الآية ٦٤ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٦٤ من سورة العنكبوت

وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌۭ وَلَعِبٌۭ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها ، وأنها لا دوام لها ، وغاية ما فيها لهو ولعب : ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) أي : الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء ، بل هي مستمرة أبد الآباد .

وقوله : ( لو كانوا يعلمون ) أي : لآثروا ما يبقى على ما يفنى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) يقول تعالى ذكره: ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) التي يتمتع منها هؤلاء المشركون ( إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ) يقول: إلا تعليل النفوس بما تلتذّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريب، لا بقاء له ولا دوام ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) يقول: وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) حياة لا موت فيها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قالا ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد، قوله: (لَهِيَ الحَيَوانُ) قال: لا موتَ فيها.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) يقول: باقية.

وقوله: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) يقول: لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن ذلك كذلك، لقَصَّروا عن تكذيبهم بالله، وإشراكهم غيره في عبادته، ولكنهم لا يعلمون ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب أي شيء يلهى به ويلعب .

أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول ; كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات .

قال بعضهم : الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها .

وأنشد :تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت وتحدث من بعد الأمور أمور وتجري الليالي باجتماع وفرقةوتطلع فيها أنجم وتغور فمن ظن أن الدهر باق سرورهفذاك محال لا يدوم سرور عفا الله عمن صير الهم واحداوأيقن أن الدائرات تدورقلت : وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى كما قال : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام أي ما ابتغي به ثوابه ورضاه وإن الدار الآخرة لهي الحيوان أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها .

وزعم أبو عبيدة : أن الحيوان والحياة والحي بكسر الحاء واحد .

كما قال :وقد ترى إذ الحياة حيوغيره يقول : إن الحي جمع على فعول مثل عصي .

والحيوان يقع على كل شيء حي .

و ( حيوان ) عين في الجنة .

وقيل : أصل ( حيوان ) حييان فأبدلت إحداهما واوا ; لاجتماع المثلين لو كانوا يعلمون أنها كذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } في الحقيقة { إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ } تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل اللّه فيها من الزينة واللذات، والشهوات الخالبة للقلوب المعرضة، الباهجة للعيون الغافلة، المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران.وأما الدار الآخرة، فإنها دار { الحيوان } أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات، من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان، من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

{ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا، لما يعلمونه من حالة الدارين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ) اللهو هو : الاستمتاع بلذات الدنيا ، واللعب : العبث ، سميت بهما لأنها فانية .

( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) أي : الحياة الدائمة الباقية ، و " الحيوان " : بمعنى الحياة ، أي : فيها الحياة الدائمة ( لو كانوا يعلمون ) فناء الدنيا وبقاء الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما هذه الحياة الدنيا إلا لهوٌ ولعب» وأما القرَب فمن أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها «وإن الدار الآخرة لهي الحيوان» بمعنى الحياة «لو كانوا يعلمون» ذلك ما آثروا الدنيا عليها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، تلهو بها القلوب وتلعب بها الأبدان؛ بسبب ما فيها من الزينة والشهوات، ثم تزول سريعًا، وإن الدار الآخرة لهي الحياة الحقيقية الدائمة التي لا موت فيها، لو كان الناس يعلمون ذلك لما آثروا دار الفناء على دار البقاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - هو إن هذه الحياة الدنيا ، بالنسبة للدار الآخرة فقال : ( وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) .واللهو : اشتغال الإِنسان بما لا يعنيه ولا يهمه .

أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا .واللعب : العبث .

وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح .أى : أن هذه الحياة الدنيا ، وما فيها من حطام ، تشبه فى سرعة انقضائها وزوال متعها ، الأشياء التى يلهو بها الأطفال ، يجتمعون عليها وقتاً ، ثم ينفضون عنها .أما الدار الآخرة ، فهى دار الحياة الدائمة الباقية ، التى لا يعقبها موت ، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء .ولفظ " الحيوان " مصدر حى .

سمى به ذو الحياة ، والمارد به هنا : نفس الحياة الحقة .وقوله : ( لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) أى : لو كانوا يعلمون حق العلم ، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين أنهم يعترفون بكون الله هو الخالق وكونه هو الرزاق وهم يتركون عبادته ولا يتركونها إلا لزينة الحياة الدنيا بين أن ما يميلون إليه ليس بشيء بقوله: ﴿ وَمَا هذه الحياة الدنيا إِلاَّ لَهْوٌ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما الفرق بين اللهو واللعب، حتى يصح عطف أحدهما على الآخر؟

فنقول الفرق من وجهين: أحدهما: أن كل شغل يفرض، فإن المكلف إذا أقبل عليه لزمه الإعراض عن غيره ومن لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى، فالذي يقبل على الباطل للذة يسيرة زائلة فيه يلزمه الإعراض عن الحق فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، فالدنيا لعب أي إقبال على الباطل، ولهو أي إعراض عن الحق الثاني: هو أن المشتغل بشيء يرجح ذلك الشيء على غيره لا محالة حتى يشتغل به، فإما أن يكون ذلك الترجيح على وجه التقديم بأن يقول أقدم هذا وذلك الآخر آتي به بعده أو يكون على وجه الاستغراق فيه والإعراض عن غيره بالكلية فالأول لعب والثاني لهو، والدليل عليه هو أن الشطرنج والحمام وغيرهما مما يقرب منهما لا تسمى آلات الملاهي في العرف، والعود وغيره من الأوتار تسمى آلات الملاهي لأنها تلهي الإنسان عن غيرها لما فيها من اللذة الحالية، فالدنيا للبعض لعب يشتغل به ويقول بعد هذا الشغل أشتغل بالعبادة والآخرة، وللبعض لهو يشتغل به وينسى الآخرة بالكلية.

المسألة الثانية: قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَمَا الحياة الدنيا  ﴾ ولم يقل وما هذه الحياة وقال هاهنا: ﴿ وَمَا هذه ﴾ فنقول لأن المذكور من قبل هاهنا أمر الدنيا، حيث قال تعالى: ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا  ﴾ فقال هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال: ﴿ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ  ﴾ فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال: ﴿ وَمَا الحياة الدنيا ﴾ .

المسألة الثالثة: قال هناك: ﴿ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ فنقول لما كان المذكور هناك من قبل الآخرة وإظهارهم للحسرة، ففي ذلك الوقت يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخر الأبعد، وأما هاهنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها والاستغراق فيها، اللهم إلا لمانع يمنعه من الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق فيها، ولعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلاً، فكان هاهنا الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو.

المسألة الرابعة: قال هناك: ﴿ وَلَلدَّارُ الأخرة خَيْرٌ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وَإِنَّ الدار الأخرة لَهِىَ الحيوان ﴾ فنقول لما كان الحال هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى رادع قوي فقال: ﴿ الآخرة خير ﴾ ، ولما كان هاهنا الحال حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى رادع قوي فقال لا حياة إلا حياة الآخرة، وهذا كما أن العاقل إذا عرض عليه شيئان فقال في أحدهما هذا خير من ذلك يكون هذا ترجيحاً فحسب، ولو قال هذا جيد وهذا الآخر ليس بشيء يكون ترجيحاً مع المبالغة فكذلك هاهنا بالغ لكون المكلف متوغلاً فيها.

المسألة الخامسة: قال هناك: ﴿ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ  ﴾ ولم يقل هاهنا إلا ﴿ لهي الحيوان ﴾ ، لأن الآخرة خير للمتقي فحسب أي المتقي عن الشرك، وأما الكافر فالدنيا جنته فهي خير له من الآخرة، وأما كون الآخرة باقية فيها الحياة الدائمة فلا يختص بقوم دون قوم.

المسألة السادسة: كيف أطلق الحيوان على الدار الآخرة مع أن الحيوان نام مدرك؟

فنقول الحيوان مصدر حي كالحياة لكن فيها مبالغة ليست في الحياة والمراد بالدار الآخرة هي الحياة الثانية، فكأنه قال الحياة الثانية هي الحياة المعتبرة أو نقول لما كانت الآخرة فيها الزيادة والنمو كما قال تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ  ﴾ وكانت هي محل الإدراك التام الحق كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر  ﴾ أطلق عليها الاسم المستعمل في النامي المدرك.

المسألة السابعة: قال في سورة الأنعام: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ وذلك لأن المثبت هناك كون الآخرة خيراً وأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت هاهنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة، وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هذه ﴾ فيها ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها، وكيف لا يصغرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة.

يريد: ما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون ﴿ وَإِنَّ الدار الاخرة لَهِىَ الحيوان ﴾ أي ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة.

والحيوان: مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واواً، كما قالوا: حيوة، في اسم رجل، وبه سمى ما فيه حياة: حيوانا كما قالوا: اشتر من الموتان ولا تشتر من الحيوان.

وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، كالنزوان والنغصان واللهبان، وما أشبه ذلك.

والحياة: حركة، كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ فلم يؤثروا الحياة الدنيا عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ إشارَةُ تَحْقِيرٍ وكَيْفَ لا وهي لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ.

﴿ إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ ﴾ إلّا كَما يَلْهى ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَبْتَهِجُونَ بِهِ ساعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ مُتْعَبِينَ.

﴿ وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ ﴾ لَهي دارُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ لِامْتِناعِ طَرَيانِ المَوْتِ عَلَيْها، أوْ هي في ذاتِها حَياةٌ لِلْمُبالَغَةِ، والحَيَوانُ مَصْدَرُ حِينَ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ وأصْلُهُ حَيَيانِ فَقُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ واوًا وهو أبْلَغُ مِنَ الحَياةِ لِما في بِناءِ فَعَلانِ مِنَ الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ اللّازِمِ لِلْحَياةِ ولِذَلِكَ اخْتِيرَ عَلَيْها ها هُنا.

﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ لَمْ يُؤْثِرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الحَياةِ والحَياةُ فِيها عارِضَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)

{وَمَا هذه الحياة الدنيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون وفيه ازدراء بالدنيا وتصغير لأمرها وكيف لا تضرها وهى لا تزن عنده جناح بعوضة واللهو ما يتلذذ به الإنسان فيلهيه ساعة ثم ينقضي {وَإِنَّ الدار الآخرة لهي الحيوان} أى الحياة ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة لا موت فيها فكأنها في ذاتها حياة والحيوان مصدر حي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية

واواً ولم يقل لهي الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب والحياة حركة والموت سكون فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة معنى الحياة ويوقف على الحيوان لأن التقدير {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} حقيقة الدارين لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي ولو وصل لصار وصف الحيوان معلقاً بشرط علمهم ذلك وليس كذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ إشارَةُ تَحْقِيرٍ، وكَيْفَ لا، والدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ.

فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ»» .

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: (الدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْها كَلْبٌ بِيَدِ مَجْذُومٍ)، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ حَقارَةُ ما فِيها مِنَ الحَياةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ﴿ إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ ﴾ أيْ إلّا كَما يَلْهُو ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَبْتَهِجُونَ بِهِ ساعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ﴿ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ ﴾ أيْ لَهي دارُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ إذْ لا يَعْرِضُ المَوْتُ والفَناءُ لِمَن فِيها، أوْ هي ذاتُها حَياةٌ لِلْمُبالَغَةِ، ( والحَيَوانُ ) مَصْدَرُ حَيِيَ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ في غَيْرِ هَذا المَحَلِّ، وأصْلُهُ حَيَيانٌ فَقُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ واوًا عَلى خِلافِ القِياسِ فَلامَهُ ياءٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ.

وقِيلَ: إنَّ لامَهُ واوٌ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الكَلِمَةِ، وإلى حَياةٍ عَلَمِ رَجُلٍ، ولا حُجَّةَ عَلى كَوْنِهِ ياءً في حَيٍّ، لِأنَّ الواوَ في مِثْلِهِ تُبْدَلُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، نَحْوُ: شَقِيٍّ مِنَ الشِّقْوَةِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الحَياةِ لِما في بِناءِ فَعْلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ اللّازِمِ لِلْحَياةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ عَلَيْها في هَذا المَقامِ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ عَلِمْتَها في وصْفِ الحَياةِ الدُّنْيا المُقابِلَةِ لِلدّارِ الآخِرَةِ ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الحَياةِ، ثُمَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الحَياةِ فِيها عارِضَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ، وكَوْنُ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ يعني: باطل وَلَعِبٌ كلعب الصبيان، ولهو كلهو الشبان.

ويقال: فرح لا يبقى للخلق ولا يبقى فيها إلا العمل الصالح.

روى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إن الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاها أو عالماً أو متعلماً» وروي عن النبيّ  أنه مرّ بسخلة ميتة فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ للدُّنْيَا على الله أهْوَنُ مِنْ هذه السَّخْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا» وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يعني: هي دار الحياة لا موت فيها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يصدقون بثواب الله عز وجل.

ثم قال: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ يعني: في السفن دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: موحدين وتركوا دعاء أصنامهم، ويعلمون أنه لا يجيبهم أحد إلا الله تعالى.

فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ به.

قوله عز وجل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يعني: ما أعطيناهم من النّعم وَلِيَتَمَتَّعُوا قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع في رواية ورش: وَلِيَتَمَتَّعُوا بكسر اللام، وقرأ الباقون بالجزم.

فمن قرأ بالكسر، فمعناه: لكي يتمتعوا، لأن الكلام عطف على ما قبله يعني: يشركون لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا في الدنيا.

ومن قرأ بالجزم فهو على معنى التهديد والتوبيخ بلفظ الأمر، وتشهد له قراءة أبيَّ كان يقرأ تمتعوا فسوف تعلمون ومعناه وليتمتعوا، يعني: وليعيشوا فسوف يعلمون إذا نزل بهم العذاب.

ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا يعني: أو لم يعلموا ليعتبروا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يعني: يختلس الناس فيقتلون ويسبون وهم آمنون يأكلون رزقي ويعبدون غيري، فكيف أسلط عليهم إذا أسلموا.

أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يعني: أفبالشيطان يصدقون أن لي شريكاً.

ويقال: أفبالأصنام يؤمنون وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ يعني: ويخالق هذه النعمة ورسوله يجحدون.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكاً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن لَمَّا جاءَهُ أي حين جاءه أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ أي مقاما للكافرين كما قال فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7] .

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني: رغبوا في طاعتنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا يعني: لنعرفنهم طريقنا، ويقال: معناه لنرشدنهم طريق الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يعني: في العون لهم ويقال: والذين عملوا بما علموا لنوفقنهم لما لم يعلموا، - والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١) [الجزء الثالث] (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم خاطب تعالى في أمر الكفار وإقامة الحجة عليهم، بأَنهم إن سُئِلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، ويُؤْفَكُونَ معناه:

يصرفون.

وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)

وقوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وصفَ اللهُ تعالى الدنيا في هذه الآيةِ بأنها لهوٌ ولعب، أي: ما كان منها لغير وجه الله تعالى وأما مَا كان للَّه تعالى فهو من الآخرة، وأما أمورُ الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قِوَامُ العَيْشِ، والقوةُ على الطاعات فإنما هي لهو ولعب، وتأملْ ذلك في الملابِس والمطاعِم، والأقوال، والمكتسبات، وغير ذلك، وانظر أن حالةَ الغني والفقير من الأمور الضرورية واحدة:

كالتنفسِ في الهواء، وسد الجوع، وستر العورة، وتَوَقِّي الحر والبرد هذه عظم أمر العيش والْحَيَوانُ والْحَياةُ بمعنًى، والمعَنى: لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن «١» ، ويقال: أصله: حييان فأبدلت إحداهما واواً لاجتماع المِثْلَين.

ثم وقَفَهُمْ تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم ونسيانهم عند ذلك للأصنام، وغيرها، على ما تقدم بيانه في غير هذا الموضع: ولِيَكْفُرُوا نصبٌ ب «لام كي» ثم عدَّد تعالى على كَفَرَةِ قريش نعمتَه عليهم في الحَرَمِ و «المثوى» : موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآية في غايةِ الاقْتِضَابِ والإيجاز وجمع المعاني.

ثم ذكر تعالى حالَ أوليائه والمجاهدين فيه.

وقوله: فِينا معناه: في مرضاتنا وبغيةِ ثوابِنا.

قال السدي وغيره: نزلت هذه الآيةُ قبل فَرضِ «٢» القتال.

قال ع «٣» : فهي/ قَبْلَ الجهادِ العَرْفي وإنما هو جِهَاد عامُّ في دين الله وطلب ٦٤ ب مرضاته.

قال الحسن بن أبي الحسن «١» : الآيةُ في العُبَّادِ.

وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما علموا «٢» .

وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدو فقط بل هو نَصْرُ الدِّين والردُّ على المبطلينَ وقمعُ الظالمينَ وأعظمُه الأمر بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، ومنه مجاهدةُ النفوسِ في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر قاله الحسن «٣» وغيره، وفيه حديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم «رَجَعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ» «٤» و «السُّبل» هنا يحتملُ أن تكونَ طُرَقَ الجنةِ ومَسَالِكَهَا، ويحتملُ أن تكونَ سبلَ الأعمال المؤَدِّيَةِ إلى الجنةِ، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النيّة في الأعمال، وحب التَزَيُّدِ والتَفَهُّمِ، وهو أن يُجَازَى العبدُ عَلى حَسَنَةٍ بازدياد حسنةٍ وبعلمٍ يَنْقَدِحُ مِن عِلْمٍ متقدمٍ.

قال ص: وَالَّذِينَ جاهَدُوا: مبتدأ خبرُه القسمُ المحذوفُ، وجوابُه وهو:

لَنَهْدِيَنَّهُمْ، انتهى.

وقال الثعلبي: قال سهل بن عبد الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في إقامة السنة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الجنة انتهى.

واللام في قوله لَمَعَ لام تأكيد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ ﴾ والمَعْنى: وما الحَياةُ في هَذِهِ الدُّنْيا إلّا غُرُورٌ يَنْقَضِي عَنْ قَلِيلٍ ﴿ وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ ﴿ لَهِيَ الحَيَوانُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اللّامُ في " لَهي " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والحَيَوانُ والحَياةُ واحِدٌ؛ والمَعْنى: لَهي دارُ الحَياةِ الَّتِي لا مَوْتَ فِيها، ولا تَنْغِيصَ يَشُوبُها كَما يَشُوبُ الحَياةَ الدُّنْيا ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لَوْ عَلِمُوا لَرَغِبُوا عَنِ الفانِي في الباقِي، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: أفْرَدُوهُ بِالدُّعاءِ.

قالَ مُقاتِلٌ والدِّينُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ؛ والمَعْنى أنَّهم لا يَدْعُونَ مَن يَدْعُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ﴿ فَلَمّا نَجّاهُمْ ﴾ أيْ: خَلَّصَهم مِن أهْوالِ البَحْرِ، وأفْضَوْا ﴿ إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ في البَرِّ، وهَذا إخْبارٌ عَنْ عِنادِهِمْ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ والمَعْنى: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في إنْجائِهِ إيّاهم ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِإسْكانِ اللّامِ عَلى مَعْنى الأمْرِ؛ والمَعْنى: لِيَتَمَتَّعُوا بِباقِي أعْمارِهِمْ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ.

وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ اللّامِ في " لِيَتَمَتَّعُوا "، فَجَعَلُوا اللّامَيْنِ بِمَعْنى " كَيْ "، فَتَقْدِيرُهُ: لِكَيْ يَكْفُرُوا، ولِكَيْ يَتَمَتَّعُوا، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إذا هم يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا ولِيَتَمَتَّعُوا، أيْ: لا فائِدَةَ لَهم في الإشْراكِ إلّا الكُفْرُ والتَّمَتُّعُ بِما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ في العاجِلَةِ مِن غَيْرِ نَصِيبٍ لَهم في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى الدُنْيا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها لَهْوٌ ولَعِبٌ، أيْ: ما كانَ مِنها لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ تَعالى، فَإنَّ ما كانَ لِلَّهِ تَعالى فَهو مِنَ الآخِرَةِ، وأمّا أُمُورُ الدُنْيا الَّتِي هي زائِدَةٌ عَلى الضَرُورِيِّ الَّذِي بِهِ قِوامُ العَيْشِ والقُوَّةِ عَلى الطاعاتِ فَإنَّما هو لَهْوٌ ولَعِبٌ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ في المَلابِسِ والمَطاعِمْ والمَشارِبِ والأقْوالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وانْظُرْ إلى حاجَةِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ في الأُمُورِ الضَرُورِيَّةِ فَإنَّها واحِدَةٌ، كالتَنَفُّسِ في الهَواءِ، وسَدِّ الجُوعِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ، وتَوَقِّي الحَرِّ والبَرْدِ، وهَذِهِ كُلُّها عِظَمُ أمْرِ العَيْشِ.

و"الحَيَوانُ" والحَياةُ بِمَعْنًى، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مَصْدَرٌ كالهَيَمانِ ونَحْوِهِ، والمَعْنى: لا مَوْتَ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو حَسَنٌ.

وأصْلُهُ: حَيَيانُ، فَأُبْدِلَتْ إحْداهُما واوًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.

ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى حالِهِمْ في البَحْرِ عِنْدَ الخَوْفِ العَظِيمِ، فَإنَّ كُلَّ بَشَرٍ يَنْسى كُلَّ صَنَمٍ وغَيْرِهِ، ويَتَمَسَّكُ بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى ذِكْرِ أصْنامِهِمْ وتَعْظِيمِها، وقَوْلُهُ: ﴿ لِيَكْفُرُوا ﴾ نُصِبَ بِلامِ كَيْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ: "وَلِيَتَمَتَّعُوا" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَلِتَتَمَتَّعُوا" بِسُكُونِ اللامِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ الَّتِي هي لِلْوَعِيدِ والتَهْدِيدِ، والواوُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ لا عاطِفَةٌ فِعْلًا عَلى فِعْلٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَلَسَوْفَ" بِاللامِ.

ثُمْ عَدَّدَ تَعالى عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الحَرَمِ في أنَّهُ جَعَلَهُ لَهم آمِنًا لا خَوْفَ فِيهِ مِن أحْوالِ العَرَبِ وعاداتِهِمْ وسُوءِ أفْعالِهِمْ مِنَ القَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ هو "التَخَطُّفُ" الَّذِي كانَ الناسُ بِسَبِيلِهِ، ثُمْ قَرَّرَهم -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِاللهِ وبِنِعْمَتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وكَذَلِكَ "يَكْفُرُونَ"، وقَرَأهُما بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الكلام مبلَّغ إلى الفريقين اللذين تضمنهما قوله تعالى: ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ [العنكبوت: 63] فإن عقلاءهم آثروا باطل الدنيا على الحق الذي وضح لهم، ودهماءهم لم يشعروا بغير أمور الدنيا، وجميعهم أنكروا البعث فأعقب الله ما أوضحه لهم من الدلائل بأن نبههم على أن الحياة الدنيا كالخيال وأن الحياة الثانية هي الحياة الحق.

والمراد بالحياة ما تشتمل عليه من الأحوال وذلك يسري غلى الحياة نفسها.

واللهو: ما يلهو به الناس، أي يشتغلون به عن الأمور المكدرة أو يعْمرون به أوقاتهم الخلية عن الأعمال.

واللعب: ما يقصد به الهزل والانبساط.

وتقدم تفسير اللعب واللهو ووجه حصر الحياة الدنيا فيهما عند قوله تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ في سورة الأنعام [32].

والحصر: ادعائي كما تقدم.

وقد زادت هذه الآية بتوجيه اسم الإشارة إلى الحياة وعهي إشارة تحقير وقلة اكتراث، كقول قيس بن الخطيم مشيراً إلى الموت: متى يأت هذا الموتُ لا يُلف حَاجة *** لنفسيَ إلا قَد قضيتُ قضاءها ولم توجه الإِشارة إلى الحياة في سورة الأنعام.

ووجه ذلك أن هذه الآية لم يتقدم فيها ما يقتضي تحقير الحياة فجيء باسم الإِشارة لإفادة تحقيرها، وأما آية سورة الأنعام فتقدم قوله: ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما قرطنا فيها ﴾ [الأنعام: 31] فذُكر لهم في تلك الآية ما سيظهر لهم إذا جاءتهم الساعة من ذهاب حياتهم الدنيا سُدى.

وأمر تقديم ذكر اللهو هنا وذكر اللعب في سورة الأنعام فلأن آية سورة الأنعام لم تشتمل على اسم إشارة يقصد منه تحقير الحياة الدنيا فكان الابتداء بأنها لعب مشيراً إلى تحقيرها لأن اللعب أعرق في قلة الجدوى من اللهو.

ولما أشير في هذه الآية إلى الحياة الآخرة في قوله ﴿ فأحيا به الأرض من بعد موتها ﴾ [العنكبوت: 63] زاده تصريحاً بأن الحياة الآخرة هي الحياة الحق فصيغ لها وزن الفعلان الذي هو صيغة تنبئ عن معنى التحرك توضيحاً لمعنى كمال الحياة بقدر المتعارف، فإن التحرك والاضطراب أمارة على قوة الحيوية في الشيء مثل الغليان واللهبان.

وهم قد جهلوا الحياة الآخرة من أصلها فلذلك قالوا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ .

وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف دليله ما تقدم، أو هو الجواب مقدّماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: " إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ " قالَ الضَّحّاكُ: الحَياةُ الدّائِمَةُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَيَوانُ والحَياةُ واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ قال: باقية.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ لهي الحيوان ﴾ قال: الحياة الدائمة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الحيوان، وهو يسعى لدار الغرور!» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا ركبوا في الفلك...

﴾ قال: الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال: ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسيبدو لكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ يعني: الحياة في هذه الدار ﴿ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب (¬7).

﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ لهي دار الحياة لا موت فيها (١) (٢) (٣) وقال الفراء: لهي الحياة حياة لا موت فيها (٤) (٥) وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: ﴿ الْحَيَوَانُ ﴾ الحياة (٦) قال أبو علي: قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي واحد، فهذه على ما حكاه أبو عبيدة مصادر (٧) (٨) والحيوان: كالفوران (٩) (١٠) (١١) (١٢) كنا بها إذِ الحَياة حِيُّ (١٣) فهذا (١٤) وقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وتحتَ رَحلي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ (١٩) فهذا أظهر من أن يقال له وصف بالمصدر، فأما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها، أي: فتلك الحياة هي الحياة لا التي يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدر على هذا.

ويجوز أن يكون الحيوان الذي هو خلاف المَوَتان، وقيل للدار الآخرة: الحيوان؛ لأنها لا تزول ولا تبيد كما تبيد هذه الدار وتزول، فتكون الدار وصفت بالحياة لهذا المعنى، والمراد أهلها.

ويجوز أن يكون التقدير في قوله: ﴿ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ هي ذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأنه لم يعتد بحياة هذه الدار حياة.

فأما القول في حروف الحيوان: أن العين واللام مِثْلان في أصل الكلمة، وأبدلت من الثانية الواو لَمَّا لم يسع الإدغام في هذا المثال، ألا ترى أن مثل: شَلَل وطَلَل (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أبو علي: الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قِبَل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه: واو، وفاؤه: لام صحيحان؛ مثل: فَوْظٍ، وصَوْغٍ (٢٣) (٢٤) قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يعني لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون.

(١) "تفسير مقاتل" 75 ب.

و"تفسير ابن جرير" 21/ 12، و"تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ.

وأخرجه ابن جرير 21/ 12، عن مجاهد، وأخرجه عن ابن عباس، بلفظ: باقية.

قال الأزهري: معناه: أن من صار إلى الآخرة لم يمت، ودام حيًا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.

"تهذيب اللغة" 5/ 287 (حي).

(٢) "تنوير المقباس" 338.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، عن قتادة.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 318.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.

(٦) "مجاز القرآن" 2/ 117.

و"غريب القرآن" 339.

(٧) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117.

بمعناه.

وهو في "كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 321، غير منسوب.

(٨) "تهذيب اللغة" 4/ 433 (حدم).

يعني أن أصلها: حَيْوَة على وزن: حَلْيَة، أو: حَيَوَة على وزن: حَدَمَة.

والله أعلم.

(٩) هكذا في النسختين؛ يقال: فارت القدر تفور فَوْرًا، وفَورانًا، إذا غَلت.

"تهذيب اللغة" 15/ 247 (فار).

(١٠) العِيَّ: مصدر العَي، يقال: عيى فلان بالأمر إذا عجز عند "تهذيب اللغة" 3/ 258 (عيى).

(١١) "تهذيب اللغة" 5/ 283 (حيى).

(١٢) "تهذيب اللغة" 3/ 257 (عيى).

(١٣) هكذا أنشده أبو علي، "كتاب الشعر" 1/ 321، وصدره بقوله: قال رؤبة أو العجاج.

وأنشده أبو عبيدة 2/ 117، بلفظ: وقد نَرَى إذ الحياةُ حِيٌ ونسبه للعجاج.

وهو كذلك في "ديوانه" 249.

وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 285 (حي) غير منسوب، واستشهد به على أن الحِي بكسر الحاء جمع الحياة.

(١٤) في كتاب أبي علي: كأنه قال: إذِ الحياة حياةٌ، أي: الحياة غيرُ متكدرة ولا منغَّصة.

"كتاب الشعر" 1/ 321.

(١٥) ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 287، ولم ينسبه.

(١٦) لم أجده في "النوادر"؛ وفي "تهذيب اللغة" 14/ 343 (موت): الموتان: كل شيء غير ذي روح، وما كان ذا روح فهو الحيوان.

ولم ينسبه لأبي زيد.

(١٧) "تهذيب اللغة" 12/ 260 (صمى).

(١٨) لزَّفَيَان: الخفة.

"لسان العرب" 14/ 357 (زفى).

(١٩) أنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 265 (زفى) ولم ينسبه.

والملْع: سرعة سير الناقة، وناقة مَيْلَع: سريعة.

"تهذيب اللغة" 2/ 426 (ملع).

وهو في "لسان العرب" 14/ 357، مع بيتين قبله غير منسوب، وفيه: ناقة زَفيان: سريعة.

(٢٠) الشلل: ذهاب اليد، يقال: شَلَّت يده تَشلَّ، فهو أشلُّ.

"تهذيب اللغة" 11/ 276 (شلل).

الطَلَل: ما شخص من الديار، يقال: حيَّا الله طَلَلك وأطلالك: أي: ما == شخص من جسدك.

"تهذيب اللغة" 13/ 295 (طلل).

(٢١) أصل الحيوان: حَييَان، فقلبت الياء التي هي لام الفعل واوًا استكراهًا لتوالي الحركات؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه.

"لسان العرب" 14/ 214 (حيا).

وقول سيبويه في "الكتاب" 4/ 399.

(٢٢) فاظ الميت، وفاظت نفسه: إذا خرجت.

"تهذيب اللغة" 14/ 396 (فاظ).

(٢٣) الصَّوغُ: مصدر صاغ يصوغ، والصَّياغة: الحرفة.

"تهذيب اللغة" 8/ 158 (صاغ).

(٢٤) "سر صناعة الإعراب" 1/ 153، بتصرف، وهو في "لسان العرب" 14/ 214 (حيا).

وضبطت كلمة: مَوْرَق، هكذا في سر صناعة الإعراب، وهو اسم علم؛ منه: == مُورق بتشديد الراء، ابن مُشَمْرِج، بضم أوله، ابن عبد الله العجلي، ترجم له الحافظ ابن حجر.

"تقريب التهذيب" 977، رقم (6989).

ومَوْرَق بفتح الميم وضمها اسم موضع بفارس.

"معجم البلدان" 5/ 256، ثم قال ياقوت الحموي: ومَوْهَب ومَوْظَب اسمان لرجلين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَهِيَ الحيوان ﴾ أي الحياة الدائمة التي لا موت فيها، ولفظ الحيوان مصدر كالحياة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.

﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.

الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.

وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.

وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.

وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.

ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.

قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.

والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.

وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.

وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...

ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.

وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو  واحد لا شريك له.

وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين  كثرة.

وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله  بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي  .

أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.

وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.

وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي  كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.

والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.

وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.

والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.

فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .

"وروي أن رسول الله  قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.

فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي  فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .

وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.

واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.

وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله  كما قال ﴿ واسجد واقترب  ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟

وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟

وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.

واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.

وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً  ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.

وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.

وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".

ثم إن الله  كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد  ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.

ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.

وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.

وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.

وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.

وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.

قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.

وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.

والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد  فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.

وعن النبي  "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .

ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.

﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي  وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.

واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.

فإذا قيل له: لم؟

قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.

فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.

فالله  ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.

وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.

ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.

أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.

ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.

سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.

ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.

ولما بين الدليل من جانب النبي  ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.

وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.

ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟

﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.

وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه  بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.

﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله  بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟

فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.

فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟

قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد  وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد  فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.

قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.

ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.

وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.

ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.

وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.

وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.

والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.

وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.

وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.

ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.

وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.

وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.

ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله  "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .

واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.

والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون  ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.

والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.

ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.

ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.

وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.

فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.

ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.

﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.

وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.

والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.

ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.

وقال المفسرون: لما أمر رسول الله  من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.

ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.

﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.

عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.

وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.

وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!

﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.

ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟

فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.

ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.

وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.

ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.

ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.

وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.

واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله  أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.

قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.

ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.

ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا  ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.

ويحتمل أن يقال: إنه  قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد"  وفي "الحديد".

وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".

فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.

"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب  ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو  ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة  ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر  ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر  ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.

وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.

ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير  ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.

ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.

ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.

ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون  ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.

ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "القصص".

ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.

فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.

وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟

وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.

وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.

فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟

وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟

وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.

ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.

وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.

وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه  أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.

فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.

والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.

﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.

فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي  ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.

سأل موسى  : إلهي أين أطلبك؟

فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.

ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.

ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.

ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ إنهم أعطوا جميعاً بألسنتهم: أن الذي خلق السماوات والأرض، وما سخر لهم من الشمس والقمر، وما نزل من السماء من الماء، وما أحيا به الأرض - هو الله لا غيره، فيخرج قوله: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ على أثر ما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به على وجهين: أحدهما: أَنَّي يصرفون عما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به إلى صرف الشكر والعبادة إلى الأصنام التي يعلمون أنها لم تخلق شيئاً مما أعطوا بألسنتهم.

والثاني: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: في تسميتهم الأصنام: آلهة على علم منهم أنها ليست بآلهة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على أثر ما ذكر يخرج على وجوه: أحدها: أمره أن يحمد ربه فيما لم يبل بما بلي به أولئك من التكذيب والعناد والكفر بربهم.

والثاني: أمره أن يحمد ربّه؛ لما في ذلك إظهار سفههم؛ حيث أعطوا باللسان أن ذلك كله من الله، والله خالق ذلك كله، ثم صرفوا ذلك إلى غيره.

والثالث: يقول بعضهم: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على إقرارهم بذلك أنه خلق لله، وأن ذلك كله منه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعقولهم؛ نفى عنهم العقول؛ لما لم ينتفعوا بها، كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان لما لم ينتفعوا بتلك الحواس؛ فعلى ذلك هذا.

والثاني: لم يعقلوا لما تركوا النظر والتفكر في الأسباب التي بها تعقل الأشياء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ وقوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ  ﴾ لو كان الأمر على ظاهر ما نطق به الكتاب دون معان تودع فيه وحكمة تجعل فيه على ما يحمله بعض الناس - لكان لأهل الإلحاد في ذلك مطعن؛ لأنه يقول: ما الحياة إلا لهو ولعب وهو خلقها، فيقولون: لِمَ خلقها لهواً ولعباً وهو خلقها؟

ولهم دعوى التناقض فيه؛ حيث قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ  ﴾ فلو جمع بين هذا وبين الأول فهو في الظاهر متناقض؛ إن يذكر في بعضها: أنه لم يخلقهما وما بينهما باطلا لعباً، ويذكر في بعضها: أن الحياة الدنيا لهو ولعب، وهو خلقها.

لكن تأويل قوله: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ ﴾ على ما تقدرون أنتم وعلى ما عندكم ﴿ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ ، فأما عند أهل التوحيد وما في تقديرهم فهي حكمة وحق.

ثم ما ذكر من اللهو واللعب عندهم يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم رأوا أنه خلق الإنسان وجعل بدأه من نطفة، ثم حولها إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى الإنسان الذي صور...

إلى آخر ما حوله؛ فلا يحتمل أن يخلقه ويحوّله من حال إلى الأحوال التي ذكر، ثم يفنيه بلا عاقبة تجعل لهم، ولا منفعة؛ فيكون كما ذكر: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً  ﴾ صيّر نقضها الغزل من بعد إحكامها إيّاه بلا انتفاع به لهواً ولعباً؛ فعلى ذلك خَلْقُ الحياة الدنيا، وخلق ما فيها من العالم بعد إحكامه وتحويله حالا بعد حال، وتحويلا بعد تحويل، وإحكاماً بعد إحكام للفناء خاصة على ما يقدر أولئك الكفرة بلا عاقبة تجعل لهم أو منفعة - لَهْوٌ ولعب وسفه وباطل؛ على ما ظن أولئك وقدروه، فأما في تقدير أهل التوحيد وأهل الإيمان من العاقبة لهم فهو حكمة وحق.

والثاني: معنى اللهو واللعب الذي ذكر على ما عندهم هو أن الجمع والتسوية بين العدو والولي وبين العاصي والمطيع وبين المخالف والموافق - سفه باطل، وقد سوى بينهم في هذه الدنيا، وأشركهم جميعاً في نعيمها وسعتها وشدتها، وخيرها وشرها، يتمتع الولي فيها كما يتمتع العدوّ، ويبتلى فيها المطيع كما يبتلى العاصي، فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق بين الولي والعدو، وبين المطيع والعاصي لكان خلقه إياهم في الحياة الدنيا سفهاً وباطلا؛ إذ سوى بينهم وأشركهم جميعاً في هذه.

أو أن تكون الحياة الدنيا - على ما اتخذوها هم وعملوا فيها - لهواً ولعباً.

أو أن يقال: الحياة الدنيا بحياة الآخرة لهو ولعب؛ لأنها خلقت فانية منقطعة، وخلقت حياة الآخرة باقية دائمة، فهو كما قال: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ  ﴾ أي: متاع الدنيا قليل عند متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا فانٍ منقطع، ومتاع الآخرة دائم باقٍ.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ ﴾ أي: هي دار الحياة، لا موت فيها، ولا انقطاع، ولا فناء ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن الدار الآخرة هي الدار التي لا موت فيها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما هذه الحياة الدنيا -بما فيها من الشهوات والمتاع- إلا لَهْوٌ لقلوب المتعلقين بها ولعب، ما يلبث أن ينتهي بسرعة، وإن الدار الآخرة لهي الحياة الحقيقية لبقائها، لو كانوا يعلمون لَمَا قدّموا ما يفنى على ما يبقى.

ولمَّا سجل الله على المشركين تناقضهم؛ بإيمانهم بربوبية الله عندما يُسْألون عمن خلق السماوات والأرض، وكفرهم بألوهيته عندما يعبدون غيره، سَجَّل عليهم تناقضًا آخر هو إخلاصهم التوحيد عند الخوف من الغرق وعودتهم للشرك عند أمنهم منه، فقال: <div class="verse-tafsir" id="91.G84e0"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله