الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٤٣ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٣ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) أي : وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه .
قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثني ابن لهيعة ، عن أبي قبيل ، عن عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، قال : عقلت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف مثل .
وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - حيث يقول [ الله ] تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن سنان ، عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني ، لأني سمعت الله تعالى يقول : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) .
وقوله: ( وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ) يقول تعالى ذكره: وهذه الأمثال، وهي الأشباه والنظائر (نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ) يقول: نمثلها ونشبهها ونحتجّ بها للناس، كما قال الأعشى: هَـلْ تَذْكُـرُ العَهْـدَ مِـنْ تَنَمَّـصَ إذْ تَضْــرِبُ لــي قـاعِدًا بِهـا مَثَـلا (4) ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) يقول تعالى ذكره: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحقّ فيما ضربت له مثلا(إلا الْعَالِمُونَ) بالله وآياته.
-------------------- الهوامش : (3) العبارة من أول قوله "كما لم يغن عنهم ...
إلى هنا": عسرة الفهم.
فلتتأمل.
(4) البيت لأعشى بني قيس قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص 237) وفيه "في" في موضع "من" و"في" أوجه.
وتنمص، بفتح أوله وثانيه، بعده ميم مشددة مضمومة.
وصاد مهملة: موضع.
هكذا ذكره أبو حاتم، وأنشد للأعشى: هـل تعـرف الـدر فـي تنمـص إذ تضــرب لــي قـاعدًا بهـا مثـلا وتنمص في ديار حمير، لأنه مدح بها ذا فائش الحميري، وزعم أنه قال له: ما لك لا تمدحني، وضرب له مثلا.
(انظر معجم ما استعجم للبكري.
ترتيب مصطفى السقا ص 322).
والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (185 - أ) وروايته: هل تذكر العهد في تنمص.
والمؤلف استشهد به عند قوله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس).
قال أبو عبيدة: مجازه: هذه الأشباه والنظائر نحتج بها.
قوله تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس نبينها للناس وما يعقلها أي يفهمها إلا العالمون أي العالمون بالله ; كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه .
{ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس.{ و } لكن { مَا يَعْقِلُهَا } بفهمها وتدبرها، وتطبيقها على ما ضربت له، وعقلها في القلب { إِلَّا الْعَالِمُونَ } أي: أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلم إلى قلوبهم.وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين.والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها اللّه في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء اللّه بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها.وأما من لم يعقلها، مع أهميتها، فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة، فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى.
ولهذا، أكثر ما يضرب اللّه الأمثال في أصول الدين ونحوها.
( وتلك الأمثال ) الأشباه ، والمثل : كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول ، يريد : أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة ) ( نضربها ) نبينها ) ( للناس ) قال مقاتل : لكفار مكة ، ( وما يعقلها إلا العالمون ) أي : ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، أخبرنا ابن برزة ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة ، أخبرنا داود بن المحبر ، أخبرنا عباد بن كثير ، عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : ) ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) قال : " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه " .
«وتلك الأمثال» في القرآن «نضربها» نجعلها «للناس وما يعقلها» أي يفهمها «إلا العالمون» المتدبرون.
وهذه الأمثال نضربها للناس؛ لينتفعوا بها ويتعلموا منها، وما يعقلها إلا العالمون بالله وآياته وشرعه.
( وَتِلْكَ الأمثال ) التى سقناها فى كتابنا العزيز ، والتى من بينها المثال السابق .( نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ) على سبيل الإِرشاد والتنبيه والتوضيح .( وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون ) أى : وما يعقل هذه الأمثال ، ويفهم صحتها وحسنها ، إلا الراسخون فى العلم ، المتدبرون فى خلق الله - تعالى - ، الفاقهون لما يتلى عليهم .
ثم قال تعالى: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ .
قال الكافرون كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال بالهوام والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت؟
فيقال الأمثال تضرب للناس إن لم تكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نفرتكم مما أنتم فيه وذلك لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب إنك بالغيبة كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب كمن يقع في ميت يأكل منه وهو لا يعلم ما يفعله ولا يقدر على دفعه إن كان يعلمه فينفر طبعه منه كما ينفر إذا قال له إنه يوجب العذاب ويورث العقاب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون ﴾ .
يعني حقيقتها وكون الأمر كذلك لا يعلمه إلا من حصل له العلم ببطلان ما سوى الله وفساد عبادة ما عداه، وفيه معنى حكمي وهو أن العلم الحدسي يعلمه العاقل والعلم الفكري الدقيق يعقله العالم، وذلك لأن العاقل إذا عرض عليه أمر ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرك ظاهراً وكون المدرك عاقلاً، ولا يحتاج إلى كونه عالماً بأشياء قبله، وأما الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلابد من عالم، ثم إنه قد يكون دقيقاً في غاية الدقة فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالماً.
إذا علم هذا فقوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون ﴾ يعني هو ضرب للناس أمثالاً وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها إلا العلماء.
ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان ولم يأت الكفار بما أمرهم به وقص عليهم قصصاً فيها عبر، وأنذرهم على كفرهم بإهلاك من غبر، وبين ضعف دليلهم بالتمثيل، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل، وحصل يأس الناس عنهم سلَّى المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون إنَّ ربّ محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون ﴾ أي لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم، لأنّ الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار حتى تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها للأفهام، كما صوّر هذا التشبيه الفرق بين حال المشرق وحال الموحد وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية فقال: «العالمُ مَنْ عقلَ عنِ اللَّهِ فعملَ بطاعَتِهِ واجتنبَ سخطهِ» <div class="verse-tafsir"
﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ يَعْنِي هَذا المَثَلَ ونَظائِرَهُ.
﴿ نَضْرِبُها لِلنّاسِ ﴾ تَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ.
﴿ وَما يَعْقِلُها ﴾ ولا يَعْقِلُ حُسْنَها وفائِدَتَها.
﴿ إلا العالِمُونَ ﴾ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأشْياءَ عَلى ما يَنْبَغِي.
وَعَنْهُ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: «العالِمُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ» .
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ مُحِقًّا غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ باطِلًا، فَإنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِن خَلْقِها إفادَةُ الخَيْرِ والدَّلالَةُ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وتلك الأمثال} الأمثال
العنكبوت (٤٥ - ٤٣)
نعت والخبر {نَضْرِبُهَا} نبينها {لِلنَّاسِ} كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ويضحكون من ذلك فلذلك قال {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون} به وبأسمائه وصفاته أي لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا هم لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستترة حتى تبرزها وتصورها للأفهام كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية فقال العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ودلت الآية على فضل العلم على العقل
﴿ وتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ أيْ هَذا المَثَلُ ونَظائِرُهُ مِنَ الأمْثالِ المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ.
﴿ نَضْرِبُها لِلنّاسِ ﴾ تَقْرِيبًا لِما بَعُدَ مِن أفْهامِهِمْ ﴿ وما يَعْقِلُها ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ واسْتِتْباعِ الفَوائِدِ ﴿ إلا العالِمُونَ ﴾ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ المُتَدَبِّرُونَ في الأشْياءِ عَلى ما يَنْبَغِي.
ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ بِسَنَدِهِ عَنْ جابِرٍ ««أنَّ النَّبِيَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ الآيَةَ فَقالَ: العالِمُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سَخَطَهُ»» <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني: مثل عبادتهم الأصنام في الضعف، وقلة نفعهم إياهم.
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ يعني: أضعف البيوت لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لأنه لا يغني من حر ولا من برد ولا من مطر وكذلك آلهتهم لا يدفعون عنهم ضرّاً، ولا يقدرون لهم نفعاً.
ثم قال: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام كذلك، لأنهم قد علموا أن بيت العنكبوت أوهن البيوت، ولكن قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ انصرف إلى قوله: اتَّخَذُوا، يعني: لا يعلمون أن هذا مثله.
ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وهذه كلمة تهديد، يعني: يعلم بعقوبتهم.
ويقال: إن الله يعلم أن الآلهة لا شفاعة لهم ولا قدرة.
وَهُوَ الْعَزِيزُ بالنقمة لمن عصاه الْحَكِيمُ حكم بالعقوبة على من عبد غيره، ويقال: حكم أن لا يعبد غيره.
ثم قال: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: أمثال آلهتهم نبينها للناس.
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ يعني: لا يفهمها ولا يعلمها إلا الْعالِمُونَ يعني: الموحدون، ويقال: يعني: العاقلين.
قرأ أبو عمرو وعاصم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ بالياء على لفظ المغايبة.
وقرأ الباقون بالتاء على لفظ المخاطبة، يعني: قل لهم يا محمد أن الله يعلم ما تدعون من دونه.
ثم قال عز وجل: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني: بالعدل، ويقال: لبيان الحق، ولم يخلقها باطلاً.
إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في خلق السموات والأرض لَآيَةً يعني: لعبرات لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين.
وإنما أضاف إلى المؤمنين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها.
<div class="verse-tafsir"
مجاهد «١» : كانوا يأتون الرجالَ في مَجَالِسِهِمْ وبعضُهُمْ يرى بَعْضاً.
وقال ابن عباس «٢» : كانوا يَتَضَارَطُونَ ويَتَصَافَعُونَ في مجالسهم، وقيل غير هذا، وقد تقدم قصص الآيةِ مكَرِّراً والرجزُ: العذابُ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي: من خبرها وما بقي من آثارها، والآية:
موضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى.
وقوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ...
الآية، الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عُبَيْدَةَ إلى أن المعنى: وخافوا، وتَعْثَوْا معناه: تفسدوا، والسَّبِيلِ: هي طريق الإيمان، ومنهجُ النجاة من النار، وما كانُوا سابِقِينَ، أي: مفلتين أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقينَ الأمَمَ إلى الكُفْر، وباقي الآية بيّن.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، قيل: معناه: إن الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الأشياء، وقيل: ما نافية وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ: العَالِمُ:
مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ تعالى فَعَمِلَ بطاعته وانتهى عن معصيته.
وقوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: لا للعبث واللعب بل ليدل على سلطانه وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عداً.
ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أُوحِيَ إليه، وإقامة الصلاة، أي: إدامتها والقيام بحدودها.
ثم أخبر سبحانه حُكْماً منه أن الصلاة تنهى صاحبَها وممتثلَها عن الفحشاء والمنكر.
قال ع «١» : وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجبِ من الخشوعِ، والإخبات «٢» وتذكرِ الله، وَتَوَهِّمِ الوقوف بين يديه، وإنَّ قلبه وإخلاصه مُطّلَعٌ عليه مَرْقُوبٌ صَلُحَتْ لذلك نَفْسُهُ، وتذلَّلَتْ، وخَامَرَها ارتقابُ الله تعالى فاطَّرَدَ ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهَى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكَدْ يَفْتُرُ من ذلك حتى تظله صلاةٌ أخْرى يرجع بها إلى أفضل حاله فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاةَ المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد رُوِيَ عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر لونُه، فكُلِّم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى.
قال ع «٣» : فهذه صلاة تنهى- ولا بد- عن الفحشاء/ والمنكر، وأما من كانت ٦٢ ب صلاته دائرةً حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل فتلك تترك صاحبَها من منزلته حيثُ كانَ.
وقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس «٤» وأبو الدرداء «٥» وسلمان «٦» وابن
مسعود «١» وأبو قرة «٢» : معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
وقيل: معناه: ولذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر.
وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر الله أكبر «٣» من كل شيء.
وقيل لسلمان: أيُّ الأعمالِ أفضل؟
فقال: أَمَا تَقْرَأُ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.
والأحاديثُ في فَضْلِ الذّكْر كثيرةٌ لا تنحصر.
وقال ابن العربي في «أحكامه» «٤» : قوله: ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فيه أربعة أقوال:
الأول: ذكر الله لكم أفضلُ من ذكرِكم له أضاف المصدر إلى الفاعل.
الثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء.
الثالث: ذكر الله في الصلاة أفضل من ذكره في غيرها يعني: لأنهما عبادتان.
الرابع: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة وهذه الثلاثة الأخيرة من إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحةٌ، وإن للصلاةِ بركةً عظيمةً، انتهى.
قال ع «٥» : وعندي، أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجُزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأنَّ الانتهاءَ لا يكونُ إلا من ذَاكِرٍ للَّهِ تعالى، مراقب له، وثوابُ ذلك الذكر أن يذكُرَه الله تعالى، كما في الحديث الصحيح: «ومن ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ» «٦» والحركاتُ التي في الصلاة لا تأثيرَ لها في نهي، والذكرُ النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرُّغه إلا من الله تعالى.
وأما ما لا يتجاوز اللسانَ ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة ذكر العبد ربّه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ يَتَّخِذُها المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ يَرْجُونَ نَفْعَها ونَصْرَها، فَمَثَلُهم في ضَعْفِ احْتِيالِهِمْ ﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: والعَنْكَبُوتُ أُنْثى، وقَدْ يُذَكِّرُها بَعْضُ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: [عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ] كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: هو عالِمٌ بِما عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ.
﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ يَعْنِي أمْثالَ القُرْآنِ الَّتِي شَبَّهَ بِها أحْوالَ الكُفّارِ؛ وقِيلَ: إنَّ " تِلْكَ " بِمَعْنى " هَذِهِ "، و ﴿ العالِمُونَ ﴾ : الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ كَمَثَلِ العنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العنكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ ﴾ شَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وبِنائِهِمْ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالعنكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّها ضَعِيفٌ مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هابَّةٍ دَهَمَتْهُ، وكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدَ، ومِن حَدِيثٍ ذَكَرَهُ النِقاشُ: «العنكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَهُ اللهُ تَعالى فاقْتُلُوهُ»، ورُوِيَ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العنكَبُوتِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ الفَقْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهُمْ، وأنَّ حالَهم ونِسْبَتَهم مِنَ الحَقِّ هَذِهِ الحالَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ: "يَعْلَمُ ما" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِالفَكِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ بِخِلافٍ- "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الغَيْبَةِ.
فَأمّا مَوْضِعُ "ما" مِنَ الإعْرابِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ أنَّ حالَهم هَذِهِ، وأنَّهم أمْرٌ لا قَدْرَ لَهُ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ﴾ إخْبارٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ﴿ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وذَلِكَ عَلى هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ، ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وفي هَذا تَعْلِيقُ "يَعْلَمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ، والثانِي أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قَرَّرَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ما هو إذْ لَمْ يَكُنِ اللهُ تَعالى، أيْ: لَيْسَ لَهم -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- مُقْنِعٌ إلَيْهِ، فَـ "مِن" عَلى القَوْلِ الأوَّلِ والثالِثِ لِلتَّبْعِيضِ المُجَرَّدِ، وعَلى القَوْلِ الوَسَطِ هي زائِدَةٌ في الجَحْدِ، ومَعْناها التَأْكِيدُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "ما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بـِ "يَدْعُونَ"، ولا يَجُوزُ نَصْبُها بـِ "يَعْلَمُ"، والجُمْلَةُ الَّتِي هي مِنها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ "يَعْلَمُ"، والتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ أوثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أو غَيْرِها لا يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ، و"نَضْرِبُها" مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ، أيِ: النَوْعِ، كَما تَقُولُ: "هَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ"، "وَهَذا ضَرْبُ هَذا"، أيْ: قَرِينُهُ وشَبْهُهُ، فَكَأنَّ "ضَرْبَ المَثَلِ" هو أنْ تَجْعَلَ الأمْرَ المُمَثَّلَ ضَرِيبٌ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقالَ جابِرٌ: قالَ النَبِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا العالِمُونَ ﴾ : «العاقِلُ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ تَعالى، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، وانْتَهى عن مَعْصِيَتِهِ».
<div class="verse-tafsir"
بعد أن بين الله لهم فساد معتقدهم في الأصنام، وأعقبه بتوقيفهم على جهلهم بذلك، نعى عليهم هنا أنهم ليسوا بأهل لتفهم تلك الدلائل التي قُربت إليهم بطريقة التمثيل، فاسم الإشارة يبيّنه الاسم المبدل منه وهو ﴿ الأمثال ﴾ .
والإشارة إلى حاضر في الأذهان فإن كل من سمع القرآن حصل في ذهنه بعض تلك الأمثال.
واسم الإشارة للتنويه بالأمثال المضروبة في القرآن التي منها هذا المثل بالعنكبوت.
وجملة ﴿ نضربها للناس ﴾ خبر عن اسم الإشارة.
وهذه الجملة الخبرية مستعملة في الامتنان والطول لأن في ضرب الأمثال تقريباً لفهم الأمور الدقيقة.
قال الزمخشري: «ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المُثل والنظائر شأنٌ ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المتحقق والغائب كالمشاهد».
وقد تقدم بيان مزية ضرب الأمثال عند قوله تعالى ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ في سورة البقرة (26).
ولهذا اتبعت هذه الجملة بجملة ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ .
والعقل هنا بمعنى الفهم، أي لا يفهم مغزاها إلا الذين كمُلت عقولهم فكانوا علماء غير سفهاء الأحلام.
وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بها جهلاء العقول، فما بالك بالذين اعتاضوا عن التدبر في دلالتها باتخاذها هُزءاً وسخرية، فقالت قريش لما سمعوا قوله تعالى ﴿ إن الذين تَدْعُون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ﴾ [الحج: 73]، وقوله ﴿ كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ﴾ [العنكبوت: 41] قالوا: ما يستحيي محمد أن يمثل بالذباب والعنكبوت والبعوض.
وهذا من بهتانهم، وإلا فقد علم البلغاء أن لكل مقام مقالاً، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ عَبَدُوها.
﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عَبَدُوا ما لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ الَّذِي لا يَدْفَعُ شَيْئًا وهو مِن أبْلَغِ الأمْثالِ فِيهِمْ.
﴿ وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ لِأنَّهُ يَسْتُرُ الإبْصارَ ولا يَدْفَعُ الأيْدِيَ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أنَّ العَنْكَبُوتَ شَيْطانٌ مَسْخَها اللَّهَ.
وَقالَ عَطاءٌ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، ومَرَّةً عَلى النَّبِيِّ .
وجَمْعُ العَنْكَبُوتِ عَناكِبُ وتَصْغِيرُهُ عُنَيْكَبٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني، لأني سمعت الله تعالى يقول ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ ﴾ يعني أمثال القرآن، وهي التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمم المتقدمة يبينها للناس ﴿ نَضْرِبُهَا ﴾ لكفار مكة.
قاله مقاتل (¬5).
وقال الكلبي: للناس عامة (١) ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ قال مقاتل: يقول: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله الأمثال (¬7).
وقال الكلبي: إلا عالم أراد الله له ذلك، فيعلم ما ضرب له المثل في القرآن.
وروى أبو الزبير، عن جابر، أن النبي - - تلا هذه الآية، فقال: "العالم من عَقَل عن الله" (٢) (١) "تفسير مقاتل" 73 ب.
(٢) قال الزيلعي: رواه داود بن المحبر في كتاب العقل، حدثنا عباد بن كثير، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، وعن داود بن المُحبَّر رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ومن طريق الحارث رواه الثعلبي، والواحدي في "تفسيره".
تخريج الزيلعي للكشاف 3/ 43، وأخرجه الثعلبي 8/ 159 ب، والواحدي في "الوسيط" 3/ 420.
كلاهما من طريق الحارث، عن داود المحبر به، ولفظه: (العاقل من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سخطه).
قال ابن حجر: داود بن المُحَبَّر، أبو سليمان البصري، نزيل بغداد، متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه: موضوعات.
"تقريب التهذيب" 308، رقم (1820).
قال الدارقطني: كتاب العقل، وضعه أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه داود ابن المحبر منه، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر.
"الموضوعات" لابن الجوزي 1/ 277.
قال المناوي: كتاب العقل لداود كله موضوع.
"الفتح السماوي" 2/ 897.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ما موصولة بمعنى الذي مفعولة للفعل الذي قبلها وقيل: هي نافية، والفعل معلق عنها والمعنى على هذا: لستم تدعون من دون الله شيئاً له بال، فلا يصلح أن يسمى شيئاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.
﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.
الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.
وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.
وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.
وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.
ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.
قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.
والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.
وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.
وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...
ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.
وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو واحد لا شريك له.
وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين كثرة.
وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي .
أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.
وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.
وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.
والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.
وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.
والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.
فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .
"وروي أن رسول الله قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.
فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .
وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.
واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.
وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله كما قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟
وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟
وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.
واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.
وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.
وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.
وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".
ثم إن الله كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.
ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.
وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.
وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.
وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.
وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.
قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.
وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.
والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.
وعن النبي "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .
ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.
﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.
واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.
فإذا قيل له: لم؟
قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.
فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.
فالله ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.
وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.
ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.
أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.
ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.
سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.
ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.
ولما بين الدليل من جانب النبي ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.
وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.
ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟
﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.
وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.
﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟
فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.
فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟
قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.
قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.
ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.
وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.
ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.
وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.
وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.
والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.
وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.
وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.
ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.
وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.
وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.
ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .
واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.
والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.
والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.
ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.
ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.
وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.
فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.
ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.
﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.
وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.
والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.
ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.
وقال المفسرون: لما أمر رسول الله من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.
ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.
﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.
عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.
وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.
وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!
﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.
ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟
فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.
ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.
وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.
ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.
ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.
وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.
واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.
قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.
ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.
ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.
ويحتمل أن يقال: إنه قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد" وفي "الحديد".
وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".
فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.
"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.
وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.
ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.
ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.
ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.
ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.
ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "القصص".
ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.
فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.
وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟
وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.
وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.
فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟
وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟
وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.
ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.
وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.
وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.
فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.
والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.
﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.
فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.
سأل موسى : إلهي أين أطلبك؟
فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.
ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.
ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.
ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.
والعنكبوت: هذه التي تغزل، وهي دويبة كثيرة القوائم، وعناكب: جمع.
وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾ يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت هم الرؤساء منهم والمتبوعون.
يقول - والله أعلم -: مثل اتخاذكم أولئك أولياء من دون الله وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحرّ والبرد وغيره، فعلى ذلك اتخاذكم واتباعكم هؤلاء أولياء من دون الله مثل ما ذكر، لا ينفع ولا يغني ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم، وهو ما قال: ﴿ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25]، ظاهر ما ذكر من الأولياء أن يكون المتبوعون منهم.
وجائز أن تكون الأصنام التي اتخذوها آلهة، ضرب مثل عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها آلهة ببيت العنكبوت، وذلك أن العنكبوت اتخذت البيت رجاء أن تنتفع به كما ينتفع بالبيوت في دفع الحر والبرد، والستر والحجاب، فلما أن وقعت الحاجة إليه لم تنتفع ما كان تأمل منه في شيء مما كانت تأمل، فعلى ذلك هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام آلهة ومعبوداً؛ رجاء أن ينفعهم ذلك يوماً، فلما أن وقعت لهم الحاجة لم يجدوا ما كانوا يأملون من عبادتهم إياها واتخاذهم آلهة؛ بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولياء العبدة لتلك الأصنام شيء مما كانوا يأملون، فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة، لكنه - والله أعلم - ضرب مثلها ببيت العنكبوت؛ لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق من بيتها، وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد اشتدت به الريح، وبسراب بقيعة؛ لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر؛ فيشبه أعمالهم به، فعلى ذلك تشبيه اتخاذ أولئك الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ببيت العنكبوت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ﴾ أي: أضعف وأبعد من المنفعة بيت العنكبوت، فعلى ذلك عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها معبوداً أوهن وأبعد مما يأملون ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: إن كانوا يعلمون ضعفها وعجزها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ \[هو\] - والله أعلم -: أن الله لم يزل عالماً بما يكون منهم من اتخاذهم الأصنام معبوداً، وأنه عن علم أنشأ لهم ذلك لا عن غفلة وسهو، لكن أنشأهم لمنافع أنفسهم ولحاجة لهم لا لحاجة ومنفعة له في إنشائه إياها، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ العزيز: قيل: إنه المنيع.
وقيل: إنه الذي يذل كل شيء دونه.
لكن العزيز عندنا: هو الذي لا يعلو سلطانه شيء، ولا يقهر ملكه شيء، ويعلو سلطانه وإرادته على جميع الأشياء ويقهرها.
والحكيم: قيل: الذي له الحكم.
وقيل: هو المصيب.
وقيل: هو الذي يضع كل شيء موضعه.
والحكيم عندنا: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ ﴾ فإن قيل: ذكر أنه لا يعقلها إلا العالمون، والعقل يسبق العلم بالشيء؛ إذ بالعقل يعلم ما يعلم، فكيف ذكر أنه لا يعقل إلا العالمون، ولم يقل: وما يعلمها [إلا] العاقلون؟
فهو - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن الأمثال إنما تضرب لتقريب ما يبعد عن الأوهام، ولكشف ما استتر من الأشياء على الأفهام وتجليها عما خفيت فلا يعقل الأمثال أنها لماذا ضربت؟
- إلا العالم.
والثاني: أن العقول تعرف أسباب الأشياء ودلائلها، فإما أن تعرف حقائق الأشياء وأنفسها فلا، من نحو المسالك والطرق إلى البلد التي تعرف مسالكها وطرقها التي بها يوصل إليها، فأما أعينها فلا، وكذا المراقي التي بها يعلو ويرتفع، فأمّا عين العلوّ فلا، وأما العلم فإنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وأنفسها وصورها؛ لذلك كان ما ذكر.
والثالث: أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ ﴾ أي: وما ينتفع بما ذكر إلا العالمون، وهو كما قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ نفى عنهم هذه الحواس وإن كانت لهم أنفس تلك الحواس لما لم يستعملوها فيما جعلت وأنشئت، ولم ينتفعوا بها، فنفى عنهم تلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ ﴾ أي: ما ينتفع بما يعقل إلا العالم، فأما من لم ينتفع فلا يعقل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: لعاقبة، وهو البعث؛ لأنه لم يخلقهما لأنفسهما، وكذلك لم يخلق الدنيا للدنيا، ولكن إنما خلقها للآخرة؛ إذ بالآخرة يصير خلقها حكمة وحقّاً؛ لأنه لو لم يكن خلقها لعاقبة كان خلقها عبثاً باطلا، وهو ما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ لا كافر يظن أنه خلقهما باطلا، ولكن تركوا الإيمان بالبعث وأنكروا البعث؛ كأنهم ظنوا أنه خلقهما باطلا؛ إذ لولا البعث كان خلقهما باطلا عبثاً فإنما صار خلقهما حقّاًَ وحكمة بالبعث، فإذا أنكروا ما به صار خلقه إياهما حكمة وحقّاً - فقد ظنوا الباطل بخلقهما، فنسأل الله التوفيق والصواب.
ويحتمل قوله: إنه خلقهما؛ لتدلا على الحق؛ لأنهما تدلان على وحدانية الله وربوبيته وتعاليه عن الأشباه والشركاء وجميع الآفات.
أو أن يكون بالحق الذي لله عليهم.
أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، والله أعلم.
﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ صير آية لمن أقر بها وآمن؛ إذ هو المنتفع بها، فأمّا من أنكر وجحد وكذبها فهو آية عليه لا له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ جائز أن يكون قوله: اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم به الصلاة أي: بالكتاب الذي أوحي إليك.
ويحتمل: اتل ما أوحي إليك من الكتاب عليهم، وأقم بهم الصلاة؛ فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد؛ على ما ذكرنا في سائر المخاطبات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الامتنان.
والثاني: على الإلزام.
فأما وجه الامتنان: فهو أن جعل لكم الصلاة لتمنعكم عن الفحشاء والمنكر ما لو لم يجعلها لكم لا شيء يمنعكم عن الفحشاء والمنكر؛ فيمنُّ عليهم بجعل الصلاة لهم؛ لما تمنعهم عما ذكر.
وأما وجه الإلزام: فإنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن الصلاة لو كان موهوماً منها النطق والنهي، لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ على ما أضاف التغرير والتزيين إلى الحياة الدنيا؛ أي: لو كان هذا الذي كان من الدنيا، كان ممن له التغرير - كان ذلك تغريراً؛ فعلى ذلك الصلاة لو كان منها حقيقة الأمر والنهي لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والثاني: أضيف النهي إلى الصلاة؛ لما بها يعرف ذلك، فقد تضاف الأشياء إلى الأسباب وإن لم يكن منها حقيقة ما أضيف إليها؛ نحو ما يضاف الأمر والنهي إلى الكتاب والسنة ونحوه؛ يقال: أمرنا الكتاب بكذا، والسنة بكذا، ونهانا عن كذا، وإن لم يكن منهما أمر حقيقة ولا نهي؛ لما بهما يعرف الأمر والنهي، وهما سببا ذلك؛ فعلى ذلك جائز إضافة النهي إلى الصلاة أن يكون على هذا السبيل.
وقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذكر الله أكبر في العبادات من أنفس تلك العبادات.
ووجه هذا - والله أعلم -: أن العبادات إنما تكون بجوارح تغلب وتقهر وتستعمل؛ فلا تعرف تلك أنها لله إلا بتأويل.
وأمّا ذكر الله إنما يكون باللسان والقلب، وهما لا يغلبان، ولا يستعملان ولا يقهران، فهو يعرف أن ذلك لله حقيقة، فهو أكبر.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ من سائر الأذكار التي ليست لله؛ فهذا ليس فيه كبير حكمة؛ لأن ذلك يعرفه كل أحد.
وقال بعضهم: ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة.
وقال بعضهم: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه؛ لأن ذكره إياكم رحمة ومغفرة، وذلك مما لا يعدله ولا يوازيه شيء، وأما العبد فإنه يذكر ربه بأدنى شيء.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ : أي: ما وفق الله العبد من ذكره إياه وطاعته له أكبر من نفس ذلك الذكر ونفس تلك العبادة.
وذكر في حرف ابن مسعود وأبيٍّ وحفصة: ﴿ إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ .
وعن الحسن يحدث عن النبي أنه قال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً، ولم يزدد بها عند الله إلا مقتاً" وعن سلمان الفارسي قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
وعن ابن عباس - - قال: لهذا وجهان: أحدهما: يقول: ذكر الله أكبر مما سواه من أعمال البر.
والآخر: يقول: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
والضحاك يقول: العبد يذكر الله عند ما أحل له وحرم عليه، فيأخذ بما أحل ويجتنب ما حرم عليه.
وقتادة يقول: لا شيء أكبر من ذكر الله.
وأصله ما ذكرنا من الوجوه التي تقدم ذكرها.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ قال بعضهم: تنهى وتمنع ما دام فيها لا يعمل بالفحشاء والمنكر.
والثاني: أن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر؛ أي: لو كانت لها النطق بالأمر والنهي لكانت تنهى عما ذكر.
والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ وعيد؛ ليكونوا أبداً على حذر ويقظة.
<div class="verse-tafsir"
وهذه الأمثال التي نضربها للناس لتوقظهم وتبصرهم بالحق، وتهديهم إليه، ما يدركها على الوجه المطلوب إلا العالمون بشرع الله وحِكَمه.
<div class="verse-tafsir" id="91.JXgKO"