الآية ٣٢ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٣٢ من سورة العنكبوت

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًۭا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) أي : من الهالكين ; لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم للرسل من الملائكة إذ قالوا له: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ فلم يستثنوا منهم أحدا، إذ وصفوهم بالظلم: (إنَّ فِيهَا لُوطًا)، وليس من الظالمين، بل هو من رسل الله، وأهل الإيمان به، والطاعة له، فقالت الرسل له: ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا ) من الظالمين الكافرين بالله منك، وإن لوطا ليس منهم، بل هو كما قلت من أولياء الله، ( لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) من الهلاك الذي هو نازل بأهل قريته ( إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) الذين أبقتهم الدهور والأيام، وتطاولت أعمارهم وحياتهم، وإنها هالكة من بين أهل لوط مع قومها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُوقرأ الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي : لننجينه وأهله بالتخفيف .

وشدد الباقون وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي : ( إنا منجوك وأهلك ) بالتخفيف .

وشدد الباقون وهما لغتان : أنجى ونجى بمعنى ، وقد تقدم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فجعل يراجعهم ويقول: { إِنَّ فِيهَا لُوطًا } فقالوا له: { لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) إبراهيم للرسل : ( إن فيها لوطا قالوا ) يعني : قالت الملائكة ( نحن أعلم بمن فيها لننجينه ) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : " ) ( لننجينه ) بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد ( وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) أي : الباقين في العذاب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» إبراهيم «إن فيها لوطا قالوا» أي الرسل «نحن أعلم بمن فيها لنُنجينَّه» بالتخفيف والتشديد «وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين» الباقين في العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال إبراهيم للملائكة: إنَّ فيها لوطًا وليس من الظالمين، فقالت الملائكة له: نحن أعلم بمن فيها، لننجِّينَّه وأهله من الهلاك الذي سينزل بأهل قريته إلا امرأته كانت من الباقين الهالكين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا قال لهم إبراهيم - عليه السلام - بخشيته وشفقته : ( إِنَّ فِيهَا لُوطاً ) أى : إن فى هذه القرية التى جئتم لإِهلاكها لوطا ، وهو نبى من أنبياء الله الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم فيها؟

وهنا رد عليه الملائكة بما يزيل خشية فقالوا : ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ) من الأخيار ومن الأشرار ، ومن المؤمنين ومن الكافرين .( لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين ) أى : اضمئن يا إبراهيم فإن الله - تعالى - قد أمرنا أن ننجى لوطا وأن ننجى معه من الهلاك أهله المؤمنين ، إلا امرأته فستبقى مع المهلكين ، لأنها منهم ، بسبب خيانتها للوط - عليه السلام - حيث كانت تقر جرائم قومها ، ولا تعمل على إزالتها وإنكارها ، كما هو شأن الزوجات الصالحات .والغابر : الباقى .

يقال : غبر الشئ يغبر غبورا ، أى : بقى ، وقد يستعمل فيما مضى - أيضا - فيكون من الأضداد .

ومنه قولهم : هذا الشئ حدث فى الزمن الغابر .

أى : الماضى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما دعا لوط على قومه بقوله: ﴿ رَبّ انصرنى ﴾ استجاب الله دعاءه، وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا: ﴿ إِنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية ﴾ يعني أهل سدوم، وفي الآية لطيفتان: إحداهما: أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين، لكن البشارة أثر الرحمة والإنذار بالإهلاك أثر الغضب، ورحمته سبقت غضبه، فقدم البشارة على الإنذار.

وقال: ﴿ جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى ﴾ ثم قال: ﴿ إِنا مهلكو ﴾ الثانية: حين ذكروا البشرى ما عللوا وقالوا إنا نبشرك لأنك رسول، أو لأنك مؤمن أو لأنك عادل، وحين ذكروا الإهلاك عللوا، وقالوا: ﴿ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين ﴾ لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لو قال قائل أي تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار، نقول لما أراد الله إهلاك قوم وكان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

المسألة الثانية: قال في قوم نوح ﴿ فَأَخَذَهُمُ الطوفان  ﴾ وقد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم، ولو يقل فأخذهم وكانوا ظالمين، وهاهنا قال: ﴿ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين ﴾ ولم يقل وإنهم ظالمون، فنقول لا فرق في الموضعين في كونهم مهلكين وهم مصرون على الظلم، لكن هناك الإخبار من الله وعن الماضي حيث قال: ﴿ فَأَخَذَهُمْ ﴾ وكانوا ظالمين، فقال أخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون، وهاهنا الإخبار من الملائكة وعن المستقبل حيث قالوا: ﴿ إنا مهلكوا ﴾ فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في إبانة حسن الأمر من الله بالإهلاك، فقالوا: إنا مهلكوهم لأن الله أمرنا، وحال ما أمرنا به كانوا ظالمين، فحسن أمر الله عند كل أحد، وأما نحن فلا نخبر بما لا حاجة لنا إليه، فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، فنحن ما احتجنا إلا إلى هذا القدر، وهو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا الله باهلاكهم بياناً لحسن الأمر، وأما أنهم ظالمون في وقتنا هذا أو يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن فيها لوطاً إشفاقاً عليه ليعلم حاله، أو لأن الملائكة لما قالوا: ﴿ إنا مهلكوا ﴾ وكان إبراهيم يعلم أن الله لا يهلك قوماً وفيهم رسوله، فقال تعجباً إن فيهم لوطاً فكيف يهلكون، فقالت الملائكة نحن أعلم بمن فيها، يعني نعلم أن فيهم لوطاً فلننجينه وأهله ونهلك الباقين، وهاهنا لطيفة: وهو أن الجماعة كانوا أهل الخير، أعني إبراهيم والملائكة، وكل واحد كان يزيد على صاحبه في كونه خيراً.

أما إبراهيم فلما سمع قوله الملائكة ﴿ إنا مهلكوا ﴾ أظهر الإشفاق على لوط ونسي نفسه وما بشروه ولم يظهر بها فرحاً، وقال: ﴿ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً ﴾ ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه، وقالوا إنك ذكرت لوطاً وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله، ثم استثنوا من الأهل امرأته، وقالوا: ﴿ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين ﴾ أي من المهلكين، وفي استعمال الغابر في المهلك وجهان، وذلك لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي، وفي الباقي يقال فيما غبر من الزمان أي فيما مضى ويقال الفعل ماض وغابر أي باق، وعلى الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم: ﴿ إنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين ﴾ ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم وجواب الملائكة، فقالت الملائكة إنها من الغابرين أي الماضي ذكرهم لا من الذين ننجي منهم، أو نقول المهلك يفنى ويمضي زمانه والناجي هو الباقي فقالوا إنها من الغابرين أي من الرائحين الماضين لا من الباقين المستمرين، وأما على الوجه الثاني فنقول لما قضى الله على القوم بالإهلاك كان الكل في الهلاك إلا من ننجي منه فقالوا إنا ننجي لوطاً وأهله، وأما امرأته فهي من الباقين في الهلاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بالبشرى ﴾ هي البشارة بالولد.

والنافلة: وهما إسحق ويعقوب.

وإضافة مهلكو إضافة تخفيف لا تعريف.

والمعنى الاستقبال.

والقرية: سدوم التي قيل فيها: أجور من قاضي سدوم ﴿ كَانُواْ ظالمين ﴾ معناه أنّ الظلم قد استمر منهم إيجاده في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم: كفرهم وألوان معاصيهم ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً ﴾ ليس إخباراً لهم بكونه فيها، وإنما هو جدال في شأنه: لأنهم لما عللوا إهلاك أهلها بظلمهم: اعترض عليهم بأن فيها من هو بريء من الظلم، وأراد بالجدال: إظهار الشفقة عليهم، وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته وحياطته، والخوف من أن يمسه أذى أو يلحقه ضرر.

قال قتادة: لا يرى المؤمن ألا يحوط المؤمن، ألا ترى إلى جوابهم بأنهم أعلم منه ﴿ بِمَن فِيهَا ﴾ يعنون: نحن أعلم منك وأخبر بحال لوط وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستأهل ما يستأهلون، فخفض على نفسك وهوّن عليك الخطب.

وقريء ﴿ لَنُنَجّيَنَّهُ ﴾ بالتشديد والتخفيف، وكذلك منجوك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى ﴾ بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ.

﴿ قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ ﴾ قَرْيَةِ سَدُومَ والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ.

﴿ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ لَهم بِإصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ في ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو الكُفْرُ وأنْواعُ المَعاصِي.

﴿ قالَ إنَّ فِيها لُوطًا ﴾ اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ فِيها مَن لَمْ يَظْلِمْ، أوْ مُعارَضَةٌ لِلْمُوجِبِ بِالمانِعِ وهو كَوْنُ النَّبِيِّ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ.

﴿ قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ ﴾ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِهِ مَعَ ادِّعاءِ مَزِيدِ العِلْمِ بِهِ وأنَّهم ما كانُوا غافِلِينَ عَنْهُ، وجَوابٌ عَنْهُ بِتَخْصِيصِ الأهْلِ بِمَن عَداهُ وأهْلِهِ أوْ تَأْقِيتُ الإهْلاكِ بِإخْراجِهِمْ مِنها، وفِيهِ تَأْخِيرٌ لِلْبَيانِ عَنِ الخِطابِ.

﴿ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ الباقِينَ في العَذابِ أوِ القَرْيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ} إبراهيم {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} أي أتهلكونهم وفيهم من هو بريء من الظلم وهو لوط {قَالُواْ} أي الملائكة {نَّحْنُ أَعْلَمُ} منك {بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ} لننجينه يعقوب وكوفي غير عاصم

{وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين} الباقين في العذاب ثم أخبر عن مسيرة الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم ابراهيم يقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ إنَّ فِيها لُوطًا ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ ما أشارُوا إلَيْهِ مِن عَدَمِ تَناوُلِ أهْلِ القَرْيَةِ إيّاهُ لَكِنَّهُ أرادَ التَّنْصِيصَ عَلى حالِهِ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ لِكَمالِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَعْلَمَ هَلْ يَبْقى في القَرْيَةِ عِنْدَ إهْلاكِهِمْ أوْ يَخْرُجَ مِنها ثُمَّ يُهْلَكُونَ، وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ فِيها ﴾ دُونَ إنَّ مِنهم إشارَةً إلى ذَلِكَ، وأفْهَمَ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ فِيها لُوطًا ﴾ اعْتِراضٌ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنَّ في القَرْيَةِ مَن لَمْ يَظْلِمْ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادَرَ مِن إضافَةِ الأهْلِ إلَيْها العُمُومُ، وحَمْلُ الأهْلِ عَلى مَن سَكَنَ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنْ تَوَلُّدُهُ بِها، أوْ مُعارَضَةٌ لِلْمُوجِبِ لِلْهَلاكِ وهو الظُّلْمُ بِالمانِعِ وهو أنَّ لُوطًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وهُوَ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَتِهِمْ، وأنَّ جَوابَ الرُّسُلِ المَحْكِيَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ ﴾ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في لُوطٍ مَعَ ادِّعاءِ مَزِيدِ العِلْمِ بِهِ بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ وأنَّهم ما كانُوا غافِلِينَ عَنْهُ، وجَوابٌ عَنْهُ بِتَخْصِيصِ الأهْلِ بِمَن عَداهُ وأهْلَهُ عَلى الِاعْتِراضِ، أوْ بَيانُ وقْتِ إهْلاكِهِمْ بِوَقْتٍ لا يَكُونُ لُوطٌ وأهْلُهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ عَلى المُعارَضَةِ، وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ في الجُمْلَةِ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهم أرادُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ مَن نَشَأ بِها عَلى ما هو المُتَعارَفُ فَلا يَكُونُ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلًا في الأهْلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا ما قَوْلُ قَوْمِهِ ﴿ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ ﴾ وفَهِمَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أرادُوهُ وعَلِمَ أنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنَ المُهْلَكِينَ إلّا أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونَ هَلاكُ قَوْمِهِ وهو بَيْنُ ظَهْرانَيْهِمْ في القَرْيَةِ فَيُوحِشُهُ ذَلِكَ ويُفْزِعُهُ.

ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِإخْراجِهِ مِن قَرْيَةِ المُهْلَكِينَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقَرابَتِهِ مِنهُ ومَزِيدِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ إنَّ فِيها لُوطًا ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّحَزُّنِ والتَّفَجُّعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى  ﴾ وجُلُّ قَصْدِهِ أنْ لا يَكُونَ فِيها حِينَ الإهْلاكِ فَأخْبَرُوهُ أوَّلًا بِمَزِيدِ عَلِمِهِمْ بِهِ وأفادُوهُ ثانِيًا بِما يَسُرُّهُ ويُسْكِنُ جَأْشَهُ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى  ﴾ وأكَّدُوا الوَعْدَ بِالتَّنْجِيَةِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى مَزِيدِ اعْتِنائِهِمْ بِشَأْنِهِ وإمّا لِتَنْزِيلِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تَنْجِيَتَهُ لِما شاهَدُوا مِنهُ في حَقِّهِ، وتُحْمَلُ التَّنْجِيَةُ عَلى إخْراجِهِ مِن بَيْنِ القَوْمِ وفَصْلِهِ عَنْهم وحِفْظِهِ مِمّا يُصِيبُهم فَإنَّها بِهَذا المَعْنى الفَرْدُ الأكْمَلُ، ويُلائِمُ هَذا ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ أيْ مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ وهو أحَدُ تَفْسِيرَيْنِ، ثانِيهِما ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وهو تَفْسِيرُهُ الغابِرِينَ بِالباقِينَ في العَذابِ فَتَأمَّلْ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى ذُو وُجُوهٍ، وفَسَّرَ الأهْلَ هُنا بِأتْباعِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُؤْمِنِينَ، وجُمْلَةُ ﴿ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ وكَذا في الِاسْتِثْناءِ فارْجِعْ إلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى يعني: بالبشارة بالولد قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني: قريات لوط إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ يعني: كافرين قالَ إبراهيم إِنَّ فِيها لُوطاً يعني: أتهلكهم وفيهم لوط قالُوا يعني: قال جبريل  : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ يعني: من الباقين في الهلاك وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يعني: ساء مجيئهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يعني: اغتم بقدومهم، فلا يدري أيأمرهم بالخروج أم بالنزول.

ويقال: ضاق بهم القلب وَقالُوا لاَ تَخَفْ علينا وَلا تَحْزَنْ من العذاب إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ قرأ حمزة والكسائي لَنُنَجِّيَنَّهُ، وإِنَّا مُنَجُّوكَ كلاهما بالتخفيف.

وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم كلاهما بالتشديد.

وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم الأول بالتشديد، والثاني بالتخفيف، ومعناهما واحد.

ويقال: أنجيته ونجيته بمعنى واحد إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ.

ثم قال عز وجل: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ قرأ ابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين مُنْزِلُونَ بالتشديد.

وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد يعني: أنزلنا ونزّلنا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ هي الحجارة بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون الله عز وجل.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها يعني: من قريات لوط آيَةً بَيِّنَةً يعني: علامة ظاهرة واضحة يعني: هلاكهم علامة ظاهرة ويقال: قرياتهم علامة ظاهرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يعني: لمن كان له ذهن الإنسانية- وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً يعني الحجارة التي أنزلها الله تعالى من السماء على كل واحد منها اسم صاحبها (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زيد «١» : لا يعجزه أهلُ الأرض في الأرض، ولا أهلُ السَّمَاءِ في السماء إن عصوه.

وقيل:

معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها.

وقيل: المعنى: ليس للبشر حيلةٌ إلى صعودٍ أو نزول يفلتون بها.

قال قتادة: ذَمَّ الله قوماً هانوا عليه فقال: أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ...

الآية.

قال ع «٢» : وما تَقَدَّمَ من قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ ...

إلى هذه الآيةِ المستأَنفةِ يُحْتَمَلُ أَن يكونَ خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلّم، ويكون اعتراضا في قصَّة إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يكونَ خطاباً لإبراهيم عليه السلام ومحاورة لقومه وعند آخر ذلك ذكر جواب قومه.

وقوله تعالى: فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أي بأن جعلها برداً وسلاماً.

قال كعب «٣» الأحبار- رضي الله عنه-: ولم تحرقِ النارُ إلا الحبل الذي أو ثقوه به وجعل سبحانه ذلك آية، وعبرةً، ودليلاً على توحيده لِمن شرح صدره ويسره للإيمان.

ثم ذكر تعالى أن إبراهيم- عليه السلام- قررهم على أنَّ اتخاذَهم الأوثانَ إنما كان اتباعاً من بعضهم لبعضٍ وحفظاً لمودتهم الدنيوية وأنهم يوم القيامة يَجْحَدُ بعضُهم بعضاً، ويتَلاَعَنُون لأن توادَّهم كان على غير تقوى، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] .

وقوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ/ لُوطٌ معناه: صدق، وآمن: يتعدى باللام والباء، والقائل ٦٢ أإِنِّي مُهاجِرٌ هو إبراهيم عليه السلام.

قاله قتادةُ والنخعيُّ «١» وقالت فرقةٌ: هو لوط- عليه السلام-.

وقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا ...

الآية، الأجرُ الذي آتاهُ الله في الدنيا: العافيةُ من النار ومن المَلِكِ الجائرِ.

والعملُ الصالحُ أو الثناءُ الحسنُ قاله مجاهد «٢» ويدخل في عموم اللفظ غيرُ ما ذُكِرَ.

قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، أي: في عداد الصالحين الذين نالوا رضا الله عز وجل، وقول لوط عليه السلام: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، قالت فرقة: كان قطعُ الطريقِ بالسلب فاشياً فيهم، وقيل غيرُ هذا، والنادي، المجلس الذي يجتمع الناس فيه.

واخْتُلِفَ في هذا المُنْكَرِ الذي يأتونه في ناديهم: فقالت فرقة: كانوا يحذفونَ الناسَ بالحصباءِ ويَسْتَخِفُّونَ بالغريب والخاطر عليهم وروته أم هانىءٍ عن النبي صلى الله عليه وسلّم»

: وَكَانَتْ خُلقهُمْ مُهْمَلَةً لاَ يَرْبِطُهُمْ دِينٌ وَلاَ مروءة، وقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ ﴾ يَعْنُونَ قَرْيَةَ لُوط.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُنَجِّيَنَّهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " و " إنّا مُنَجُّوكَ " بِتَشْدِيدِ الحَرْفَيْنِ، وخَفَّفَهُما حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " مُشَدَّدَةً، و " إنّا مُنْجُوكَ " مُخَفَّفَةً ساكِنَةَ النُّونِ.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ ما أخْلَلْنا بِذِكْرِهِ [هُودٍ: ٧٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا ﴾ وهو الحَصَبُ والخَسْفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَ بِهِمْ؛ فَعَلى هَذا في الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْ أوائِلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الخَبَرُ عَمّا صَنَعَ بِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها القَرْيَةُ؛ فَعَلى هَذا في المُرادِ بِالآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها آثارُ مَنازِلِهِمُ الخَرِبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ إلى الآنِ أنَّ أساسَها أعْلاها وسُقُوفَها أسْفَلُها، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: تَرَكْناها آيَةً، تَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، تُرِيدُ أنَّها هي الآيَةُ قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَلِمْ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ أنَّ قَرْيَةَ لُوطٍ تُعَذَّبُ أشْفَقَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَجادَلَ المَلائِكَةَ، وقالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ بَيْتٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَتْرُكُونَهُمْ؟

قالُوا: لَيْسَ فِيهِمْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَنْحَدِرُ حَتّى انْتَهى إلى عَشَرَةِ أبْياتٍ، فَقالَ لَهُ المَلائِكَةُ: لَيْسَ فِيها عَشْرَةٌ، ولا خَمْسَةٌ، ولا ثَلاثَةٌ، ولا اثْنانِ، فَحِينَئِذٍ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ فِيها لُوطًا، فَراجَعُوهُ حِينَئِذٍ بِأنّا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها، أيْ: لا تَخَفْ أنْ يَقَعَ حَيْفٌ عَلى مُؤْمِنٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لَنُنَجِّيَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ الوُسْطى وشَدِّ الجِيمِ، و"مُنَجُّوكَ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لَنُنْجِيَنَّهُ " بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " بِالتَشْدِيدِ، و"مُنْجُوكَ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُنْجِيَنْهُ" بِسُكُونِ النُونِ الأخِيرَةِ مِنَ الكَلِمَةِ، وهَذا إنَّما يَجِيءُ عَلى أنَّهُ خَفَّفَ النُونَ المُشَدَّدَةَ وهو يُرِيدُها.

وامْرَأةُ لُوطٍ هَذِهِ كانَتْ كافِرَةً، وتُنَبِّهُ عَلى أضْيافِهِ، و"الغابِرُ": الباقِي، ومَعْناهُ: مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ أيْ: مِمَّنْ غَبَرَ وبَقِيَ مِنَ الناسِ وعَسى في كُفْرِهِ، والضَمِيرُ في "بِهِمْ" في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى الأضْيافِ الرُسُلِ، وذَلِكَ بِخَوْفِهِ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِما هم فِيهِ فَرَّجَ عنهُ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: "سِيءَ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ بِضَمِّها، و"الرِجْزُ": العَذابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ أيْ: عَذابُهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وكَذَلِكَ كَلُّ أُمَّةٍ عَذَّبَها اللهُ فَإنَّما عَذَّبَها عَلى الفِسْقِ والمَعْصِيَةِ، ولَكِنْ بِأنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ عَذابَ الآخِرَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها ﴾ ، أيْ: مَن خَبَّرَها وما بَقِيَ مِن أثَرِها، فَـ "مَنَّ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، عَلى أنْ تُرِيدَ ما تَرَكَ مِن بَقايا تِلْكَ القَرْيَةِ ومَنظَرِها، والآيَةُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ، وعَلامَةُ القُدْرَةِ، ومُزْدَجَرُ النُفُوسِ عَنِ الوُقُوعِ في سُخْطِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مُنْزِلُونَ" بِتَخْفِيفِ الزايِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "مُنَزَّلُونَ" بِشَدِّ الزايِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وعاصِمْ -بِخِلافٍ عنهُما-، وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَسَنُ وعاصِمْ بِخِلافٍ عنها-، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنّا مُرْسَلُونَ" بَدَلُ "مُنْزِلُونَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رِجْزًا" بِضَمِّ الراءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لما ﴾ أداة تدل على التوقيت، والأصل أنها ظرفٌ ملازم الإضافة إلى جملة.

ومدلولها وجود لوجود، أي وجود مضمون الجملة التي تضاف إليها عند وجود الجملة التي تتعلق بها فهي تستلزم جملتين: أولاهما فعلية ماضوية وتضاف إليها ﴿ لما ﴾ ، والثانية فعلية أو اسمية مشتملة على ما يصلح لأن يتعلق به الظرف من فعل أو اسم مشتق، ويطلق على الجملة الثانية الواقعة بعد ﴿ لما ﴾ اسم الجزاء تسامحاً.

ولما كانت ﴿ لما ﴾ ظرفاً مبهماً تعين أن يكون مضمون الجملة التي تضاف إليها ﴿ لما ﴾ معلوماً للسامع، إذ التوقيت الإعلام بمقارنة زمن مجهول بزمن معلوم.

فوجود ﴿ لما ﴾ هنا يقتضي أن مجيء الملائكة بالبشرى أمر معلوم للسامع مع أنه لم يتقدم ذكر للبشرى، فتعين أن يكون التعريف في البشرى تعريف العهد لاقتضاء ﴿ لما ﴾ أن تكون معلومة، فالبشرى هي ما دل عليه قوله تعالى آنفاً ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوءة والكتاب ﴾ [العنكبوت: 27] كما تقدم بيانه.

والبشرى: اسم للبشارة وهي الإخبار بما فيه مسرة للمخبر بفتح الباء وتقدم ذكر البشارة عند قوله تعالى ﴿ إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ﴾ في سورة البقرة (119).

ومن لطف الله بإبراهيم أن قدّم له البشرى قبل إعلامه بإهلاك قوم لوط لعلمه تعالى بحلم إبراهيم.

والمعنى: قالوا لإبراهيم إنا مهلكوا أهل هذه القرية الخ.

والقرية هي (سدوم) قرية قوم لوط.

وقد تقدم ذكرها في سورة الأعراف.

وجملة ﴿ إن أهلها كانوا ظالمين ﴾ تعليل للإهلاك وقصد به استئناس إبراهيم لقبول هذا الخبر المحزن، وأيضاً لأن العدل يقتضي أن لا يكون العقاب إلا على ذنب يقتضيه.

والظلم: ظلمهم أنفسهم بالكفر والفواحش، وظلمهم الناس بالغصب على الفواحش والتدرب بها.

وقوله ﴿ إن فيها لوطاً ﴾ خبر مستعمل في التذكير بسنة الله مع رسله من الإنجاء من العذاب الذي يحل بأقوامهم.

فهو من التعريض للملائكة بتخصيص لوط ممن شملتهم القرية في حكم الإهلاك، ولوط وإن لم يكن من أهل القرية بالأصالة إلا أن كونه بينهم يقتضي الخشية عليه من أن يشمله الإهلاك.

ولهذا قال ﴿ إن فيها لوطاً ﴾ بحرف الظرفية ولم يقل: إن منها.

وجواب الملائكة إبراهيم بأنهم أعلم بمن فيها يريدون أنهم أعلم منه بأحوال من في القرية، فهو جواب عما اقتضاه تعريضه بالتذكير بإنجاء لوط، أي نحن أعلم منك باستحقاق لوط النجاة عند الله، واستحقاق غيره العذاب فإن الملائكة لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون وكان جوابهم مُطَمْئِناً إبراهيم.

فالمراد من علمهم بمن في القرية علمهم باختلاف أحوال أهلها المرتب عليها استحقاق العذاب، أو الكرامة بالنجاة.

وإنما كان الملائكة أعلم من إبراهيم بذلك لأن علمهم سابق على علمه ولأنه علم يقين مُلقى من وحي الله فيما سخر له أولئك الملائكة إذ كان إبراهيم لم يوح الله إليه بشيء في ذلك، ولأنه علم تفصيلي لا إجمالي، وعمومي لا خصوصي.

فلأجل هذا الأخير أجابوا ب ﴿ نحن أعلم بمن فيها ﴾ .

ولم يقولوا: نحن أعلم بلوط، وكونهم أعلم من إبراهيم في هذا الشأن لا يقتضي أنهم أعلم من إبراهيم في غيره فإن لإبراهيم علم النبوءة والشريعة وسياسة الأمة، والملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يشتغلون بغير ذلك إلا متى سخرهم الله لعمل.

وبالأولى لا يقتضي كونهم أعلم بهذا منه أن يكونوا أفضل من إبراهيم، فإن قول أهل الحق إن الرسل أفضل من الملائكة، والمزية لا تقتضي الأفضلية، ولكل فريق علم أطلعه الله عليه وخصه به كما خص الخضر بما لم يعلمه موسى، وخص موسى بما لا يعلمه الخضر، ولذلك عتب الله على موسى لما سئل: هل يوجد أعلم منك؟

فقال: لا، لأنه كان حق الجواب أن يفكر في أنواع العلم.

وجملة ﴿ لَنُنْجِيَنَّهُ وأهله إلا امرأته ﴾ بيان لجملة ﴿ نحن أعلم بمن فيها ﴾ فلذلك لم تعطف عليها وفُصِلت، فقد علموا بإذن الله أن لا ينجو إلا لوط وأهله، أي بنتاه لا غير ويهلك الباقون حتى امرأة لوط.

وفعل ﴿ كانت ﴾ مستعمل في معنى تكون، فعبر بصيغة الماضي تشبيهاً للفعل المحقق وقوعه بالفعل الذي مضى مثل قوله ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1]، ويجوز أن يكون مراداً به الكون في علم الله وتقديره، كما في آية النمل (57) ﴿ قدَّرناها من الغابرين ﴾ فتكون صيغة الماضي حقيقة.

وتقدم الكلام على نظير قوله ﴿ إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ في سورة النمل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ عَبَدُوها.

﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عَبَدُوا ما لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ الَّذِي لا يَدْفَعُ شَيْئًا وهو مِن أبْلَغِ الأمْثالِ فِيهِمْ.

﴿ وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ لِأنَّهُ يَسْتُرُ الإبْصارَ ولا يَدْفَعُ الأيْدِيَ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أنَّ العَنْكَبُوتَ شَيْطانٌ مَسْخَها اللَّهَ.

وَقالَ عَطاءٌ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، ومَرَّةً عَلى النَّبِيِّ  .

وجَمْعُ العَنْكَبُوتِ عَناكِبُ وتَصْغِيرُهُ عُنَيْكَبٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتقطعون السبيل ﴾ قال: الطريق إذا مر بهم المسافر، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم ﴾ قال: مجلسكم.

وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والشاشي في مسنده والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: «كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل ويسخرون منهم» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وهو قول الله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الخذف، فقال رجل: وما لي قلت هكذا؟

فأخذ ابن عمر كفا من حصباء، فضرب به وجهه وقال: في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذ بالمعاريض.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الخذف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: كانوا يخذفون الناس.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوي الأخلاق عن مجاهد في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال كانوا يعملون الفاحشة في مجالسهم.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الضراط.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ ماذا كان المنكر الذي كانوا يأتون؟

قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم، يضرط بعضهم على بعض.

والنادي هو المجلس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الصفير، ولعب الحمام، والجلاهق، وحل ازرار القباء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها ﴾ قال: لا يلقى المؤمن إلا يرحم المؤمن ويحوطه حيثما كان وفي قوله: ﴿ إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ قال: من الباقين في عذاب الله.

وفي قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال: ساء بقومه ظناً، يتخوّفهم على اضيافه، وضاق ذرعاً بضيفه مخافة عليهم.

وفي قوله: ﴿ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء ﴾ قال: عذاباً من السماء.

وفي قوله: ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ قال: هي الحجارة التي أمطرت عليهم أبقاها الله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ قال: عبرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى ﴾ الرسل هنا الملائكة والبشرى بشارة إبراهيم بالولد وهو وقوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101] أو بشارته بنصر سيدنا لوط، والأول أظهر ﴿ أَهْلِ هذه القرية ﴾ يعني قرية سيدنا لوط، ﴿ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً ﴾ ليس أخباراً بأنه فيها، وإنما قصد نجاة سيدنا لوط من العذاب الذي يصيب أهل القرية، وبراءته من الظلم الذي وصفوه به، فكأنه قال: كيف تهلكون أهل القرية وفيها لوط، وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط ﴿ مِنَ الغابرين ﴾ قد ذكر وكذلك ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾ ﴿ رِجْزاً مِّنَ السمآء ﴾ أي عذاباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ : كأنه يقول - والله أعلم -: اذكر لوطاً إذ قال لقومه.

ثم ذكره إياه يخرج على وجهين: أحدهما: أن اذكر نبأ لوط وخبره؛ ليكون لك آية على رسالتك ونبوتك؛ إذ يعلمون أنك لم تشاهده ولا شهدت زمنه، فأخبرت على ما في كتبهم ليعرفوا أنك إنما عرفت ذلك بالله.

والثاني: اذكره: أن كيف صبر على أذى قومه، وكيف عامل قومه مع سوء صنيعهم من ارتكاب الفواحش والمناكير وسوء معاملتهم إياه، فاصبر أنت على أذى قومك وسوء معاملتهم إياك.

هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون معنى ذكر لوط إياه، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ  ﴾ أي: اذكر يا إبراهيم ونبأه: أن كيف عامل قومه؟

وماذا قال لهم؟

وكيف صبر على أذاهم؟

فتعامل أنت قومك مثله، واصبر على أذاهم كما صبر أولئك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : قال لهم: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم أن يعارضوا لقوله: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، بل قد كان سبقنا بذلك أحد، فكان في ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك آية لرسالته، وأنه إنما علم بالله: أنه لم يسبقهم بها أحد كما ذكر.

والثاني: أنهم يعبدون الأصنام ويرتكبون فواحش، ويقولون: ﴿ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ  ﴾ وإن الله أمرهم بذلك، ليعلم أنهم كذبة في قولهم: إن آباءهم على ذلك، حيث أخبر أنهم لم يسبقهم بها من أحد، ولو كان آباؤهم على ذلك لذكروه وعارضوه، فإذا لم يفعلوا ولم يشتغلوا بشيء من ذلك، علم أنهم كذبة فيما يقولون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ ﴾ : هو ما ذكرنا: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ ﴾ : قال بعضهم: أي: تعترضون الطريق لمن مر بكم لعملكم الخبيث؛ لأنه ذكر أنهم إنما كانوا يعملون ذلك بالغرباء.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ ﴾ أي: تقطعون السبيل على الناس؛ من قطع الطريق.

﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ أي: وتعملون في مجلسكم المنكر.

اختلف في هذا: قال بعضهم: أي: تعملون في مجلسكم اللواطة أيضاً.

وقال بعضهم: حذف بالحصى ورمي بالبندق وأمثاله.

لكنه يخبر عن سوء صنيعهم في كل حال وكل وقت، يقول: إنكم تعملون بالفواحش والمناكير في كل حال: في الطريق، وفي المجلس، وفي المنزل، ما سبقكم بذلك كله من أحد من العالمين، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ ، هذه الآيات في الظاهر بعضها مخالف لبعض؛ لأنه يقول في بعضها: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ ، وفي بعضها: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ  ﴾ ، وفي بعضها: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ  ﴾ - فهو يخرج على وجوه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ  ﴾ ، و ﴿ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ  ﴾ إنما ذلك فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: أخرجوهم، وقوله: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ إنما قالوا ذلك للوط، فإذا كان كذلك فليس في الظاهر فيه خلاف.

والثاني: فما كان جواب قومه في مشهد وفي وقت إلا كذا، وقد كان منهم له أجوبة أخر سواها في غير ذلك المشهد وفي غير ذلك الوقت.

أو أن يكون قوله: فما كان آخر جواب قومه إلا أن قالوا: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ بنزول العذاب علينا، إنما قالوا ذلك له استهزاء وتكذيباً.

ثم دعا لوط ربه فقال: ﴿ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ فأجيب.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ ﴾ : يحتمل البشرى: بشارة بالولد في كبر سنه وسن زوجته ما لم يطمع من أمثالهما الولد إذا بلغوا ذلك الوقت، وهو ما ذكر: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ  ﴾ .

ويحتمل غيره.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ  ﴾ ، ولم يذكروا فيه بم أرسلوا؟

وبين في هذا، ثم قال إبراهيم: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ ففي الآية الدليل من وجهين: أحدهما: يخرج الخطاب على العموم والمراد منه الخصوص؛ لأن الملائكة قالوا عامّاً: ﴿ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ﴾ ، ولم يكن الأمر بإهلاك كل أهل القرية، ثم استثنوا لوطاً وأهله بعدما قال إبراهيم: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً ﴾ حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ .

والثاني: فيه جواز تأخير البيان حيث لم يبينوا إلا بعد سؤال إبراهيم إياهم.

وفيه وجه آخر في امتحان الملائكة بمختلف الأشياء؛ لأن هؤلاء أمروا بالبشارة، وأمروا بإهلاك قوم لوط؛ ليعلم أنهم يمتحنون بمختلف الأشياء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ : روي عن أم هانئ "عن النبي  أنه قال في قوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ قال: كانوا يحذفون أهل الأرض ويسخرون منهم" ، فإن ثبت هذا كان تفسيراً له لا يحتاج إلى غيره.

والنادي: قال أبو عوسجة: المجلس، وأندية جماعة؛ وكذلك قال القتبي.

قال أبو معاذ: الندي والنادي لغتان، فجمع النادي: أندية، وجمع الندي: نُدى وندي؛ كقراءة بعض الناس في سورة مريم: ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ أي: مجالس، وقراءة العامة: ﴿ نَدِيّاً ﴾ مجلسا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ﴾ : ظاهر هذا أنه سيء بالواقع من الفعل بهم، لكن ساء ظنه أنهم يفعلون بهم لما يعلم من قومه الخبيث من العمل.

﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ هذه كلمة تتكلم بها العرب عند انقطاع جميع الحيل، فلوط إنما قال ذلك لما لم ير لنفسه حيلة يدفع بها شرهم، وما قصدوا بهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ .

﴿ وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ هذا يدل على أنهم قد قصدوا هم لوطاً بالهلاك؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى ﴿ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ  ﴾ دل هذا أنهم قد قصدوه بالهلاك؛ حتى قالوا: ﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ وأنهم إنما أرادوا بالإخراج بقولهم: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ إخراج قتل؛ إذ لو كان إخراجاً من القرية لا بقتل، لكان لا يكون له النجاة منهم والأمن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ ﴾ وفي بعض الآيات: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ  ﴾ والغبور فعلها، ثم أخبر أنه قدر ذلك؛ دل أن أفعال العباد مخلوقة لله مقدرة له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: عذاباً، والرجز: اسم كل عذاب فيه شدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ  ﴾ أي: شديد.

ثم ذكر أنه ينزل من السماء، فإن ثبت ما ذكر أن جبريل أدخل إحدى جناحيه تحت الأرض فرفع بها قريات لوط إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياحهم وضجتهم، ثم أرسلها - فهو نزول العذاب من السماء، وأن قوله: ﴿ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ  ﴾ أن السجيل لو كان مكاناً منه ينزل فهو في السماء؛ على ما يقول بعض الناس إنه مكان.

وقال بعضهم: هو اسم ذلك الحجر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ آية بينة لمن عقل وعرف السبب الذي أهلك قريات لوط؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾ لماذا أهلكوا؟

أي: تعقلون هذه الأنباء والقصص التي ذكرها الله -  - في القرآن الكريم، وكررها، وأعادها مرة بعد مرة؛ لأن الأنباء والقصص إنما تذكر للحجاج على الكفرة، فتكرر وتعاد؛ ليحتج بها عليهم، وأمّا الأحكام فإنما هي لأهل الإسلام خاصّة، فهم يطلبون ما عليهم من الأحكام؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة.

ثم الكفرة كانوا على أصناف ثلاثة، منها: أهل العناد والمكابرة، وأهل شك وحيرة، وأهل استرشاد.

ومن كان همته الاسترشاد يؤمن بها بالبداهة، وفي أوّل ما وقع في مسامعهم؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة.

وأمّا أهل العناد والمكابرة فإنها تكرر عليهم لعلها تنجع فيهم فيؤمنوا بها، وهذه الآيات كانت آيات وحججاً للتوحيد، والبعث، والرسالة، وعلى ذلك جاءت الرسل بالدعاء إلى التوحيد، وإلى الإقرار بالبعث والإيمان به، وإلى الإيمان بالرسل؛ فشعيب -  - جمع هذه الخصال الثلاث في قوله: ﴿ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ  ﴾ دعاهم إلى التوحيد بقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ وفيه نهي عن عبادة من دونه، ودعاهم إلى الإيمان بالبعث بقوله: ﴿ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ ﴾ أي: خافوا عذاب ذلك اليوم، ونهى عن جميع المعاصي بقوله: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ قد ذكرنا هذا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال إبراهيم  للملائكة: إن في هذه القرية التي تريدون إهلاك أهلها لوطًا، وليس هو من الظالمين، قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها، لننقذنّه وأهله من الهلاك المنزل على أهل القرية إلا امرأته كانت من الباقين الهالكين، فسنهلكها معهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.y64ym"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده