربعين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: ﴿ العصبة ﴾ سبعون رجلاً.
قال: وكانت خزانته تُحْمَلُ على أربعين بغلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت فتبطر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين، الأشرين، البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب كل قلب حزين» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان وقال: هذا متن منكر، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زُرِ القبور تَذْكُر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: الفرح هنا البغي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: إن الله لا يحب الفرح بطراً ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ﴾ قال: تصدق، وقرب الله تعالى، وصل الرحم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله لا يحب الفرحين ﴾ قال: المرحين.
وفي قوله: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ يقول: لا تترك أن تعمل لله في الدنيا.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ و لا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تعمل فيها لآخرتك.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا الذي يثاب عليه في الآخرة.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك ﴾ قال: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك- وفي لفظ- قال: امسك قوت سنة، وتصدق بما بقي.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك، فإن لك فيه غنى وكفاية.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ قال: ليس هو عرض من عرض الدنيا، ولكن هو نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول على خير عندي، وعلم عندي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ يقول: علم الله أني أهل لذلك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: المشركون.
لا يسألون عن ذنوبهم، ولا يحاسبون لدخول النار بغير حساب.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ قال: كقوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ [ الرحمن: 41] سود الوجوه، زرق العيون، الملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على براذين بيض، عليها سرج من أرجوان، وعليها ثياب معصفرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثوبين أحمرين.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الزبير رضي الله عنه قال: خرج قارون على قومه في ثوبين أحمرين بغير عصفر كالقرمز.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في ثياب صفر وحمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: في حشمه.
وذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة الاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها ثلاثمائة جارية، على بغال شهب عليهن ثياب حمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال: خرج في جوار بيض، على سروج من ذهب، على قطف أرجوان، وهن على بغال بيض، عليهن ثياب حمر، وحلى ذهب.
وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ قال في أربعة آلاف بغل يعني عليه البزيون» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله عنه قال: أول من صبغ بالسواد قارون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ قال: أناس من أهل التوحيد قالوا: ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا يلقاها إلا الصابرون ﴾ يعني لا يلقى ثواب الله، والصواب من القول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه لذو حظ عظيم ﴾ قال: ذو جد.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث رضي الله عنه؛ وهو ابن نوفل الهاشمي قال: بلغنا أن قارون أوتي من الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده، وكان مؤذياً لموسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدعه القسوة والهوى حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تذكر بريبة فقال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني؟
فقالت: بلى.
فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده، دعا بها فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها ورزقها التوبة فقالت: ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله عليه السلام فقالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون ألا تنهي موسى عني، فإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله، وأبرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك.
وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى عليه السلام شديد الغضب.
فلما بلغه توضأ، ثم صلى وسجد وبكى وقال: يا رب...
عدوك قارون كان لي مؤذياً، فذكر أشياء ثم لم ينهاه حتى أراد فضيحتي.
يا رب سلطني عليه.
فأوحى الله إليه: أن مر الأرض بما شئت تطعك.
فجاء موسى إلى قارون، فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم، وساخت دارهم على قدر ذلك فقال قارون: يا موسى ارحمني فقال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبداره وبأصحابه، فلما خسف به قيل له: «يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي دعا لرحمته» وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أعبد في الأرض بعدك أحداً.
وأخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض ﴾ قال: خسف به إلى الأرض السفلى.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أبي ميمون عن سمرة بن جندب قال: يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: إن الله أمر الأرض أن تطيعه ساعة.
وأخرج عبد بن حميد عن مالك بن دينار رضي الله عنه: أن قارون يخسف به كل يوم قامة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما خسف بقارون فهو يذهب وموسى قريب منه قال: يا موسى ادع ربك يرحمني.
فلم يجبه موسى حتى ذهب.
فأوحى الله إليه «استغاث بك فلم تغثه، وعزتي وجلالي لو قال: يا رب لرحمته» .
وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله القاري عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه: أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى عليه السلام في قارون، فلما لقيه موسى قال للأرض: أطيعيني فأخذته إلى الركبتين، ثم قال: أطيعيني فوارته في جوفها، فأوحى الله إليه «يا موسى ما أشد قلبك، وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته» قال: رب غضباً لك فعلت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ﴾ قال: ما كانت عنده منعة يمتنع بها من الله تعالى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويكأن الله ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أن الله يبسط الرزق ﴾ وفي قوله: ﴿ ويكأنه لا يفلح الكافرون ﴾ يقول: أو لا يعلم ﴿ أنه لا يفلح الكافرون ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ ﴾ : صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني؛ وهو قوله: ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ﴾ الآية (١) قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: (وَيْ)، مفصولة من: (كأن)، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: (وَيْ)، متندمين على ما سلف منهم، وكل من يندم أو نُدِّم فإظهار ندامته أن يقول: (وَيْ) (٢) قال الفراء: ولم نجد العرب تُعمل الظن والعلم بالإضمار، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: يا هذا أنك قائم، تريد: علمت أو أعلم (٣) (٤) (٥) قال الفراء: وأما حذف اللام من: ويلك، حتى تصير: ويك، فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام، قال عنترة: ولقد شَفَى نفسي وأبرأَ سُقمها ...
قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنترَ أَقدِمِ (٦) ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ وي، منفصلة من: (كأن)، تقول للرجل: (وي)، أما ترى ما بين يديك؟
فقال الله تعالى: وي، ثم استأنف: كأن الله يبسط الرزق، وهي تعجب، (وكأن)، في مذهب الظن والعلم؛ وهذا وجه مستقيم، غير أن العرب لم تكتبها منفصلة، ولو كان على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن يكون كَثُر بها الكلام فوُصِلت بما ليست منه؛ كما اجتمعت العرب على كتابة: ﴿ يَبْنَؤُمَّ ﴾ فوصلوها لكثرتها [[حكى الداني كتابة ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ في الموضعين من سورة القصص، بوصل الياء بالكاف.
"المقنع" 76.
وأما (ابنَ أم) فكتبت في كل المصاحف في الأعراف [150] ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ بالقطع، وفي طه [94] كتبت متصلة ﴿ يَبْنَؤُمَّ ﴾ .
المقنع 76.]].
فعلى هذا ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ : تقرير، كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله، وأنشد النحويون جميعًا: سَأَلَتاني الطلاقَ إذْ رَأتانِي ...
قَلَّ مالي قد جِئتُماني بِنُكرِ ويْكأنَّ مَنْ يكن له نَشَبٌ يُحـ ...
ـبَبْ ومَنْ يفتقِرْ يعشْ عيشَ ضُرَّ (٧) قال الفراء: وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنكَ ويلكَ؟
فقال.
ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت (٨) ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ في التأويل: ذلك أن الله (٩) وقال أبو عبيدة: سبيلها سبيل: ألم تر (١٠) وقال مجاهد وقتادة: معناها: ألم تعلم (١١) وقوله تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ قال ابن عباس: بالعافية والرحمة (١٢) وقال مقاتل: بالإيمان (١٣) ﴿ لَخَسَفَ بِنَا ﴾ أي: الله تعالى (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ أكثر المفسرين يقولون معناه: ألم تر أنه، و: أما ترى أنه (١٧) (١٨) ﴿ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد من كفر بالله (١٩) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 156، بنحوه.
(٢) "الكتاب" 2/ 154.
بمعناه.
وذكره بنصه الزجاج 4/ 156، والأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 653 (وي).
والثعلبي 8/ 154 ب.
قال ابن قتيبة: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء، كأنه لا يفلح الكافرون، وقال: وي: صلة في الكلام.
وهذا شاهد لقول الخليل.
"تأويل مشكل القرآن" ص 526.
(٣) نقل كلام الفراء ابن جرير 20/ 121، بلفظ: ولم نجد العرب تُعمل الظن مضمرًا، ولا العلم وأشباهه في: أنَّ، وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين، أو في آخر الكلمة، فلما أضمر جرى مجرى المتأخر؛ ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول: يا هذا، أنك قائم، ويا هذا أن قمت، تريد: علمت، أو أعلم، أو ظننت، أو أظن.
(٤) في النسخ كلها: وهو.
ولعل المناسب: وهذا.
(٥) ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 ب.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 312، ونسبه لعنترة، وهو في "ديوانه" 30.
وأنشده أبو علي في المسائل الحلبيات 44، ولم ينسبه.
وأنشده ونسبه الثعلبي 8/ 154 ب.
== وأنشده ولم ينسبه، ابن جني، "الخصائص" 3/ 40.
والشاهد فيه: حذف اللام من: ويلك، حتى تصير: ويك.
(٧) أنشده سيبويه، ونسبه لزيد بن عمرو بن نفيل.
"الكتاب" 2/ 155، وفي الحاشية: سألتاني، يعني: زوجتيه اللتين ذكرهما في بيت قبله.
وأنشده الأخفش 2/ 655 ، ولم ينسبه.
والنَّشَب: المال والعقار.
وأنشد البيت الثاني: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 112، وابن قتيبة "تأويل مشكل القرآن" 527، وابن جني، "الخصائص" 3/ 41، ولم ينسبوه.
وأنشد البيتين، ولم ينسبهما، الزجاج 4/ 57.
والشاهد فيه: ويكأن، فهي عند سيبويه والخليل مركبة من: (وي): للتنبيه، و: كأن، للتشبيه، ومعناها: ألم تر.
(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 312.
وهذا النقل الطويل من أول قوله: وذكر الفراء في هذه الكلمة قولين إلى هنا، كله عن الفراء.
(٩) ذكر ابن قتيبة، أن الكسائي قال في معنى هذه الكلمة: ألم تر.
"تأويل مشكل القرآن" 526.
(١٠) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 112.
بلفظ: مجازه: ألم تر.
(١١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 120، وابن أبي حاتم 9/ 2021، عن قتادة.
وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن مجاهد، بلفظ: ألم تعلم.
واختاره ابن جرير.
قال ابن قتيبة: وهذا شاهد لقول الكسائي، يعني به: ألم تر.
تأويل مشكل القرآن 527.
وأما مقاتل فقال: يعني: لكن الله.
"تفسير مقاتل" 69 ب.
(١٢) ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 247، ولم ينسبه.
(١٣) "تفسير مقاتل" 69 ب.
(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 424.
(١٥) قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿ لَخَسَفَ ﴾ بالفتح، وقرأ الباقون: ﴿ لخُسِفَ ﴾ بضم == الخاء.
"السبعة في القراءات" 495، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 424، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 179، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 342.
(١٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 425.
(١٧) "تفسير ابن جرير" 20/ 120.
(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 157، بلفظ: فهذا تفسير الخليل، وهو مشاكل لما جاء في التفسير، لأن قول المفسرين هو تنبيه.
(١٩) "تفسير مقاتل" 69 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ في ثياب حمر، وقيل: في عبيده وحاشيته، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ زجر للذين تمنوا مثل حال قارون ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون ﴾ الضمير عائد على الخصال التي دل عليها الكلام المتقدم، وهو الإيمان والعمل الصالح، وقيل: على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم: أي لا تصدر الكلمة إلا عن الصابرين، والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض ﴾ روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعى موسى عليه السلام عليه، فأوحى إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا بموسى فقال: يا أرض خذيهم حتى تمّ بهم الخسف ﴿ مَكَانَهُ ﴾ أي منزلته في المال والعزة ﴿ بالأمس ﴾ يحتمل أن يريد به اليوم الذي كان قبل ذلك اليوم أو ما تقدم من الزمان القريب ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ مذهب سيبويه أن وي حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها كأن، والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾ : أي ما أشبه الحال بهذا، وقال الكوفيون: ويك هو ويلك حذفت منها اللام لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها أن، والمعنى ألم يعلموا أن الله.
وقيل: ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عندي أولم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل.
الباقون بالإسكان ﴿ ويكأن ﴾ ﴿ ويكأنه ﴾ الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ﴿ ويك ﴾ الوقف على الكاف و ﴿ ويكأنه ﴾ موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة.
الباقون كلاهما موصلان ﴿ لخسف ﴾ على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بضياء ﴾ ط ﴿ تسمعون ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ص لأن الواو للحال أي وقد آتينا مع طول الكلام ﴿ القوّة ﴾ ط بناء على أن التقدير و"أذكر" إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ تنوء ﴾ فلا وقف ﴿ الفرحين ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ عندي ﴾ ط ﴿ جمعاً ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ في زينته ﴾ ط لعدم العاطف واختلاف القائل.
﴿ قارون ﴾ لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا بأنه ذو حظ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم ﴿ الصابرون ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ق قد قيل: لتفصيل الاعتبار ﴿ المنتصرون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول ﴿ لخسف بنا ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ولا فساداً ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ج لعطف جملة الشرط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معاد ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ للكافرين ﴾ ه ز للآية مع العطف ﴿ المشركين ﴾ ه للآية وخلو المعطوف عن نون التأكيد التي خلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخراً احترازاً من إيهام كون ما بعده صفة ﴿ آخر ﴾ ه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ط ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: لما بين حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس.
والمعنى: أخبروني من يقدر على هذا؟
والسرمد الدائم المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أن مفعول ثانٍ لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو بـ ﴿ سرمداً ﴾ ، ومنافع الليل والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مراراً.
قال جار الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: ﴿ بليل تسكنون فيه ﴾ لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثَمّ قرن بالضياء ﴿ أفلا تسمعون ﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل ﴿ أفلا تبصرون ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه.
قال الكلبي: ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك.
وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
وقال أهل البرهان: قدم الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل.
وإنما ختم الاية الأولى بقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ بناء على الليل، وختم الأخرى بقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار مبصرة.
ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعاً.
وفي الآية طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكناً وكذا الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا خصه به.
وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة بوحدانيته.
وفحوى الخطاب: أين الذين ادّعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟
فيكون ذلك زيادة في غمهم.
ومعنى ﴿ ونزعنا ﴾ وأخرجنا ﴿ من كل أمة شهيداً ﴾ قال بعضهم: هونبيهم لأن الأنبياء يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زيادة في غمهم أيضاً.
وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، لأنه عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات والأزمنة التي بعد محمد .
﴿ فقلنا ﴾ للأمة ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول ﴿ فعلموا ﴾ حينئذ ﴿ أن الحق لله ﴾ ورسوله وغاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من الباطل والزور.
ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة قارون.
وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان "فاعولاً" من قرن لا نصرف.
والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة.
قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى.
وقيل: كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه نافق كما نافق السامري.
وقال: إذا كانت النبوّة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟
وفي قوله ﴿ فبغى عليهم ﴾ وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء.
وثانيها أن ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.
وقال القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده.
وقال الضحاك: طغى عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر.
ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبراً فهذا يعود إلى التكبر.
الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟
قال موسى: هكذا حكم الله.
قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصيّ في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر.
واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال كما أخبر الله عن ذلك بقوله ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ سأل الكلبي: الستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟
فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها.
والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة.
فمن الناس من طعن في القول الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة مفتاح واحد.
وأيضاً الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصوّر لها مفتاح.
أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد.
وأيضاً ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلاً غير مذكور في القرآن.
فالصواب أن يفسر قوله ﴿ لتنوء ﴾ أي تنهض مثقلاً بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ومعرفتها على أهل القوّة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمراد أن حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوّة والمتانة في الرأي.
وظاهر الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق.
وأيضاً لا استبعاد في أن يكون موضع المال المدفون بيتاً تحت الأرض له غلق ومفتاح معه.
و ﴿ لا تفرح ﴾ كقوله ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن ورضي بها.
قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبه الله : ﴿ وابتغ فيما آتاك الله ﴾ من المال والثروة ﴿ الدار الآخرة ﴾ يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ﴾ ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة.
وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة والحضور.
وفي قوله ﴿ كما أحسن الله إليك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة.
و ﴿ الفساد في الأرض ﴾ المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي.
وهذا القائل موسى أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ.
وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد لكنه أبي أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلاً ﴿ إنما آوتيته على علم عندي ﴾ قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك.
وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً.
وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات.
وقيل: أراد إن الله أعطاني ذلك على علم له بحالي وباستئهالي لذلك.
وقوله ﴿ عندي ﴾ الأمر كذلك اي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله بقوله ﴿ أولم يعلم ﴾ الآية.
قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام إثباتاً لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله وأعوانه؟
ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدّى بكونه من أهل العلم حيث قال ﴿ على علم عندي ﴾ وبخه الله أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهلكى.
ووجه اتصال قوله ﴿ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ بما قبله أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات.
وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ عن الحسن: في الحمرة والصفرة.
وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه.
وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عيلهن الحلى والثياب الفاخرة.
وقيل: في تسعين ألفاً عليهم الثياب الصفر.
قال الراغبون في الحياة العاجلة ﴿ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إِنه لذو حظ عظيم ﴾ والحظ الجد والبخت.
عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في الإنفاق في سبيل الخير.
وقال آخرون: كانوا كفاراً وقد مر في سورة النساء تحقيق الغبطة والحسد في قوله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا شيء ﴿ ويلكم ﴾ وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق النصح والإِشفاق، والضمير في قوله ﴿ ولا يلقاها ﴾ عائد إلى الكلمة المذكورة وهي قوله ﴿ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ﴾ أو إلى الصواب بمعنى المثوبة.
أو بتأويل الجنة، أو إلى السير والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة ﴿ إلا الصابرون ﴾ على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، وظاهر حال قارون ينبئ عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبدراه الأرض، إلا أن المفسرين فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل الف درهم على درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئ.
فقال: ائتوا إلى فلانة البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ألف دينار أو طستاً مملوءاً من ذهب.
فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.
فقال قارون: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة.
فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجداً يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك.
فقال: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فيعتزل فاعتزلوا جميعهاً غير رجلين.
ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط.
ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون واصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه.
ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم.
فأوحى الله إلى موسى ما أفظك!
استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً.
قلت: لعل استغاثته كانت مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد.
ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.
ومعنى ﴿ من المنتصرين ﴾ من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه ﴾ أي منزلته من الدنيا وأسبابها ﴿ بالأمس ﴾ أي بالزمان المتقدم ﴿ يقولون ﴾ راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ﴿ ويكأن الله ﴾ من قرأ ﴿ وي ﴾ مفصولة عن ﴿ كأن ﴾ وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ﴿ كأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا الاستعمال قول الشاعر: ويكأن من يكن له نشب يحـ *** ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.
حكى هذا القول قطرب عن يونس، وجوّز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى ﴿ وي ﴾ واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف.
قال في الكشاف قوله ﴿ تلك ﴾ تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت ذكرها وبلغك وصفها.
قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة.
وفي قوله ﴿ لا يريدون ﴾ دون أن يقول "يتركون" زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته.
ومن الناس من رد العلو إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ وقال في قصة قارون ﴿ ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ وضعف هذا التخصيص بيِّن لقوله في خاتمة الآية ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ قوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ الآية، قد مر تفسير مثله في آخر "الأنعام" وفي آخر "النمل".
وقوله ﴿ فلا يجزى الذين عملوا السيئات ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال: "فلا تجزون" إلا أنه أراد فضل تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكرراً، وفي ذلك لطف للسامعين في زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم.
ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة فقال ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن ﴾ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكلي التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف.
وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ظاهر لأن مكة يومئذ كانت معاداً له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية.
فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة.
وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجرة وقد اشتاق إلى وطنه.
وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.
وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال ﴿ قل ﴾ لأهل الشرك ﴿ ربي أعلم ﴾ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته.
ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال ﴿ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ﴾ قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو "إلا" بمعنى "لكن" أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.
ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مراراً أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.
ثم إن مرجع الكل إليه فقال ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعاً به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أوبتفريق الأجزاء كما يقال "هلك الثوب وهلك المتاع" وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئاً فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكاً.
استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله ﴿ أكلها دائم ﴾ وعورض بقوله ﴿ اعدّت للمتقين ﴾ و ﴿ أعدت للكافرين ﴾ ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار.
وقيل: إلا العلماء فإن علمهم باق.
ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.
التأويل: ﴿ أرايتم إن جعل الله عليكم ﴾ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ نهار الوصل والتجلي ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ﴾ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي ﴿ سرمداً ﴾ ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل ﴾ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي ﴿ ومن رحمته جعل لكم ﴾ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كان يستهلك وجوده، وكان النبي يقول "إنه ليغان على قلبي" وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.
وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب.
وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان ﴿ ونزعنا من كل أمة ﴾ من أرباب النفوس ﴿ شهيداً ﴾ هو القلب الحاضر ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله ﴿ إن قارون ﴾ النفس ﴿ كان من قوم موسى ﴾ القلب لأن الله جعل النفس تبعاً للقلب وجعل سعادتها في متابعة ﴿ وآتيناه من الكنوز ﴾ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علماً وطاعة ﴿ في زينته ﴾ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ وهم صفات النفس.
﴿ وقال الذين أوتوا العلم ﴾ وهو صفات الروح ﴿ فخسفنا به ﴾ الأرض دركات السفل ﴿ وبداره ﴾ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد ﴿ نجعلها للذين لا يريدون ﴾ كما قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبداً، أطعني أجعلك ملكاً حياً لا تموت أبداً.
عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكاً إذا قلت لشيء كن فيكون.
وعن النبي "عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت" ﴿ إن الذي فرض ﴾ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن ﴿ لرادّك إلى معاد ﴾ هو مقام الفناء في الله والبقاء به ﴿ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ﴾ وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ﴿ إلا رحمة من ربك ﴾ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.
قوله: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - يخوّف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل بهم؛ كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه، أي: لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به؛ لما ذكر أنه كان ابن عمه وكان ختنه: زوج أخته مريم؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله ولا اتصالكم - به من عذاب الله ومقته في الدنيا، إذا بغيتم عليه وتركتم اتباعه؛ كما لم تنفع القرابة التي بين قارون وموسى من عذاب الله ومقته في الدنيا إذا بغى عليه، وكما لم تنفع أبوة أبي إبراهيم لأبي إبراهيم إذا بغى عليه وترك اتباعه، حيث تبرأ إبراهيم منه وحيث قال: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية [مريم: 45]، وحيث لم تنفع لامرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول العذاب ومقته بهما إذا تركتا اتباعهما وبغتا عليهما؛ فعلى ذلك يأهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم برسول الله - صلوات الله عليه - ووصلتكم به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ : اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم: قال بعضهم: هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه وأبى أن يعطيه.
وقال بعضهم: بغيه عليهم هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رءوس الأخيار والملأ وأن يرجموه، فدفع الله عنه وبرأه منه.
وقال بعضهم: إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده، هذا يشبه أن يكون كأنه افتخر بكثرة ماله في دفع عذاب الله ونقمته؛ كقول أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً...
﴾ الآية [سبأ: 35].
وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى واتبعه ناس كثير، فاعتدى عليه ونحو هذا كثير مما قالوه.
والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه؛ حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 39]، فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته، وتسميته: ساحراً كذاباً، فذلك هو البغي عليه.
أو لا يفسر البغي عليه؛ لأنه ذكر البغي ولم يبين ما ذلك البغي، والله أعلم بذلك.
وقال قائلون: بغيه عليه: هو أن زاد في ثيابهم شبرا، فذلك أيضاً لا نعلمه فهو مثل الأول.
وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ ﴾ : قال بعضهم: مفاتحه: خزائنه.
وقال بعضهم: جمع مفتاح وهو في الأصل مفاتيح.
وذكر أن كنوزه كانت كذا كذا ألفاً، وأن مفاتيحه كان يحملها كذا كذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا، فذلك أيضاً لا نعلمه ولا نفسره ولا نذكره إلا قدر ما ذكر في الكتاب؛ إذ ذكر في الكتاب الكنوز والمفاتح، وذكر أن العصبة تنوء بها وذلك للكثرة ما ذكر، ولكن لا نعلم قدره وعدده ما هو؟
ولا كم هو؟
وكذلك العصبة أيضاً لا نعلمه كم عدده؟
إلا أن أهل التأويل يقول بعضهم: من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم: من عشرة إلى خمس وسبعين، وبعضهم: من عشرة إلى خمس عشرة ونحوه، لا نفسره ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة يتعصب بعضهم بعضاً يرجعون جميعاً إلى أمر واحد، وكذلك الشيعة هي جماعة يتشيع بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً؛ ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أي: يتعصب بعضنا بعضاً لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل ولم نحفظه ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لتثقل بالعصبة تلك المفاتيح.
وقال القتبي: ﴿ لَتَنُوءُ ﴾ أي: تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها.
وقال أبو عوسجة: ﴿ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ ﴾ ، أي: لتعجز العصبة عن حملها.
وقال بعضهم: تنوء: تثقل، والعصبة: جماعة.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ﴾ : قال بعضهم: لا تبطر ولا تأشر؛ إن الله لا يحب البطرين الأشرين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ أي: لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال ولا تتكبر عليهم، و ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر.
وقوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ : كان كثرة ما آتاه الله من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل لها، حتى حمله ذلك الجحود والإنكار، فقالوا: وابتغ الدار الآخرة بما آتاك الله.
﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: لا تنس من مالك نصيبك في الدنيا ولكن قدم لآخرتك.
قال الحسن في قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...
﴾ إلى آخره قال: أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ أي: قدم الفضل وأمسك ما يبلغك.
﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ : قال: يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا؛ فإن فيه غناء وكفاية.
وأصله: ما روي عن نبي الله أنه قال: "لك من الدنيا ما أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت" جعل المقدم من الدنيا له، وأمّا ما خلفه فهو لغيره.
وهكذا أمر الدنيا لم تخلق الدنيا لتبقى لأهلها أو يبقى أهلها فيها، ولكن إنما خلقت لتفنى هي أو يفنى أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء، فنصيبه من الدنيا ما قدم وأنفق في طاعة الله وفي سبيله ليس ما خلفه في هذه الدنيا.
وقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَحْسِن ﴾ إلى نفسك في العمل للآخرة كما أحسن الله إليك، وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يدل أنه كان ينفق ماله إلا أنه كان ينفق في الصدّ عن سبيل الله؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولو كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض.
ثم الواجب على من حضر الملوك وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا الملوك، ويواعدوهم بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في أنفسهم وفي رعيتهم، كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك، فإن أجابوهم وإلا امتنعوا عنهم وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم، فإن لم يفعلوا فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: إن قارون كان أخبر الناس بالتوراة وأعلمهم بها وسمي: قارون لذلك، وذكر أنه سمي: المنور؛ لحسن صوته بالتوراة.
وقال بعضهم: سميّ: منوراً لذكائه، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ : وهو الكمياء، ذكر أنه يعالج صنعة الذهب ويحسنها.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ أي: على خبر عندي، قال ذلك على أثر قول أولئك: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ إلى قوله : ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه، فقال - والله أعلم -: إنما أوتيت ذلك على علم عندي، لم أوت جزافاً بلا سبب، وكأنه - والله أعلم - نسي الآخرة بما أوتي من المال والكنوز، وترك الإنفاق في الخير، وكان ينفق في صد الناس عن سبيل الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، إلا أنه كان عارفاً بالله حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ وقالوا له: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ دل هذا منهم أنه كان عارفاً بالله .
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه.
أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك، فقال عند ذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب؛ فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: لا يسألون عن ذنوبهم؛ كقوله: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ .
وقال بعضهم: لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية.
وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوباً، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنباً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إنه خرج على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب عليهن من الثياب كذا.
وقال بعضهم: إنه خرج على براذين كذا بيض ومع كذا كذا غلمان وجواري، ونحو ما ذكروا.
لكنّا لا ندري على أيّ زينة خرج؟
ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج أمثاله من الملوك، ولا نفسّر أنه كذا على كذا، وكذلك لا نفسّر العلم؛ ذكر أنه أوتي له من المال والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم: لأنه قد يؤتى العلم ربمّا، ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء ؛ حيث قالوا لأولئك: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ لم يكن من أولئك إلا التمني أن يؤتوا مثل ما أوتي قارون، ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك التمني، فدل ذلك أن التمني لا يسع الاشتغال به والطلب؛ حيث قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كيف ذكره بالتأنيث، وإنما تقدم له ذكر الثواب، فألا قال: (وما يلقاه)؟
لكن اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي: لا يلقى تلك المقالة التي قالوها لأولئك إلا الصابرون.
وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال، أي: ولا يلقى تلك الأعمال ولا يوفق إليها إلا الصابرون.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ أي: لا يوفق، ويقال: لا يرزق.
﴿ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ يحتمل: المؤمنين أنفسهم؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: آمنوا.
ويحتمل: الصابرون: الذين صبروا أنفسهم وحبسوها على أداء ما افترض الله عليهم، ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم وهواها، والله أعلم.
ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم.
أحدها: ما ذكر من صلابة [الذين] أوتوا العلم، ويقينهم، وطمأنينتهم فيما وعدوا في الآخرة من الثواب، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم، وحبسوا أنفسهم عن مُنَاهم وشهواتهم، ولصلابتهم وقوتهم في الدّين ما وعظوا قارون، حيث قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ وهو كان يومئذ ملكاً، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
والثاني: ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذي آمنوا فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ وقالوا: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب.
والثالث: ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ كأنه همّ أن يقتله؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان به الله موسى، ونفع له بما قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل.
فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها.
ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألاَّ يبدّل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشدّ ما يكون من العذاب؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشدّ العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم، فهكذا الاختيار على كل مسلم أن يختار ما اختار أولئك.
وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محذور، ويدلوهم على كل خير وكل ما هو طاعة لله، كما فعل قوم قارون بقارون، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا أتوا طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم.
وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهداً، حتى لم يتخذ لنفسه مسكناً يسكنه، ولا مقرّاً يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره.
وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركوناً، حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه.
وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته؛ لذلك قال: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظنّ أولئك: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ .
والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله؛ فلا يعذبون أبداً.
وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ ﴾ كانوا تمنّوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ...
وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ قال بعض أهل الأدب: (وَيْ) صلة، وإنما هو (كأنّ) و(كأنّه).
وقال مقاتل: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ أي: لكنه ويكأنّ.
قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون.
وقال بعضهم: ألم تر أن الله يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا.
وقال الزجاج: "وي" مقطوعة من (كأنّ) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون.
ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله؛ لأنهم ذكروا مِنَّة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدّين.
وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلوّ في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضاً، لكن الآية تخرج على وجهين: أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين الله واتباع الرسل، فقال - والله أعلم -: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ - أي: الجنة - ليست لهؤلاء، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل.
والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، فتلك الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة.
وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ ﴾ : كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر، وهي الدار التي قال الله فيها: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: تلك الدار الآخرة للمتقين.
وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا وهي التوحيد.
والثاني: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها.
والثالث: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا.
والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا.
أو أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: السيئة: هي الشرك، ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ هو التخليد في النار أبداً، ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ : فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
وأصبح الذين تمنوا ما كان فيه من المال والزينة قبل الخسف به يقولون متحسرين معتبرين: ألم نعلم أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويضيقه على من يشاء منهم؟!
لولا أن منّ الله علينا فلم يعاقبنا بما قلنا؛ لخسف بنا مثل ما خسف بقارون، إنه لا يفوز الكافرون، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل إن مصيرهم ومآلهم الخسران فيهما.
<div class="verse-tafsir" id="91.QPkb0"