الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٥٥ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٥ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) ، كقوله تعالى : ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) [ الأعراف : 41 ] ، وقال : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) [ الزمر : 16 ] ، وقال : ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ) [ الأنبياء : 39 ] ، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم ، وهذا أبلغ في العذاب الحسي .
وقوله : ( ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) ، تهديد وتقريع وتوبيخ ، وهذا عذاب معنوي على النفوس ، كقوله : ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر .
إنا كل شيء خلقناه بقدر ) [ القمر : 48 ، 49 ] ، وقال ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا .
هذه النار التي كنتم بها تكذبون .
أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون .
اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) [ الطور : 13 - 16 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يقول تعالى ذكره: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ يوم يغشى الكافرين العذاب، من فوقهم في جهنم، ومن تحت أرجلهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) : أي في النار.
وقوله: ( وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، وما يسخطه فيها.
وبالياء في (وَيقُولُ ذُوقُوا) قرأت عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر، وأبي عمرو، فإنهما قرأا ذلك بالنون: (وَنَقُولُ).
والقراءة التي هي القراءة عندنا بالياء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها.
قوله تعالى : يوم يغشاهم العذاب من فوقهم قيل : هو متصل بما هو قبله ; أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم وإنما قال : من تحت أرجلهم للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم ; كما قال الشاعر :علفتها تبنا وماء بارداوقال آخر :لقد كان قواد الجياد إلى العدا عليهن غاب من قنى ودروعويقول ذوقوا قرأ أهل المدينة والكوفة : ( نقول ) بالنون الباقون بالياء ، واختاره أبو عبيد ; لقوله : قل كفى بالله ويحتمل أن يكون الملك الموكل بهم يقول : ذوقوا .
والقراءت ترجع إلى معنى أي يقول الملك بأمرنا ذوقوا .
{ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فإن أعمالكم انقلبت عليكم عذابا، وشملكم العذاب كما شملكم الكفر والذنوب.
( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) يعني : إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم ، كما قال : " لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش " ( الأعراف - 41 ) ( ويقول ذوقوا ) قرأ نافع ، وأهل الكوفة : " ويقول " بالياء ، أي : ويقول لهم الموكل بعذابهم : ذوقوا ، وقرأ الآخرون بالنون; لأنه لما كان بأمره نسب إليه ( ما كنتم تعملون ) أي : جزاء ما كنتم تعملون .
«يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ونقول» فيه بالنون أي نأمر بالقول، وبالياء يقول أي الموكل بالعذاب «ذوقوا ما كنتم تعلمون» أي جزاءه فلا تفوتوننا.
يوم القيامة يغشى الكافرين عذاب جهنم من فوق رؤوسهم، ومِن تحت أقدامهم، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، ويقول الله لهم حينئذ: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا: من الإشراك بالله، وارتكاب الجرائم والآثام.
ثم بين - سبحانه - كيفية إحاطة جهنم بهم فقال : ( يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب ) .أى : ستحيط بهم جهنم من كل جانب .
يوم يحل بهم العذاب ( مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) أى : من جميع جهاتهم .( وَيِقُولُ ) - سبحانه - لهم ، على سبيل التقريع والتأنيب ( ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أى : تذوقوا العذاب المهين الذى كنتم تستعجلونه فى الدنيا والذى أحاط بكم من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة ، وأقوالكم الباطلة .وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين ، الذين استعجلوا العذاب لجهلهم وعنادهم ، أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على الحق ، فقال - تعالى - : ( الذين عَاهَدْتَّ .
.
.
وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) .
فقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لم خص الجانبين بالذكر ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدام؟
فنقول لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة خلفه وقدامه ويمينه ويساره وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة العاجلة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفئ بالدوس موضع القدم.
المسألة الثانية: قال: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ولم يقل من فوق رءوسهم، ولا قال من فوقهم ومن تحتهم، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم يذكره عند ذكر فوق، فنقول لأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرءوس وسواء كان من موضع آخر عجيب، فلهذا لم يخصه بالرأس، وأما بقاء النار تحت القدم فحسب عجيب، وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا يكون شعل وهي تحت فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدوس وما فوق على الإطلاق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ذوقوا عذاب ما كنتم تعملون، وجعل ذلك عين ما كانوا يعملون للمبالغة بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن عملهم كان سبباً لجعل الله إياه سبباً لعذابهم، وهذا كثير النظير في الاستعمال.
<div class="verse-tafsir"
كان استعجال العذاب استهزاء منهم وتكذيباً، والنضر بن الحرث هو الذي قال: اللَّهم أمطر علينا حجارة من السماء، كما قال أصحاب الأيكة: فأسقط علينا كسفاً من السماء ﴿ وَلَوْلاَ أَجَلٌ ﴾ قد سماه الله وبينه في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى ﴿ لَّجَاءهُمُ العذاب ﴾ عاجلاً.
والمراد بالأجل: الآخرة، لما روي أنّ الله تعالى وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعذب قومه ولا يستأصلهم، وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة.
وقيل: يوم بدر.
وقيل: وقت فنائهم بآجالهم ﴿ لَمُحِيطَةٌ ﴾ أي ستحيط بهم ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب ﴾ أو هي محيطة بهم في الدنيا: لأنّ المعاصي التي توجبها محيطة بهم.
أو لأنها مآلهم ومرجعهم لا محالة فكأنها الساعة محيطة بهم.
و ﴿ يَوْمَ يغشاهم ﴾ على هذا منصوب بمضمر، أي: يوم يغشاهم العذاب كان كيت وكيت.
﴿ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ كقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ [الزمر: 16] ، ﴿ وَيَقُولُ ﴾ قرئ بالنون والياء ﴿ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي جزاءه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ سَتُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، أوْ هي كالمُحِيطَةِ بِهِمُ الآنَ لِإحاطَةِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي تُوجِبُها بِهِمْ، واللّامُ لِلْعَهْدِ عَلى وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى مُوجِبِ الإحاطَةِ، أوْ لِلْجِنْسِ فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا بِحُكْمِ الجِنْسِ عَلى حُكْمِهِمْ.
﴿ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ ﴾ ظَرْفُ ﴿ لَمُحِيطَةٌ ﴾ أوْ مُقَدَّرٌ مِثْلَ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ.
﴿ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ.
﴿ وَيَقُولُ ﴾ اللَّهُ أوْ بَعْضُ مَلائِكَتِهِ بِأمْرِهِ لِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ والبَصْرِيِّينَ بِالنُّونِ.
﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ جَزاءَهُ.
<div class="verse-tafsir"
يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
{يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} لقوله تعالى مّن
فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار ومن تحتهم ظلل ولا وقف على بالكافرين لأن يوم ظرف إحاطة النار بهم {وَيَقُولُ} بالياء كوفي ونافع وقوله {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي جزاء أعمالكم
﴿ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ إيذانًا بِغايَةِ كَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ويُجَلِّلُهُمُ العَذابُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ (لِمُحِيطَةٍ) عَلى مَعْنى: وإنَّ جَهَنَّمَ سَتُحِيطُ بِالكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَما ذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ كَما في الغُدُوِّ والآصالِ، قِيلَ: وذَكَرَ الأرْجُلَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَقَرُّونَ، ولا يَجْلِسُونَ، وذَلِكَ أشَدُّ العَذابِ ﴿ ويَقُولُ ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والبَصْرِيُّونَ «ونَقُولُ» بِنُونِ العَظَمَةِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ «وتَقُولُ» بِالتّاءِ عَلى أنَّ القائِلَ جَهَنَّمُ، ونُسِبَ القَوْلُ إلَيْها هُنا كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ويُقالُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وذلك أنهم قالوا: ائتنا بعذاب الله.
يقول الله عز وجل: وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى يقول: لولا الوقت الذي وقّتَ لهم لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بنزول العذاب.
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يعني: جعلت لهم النار تحيط بهم.
قوله عز وجل يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ يعني: يعلوهم العَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: وَنَقُولُ ذُوقُوا بالنون، يعني: نقول لهم نحن ذوقوا، وهي حكاية عن الله سبحانه وتعالى بلفظ الجماعة، وهو لفظ الملوك.
وقرأ الباقون بالياء يعني: يقول الله عز وجل.
ويقال: وتقول لهم الخزنة ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: جربوا عقوبة ما كنتم تعملون في الدنيا.
ثم قال عز وجل: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو بسكون الياء، وقرأ الباقون بنصب الياء يا عِبادِيَ وقرأ ابن عامر وحده إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ بنصب الياء، وقرأ الباقون بسكونها في مثل هذه المواضع، لغتان يجوز كلاهما، ومعناه: إن أرضي واسعة، إذا أُمِرْتُم بالمعصية والبدعة فاهربوا، ولا تطيعوا في المعصية، نزلت في ضعفاء المسلمين إِن كُنتُمْ يعني: إذا كنتم في ضيق من إظهار الإسلام بمكة إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ يعني: المدينة واسعة بإظهار الإسلام.
وروي عن الحسن عن النبي إنه قال: «مَنْ فَرَّ بِدِينهِ مِنْ أَرْضٍ إلى أرضٍ وإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ وَكَانَ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلام» وإنما خصَّ إبراهيم لأنه قال إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت: 26] ففرَّ بدينه إلى الأرض المقدسة، وإنما خصّ محمدا لأنه هاجر من مكة إلى المدينة.
ويقال: إن القوم كانوا في ضيق من العيش فقال: إن كنتم تخافون شدة العيش فإن أرضي واسعة.
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ يعني فوحّدون بالمدينة علانية.
<div class="verse-tafsir"
الهجرةُ عنها إلى بلد حق وقاله «١» مالك.
وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ تحقيرٌ لأمرِ الدنيا ومخاوفِها، كأن بعضَ المؤمنين نظر في عاقبةٍ تلحقه في خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا فحقَّر الله سبحانه شَأْنَ الدنيا، أي وأنتم لا محالة ميتون ومُحْشَرُون إلينا، فالبِدَارُ إلى طاعة الله والهجرة إليه أولى ما يُمْتَثَلُ.
ذكر هشامُ بنُ عبْدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تاريخه المسمى ب «بهجة النفس» قال: بينما المنصور جالسٌ في منزله في أعلى قصره إذ جاءه سهم عائر فسقط بين يديه فذُعِرَ المنصورُ منه ذُعْراً شديداً، ثم أخذه فجعل يقلّبه، فإذا مكتوبٌ عليه بين الرِّيشَتَيْنِ: [الوافر]
أَتَطْمَعُ في الحياة إلى التنادي ...
وتحسب أنّ ما لك مِنْ مَعَادِ
سَتُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِكَ وَالْخَطَايَا ...
وََتُسْأَلُ بَعْدَ ذَاكَ عَنِ الْعِبَادِ
ومن الجانب الآخر: [البسيط]
أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَيَّامِ إذْ حَسُنَتْ ...
وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وَسَاعَدَتْكَ اللَّيَالِي فاغتررت بِهَا ...
وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ
وفي الآخر: [البسيط]
هِيَ الْمَقَادِيرُ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا ...
فاصبر فَلَيْسَ لَهَا صَبْرٌ على حَالِ
يَوْماً تُرِيكَ خَسِيسَ القَوْمِ تَرْفَعُه ...
إلَى السَّمَاءِ وَيَوْماً تَخْفِضُ العَالِي
/ ثم قرأ على الجانب الآخر من السهم: [البسيط]
مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرَ لاَ يَأْمَنْ تَصَرُّفَهُ ...
يَوْماً فَلِلدَّهْرِ إحْلاَءٌ وإمرار
لِكُلِّ شَيْءٍ وَإنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ ...
إذَا انتهى مَدُّهُ لاَ بُدَّ إقْصَارُ
انتهى.
وقرأ حمزة «١» : «لنثوينهم من الجنة غرفا» : من أثوى يُثْوِي بمعنى: أقام.
وقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ...
الآية: تحريضٌ على الهجرة لأَن بعضَ المؤمنين فكَّر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة، وقالوا: غربةٌ في بلد لاَ دَارَ لنا فيه ولا عقار، ولا من يطعم، فمثل لهم بأَكثر الدواب التي لا تتقوت ولا تدخر، ثم قال تعالى: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ فقوله: لاَّ تَحْمِلُ يجوز أن يريدَ مِن الحَمْلِ، أي: لا تَنْتَقِلُ ولا تنظر في ادخاره.
قاله مجاهد «٢» وغيره.
«٣»
قال ع: والادِّخار ليسَ من خُلُق الموقنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لاِبْنِ عُمَرَ: «كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةِ منَ النَّاسِ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَةٍ بِضَعْف اليَقِينِ» «٤» ، ويجوز أن يريدَ من الحمالة أي: لا تتكفّل لنفسها.
قال الداوديّ: وعن علي بن الأقمر: لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي: لا تدخر شيئاً لغدٍ، انتهى.
وفي الترمذي عن عمر بْنِ الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً» «٥» .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ .
وَفِي [الأجَلِ] المُسَمّى أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أجَلُ الحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، وأجَلُ المَوْتِ إلى حِينِ البَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: مُدَّةُ أعْمارِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: يَوْمُ بَدْرٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نُهَيْكٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ولَتَأْتِيَنَّهم " بِالتّاءِ ﴿ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ أيْ: جامِعَةٌ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ ذُوقُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِالنُّونِ.
وقَرَأ نافِعٌ: بِالياءِ.
فَمَن قَرَأ بِالياءِ، أرادَ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِعَذابِهِمْ؛ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى جازَ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: جَزاءُ ما عَمِلْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: " فأتنا بِما تَعُدُّنا " وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْجالِهِمْ -عَلى جِهَةِ التَعْجِيزِ والتَكْذِيبِ- عَذابُ اللهِ تَعالى الَّذِي تَوَعَّدَهم مُحَمَّدٌ .
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، أيْ: فَجْأةً، وهَذا هو عَذابُ الدُنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ في السِنِينِ السَبْعِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تَأخُّرَهُ إنَّما هو حَسَبُ الأجَلِ المَقْدُورِ السابِقِ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ عَنِ الضِحاكِ: أنَّ الأجَلَ المُسَمّى بِهَذِهِ الآيَةِ الآجالُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ النَظَرُ، والآجالُ لا مَحالَةَ أجَلٌ مُسَمًّى، ولَكِنْ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها.
ثُمْ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ عَذابِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، كَرَّرَ فِعْلَهم وقُبْحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم إحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ.
وقالَ عِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ - أنَّ جَهَنَّمَ ها هُنا أرادَ بِها البَحْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَغْشاهُمُ ﴾ ظَرْفٌ يَعْمَلُ فِيهِ قَوْلُهُ: "مُحِيطٌ".
و"يَغْشاهُمْ" مَعْناهُ: يُغَطِّيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيَقُولُ"، أيْ: ويَقُولُ اللهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَنَقُولُ" بِالنُونِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ نُونَ العَظَمَةِ، أو نُونَ الجَماعَةِ، جَماعَةِ المَلائِكَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ" بِياءٍ وألِفٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ﴾ تَوْبِيخٌ، ويُشْبِهُ مَسَّ العَذابِ بِالذَوْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "ذُقْ عَقَقَ"، ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، أيْ: بِما في أعْمالِكم مِنَ اكْتِسابِكم.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربّه ﴾ [العنكبوت: 50] استقصاء في الرد على شبهاتهم وإبطالاً لتَعِلاَّت إعراضهم الناشئ عن المكابرة، وهم يخيلون أنهم إنما أعرضوا لعدم اقتناعهم بآية صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ومناسبة وقوعه هذا أنه لما ذكر كفرهم بالله وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينذرهم على ذلك بالعذاب وكانوا يستعجلونه به ذكر توركهم عليه عقب ذكر الكفر.
واستعجال العذاب: طلب تعجيله وهو العذاب الذي تُوعدوا به.
وقصدهم من ذلك الاستخفاف بالوعيد.
وتقدم الكلام على تركيب: ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير في سورة ﴾ [يونس: 11]، وقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة في سورة ﴾ [الرعد: 6].
والتعريف في (العذاب) تعريف الجنس.
وحُكي استعجالهم العذاب بصيغة المضارع لاستحضار حال استعجالهم لإفادة التعجيب منها كما في قوله تعالى: ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ [هود: 74].
وقد أبطل ما قصدوه بقوله: ﴿ ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ﴾ وذلك أن حلول العذاب ليس بيد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا جارياً على طلبهم واستبطائهم فإن الله هو المقدر لوقت حلوله بهم في أجل قدره بعلمه.
والمسمَّى أريد به المعيّن المحدود أي في علم الله تعالى.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى ﴾ في سورة [الحج: 5].
والمعنى: لولا الأجل المعين لحلول العذاب بهم لجاءهم العذاب عاجلاً لأن كفرهم يستحق تعجيل عقابهم ولكن أراد الله تأخيره لحِكَم عَلِمَها، منها إمهالهم ليؤمن منهم من آمن بعد الوعيد، وليعلموا أن الله لا يستفزه استعجالهم العذاب لأنه حكيم لا يخالف ما قدره بحكمته، حليم يمهل عباده.
فالمعنى: لولا أجل مسمى لجاءهم العذاب في وقت طلبهم تعجيله، ثم أنذرهم بأنه آتيهم بغتة وأن إتيانه محقق لما دل عليه لام القسم ونون التوكيد وذلك عند حلول الأجل المقدّر له.
وقد حل بهم عذاب يوم بدر بغتة كما قال تعالى: ﴿ ولو تَوَاعَدْتم لاختلفتم في الميعاد ﴾ [الأنفال: 42] فاستأصل صناديدهم يومئذ وسُقط في أيديهم.
وإذ قد كان الله أعد لهم عذاباً أعظم من عذاب يوم بدر وهو عذاب جهنم الذي يعم جميعهم أعقب إنذارهم بعذاب يوم بدر بإنذارهم بالعذاب الأعظم.
وأعيد لأجله ذكر استعجالهم بالعذاب معترضاً بين المتعاطفين إيماء إلى أن ذلك جواب استعجالهم فإنهم استعجلوا العذاب فأُنذروا بعذابين، أحدهما أعجل من الآخر.
وفي إعادة: ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تهديد وإنذار بأخذهم، فجملة: ﴿ وإن جهنم ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وليأتينهم بغتة ﴾ فهما عذابان كما هو مقتضى ظاهر العطف.
والإحاطة كناية عن عدم إفلاتهم منها.
والمراد ﴿ بالكافرين ﴾ المستعجلون، واستُحضروا بوصف الكافرين للدلالة على أنه موجب إحاطة العذاب بهم.
واستعمل اسم الفاعل في الإحاطة المستقبلة مع أن شأن اسم الفاعل أن يفيد الاتصاف في زمن الحال، تنزيلاً للمستقبل منزلة زمان الحال تنبيهاً على تحقيق وقوعه لصدوره عمن لا خلاف في إخباره.
ويتعلق: ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ ب (محيطة)، أي تحيط بهم يوم يغشاهم العذاب.
وفي قوله: ﴿ يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ تصوير للإحاطة.
والغشيان: التغطية والحجب.
وقوله: ﴿ من فوقهم ﴾ بيان للغشيان لتصويره تفظيعاً لحاله كقوله: ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38] وتأكيداً لمعنى الغشيان لرفع احتمال المجاز، فهو في موضع الحال من ﴿ العذاب ﴾ وهي حال مؤكدة.
وقوله: ﴿ ومِن تحت أرجلهم ﴾ احتراس عما قد يُوهمه الغشيان من الفوقية خاصة، أي تصيبهم نار من تحتهم تتوهج إليهم وهم فوقها، ولما كان معطوفاً على الحال بالواو وكان غير صالح لأن يكون قيداً ل ﴿ يغشاهم ﴾ لأن الغشيان هو التغطية فتقتضي العلو تعين تقدير فعل يتعلق به ﴿ من تحت أرجلهم ﴾ ، وهو أن يقدر عامل محذوف.
وقد عدّ هذا العمل من خصائص الواو في العطف أن تعطف عاملاً محذوفاً دل عليه معموله كقول عبد الله بن الزبعرى: يَا ليتَ زَوجككِ قد غدا *** متقلداً سيفاً ورمحا يريد: ومُمسكاً رمحاً لأن الرمح لا يتقلد يصلح أن يكون مفعولاً معه وأبو عبيدة والأصمعي والجرمي واليزيدي، ومن وافقهم يجعلون هذا من قبيل تضمين الفعل معنى فعل صالح للتعلق بالمذكور فيقدر في هذه الآية تضمين فعل ﴿ يغشاهم ﴾ معنى (يصيبهم) و(يأخذهم).
والمقصود من هذا الكناية عن أن العذاب محيط بهم، فلذلك لم يذكر الجانبان الأيمن والأيسر لأن الغرض من الكناية قد حصل.
والمقام مقام إيجاز لأنه مقام غضب وتهديد بخلاف قوله تعالى: ﴿ ثم لآتِيَنَّهم من بين أيديهم ومن خلفِهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ [الأعراف: 17] لأنه حكاية لإلحاح الشيطان في الوسوسة.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿ ويقول ﴾ بالياء التحتية والضمير عائد إلى معلوم من المقام.
فالتقدير: ويقول الله.
وعدل عن ضمير التكلم على خلاف مقتضى الظاهر على طريقة الالتفات على رأي كثير من أيمة البلاغة، أو يقدر: ويقول الملك الموكل بجهنم، أو التقدير: ويقول العذاب، بأن يجعل الله للنار أصواتاً كأنها قول القائل: ﴿ ذوقوا ﴾ .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالنون وهي نون العظمة.
ومعنى: ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ جزاؤه لأن الجزاء لما كان بقدر المجزي أطلق عليه اسمه مجازاً مرسلاً أو مجازاً بالحذف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اسْتِعْجالَهم لَهُ شِدَّةُ عِنادِهِمْ لِنَبِيِّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْتِهْزاؤُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ الآيَةَ.
﴿ وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أجَلُ الحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ وأجَلُ المَوْتِ إلى حِينِ البَعْثِ إلَيْهِ بَيْنَ أجَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ لَجاءَهُمُ العَذابُ ﴾ يَعْنِي الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ.
﴿ وَلَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ لا يَعْلَمُونَ بِنُزُولِهِ بِهِمْ.
رَوى نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «تَقُومُ السّاعَةُ والرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَما تَصِلُ إلى فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ قال: قال ناس من جهلة هذه الأمة ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ قال: يوم بدر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ قال: جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، ويكون فيه الشمس والقمر، ثم تستوقد، ثم يكون هو جهنم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وإن جهنم لمحيطة ﴾ قال: البحر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ قال: النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: هذا مثل قوله: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ وقوله: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ﴾ الآية [الزمر: 16] (١) وقوله: ﴿ وَيَقُولُ ﴾ الموكل بعذابهم، يقول لهم (٢) ﴿ ذُوقُوا ﴾ ومن قرأ بالنون (٣) تنبيه: تكليم الله تعالى لعباده في الآخرة ثابت بنصوص كثيرة في الكتاب والسنة، يكلمهم الله تعالى للحساب والجزاء، ويستوي في هذا الخلق كلهم إلا أقوامًا شاء الله تعالى أن يحرمهم ذلك، تنكيلًا وزيادة في العذاب؛ فمن الأدلة على عموم التكليم وشموله قول الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ﴾ ومن السنة، قول النبي - -: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان" الحديث أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم (7443)، "فتح الباري" 13/ 423، ومسلم 2/ 703، رقم (1016).
ومن الأدلة على حرمان أقوام من تكليم الله لهم، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ومن السنة قول النبي - -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب اليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر".
أخرجه مسلم 1/ 102، كتاب: الإيمان، رقم (107)، والنسائي 5/ 86، كتاب الزكاة، رقم (2562).
وتكليم الله تعالى لأهل النار في هذه الآية ﴿ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ توبيخ وتقريع لأهل النار؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ الآيات [المؤمنون: 108 - 111].
والله أعلم.
ملخص من: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية 13/ 131، وما بعدها.
"ودرء تعارض العقل والنقل" 2/ 141، وما بعدها.
و"العقيدة السلفية في كلام رب البرية" تأليف: يوسف الجديع.
ص: 90، وما بعدها.]].
وقيل: ﴿ ذُوقُوا ﴾ لوصول الألم إلى المعذب، كوصول الذوق إلى الذائق.
ومعنى: ﴿ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: جزاء، كما قال: دونك ما جنيتَه فاحسُ وذُق (٤) ﴿ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ من الكفر والتكذيب والافتراء على الله (٥) (١) "تفسير مقاتل" 74 ب، حيث ذكر الآية الثانية.
(٢) يقول لهم مكررة في نسخة: (ب).
وفي "تفسير مقاتل" 74 ب: يقول الخزنة لهم.
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿ وَنَقُولُ ﴾ بالنون، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿ وَيَقُولُ ﴾ بالياء.
"السبعة في القراءات" 501، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 436، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 436، بنصه.
ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: لم نعثر عليه.
(٥) "تفسير مقاتل" 75 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب ﴾ أي يحيط بهم، والعامل في الظرف محذوف أو محطيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.
﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.
الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.
وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.
وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.
وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.
ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.
قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.
والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.
وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.
وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...
ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.
وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو واحد لا شريك له.
وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين كثرة.
وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي .
أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.
وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.
وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.
والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.
وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.
والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.
فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .
"وروي أن رسول الله قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.
فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .
وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.
واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.
وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله كما قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟
وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟
وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.
واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.
وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.
وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.
وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".
ثم إن الله كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.
ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.
وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.
وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.
وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.
وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.
قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.
وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.
والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.
وعن النبي "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .
ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.
﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.
واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.
فإذا قيل له: لم؟
قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.
فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.
فالله ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.
وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.
ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.
أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.
ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.
سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.
ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.
ولما بين الدليل من جانب النبي ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.
وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.
ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟
﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.
وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.
﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟
فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.
فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟
قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.
قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.
ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.
وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.
ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.
وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.
وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.
والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.
وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.
وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.
ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.
وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.
وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.
ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .
واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.
والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.
والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.
ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.
ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.
وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.
فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.
ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.
﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.
وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.
والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.
ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.
وقال المفسرون: لما أمر رسول الله من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.
ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.
﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.
عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.
وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.
وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!
﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.
ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟
فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.
ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.
وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.
ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.
ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.
وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.
واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.
قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.
ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.
ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.
ويحتمل أن يقال: إنه قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد" وفي "الحديد".
وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".
فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.
"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.
وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.
ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.
ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.
ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.
ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.
ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "القصص".
ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.
فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.
وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟
وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.
وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.
فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟
وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟
وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.
ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.
وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.
وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.
فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.
والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.
﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.
فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.
سأل موسى : إلهي أين أطلبك؟
فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.
ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.
ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.
ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.
قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ وفي بعض القراءات: ﴿ ءاية من ربه ﴾ على الوحدان؛ فكأنهم سألوه مرة آية؛ كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً ﴾ وإنما ينزل إذا شاء بعد السؤال، ومرة سألوه آيات؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ ، وكقولهم: ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً...
﴾ الآية [الإسراء: 91] ، ونحوها من الآيات التي سألوها، فمرّة سألوه آيات، ومرة سألوه آية، فقول من قال: أختار قراءة ﴿ آيَاتٌ ﴾ على قراءة ﴿ ءاية ﴾ ) محال إذا ثبت أنه قراءة، فأخبر - عز وجل - على ما كان منهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ أي: من عنده تجيء الآيات؛ فكأنهم سألوه آيات قاهرة تقهرهم وتضطرهم على القبول والإقبال إليه الآيات يكون في ذلك وجه الاختيار، لكن سؤال عناد ومكابرة، لا سؤال استرشاد واستهداء فقال: إن الله قد عفا عن هذه الأمة عن إنزال ما به هلاكهم على أثر سؤال العناد والمكابرة، وإن كان في غيرها من الأمم السالفة ينزل عليهم الهلاك والعذاب على إثر سؤال العناد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: وإنما أنا نذير من الله مبين: أن الله أمرني بذلك وأرسلني إليكم.
والثاني: ﴿ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: ليس عليَّ إلا الإنذار لكم أبين النذارة، فأمَّا غير ذلك فليس عليّ؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، ونحوه.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ هذا يدل أنهم إنما سألوا سؤال عناد واستهزاء، لا سؤال استرشاد؛ حيث قال: إن فيما أنزل عليهم من الكتاب كفاية لمن كانت همته الاسترشاد والإنصاف، فأما من كانت همته العناد والمكابرة فلا.
﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً ﴾ أي: فيما أنزل من الكتاب عليك لرحمة، أي: رشد ﴿ وَذِكْرَىٰ ﴾ : عظة ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً ﴾ هذا يقال لوجهين: أحدهما: عند الإياس من قبول الحجج والآيات يقول: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ أي: حاكماً ﴿ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أينا على الحق؟
وأينا على الضلال نحن أو أنتم؟!.
والثاني: ﴿ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ : عالماً في تبليغ ما أمرت بتبليغه إليكم وإتيان ما آتيتكم به من الآيات والحجج ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ﴾ كأن استعجالهم وسؤالهم الآيات على علم منهم أنّه لا ينزل ولا يأتيهم - يخرج مخرج الاستهزاء بالرسل والتمويه والتلبيس على الأتباع والضعفاء؛ لأنهم يعلمون أن الله لا يعذب ولا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال وانتقام كما أهلك الأمم المتقدمة بالعناد والاستهزاء بالرسل؛ إذ قد أمهلهم إلى وقت، فإن علموا ذلك من الإمهال والتأخير سألوا الرسول العذاب الذي أوعدهم والآيات القاهرة، ووعدوا الإيمان لو جاءهم، وأقسموا على ذلك بقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 109]؛ تمويهاً وتلبيساً على أتباعهم وضعفائهم يرونهم أنهم على حق في الإيمان فيما يدعوهم الرسول، وأنه لو أتى بآية وحجة يؤمنون به ويتبعونه، وهم فيما يسألون من الآيات والعذاب عالمون أنهم معاندون كذبة متمردون ملبسون مموهون على الأتباع والسفلة؛ لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً...
﴾ الآية.
فإن قال لنا ملحد: إنه حيث أخّر عنهم العذاب وأمهلهم علم منهم أنهم يستعجلون، أو لم يعلم ذلك، فإن قلت: على غير علم منهم فقد أثبت الجهل له، وإن قلت: على علم منهم ذلك فكيف أمهل ذلك وقد علم ما يكون منهم؟
قيل: إمهاله العذاب عنهم وضرب الأجل رحمة منه لهم وفضل؛ كأنه قال: ولولا رحمته التي جعل لهم على نفسه لجاءهم العذاب كما جاء الأمم الخالية عند سؤالهم الرسل العذاب والآيات بالعناد والاستهزاء، وهو كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ حيث لم يستأصلهم كما استأصل أولئك.
وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ ﴾ أي: عذاب جهنم محيط يومئذٍ بالكافرين، أو النار محيطة بالكافرين.
وجائز أن يكون: أي: يستعجلونك بالعذاب، وإن أعمال أهل جهنم وأسبابها التي توجب لهم جهنم محيطة بهم؛ كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ أي: ما أصبرهم على الأعمال والأسباب التي توجب لهم النار، وإلا لا أحد يصبر على النار؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: أسباب جهنم وأعمالهم التي توجب لهم جهنم والنار محيطة بهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ - ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
يوم يُغَطِّيهم العذاب من فوقهم، ويكون فراشًا لهم من تحت أرجلهم، ويقول لهم الله توبيخًا لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الشرك والمعاصي.
<div class="verse-tafsir" id="91.P2Lg0"