التفسير البسيط سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة العنكبوت

تفسيرُ سورةِ العنكبوت كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 129 دقيقة قراءة

تفسير سورة العنكبوت كاملةً (أبو الحسن الواحدي)

الٓمٓ ١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢

﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ عشر آيات من أول السورة (١) (٢) وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش (٣) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: أنَّ الله أعلم (٤) ﴿ الم ﴾ أَن قسم (٥) واختار الزجاج قول ابن عباس (٦) وقال في قوله: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم (٧) وقوله: ﴿ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ (أن) في موضع نصب بحَسِب.

وقوله: ﴿ أَنْ يَقُولُوا ﴾ (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: ﴿ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل ﴿ يُتْرَكُوا ﴾ إلى أن فنصب.

والثانية: أن تجعل ﴿ أَحَسِبَ ﴾ مكررة عليها، المعنى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ أحسبوا (٨) ﴿ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ (٩) (١٠) قال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ ﴿ أَنْ يَقُولُوا ﴾ لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم (١٣) قال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا (١٤) (١٥) ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ .

(١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 95.

وابن جرير 20/ 129، وابن أبي حاتم 9/ 3031.

وذكره الثعلبي 8/ 155 ب، والواحدي "أسباب النزول" 340.

(٢) سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي -  - يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، -  -.

"سير أعلام النبلاء" 1/ 316، "الإصابة في معرفة الصحابة" 3/ 120.

== - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر -  -، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك.

وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك.

"فتح الباري" 8/ 227، و"الإصابة" 5/ 47.

و"سير أعلام النبلاء" 1/ 316.

- الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي -  - يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي -  - في عمرة القضية.

"الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 34، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 323.

- ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون -  -.

"الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 99، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 332.

وقد ثبت في الصحيح دعاء النبي -  - لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي -  - كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف".

قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح.

أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (1006) ، "فتح الباري" 2/ 492.

وأخرجه مسلم 1/ 467، في المساجد، رقم (675)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله -  - ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله -  - قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا.

وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!.

ولم أجد هذا المعنى في = (٣) لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل 70 ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -  -، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد -  -، فجزع عليه أبواه.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 155 ب.

والواحدي في "أسباب النزول" 340.

وقال عنه الزيلعي: غريب.

"تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 39، وساق ما روي في شأن مهجع -  -.

ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم.

وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد -  -، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.

(٤) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3029، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى.

وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.

(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3030.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.

(٨) أحسبوا.

زيادة من الفراء.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 314.

التقدير على هذا القول: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ أحسب الناس ﴿ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ﴾ وجملة ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ متعلقة بالحالين: الترك، والقول.

والله أعلم.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.

(١١) محذوف، من نسخة: (ب).

(١٢) "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 2/ 221 أ.

والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.

(١٣) أخرجه ابن جرير 20/ 128، عن مجاهد.

وأخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 128، عن قتادة بلفظ: لا يبتلون.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس.

(١٤) "تفسير مقاتل" 70 ب، بمعناه.

قال ابن قتيبة: ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ أي: لا يقتلون ولا يعذبون.

"غريب القرآن" 337.

(١٥) "تفسير مقاتل" 70 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٣

﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ قالوا جميعًا: ابتلينا (١) قال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن -  -، وقوم كانوا معه ومِنْ بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه (٢) وقال غيره: يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب (٣) قوله تعالى: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ قال مقال: يقول: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم من هذه الأمة عند البلاء، فيصبروا لقضاء الله ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ﴾ يقول: وليرين ﴿ الْكَاذِبِينَ ﴾ (٤) قال أبو إسحاق: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ﴾ صِدْق الصادق بوقوع صدقه منه، ووقوع كذب الكاذب منه، وهو الذي يجازَى عليه، والله -عز وجل- قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما؛ ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازَى عليه (٥) ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ﴾ جاء بلفظ الاستقبال لحدوث المعلوم وهو الصدق والكذب، وإنما يعلم صدق الصادق كائنًا عند حدوثه، وكذلك كذب الكاذب، وقد بينا هذا بيانًا شافيًا عند قوله: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ في سورة البقرة [143] (٦) واختار صاحب النظم في قوله: ﴿ الم ﴾ أن يكون قسمًا، وجعله واقعًا على قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ وجعل قوله: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾ كلامًا معترضًا بين القَسَم وبين ما هو واقع عليه؛ قال: ودل على هذا دخول النون الثقيلة في قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ كما تقول: والله لأضربنَّ عمرًا.

فإن قيل: لِمَ دخلت الفاء في قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ قيل: إنه لما يجيء بالجواب لقوله: ﴿ الم ﴾ حتى قال: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ صار كأن قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ معطوفًا عليه وجوابًا له فقد اشترك قوله: ﴿ الم ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ في قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ للعطف على معنى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ﴾ وذلك أن الله تعالى لما قال: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾ الآية، كان إنكارًا لحسبانهم أنهم لا يفتنون، وإذا كان إنكارًا ففيه دليل على أنه -عز وجل- أوجب أن يفتنهم؛ لأنه لا ينكر شيئًا إلا ويوجب ضده، ثم لما قال: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ دل بهذا القول على هذا المعنى من إيجاب الفتنة، فيكون تأويله: لنفتنهم كما فتنا الذين من قبلهم، ثم صار قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ﴾ معطوفًا على هذا التأويل.

وقال في قوله: ﴿ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ ليس هذا من الصدق اللازم الذي تأويله: صَدَق في قوله، وهو من الصدق المتعدي الذي يقال عنه: صَدَقَنِي فلانٌ، أي: قال لي الصدق، وكَذَبَنِي؛ أي: قال لي الكذب.

والمعنى ﴿ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ الله ما وعدوه، أي: تَمّوا عليه ووفوا به ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ الذين كذبوا الله ما وعدوه.

وقال في قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ : لا يعني بذكر الفتنة إلا من أضمر الإيمان والإسلام دون الكافر؛ لأن الفتنة تجريب، كما يفتن الذهب والفضة بالنار إذا أحميا ليظهر صفاؤهما وخبثهما، والكافر ظاهر خبثه، فلا حاجة إلى تجريبه بالفتنة.

انتهى كلامه.

(١) أخرجه ابن جرير 20/ 129، عن مجاهد، وقتادة.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن الضحاك، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وعطاء.

و"تفسير مقاتل" 70 ب.

و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 113.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 337، وقال في "تأويل مشكل القرآن" 472: اختبرنا.

(٢) ورد هذا المعنى في حديث مرفوع أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم الحديث (3852)، "فتح الباري" 7/ 165.

من حديث خباب بن الأرت -  -، قال: أتيت النبي -  -، وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد وهو محمرٌ وجهُه فقال: "لقد == كان مَن قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرِق رأسه فيُشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه.

ولَيُتمن الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله".

زاد بيانٌ: "والذئبَ على غنمه".

وقول ابن عباس ذكره الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 428.

(٣) ذكره الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 428، ولم ينسبه.

(٤) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.

(٦) قال الواحدي في تفسيرِ هذه الآية: قوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يَحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب == جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحُكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبَّد بالشيء إذا لم يُطع وعصى علمه الله تعالى عاصيًا، وإذا أطاع علمه مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه علمًا يستحق به الثواب؛ وإن كان في معلوم الباري أنه يطمِع فمعنى قوله: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٤

قال مقاتل: ثم أوعد كفار العرب فقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ يعني الشرك (١) قال ابن عباس: يعني الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاص بن هشام، وغيرهم من قبائل شتى (٢) وقال مقاتل: نزلت في بني عبد شمس؛ منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل (٣) وقال الكلبي: نزلت في الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدة بن الحارث يوم بدر وهم.

عتبة وشيبة والوليد بن عتبة (٤) قوله تعالى: ﴿ أَنْ يَسْبِقُونَا ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: [أن يفوتونا] (٥) (٦) (٧) قال مقاتل: أن يفوتونا بأعمالهم السيئة، كلا بل نخزيهم بها في الدنيا؛ فقتلهم الله ببدر (٨) قوله تعالى: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا لأنفسهم (٩) ﴿ مَا ﴾ نصب على: ساء حكمًا يحكمون، كما تقول: نعم رجلاً زيدٌ، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: ساء الحكم حكمهم (١٠) (١) "تفسير مقاتل" 70 ب.

وأخرجه ابن جرير 20/ 130، وابن أبي حاتم 9/ 3033، عن قتادة.

وهو قول الثعلبي 8/ 156 أ.

(٢) "تنوير المقباس" 332، بنحوه.

- الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله يوم بدر حمزة ابن عبد المطلب -  -.

"السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 370.

- العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو أبي جهل، قتله يوم بدر عمر ابن الخطاب -  -.

"السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 368، و"الأعلام" 3/ 247.

(٣) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٤) "تنوير المقباس" 332.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، ولا يستقيم الكلام بدونه.

وهو في "تفسير مقاتل" 70 ب.

و"تنوير المقباس" 332، وتفسير ابن جرير 20/ 130.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 130، وابن أبي حاتم 9/ 3033، عن مجاهد.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ، بمعناه.

(٨) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٩) "تنوير المقباس" 332.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.

<div class="verse-tafsir"

مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٥

قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾ أي: يخاف البعث والحساب.

قاله المفسرون (١) (٢) ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا  ﴾ .

وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله (٣) (٤) ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٥) وقال صاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ  ﴾ والأجل المسمى (٦) ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ قال ابن عباس: لقولكم ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بما في الدنيا العلم به.

(١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3034، عن سعيد بن جبير، والسدي، بلفظ: يخشى.

وهو قول أبي عبيدة، مجاز القرآن 2/ 113.

وقال ابن قتيبة: يخافه، "غريب القرآن" 337.

وهو قول ابن جرير 20/ 130.

والثعلبي 8/ 156 أ.

(٢) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ، بنصه، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3034، بلفظ: من كان يخشى، وبلفظ: البعث في الآخرة، وبلفظ: ثواب ربه.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160، وقد رد على من قال بأن معنى الرجاء هنا الخوف فقال: فأما من قال: إن معناه الخوف، فالخوف ضد الرجاء، وليس في الكلام ضد.

(٥) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٦) المسمى، من نسخة: (أ).

<div class="verse-tafsir"

وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦

قوله: ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لمرضاة الله ﴿ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ وقال مقاتل: يقول: من يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه (١) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ عن أعمالهم وعبادتهم.

(١) "تفسير مقاتل" 70 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٧

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما عملوا في الشرك.

يريد: لَيُبْطِلها حتى تصير بمنزلة من لم يعمل ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا ﴾ قال مقاتل: نجزيهم بإحسانهم ولا نجزيهم بمساوئهم (١) (٢) (١) "تفسير مقاتل" 71 أ.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ.

<div class="verse-tafsir"

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨

وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ قال الأخفش: هو على: ووصيناه بحسن، وقد تقول العرب: وصيته خيرًا، أي: وصيته بخير (١) (٢) (٣) قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك، لما هاجر قالت أمه: والله لا يظلني ظل بيت حمَى ترجع إلى ما كنت عليه، فحثَّ الله سعدًا على البر بأمه، ونهاه أن يطيعها في الشرك؛ وهو قوله: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ (٤) ﴿ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل لأمه، والقصة في ذلك مشهورة (٥) ثم أوعد بالمصير إليه فقال: ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها لأجازيكم عليها؛ لأن فائدة الإخبار هنا: المجازاة عليها.

والمعنى: أن طاعة الله في البر بالأم عمل صالح، [وطاعة الأم بالشرك بالله عن شيء يجازي الله عليها من عمل بأجرها] (٦) (١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 655.

(٢) قال ابن جرير 20/ 131: وقال بعض نحوي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حسنًا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي دلالة على ما سقط.

وذكر هذا القول الثعلبي 8/ 156 أ، ونسبه لأهل الكوفة.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.

(٤) أخرج سبب نزول هذه الآية مسلم في "صحيحه" 4/ 1877، كتاب: فضائل الصحابة، رقم (1748) بعد حديث رقم (2412).

وأخرجه كذلك أبو يعلى == الموصلي، في مسنده 2/ 116، رقم (782).

وروى بعضه البخاري، في "الأدب المفرد"، باب: بر الوالد المشرك، رقم (24)، "صحيح الأدب المفرد" (40).

وأخرجه ابن جرير 20/ 131، عن قتادة.

وابن أبي حاتم 9/ 3036، عن قتادة، ومصعب بن سعيد.

وذكره مقاتل 71 أ.

والثعلبي 8/ 156 أ.

وأخرجه الواحدي بإسناده في "الوسيط" 3/ 414، وكذا في أسباب النزول 340، لكن صدَّره في "أسباب النزول" بقوله: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص ..

فلعله يريد بذلك: الاتفاق على نزولها في سعد -  -، والله أعلم.

(٥) ذكر الواحدي هذه القصة في كتابه "أسباب النزول" 169، عند قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً  ﴾ ولم أجدها في تفسيره البسيط؛ حيث أفاد محقق سورة النساء أن تفسير هذه الآية من القسم المفقود من الكتاب، "البسيط".

وذكر هذه القصة الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف"، في سورة النساء 1/ 339، وفي سورة العنكبوت 3/ 41، وملخص هذه القصة: أن عياش هاجر مع عمر بن الخطاب -  -، مترافقين، حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه ..

فنزلا بعياش فقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام، وبر الوالدين، وقد تركت أمك لا تطعم، ولا تأوي بيتًا حتى تراك وهي أشد حبًا لك منا، فاخرج معنا فاستشار عمر، فقال: هما يخدعانك ولك عليَّ أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد خلأت فاحملني معك، قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه، ونزلا فجلداه كل واحد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه، قالت له: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد ففتناه فافتتن.

قال الزيلعي: رواه البزار في مسنده، ثم ساق سنده، ثم قال: وكذلك رواه ابن هشام في السيرة، عن ابن إسحاق بسنده المذكور ومتنه سواء، ونقله الثعلبي بلفظ المصنف عن مقاتل.

وقد ألمح ابن حجر إلى نقد هذه == الرواية فقال: أخرجه الثعلبي بغير سند، والواحدي عن ابن الكلبي، ورواه الطبري من طريق أسباط عن السدي بتغيير يسير.

الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1/ 538.

ومعنى: خلأت: بركت فلم تقم.

"تهذيب اللغة" 7/ 577 (خلأ).

(٦) ما بين المعقوفين هكذا كتب في النسختين؛ ولعل الصواب -والله أعلم-: وطاعة الأم بالشرك بالله عمل سيئ يجازي الله عليها من عمل بها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ ٩

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴾ قال مقاتل: لندخلنهم مع الصالحين الجنة (١) (٢) وقال صاحب النظم: تأويله: لندخلنهم الجنة في زمرة الصالحين.

وهو من باب الاختصار.

والمراد بالصالحين: الأنبياء والأولياء (٣) (١) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٢) تفسير ابن جرير 20/ 132.

وقد ذكره عنه بنصه الثعلبي 8/ 156 ب.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3037، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وذكره بنصه الثعلبي 156 ب، ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌۭ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في قصة عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر، فلما ضرب على الإسلام وعوقب ارتد ورجع إلى الكفر [["تفسير مقاتل" 71 أ، في خبر طويل.

و"تنوير المقباس" 332، مختصرًا.

وذكره == الثعلبي 8/ 156 ب، بطوله، ونسبه لمقاتل والكلبي.

وأخرج ابن جرير 20/ 133، وابن أبي حاتم 9/ 3037، عن ابن عباس، أنها نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فاصيب بعضهم، وقتل بعض، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمون وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية [النساء: 97] قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، خرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية.

قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك، وهو ثقة.

"مجمع الزوائد" 7/ 10.

وهذا هو الصواب جعل الآية عامة، أما ما ذكره الواحدي عن ابن عباس ومقاتل من ارتداد عياش، وجعل نزول الآية فيه؛ فهذا ليس بصواب؛ لما سبق في ترجمة عياش من أنه لم يرتد، بل صبر على فتنة قومه.]].

وهو معنى قوله.

﴿ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ﴾ يعني: ضرب إخوته وأمه إياه ليفتنوه عن دينه، وهو قوله تعالى: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ .

وقال مقاتل: يقول: جعل عذاب الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (١) وقال أبو إسحاق: جزع من عذاب الناس، كما يجزع من عذاب الله (٢) وقال صاحب النظم: أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس، كما يطيع الله من خاف عذابَه، وفي نزول هذه الآية قول آخر؛ قال مجاهد: نزلت في أناس يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو أموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (٣) (٤) قال أبو إسحاق: وينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله -عز وجل- (٥) قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ ابتداء كلام آخر على القول الأول (٦) ﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾ يعني: دولة للمؤمنين (٧) وقال ابن عباس: نصر لأولياء الله وأهل طاعته (٨) ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ يعني: المنافقين للمؤمنين ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ على عدوكم (٩) ﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾ بما سبقه.

وهو اختيار صاحب النظم؛ أخرج ﴿ مِنْ ﴾ موحدًا في أول الآية، وأخرجه مخرج الجمع في قوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ موحد مرةً على اللفظ، وجُمع مرةً على المعنى.

وكذلك القراء يختلفون في الوقف عند قوله: ﴿ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ فهو عند نافع تمام، وعند غيره ليس بتمام؛ لاتصاله بما قبله (١٠) قوله تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ بضمائر العالمين وأسرارهم من الإيمان والنفاق، وغير ذلك، أي: لا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ ننصركم على عدوكم.

قال صاحب النظم: دَلَّ بقوله: ﴿ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ على أنهم كاذبون في قولهم: ﴿ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ﴾ .

(١) "تفسير مقاتل" 71 أ.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.

(٣) أخرجه ابن جرير 20/ 132، وابن أبي حاتم 9/ 3037، وذكره الثعلبي 156 ب.

(٤) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3037، عن السدي، بمعناه.

و"تفسير مقاتل" 71 ب، بمعناه.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.

(٦) أي: على القول بأنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة.

(٧) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٨) في "تنوير المقباس" 332: فتح مكة.

(٩) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(١٠) هكذا في النسختين: لاتصاله بما قبله؛ وهو خطأ؛ والصواب: لاتصاله بما بعده.

قال النحاس: ﴿ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ عن نافع تم، قال غيره: والتمام ﴿ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ .

"القطع والائتناف" 2/ 519 <div class="verse-tafsir"

وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ ١١

وقوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قال مقاتل: وليرين الله الذين صدقوا عند البلاء فثبتوا على الإسلام ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ بالشك عند البلاء (١) ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ آنفًا.

وقال صاحب النظم: دل بهذه الآية أن انقيادهم لمن آذاهم، وميلهم إليهم، وترك الصبر على الأذى في الله خروج من الإيمان، ودخول في الشرك في جملة المنافقين الذين لا يصبرون عند البلاء.

(١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن شَىْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١٢

وقوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ﴾ قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم؛ قالوا لهم: لا نُبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليكم شيء فهو علينا (١) (٢) وقال مقاتل: قال أبو سفيان بن حرب، لعمر بن الخطاب، وعمار، وخباب، ومن آمن من قريش: اتبعوا ديننا ملة آبائنا، ونحن الكفلاء (٣) ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ (٤) قال الأخفش: جزم على الأمر؛ كأنهم أمروا أنفسهم (٥) وقال الفراء: هو أمر فيه تأويل جزاء، كما أن قوله: ﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ  ﴾ نهي فيه تأويل الجزاء، وهو كثير في كلام العرب؛ قال الشاعر: فقلتُ ادعِي وأَدْعُ فإنَّ أندى ...

لِصَوتٍ أن يُناديَ داعيانِ أراد: ادعِي ولأَدْعُ، كأنه قال: إن دعوتِ دعوتُ (٦) وقال صاحب النظم: قال لهم ارجعوا إلى ديننا لنضمن عنكم كلَّ ما يجئكم من ذلك.

وذكر أبو إسحاق نحو ما قال الفراء؛ فقال: هو أمرٌ في تأويل الشرط والجزاء؛ المعنى: إن تتبعوا طريقنا الذي نسلكه في ديننا حملنا خطاياكم، إن كان فيه إثم فنحن نحتمله (٧) وقال المبرد: ﴿ اتَّبِعُوا ﴾ أمر ﴿ وَلْنَحْمِلْ ﴾ معطوف عليه، وإنما أمروهم ثم عادوا فأمروا أنفسهم، ولا تحذف اللام إلا من الأمر المواجهة وما سوى ذلك فلابد من اللام، تقول: قم وليقم زيد (٨) قال الله تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ معناه: من شيء يخفف عن المحمول عنه العذاب (٩) ﴿ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: إنهم ليعدونهم الباطل.

(١) أخرجه ابن جرير 20/ 134، وابن أبي حاتم 9/ 3039، عن مجاهد، وأخرجا نحوه عن الضحاك.

(٢) "تنوير المقباس" 333.

(٣) في نسخة: (ب): الكفلة.

(٤) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٥) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 655.

(٦) أنشده سيبويه 3/ 45، ونسبه للأعشى، وفي الحاشية: لم يرد في ديوانه، وروي أيضًا للحطيئة، أو ربيعة بن جشم، أو دثار بن شيبان النمري.

وقبله: تقول خليلتي لما اشتكينا ...

سيدركنا بنو القرم الهجان وأنشده الفراء، "معاني القرآن" 2/ 314، ولم ينسبه.

وأنشده الثعلبي 8/ 157 أ، عن الفراء.

واستشهد به في الإنصاف 2/ 531، على إعمال حرف الجزم مع الحذف، ولم ينسبه.

وفي الحاشية: محل الاستشهاد من البيت قوله: وأدع، فإن المؤلف أنشده على لسان الكوفيين على أن الشاعر أراد: ولأدع، بلام الأمر، وبجزم الفعل المضارع بحذف الواو، والضمة قبلها دليل عليها.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.

(٨) أراد المبرد بقوله: الأمر المواجهة: صيغة الأمر الصريحة الأصلية التي يلزم منها حضور المأمور الموجه إليه الخطاب، كقولك: قم يا زيد، فإن كان الأمر بغيرها كالأمر بالمضارع لزم دخول اللام الدالة على الأمر كقولك: ليقم زيد.

والله أعلم.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 162، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًۭا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣

﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ ﴾ قال مقاتل: أوزارهم التي عملوها ﴿ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ وأوزارهم لقولهم للمؤمنين: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ﴾ (١) ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ قاله مقاتل وابن عباس ومجاهد (٢) قال قتادة في هذه الآية: من دعا قومًا إلى ضلالة فعليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٣)  -: "ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (٤) وقوله: ﴿ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ قال أبو إسحاق: ذلك سؤال توبيخ لا سؤال إعلام (٥) وقوله: ﴿ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يقولون على الله الكذب (٦) وقال مقاتل: يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله (٧) (١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 135، عن ابن زيد، وفيه ذكر آية النحل.

وذكره مقاتل 71 ب، دون ذكر آية النحل.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 3040.

وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" (337).

(٤) الحديث أخرجه مسلم 2/ 704، كتاب: الزكاة، رقم الحديث (1017)، وله قصة ذكرها جرير بن عبد الله -  - قال: كنا عند رسول الله -  - في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله -  - لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ إلي قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  ﴾ والآية التي في الحشر: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كله تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -  - يتهلل كأنه مُذهَبة، فقال رسول الله -  -: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

وأخرجه مختصرًا الترمذي 5/ 42، كتاب: العلم، رقم (2675)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه بسنده الثعلبي 8/ 157 ب، من حديث جرير بن عبد الله -  -.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 162.

(٦) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3040.

(٧) "تفسير مقاتل" 71 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١٤

قال ابن عباس: ثم عزَّى نبيه فأخبره بما ابتلي به النبيون من قبله من قومهم؛ فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ﴾ يريد: أقام فيهم يدعوهم إلى الله ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ﴾ روى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: بُعث نوح لأربعين سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الغرق ستين عامًا، حتى كثر الناس وفشوا (١) ﴿ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ ﴾ قال مقاتل: يعني الماء طغى فوق كل شيء فغرقوا (٢) ﴿ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ قال ابن عباس: مشركون (٣) (٤) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3041، من طريق يوسف بن مهران.

وذكره الثعلبي 157 ب.

وأخرجه من هذا الطريق الحاكم 2/ 595، كتاب تواريخ المتقدمين، رقم (4005)، ولم يتكلم عنه الحاكم، وسكت عنه الذهبي.

(٢) "تفسير مقاتل" 71 ب.

وأخرجه عبد الرزاق 2/ 100، وابن جرير 20/ 136، عن قتادة.

وقال ابن قتيبة: المطر الشديد.

"غريب القرآن" 337.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3043.

(٤) عند قوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ  ﴾ ، حيث تكلم الواحدي عن معنى الطوفان والمراد به في الآية في أربع صفحات، ومما ذكره قول الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيرًا محيطًا مطيفًا بالجماعة كلها كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة يقال له: طوفان.

<div class="verse-tafsir"

فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٥

﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ ﴾ يعني نوحًا من الغرق (١) ﴿ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ ﴾ يعني الذين ركبوها معه ﴿ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد تركت السفينة آية لمن بعد نوح (٢) وقال مقاتل والكلبي: يعني عبرة لمن بعدهم من الناس (٣) (٤) (١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 136، وابن أبي حاتم 9/ 3043، عن قتادة، بنحوه.

(٣) "تفسير مقاتل" 71 ب.

"تنوير المقباس" 333.

(٤) قال ابن جرير 20/ 136: ولو قيل: معنى: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا ﴾ كناية عن العقوبة أو السخط ونحو ذلك، إذ كان تقدم ذلك في قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ كان وجهًا من التأويل.

<div class="verse-tafsir"

وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٦

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ﴾ قال الزجاج: المعنى: وأرسلنا إبراهيم، عطفًا على نوح (١) ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله وخافوه.

وقال مقاتل: وحدوا الله واخشوه ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يعني: عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ولكنكم لا تعلمون (٢) (٣) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 164.

(٢) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٣) "تنوير المقباس" 333.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًۭا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ١٧

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ﴾ قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم: ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس (١) وهذا كما قال ابن عباس: يريد الأصنام التىِ تتخذ من الحجارة (٢) ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ﴾ قال أبو عبيدة: خلق واختلق، وخرق واخترق وافترى؛ واحد كله (٣) (٤) (٥) القول الثاني: أن هذا محمول على الصنع باليد؛ قال مجاهد: وتصنعون أصنامًا بأيديكم فتسمونها آلهة (٦) (٧) ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: == 14\]: أي: المصورين المقدرين، والخلق في اللغة: التقدير، والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته؛ إذا قِسته لتقطع منه مزادة أو قربة أو خفًا.]].

وقال الكلبي: جعلتم بأيديكم من العيدان والحجارة إفكًا (٨) وقال قتادة: تصنعون أصنامًا وتنحتونها (٩) وقال الحسن: وتنحتون إفكًا (١٠) وقال مقاتل: تعملونها بأيديكم، ثم تزعمون أنها آلهة كذبًا (١١) قال أبو إسحاق: ويكون التأويل على هذا القول: إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وأنتم تصنعونها (١٢) (١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 114، بلفظ: الوثن: ما كان من حجارة أو جص.

وليس فيه ما يتعلق بالصنم، وما ذكره أبو عبيدة في المجاز ذكره ابن قتيبة بنصه في "غريب القرآن" 337، ولم ينسبه.

وقد تتبعت الآيات التي وردت فيها كلمة: أصنام، فلم أجد أبا عبيدة تكلم عن هذه المسألة في كتابه "المجاز".

وقريب مما ذكر الواحدي عند الأزهري؛ قال: وقال شمر فيما قرأت بخطه: أصل الأمثال == عند العرب: كل تمثال من خشب، أو حجارة، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، ونحوها.

"تهذيب اللغة" 15/ 144 (وثن).

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3043، عن قتادة، بلفظ: أصناما.

(٣) في مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 114: مجازه: تختلقون وتفترون.

ولم أجده عند الأزهري، مادة.

خلق.

(٤) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3044.

(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 137.

وهو قول ابن قتيبة، قال: تخرصون كذبا.

"تأويل مشكل القرآن" 506.

وفي "غريب القرآن" 337، قال: تختلقون كذبا.

(٦) ذكره الثعلبي 8/ 157 ب، بنصه عن مجاهد.

وأخرج نحوه ابن جرير 20/ 137، عن ابن عباس، من طريق عطاء.

ولم أجد فيه القول الذي نسبه لمجاهد، لكن أخرج ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3044، عنه: تقولون كذبا.

(٧) وبهذا المعنى فسر الآية ابن الأنباري، فقال: والخلق: التقدير، قال الله جل اسمه: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ﴾ أي: تقدرون كذبا.

"الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 88، و"الأضداد" (159).

(٨) "تنوير المقباس" 333، بمعناه.

(٩) أخرجه ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3044، عن ابن عباس، وقتادة.

(١٠) أخرجه عبد الرزاق 2/ 96.

(١١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 165.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ١٨

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ١٩

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يعني الكفار.

قال مقاتل: ألم تعلم كفار مكة (١) ومن قرأ بالتاء فهو خطاب لهم، ويدل عليه ما تقدم من الخطاب (٢) ﴿ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ﴾ قال ابن عباس: عند الميلاد.

قال مقاتل: خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فذكر اختلاف أحوال الخلق (٣) وقوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ قالا.

يعني في الآخرة عند البعث (٤) ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد الخلق الأول، والخلق الآخر (٥) (١) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء.

"السبعة في القراءات" 498، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 426، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 182، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.

(٣) "تفسير مقاتل" 72 أ، ويعني بقوله: فذكر اختلاف الخلق، أن مقاتل ذكر بقية == الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته؛ قال ..

ثم من مضغة، ثم عظامًا، ثم لحمًا، ولم يكونوا شيئًا، ثم هلكوا، ثم يعيدهم الله في الآخرة.

(٤) يعني بـ: قالا: ابن عباس، ومقاتل، لتقدم ذكرهما.

وقول مقاتل في "تفسيره" 72 أ.

وأخرجه ابن جرير 20/ 139، وابن أبي حاتم 9/ 3045، عن قتادة.

ولم أجده لابن عباس إلا في "تنوير المقباس" 333.

(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3045، بلفظ: يعني: هينا.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠

قوله: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: هل تجدون فيما تبحثون من البلاد وتسيرون خالقًا غيري، والمعنى على هذا: سيروا لتعلموا أن الذي بدأ الخلق هو الله لا خالق غيره، فإذ أقروا بابتداء الخلق وعلموا أن ذلك من الله، لزمتهم الحجة في الإعادة.

وقال مقاتل: ﴿ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾ يعني خلق السموات والأرض وما فيهما من الخلق (١) قال مقاتل: وذلك لأنهم يعلمون أن الله خلق الأشياء كلها (٢) قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ﴾ أي: ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها يُنشؤها نشأة ثانية (٣) ﴿ النَّشْأَةَ ﴾ بالقصر.

وقرأ أبو عمرو بالمد [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: [النَّشَاءَةَ] ممدودة في كل القرآن، وقرأ الباقون بالقصر.

"السبعة في القراءات" 498، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 427، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 183، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]]، والأحسن القصر؛ يقال: نَشَأَ ينشأ نَشئًا ونشأة، ولم يذكر أبو زبد وأبو عبيدة المد (٤) (٥) (١) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٢) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٣) "تفسير مقاتل" 72 أ، بمعناه.

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 427، بتصرف.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 315.

<div class="verse-tafsir"

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ٢١

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ٢٢

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ اختلفوا في تقدير الآية على وجهين، فقال الفراء: يقول القائل: كيف وَصَفهم بأنهم لا يُعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا من أهل السماء فالمعنى والله أعلم: ما أنتم (١) أمن يهجو رسول الله منكم ...

ويمدحُهُ وينصرُه سواءُ (٢) أراد: ومن يمدحه ومن ينصرهُ فأضمر.

ومثله في الكلام: أكرم من أتاك، وأتى أباك؛ يعني: وأكرم مَنْ أتى أباك (٣) (٤) (٥) والوجه الثاني: قال قطرب: معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها، كقوله: ما يفوتني فلان بالبصرة، ولا هاهنا في بلدي.

يعني: ولا بالبصرة لو صار إليها (٦) (٧) وذكر أبو إسحاق القولين موجزًا؛ فقال: معناه: ما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين.

ويجوز: وما أنتم بمعجزين في الأرض، لا ولو كنتم في السماء.

أي: لا ملجأ من الله إلا إليه (٨) ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ يمنعكم منِّي ﴿ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ ينصركم من عذابي.

قاله ابن عباس (٩) (١) أنتم، غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 315.

ونسب البيت لحسان، وعن الفراء أنشده ابن جرير 20/ 140.

وهو في "ديوانه" 9، من قصيدة له في مدح النبي -  -، قبل فتح مكة.

بلفظ: فمن يهجو.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 315.

ونحوه عند ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 217، و"غريب القرآن" 338.

(٤) أخرج نحوه ابن جرير 20/ 139، وابن أبي حاتم 9/ 3047، عن ابن زيد.

(٥) "تنوير المقباس" 333، مثل قول ابن عباس.

(٦) ذكره عن قطرب ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 266.

وهو قول الأخفش؛ قال: أي: لا تعجزوننا هربًا في الأرض ولا في السماء.

"معاني القرآن" 2/ 656.

(٧) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 165.

(٩) "تنوير المقباس" 334، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٣

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ ﴾ بالقرآن والبعث بعد الموت ﴿ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ﴾ يعني من جنتي.

قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل (١) (٢) (١) "تفسير مقاتل" 72 أ.

و"تنوير المقباس" 334.

(٢) تفسير ابن جرير 20/ 140، بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٢٤

﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ يعني حين دعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام (١) ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ﴾ وهذا تسفيه لرأيهم، وتجهيل لأحلامهم حين أجابوا مَنْ احتج عليهم بأن يُقتل أو يُحرق (٢) قوله تعالى: ﴿ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: ففعلوا فأنجاه الله (٣) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في إنجاء الله إبراهيم من النار حتى لا تحرقه بعد ما ألقي فيها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ بتوحيد الله وقدرته (٤) (١) "تفسير مقاتل" 72 أ.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 166، بمعناه.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3048، بمعناه.

(٤) "تفسير مقاتل" 72 أ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍۢ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًۭا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٢٥

﴿ وَقَالَ ﴾ إبراهيم لقومه: ﴿ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ اختلف القراء في هذه الآية؛ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: (مَّوَدَّةُ) بالرفع ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ (١) أحدها: أن يجعل: ما اسم: إن، ويضمر ذكرٌ مَّا يعود إلى: ما، فيكون التقدير: إن الذين اتخذتموهم من دون الله ﴿ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ فتصير (مَّوَدَّةُ): خبر إن، وتجعل المودة: ما اتخذوا على الاتساع؛ لأنها كانت سبب مودتهم، أو يقدر المضاف على تقدير: إن الذين اتخذتموهم أوثانًا ذوو مودةِ بينكم.

الوجه الثاني: أن يضمر: هو، ويجعل: ﴿ مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ خبرًا عنه، والجملة في خبر إن.

هذا قول أبي علي (٢) (٣) الوجه الثالث: ذكره الفراء؛ فقال: من رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله: ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وينقطع الكلام عند قوله: (أَوْثَانًا) (٤) (٥) قال أبو علي: وإضافة المودة إلى بينكم اتساع في الظرف؛ لأنه جعل اسمًا بالإضافة إليه، ومثل ذلك: قراءة من قرأ: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ (٦) (٧) وقرأ عاصم في بعض الروايات: (مَّوَدَّةٌ) بالرفع والتنوين (بَيْنَكُمْ) نصبًا (٨) (٩) (١٠) وقرأ حمزة (مَّوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا (١١) (١٢) وقرأ نافع وابن عامر: (مَّوَدَّةً) بالنصب والتنوين (بَيْنَكُمْ) بالنصب (١٣) (١٤) قال المفسرون: يقول إنكم جعلتم الأوثان تتحابون على عبادتها، وتتواصلون عليها في الحياة الدنيا ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ (١٥) ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ يتبرأ القادة من الأتباع ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ ويلعن الأتباع القادة؛ لأنهم زينوا لهم الكفر ﴿ وَمَأْوَاكُمُ ﴾ ومصيركم جميعًا ﴿ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ من مانعين من النار (١٦) (١) "السبعة في القراءات" (498)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 428.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 167.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 316.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 316، من قوله: إنما مودة بينكم.

(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر == وابن عامر وحمزة: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ رفعًا، وقرأ نافع والكسائي: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ نصبا.

"السبعة في القراءات" 263.

و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 164، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 260.

(٧) أنشده أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.

وأنشده كاملاً، ونسبه للفرزدق أبو زيد، في النوادر 163، وابن جني، "الخصائص" 2/ 369، وصدره: أتته بمجلوم كأن جبينه وفي حاشية "الخصائص": المجلوم: المحلوق، أراد به من المرأة، والصلاءة: مدق الطبيب، والورس: نبت أصفر.

وعند أبي زيد: بمحلوم، وصلاية.

والشاهد فيه: إخراج: وسط، عن الظرفية.

قال البغدادي، الخزانة 3/ 92: فوسطها مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة: قد تفلق خبره.

لم أجده في ديوان الفرزدق.

(٨) قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ ، ورواية الأعشى عن أبي بكر: ﴿ مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ .

"السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للمَراء السبعة" 5/ 428، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.

(٩) لعل بعد هذه الكلمة سقطت كلمة: اللذان؛ ليستقيم الكلام بها.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 167، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428.

(١١) قرأ بها حمزة وعاصم في رواية حفص.

"السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 429، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.

(١٣) "السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.

(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.

(١٥) "تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب.

(١٦) "تفسير مقاتل" 72 ب.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢٦

قوله: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فصدق بإبراهيم لوطٌ، وهو ابن أخيه، وهو أول من آمن به، رأى أن النار لم تضرّه (١) ﴿ فَآمَنَ لَهُ ﴾ : أي: لأجله، ولأجل ما أتى به من البرهان والحجة.

﴿ وَقَالَ ﴾ إبراهيم (٢) ﴿ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾ قال قتادة وابن عباس ومقاتل: هاجر من كُوْثَى إلى الشام (٣) (٤) قال مقاتل: قوله: ﴿ إِلَى رَبِّي ﴾ يعني: إلى رضي ربي (٥) (١) "تفسير مقاتل" 72 ب.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب، ولم ينسبه.

وأخرجه ابن جرير 20/ 142، وابن أبي حاتم 9/ 3050، عن ابن عباس، بلفظ: صدق لوطٌ.

(٢) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3050، عن ابن عباس.

وأخرجه ابن جرير 20/ 143، عن الضحاك.

و"تفسير مقاتل" 72 ب.

و"معاني القرآن" للفراء 2/ 316.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب.

(٣) أخرجه ابن جرير 20/ 142، وابن أبي حاتم 9/ 3050، عن قتادة، زاد ابن أبي حاتم: من كوثى، وهي من سواء الكوفة.

و"تفسير مقاتل" 72 ب.

وكوثى: قرية في العراق، في أرض بابل.

وتطلق ويراد بها مكة، وذلك أن منزل بني عبد الدار يقال له: كوثى.

"تهذيب اللغة" 10/ 340 (كوث).

و"معجم البلدان" 4/ 553.

وهي معروفة الآن بالاسم نفسه شمال بغداد بحوالي 100 كم.

(٤) "تنوير المقباس" 334، وأخرجه ابن جرير 20/ 143، عن ابن جريج.

وذكره الثعلبي 8/ 158 ب، ولم ينسبه.

وهو قول الفراء، من حران إلى فلسطين.

"معاني القرآن" 2/ 316.

وحرَّان: مدينة عظيمة مشهورة، وهي على طريق الموصل والشام.

"معجم البلدان" 2/ 271.

وهي في أقصى شمال شرق سوريا حاليا.

(٥) "تفسير مقاتل" 72 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٢٧

﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ﴾ قال ابن عباس: من بعد إسماعيل ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ من بعد إسحاق (١) ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ﴾ وذلك أن الله -عز وجل- لم يبعث نبيًا من بعدِ إبراهيم إلا من صُلبه.

﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ قال: يريد أن أهل الأديان كلهم ينتحلون حُبه (٢) (٣) وقال مقاتل: يعني الثناء الحسن، والقالة الحسنة من أهل الأديان كلها (٤) وقال الكلبي: هو ما أُعطي من الولد الطيب، والثناء الحسن (٥) وقال السدي: أُري مكانَه في الجنة (٦) وقال الحسن: أجرُه في الدنيا: نيته الصالحة التي اكتسب بها الأجر في الآخرة (٧) قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ هذه الآية كالآية في آخر (سورة النحل)، في ذكر إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)﴾ (٨) (٩) (١٠) قال صاحب النظم: لما قال: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ لم يُؤمَن أن يقال: إنه قد أخذ أجره في الدنيا، ولا خلاق له في الآخرة فأعلم -عز وجل- أن له مع ما أُعطي في الدنيا الدرجاتِ العلى بقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ اقتصاصًا من قوله: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75)  ﴾ .

(١) أخرجه ابن جرير 20/ 143.

(٢) أي: يدعون حبه.

"تهذيب اللغة" 5/ 65 (نحل).

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 144، وابن أبي حاتم 9/ 3052.

(٤) "تفسير مقاتل" 72 ب.

وذكر نحوه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 316.

(٥) "تنوير المقباس" 334.

وأخرجه ابن جرير 20/ 144، عن ابن عباس.

وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" 338، ولم ينسبه.

(٦) ذكره عن السدي، ابن الجوزي "زاد المسير" 6/ 268.

(٧) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3053.

(٨) قال مقاتل عند هذه الآية: نظيرها في النحل.

"تفسير مقاتل" 72 ب.

(٩) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3053، عنه بلفظ: الصالحين: الأنبياء والمؤمنين.

(١٠) هكذا في نسخة: (أ)، و: (ب).

ولو زيدت: منه، لكان أوضح، فيكون الكلام لأن الله تعالى استخرج منه الذرية الطيبة.

<div class="verse-tafsir"

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٨

قوله تعالى: ﴿ وَلُوطًا ﴾ قال مقاتل: وأرسلنا لوطًا (١) (٢) (١) "تفسير مقاتل" 72 ب.

(٢) الآية 80 ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)﴾ قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿ وَلُوطًا ﴾ ذكر الفراء في كتاب المصادر اشتقاق هذا الاسم، وأنكر عليه أبو إسحاق؛ وقال: الاسم الأعجمي لا يقال: إنه مشتق كإسحاق، لا يقال: إنه مشتق من السحق، وكتاب الله تعالى لا ينبغي أن يُقدَم على تأويله إلا برواية صحيحة، أو حجة واضحقى وقال النحويون: إنما صرف لوط فالحقيقة أنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط.

وقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾ يعني: إتيان الذكران في قول جميع المفسرين.

﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ قالوا: ما نزل ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.

قال الزجاج: وفي هذه الآية دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط.

<div class="verse-tafsir"

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٩

وقوله: ﴿ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: الطريق على المارَّ (١) وقال مقاتل: وذلك أنهم يرمون ابن السبيل الحجارةَ بالخذف (٢) (٣) قال ابن زيد في ذلك: إنهم كانوا يفعلون ذلك لمن مرَّ بهم من المسافرين، ومن ورد عليهم من الغرباء (٤) قال ابن عباس: فلما فعلوا المنكر ترك الناس المرَّ بهم، روي عن النبي -  - في تفسير هذه الآية: "أن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة (٥) (٦) وقال الفراء في قوله: ﴿ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ﴾ قطعه أنهم كانوا يعترضون الناس من الطرق لعملهم الخبيث (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ﴾ النادي: المجلس (٩) ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيًّا  ﴾ (١٠) (١١) وقال مجاهد: المنكر: إتيانهم الرجال (١٢) وقال القاسم بن محمد: هو الضراط؛ كانوا يتضارطون في مجالسهم (١٣) وروي أن أم هانئ سألت رسول الله -  - عن المنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم، فقال: "كانوا يخذفون أهل الطرق، ويسخرون بهم، فذلك المنكر" (١٤) وهو قول مقاتل في تفسير المنكر؛ يعني: الخذف بالحجارة (١٥) قال ابن قتيبة: المنكر: مَجَمعُ الفواحش من القول والفعل (١٦) وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكر، ولا يجتمعوا إلا فيما قرَّب إلى الله -عز وجل-، وباعد من سخطه، وأن لا يجتمعوا على الهزء والتلهي (١٧) ﴿ ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ أن العذاب نازل بنا (١٨) (١) ذكره عنه ابن الجوزي "زاد المسير" 6/ 268.

(٢) الخذف، بالخاء المعجمة: الرمي بالحصى الصغار بأواف الأصابع، يقال.

خذفه بالحصى خذفا.

والحذف، بالحاء المهملة: الرمي عن جانب، تقول العرب: حذفه بالعصا، إذا رماه بها.

"تهذيب اللغة" 4/ 468 (حذف) بالحاء المهملة.

(٣) "تفسير مقاتل" 72 ب.

وأخرج أن المراد به الخذف، ابن جرير 20/ 145، عن عكرمة، والسدي.

(٤) أخرجه ابن جرير 20/ 145، وابن أبي حاتم 9/ 3054.

(٥) القَصْعَة: وعاء يؤكل فيه ويثرد، وكان يتخذ من الخشب غالبًا، يشبع العشرة، والجمع: قِصاع، وقِصَعٌ.

"لسان العرب" 8/ 274 (قصع)، و"المعجم الوسيط" 2/ 740.

(٦) أخرجه الثعلبي 8/ 158 ب، من طريق زياد بن أبي زياد يحدث عن معاوية يرفعه.

وزياد بن أبي زياد الجصاص أبو محمد الواسطي، من الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، "تقريب التهذيب" المقدمة 82، وترجمة زياد في ص 345، ثم قال عنه ابن حجر: ضعيف، وترجم له ابن عدي في "الكامل" 3/ 1045، وصدر ترجمته بقوله: متروك الحديث.

ولذا صدره البغوي في تفسيره 6/ 240، بـ: يُروى.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 316.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 168، وذكره الفراء 2/ 316.

ولم ينسباه.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 316.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.

ولم ينسباه.

(١٠) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: الندي: فعيل بمعنى الفاعل، وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: ندوت القوم اندوهم نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النادي، والنادي لا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون ناديًا، ومن هذا قوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ  ﴾ ولذلك سميت دار الندوة بمكة؛ كانوا إذا حزبهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور.

(١١) أخرجه ابن جرير 20/ 146، وابن أبي حاتم 9/ 3054، بلفظ: ﴿ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ﴾ يقول: في مجالسكم.

(١٢) أخرجه ابن جرير 20/ 146، وابن أبي حاتم 9/ 3055.

وذكره الثعلبي 8/ 159 أ.

(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3055، والثعلبي 8/ 159 أ، عن القاسم بن محمد.

وأخرجه ابن جرير 20/ 145، وابن أبي حاتم 9/ 3054، عن عائشة -  ا- من طريق عروة بن الزبير.

(١٤) أخرجه ابن جرير20/ 145، من ثلاثة طرق عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أم هانئ، أنها سألت رسول الله -  -، عن هذه الآية، فقال: "كانوا يخذفون == أهل الطريق ويسخرون منهم".

وابن أبي حاتم 9/ 3054، من الطريق نفسه، وأخرجه من الطريق نفسه الثعلبي 8/ 158 ب.

وأخرجه الحاكم 2/ 444، كتاب التفسير، رقم (3537)، من طريق سماك بن حرب، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وأخرجه من هذا الطريق الترمذي 5/ 319، في التفسير رقم (3190)، وقال: حديث حسن، إنما نعرفه من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك.

وقال الألباني: ضعيف الإسناد جداً.

"ضعيف سنن الترمذي" 401، ولم يُحل على شيء من كتبه.

ولعل علته سماك بن حرب، فقد قال عنه ابن حجر: صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير في آخر حياته، فكان ربما تلقن.

"تقريب التهذيب" (415) رقم (2639).

وأبو صالح الراوي عن أم هانئ، اسمه: باذام، ضعيف يرسل.

"تقريب التهذيب" 163، رقم (638).

(١٥) "تفسير مقاتل" 72 ب.

(١٦) "غريب القرآن" لابن قتيبة (338).

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 168.

(١٨) "تفسير مقاتل" 72 ب.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ٣٠

﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ قال مقاتل: أي بتحقيق قولي في العذاب فعذبهم (١) قوله تعالى: ﴿ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴾ يعني: العاصين بإتيان الرجال في أدبارهم.

قاله الكلبي ومقاتل (٢) (١) "تفسير مقاتل" 72 ب.

(٢) "تفسير مقاتل" 72 ب.

وفي "تنوير المقباس" 334: المشركين.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوٓا۟ إِنَّا مُهْلِكُوٓا۟ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ٣١

﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ﴾ قال ابن عباس: بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب (١) ﴿ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ﴾ يعنون قرية لوط (٢) ﴿ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ يعني: مشركين.

وما بعد هذه الآية مفسر في سورة: هود (٣) ﴿ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴾ (١) تفسير ابن جرير 20/ 147، والثعلبي 8/ 159 أ، ولم ينسباه.

(٢) "تفسير مقاتل" 73 أ.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.

(٣) الآيات 69 - 80.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًۭا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٢

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٣

﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ ﴾ يعني: بناتك.

قال المبرد: الكاف في ﴿ مُنَجُّوكَ ﴾ مخفوضة، فلم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر المخفوض لعلة ذكرناها في قوله: ﴿ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ  ﴾ (١) (٢) (٣) فإن لم تجدْ مِنْ دونِ عدنان والدًا ...

ودونَ مَعدٍ فَلْتَزَعكَ العواذلُ (٤) وأنشد أيضًا لجرير: جئني بمثلِ بَني بدرٍ لقومهمِ ...

أوْ مِثلَ أُسرةِ منْظورِ بنِ سيَّارِ (٥) ولو خفض: مثلَ، لكان جيدًا بالغًا؛ وهو الباب.

والنصب على الموضع فكأنه قال: أو هاتِ مثلَ: أُسرةِ منظور.

(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: (قرأ حمزة: ﴿ وَالْأَرْحَامَ ﴾ بالعطف على المكنَّى في ﴿ بِهِ ﴾ كما يقال: سألتك بالله والرحمِ، ونشدتك بالله والرحمِ، وإنما حمله على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم ..

ثم قال: وضعف النحويون كلهم هذه القراءة، واستقبحوها ..) وراجع باقي كلامه في الموضع المذكور.

(٢) مستحسن، غير موجودة في نسخة: (ب).

(٣) قال أبو حيان: والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ منصوب على إضمار فعل: أي: وننجي أهلك.

البحر المحيط 7/ 146.

قال المبرد: لما لم يجز أن تعطف الظاهر على المضمر المجرور حملته على الفعل، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ كأنه قال: ومنجون أهلك، ولم تعطف على الكاف المجرورة.

"المقتضب" 4/ 152.

(٤) أنشده سيبويه، "الكتاب" 1/ 68، ونسبه للبيد، وقد استشهد به على العطف على الموضع، فعطف: دون، المنصوب، على محل: دون، المجرور بمن.

"حاشية المقتضب" 4/ 152.

واستشهد به المبرد، وصدره بقوله: ومما تنشده العرب نصبًا، وجرًا، لاشتمال المعنى عليهما جميعًا قول لبيد.

"المقتضب" 4/ 152.

والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي -  -، يرثي بها النعمان بن المنذر، ملك الحِيرة.

"ديوانه" (131)، و"الخزانة" 2/ 252، و"الشعر والشعراء" 175.

(٥) أنشده سيبويه 1/ 94، و"المبرد"، في "المقتضب" 4/ 153، ونسباه لجرير.

ولفظه عند المبرد: جيئوا.

وهو في ديوان جرير 242.

والشاهد فيه العطف على المحل، تقديره: أو هات مثل أسرة منظور.

والبيت لجرير يخاطب فيه الفرزدق، مفتخرًا عليه بسادات قيس؛ لأنهم أخواله، وبنو بدر من فزارة، ومنظور ابن سيار بن عمرو، من فزارة أيضًا.

"حاشية الكتاب" 1/ 94.

وأورده ابن جني في "المحتسب" 2/ 78، ممثلًا به على ما نصب بإضمار فعل يدل عليه ما قبله.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٣٤

وقوله: ﴿ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ قال ابن عباس: عذابًا (١) (٢) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3058، عن ابن عباس، وأخرجه ابن جرير 20/ 148، وابن أبي حاتم 9/ 3058، عن قتادة.

(٢) "تفسير مقاتل" 73 أ.

الحَصْبُ: رميك بالحصباء، يقال: حَصَبْته أحْصِبُه حَصْبًا: إذا رميته بالحصباء، والحجر المرمي به: حَصَب.

"تهذيب اللغة" 4/ 260 (حصب).

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٣٥

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً ﴾ يعني: آثار منازلهم الخَرِبة.

وهو معنى قول ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ، منسوبًا لابن عباس.

(٢) القَلَت: الهلاك.

"تهذيب اللغة" 9/ 58 (قلت).

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن جرير 20/ 149، وابن أبي حاتم 9/ 3058.

وذكره الثعلبي 8/ 159 أ، عن قتادة، وأبي العالية.

(٤) "تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.

ولعله يعني ما قيل من إن الأرض التي أهلكوا فيها، مكانها الآن البحر الميت، المسمى بأسماء متعددة، نظرًا لتميزه عن غيره من البحار بخواص لا توجد في غيره.

انظر: مجلة القافلة رمضان 1419.

<div class="verse-tafsir"

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٣٦

وقوله: ﴿ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ قال مقاتل: واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال (١) (١) "تفسير مقاتل" 73 أ.

<div class="verse-tafsir"

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٣٧

<div class="verse-tafsir"

وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ٣٨

وقوله: ﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ ﴾ قيل: هو عطف على الكناية في ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ﴾ (١) ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ (٢) (٣) (٤) وقوله: ﴿ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ ﴾ يقول: ظهرَ لكم يا أهلَ مكة مِنْ منازلهم بالحِجْر واليمن، آيةٌ في إهلاكهم.

قاله ابن عباس ومقاتل (٥) قوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم كانوا ينتسبون إلى العقل والبصائر، فلم ينتفعوا بذلك (٦) (٧) وقال مقاتل: كانوا مستبصرين في دينهم يحسبون أنهم على هدى (٨) (٩) (١٠) وقال قتادة.

كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: أَتوا ما أتوه وقد بين لهم أن عاقبته العذاب (١٣) (١٤) (١) وهو اختيار النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 256.

(٢) ذكره النحاس عن الكسائي قال: قال بعضهم، ولم يسمهم.

"إعراب القرآن" 3/ 256.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 186.

(٤) "تفسير مقاتل" 73 ب.

(٥) "تفسير مقاتل" 73 ب.

و"تنوير المقباس" 335.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 150، وابن أبي حاتم 9/ 3060، بلفظ: كانوا مستبصرين في دينهم.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

دون قوله: عقلاء.

(٨) "تفسير مقاتل" 73 ب.

(٩) "تنوير المقباس" 335.

(١٠) "تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.

منسوبًا للكلبي، والضحاك.

وأخرجه ابن جرير 20/ 150، عن الضحاك.

(١١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، وابن جرير 20/ 150.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.

(١٢) أخرجه ابن جرير 20/ 150.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.

(١٤) "تهذيب اللغة" 12/ 174 (بصر).

<div class="verse-tafsir"

وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ ٣٩

<div class="verse-tafsir"

فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًۭا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٠

﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ﴾ أي: عاقبنا (١) ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ﴾ قال ابن عباس: يريد قوم لوط (٢) ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ﴾ ، يريد: عادًا وثمود ومدين (٣) ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ ﴾ يعني: قارون وأصحابه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ﴾ يريد قوم نوح وفرعون (٤) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ قال: يريد: أمهلهم وأنذرهم فكذبوا النذر.

وقال مقاتل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ فيعذبهم على غير ذنب (٥) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 151.

و"تفسير مقاتل" 73 ب، و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب، ولم ينسبه.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338، وفيه: يعني: الحجارة، وهي الحصباء أيضًا.

(٣) "تفسير مقاتل" 73 ب.

وهذا من الواحدي جمع بين الأقوال الواردة في المراد بمن أخذته الصيحة؛ فقد أخرج ابن جرير 20/ 151، عن ابن عباس: ثمود، وأخرج عن قتادة: قوم شعيب.

ثم جمع بين هذا بقوله: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب، من أهل مدين أنه أهلكهم بالصيحة في كتابه في غير هذا الموضع، ثم قال جل ثناؤه لنبيه -  -: فمن الأمم التي أهلكناهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحة، فلم يخصص الخبر بذلك عن بعض من أخذته الصيحة من الأمم دون بعض، وكلا الأمتين أعني ثمود ومدين قد أخذتهم الصيحة.

(٤) أخرجه ابن جرير 20/ 152، عن ابن عباس.

و"تفسير مقاتل" 73 ب.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.

(٥) "تفسير مقاتل" 73 ب.

<div class="verse-tafsir"

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًۭا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٤١

ثم ضرب لهم مثلًا فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ يعني: الأصنام يتخذونها أولياء يرجون نصرها ونفعها (١) ﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ﴾ قال الليث: هي دويبة تنسج نسجًا رقيقًا مهلهلاً، بين الهواء، وعلى رأس البئر (٢) هي اصطنعته وحدها أو تعاونت ...

على نسجها بين الصفيح عناكبه (٣) فجاءتْ بنَسْج العنكبوت كأنه ...

على عَصَوَيْها سَابريٌّ مُشَبْرَقُ (٤) ويجوز في جمع العنكبوت: عناكيب وعنكبوتات، ويصغر: عُنَيْكبا، وعُنَيْكيبا (٥) (٦) قال اللحياني: ويقال للعنكبوت: عَكَنْبَاة، وأنشد: كأنما يسقطُ من لُغامها ...

بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمامِها (٧) قال الفراء: العنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، وأنشد: على هَطَّالهم منها بيوتٌ ...

كأن العنكبوت هو ابتَنَاها (٨) (٩) (١٠) وقال أبو إسحاق: إن بيت العنكبوت لا بيتَ أضعفُ منه فيما يتخذه الهوام، ولا أقل وقاية من حر أو برد؛ والمعنى: أن أولياءهم لا ينفعونهم، ولا يرزقونهم، ولا يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت غير موقٍ لها (١١) قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتًا؛ ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف (١٢) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.

(٢) كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 3/ 309.

وتعيش العناكب في أي مكان يتوفر فيه أغذاؤاها، ويمكن مشاهدتها في الحقول، والغابات، والمستنقعات، والكهوف، والصحاري، وهناك نوع من العناكب يمضي معظم حياته تحت الماء، ويعيش نوع آخر بالقرب من قمة جبل: إيفرست، أعلى جبل على الكرة الأرضية، وتعيش بعض العناكب داخل المنازل، ومخازن الحبوب، والحظائر وغيرها، ويوجد ما يقرب من ثلاثين ألف نوع من العناكب، وقد تصل إلى مائة ألف نوع، وحجم بعض العناكب أصغر من رأس الدبوس، وبعضها كبير بحيث يصل إلى حجم كف يد الإنسان، أو أكبر قليلاً، فسبحان الله العظيم.

انظر مجلة: "القافلة" صفر 1419 هـ بقلم د/ أحمد محمد الصغير.

(٣) كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب) ونسب البيت لذي الرمة، ولفظه: هي اصطنعته نحوها وتعاونت ...

على نسجها بين المثاب عناكبه.= ورواية الديوان 299: هي انتسجته وحدها أو تعاونت ...

على نسجه بين المثاب عناكبه وفي شرح الديوان: المثاب: مقام الساقي حيث يضع رجليه.

ولم أجد البيت في "تهذيب اللغة".

(٤) ديوان ذي الرمة 178، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: فجاءت: يعني الدلو، كأنه: كأن النسيج، على عصويها: يعني: العَرَاقي، مشبرق: مقطع مشقق.

أ.

هـ.

يقال للخشبتين اللتين تعرضان على الدلو كالصليب: العَرْقُوتان؛ وهي العَراقي.

"تهذيب اللغة" 1/ 227 (عرق).

والسابري من الثياب: الرقاق، والبيت في "لسان العرب" 4/ 341، للدلالة على ذلك، ونسبه لذي الرمة.

(٥) "تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب).

(٦) "تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب)، من كلام الليث.

وفي كتاب "العين" 2/ 309: العنكبوت بلغة أهل اليمن: العنكبوه، والعنكباه، والجمع: العناكب.

(٧) "لسان العرب" 1/ 632 (عنكب)، عن اللحياني، وفيه إنشاد البيت، دون نسبة.

لُغام البعير: زَبَده، واللُّغام: زَبَد أفواه الإبل.

"لسان العرب" 12/ 545 (لغم).

والزِّمام: الحبل الذي تشد به الإبل؛ يقال: زممت البعير، أي: خطمته.

"لسان العرب" 12/ 272 (زمم).

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317، ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: هطال: جبل، == ورواية البيت عند الفراء، والأزهري 3/ 309، و"لسان العرب" 1/ 632: منهم.

وفي النسختين: منها.

وعن الفراء ذكره الثعلبي 8/ 159 ب.

ولم ينسبوه.

(٩) القُرُّ: البرد.

"تهذيب اللغة" 8/ 276 (قرر).

وفي "تنوير المقباس" 335: برد.

(١٠) "تنوير المقباس" 335.

وأخرج نحوه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169، بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٤٢

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قرئ: (يَدْعُونَ) بالياء والتاء (١) ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ والتاء على: قل لهم: إن الله يعلم ما تدعون، لا يكون إلا على هذا؛ لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك (٢) قال أبو علي: و (مَا) استفهام، وموضعها نصب بـ (تَدْعُونَ) ولا يجوز أن يكون نصبًا بـ (يَعْلَمُ) ولكن الجملة التي هي منها في موضع نصب بـ (يَعْلَمُ) والتقدير: إن الله يعلم أَوَثَنًا تدعون من دونه أو غيره، أي: لا يخفى ذلك عليه فيؤاخذكم بكفركم ويعاقبكم عليه، ولدل على أن (مَا) استفهام: دخول (مِنْ) في الكلام، وإنما هي تدخل في نحو قولك: هل من طعام؟

وهل من رجل؟

ولا تدخل في الإيجاب، وهذا قول الخليل (٣) ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ  ﴾ والمعنى: فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم الكافر، وكل ما كان من هذا، فهكذا القول فيه، وهو (٤) (٥) قوله: ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال مقاتل: يعني من الأصنام [[و (٦) ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ المنيع القادر ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في خلقه.

(١) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ بالتاء، وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: ﴿ يَدْعُونَ ﴾ بالياء.

"السبعة" 501، و"الحجة" 5/ 433، و"النشر" 2/ 343.

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 434، بنصه.

(٣) "الكتاب" 3/ 148، قال: فما هاهنا بمنزلة: أيهم.

(٤) وهو غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).

(٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 434.

(٦) هذا القول أعم ويدخل فيه أهل مكة دخولًا أوليا.

<div class="verse-tafsir"

وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ ٤٣

قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ ﴾ يعني أمثال القرآن، وهي التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمم المتقدمة يبينها للناس ﴿ نَضْرِبُهَا ﴾ لكفار مكة.

قاله مقاتل (¬5).

وقال الكلبي: للناس عامة (١) ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ قال مقاتل: يقول: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله الأمثال (¬7).

وقال الكلبي: إلا عالم أراد الله له ذلك، فيعلم ما ضرب له المثل في القرآن.

وروى أبو الزبير، عن جابر، أن النبي -  - تلا هذه الآية، فقال: "العالم من عَقَل عن الله" (٢) (١) "تفسير مقاتل" 73 ب.

(٢) قال الزيلعي: رواه داود بن المحبر في كتاب العقل، حدثنا عباد بن كثير، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، وعن داود بن المُحبَّر رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ومن طريق الحارث رواه الثعلبي، والواحدي في "تفسيره".

تخريج الزيلعي للكشاف 3/ 43، وأخرجه الثعلبي 8/ 159 ب، والواحدي في "الوسيط" 3/ 420.

كلاهما من طريق الحارث، عن داود المحبر به، ولفظه: (العاقل من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سخطه).

قال ابن حجر: داود بن المُحَبَّر، أبو سليمان البصري، نزيل بغداد، متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه: موضوعات.

"تقريب التهذيب" 308، رقم (1820).

قال الدارقطني: كتاب العقل، وضعه أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه داود ابن المحبر منه، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر.

"الموضوعات" لابن الجوزي 1/ 277.

قال المناوي: كتاب العقل لداود كله موضوع.

"الفتح السماوي" 2/ 897.

<div class="verse-tafsir"

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٤٤

قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ مضى تفسيره في سورة: الأنعام (١) (٢) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في خلقها ﴿ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لدلالة على قدرة الله تعالى وتوحيده.

(١) عند قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ..

 ﴾ قال الواحدي: أي: بكمال قدرته، وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكل ذلك حق، ثم أحال على تفسير سورة يونس.

(٢) في تفسير الآية 3، من سورة يونس ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ أحال الواحدي في تفسيرها على سورة الأعراف.

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ  ﴾ ، قال: قوله تعالى: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ قال ابن عباس: يريد بالعدل لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق ..

<div class="verse-tafsir"

ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ٤٥

قوله تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن (١) ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ يريد: وأتم الصلاة (٢) (٣) ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ كان ابن مسعود يقول: إن نبي الله -  - كان يقول: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، ومن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" (٤)  -: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا مقتًا" (٥) وقال ابن عباس: يقول في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد إلا بعدًا (٦) (٧) ومعنى هذا التأويل: أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله تعالى، وإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب هذا المقيمُ الصلاةَ يومًا وترك معاصيه، تبين أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان؛ كما روي أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله -  - كان يصلي الخمس، ثم لا يدع شيئًا من الفواحش إلا رَكِبَه فوُصِف لرسول الله -  - حالُه؛ فقال: "إن صلاته تنهاه يومًا ما" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله -  -: "ألم أقل لكم: إن صلاته تنهاه" (٨) وروى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ قال: الرجل يصلي الصلاة فيحسنها ثم يهم أن يعمل الخطيئة فيذكر صلاته، فيقول: لا أفسد صلاتي.

وفي الآية قول ثانٍ؛ قال مقاتل: إن الإنسان ما دام يصلي لله فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر، لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال الكلبي: ﴿ الْفَحْشَاءِ ﴾ المعصية (١٣) ﴿ وَالْمُنْكَرِ ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (١٤) (١٥) وقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (١٦) وروى عطية عنه قال: هو قوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ  ﴾ قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (١٧) (١٨) ونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير (١٩) ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ بعد قوله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول (٢٠) الوجه الثاثي في تفسير الآية: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء.

وهذا قول أبي الدرداء وقتادة (٢١) وروي معنى هذا الوجه عن النبي -  -، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي -  - في قوله: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ قال: "ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل" (٢٢) والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل (٢٣) ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ ﴾ بما قبله.

وقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ ﴾ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر (٢٤)  - بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن (٢٥) قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء.

(١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3065، عن الحسن.

(٢) في نسخة (أ)، (ب): الصوم.

وهو خطأ.

وقول ابن عباس في "تنوير المقباس" 336.

(٣) "تفسير مقاتل" 73 ب.

(٤) أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود، يرفعه.

وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فالضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وجويبر ضعيف جدًا.

وأخرجه ابن جرير 20/ 155، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود يرفعه، بلفظ: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر".

(٥) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، بإسناده عن معمر عمن سمع الحسن يحدث عن النبي -  -، وهو بهذا حديث مرسل، وفيه جهالة من روى عن الحسن.

ولفظه: بعدا.

وأخرجه أيضًا بإسناده عن الثوري عن إسماعيل عن الحسن يرفعه.

باللفظين: بعدًا، ومقتا.

وأخرجه ابن جرير 20/ 155، موقوفًا على ابن مسعود -  -.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3066، من طريق الحسن، عن عمران بن حصين يرفعه بلفظ: "من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" وأخرج أيضًا من طريق أبي معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، يرفعه.

== قال ابن كثير 3/ 415: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، والله أعلم.

وذهب إلى هذا الألباني؛ فقد قال بعد أن ساق روايات الحديث وطرقه: وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده إلى النبي -  -، وإنما صح من قول ابن مسعود، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الإيمان، إلا موقوفاً على ابن مسعود وابن عباس  ما.

وقد نقد متن الحديث شيخ الإسلام رحمه الله لمخالفته لظاهر الآية؛ قال: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي -  -، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه وإن كان فاسقًا.

ذكر هذا عن الشيخ الألباني، ونسبه لمخطوطة اطلع عليها في المكتبة الظاهرية، تحت عنوان: فقه حنبلي 3/ 12/ 1 - 3.

وقد تكلم عن نقد متن هذا الحديث باستفاضة الألباني، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 15، رقم الحديث (2).

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 155، وابن أبي حاتم 9/ 3066.

وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عباس، وابن مسعود.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.

وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 155، بنحوه.

(٨) ذكره الثعلبي 8/ 160 أ، بنصه، عن أنس بن مالك، يرفعه.

قال عنه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 3/ 46: غريب.

وأما ابن حجر فقال: لم أجده.

"الكافي الشاف" 3/ 443، بحاشية الكشاف.

لكن يشهد لمعنى هذا الحديث حديث أبي هريرة -  -، أن النبي -  -، قيل له: إن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق!

قال: "سينهاه ما تقول، أو قال: ستمنعه صلاته".

أخرجه الإمام أحمد 15/ 483، رقم (9778)، ط: الرسالة، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

وأخرجه أيضًا ابن الجعد في "مسنده" (306)، رقم (2069)، بلفظ: ستنهاه قراءته.

وأخرجه ابن حبان، "الإحسان" 6/ 300، رقم الحديث (2560).

وصحح إسناده الألباني، "سلسله الأحاديث الضعيفة" 1/ 16، عند كلامه على الحديث رقم (2).

(٩) "تفسير مقاتل" 73 ب.

(١٠) "تفسير مقاتل" 73 ب.

(١١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن الكلبي.

و"تنوير المقباس" 336.

وأخرجه ابن == جرير 20/ 155، عن ابن عون، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3066، وقد كتب اسمه تصحيفًا: أبو غوث!.

وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عون.

(١٢) "غريب القرآن" لابن قتيبة 338.

(١٣) "تنوير المقباس" 336.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3067، عن ابن عباس، وعكرمة والحسن.

(١٤) "تنوير المقباس" 336.

الفحشاء من المنكر، فتكون الآية من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ .

(١٥) أي: أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين.

(١٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن جرير 20/ 156، وابن أبي حاتم 9/ 3067، كلهم من طريق عبد الله بن ربيعة.

وأخرجه كذلك الحاكم 2/ 444، كتاب التفسير، رقم (3538)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.

- عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخرج له الترمذي، ولم أجد له ترجمة قال عنه ابن حجر: مجهول.

"تهذيب الكمال" 14/ 489، و"تقريب التهذيب" 505.

(١٧) أخرجه ابن جرير 20/ 156.

وأخرجه الثعلبي 8/ 160 أ، مرفوعًا من طريق نافع، عن ابن عمر.

(١٨) أخرجه ابن جرير 20/ 157، عن عبد الله بن مسعود، وسلمان، ومجاهد.

"تفسير مقاتل" 74 أ.

وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن عبد الله وسلمان، ومجاهد، وعطية، وعكرمة، وسعيد بن جبير.

(١٩) أخرجه ابن جرير 20/ 156، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه 20/ 158، عن السدي.

وأخرجه الثعلبي 8/ 161 ب، عن السدي.

(٢٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 170.

(٢١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة، وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 157، وذكره عنهما الثعلبي 8/ 160 أ.

(٢٢) أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، == يرفعه.

وهذا إسناد لا يصح؛ فيه ضعف وانقطاع، فجويبر ضعيف جدًا، "تقريب التهذيب" 205، رقم (994).

والضحاك لم يلق ابن مسعود.

"تهذيب التهذيب" 4/ 397.

(٢٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 160 ب.

(٢٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.

(٢٥) ذكر هذا القول ابن جرير 20/ 154، فقال: قال بعضهم: عني بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة.

ثم أخرج بسنده عن ابن عمر، قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد.

ولم يحكه عن غيره.

وذكره عن ابن عمر، الثعلبي 8/ 160 أ، ولفظه: القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ٤٦

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُجَجه (١) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ إلا من أبى أن يقرَّ بالجزية، ونَصَب العرب، فأولئك فجادلوهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ الآية، وهذا معنى قول (٢) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ أهل العرب، ومن لا عهد له فجادلوا هؤلاء بالسيف (٣) قال ابن زيد: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم (٤) وقال آخرون: كان هذا قبل أن أُمر النبي -  - بالقتال، قيل له: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا ﴾ من أتاكم من أهل الكتاب ﴿ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ يعني: تعظونهم بالقرآن، وتدعوهم إلى الإسلام ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ وهم الذين قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو شريك، أو يد الله مغلولة، وأن الله فقير، أو آذوا محمدًا فهؤلاء انتصروا منهم (٥) قوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا ﴾ يعني: لأهل الكتاب سوى هؤلاء الظلمة.

ثم نُسخ هذا بالقتال.

وهذا معنى قول الكلبي وقتادة ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٦) وقال آخرون: المراد بأهل الكتاب هاهنا: عبد الله بن سلام، ومن آمن منهم يقول: لا تجادلوهم وأخبروهم عما في القرآن ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ يعني: مشركيهم يقول: جادلوا الذين كفروا حتى تردوهم عن كفرهم.

وهذا معنى قول مقاتل وابن عباس في رواية عطاء (٧) (١) تفسير ابن جرير 21/ 1، بنصه.

و "تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ.

(٢) هنا بياض.

ولعله: مجاهد؛ لإخراج ابن جرير ذلك عند والله أعلم.

(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ.

(٤) أخرجه ابن جرير 21/ 2.

عن ابن زيد، ومجاهد، وسعيد بن جبير.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ، عن ابن زيد.

(٥) أخرج ابن جرير 21/ 2، عن قتادة بنحوه، وآخره من قوله: قالوا: مع الله إله أخرجه ابن جرير 21/ 1، وابن أبي حاتم 9/ 3070، عن مجاهد.

(٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن أبي حاتم 9/ 3068، والنحاس، في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577، عن قتادة.

ورواية ابن أبي نجيح عن مجاهد أخرجها ابن جرير 21/ 1، وليس فيها ذكر النسخ، بل يدل كلامه على أنها محكمة يراد بها ذوو العهد لا يجادلوا، وإنما يجادل من لا عهد له ويقاتل حتى يعطي الجزية.

"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"، لمكي بن أبي طالب (387).

لكن ذَكَر النسخ عن مجاهد الثعلبي 8/ 161 ب، وممن ذهب إلى أن الآية منسوخة بآية السيف مقاتل، "تفسير مقاتل" 74 أ.

وهذا يقال فيه مثل ما قيل فيما سبق عند قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)  ﴾ .

وقد رجح ابن جرير 21/ 2، أن أولى الأقوال: إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب.

ورد ردًا حسنًا على من ذهب إلى أن الآية منسوخة.

وحاصل الأقوال في هذه الآية ثلاثة: 1 - الآية منسوخة.

2 - الآية محكمة يراد بها من آمن منهم.

3 - الآية محكمة يراد بها ذوو العهد منهم.

قال النحاس بعد ذكره هذه الأقوال: وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله -عز وجل- لا ينغي أن يقال فيها: إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577.

(٧) "تفسير مقاتل" 74 أ.

وذكره النحاس عن ابن زيد، ولفظه: لا يجادل المؤمنون منهم إذا أسلموا، لعلهم يحدثون بالشيء، فيكون كما قالوا ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ من أقام على الكفر يجادل، ويقال له الشر.

"الناسخ والمنسوخ" 2/ 577.

وعلى هذا تكون الآية محكمة.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَمِنْ هَـٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٧

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك الكتاب ﴿ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب (١) ﴿ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يعني مسلمي أهل مكة (٢) ﴿ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يعني: كانوا قبل عصر النبي -  - من اليهود والنصارى كانوا مؤمنين بمحمد -  - ﴿ وَمِنْ هَؤُلَاءِ ﴾ يعني: الذين محمد بين أظهرهم، من أهل الكتاب ﴿ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب (٣) (٤) ثم قال: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: بعد المعرفة (٥) ﴿ إِلَّا الْكَافِرُونَ ﴾ من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآنَ حق (٦) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب، وزاد: عبد الله بن سلام، وأصحابه.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب.

(٣) تفسير ابن جرير 21/ 4، بمعناه.

(٤) وهو قول مقاتل، "تفسير مقاتل" 74 أ.

(٥) أخرج ابن جرير 21/ 4، وابن أبي حاتم 9/ 3070، عن قتادة.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 161 ب.

(٦) "تفسير مقاتل" 74 أ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ٤٨

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ﴾ أي: ما كنت تقرأ قبل القرآن كتابًا، أي: ما كنت قارئًا قبل الوحي ولا كاتبًا، وهو قوله: ﴿ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ أي: ولا تخط الآن بيمينك كتابًا.

وكذلك صفة النبي -  - في التوراة والإنجيل: أنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب (١) قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي -  - لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابًا، فنزلت هذه الآية (٢) وقوله: ﴿ إِذًا ﴾ قال الفراء: ولو كنت تتلو ﴿ لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال مقاتل: يعني: كفار اليهود يقول: إذًا لشكوا فيكَ، وقالوا: إن الذي نجدُ في التوراة نعتَه هو: أمي لا يقرأ الكتاب، ولا يكتب، ولا يخطه بيمينه (٨) وهذا هو القول؛ لأن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي -  - بنعته وصفته حقًا يقينًا، وإنما يجحدون نبوتَه بعد اليقين، ويكفرون بالجحد، فلو كان النبي -  - كاتبًا قارئًا لكان بغير النعت الذي يعرفوه، وكانوا يشكون.

وأما الكفار فإنهم ما عرفوه بالنبوة، وكانوا شاكين مع كونه أميًّا، وإذا كان كذلك فلا معنى لقوله: ﴿ إِذًا لَارْتَابَ ﴾ مع كونهم مرتابين؛ ووجهه ما قال الفراء: أي: لَكان أشدَّ لِريبة من كذَّب مِن أهل الكتاب (٩) ﴿ لَارْتَابَ ﴾ على زيادة الريبة، على قول مجاهد.

والمعنى: أن المشركين كانوا شاكين في نبوته، مع أنه يخبرهم بقصص الماضين، من غير أن يقدر على كتابة وقراءة، فلو كان قارئًا كاتبًا لاشتد ارتيابهم، وقالوا: إنما تعلمه وقرأه من كتاب.

وتفسير الآية: أي: الذي يأتي بالباطل، يقال: أبطل فلان: إذا كذب وادعى غير الحق (١٠) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 171، بمعناه.

(٢) أخرج ابن جرير 21/ 5، وابن أبي حاتم 9/ 3071.

كلاهما بالإثبات: كان أهل الكتاب يجدون، وفي النسختين بالنفي: كان أهل الكتاب لا يجدون.

والأقرب الإثبات؛ لما فيه من إقامة الحجة عليهم بما في كتبهم.

والله أعلم.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

(٤) "تنوير المقباس" 336.

(٥) أخرج ابن جرير 21/ 5، وابن أبي حاتم 9/ 3071.

واقتصر على هذا القول الزجاج 4/ 171، ولم ينسبه.

(٦) ذكره عنه الماوردي، بلفظ: مشركو العرب.

"النكت والعيون" 4/ 287.

(٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة 338.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب.

(٨) "تفسير مقاتل" 74 أ.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

(١٠) كتاب "العين" 7/ 430 (بطل)، ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 355.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٩

قوله تعالى ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ قال الحسن: القرآن آيات بينات.

﴿ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ يعني: المؤمنين (١) وهو قول عبد الله بن عباس في رواية عطاء؛ يريد: الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله -  - من المهاجرين والأنصار، وحملوه من بعد النبي -  -.

وعلى هذا الكناية عن القرآن والكتاب بقوله: ﴿ هُوَ ﴾ .

وقال قتادة ﴿ بَلْ هُوَ ﴾ يعني النبي -  - و ﴿ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ﴾ أهل العلم من أهل الكتاب؛ لأنهم يجدون في كتابهم نعته وصفته (٢) وفي الآية قول ثالث، ذكره الزجاج؛ فقال: بل كونُه غيرَ قارئٍ ولا كاتب ﴿ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ لأنه إذا لم يقرأ ولم يكتب، وأخبر بأقاصيص الأولين والأنبياء فهو ﴿ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ (٣) (٤) والظاهر من هذه الأقوال قول قتادة ومقاتل (٥) ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾ يعني: كفار اليهود (٦) (١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، وابن جرير 21/ 6.

وهو قول الفراء، "معاني القرآن" 2/ 317.

وذكره الثعلبي 8/ 162 أ، ولم ينسبه.

(٢) أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، وابن جرير 21/ 5.

وأخرجه ابن جرير 21/ 5، عن ابن جريج.

وذكره الثعلبي 8/ 162 أ، عن ابن عباس.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 171، ولم ينسبه.

(٤) "تنوير المقباس" 336.

(٥) لم يسبق ذكر قول مقاتل، وهو قريب من قول قتادة، "تفسير مقاتل" 74 ب.

(٦) "تفسير مقاتل" 74 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٥٠

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم (١) ﴿ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ على الجمع (٢) ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً  ﴾ وقد تقع آية على لفظ الواحد ويراد به كثرة؛ كما جاء: ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً  ﴾ واختار أبو عبيد الجمع؛ لقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ (٣) (٤) ﴿ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ يريد: أُنذر أهلَ المعصية بالنار، وليست إنزال الآية بيدي.

قال مقاتل: فلما سألوا الآية قال الله تعالى: (١) "تفسير مقاتل" 74 ب.

و "تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ.

(٢) قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿ آيَاتٍ ﴾ جمعًا، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وأبي عمرو في رواية علي بن نصر: ﴿ آيَةٌ ﴾ على الإفراد.

"السبعة في القراءات" 501، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 435، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 188، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 435، ولم يصرح باسم أبي عبيد، بل قال: وحجة الإفراد أن في حرف أُبي زعموا، وصرح بذكر أبي عبيد الثعلبي 8/ 162 أ.

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 435.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٥١

﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ أي: أو لم يكفهم من الآيات القرآن ﴿ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴾ فيه خبر ما قبلهم وما بعدهم ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في إنزال الكتاب عليك ﴿ لَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل به (١) ﴿ وَذِكْرَى ﴾ وتذكيرًا وموعظةً، ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال مقاتل: وكذبوا بالقرآن فنزل: (١) "تفسير مقاتل" 74 ب.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٥٢

﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ﴾ (١) (٢) ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ وشهادة الله له إثباتُ المعجزة له بإنزال الكتاب عليه.

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ ﴾ قال ابن عباس: بغير الله.

وقال مقاتل: بعبادة الشيطان (٣) (١) "تفسير مقاتل" 74 ب.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ.

(٣) "تفسير مقاتل" 74 ب.

وأخرجه ابن جرير 21/ 7، وابن أبي حاتم 9/ 3073، عن قتادة بلفظ: الشرك.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٣

قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ﴾ أي: استهزاءً وتكذيبًا (١) (٢) ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ الآية [الأنفال: 32] (٣) (٤) قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَجَلٌ ﴾ يعني: إن لعذابهم أجلاً، وهو يوم القيامة (٥) ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ هذا قول ابن عباس ومقاتل (٦) (٧) وقيل: الأجل المسمى: بدر (٨) ﴿ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً ﴾ يعني: العذاب ببدر على هذا القول، وهو قول عطاء عن ابن عباس.

ودليل القول الأول قوله: (١) "تفسير مقاتل" 74 ب.

(٢) منهم.

في نسخة: (ب).

(٣) أخرجه ابن جرير 21/ 8، وابن أبي حاتم 9/ 3074، عن قتادة و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 171، ولم ينسبه.

وقال الثعلبي 8/ 162 أ: نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ .

(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: قال النضر بن الحارث: اللَّهم إن كان هذا الذي يقوله محمد حقًا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء كما أمطرتها على قوم لوط ﴿ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: ببعض ما عذبت به الأمم.

(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3074، عن سعيد بن جبير.

و"معاني القرآن" للفراء 2/ 318.

(٦) "تفسير مقاتل" 74 ب.

وليس فيه ذكر الآية.

وذكر الآية الزجاج 4/ 172، ولم ينسب القول.

(٧) ذكره الثعلبي 8/ 162 أ.

(٨) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ، ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ٥٤

﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ أخبر أن ميعاد عذابهم جهنم، وأنها تحيط بجماعتهم، فلا تبقي منهم أحدًا إلا دخلها (١) ثم أخبر أن تلك الإحاطة متى تكون، فقال: (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ.

وتفسير ابن جرير 21/ 8، بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٥٥

﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: هذا مثل قوله: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ وقوله: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ﴾ الآية [الزمر: 16] (١) وقوله: ﴿ وَيَقُولُ ﴾ الموكل بعذابهم، يقول لهم (٢) ﴿ ذُوقُوا ﴾ ومن قرأ بالنون (٣) تنبيه: تكليم الله تعالى لعباده في الآخرة ثابت بنصوص كثيرة في الكتاب والسنة، يكلمهم الله تعالى للحساب والجزاء، ويستوي في هذا الخلق كلهم إلا أقوامًا شاء الله تعالى أن يحرمهم ذلك، تنكيلًا وزيادة في العذاب؛ فمن الأدلة على عموم التكليم وشموله قول الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ  ﴾ ومن السنة، قول النبي -  -: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان" الحديث أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم (7443)، "فتح الباري" 13/ 423، ومسلم 2/ 703، رقم (1016).

ومن الأدلة على حرمان أقوام من تكليم الله لهم، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ ومن السنة قول النبي -  -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب اليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر".

أخرجه مسلم 1/ 102، كتاب: الإيمان، رقم (107)، والنسائي 5/ 86، كتاب الزكاة، رقم (2562).

وتكليم الله تعالى لأهل النار في هذه الآية ﴿ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ توبيخ وتقريع لأهل النار؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ الآيات [المؤمنون: 108 - 111].

والله أعلم.

ملخص من: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية 13/ 131، وما بعدها.

"ودرء تعارض العقل والنقل" 2/ 141، وما بعدها.

و"العقيدة السلفية في كلام رب البرية" تأليف: يوسف الجديع.

ص: 90، وما بعدها.]].

وقيل: ﴿ ذُوقُوا ﴾ لوصول الألم إلى المعذب، كوصول الذوق إلى الذائق.

ومعنى: ﴿ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: جزاء، كما قال: دونك ما جنيتَه فاحسُ وذُق (٤) ﴿ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ من الكفر والتكذيب والافتراء على الله (٥) (١) "تفسير مقاتل" 74 ب، حيث ذكر الآية الثانية.

(٢) يقول لهم مكررة في نسخة: (ب).

وفي "تفسير مقاتل" 74 ب: يقول الخزنة لهم.

(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿ وَنَقُولُ ﴾ بالنون، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿ وَيَقُولُ ﴾ بالياء.

"السبعة في القراءات" 501، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 436، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 436، بنصه.

ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: لم نعثر عليه.

(٥) "تفسير مقاتل" 75 أ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌۭ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ ٥٦

قوله تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ وذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بالهجرة فاشتد ذلك عليهم، وقالوا: كيف نخرج من ديارنا وأموالنا، ونذهب إلى بلاد لا دار لنا فيها، ولا مال؟

فأنزل الله فيهم: ﴿ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ﴾ في معاشكم (١) وقال الكلبي: نزلت في أهل مكة؛ أي: لا تجاوروا الظلمة في أرضهم (٢) ﴿ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ يعني: توحدوني في المدينة علانية (٣) وقال أبو إسحاق: تفسيرها أنهم أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة الله وأداء فرائضه، وكذلك يجب على من كان في بلدٍ يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر وينتقل إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته (٤) ﴿ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ﴾ فهاجروا وجاهدوا (٥) وقال سعيد بن جبير: من أُمر بمعصية فليهربْ، وتلا هذه الآية (٦) (٧) وقوله: ﴿ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ قال الزجاج: (إياي) منصوب بفعل مضمر، الذي ظهر يُفسره؛ المعنى: فاعبدوا إياي فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، ولو قلت: إياي فاعبدوا، كان إياي منصوبًا بما بعد الفاء، ولا يحتاج إلى إضمار فعل، ودخول الفاء لمعنى الشرط، بتقدير: إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوا، فإن أرضي واسعة (٨) قال مقاتل: ثم خوفهم بالموت ليهاجروا، فقال: (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 318، لكنه قال: فأنزل الله ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ .

وكذا عند الثعلبي 8/ 162 ب.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب، بمعناه.

(٣) "تفسير مقاتل" 75 أ.

وهو قول الفراء، "معاني القرآن" للفراء 2/ 318.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 172.

(٥) أخرجه ابن جرير 21/ 9.

(٦) أخرجه ابن جرير 21/ 9، وابن أبي حاتم 9/ 3075، وفيه: ثم قرأ: ﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا  ﴾ .

وذكره الثعلبي 8/ 162 ب.

(٧) أخرجه ابن جرير 21/ 9، من طريق إسماعيل بن أبي خالد.

وأخرجه عبد الرزاق 2/ 99، عن مالك بن مغول، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير، بلفظ: هو الرجل يكون بين ظهراني قوم يعملون بالمعاصي.

- إسماعيل بن أبي خالد، الأحمسي مولاهم، البَجَلي، اسم أبيه: هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير.

محدث الكوفة في زمانه مع الأعمش.

روى عن عبد الله بن أوفى، وأبي جحيفة، وغيرهم، وروى عنه شعبة، وسفيان، وشريك، وغيرهم.

ثقة ثبت، "سير أعلام النبلاء" 6/ 176، و"تقريب التهذيب" 138.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 172، بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٥٧

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ (١) (٢) ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم (٣) (١) "تفسير مقاتل" 75 أ.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب.

(٣) "تفسير مقاتل" 75 أ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًۭا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ٥٨

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا ﴾ قال ابن عباس: لنسكننهم غرف الدر والياقوت والزبرجد (١) قال مقاتل: يعني لننزلنهم (٢) ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ يقال: بوأت فلانًا منزلًا تبويئًا وتبوئة (٣) (٤) وقرأ حمزة والكسائي: (لَنُثْوِيَنَّهُم) وهي قراءة عبد الله والأعمش [[قرأ حمزة والكسائي: [لَنُثْوِيَنَّهُم] بالثاء، وقرأ الباقون: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ بالباء.

"السبعة في القراءات" 502، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 438، وفيه ذكر قراءة الأعمش نقلها عن أبي الحسن.

و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.

وأخرج قراءة ابن مسعود: الفراء، "معاني القرآن" 2/ 318.]]، يقال: ثوى بالمكان إذا أقام به (٥) ﴿ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ  ﴾ أي: مقيمًا نازلًا فيهم، والثويَّ: الضيف لإقامته عند المضيف (٦) قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه (٧) ثوى في قريش بضع عشرة حِجةً (٨) أي: أقام ونزل فيهم.

وإذا تعدى: ثوى، فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني (٩) قال الأخفش: قرأ الأعمش: ﴿ لَنُثْوِيَنَّهُم مِنَ الجنَّةِ غُرَفًا ﴾ قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار (١٠) قال أبو علي: ووجه هذه القراءة كان في الأصل: لنثوينهم من الجنة في غرف، وحذف الجار، كما حذف من نحو قوله: أمرتك الخيرَ (١١) ويقوي ذلك أن الغرف وإن كانت مختصة، فقد أجريت المختصة من هذه الظروف مجرى غير المختص، نحو قوله: كما عسل الطريقَ الثعلبُ (١٢) ونحو: ذهبتُ الشامَ، عند سيبويه.

ويدل على صحة قول سيبويه ما روي في الحديث: "إنما أنا لكم كالوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط" من غير حرف جر، وروي: "إلى الغائط" (١٣) ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ  ﴾ (١٤) وقوله: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ قال ابن عباس: يريد تحت الغرف الأنهار، كما وصف تبارك وتعالى: ﴿ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ الآية [محمد: 15] (١٥) ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ مقيمين فيها لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون.

وقوله: ﴿ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار.

قال مقاتل: ﴿ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ لله (١٦) (١٧) (١) ذكره عنه الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 455.

(٢) "تفسير مقاتل" 75 أ.

و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.

(٣) "تهذيب اللغة" 15/ 595 (باء).

(٤) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا  ﴾ : قال أبو علي: التبؤ: فعل يتعدى إلى مفعولين فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدًا مكانًا، أي: اتخذت له، ولم أو هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلًا، أي: اتخذه له، فلا يعدون لزيد إلا باللام.

(٥) قال ابن قتيبة: هو من: ثويت بالمكان، أي: أقمت به.

"غريب القرآن" 338.

(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 438.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.

(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 439، ونسبه لحسان.

وهو في "ديوانه" 261، أخرج الحاكم عن يحيى بن سعيد قال: سمعت عجوزًا من الأنصار تقول: رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات: ثوى في قريش بضع عشرة حجة ...

يُذكِّر لو ألفي صديقًا مواتيًا وساق بعده ستة أبيات، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(٩) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 439.

(١٠) لم أجده عند الأخفش في "المعاني"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش.

"الحجة للقراء السبعة" 5/ 440.

(١١) جزء من بيت لعمرو بن معد يكرب، والبيت بتمامه: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ...

فقد تركتك ذا مال وذا نَشَب= وقد أورده أبو علي في "الحجة" 5/ 440، مقتصرًا على: أمرتك الخير، ولم ينسبه.

وقد استشهد به سيبويه على حذف حرف الجر، ونصب الخير.

"الكتاب" 1/ 37، ونسبه لعمرو بن معد يكرِب الزُّبيديّ.

واستشهد به كذلك المبرد، في "المقتضب" 2/ 36، والبغدادي، "خزانة الأدب" 1/ 339، ولم ينسباه.

(١٢) أنشده كاملًا سيبويه، "الكتاب" 1/ 36، ونسبه لساعدة بن جُؤَيَّة، والبيت تمامه: لدنٌ بِهزِالكفِ يعسلُ متنُه ...

فيه كما عسلَ الطريقَ الثعلبُ وأنشده كاملًا المبرد، "الكامل" 1/ 474، ولم ينسبه.

وأنشد عجزه أبو علي، في "الحجة" 5/ 440، ولم ينسبه، وعنه أخذ الواحدي، وأنشده ابن جني، "الخصائص" 3/ 319، ولم ينسبه.

وفي الحاشية: هذا البيت في وصف الرمح، واللدن: اللين الناعم، وقوله: يعسل متنه: يشتد اهتزازه، ويقال: عسل الثعلب والذئب في سيره: اشتد اضطرابه.

(١٣) أخرج هذا الحديث بحرف الجر: (إلى الغائط) الإمام أحمد 12/ 372، ط/ الرسالة، وابن ماجه 1/ 114، كتاب: الطهارة، رقم الحديث (313)، وابن حبان في "صحيحه"، كتاب: الطهارة، رقم (1431)، "الإحسان" 4/ 279، والبيهقي، "السنن الكبرى" 1/ 102، كتاب: الطهارة.

كلهم من طريق: يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

والحديث في "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 57، رقم (252).

وقال محققو المسند: إسناده قوي.

ولم أجده بهذا اللفظ بدون حرف الجر، إلا عند النسائي في "السنن الكبرى" من طريق عبد العزير بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قُرط عن == عروة عن عائشة أن رسول الله -  - قال: "إذا ذهب أحدكم الغائطَ فليذهب معه بثلاثة أحجار".

"السنن الكبرى" 1/ 72، كتاب: الطهارة، رقم الحديث (42).

والحديث في السنن الصغرى بهذا الإسناد بإثبات حرف الجر.

"سنن النسائي" 1/ 44، كتاب الطهارة، رقم الحديث (44)، وهو في "صحيح سنن النسائي" 1/ 11، رقم الحديث (43).

وأخرجه الطبراني من طريق سلامة بن روح، عن عُقَيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله -  -: "من ذهب منكم الغائطَ فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا".

"المعجم الكبير" 4/ 143، رقم الحديث: 3942.

وسلامة بن روح مختلف فيه، "الكامل في ضعفاء الرجال" 3/ 1162، "تهذيب التهذيب" 4/ 253، "ميزان الاعتدال" 2/ 183، قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام.

"تقريب التهذيب" 426.

وعُقيل هو ابن خالد بن عقيل، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام، حدث عن ابن شهاب فأكثر وجوَّد، وحدث عنه ابن أخيه: سلامة بن روح.

"سير أعلام النبلاء" 6/ 301.

قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت "تقريب التهذيب" 687.

وعطاء بن يزيد الليثي: ثقف "تقريب التهذيب" 679.

(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 440، وليس فيه ذكر الحديث.

وقول سيبويه في "الكتاب" 1/ 35.

(١٥) لعل الشاهد من إيراد هذه الآية: بيان أن الأنهار التي تجري من تحت الغرف أنهار متنوعة، كما ذكر في آية سورة: محمد ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ .

والله أعلم.

(١٦) "تفسير مقاتل" 75 أ.

(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3078، عن مقاتل.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

ثم نعت هؤلاء فقال: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى المخمصة، وعلى الجزع، وترك الأموال والأولاد والدور (١) قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ قال: وباللَّه يثقون في هجرتهم (٢) قال مقاتل: إن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها دار ولا معيشة؟

فوعظهم الله ليعتبروا، فقال: (١) وقال مقاتل 75 أ: على الهجرة.

وكل ذلك داخل مراد.

(٢) "تفسير مقاتل" 75 أ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍۢ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦٠

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ وكم من دابة (١) ﴿ فيِ الْأَرْضَ ﴾ قال أبو إسحاق: كل حيوان على وجه الأرض بما يعقل ولا يعقل فهو دابة، وإنما هو: مَنْ دبت على الأرض، والمعنى: من نفس دابة (٢) وقوله: ﴿ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ﴾ قال ابن عباس: لا تقدر على رزقها.

قال مقاتل: لا ترفع رزقها معها (٣) وقال سفيان وعلي بن الأقمر: لا تدخر شيئًا لغد (٤) وقال أبو إسحاق: أي لا تدخر رزقها، إنما تصبح فيرزقها الله، وعلى هذا أكثر الحيوان (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ﴾ يرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لقولكم: إنا لا نجد ما ننفق بالمدينة (٧) ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بما في قلوبكم (٨) (١) "تفسير مقاتل" 75 أ.

و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 339.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.

قال أبو عبيدة: ومجاز الدابة: أن كل شيء يحتاج إلى الأكل والشرب فهو دابة من إنس أو غيرهم.

(٣) "تفسير مقاتل" 75 أ.

وقال ابن قتيبة: لا ترفع شيئًا لغد.

"غريب القرآن" 339.

(٤) أخرجه ابن جرير 21/ 11، والثعلبي 8/ 162 ب، كلاهما عن علي بن الأقمر، من طريق سفيان.

- علي بن الأقمر بن عمرو الهمْداني، الوادعي، أبو الوازع، كوفي ثقة، حدث عن أسامة بن شريك، وأبي الأحوص، وغيرهم، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان الثوري، وغيرهم.

"سير أعلام النبلاء" 5/ 313.

و"تقريب التهذيب" 690.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.

(٦) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 339، ونسبه لابن عيينة.

وعند الفراء: إلا النملة فإنها تدخر رزقها لسنتها.

"معاني القرآن" 2/ 318، ولم ينسبه.

(٧) "تفسير مقاتل" 75 أ.

(٨) "تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٦١

قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ يقرون بأن الله خالق هذه الأشياء.

قال الله تعالى: ﴿ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فكيف يكذبون بتوحيدي (١) قال مقاتل: ثم رجع إلى الذين رغبهم في الهجرة؛ الذين قالوا: لا نجد ما ننفق فقال: (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3079، عن ابن عباس.

و"تفسير مقاتل" 75 أ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٦٢

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [[و (١) (٢) وقوله: ﴿ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ قال مقاتل: ويقتر على من يشاء (¬2) ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مما أنتم فيه من الشدة، وما أريد من إدخال الرفق عليكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .

(١) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ : إنما دخلت بل هاهنا؛ لأنه لما قال: ﴿ نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض فقال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ ﴾ كفار بالنقض، وحسن هذا التفصيل؛ لأن منهم من نقض عنادًا، ومنهم من نقض جهلاً.

وقيل: معناه: كفر فريق بالنقض، وكفر أكثرهم بالجحد للحق؛ وهو أمر النبي -  -.

(٢) "تفسير مقاتل" 75 أ، بلفظ: باطلا.

فقط.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٦٣

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ﴾ يعني: كفار مكة، إلى قوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ أي: الله الذي فعل هذه الأشياء (¬3).

﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ بإقرارهم بذلك.

قاله مقاتل وابن عباس (¬4).

﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ توحيد ربهم مع إقرارهم بأن الله خلق الأشياء كلها وحده (¬5)، وأنزل المطر.

والمراد بالأكثر: الجميع.

وقد مر (¬6).

<div class="verse-tafsir"

وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌۭ وَلَعِبٌۭ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٦٤

قوله تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ يعني: الحياة في هذه الدار ﴿ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب (¬7).

﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ لهي دار الحياة لا موت فيها (١) (٢) (٣) وقال الفراء: لهي الحياة حياة لا موت فيها (٤) (٥) وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: ﴿ الْحَيَوَانُ ﴾ الحياة (٦) قال أبو علي: قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي واحد، فهذه على ما حكاه أبو عبيدة مصادر (٧) (٨) والحيوان: كالفوران (٩) (١٠) (١١) (١٢) كنا بها إذِ الحَياة حِيُّ (١٣) فهذا (١٤) وقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وتحتَ رَحلي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ (١٩) فهذا أظهر من أن يقال له وصف بالمصدر، فأما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها، أي: فتلك الحياة هي الحياة لا التي يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدر على هذا.

ويجوز أن يكون الحيوان الذي هو خلاف المَوَتان، وقيل للدار الآخرة: الحيوان؛ لأنها لا تزول ولا تبيد كما تبيد هذه الدار وتزول، فتكون الدار وصفت بالحياة لهذا المعنى، والمراد أهلها.

ويجوز أن يكون التقدير في قوله: ﴿ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ هي ذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأنه لم يعتد بحياة هذه الدار حياة.

فأما القول في حروف الحيوان: أن العين واللام مِثْلان في أصل الكلمة، وأبدلت من الثانية الواو لَمَّا لم يسع الإدغام في هذا المثال، ألا ترى أن مثل: شَلَل وطَلَل (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أبو علي: الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قِبَل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه: واو، وفاؤه: لام صحيحان؛ مثل: فَوْظٍ، وصَوْغٍ (٢٣) (٢٤) قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يعني لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون.

(١) "تفسير مقاتل" 75 ب.

و"تفسير ابن جرير" 21/ 12، و"تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ.

وأخرجه ابن جرير 21/ 12، عن مجاهد، وأخرجه عن ابن عباس، بلفظ: باقية.

قال الأزهري: معناه: أن من صار إلى الآخرة لم يمت، ودام حيًا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.

"تهذيب اللغة" 5/ 287 (حي).

(٢) "تنوير المقباس" 338.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، عن قتادة.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 318.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.

(٦) "مجاز القرآن" 2/ 117.

و"غريب القرآن" 339.

(٧) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117.

بمعناه.

وهو في "كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 321، غير منسوب.

(٨) "تهذيب اللغة" 4/ 433 (حدم).

يعني أن أصلها: حَيْوَة على وزن: حَلْيَة، أو: حَيَوَة على وزن: حَدَمَة.

والله أعلم.

(٩) هكذا في النسختين؛ يقال: فارت القدر تفور فَوْرًا، وفَورانًا، إذا غَلت.

"تهذيب اللغة" 15/ 247 (فار).

(١٠) العِيَّ: مصدر العَي، يقال: عيى فلان بالأمر إذا عجز عند "تهذيب اللغة" 3/ 258 (عيى).

(١١) "تهذيب اللغة" 5/ 283 (حيى).

(١٢) "تهذيب اللغة" 3/ 257 (عيى).

(١٣) هكذا أنشده أبو علي، "كتاب الشعر" 1/ 321، وصدره بقوله: قال رؤبة أو العجاج.

وأنشده أبو عبيدة 2/ 117، بلفظ: وقد نَرَى إذ الحياةُ حِيٌ ونسبه للعجاج.

وهو كذلك في "ديوانه" 249.

وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 285 (حي) غير منسوب، واستشهد به على أن الحِي بكسر الحاء جمع الحياة.

(١٤) في كتاب أبي علي: كأنه قال: إذِ الحياة حياةٌ، أي: الحياة غيرُ متكدرة ولا منغَّصة.

"كتاب الشعر" 1/ 321.

(١٥) ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 287، ولم ينسبه.

(١٦) لم أجده في "النوادر"؛ وفي "تهذيب اللغة" 14/ 343 (موت): الموتان: كل شيء غير ذي روح، وما كان ذا روح فهو الحيوان.

ولم ينسبه لأبي زيد.

(١٧) "تهذيب اللغة" 12/ 260 (صمى).

(١٨) لزَّفَيَان: الخفة.

"لسان العرب" 14/ 357 (زفى).

(١٩) أنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 265 (زفى) ولم ينسبه.

والملْع: سرعة سير الناقة، وناقة مَيْلَع: سريعة.

"تهذيب اللغة" 2/ 426 (ملع).

وهو في "لسان العرب" 14/ 357، مع بيتين قبله غير منسوب، وفيه: ناقة زَفيان: سريعة.

(٢٠) الشلل: ذهاب اليد، يقال: شَلَّت يده تَشلَّ، فهو أشلُّ.

"تهذيب اللغة" 11/ 276 (شلل).

الطَلَل: ما شخص من الديار، يقال: حيَّا الله طَلَلك وأطلالك: أي: ما == شخص من جسدك.

"تهذيب اللغة" 13/ 295 (طلل).

(٢١) أصل الحيوان: حَييَان، فقلبت الياء التي هي لام الفعل واوًا استكراهًا لتوالي الحركات؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه.

"لسان العرب" 14/ 214 (حيا).

وقول سيبويه في "الكتاب" 4/ 399.

(٢٢) فاظ الميت، وفاظت نفسه: إذا خرجت.

"تهذيب اللغة" 14/ 396 (فاظ).

(٢٣) الصَّوغُ: مصدر صاغ يصوغ، والصَّياغة: الحرفة.

"تهذيب اللغة" 8/ 158 (صاغ).

(٢٤) "سر صناعة الإعراب" 1/ 153، بتصرف، وهو في "لسان العرب" 14/ 214 (حيا).

وضبطت كلمة: مَوْرَق، هكذا في سر صناعة الإعراب، وهو اسم علم؛ منه: == مُورق بتشديد الراء، ابن مُشَمْرِج، بضم أوله، ابن عبد الله العجلي، ترجم له الحافظ ابن حجر.

"تقريب التهذيب" 977، رقم (6989).

ومَوْرَق بفتح الميم وضمها اسم موضع بفارس.

"معجم البلدان" 5/ 256، ثم قال ياقوت الحموي: ومَوْهَب ومَوْظَب اسمان لرجلين.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥

قوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين كفار مكة.

وذكرنا معنى ﴿ فِي ﴾ عند قوله: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا  ﴾ (١) و ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أفردوا الله بالطاعة، وتركوا شركاءهم فلا يدعونهم لإنجائهم ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ ﴾ الله من أهوال البحر، وأفضوا إلى البر ﴿ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ به في البر فلا يوحدونه كما وحدوه في البحر (٢) (٣) (١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿ فِيهَا ﴾ لا يجوز أن تكون من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول ﴿ ارْكَبُوا ﴾ محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة فيكون قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ حالًا من الضمير في: ﴿ ارْكَبُوا ﴾ ويجوز أن يقال: المعنى: اركبوها؛ أي: الفلك، وزاد: في للتأكيد كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ  ﴾ وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة.

(٢) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 318، بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٦٦

قوله تعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ﴾ في هذه اللام وجهان؛ أحدهما: أنها لام كي، وهي متعلقة بالإشراك، كأن المعنى: يشركون ليكفروا؛ أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر، فليس يردُّ عليهم الشرك نفعًا إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة.

ومن جعل هذه لام كي كسر لام قوله: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُوا ﴾ ومن جزم اللام أراد الأمر (١) ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ  ﴾ و ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ  ﴾ ونحو ذلك من الأوامر التي معناها الوعيد (٢) ﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ (٣) (١) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُوا ﴾ بجزم اللام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُوا ﴾ بكسر اللام.

"السبعة في القراءات" 502، و "الحجة للقراء السبعة" 5/ 440.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 319، وابن جرير 21/ 13، بمعناه.

قال الزجاج 4/ 174: قرئ بكسر اللام وتسكينها، والكسر أجود على معنى: لكي يكفروا وكي يتمتعوا.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 441، من قوله: في هذه اللام وجهان <div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًۭا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ٦٧

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ﴾ ذكرنا تفسيره ونزوله في سورة: القصص (١) (٢) ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ يريد: العرب يسبي بعضهم بعضًا، وأهلُ مكة آمنون (٣) (٤) ﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: الشيطان (٥) (٦) ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ قال مقاتل: ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)  ﴾ ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ (٧) (٨) (١) أشار إلى هذه الإحالة: مقاتل 75 ب.

سورة القصص الآية 57.

(٢) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3082، عن الضحاك.

(٣) أخرجه ابن جرير 21/ 14، عن قتادة، بنحوه.

(٤) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٥) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٦) "تنوير المقباس" 338.

(٧) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٨) "تنوير المقباس" 338، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْكَـٰفِرِينَ ٦٨

ثم ذكر أنهم أظلمُ الخلق فقال: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن زعم أن لله شريكًا، وأنه أمر بالفواحش (١) ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ﴾ بمحمد والقرآن (٢) ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ أمَا لهذا المكذب مأوى في جهنم (٣) (٤) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ.

(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ.

و"تنوير المقباس" 338.

(٣) "تفسير مقاتل" 75 ب.

(٤) تفسير ابن جرير 21/ 14.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٦٩

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ قال ابن زيد: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا ﴾ هؤلاء المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا، ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ لنعصمنهم ولنرشدنهم إلى ديننا (١) قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أنه يزيد المجاهدين هداية، كما أنه يزيد الكافرين بكفرهم ضلالة، كذلك يزيد المجاهدين هداية كما قال: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ (٢) وقال أبو سَوْرَة: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا ﴾ في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة (٣) قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال مقاتل: في العون لهم (٤) وقال الزجاج: تأويله: إن الله ناصرهم (٥) وقال ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين.

(١) أخرجه ابن جرير 21/ 15، عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ﴾ فقلت له: قاتلوا فينا قال: نعم.

وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم 9/ 3084.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 174.

ومن أدلة ذلك قول الله -عز وجل- ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ  ﴾ .

(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 163 ب.

- أبو سَوْرَة الأنصاري، ابن أخي أبي أيوب.

قال الذهبي: أبو سورة، عن ابن عمر، وعنه مطعم بن المقدام، مجهول.

"المغني في الضعفاء" 2/ 473، وقال ابن حجر: ضعيف.

"تقريب التهذيب" 1158.

(٤) لم أجده عند مقاتل في تفسيره.

وقال الثعلبي 8/ 163 ب: بالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقباهم.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 174.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل