الآية ٣٩ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٣٩ من سورة العنكبوت

وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة .

وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله ورسوله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد، قارون وفرعون وهامان، ولقد جاء جميعهم موسى بالبيِّنات، يعني بالواضحات من الآيات، ( فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ ) عن التصديق من الآيات، وعن اتباع موسى صلوات الله عليه ( وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ) يقول تعالى ذكره: وما كانوا سابقينا بأنفسهم، فيفوتوننا، بل كنا مقتدرين عليهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقارون وفرعون وهامان قال الكسائي : إن شئت كان محمولا على عاد وكان فيه ما فيه ، وإن شئت كان على فصدهم عن السبيل وصد قارون وفرعون وهامان .

وقيل : أي : وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل فاستكبروا في الأرض عن الحق وعن عبادة الله وما كانوا سابقين أي فائتين .

وقيل : سابقين في الكفر بل قد سبقهم للكفر قرون كثيرة فأهلكناهم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكذلك قارون، وفرعون، وهامان، حين بعث اللّه إليهم موسى بن عمران، بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، فلم ينقادوا، واستكبروا في الأرض، [على عباد اللّه فأذلوهم، وعلى الحق فردوه فلم يقدروا على النجاء حين نزلت بهم العقوبة] { وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } اللّه، ولا فائتين، بل سلموا واستسلموا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقارون وفرعون وهامان ) أي : أهلكنا هؤلاء ( ولقد جاءهم موسى بالبينات ) بالدلالات ( فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين ) أي : فائتين من عذابنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» أهلكنا «قارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم» من قبل «موسى بالبيّنات» الحجج الظاهرات «فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين» فائتين عذابنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأهلكنا قارون وفرعون وهامان، ولقد جاءهم جميعًا موسى بالأدلة الواضحة، فتعاظموا في الأرض، واستكبروا فيها، ولم يكونوا ليفوتوننا، بل كنا مقتدرين عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أشار - سبحانه - إلى ما حل بقارون وفرعون وهامان فقال : ( وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) أى : وأهلكنا - أيضا - قارون ، وهو الذى كان من قوم موسى فبغى عليهم ، كما أهلكنا فرعون الذى قال لقومه : ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ) وهامان الذى كان وزيرا لفرعون وعونا له فى الكفر والظلم والطغيان .قال الآلوسى : وتقديم قارون ، لأن المقصود تسلية النبى صلى الله عليه وسلم فيما لقى من قومه لحسدهم له ، وقارون كان من قوم موسى - عليه السلام - وقد لقى منه ما لقى .

أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود ، فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة ، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا ، كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئا .

.ثم بين - سبحانه - ما جاءهم به موسى - عليه السلام - وموقفهم منه فقال : ( وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات ) أى : جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه .( فاستكبروا فِي الأرض ) أى : فاستكبروا قارون وفرعون وهامان فى الأرض .

وأبوا أن يمؤمنوا بموسى ، بل وصوفه بالسحر وبما هو برئ منه .( وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ ) اى : وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا ، هاربين أو نجاين من قضائنا ، فيهم ، ومن إهلاكنا لهم .فقوله : ( سَابِقِينَ ) من السبق ، بمعنى التقدم على الغير .

يقال فلان سبق طالبه ، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه .والمراد أن قارون وفرعون وهامان ، لم يستطيوا - رغم قوتهم وغناهم - أن يفلتوا من عقابنا ، بل أدركهم عذابنا إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَ ﴾ أي وأهلكنا عاداً وثمود لأن قوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة ﴾ دل على الإهلاك ﴿ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مساكنهم ﴾ الأمر وما تعتبرون منه، ثم بين سبب ما جرى عليهم فقال: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل ﴾ فقوله: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم ﴾ يعني عبادتهم لغير الله ﴿ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل ﴾ يعني عبادة الله ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ يعني بواسطة الرسل يعني فلم يكن لهم في ذلك عذر فإن الرسل أوضحوا السبل.

ثم قال تعالى: ﴿ وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان ﴾ عطفاً عليهم أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءهُمْ موسى بالبينات ﴾ كما قال في عاد وثمود: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ أي بالرسل، ثم قال تعالى: ﴿ فاستكبروا ﴾ أي عن عبادة الله وقوله: ﴿ فِى الأرض ﴾ إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم، وذلك لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن من في السماء لا يستكبر على الله وعن عبادته، فكيف (يستكبر) من في الأرض.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانُواْ سابقين ﴾ أي ما كانوا يفوتون الله لأنا بينا في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض  ﴾ أن المراد أن أقطار الأرض في قبضة قدرة الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سابقين ﴾ فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

الحاصب: لقوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصباء.

وقيل: ملك كان يرميهم.

والصيحة: لمدين وثمود.

والخسف: لقارون.

والغرق: لقوم نوح وفرعون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا ) وتَقْدِيمُ قارُونَ لِشَرَفِ نَسَبِهِ.

﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ ﴾ فائِتِينَ بَلْ أدْرَكَهم أمْرُ اللَّهِ مِن سَبَقَ طالِبَهُ إذا فاتَهُ.

﴿ فَكُلا ﴾ مِنَ المَذْكُورِينَ.

﴿ أخَذْنا بِذَنْبِهِ ﴾ عاقَبْناهُ بِذَنْبِهِ.

﴿ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ﴾ رِيحًا عاصِفًا فِيها حَصْباءُ، أوْ مَلَكًا رَماهم بِها كَقَوْمِ لُوطٍ.

﴿ وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ﴾ كَمَدِينَ وثَمُودَ.

﴿ وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ﴾ كَقارُونَ.

﴿ وَمِنهم مَن أغْرَقْنا ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ لِيُعامِلَهم مُعامَلَةَ الظّالِمِ فَيُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن عادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان} أي وأهلكناهم {وَلَقَدْ جَاءهُمْ موسى بالبينات فاستكبروا فِى الأرض وَمَا كَانُواْ سابقين} فائتين أدركهم أمر الله فلم يفوتوه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عادًا، وتَقْدِيمُ قارُونَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ لِحَسَدِهِمْ لَهُ، وقارُونُ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ لَقِيَ مِنهُ ما لَقِيَ، أوْ لِأنَّ حالَهُ أوْفَقُ بِحالِ عادٍ وثَمُودَ فَإنَّهُ كانَ مِن أبْصَرِ النّاسِ وأعْلَمِهِمْ بِالتَّوْراةِ ولَمْ يُفْدِهِ الِاسْتِبْصارُ شَيْئًا كَما لَمْ يَفْدِهِمْ كَوْنُهم مُسْتَبْصِرِينَ شَيْئًا، أوْ لِأنَّ هَلاكَهُ كانَ قَبْلَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وهامانَ فَتَقْدِيمُهُ عَلى وفْقِ الواقِعِ، أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ مِن فِرْعَوْنَ وهامانَ لِإيمانِهِ في الظّاهِرِ وعِلْمِهِ بِالتَّوْراةِ وكَوْنِهِ ذا قَرابَةٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ في تَقْدِيمِهِ لِذَلِكَ في مَقامِ الغَضَبِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَحْوَ هَذا الشَّرَفِ لا يُفِيدُ شَيْئًا ولا يُنْقِذُ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفْرِ ﴿ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ لِأنَّ مَن في الأرْضِ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَكْبِرَ.

﴿ وما كانُوا سابِقِينَ ﴾ أيْ فائِتِينَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِمْ: سَبَقَ طالِبُهُ أيْ فاتَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، ولَقَدْ أدْرَكَهم أمْرُهُ تَعالى أيْ إدْراكٌ فَتَدارَكُوا نَحْوَ الدَّمارِ والهَلاكِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المَعْنى وما كانُوا سابِقِينَ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ أيْ تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَيْسَ بِذاكَ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ كانُوا لِقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْنا المُقَدَّرِ سابِقًا وضَمِيرُ- كانُوا- لِجَمِيعِ المُهْلَكِينَ، وفِيهِ تِبْرٌ لِلنَّظْمِ الجَلِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَعاداً وَثَمُودَ وقال بعضهم: انصرف إلى قوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت: 3] وفتنّا عادا وثمودا وقال بعضهم: انصرف إلى قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [الأعراف: 78] يعني: أخذهم العذاب وأخذ عاداً وثموداً.

ويقال: معناه اذكر عاداً وثموداً، أو يقال: صار نصباً لنزع الخافض ومعناه: وأرسلنا الرسل إلى عاد وثمود.

وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ يعني: ظهر لَّكُمْ يا أهل مكة من منازلهم آية في إهلاكهم.

وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: ضلالتهم فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يعني: صرفهم عن الدين، ويقال: منعهم عن التوحيد.

ويقال: صدّ يصدّ صدّاً إذا منعه، وصدّ يصدّ صدوداً إذا امتنع بنفسه وأعرض.

وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في دينهم وهم يرون أنهم على الحق، وهم على الباطل.

ويقال: كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أي: ذوي بصيرة، ومع ذلك جحدوا.

ثم قال عز وجل: وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ يعني: أهلكنا قارون وفرعون وهامان وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات والآيات فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: طغوا فيها، وتعظموا عن الإيمان وَما كانُوا سابِقِينَ يعني: بفائتين من عذابنا.

قوله عز وجل: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ يعني: كلهم أهلكناهم بذنوبهم.

ويقال: معناه أهلكنا كلّ واحد منهم بذنبه لا بذنب غيره.

فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً يعني: الحجارة، وهم قوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وهم قوم صالح.

وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ يعني: قارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وهم فرعون وقومه.

وقال القتبي: الأخذ أصله باليد، ثم يستعار في مواضع، فيكون بمعنى القبول، كقوله عز وجل وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81] أي قبلتم عهدي، والأخذ التعذيب، كقوله وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ وكقوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ يعني: عذبنا، وكقوله وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غافر: 5] يعني: ليعذبوه.

ثم قال: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ يعني: لم يعذبهم بغير جرم منهم.

وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بجرمهم استوجبوا العقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مجاهد «١» : كانوا يأتون الرجالَ في مَجَالِسِهِمْ وبعضُهُمْ يرى بَعْضاً.

وقال ابن عباس «٢» : كانوا يَتَضَارَطُونَ ويَتَصَافَعُونَ في مجالسهم، وقيل غير هذا، وقد تقدم قصص الآيةِ مكَرِّراً والرجزُ: العذابُ.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي: من خبرها وما بقي من آثارها، والآية:

موضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى.

وقوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ...

الآية، الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عُبَيْدَةَ إلى أن المعنى: وخافوا، وتَعْثَوْا معناه: تفسدوا، والسَّبِيلِ: هي طريق الإيمان، ومنهجُ النجاة من النار، وما كانُوا سابِقِينَ، أي: مفلتين أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقينَ الأمَمَ إلى الكُفْر، وباقي الآية بيّن.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، قيل: معناه: إن الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الأشياء، وقيل: ما نافية وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ: العَالِمُ:

مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ تعالى فَعَمِلَ بطاعته وانتهى عن معصيته.

وقوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: لا للعبث واللعب بل ليدل على سلطانه وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عداً.

ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أُوحِيَ إليه، وإقامة الصلاة، أي: إدامتها والقيام بحدودها.

ثم أخبر سبحانه حُكْماً منه أن الصلاة تنهى صاحبَها وممتثلَها عن الفحشاء والمنكر.

قال ع «١» : وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجبِ من الخشوعِ، والإخبات «٢» وتذكرِ الله، وَتَوَهِّمِ الوقوف بين يديه، وإنَّ قلبه وإخلاصه مُطّلَعٌ عليه مَرْقُوبٌ صَلُحَتْ لذلك نَفْسُهُ، وتذلَّلَتْ، وخَامَرَها ارتقابُ الله تعالى فاطَّرَدَ ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهَى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكَدْ يَفْتُرُ من ذلك حتى تظله صلاةٌ أخْرى يرجع بها إلى أفضل حاله فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاةَ المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد رُوِيَ عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر لونُه، فكُلِّم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى.

قال ع «٣» : فهذه صلاة تنهى- ولا بد- عن الفحشاء/ والمنكر، وأما من كانت ٦٢ ب صلاته دائرةً حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل فتلك تترك صاحبَها من منزلته حيثُ كانَ.

وقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس «٤» وأبو الدرداء «٥» وسلمان «٦» وابن

مسعود «١» وأبو قرة «٢» : معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

وقيل: معناه: ولذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر.

وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر الله أكبر «٣» من كل شيء.

وقيل لسلمان: أيُّ الأعمالِ أفضل؟

فقال: أَمَا تَقْرَأُ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.

والأحاديثُ في فَضْلِ الذّكْر كثيرةٌ لا تنحصر.

وقال ابن العربي في «أحكامه» «٤» : قوله: ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فيه أربعة أقوال:

الأول: ذكر الله لكم أفضلُ من ذكرِكم له أضاف المصدر إلى الفاعل.

الثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء.

الثالث: ذكر الله في الصلاة أفضل من ذكره في غيرها يعني: لأنهما عبادتان.

الرابع: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة وهذه الثلاثة الأخيرة من إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحةٌ، وإن للصلاةِ بركةً عظيمةً، انتهى.

قال ع «٥» : وعندي، أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجُزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأنَّ الانتهاءَ لا يكونُ إلا من ذَاكِرٍ للَّهِ تعالى، مراقب له، وثوابُ ذلك الذكر أن يذكُرَه الله تعالى، كما في الحديث الصحيح: «ومن ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ» «٦» والحركاتُ التي في الصلاة لا تأثيرَ لها في نهي، والذكرُ النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرُّغه إلا من الله تعالى.

وأما ما لا يتجاوز اللسانَ ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة ذكر العبد ربّه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعادًا وثَمُودَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، لِأنَّ قَبْلَ هَذا ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَكم يا أهْلَ مَكَّةَ مِن مَنازِلِهِمْ بِالحِجازِ واليَمَنِ آيَةٌ في هَلاكِهِمْ، ﴿ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: ذَوِي بَصائِرَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أتَوْا ما أتَوْهُ وقَدْ تَبَيَّنَ لَهم أنَّ عاقِبَتَهُ عَذابُهم.

وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ مُسْتَبْصِرِينَ، يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى حَقٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا سابِقِينَ ﴾ أيْ: ما كانُوا يَفُوتُونَ اللَّهَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يُرِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِتَكْذِيبِهِ ﴿ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ﴾ يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ ﴿ وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ﴾ يَعْنِي ثَمُودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ ﴿ وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ﴾ يَعْنِي قارُونَ وأصْحابَهُ ﴿ وَمِنهم مَن أغْرَقْنا ﴾ يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ فَيُعَذِّبَهم عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالإقامَةِ عَلى المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ ﴾ ﴿ فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ نُصِبَ "قارُونَ" إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وإمّا بِالعَطْفِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وقارُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهو الَّذِي تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الكُنُوزِ وفي البَغْيِ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وفِرْعَوْنُ مَشْهُورٌ، وهامانُ وزِيرُهُ، وهو مِنَ القِبْطِ.

و"البَيِّناتُ": المُعْجِزاتُ والآياتُ الواضِحَةُ، و"سابِقِينَ" مَعْناهُ: مُفْلِتِينَ مَن أخْذِنا وعِقابِنا، وقِيلَ: مَعْناهُ: سابِقِينَ أولِيائِنا، وقِيلَ: مَعْناهُ: سابِقِينَ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: قَدْ كانَتْ تِلْكَ عادَةُ أُمَمٍ مَعَ الرُسُلِ.

وَ "الَّذِينَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الحاصِبُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم قَوْمُ لُوطٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشَبِّهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِيحَ لا بُدَّ أنَّها كانَتْ تَحْصِبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ.

و"الحاصِبُ": هو العارِضُ مِن رِيحٍ أو سَحابٍ أو رَمى بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مَن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى يَبِيتَ عَلى العِضاةِ جُفالًا و"الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ" قَوْمُ ثَمُودٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، و"الخَسْفُ" كانَ بِقارُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشَبِّهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الرَجْفَةِ في هَذا النَوْعِ مِنَ العَذابِ، و"الغَرَقُ" كانَ في قَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي فِرْعَوْنَ وحِزْبِهِ، وبِهِ فَسَّرَ قَتادَةُ.

وظُلْمُهم أنْفُسَهم كانَ بِالكُفْرِ ووَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى "يَظْلِمُونَ" لِلِاهْتِمامِ، وهَذا نَحْوُ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ وغَيْرُهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ رَجْفَةَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَتْ صَيْحَةً أرْجَفَتْهم في هَذا مَعَ ثَمُودَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كما ضرب الله المثل لقريش بالأمم التي كذبت رسلها فانتقم الله منها، كذلك ضرب المثل لصناديد قريش مثل أبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وأبي لهب، بصناديد بعض الأمم السالفة كانوا سبب مصاب أنفسهم ومصاب قومهم الذين اتبعوهم، إنذاراً لقريش بما عسى أن يصيبهم من جراء تغرير قادتهم بهم وإلقائهم في خطر سوء العاقبة.

وهؤلاء الثلاثة جاءهم موسى بالبينات.

وتقدمت قصصهم وقصة قارون في سورة القصص.

فأما ما جاء به موسى من البينات لفرعون وهامان فهي المعجزات التي تحداهم بها على صدقه فأعرض فرعون عنها واتبعه هامان وقومه.

وأما ما جاء به موسى لقارون فنهيه عن البطر.

وأومأ قوله تعالى ﴿ فاستكبروا في الأرض ﴾ إلى أنهم كفروا عن عناد وكبرياء لا عن جهل وغلواء كما قال تعالى ﴿ وأضله الله على علم ﴾ [الجاثية: 23] فكان حالهم كحال صناديد قريش الذين لا يُظن أن فطنتهم لم تبلغ بهم إلى تحقق أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صدق وأن ما جاء به القرآن حقّ ولكن غلبت الأنفة.

وموقع جملة ﴿ ولقد جاءهم موسى ﴾ كموقع جملة ﴿ وقد تبيّن لكم من مساكنهم ﴾ [العنكبوت: 38].

والاستكبار: شدة الكبر، فالسين والتاء للتأكيد كقوله ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ [العنكبوت: 38].

(وتعليق قوله ﴿ في الأرض ﴾ ب ﴿ استكبروا ﴾ للإشعار بأن استكبار كل منهم كان في جميع البلاد التي هو منها، فيومئ ذلك أن كل واحد من هؤلاء كان سيداً مطاعاً في الأرض.

فالتعريف في ﴿ الأرض ﴾ للعهد، فيصح أن يكون المعهود هو أرض كل منهم، أو أن يكون المعهود الكرة الأرضية مبالغة في انتشار استكبار كل منهم في البلاد حتى كأنه يعم الدنيا كلها.

ومعنى السبق في قوله ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ الانفلات من تصريف الحكم فيهم.

وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ ولا تحسبنّ الذين كفروا سبقوا ﴾ في سورة [الأنفال: 59]، فالواو للحال، أي استكبروا في حال أنهم لم يفدهم استكبارهم.

وإقحام فعل الكون بعد النفي لأن المنفي هو ما حسبوه نتيجة استكبارهم، أي أنهم لا ينالهم أحد لعظمتهم.

ومثل هذا الحال مثل أبي جهل حين قتله ابنا عفراء يوم بدر فقال له عبد الله بن مسعود حين وجده محتضراً: أنت أبو جهل؟

فقال: وهل أعْمَدُ من رجل قتلتموه لو غيرُ أكَّارٍ قتلني (أي زراع يعني رجلاً من الأنصار لأن الأنصار أهل حرث وزرع).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ عَبَدُوها.

﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عَبَدُوا ما لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ الَّذِي لا يَدْفَعُ شَيْئًا وهو مِن أبْلَغِ الأمْثالِ فِيهِمْ.

﴿ وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ لِأنَّهُ يَسْتُرُ الإبْصارَ ولا يَدْفَعُ الأيْدِيَ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أنَّ العَنْكَبُوتَ شَيْطانٌ مَسْخَها اللَّهَ.

وَقالَ عَطاءٌ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، ومَرَّةً عَلى النَّبِيِّ  .

وجَمْعُ العَنْكَبُوتِ عَناكِبُ وتَصْغِيرُهُ عُنَيْكَبٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال: الصيحة.

وفي قوله: ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ قال: في الضلالة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.

وفي قوله: ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ قال: معجبين بضلالتهم.

وفي قوله: ﴿ فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ﴾ قال: هم قوم لوط ﴿ ومنهم من أخذته الصيحة ﴾ قال: قوم صالح، وقوم شعيب ﴿ ومنهم من خسفنا به الأرض ﴾ قال: قارون ﴿ ومنهم من أغرقنا ﴾ قال: قوم نوح، وفرعون وقومه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ أرسلنا عليه حاصباً ﴾ قال: حجارة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ﴾ أي آثار مساكنهم باقية تدل على ما أصابهم ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ قيل: معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به، وقيل: لهم بصيرة في الإيمان، ولكنهم كفروا عناداً، وقيل: معنى: مستبصرين عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، ولكنه لم يفعلوا ﴿ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ ﴾ أي لم يفوتونا ﴿ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ﴾ الحاصب الحجارة، والحاصب أيضاً الريح الشديدة، ويحتمل عندي أنه أراد به المعنيين، لأن قوم سيدنا لوط أهلكوا بالحجارة، وعاد أهلكوا بالريح، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين كقوله: ﴿ إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ﴾ [الأحزاب: 56] ويقوي ذلك هنا لأن المقصود هنا ذكر عموم أخذ أصناف الكفار ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة ﴾ يعني ثمود ومدين ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض ﴾ يعني قارون ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ﴾ يعني قوم نحو وفرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ أي: أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، ومدين: قال بعضهم: اسم رجل نسبوا إليه.

وقال بعضهم: اسم موضع، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ﴾ : أن الرسل - صلوات الله عليهم - قد خوفوا الكفرة بعذاب ينزل بهم في الآخرة بتكذيبهم إياهم وعنادهم، فلم ينجع ذلك فيهم، ولم يرتدعوا عما هم فيه، حتى أوعدوهم بعذاب ينزل بهم في الدنيا، فلم ينجع ذلك ولم يمتنعوا عن ذلك، حتى أوعدوهم بنزول ما قد شاهدوا وعاينوا من آثار من قد أهلكهم بتكذيبهم الرسل وردهم إجابتهم، وهو ما قال: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَاْ ﴾ أي: أهلكنا عاداً وثمود ﴿ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ﴾ أي: قد تبين لكم من مساكنهم ما تعرفون أنهم إنما أهلكوا بالذي أنتم عليه، وهو التكذيب، والردّ بأخبار تصدّقونها، وبآثار تشاهدونها، وهو كما قال: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ أي: زين لهم الشيطان أعمالهم كما زين لكم، وصدّهم عن السبيل كما صدكم.

﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: وكانوا يحسبون أنهم على هدى وحق.

وقال بعضهم: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ أي: كانوا عالمين بأن العذاب ينزل بهم بما شاهدوا وعاينوا من آثار من تقدمهم، وعلمهم بأنهم إنما أهلكوا بالذي هم عليه، لكنهم عاندوا.

وقال بعضهم: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ : أي هالكين في الضلالة.

وقال بعضهم: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ أي: كانوا بصراء علماء في أنفسهم، يعرفون الحق من الباطل، ليس كغيرهم من الأمم؛ ألا ترى أنهم قد طلبوا من رسلهم الحجة، والآية على ما يدعون إليه حيث قالوا: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ  ﴾ وقال قوم صالح: ﴿ فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ونحوه.

وقال قتادة: ﴿ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ أي: معجبين بضلالتهم.

وقوله: ﴿ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ﴾ أي: أهلكنا قارون وفرعون وهامان بتكذيبهم موسى، فتهلكون أنتم يأهل مكة بتكذيبكم محمداً.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ أي: كذبوا بعدما جاءهم موسى بالبينات على نبوته ورسالته كما جاءكم محمد.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ جائز أن يكونوا استكبروا، وأبوا أن يخضعوا لموسى.

أو ﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: سعوا في الأرض بالفساد تكبراً واستكباراً ﴿ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ ﴾ أي: فائتين من عذاب الله.

وقوله: ﴿ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ﴾ أي: الحجارة، وهم قوم لوط، وقوم هود أهلكوا بالريح العاصف؛ حيث قال: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ  ﴾ .

قال أبو معاذ: الحاصب عند العرب: الريح التي فيها الزنانير، وهي صغار من الحصى ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ وهم قوم صالح وقوم شعيب وهؤلاء ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ قارون وأصحابه ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ﴾ قوم نوح وفرعون.

يذكر إهلاك هذه الأمم والجبابرة لأهل مكة ولغيرهم من الكفرة، وقد تواترت عليهم بذلك الأخبار، وظهرت الأعلام والآثار ليرتدعوا عما هم عليه، ولئلا يعاملوا رسولهم كما عامل أولئك رسلهم فيعذبون كما عذب أولئك.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ في تعذيبه إياهم ﴿ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ حيث كذبوا الرسل، وكابروا آيات الله وحججه وبراهينه وعاندوها، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ سِيۤءَ  ﴾ أي: اغتم من ذلك؛ يقال: سئت بفلان أساء سوءاً؛ فأنا مسوء.

وقوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ أي: لزقوا بالأرض.

﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ أي: قد علموا، والمستبصر: العالم.

وقوله: ﴿ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ أي: صيح بهم فماتوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأهلكنا قارون -لما بغى على قوم موسى- بالخسف به وبداره، وأهلكنا فرعون ووزيره هامان بالغرق في البحر، ولقد جاءهم موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقه، فاستكبروا في أرض مصر عن الإيمان به، وما كانوا ليسلموا من عذابنا بفوتهم لنا.

<div class="verse-tafsir" id="91.2YXVP"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله