الآية ١١ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ١١ من سورة العنكبوت

وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) أي : وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء ، ليتميز هؤلاء من هؤلاء ، ومن يطيع الله في الضراء والسراء ، إنما يطيعه في حظ نفسه ، كما قال تعالى : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد : 31 ] ، وقال تعالى بعد وقعة أحد ، التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) الآية [ آل عمران : 179 ] ، [ والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) يقول تعالى ذكره: وليعلمنّ الله أولياء الله، وحزبه أهل الإيمان بالله منكم أيها القوم، وليعلمنّ المنافقين منكم حتى يميزوا كلّ فريق منكم من الفريق الآخر، بإظهار الله ذلك منكم بالمحن والابتلاء والاختبار وبمسارعة المسارع منكم إلى الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، وتثاقل المتثاقل منكم عنها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين قال قتادة : نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } أي: فلذلك قَدَّرَ مِحَنًا وابتلاء، ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده، لأنهم قد يحتجون على اللّه، أنهم لو ابتُلُوا لَثَبَتُوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وليعلمن الله الذين آمنوا ) صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء ( وليعلمن المنافقين ) بترك الإسلام عند نزول البلاء .

واختلفوا في نزول هذه الآية ، قال مجاهد : نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم ، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا .

وقال عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : نزلت في الذين أخرجهم المشركون إلى بدر ، وهم الذين نزلت فيهم : " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " ( النساء - 97 ) .

وقال قتادة : نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة .

وقال الشعبي : هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية ، وباقي السورة مكية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وليعلمنَّ الله الذين آمنوا» بقلوبهم «وليعلمنَّ المنافقين» فيجازي الفريقين واللام في الفعلين لام قسم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وليعلمنَّ الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، وليعلمنَّ المنافقين؛ ليميز كل فريق من الآخر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا ، ليس الله - تعالى - فى حاجة إلى قولهم ، فهو - سبحانه - يعلم السر وأَخفى ( وَلَيَعْلَمَنَّ الله ) - تعالى - علما تاما ( الذين آمَنُواْ ) به حق الإِيمان ( وَلَيَعْلَمَنَّ ) حال المنافقين ، علما لا يخفى عليه شئ من حركاتهم وسكناتهم .

وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب .

وأكد - سبحانه - علمه بلام القسم وبنون التوكيد ، للرد على دعاوى ضعاف الإِيمان بأقوى أسلوب ، وأبلغه ، حتى يقلوا عن نفاقهم ، ويتبعوا المؤمنين الصادقين فى ثباتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

نقول أقسام المكلفين ثلاثة مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده، وكافر مجاهر بكفره وعناده، ومذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده، والله تعالى لما بين القسمين بقوله تعالى: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين  ﴾ وبين أحوالهما بقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات  ﴾ إلى قوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ بين القسم الثالث وقال: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا ﴾ ولم يقل آمنت مع أنه وحد الأفعال التي بعده كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله ﴾ وقوله: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ الناس ﴾ وذلك لأن المنافق كان يشبه نفسه بالمؤمن، ويقول إيماني كإيمانك فقال: ﴿ آمنا ﴾ يعني أنا والمؤمن حقاً آمنا، إشعاراً بأن إيمانه كإيمانه، وهذا كما أن الجبان الضعيف إذا خرج مع الأبطال في القتال، وهزموا خصومهم يقول الجبان خرجنا وقاتلناهم وهزمناهم، فيصح من السامع لكلامه أن يقول وماذا كنت أنت فيهم حتى تقول خرجنا وقاتلنا؟

وهذا الرد يدل على أنه يفهم من كلامه أن خروجه وقتاله كخروجهم وقتالهم، لأنه لا يصح الإنكار عليه في دعوى نفس الخروج والقتال، وكذا قول القائل أنا والملك ألفينا فلاناً واستقبلناه ينكر، لأن المفهوم منه المساواة فهم لما أرادوا إظهار كون إيمانهم كإيمان المحقين كان الواحد يقول: ﴿ آمنا ﴾ أي أنا والمحق.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله ﴾ هو في معنى قوله: ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى  ﴾ غير أن المراد بتلك الآية الصابرون على أذية الكافرين والمراد هاهنا الذين لم يصبروا عليها فقال هناك: ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ أُوذِىَ فِي الله ﴾ ولم يقل في سبيل الله واللطيفة فيه أن الله أراد بيان شرف المؤمن الصابر وخسة المنافق الكافر فقال هناك أوذي المؤمن في سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم إن بلغ الإيذاء إلى حد الإكراه، ويكون قلبه مطمئناً بالإيمان فلا يترك الله، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية، والمؤمن أوذي ولم يترك سبيل الله بل أظهر كلمتي الشهادة وصبر على الطاعة والعبادة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله ﴾ قال الزمخشري: جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف عن الكفر، وقيل جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله، وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى ترددوا في الأمر، وقالوا إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس وإن تركنا الإيمان نتعرض لما توعدنا به محمد عليه الصلاة والسلام، واختاروا الاحتراز عن التأذي العاجل ولا يكون التردد إلا عند التساوي ومن أين إلى أين تعذيب الناس لا يكون شديداً، ولا يكون مديداً لأن العذاب إن كان شديداً كعذاب النار وغيره يموت الإنسان في الحال فلا يدوم التعذيب، وإن كان مديداً كالحبس والحصر لا يكون شديداً وعذاب الله شديد وزمانه مديد، وأيضاً عذاب الناس له دافع وعذاب الله ماله من دافع، وأيضاً عذاب الناس عليه ثواب عظيم، وعذاب الله بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستعقبة للراحة العظيمة تطيب ولا تعد عذاباً كما تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذاباً.

المسألة الرابعة: قال: ﴿ فِتْنَةَ الناس ﴾ ولم يقل عذاب الناس لأن فعل العبد ابتلاء وامتحان من الله وفتنته تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الإيمان ليؤذيه فتبين منزلته كما جعل التكاليف ابتلاءً وامتحاناً وهذا إشارة إلى أن الصبر على البلية الصادرة ابتلاء وامتحاناً من الإنسان كالصبر على العبادات.

المسألة الخامسة: لو قال قائل هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإكراه، لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازاً عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله، فنقول ليس كذلك، لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله، لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً، وهذا المؤمن المكره لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله، بحيث يترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً، بل في باطنه الإيمان، ثم قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ يعني دأب المنافق أنه إن رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر وأظهر المعية وادعى التبعية، وفيه فوائد نذكرها في مسائل: المسألة الأولى: قال: ﴿ وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ ﴾ ولم يقل من الله، مع أن ما تقدم كان كله بذكر الله كقوله: ﴿ أُوذِىَ فِي الله ﴾ وقوله: ﴿ كَعَذَابِ الله ﴾ وذلك لأن الرب اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة، والله اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر اللفظ الدال على الرحمة والعاطفة، وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة.

المسألة الثانية: لم يقل ولئن جاءكم أو جاءك بل قال: ﴿ وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ ﴾ والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون: ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ وهذا يقتضي أن يكونوا قائلين: إنا معكم إذا جاء نصر سواء جاءهم أو جاء المؤمنين، فنقول هذا الكلام يقتضي أن يكونوا قائلين إنا معكم إذا جاء النصر، لكن النصر لا يجئ إلا للمؤمن، كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين  ﴾ ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة بدليل أن أحد الجيشين إن انهزم في الحال ثم كر المنهزم كرة أخرى وهزموا الغالبين، لا يطلق اسم المنصور إلا على من كان له العاقبة، فكذلك المسلم وإن كسر في الحال فالعاقبة للمتقين، فالنصر لهم في الحقيقة.

المسألة الثالثة: في ليقولن قراءتان إحداهما: الفتح حملاً على قوله: ﴿ مَن يِقُولُ ءامَنَّا ﴾ يعني من يقول آمنا إذا أوذي يترك ذلك القول، وإذا جاء النصر يقول إنا كنا معكم وثانيتهما: الضم على الجمع إسناداً للقول إلى الجميع الذين دل عليهم المفهوم فإن المنافقين كانوا جماعة، ثم بين الله تعالى أنهم أرادوا التلبيس ولا يصح ذلك لهم لأن التلبيس إنما يكون عندما يخالف القول القلب، فالسامع يبني الأمر على قوله ولا يدري ما في قلبه فيلتبس الأمر عليه وأما الله تعالى فهو عليم بذات الصدور، وهو أعلم بما في صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر، وهذا إشارة إلى أن الاعتبار بما في القلب، فالمنافق الذي يظهر الإيمان ويضمر الكفر كافر، والمؤمن المكره الذي يظهر الكفر ويضمر الإيمان مؤمن، والله أعلم بما في صدور العالمين، ولما بين أنه أعلم بما في قلوب العالمين، بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن تكلم فقال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين ﴾ وقد سبق تفسيره، لكن فيه مسألة واحدة وهي أن الله قال هناك: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن والكافر، والكافر في قوله كاذب، فإنه يقول: الله أكثر من واحد، والمؤمن في قوله صادق فإنه كان يقول الله واحد، ولم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر، فكان الحاصل هناك قسمين صادقاً وكاذباً وكان هاهنا المنافق صادقاً في قوله فإنه كان يقول الله واحد، فاعتبر أمر القلب في المنافق فقال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين ﴾ واعتبر أمر القلب في المؤمن وهو التصديق فقال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذى من الكفار وهو المراد بفتنة الناس، كان ذلك صارفاً لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر.

أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً، وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ أي مشايعين لكم في دينكم، ثابتين عليه ثباتكم، ما قدر أحد أن يفتننا، فأعطونا نصيبنا من المغنم.

ثم أخبر سبحانه أنه أعلم ﴿ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين ﴾ من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما تكن صدور هؤلاء من النفاق، وهذا إطلاع منه للمؤمنين على ما أبطنوه، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين، وقرئ: ﴿ ليقولنّ ﴾ بفتح اللام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ ﴾ بِأنْ عَذَّبَهُمُ الكَفَرَةُ عَلى الإيمانِ.

﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ ﴾ ما يُصِيبُهُ مِن أذِيَّتِهِمْ في الصَّرْفِ عَنِ الإيمانِ.

﴿ كَعَذابِ اللَّهِ ﴾ في الصَّرْفِ عَنِ الكُفْرِ.

﴿ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ ﴾ فَتْحٌ وغَنِيمَةٌ.

﴿ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ ﴾ في الدِّينِ فَأشْرِكُونا فِيهِ، والمُرادُ المُنافِقُونَ أوْ قَوْمٌ ضَعُفَ إيمانُهم فارْتَدُّوا مِن أذى المُشْرِكِينَ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ.

﴿ أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ ﴾ مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ.

﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِقُلُوبِهِمْ.

﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ فَيُجازِي الفَرِيقَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وليعلمن الله الذين آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين} أي حالهما ظاهرة عند من يملك الجزاء عليهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالإخْلاصِ ﴿ ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ سَواءٌ كانَ كُفْرُهم بِأذِيَّةٍ أوْ لا، والمُرادُ بِالعِلْمِ المُجازاةُ أيْ لَيَجْزِيَنَّهم بِما لَهم مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ، وكَأنَّ تَلْوِينَ الخِطابِ في الَّذِينَ آمَنُوا والمُنافِقِينَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ النِّفاقَ ظَهَرَ في المَدِينَةِ مَدَنِيَّةٌ، وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ مِن عَدِّها مِنَ المُسْتَثْنَياتِ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ إنَّها مَكِّيَّةٌ لِظاهِرِ إطْلاقِ جَمْعِ القَوْلِ بِمَكِّيَّةِ السُّورَةِ، وأنَّ تَعْذِيبَ الكَفَرَةِ المُسْلِمِينَ إنَّما كانَ في الأغْلَبِ بِمَكَّةَ يَمْنَعُ ذَلِكَ أوْ يَذْهَبُ إلى أنَّها مِنَ الأخْبارِ بِالغَيْبِ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: أقرُّوا وصدَّقوا بوحدانية الله تعالى وبنبوة محمد  وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وعملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي: مع الأنبياء والرسل عليهم السلام في الجنة.

ويقال: لَنُدْخِلَنَّهُمْ في جملة الصالحين، ونحشرهم مع الصالحين.

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ نزلت في عياش بن أبي ربيعة، هاجر إلى المدينة قبل قدوم النبيّ  إليها، فجزعت أمه جزعاً شديداً.

فقالت لأخويه: أبي جهل بن هشام، والحارث بن هشام، وهما أخواه لأمه، وأبناء عمه، فخرجوا في طلبه، فظفروا به وقالوا له: إن برّ الوالدة واجب عليك، فعليك أن ترجع فتبرها فإنها حلفت أن لا تأكل ولا تشرب، وأنت أحب الأولاد إليها، فلم يزالوا به حتى تابعهم.

فجاؤوا به إلى أمه، فعمدت أمه فقيدته، وقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد، وضربوه حتى رجع إلى دينهم فنزل وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ يعني: عذب في دين الله عز وجل: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ يعني: عذاب إخوته في الدنيا كَعَذابِ اللَّهِ في الآخرة.

ويقال: نزلت في قوم من المسلمين أخذوهم إلى مكة وعذبوهم حتى ارتدوا فنزل مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ يعني: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله، فينبغي للمسلم أن يصبر على أذاه في الله، وصارت الآية تنبيها لجميع المسلمين ليصبروا على ما أصابهم في الله عز وجل.

ثم قال: وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ يعني: لو يجيء نصر من الله عز وجل بظهور الإسلام، والغلبة على العدو بمكة وغيرها لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي: على دينكم أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ يعني: أو ليس الله عليم بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ من التصديق والتكذيب أعلم بمعنى عليم يعني: هو عليم بما في قلوب الخلق.

ويقال: معناه هو أعلم بما في صدورهم منهم، أي بما في صدور أنفسهم.

قوله عز وجل: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: ليميزن الله الذين ثبتوا على الإسلام وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ يعني: ليميزن المنافقين الذين لم يكن إيمانهم حقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أم: معادلةٌ للهمزة في قوله:

أَحَسِبَ [العنكبوت: ٢] وكأنه تعالى قرر الفريقين: قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يُفْتَنُوْنَ، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئاتِ في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقابَ الله تعالى ويعجزونه، ثم الآيةُ بَعْدَ تَعُمّ كلّ عاصٍ، وعاملٍ سيئةٍ من المسلمين وغيرهم، وفي الآية وعيد شديد للكفرة الفاتنين، وفي قوله تعالى:

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ تثبيت للمؤمنين، وباقي الآية بَيِّنٌ، والله الموفق.

وقال ص: قول ع «١» : أم: معادِلة للألْفِ في قوله: أَحَسِبَ يقتضي أنها هنا متصلة وليس كذلك بل «أم» هنا: منقطعةٌ مقدرة ب «بل» للإضراب، بمعنى:

الانتقال لا بمعنى الإبطال، وهمزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ فلا تقتضي جواباً، انتهى.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ.

إخبار عن المؤْمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من الْبِدَارِ إلى الله تعالى نوه بهم- عز وجل- وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار.

وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ، أي: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون.

وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما رُوِيَ عن قتادةَ «٢» وغيره: أنها نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظلَّ بظلٍّ حتى يرجع إليها ويكْفُرَ بمحمدٍ، فلجَّ هو في هجرته، ونزلت الآية.

وقيل: بل نزلت في عياش بن أبي ربيعة وكانت قصته كهذه ثم خَدَعَهُ أبو جهل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ إلى بَدْرٍ فارْتَدُّوا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمُ افْتُتِنُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ.

كانُوا يُؤْمِنُونَ، فَإذا أُوذُوا وأصابَهم بَلاءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ أسْلَمَ، فَخافَ عَلى نَفْسِهِ مِن أهْلِهِ وقَوْمِهِ، فَخَرَجَ مِن مَكَّةَ هارِبًا إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَدِينَةِ، فَجَزِعَتْ أُمُّهُ فَقالَتْ لِأخَوَيْهِ أبِي جَهْلٍ والحارِثِ ابْنَيْ هِشامٍ- وهُما أخَواهُ لِأُمِّهِ-: واللَّهِ لا آوِي بَيْتًا ولا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَأْتِيانِي بِهِ، فَخَرَجا في طَلَبِهِ فَظَفِرا بِهِ فَلَمْ يَزالا بِهِ، حَتّى تابَعَهُما وجاءا بِهِ إلَيْها، فَقَيَّدَتْهُ، وقالَتْ: واللَّهِ لا أحُلُّكَ مِن وثاقِكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَجْلِدُهُ بِالسِّياطِ وتُعَذِّبُهُ حَتّى كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَعًا مِنَ الضَّرْبِ، فَنَزَلَتْ [فِيهِ] هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُهُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما جَلَداهُ في الطَّرِيقِ مِائَتَيْ جَلْدَةً، فَتَبَرَّأ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ ﴾ أيْ: نالَهُ أذًى أوْ عَذابٌ بِسَبَبِ إيمانِهِ ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ ﴾ أيْ: ما يُصِيبُهُ مِن عَذابِهِمْ في الدُّنْيا ﴿ كَعَذابِ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ؛ وإنَّما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذى في اللَّهِ تَعالى لِما يَرْجُو مِن ثَوابِهِ ﴿ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي دَوْلَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ إنّا كُنّا مَعَكُمْ ﴾ عَلى دِينِكُمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وقالَ: ﴿ أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ ﴾ مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ.

وقَدْ فَسَّرْنا الآيَةَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مَن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللهِ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَصَّيْنا" الآيَةُ.

رُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وَذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْها ويَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ  ، فَلَجَّ هو في هِجْرَتِهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ.

وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ اعْتَراهُ في دِينِهِ نَحْوٌ مِن هَذا؛ إذْ خَدَعَهُ أبُو جَهْلٍ لَعَنَةُ اللهِ عَلَيْهِ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ....

الحَدِيثُ في كِتابِ السِيرَةِ.

ولا مِرْيَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ يَشْقى بِجِهادِ أبَوَيْهِ في شَأْنِ الإسْلامِ والهِجْرَةِ، فَكَأنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عن طاعَةِ الأبَوَيْنِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ولَمّا كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ وطاعَتُهُما مِنَ الأمْرِ الَّتِي قَرَّرَتْها الشَرِيعَةُ وأكَّدَتْها، وكانَ مِنَ الأمْرِ القَوِيِّ المُلْزِمْ عِنْدَهُمْ، قَدَّمَ تَعالى عَلى النَهْيِ عن طاعَتِهِما في الشِرْكِ بِاللهِ قَوْلَهُ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ ، عَلى مَعْنى: إنّا لا نُحِلُّ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ، لَكِنّا لا نُسَلِّطُ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، لا سِيَّما في مَعْنى الإيمانِ والكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: "حُسْنًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، ويُسَهِّلُهُ كَوْنُهُ عامًّا لَمَعانٍ، كَما تَقُولُ: وصَّيْتُكَ خَيْرًا، أو وصَّيْتُكَ شَرًّا، عَبَّرَ بِذَلِكَ عن جُمْلَةِ ما قُلْتَ لَهُ، ويُحَصِّنُ ذَلِكَ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ كَوْنُ حَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"؛ لِأنَّ المَعْنى: ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِالحُسْنِ في فِعْلِهِ مَعَ والِدَيْهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها فَكَأنَّنا جافَوْنا وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"، ويَنْتَصِبُ "حُسْنًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: يُحْسِنُ حَسَنًا، ويَنْتَصِبُ انْتِصابَ المُصَدِّرِ، وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ: "حَسَنًا" بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ: في الإمامِ مَكْتُوبٌ: "بِوالِدَيْهِ إحْسانًا"، قالَ أبُو حاتِمْ: يَعْنِي كالأحْقافِ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إحْسانًا" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ وعِيدٌ في طاعَةِ الوالِدَيْنِ في مَعْنى الكُفْرِ.

ثُمْ كَرَّرَ تَعالى التَمْثِيلَ بِحالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيُحَرِّكَ النُفُوسَ إلى نَيْلِ مَراتِبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ ﴾ مُبالَغَةٌ، عَلى مَعْنى: الَّذِينَ هم في نِهايَةِ الصَلاحِ وأبْعَدِ غاياتِهِ، وإذا تَحَصَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذا الحُكْمُ تَحَصَّلَ ثَمَرُهُ، وجَزاؤُهُ هو الجَنَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ مُخْتَفِينَ بِإسْلامِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَلَمّا خَرَجَ كُفّارُ قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ أخْرَجُوا مَعَ أنْفُسِهِمْ طائِفَةً مِن هَؤُلاءِ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانُوا أصْحابَنا وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ لِمَن بَقِيَ بِمَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ ورَدُّوهم إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمْ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فَخَرَجُوا، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ ﴾ في مُنافِقِينَ كَفَرُوا لَمّا أُوذُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ﴾ أيْ: صَعُبَ عَلَيْهِ أذى الناسِ حِينَ صَدُّوهُ، وكانَ حَقُّهُ ألّا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وأنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ في جَنْبِ نَجاتِهِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.

ثُمْ أزالَ تَعالى مَوْضِعَ تَعَلُّقِهِمْ ومُغالَطَتِهِمْ إنَّ جاءَ نَصْرٌ، ثُمْ قَرَّرَهم عَلى عِلْمِ اللهِ تَعالى بِما في صُدُورِهِمْ، أيْ: لَوْ كانَ يَقِينًا تامًّا وإسْلامًا خالِصًا لَما تَوَقَّفُوا ساعَةً، ولَرَكِبُوا كُلَّ هَوْلٍ إلى هِجْرَتِهِمْ ودارِ نَبِيِّهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ ، تَفْسِيرُهُ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ.

وهُنا انْتَهى المَدَنِيُّ في هَذِهِ السُورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

خص بالذكر فريقان هما ممن شمله عموم قوله ﴿ العالمين ﴾ [العنكبوت: 10] اهتماماً بهاذين الفريقين وحاليهما: فريق الذين آمنوا، وفريق المنافقين لأن العلم بما في صدور الفريقين من إيمان ونفاق يترتب عليه الجزاء المناسب لحاليهما في العاجل والآجل، فذلك ترغيب وترهيب.

ووجه تأكيد كلا الفعلين بلام القسم ونون التوكيد أن المقصود من هذا الخبر رد اعتقاد المنافقين أن الله لا يطلع رسوله على ما في نفوسهم، فالمقصود من الخبرين هو ثانيهما أعني قوله ﴿ وليعلمن المنافقين ﴾ .

وأما قوله ﴿ وليعلمن الله الذين ءامنوا ﴾ فهو تمهيد لما بعده وتنصيص على عدم التباس الإيمان المكذوب بالإيمان الحق.

وفي هذا أيضاً إرادة المعنى الكنائي من العلم وهو مجازاة كل فريق على حسب ما علم الله من حاله.

وجيء في جانب هاذين بالفعل المضارع المستقبل إذ نون التوكيد لا يؤكد بها الخبر المثبت إلا وهو مستقبل؛ إما لأن العلم مكنى به عن لازمه وهو مقابلة كل فريق بما يستحقه بحسب ما علم من حاله والمجازاة أمر مستقبل، وإما لأن المراد علم بمستقبل وهو اختلاف أحوالهم يوم يجيء النصر، فلعل من كانوا منافقين وقت نزول الآية يكونون مؤمنين يوم النصر ويبقى قوم على نفاقهم.

والمخالفة بين المؤمنين والمنافقين في التعبير عن الأولين بطريق الموصول والصلة الماضوية وعن الآخرين بطريق اللام واسم الفاعل لما يؤذن به الموصول من اشتهارهم بالإيمان وما يؤذن به الفعل الماضي من تمكن الإيمان منهم وسابقيته، وما يؤذن به التعريف باللام من كونهم عُهِدوا بالنفاق وطريانه عليهم بعد أن كانوا مؤمنين، ففيه تعريف بسوء عاقبتهم مع ما في ذلك من التفنن ورعاية الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أعْوانُ الظَّلَمَةِ.

الثّانِي: أنَّهم أصْحابُ البِدَعِ إذا اتُّبِعُوا عَلَيْها.

الثّالِثُ: أنَّهم مُحْدِثُو السُّنَنِ الجائِرَةِ إذا عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وليعلمن المنافقين ﴾ قال: أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس، أو مصيبة في أنفسهم، أو أموالهم، فتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله...

﴾ قال: كان أناس من المؤمنين آمنوا وهاجروا، فلحقهم أبو سفيان فرد بعضهم إلى مكة فعذبهم، فافتتنوا، فأنزل الله فيهم هذا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا أوذي في الله...

﴾ قال: إذا أصابه بلاء في الله عدل بعذاب الله عذاب الناس يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتنة الناس...

﴾ قال: يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال» .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله...

﴾ قال: ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من المشركين، رجعوا إلى الكفر والشرك مخافة من يؤذيهم، وجعلوا اذى الناس في الدنيا كعذاب الله.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ إلى قوله: ﴿ وليعلمن المنافقين ﴾ قال: هذه الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر مدنية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قال مقاتل: وليرين الله الذين صدقوا عند البلاء فثبتوا على الإسلام ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ بالشك عند البلاء (١) ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ آنفًا.

وقال صاحب النظم: دل بهذه الآية أن انقيادهم لمن آذاهم، وميلهم إليهم، وترك الصبر على الأذى في الله خروج من الإيمان، ودخول في الشرك في جملة المنافقين الذين لا يصبرون عند البلاء.

(١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله ﴾ نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذبهم الكفار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله المؤمنين قالوا: إنا كنا معكم، فمعنى أوذي في الله أوذي بسبب إيمانه بالله، وفتنة الناس، تعذيبهم، وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.

﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.

﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد  ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك  ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.

وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.

قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.

وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.

ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك  ﴾ ﴿ يس والقرآن  ﴾ ﴿ ص والقرآن  ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب  ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص  ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم  ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.

وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.

ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.

واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.

وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.

وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله  : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.

قال: والترك بمعنى التصيير.

فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.

وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله  في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا  ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.

والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.

فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.

فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟

أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟

ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.

وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله  ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".

والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.

وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.

وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.

قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.

وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم  ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.

ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.

أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا  ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.

وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.

واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.

وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.

فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.

ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.

إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.

ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.

وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.

ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.

أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.

قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.

وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.

وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.

وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.

وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله  وقال رسول الله  تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله  عنه.

وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.

ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.

يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.

ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.

ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله  .

وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.

ثم إنه  ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.

فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.

وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.

أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.

وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.

أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟

ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم  ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً  ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.

وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.

وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.

فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.

وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.

وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.

وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه  عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.

يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.

وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله  سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.

ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.

ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.

وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.

وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.

وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.

وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.

ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.

وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.

ثم أخبر أنه  أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.

اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.

وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.

وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.

كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.

وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.

ثم أخبر الله  عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.

ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.

ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.

أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.

ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟

سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.

الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.

فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.

فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.

وأيضاً المقصود تثبيت النبي  ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.

وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.

قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.

فاعترضوا عليهم بعمر نوح  وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.

ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.

ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال  "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.

وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.

والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.

وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.

التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.

فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.

﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.

﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.

ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى  : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فهو احق برعاية الحقوق منهما.

﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.

والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.

﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: ناس مؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة.

ثم قال: ﴿ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ : وذلك عَلَمُ المنافق.

ومنهم من يقول: نزلت الآية فيمن حقق الإيمان سرّاً وعلانية، إلا أنه عذب لأجل إيمانه بالله وبرسوله؛ فترك الإيمان وكفر؛ فعلى تأويل هذا يحتمل قوله: ﴿ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر على القطع من الأول والابتداء منه من صنيع المنافقين وخبرهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ أي: جعل فتنة الناس وتعذيبهم إياه في إعطاء ما سألوه - وهو الكفر - كعذاب الله في إعطاء ما سأل من أهل الكفر وهو الإيمان؛ لأن أهل الكفر إذا نزل بهم عذاب الله أو اشتد بهم خوف نزوله عليهم أعطوا الله ما سألهم من الإيمان والتوحيد، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ .

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن جعل فتنة الناس في ترك الإيمان كعذاب الله في ذلك، أي: جعل العذاب الذي من الناس كأنه من الله جاء فترك الإيمان.

وقوله: ﴿ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : فإن كانت الآية فيمن حقق الإيمان بالله سرا وعلانية، فيخرج هذا على التعيير له في ترك الإيمان بما عذب به؛ لأنه كان يقدر أن يظهر الكفر لهم باللسان؛ فيدفع العذاب عن نفسه، ويكون في الحقيقة في السر مؤمناً على ما ذكر: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ .

وإن كانت الآية في المنافقين، فيقول: كيف أسررتم الكفر والخلاف له في القلب، وأنتم تعلمون أن الله عالم بما في صدور العالمين؟!

فيخبر رسوله بما أضمروا وأسرّوا من الخلاف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا: أن يعلم كائناً ما قد علم أنه سيكون، ويعلم موجوداً ظاهراً ما قد علم أنه يوجد ويظهر.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ : كأنهم قالوا ذلك لهم بعدما عجزوا عن الطعن في الحجج والآيات ما يوجب شبهة فيما عند الناس، وبعدما انقطعوا عن اللجاج فيها والاحتجاج عليها، فلما عجزوا عن ذلك كله فعند ذلك اشتغلوا بما ذكر وقالوا للمؤمنين ما ذكر.

﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ﴾ أي: ديننا، ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ يقولون - والله أعلم -: اتبعوا سبيلنا فإنه صواب، فإن أصابكم خطأ أو أخطأتم في الاتباع له فإنا نحمل خطاياكم.

وقال بعضهم: قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، وإن كان عليكم شيء فهو علينا؛ وهو قريب من الأول.

أو أن يقولوا لهم: اتبعوا سبيلنا؛ فإن الله أمرنا به، فإن أخطأتم في ذلك فإنا نحمل خطاياكم أو نحوه، فهذا القول منهم متناقض؛ لأنهم ذكروا أنهم كانوا يخطئون في الاتباع لهم دينهم، إلا أن يريدوا بذلك ما ذكرنا.

والثاني: إنما كانوا يضمنون ويحملون خطاياهم لا بإذن من له الطلب في الخطايا، ولكن بإذن من عليه ذلك، وذلك لا يصلح الضمان بإذن من عليه.

ثم أخبر أنهم لا يحملون ذلك حيث قال: ﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ فيما يذكرون من حمل خطاياهم، أي: لا يقدرون على حملها.

أو كاذبون في الدعاء إلى اتباع سبيلهم.

أو كاذبون أن الله أمرهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ : يحملون أوزارهم بضلال أنفسهم، وأثقالا بإضلال غيرهم ودعائهم إليه، كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ، وذكر في خبر أن نبي الله  قال: "ما من داع دعا إلى هدى فاتبع عليه إلا كان له مثل أجور من اتبعه، ولا ينقص من أجورهم شيء" وقوله: ﴿ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : قال بعضهم: افتراؤهم: اتخاذهم الأصنام آلهة؛ إذ يكون الافتراء في الفعل والقول جميعاً.

وجائز أن يكون افتراؤهم ما ذكروا من حمل خطئهم أو ما قالوا: إن الله أمرهم بذلك، أو تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وليعلمنّ الله الذين آمنوا به حقًّا، وليعلمنّ المنافقين الذين يظهرون الإيمان، ويضمرون الكفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.9vpkK"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل