الآية ٤ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٤ من سورة العنكبوت

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ) أي : لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان ، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم ; ولهذا قال : ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ) أي : يفوتونا ، ( ساء ما يحكمون ) أي : بئس ما يظنون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) يقول تعالى ذكره: أم حَسِبَ الذين يشركون بالله فيعبدون معه غيره، وهم المعنيون بقوله: ( الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا ) يقول: أن يعجزونا فيفوتونا بأنفسهم، فلا نقدر عليهم فننتقم منهم لشركهم بالله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ) أي: الشرك أن يسبقونا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أنْ يَسْبقُونا) أن يعجزونا.

وقوله: ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ساء حكمهم الذي يحكمون بأن هؤلاء الذين يعملون السيئات يسبقوننا بأنفسهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم حسب الذين يعملون السيئات أي الشرك ( أن يسبقونا ) أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون .

قال ابن عباس : يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن وائل .

( ساء ما يحكمون ) أي بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه [ ص: 301 ] مسبوق والله القادر على كل شيء و ( ما ) في موضع نصب بمعنى : ساء شيئا أو حكما يحكمون .

ويجوز أن تكون ( ما ) في موضع رفع بمعنى : ساء الشيء أو الحكم حكمهم وهذا قول الزجاج وقدرها ابن كيسان تقديرين آخرين خلاف ذينك : أحدهما : أن يكون موضع ( ما يحكمون ) بمنزلة شيء واحد كما تقول : أعجبني ما صنعت ; أي صنيعك ; ف ( ما ) والفعل مصدر في موضع رفع ، التقدير : ساء حكمهم والتقدير الآخر أن تكون ( ما ) لا موضع لها من الإعراب وقد قامت مقام الاسم ل ( ساء ) وكذلك نعم وبئس .

قال أبو الحسن بن كيسان : وأنا أختار أن أجعل ل ( ما ) موضعا في كل ما أقدر عليه ; نحو قوله عز وجل : فبما رحمة من الله وكذا : فبما نقضهم .

وكذا : أيما الأجلين قضيت ما في موضع خفض في هذا كله وما بعده تابع لها .

وكذا إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة ( ما ) في موضع نصب و ( بعوضة ) تابع لها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أحسب الذين همهم فعل السيئات وارتكاب الجنايات، أن أعمالهم ستهمل، وأن اللّه سيغفل عنهم، أو يفوتونه، فلذلك أقدموا عليها، وسهل عليهم عملها؟

{ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي: ساء حكمهم، فإنه حكم جائر، لتضمنه إنكار قدرة اللّه وحكمته، وأن لديهم قدرة يمتنعون بها من عقاب اللّه، وهم أضعف شيء وأعجزه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم حسب الذين يعملون السيئات ) يعني الشرك ( أن يسبقونا ) يعجزونا ويفوتونا ، فلا نقدر على الانتقام منهم ( ساء ما يحكمون ) بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم حسب الذين يعملون السيئات» الشرك والمعاصي «أن يسبقونا» يفوتونا فلا ننتقم منهم «ساء» بئس «ما» الذي «يحكمونـ» ـه حكمهم هذا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل أظنَّ الذين يعملون المعاصي مِن شرك وغيره أن يعجزونا، فيفوتونا بأنفسهم فلا نقدر عليهم؟

بئس حكمهم الذي يحكمون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن عقابه للمرتكبين السيئات واقع بهم ، وأنهم إذا ظنوا خلاف ذلك ، فظنهم من باب الظنون السيئة القبيحة ، فقال - تعالى - : ( أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) .و " أم " هنا منقطعة بمعنى بل ، والاستفهام للإِنكار والتوبيخ ، وقوله : ( أَن يَسْبِقُونَا ) سد مسد مفعولى حسب ، وأصل السبق : الفوت والتقدم على الغير .والمراد به هنا : التعجيز ، والمعنى : بل أحسب الذين يعملون الأعمال السيئات كالكفر والمعاصى ، " أن يسبقونا " أى : أن يعجزونا فلا نقدر على عقابهم ، أو أن فى إمكانهم أن يهربوا من حسابنا لهم؟

إن كانوا يظنون ذلك فقد : ( سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أى : بئس الظن ظنهم هذا ، وبئس الحكم حكمهم على الأمور .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ﴾ لما بين حسن التكليف بقوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ ﴾ بين أن من كلف بشيء ولم يأت به يعذب وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال ولا يفوت الله شيء في الحال ولا في المآل، وهذا إبطال مذهب من يقول التكاليف إرشادات والإيعاد عليه ترغيب وترهيب ولا يوجد من الله تعذيب ولو كان يعذب ما كان عاجزاً عن العذاب عاجلاً فلم كان يؤخر العقاب فقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْلَمُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا ﴾ يعني ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب ويثيب من يثيب بحكم الوعد والإيعاد والله لا يخلف الميعاد، وأما الإمهال فلا يفضي إلى الإهمال والتعجيل في جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ثم قال تعالى: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ يعني حكمهم بأنهم يعصون ويخالفون أمر الله ولا يعاقبون حكم سيء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم الشرع والعقل لا يحكم على الله بذلك فإن الله له أن يفعل ما يريد والشرع حكمه بخلاف ما قالوه، فحكمهم حكم في غاية السوء والرداءة.

ثم قال: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السميع العليم ﴾ .

لما بين بقوله: أحسب الناس أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، وبين في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أن من ترك ما كلف به يعذب كذا بين أن يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله ولا يخيب أمله، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنا ذكرنا في مواضع أن الأصول الثلاثة وهي الأول وهو الله تعالى ووحدانيته والأصل الآخر وهو اليوم الآخر والأصل المتوسط وهو النبي المرسل من الأول الموصل إلا الآخر لا يكاد ينفصل في الذكر الإلهي بعضها عن بعض، فقوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا  ﴾ فيه إشارة إلى الأصل الأول يعني أظنوا أنه يكفي الأصل الأول وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ  ﴾ يعني بإرسال الرسل وإيضاح السبل فيه إشارة إلى الأصل الثاني وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ مع قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله ﴾ فيه إشارة إلى الأصل الثالث وهو الآخر.

المسألة الثانية: ذكر بعض المفسرين في تفسير لقاء الله أنه الرؤية وهو ضعيف فإن اللقاء والملاقاة بمعنى وهو في اللغة بمعنى الوصول حتى أن جمادين إذا تواصلا فقد لاقى أحدهما الآخر.

المسألة الثالثة: قال بعض المفسرين المراد من الرجاء الخوف والمعنى من قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله ﴾ من كان يخاف الله وهو أيضاً ضعيف، فإن المشهور في الرجاء هو توقع الخير لا غير ولأنا أجمعنا على أن الرجاء ورد بهذا المعنى يقال أرجو فضل الله ولا يفهم منه أخاف فضل الله، وإذا كان وارداً لهذا لا يكون لغيره دفعاً للاشتراك.

المسألة الرابعة: يمكن أن يكون المراد بأجل الله الموت ويمكن أن يكون هو الحياة الثانية بالحشر، فإن كان هو الموت فهذا ينبئ عن بقاء النفوس بعد الموت كما ورد في الأخبار وذلك لأن القائل إذا قال من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل يفهم منه أن متصلاً بوصول السلطان يكون هو الخير حتى أنه لو وصل هو وتأخر الخير يصح أن يقال للقائل، أما قلت ما قلت ووصل السلطان ولم يظهر الخير، فلو لم يحصل اللقاء عند الموت لما حسن ذلك كما ذكرنا في المثال، وإذا تبين هذا فلولا البقاء لما حصل اللقاء.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو ﴾ شرط وجزاؤه ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ﴾ والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل الله آتياً له، وهذا باطل فما الجواب عنه؟

نقول المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما بعده من الثواب، يعني من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت بثواب الله يثاب على طاعته عنده ولا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل الله آتياً على وجه يثاب هو.

المسألة السادسة: قال: ﴿ وَهُوَ السميع العليم ﴾ ولم يذكر صفة غيرهما كالعزيز الحكيم وغيرهما، وذلك لأنه سبق القول في قوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ﴾ وسبق الفعل بقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ ﴾ وبقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما لا يدرك بالبصر ومنه ما يدرك به كالقصود والعلم يشملهما وهو السميع يسمع ما قالوه وهو العليم يعلم من صدق فيما قال: ممن كذب وأيضاً عليم يعلم ما يعمل فيثيب ويعاقب وهاهنا لطيفة وهي أن العبد له ثلاثة أمور هي أصناف حسناته أحدها: عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع، وإنما يعلم وعمل لسانه وهو يسمع وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد، كما وصف في الخبر في وصف الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن يَسْبِقُونَا ﴾ أي يفوتونا، يعني أنّ الجزاء يلحقهم لا محالة، وهم لم يطمعوا في الفوت، ولم يحدّثوا به نفوسهم، ولكنهم لغفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وإصرارهم على المعاصي: في صورة من يقدر ذلك ويطمع فيه.

ونظيره ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض ﴾ [العنكبوت: 22] ، ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ [الأنفال: 59] .

فإن قلت: أين مفعولا ﴿ حسب ﴾ ؟

قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سدّ مسدّ المفعولين؛ كقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ [البقرة: 214] ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة.

ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأوّل، لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا.

أو بئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا، فحذف المخصوص بالذم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مُتَّصِلٌ بِـ ( أحَسِبَ ) أوْ بِـ ( لا يُفْتَنُونَ )، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ جارِيَةٌ في الأُمَمِ كُلِّها فَلا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَقَّعَ خِلافُهُ.

﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ ﴾ فَلَيَتَعَلَّقَنَّ عِلْمُهُ بِالِامْتِحانِ تَعَلُّقًا حالِيًّا يَتَمَيَّزُ بِهِ الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمانِ والَّذِينَ كَذَبُوا فِيهِ، ويَنُوطُ بِهِ ثَوابُهم وعِقابُهم لِذَلِكَ وقِيلَ المَعْنى ولَيُمَيِّزَنَّ أوْ لَيُجازِيَنَّ، وقُرِئَ «وَلَيُعْلِمَنَّ» مِنَ الإعْلامِ أيْ ولَيُعَرِّفَنَّهُمُ اللَّهُ النّاسَ أوْ لَيَسِمَنَّهم بِسِمَةٍ يُعْرَفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كَبَياضِ الوُجُوهِ وسَوادِها.

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ فَإنَّ العَمَلَ يَعُمُّ أفْعالَ القُلُوبِ والجَوارِحِ.

﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ أنْ يَفُوتُونا فَلا نَقْدِرُ أنْ نُجازِيَهم عَلى مُساوِيهِمْ وهو سادٌّ مَسْدَّ مَفْعُولَيْ ( حَسِبَ ) لِاشْتِمالِهِ عَلى مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ ويَجُوزُ أنَّ يُضَمَّنَ ( حَسِبَ ) مَعْنى قَدَرَ أوْ أمْ مُنْقَطِعَةٌ والإضْرابُ فِيها لِأنَّ هَذا الحُسْبانَ أُبْطِلَ مِنَ الأوَّلِ ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ، أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم هَذا فَحَذَفَ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أي الشرك والمعاصي {أَن يَسْبِقُونَا} أي يفوتونا يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة واشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مفعولين كقوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ويجوزأن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه وقالوا الأول في المؤمنين وهذا في الكافرين {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} ما في موضع رفع على

معنى ساء الحكم حكمهم أو نصب على معنى ساء حكماً يحكمون والمخصوص بالذنب محذوف أي بئس حكماً يحكمونه حكمهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ يُعْجِزُونا فَلا نَقْدِرُ عَلى مُجازاتِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم وأصْلُ السَّبْقِ الفَوْتُ، ثُمَّ أُرِيدَ مِنهُ ما ذُكِرَ وقِيلَ: أيْ يُعْجِلُونا مَحْتُومَ القَضاءِ، والأوَّلُ أوْلى.

وفَسَّرَ قَتادَةُ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ (السَّيِّئاتِ) بِالشِّرْكِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُتَّصِفِينَ بِهِ وإطْلاقِ العَمَلِ عَلى الشِّرْكِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ ما كانَ عَنْ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ كَما قِيلَ: أوْ عَنْ قَصْدٍ كَما قالَ الرّاغِبُ: أمْ لا لا ضَيْرَ فِيهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئاتِ المَعاصِي غَيْرَ الكُفْرِ فالآيَةُ في المُؤْمِنِينَ قَطْعًا، وهم وإنْ لَمْ يَحْسَبُوا أنْ يُفَوِّتُوهُ تَعالى ولَمْ تَطْمَعْ نُفُوسُهم في ذَلِكَ لَكِنْ نَزَلَ جَرْيُهم عَلى غَيْرِ مُوجِبِ العِلْمِ وهو غَفْلَتُهم وإصْرارُهم عَلى المَعاصِي مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَتَيَقَّنِ الجَزاءَ، ويَحْسَبُ أنَّهُ يَفُوتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

وعَمَّمَ بَعْضُهم فَحَمَلَ السَّيِّئاتِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَعْلِيقُ العَمَلِ بِها بِناءً عَلى تَسْلِيمِ تَخْصِيصِهِ بِما سَمِعْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكَفَرَةِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلٍ والأُسُودَ والعاصِيَ بْنَ هِشامٍ وشَيْبَةَ وعَتَبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وعُتْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وحَنْظَلَةَ بْنَ وائِلٍ وأنْظارَهم مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وفي البَحْرِ أنَّ الآيَةَ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ مَن يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ مِن كافِرٍ ومُسْلِمٍ، والظّاهِرُ أنَّ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلِ الَّتِي لِلْإضْرابِ بِمَعْنى الِانْتِقالِ وهو انْتِقالٌ مِن إنْكارِ حُسْبانِ عَدَمِ الفِتَنِ لِمُجَرَّدِ الإيمانِ إلى إنْكارِ حُسْبانِ عَدَمِ المُجازاةِ عَلى عَمَلِ السَّيِّئاتِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أمْ) مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحَسِبَ ﴾ وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ نِقْماتِ اللَّهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ انْتَهى.

ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ لَكانَتْ مُتَّصِلَةً والتّالِي باطِلٌ لَأنَّ شَرْطَ المُتَّصِلَةِ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا نَحْوَ أزَيْدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو أوْ ما هو في تَقْدِيرِ المُفْرَدِ نَحْوَ أقامَ زَيْدٌ أمْ قَعَدَ وجَوابُها تَعْيِينُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ وبَعْدَها هُنا جُمْلَةٌ ولا يُمْكِنُ الجَوابُ هُنا أيْضًا بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ فالحَقُّ أنَّها مُنْقَطِعَةٌ والِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ إنْكارِيٌّ لا يَحْتاجُ لِلْجَوابِ كَما لا يَخْفى، والظّاهِرُ أنَّ الحُسْبانَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ وأنْ ﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ سادٌّ مَسَدَّهُما.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أنْ يَضْمَنَ مَعْنى التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ وأنْ يَسْبِقُونا هو ذَلِكَ الواحِدُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ بِقِياسٍ ولا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ وهُنا لا حاجَةَ إلَيْهِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ساءَ بِمَعْنى بِئْسَ وما مَوْصُولَةٌ (ويَحْكُمُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهي فاعِلُ ساءَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أوْ بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ما مَوْصُوفَةٌ ويَحْكُمُونَ صِفَتُها والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وهي تَمْيِيزٌ وفاعِلُ ساءَ ضَمِيرٌ مُفَسَّرٌ بِالتَّمْيِيزِ والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْضًا.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ فالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ ساءَ بِمَعْنى قَبُحَ وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَأْبَهم ذَلِكَ أوْ هو واقِعٌ مَوْقِعَ الماضِي لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَكاهُما في البَحْرِ، والأوَّلُ أوْلى، وعِنْدِي أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُقالُ: إلّا في حَقِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يعني: أن يفوتونا.

ويقال: يعجزونا.

ويقال: يهربوا منا فلا نجازيهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: بئس ما يقضون لأنفسهم.

قال الكلبي: نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة بارزوا يوم بدر، فبارزهم من المسلمين: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، فنزل في شأن مبارزي المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: الآخرة لكائن وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ لمقالتهم الْعَلِيمُ بهم وبأعمالهم.

وقوله عز وجل: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ يعني: علي بن أبي طالب وصاحبيه  م إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن نصرة العالمين يوم بدر.

ويقال: نزلت في جميع المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يخاف الآخرة ويقال: يخاف الموت، فيستعد للآخرة والموت بالعمل الصالح فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: كائن وَهُوَ السَّمِيعُ لدعائهم، الْعَلِيمُ بأمر الخلق.

وَمَنْ جاهَدَ يعني: عمل الخيرات، فإنما يجاهد لِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن أعمالهم، فإنما ثوابهم لأنفسهم.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ أي: لنمحون عنهم سَيِّئاتِهِمْ يعني: ذنوبهم وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ.

يعني: لنثيبنهم أحسن الذي كانوا يعملون، يعني: أفضل من أعمالهم، ويقال: لَنَجْزِيَنَّهُمْ بأحسن أعمالهم الذي كانوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً يعني: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن، يعني: براً بهما.

وقال الكلبي: نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص، لما أسلم قالت له أمه: يا سعد بلغني أنك صبوت إلى دين محمد، فو الله لا يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى دينك الذي كنت عليه، فأبى عليها ذلك، فثبتت على حالها لا تطعم ولا تشرب، ولا تسكن بيتاً، فلما خلص إليها الجوع لم تجد بداً من أن تأكل وتشرب، فحثّ عز وجل الله سعدا بالبر إلى أمه، ونهاه أن يطيعها على الشرك فقال: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة، يعني: الشرك فَلا تُطِعْهُما في الشرك، ثم حذّره ليثبت على الإسلام فقال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: أخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر، وأثيبكم على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٦١ أ/ وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله

تفسير «سورة العنكبوت»

وهي مكّيّة إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة هذا أصحّ ما قيل هنا والله تعالى أعلم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: الم تقدم الكلام على هذه الحروف.

وقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ نزلت هذه الآيةُ في قوم من المؤمنينَ بمكةَ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر بعضهم أن يُمَكِّنَ اللهُ الكفرةَ من المؤمنين.

قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآيةُ مسليةً، ومعلمةً أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً للمؤمنين، ليعلم الصادقَ من الكاذِبَ «١» ، و «حِسبَ» بمعنى «٢» : ظَنَّ.

والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد بهم: المؤْمنين مع الأنبياء في سالف الدّهر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العَنْكَبُوتِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ هِبَةُ اللَّهِ [ابْنُ سَلامَةَ] المُفَسِّرُ: نَزَلَ مِنَ أوَّلِها إلى رَأْسِ العَشْرِ بِمَكَّةَ، وباقِيها بِالمَدِينَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ عَكْسَ هَذا: نَزَلَ العَشْرُ بِالمَدِينَةِ، وباقِيها بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، كَتَبَ المُسْلِمُونَ إلى إخْوانِهِمْ بِمَكَّةَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إسْلامُكم حَتّى تُهاجِرُوا، فَخَرَجُوا نَحْوَ المَدِينَةِ فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَشْرَ آياتٍ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهم بِما نَزَلَ فِيهِمْ، فَقالُوا: نَخْرُجُ، فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قاتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَمِنهم مَن قُتِلَ، ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا  ﴾ ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مِهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ قُتِلَ بِبَدْرٍ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في أبَوَيْهِ وامْرَأتِهِ هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحَسِبَ النّاسُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالنّاسِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وغَيْرِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُ الآيَةِ اسْتِخْبارٌ، ومَعْناهُ مَعْنى التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ؛ والمَعْنى: أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا بِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، ولِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، أيْ: أحَسِبُوا أنْ يُقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، فَقَطْ، ولا يُمْتَحَنُونَ بِما يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ إيمانِهِمْ، ﴿ وَهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ: لا يُخْتَبَرُونَ بِما يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ إيمانِهِمْ مِن كَذِبِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يُفْتَنُونَ في أنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ٌ.

والثّانِي: لا يُبْتَلَوْنَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم واخْتَبَرْناهُمْ، ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَلَيَرَيَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ عِنْدَ البَلاءِ إذا صَبَرُوا لِقَضائِهِ ولَيَرَيَنَّ الكاذِبِينَ في إيمانِهِمْ إذا شَكُّوا عِنْدَ البَلاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَلْيُمَيِّزَنَّ، لِأنَّهُ [قَدْ] عِلَمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: فَلَيُظْهِرَنَّ ذَلِكَ حَتّى يُوجَدَ مَعْلُومًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ " " ولَيُعْلِمَنَّ الكاذِبِينَ " " ولَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيُعْلِمَنَّ المُنافِقِينَ " [العَنْكَبُوتِ: ١١] بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ أيْ: أيَحْسَبُ ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمُ حِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنى بِهِمُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلٍ، والعاصَ بْنَ هِشامٍ، وغَيْرَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لآتٍ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ "أمْ" مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ في قَوْلِهِ: "أحَسِبَ"، وكَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ بِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ عِقابَ اللهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ ﴾ -وَإنْ كانَ الكَفّارُ المُرادَ الأوَّلَ بِحَسْبِ النازِلَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها- فَإنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَعُمْ كُلَّ عاصٍ وعامِلِ سَيِّئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَظْهَرُ في وعْدِهِ بِالنَصْرِ في القِيامَةِ، وبِأنَّهُ آتٍ؛ إذْ قَدْ أجَّلَهُ اللهُ تَعالى وأخْبَرَ بِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ ﴾ تَثْبِيتٌ، أيْ: مَن كانَ عَلى هَذا الحَقِّ فَلْيُوقِنْ بِأنَّهُ آتٍ ولْيَزْدَدْ بَصِيرَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "يَرْجُو" هُنا بِمَعْنى: يَخافُ، والصَحِيحُ أنَّ الرَجاءَ هُنا عَلى بابِهِ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لِقاءَ ثَوابِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ مَعْناهُ: لِأقْوالِ كُلِّ فُرْقَةٍ، العَلِيمُ بِالمُعْتَقَداتِ الَّتِي لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُجازى بِفِعْلِهِ الحَسَنِ، فَهو حَظُّهُ الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُفَرِّطَ فِيهِ، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن جِهادِهِ وعَنِ العالَمِينَ بِأسْرِهِمْ.

وهاتانِ الآيَتانِ كَأنَّهُما [.....] عَلى سَواءٍ إلى الطائِفَةِ المُرْتابَةِ المُتَرَدِّدَةِ في فِتْنَةِ الكَفّارِ، الَّتِي كانَتْ تُنْكِرُ أنْ يَنالَ الكُفّارُ المُؤْمِنِينَ بِمَكْرُوهٍ، وتَرْتابُ مِن أجْلِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ فَإنَّ الأمْرَ حُقٌّ في نَفْسِهِ، واللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ، أيْ: هَذِهِ بَصِيرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَها لِوَجْهِ أحَدٍ.

وكَذَلِكَ مَن جاهَدَ فَثَمَرَةُ جِهادِهِ لَهُ، فَلا يَمُنُّ بِذَلِكَ عَلى أحَدٍ، وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ عِنْدَ سَوْقِ حُجَّتِهِ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الحَقِّ فَإنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا، ونَحْوُ هَذا فَتَأمَّلْهُ.

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن جاهَدَ عَدُّوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ وجْهَ اللهِ، فَإنَّما جِهادُهُ لِنَفْسِهِ لا لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ لِلَّهِ بِجِهادِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هم في أعْلى رُتْبَةٍ مِنَ البِدارِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أشادَ بِهِمْ عَزَّ وجَلَّ وبِحالِهِمْ لِيُقِيمَ بِهِمْ نُفُوسَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، و"السَيِّئَةُ": الكُفْرُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأعْمالِ الصالِحَةِ واجْتِنابِ الكَبائِرِ، وفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب تثبيت المؤمنين على ما يصيبهم من فتون المشركين وما في ذلك من الوعد والوعيد بزجر المشركين على ما يعملونه من السيئات في جانب المؤمنين وأعظم تلك السيئات فتونهم المسلمين.

فالمراد بالذين يعملون السيئات الفاتنون للمؤمنين.

وهذا ووعيدهم بأن الله لا يفلتهم.

وفي هذا أيضاً زيادة تثبيت للمؤمنين بأن الله ينصرهم من أعدائهم.

ف ﴿ أم ﴾ للإضراب الانتقالي ويقدر بعدها استفهام إنكاري.

و ﴿ السيئات ﴾ : الأعمال السوء.

وهي التنكيل والتعذيب وفتون المسلمين.

والسبق: مستعمل مجازاً في النجاة والانفلات كقول مُرة بن عدَّاء الفقعسي: كأنك لم تُسْبَق من الدهر مرة *** إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب وقوله تعالى ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم ﴾ [الواقعة: 60، 61] وقوله ﴿ فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكُلاًّ أخذنا بذنبه ﴾ [العنكبوت: 39، 40].

وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ ولا يحسبَنّ الذين كفروا سبقوا ﴾ في سورة [الأنفال: 59].

والمعنى: أم حسبوا أن قد شفوا غيظهم من المؤمنين، فهم بذلك غلبوا أولياءنا فغلبونا.

وجملة ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ ذمّ لحسبانهم ذلك وإبطال له.

فهي مقررة لمعنى الإنكار في جملة ﴿ أم حَسِبَ الذين يعملون السيئات ﴾ فلها حكم التوكيد فلذلك فصلت.

وهذه الجملة تقتضي أن يكون هذا الحسبان واقعاً منهم.

ومعنى وقوعه: أنهم اعتقدوا ما يساوي هذا الحسبان لأنهم حين لم يستطع المؤمنون رد فتنتهم قد اغتروا بأنهم غلبوا المؤمنين، وإذ قد كان المؤمنون يدعون إلى الله دون الأصنام فمَنْ غلبهم فقد حسب أنه غلب من يدعون إليه وهم لا يشعرون بهذا الحسبان، فافهمه.

والحُكم مستعمل في معنى الظن والاعتقاد تهكماً بهم بأنهم نصبوا أنفسهم منصب الذي يحكم فيطاع و ﴿ ما يحكمون ﴾ موصول وصلته، أي ساء الحكم الذي يحكمونه.

وهذه الآية وإن كانت واردة في شأن المشركين المؤذين للمؤمنين فهي تشير إلى تحذير المسلمين من مشابهتهم في اقتراف السيئات استخفافاً بوعيد الله عليها لأنهم في ذلك يأخذون بشيء من مشابهة حسبان الانفلات، وإن كان المؤمن لا يظن ذلك ولكنه ينزل منزلة من يظنه لإعراضه عن الوعيد حين يقترف السيئة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ.

وَمَدَنِيَّةٌ كُلُّها في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

وَفي القَوْلِ الثّانِي لَهُما وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها مَدَنِيَّةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا ﴾ هَذا لَفْظُ اسْتِفْهامٍ أُرِيدَ بِهِ التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ وفِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ أظُنُّ الَّذِينَ قالُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أنْ يُتْرَكُوا فَلا يُخْتَبَرُوا أصَدَقُوا أمْ كَذَبُوا.

قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أظَنَّ المُؤْمِنُونَ ألّا يُؤْمَرُوا ولا يُنْهَوْا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أظَنَّ المُؤْمِنُونَ ألّا يُؤْذَوْا ويُقْتَلُوا.

قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ خَرَجُوا لِلْهِجْرَةِ فَعَرَضَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَجَعُوا فَنَزَلَتْ فِيهِمْ فَلَمّا سَمِعُوها خَرَجُوا فَقُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ وخَلَصَ مَن خَلَصَ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ الآيَةَ.

الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ ومَن كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ بِمَكَّةَ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في عَبّاسِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أسْلَمَ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ أخَذَهُ وعَذَّبَهُ عَلى إسْلامِهِ حَتّى تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الشِّرْكِ مُكْرَهًا.

الخامِسُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ والزَّكاةِ فَلَمّا فُرِضا شُقَّ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُسْألُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا يُخْتَبَرُونَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالصَّبْرِ عَلى أوامِرِ اللَّهِ وعَنْ نَواهِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: بِما ابْتَلاهم بِهِ.

﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صِدْقَ الصّادِقِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: فَلَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنَ الكاذِبِينَ، قالَهُ النَّقّاشُ وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مِهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو أوَّلُ قَتِيلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ قَتَلَهُ عامِرُ ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، ويُقالُ إنَّهُ أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ مِن شُهَداءِ المُسْلِمِينَ، وفِيهِ يَقُولُ النَّبِيُّ  يَوْمَ بَدْرٍ « (سَيِّدُ الشُّهَداءِ مِهْجَعٌ» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: الشِّرْكُ وزَعَمَ أنَّهُمُ اليَهُودُ.

﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْبِقُوا ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ في مَحْتُومِ القَضاءِ.

الثّانِي: أنْ يُعْجِزُونا حَتّى لا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَفُوتُونا حَتّى لا نُدْرِكَهم.

﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ساءَ ما يَظُنُّونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: ساءَ ما يَقْضُونَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى أعْدائِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات ﴾ قال: الشرك.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن يسبقونا ﴾ قال: أن يعجزونا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال مقاتل: ثم أوعد كفار العرب فقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ يعني الشرك (١) قال ابن عباس: يعني الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاص بن هشام، وغيرهم من قبائل شتى (٢) وقال مقاتل: نزلت في بني عبد شمس؛ منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل (٣) وقال الكلبي: نزلت في الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدة بن الحارث يوم بدر وهم.

عتبة وشيبة والوليد بن عتبة (٤) قوله تعالى: ﴿ أَنْ يَسْبِقُونَا ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: [أن يفوتونا] (٥) (٦) (٧) قال مقاتل: أن يفوتونا بأعمالهم السيئة، كلا بل نخزيهم بها في الدنيا؛ فقتلهم الله ببدر (٨) قوله تعالى: ﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا لأنفسهم (٩) ﴿ مَا ﴾ نصب على: ساء حكمًا يحكمون، كما تقول: نعم رجلاً زيدٌ، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: ساء الحكم حكمهم (١٠) (١) "تفسير مقاتل" 70 ب.

وأخرجه ابن جرير 20/ 130، وابن أبي حاتم 9/ 3033، عن قتادة.

وهو قول الثعلبي 8/ 156 أ.

(٢) "تنوير المقباس" 332، بنحوه.

- الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله يوم بدر حمزة ابن عبد المطلب -  -.

"السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 370.

- العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو أبي جهل، قتله يوم بدر عمر ابن الخطاب -  -.

"السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 368، و"الأعلام" 3/ 247.

(٣) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٤) "تنوير المقباس" 332.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، ولا يستقيم الكلام بدونه.

وهو في "تفسير مقاتل" 70 ب.

و"تنوير المقباس" 332، وتفسير ابن جرير 20/ 130.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 130، وابن أبي حاتم 9/ 3033، عن مجاهد.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ، بمعناه.

(٨) "تفسير مقاتل" 70 ب.

(٩) "تنوير المقباس" 332.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا ﴾ أم معادلة لقوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس ﴾ ، والمراد ب ﴿ الذين يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ الكفار، الذي يعذبون المؤمنين، ولفظها مع ذلك عام في كل كافر أو عاص، ومعنى يسبقونا: يفوتون من عقابنا ويعجزوننا، فمعنى الكلام نفيُ سبقهم.

كما أن معنى الآية قبلها، نفي ترك المؤمنين بغير فتنة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.

﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.

﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد  ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك  ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.

وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.

قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.

وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.

ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك  ﴾ ﴿ يس والقرآن  ﴾ ﴿ ص والقرآن  ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب  ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص  ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم  ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.

وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.

ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.

واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.

وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.

وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله  : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.

قال: والترك بمعنى التصيير.

فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.

وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله  في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا  ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.

والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.

فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.

فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟

أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟

ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.

وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله  ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".

والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.

وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.

وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.

قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.

وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم  ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.

ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.

أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا  ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.

وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.

واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.

وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.

فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.

ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.

إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.

ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.

وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.

ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.

أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.

قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.

وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.

وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.

وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.

وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله  وقال رسول الله  تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله  عنه.

وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.

ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.

يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.

ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.

ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله  .

وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.

ثم إنه  ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.

فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.

وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.

أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.

وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.

أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟

ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم  ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً  ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.

وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.

وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.

فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.

وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.

وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.

وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه  عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.

يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.

وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله  سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.

ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.

ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.

وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.

وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.

وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.

وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.

ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.

وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.

ثم أخبر أنه  أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.

اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.

وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.

وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.

كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.

وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.

ثم أخبر الله  عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.

ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.

ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.

أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.

ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟

سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.

الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.

فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.

فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.

وأيضاً المقصود تثبيت النبي  ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.

وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.

قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.

فاعترضوا عليهم بعمر نوح  وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.

ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.

ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال  "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.

وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.

والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.

وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.

التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.

فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.

﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.

﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.

ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى  : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فهو احق برعاية الحقوق منهما.

﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.

والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.

﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ : قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ﴾ .

قوله: ﴿ أَحَسِبَ ﴾ : هو وإن كان في الظاهر استفهاماً فهو على الإيجاب لا الاستخبار؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور فيستخبر ويستفهم ليعرف ذلك، فالله  يتعالى عن أن يخفى عليه شيء، فهو على التقرير والإيجاب منه لذلك.

ثم يخرج قوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ﴾ على أحد وجهين؛ [أحدهما] أي: قد حسب الناس.

والثاني: أي: لا يحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا.

وقوله: ﴿ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا ﴾ : ذكر الإيمان ولم يذكره بمن؟

بالله أو بغيره؟

وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد ويكفر بغيره، وليس في الآية بيان الإيمان به أو بمن؟

إلا أن الله  سخر الخلق على الفهم من الإيمان المطلق المرسل: الإيمان بالله وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق: كتاب الله، والدار الآخرة: الجنة، وأمثال ذلك ما فهموا من الكتاب المطلق: كان كتاب الله، وفهموا ما ذكرنا من الإيمان المطلق: الإيمان بالله وبرسله، وفهموا أيضاً من الدين المطلق: دين الله؛ فيكون قوله: ﴿ أَن يَقُولُوۤاْ ﴾ آمنا بالله أو برسله.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ أي: لا يبتلون، والفتنة: هي الابتلاء الذي فيه الشدة، يمتحن الله عباده باختلاف الأحوال: مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة والرخاء وأنواع العبادات؛ ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان بالله  وكذبه؛ إذ قد يجوز أن يكون فيما يخبر ويقول: آمنت - كاذباً، فجعل الله  للعلم في صدقهم وكذبهم أعمالا يظهر بها عنده صدقهم ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعله لا يظهر ذلك، وهو ما أخبر عن المنافقين فقال: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، هذا يدل أن الفتنة هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، و[هو] ما قال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ ، فإنما يظهر صدق الرجل في إيمانه بما يصيبه من الشدة، فأما السعة والرخاء فهو ما يوافق طبعه وهوى نفسه، فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه، وإنما يظهر ذلك بما يخالف طبعه ويثقل عليه تحمل ذلك.

ثم قال بعضهم: نزلت الآية في قوم أظهروا الإيمان باللسان، وأضمروا الخلاف والكذب.

وقال بعضهم: نزلت في قوم آمنوا بالله وبرسوله حقيقة، ثم عذبوا بأنواع العذاب؛ فتركوا الإيمان وكفروا به؛ وفيهم نزل: ﴿ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ  ﴾ فكيفما كان ففيه أن من أقر بالإيمان وقبله، يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته؛ ليظهر صدقه عند الناس فيعاملونه على ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ : [ذكرنا] فيما تقدم أنه يعلم ظاهراً كائناً ما قد علمه غير كائن أنه يكون، وليعلمه موجوداً ما قد علمه غير موجود أنه يوجد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ : هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: قد حسب الذين ...

ما ذكر.

والثاني: لا يحسب؛ على النهي.

وقوله: ﴿ أَن يَسْبِقُونَا ﴾ : لا أحد يقدر أن يسبق الله في عذابه ونقمته، لكنهم إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها، ورأوا أيضاً عند الموت أنه لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم - ظنوا أن لا بعث وما ينبئهم باطلا ذلك ظن الذين كفروا حملهم ذلك على إنكار البعث؛ كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ  ﴾ حين خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، وهم قد علموا أن خلقه إياهما ليس بباطل، ولكن صير خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب ولا جزاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف اللقاء إلى نفسه، وكذلك ما ذكر من المصير إليه لقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ ونحوه، هذا كله لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم فيها الآخرة، فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة؛ إذ لو لم يكن آخرة، كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعباً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلقهم لا للرجوع إليه لعباً باطلا.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : بما يقولون ويظهرون، والعليم بما يضمرون ويسرون؛ لأن القصة قصة المنافقين.

أو السميع المجيب العليم بحوائجهم وأمورهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

ففي هذا: أن الله إنما امتحن الخلائق لا لحاجة له فيما امتحنهم من دفع مضرة أو جر نفع، لكن إنما امتحنهم لحاجة أنفسهم في دفع المضار وجر المنافع؛ وكذلك إنما أنشأ الدنيا وهذا العالم فيها لا لحاجة له في إنشاء ذلك، ولكن لحوائج أنفسهم، وكذلك ما أنشأ من الخلائق سوى البشر إنما أنشأ البشر وله سخر جميع ذلك، وجعل البشر بحيث يقدر على استعمال جميع ذلك لمنافع أنفسهم وحاجتهم، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك امتحن هذا العالم لحاجة أنفسهم في دفع مضار وجر نفع؛ لذلك قال: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي: لحاجة نفسه ومنفعة نفسه، لا لمنفعة أو لحاجة لله  .

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : هذا تفسير ما ذكر.

ثم المجاهدة تكون مرة مع الشيطان والجن، ومرة مع أعدائه من الإنس، ومرة مع هوى النفس، ومرة في أمر الدنيا، كل ذلك مجاهدة في الله؛ قال الله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل أَظَنَّ الذين يعملون المعاصي من الشرك وغيره أن يعجزونا، وينجوا من عقابنا؟

قَبُحَ حكمهم الذي يحكمون به، فهم لا يعجزون الله، ولا ينجون من عقابه إن ماتوا على كفرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZgYQ6"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده