الآية ٨ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٨ من سورة العنكبوت

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده ، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان ، ولهما عليه غاية الإحسان ، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق ; ولهذا قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ) [ الإسراء : 23 ، 24 ] .

ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما ، في مقابلة إحسانهما المتقدم ، قال : ( وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) أي : وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين ، فإياك وإياهما ، لا تطعهما في ذلك ، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة ، فأجزيك بإحسانك إليهما ، وصبرك على دينك ، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك ، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا ، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب ، أي : حبا دينيا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يقول تعالى ذكره: ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ ) فيما أنـزلنا إلى رسولنا(بِوَالِدَيْهِ) أن يفعل بهما(حُسْنا).

واختلف أهل العربية في وجه نصب الحسن، فقال بعض نحويِّي البصرة: نُصب ذلك على نية تكرير وصيّنا.

وكأن معنى الكلام عنده: ووصينا الإنسان بوالديه، ووصيناه حسنا.

وقال: قد يقول الرجل وصيته خيرا: أي بخير.

وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حُسنا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي الدلالة على ما سقط، وتعمل ما بقي فيما كان يعمل فيه المحذوف، فنصب قوله: (حُسْنا) وإن كان المعنى ما وصفت وصينا؛ لأنه قد ناب عن الساقط، وأنشد في ذلك: عَجِــبْتُ مِــنْ دَهْمـاءَ إذْ تَشْـكُونا وَمِــن أبــي دَهْمـاءَ إذْ يُوصِينـا خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا (1) وقال: معنى قوله: يوصينا خيرا: أن نفعل بها خيرا، فاكتفى بيوصينا منه، وقال: ذلك نحو قوله: فَطَفِقَ مَسْحًا أي يمسح مسحا.

وقوله: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) يقول: (ووصينا الإنسان)، فقلنا له: إن جاهداك والداك لتشرك بي ما ليس لك به علم أنه ليس لي شريك، فلا تطعهما فتشرك بي ما ليس لك به علم ابتغاء مرضاتهما، ولكن خالفهما في ذلك (إليّ مرجعكم) يقول تعالى ذكره: إليّ معادكم ومصيركم يوم القيامة ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول: فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئاتها، ثم أجازيكم عليها المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب سعد بن أبي وقاص.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ...) إلى قوله: ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال: نـزلت في سعد بن أبي وَقَّاص لما هاجر، قالت أمه: والله لا يُظِلُّني بيت حتى يرجع، فأنـزل الله في ذلك أن يحْسِن إليهما، ولا يطيعَهما في الشرك.

--------------------- الهوامش : (1) هذه أبيات ثلاثة من مشطور السريع، وهي من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص 178) قال: والعرب تقول: أوصيك به خيرًا، وآمرك به خيرًا، وكأن معناه: آمرك أن تفعل به، ثم تحذف أن، فتوصل الخير بالوصية، وبالأمر، قال الشاعر : " عجبت ...

" الأبيات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال : أنزلت في أربع آيات فذكر قصة ; فقالت أم سعد : أليس قد أمر الله بالبر ، والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر ; قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا الآية .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

وروي عن سعد أنه قال : كنت بارا بأمي فأسلمت فقالت : لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ويقال يا قاتل أمه وبقيت يوما ويوما فقلت : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا ، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي .

فلما رأت ذلك أكلت ، ونزلت : وإن جاهداك لتشرك بي الآية .

وقال ابن عباس : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وقد فعلت أمه مثل ذلك .

وعنه أيضا : نزلت في جميع الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صديق .

و ( حسنا ) نصب عند البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا .

وقيل : هو على القطع ، تقديره : ووصيناه بالحسن ، كما تقول : وصيته خيرا .

أي بالخير .

وقال أهل الكوفة : تقديره : ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا .

فيقدر له فعل : وقال الشاعر :عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبي دهماء إذ يوصيناخيرا بها كأنما خافوناأي يوصينا أن نفعل بها خيرا ; كقوله : ( فطفق مسحا ) أي يمسح مسحا .

وقيل : تقديره : ووصيناه أمرا ذا حسن ، فأقيمت الصفة مقام الموصوف ، وحذف المضاف وأقيم [ ص: 303 ] المضاف إليه مقامه وقيل : معناه ألزمناه حسنا .

وقراءة العامة : ( حسنا ) بضم الحاء وإسكان السين وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك : بفتح الحاء والسين وقرأ الجحدري : ( إحسانا ) على المصدر ; وكذلك في مصحف أبي التقدير : ووصينا الإنسان أن يحسن إحسانا ولا ينتصب ب ( وصينا ) لأنه قد استوفى مفعوليه .

( إلي مرجعكم ) وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر فأنبئكم بما كنتم تعملون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وأمرنا الإنسان، ووصيناه بوالديه حسنا، أي: ببرهما والإحسان إليهما، بالقول والعمل، وأن يحافظ على ذلك، ولا يعقهما ويسيء إليهما في قوله وعمله.{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } وليس لأحد علم بصحة الشرك باللّه، وهذا تعظيم لأمر الشرك، { فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فأجازيكم بأعمالكم، فبروا والديكم وقدموا طاعتهما، إلا على طاعة اللّه ورسوله، فإنها مقدمة على كل شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) أي : برا بهما وعطفا عليهما ، معناه : ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن .

نزلت هذه الآية والتي في سورة لقمان ( الآية 15 ) ، والأحقاف ( الآية 15 ) في سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري ، وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس - لما أسلم ، وكان من السابقين الأولين ، وكان بارا بأمه ، قالت له أمه : ما هذا الدين الذي أحدثت ؟

والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه ، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر ، ويقال : يا قاتل أمه .

ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل ، فأصبحت قد جهدت ، ثم مكثت يوما آخر لم تأكل ولم تشرب ، فجاء سعد إليها وقال : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي ، وإن شئت فلا تأكلي ، فلما أيست منه أكلت وشربت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأمره بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك ، فذلك قوله - عز وجل - : ( وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) .

وجاء في الحديث : " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " .

ثم أوعد بالمصير إليه فقال : ( إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ووصينا الإنسان بوالديه حسناً» أي إيصاء ذات حسن بأن يبرهما «وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به» بإشراكه «علم» موافقة للواقع فلا مفهوم له «فلا تطعهما» في الإشراك «إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون» فأجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما، ويحسن إليهما بالقول والعمل، وإن جاهداك -أيها الإنسان- على أن تشرك معي في عبادتي، فلا تمتثل أمرهما.

ويلحق بطلب الإشراك بالله، سائر المعاصي، فلا طاعة لمخلوق كائنًا من كان في معصية الله سبحانه، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إليَّ مصيركم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئها، وأجازيكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن طاعة الله - تعالى - يجب أن تقدم على كل طاعة .

فقال : ( وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ .

.

فِي الصالحين ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما أخرجه الترمذى ، من أنها نزلت فى سعد بن أبى وقاص ، وذلك أنه حين أسلم ، قالت له أمه حمنة بنت سفيان : يا سعد بلغنى أنك صبأت ، فوالله لا يظلنى سقف بيت ، وإن الطعام والشراب على حرام ، حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .

.

.

.

فجاء سعد إلى النبى صلى الله عليه وسلم - إليه ما قالته أمه .فنزلت هذه الآية .

.

فجاء سعد إليها فقال لها : يا اماه لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ما تركت دينى ، فكلى إن شئت ، وإن شئت فلا تأكلى ، فلما يست منه أكلت وشربت .

.وقوله : ( حُسْناً ) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف .

أى : ووصينا الإِنسان بوالديه إيصاء حسنا ، وعبر بالمصدر للمبالغة فى وجوب الإِحسان إليهما ، بأن يكون باراً بهما ، وعطوفاً عليهما ، وسخياً معهما .وقوله - سبحانه - : ( وَإِن جَاهَدَاكَ ) معطوف على ما قبله بإضمار القول : أى : ووصينا الإِنسان بوالديه حسنا ، قولنا له ( وَإِن جَاهَدَاكَ ) أى : إن حملاك وأمراك ( لِتُشْرِكَ بِي ) فى العبادة أو الطاعة ( مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ ) فى ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق .وقوله - سبحانه - : ( مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) بيان للواقع ، فهذا القيد لا مفهوم له ، لأنه ليس هناك من إله فى هذا الكون ، سوى الله عز وجل .وقوله تعالى : ( إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) تذييل المقصد به التحذير من معصيته - سبحانه - .أى : إلى مرجعكم جميعا - أيها الناس - يوم القيامة ، فأحاسبكم على أعمالكم حسابا دقيقا ، وأجازى الذين أساءوا بما علموا ، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الأولى: ما وجه تعلق الآية بما قبلها؟

نقول: لما بين الله حسن التكاليف ووقوعها، وبين ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها تحريضاً للمكلف على الطاعة، ذكر المانع ومنعه من أن يختار اتباعه، فقال الإنسان إن انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمراه بالمعصية لا يجوز اتباعهما فضلاً عن غيرهما فلا يمنعن أحدكم شيء من طاعة الله ولا يتبعن أحد من يأمر بمعصية الله.

المسألة الثانية: في القراءة قرئ حسناً وإحساناً وحسناً أظهر هاهنا، ومن قرأ إحساناً فمن قوله تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا  ﴾ والتفسير على القراءة المشهورة هو أن الله تعالى وصى الإنسان بأن يفعل مع والديه حسن التأبي بالفعل والقول، ونكر حسناً ليدل على الكمال، كما يقال إن لزيد مالاً.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ دليل على أن متابعتهم في الكفر لا يجوز، وذلك لأن الإحسان بالوالدين وجب بأمر الله تعالى فلو ترك العبد عبادة الله تعالى بقول الوالدين لترك طاعة الله تعالى فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين، فاتباع العبد أبويه لأجل الإحسان إليهم يفضي إلى ترك الإحسان إليهما، وما يفضي وجوده إلى عدمه باطل فالاتباع باطل، وأما إذا امتنع من الشرك بقي على الطاعة والإحسان إليهما من الطاعة فيأتي به فترك هذا الإحسان صورة يفضي إلى الإحسان حقيقة.

المسألة الرابعة: الإحسان بالوالدين مأمور به، لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة فهما سبب مجازاً، والله تعالى سبب له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه، ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ فقوله: ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ يعني التقليد في الإيمان ليس بجيد فضلاً عن التقليد في الكفر، فإذا امتنع الإنسان من التقليد فيه ولا يطيع بغير العلم لا يطيعهما أصلاً، لأن العلم بصحة قولهما محال الحصول، فإذا لم يشرك تقليداً ويستحيل الشرك مع العلم، فالشرك لا يحصل منه قط.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يعني عاقبتكم ومآلكم إلي، وإن كان اليوم مخالطتكم ومجالستكم مع الآباء والأولاد والأقارب والعشائر، ولا شك أن من يعلم أن مجالسته مع واحد خالية منقطعة، وحضوره بين يدي غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضي من تدوم معه صحبته لرضا من يتركه في زمان آخر.

ثم قوله تعالى: ﴿ فَأُنَبِئُكُم ﴾ فيه لطيفة وهي أن الله تعالى يقول لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي وعدم علمي بمخالفتكم إياي فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وصى ﴾ حكمه حكم (أمر) في معناه وتصرفه.

يقال: وصيت زيداً بأن يفعل خيراً، كما تقول: أمرته بأن يفعل.

ومنه بيت الإصلاح: وَذُبُيَانِيَّةٍ وَصَّتْ بَنِيهَا ** بِأَنْ كَذَبَ القَرَاطِفُ وَالْقُرُوفُ كما لو قال: أمرتهم بأن ينتهبوها.

ومنه قوله تعالى: ﴿ ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ ﴾ [البقرة: 132] أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وقولك: وصيت زيداً بعمرو، معناه: وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك، وكذلك معنى وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ : وصيناه بإيتاء والديه حسناً، أو بإيلاء والديه حسناً؛ أي: فعلا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، كقوله تعالى: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83] وقرئ: ﴿ حسنا ﴾ ، و ﴿ إحسانا ﴾ ويجوز أن تجعل ﴿ حسنا ﴾ من باب قولك: زيداً، بإضمار (أضرب) إذا رأيته متهيئاً للضرب، فتنصبه بإضمار أولهما.

أو أفعل بهما، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال: قلنا: أوْ لِهما معروفاً و ﴿ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ في الشرك إذا حملاك عليه.

وعلى هذا التفسير إن وقف على ﴿ بوالديه ﴾ وابتدأ ﴿ حُسْنًا ﴾ حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لابد من إضمار القول، معناه: وقلنا إن جاهداك أيها الإنسان ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي لا علم لك بإلهيته.

والمراد بنفي العلم: نفي المعلوم، كأنه قال: لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلها ولا يستقيم: وصاه بوالديه وأمره بالإحسان إليهما، ثم نبه بنهيه عن طاعتهما إذا أراداه على ما ذكره، على أن كل حق وإن عظم ساقط إذاجاء حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم قال: إليّ مرجع من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم.

وفيه شيئان، أحدهما: أن الجزاء إليّ، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك وعقوقهما لشركهما، ولا تحرمهما برّك ومعروفك في الدنيا، كما أني لا أمنعهما رزقي.

والثاني: التحذير من متابعتهما على الشرك، والحث على الثبات والاستقامة في الدين بذكر المرجع والوعيد.

روي: أن سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه حين أسلم قالت أمّه وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح؛ وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد وكان أحبّ ولدها إليها فأبى سعد وبقيت ثلاث أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه، فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان.

وروي أنهانزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك: أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحرث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة: أمرأة من بني تميم من بني حنظلة فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين، وقد تركت أمّك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتاً حتى تراك، وهي أشدّ حباً لك منا فاخرج معنا، وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله عنه فقال: هما يخدعانك، ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك.

قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله، فأخذاه وشدّاه وثاقاً، وجلده كل واحد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد، فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ بِإيتائِهِما فِعْلًا ذا حُسْنٍ، أوْ كَأنَّهُ في ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ ووَصّى يَجْرِي مَجْرى أمْرٍ مَعْنًى وتَصَرُّفًا، وقِيلَ هو بِمَعْنى قالَ، أيْ وقُلْنا لَهُ أحْسِنْ بِوالِدَيْكَ ( حُسْنًا )، وقِيلَ ( حُسْنًا ) مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُفَسِّرٍ لِلتَّوْصِيَةِ أيْ قُلْنا أوَّلُهُما أوِ افْعَلْ بِهِما ( حُسْنًا ) وهو أوْفَقُ لِما بَعْدَهُ وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ( بِوالِدَيْهِ )، وقُرِئَ ( حَسَنًا و «إحْسانًا» .

﴿ وَإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ بِإلَهِيَّتِهِ عَبَّرَ عَنْ نَفْيِها بِنَفْيِ العِلْمِ بِها إشْعارًا بِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ فَضْلًا عَمّا عُلِمَ بُطْلانُهُ.

﴿ فَلا تُطِعْهُما ﴾ في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، ولا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ إنْ لَمْ يُضْمَرْ قَبْلُ.

﴿ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكم ومَن أشْرَكَ ومَن بَرَّ بِوالِدَيْهِ ومَن عَقَّ.

﴿ فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ وأُمِّهِ حَمْنَةَ، فَإنَّها لَمّا سَمِعَتْ بِإسْلامِهِ حَلَفَتْ أنَّها لا تَنْتَقِلُ مِنَ الضَّحِّ ولا تَطْعَمُ ولا تَشْرَبُ حَتّى يَرْتَدَّ ولَبِثَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ وكَذا الَّتِي في «لُقْمانَ» و «الأحْقافِ» .

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ ﴾ في جُمْلَتِهِمْ والكَمالُ في الصَّلاحِ مُنْتَهى دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ومُتَمَنّى أنْبِياءِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ، أوْ في مَدْخَلِهِمْ وهو الجَنَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} وصى حمكمه حكم أمر في معناه وتصرفه يقال وصيت زيداً بأن يفعل خيراً كما تقول أمرته بأن يفعل ومنه قوله وصى بها ابراهيم بنيه أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها وقولك وصيت وزيدا بعمر ومعناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك وكذلك معنى قوله ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ووصيناه بإيتاء والديه حسناً أو بإيلاء والديه حسناً أي فعلاً ذا حسن أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه كقوله وَقُولُواْ للناس حسنا ويجوز أن يجعل حسناً من باب قولك زيدا بإضمار

اضرب إذا رأيته متهيأ للضرب فتنصبه بإضمار أولهما أو افعل بهما لأن التوصية بهما دالة عليه وما بعده مطابق له كأنه قال قلنا أولهما معروفاً ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه وعلى هذا التفسيران وقف على بوالديه وابتدىء حسناً حسن الوقف على التفسير الأول لابد من إضمار القول معناه وقلنا {وَإِن جاهداك} أيها الإنسان {لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ به علم} أي لا علم بإلهيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً {فَلاَ تُطِعْهُمَا} في ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

العنكبوت (١٢ - ٨)

{إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} مرجع من آمن منكم ومن أشرك {فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فأجازيكم حق جزائكم وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك وحث على الثبات والاستقامة في الدين روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم نذرت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرتد فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ووَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ جِنْسُ الإنْسانِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ.

ومُتَعَلِّقُ تُطِعْهُما مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أيْ وإنِ اسْتَفْرَغا جَهْدَهُما في تَكْلِيفِكِ لِتُشْرِكَ بِي غَيْرِي مِمّا لا إلَهِيَّةَ لَهُ فَلا تُطِعْهُما في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، وفي تَعْلِيقِ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما بِمُجاهَدَتِهِما في التَّكْلِيفِ إشْعارٌ بِأنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ فِيما دُونَها مِنَ التَّكْلِيفِ ثابِتٌ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ وكَذا مُوجِبُهُ في مُجاهَدَةِ أحَدِهِما ﴿ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أيْ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكُمْ- ومَن أشْرَكَ - ومَن بَرَّ- ومَن عَقَّ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولِذا لَمْ تُعْطَفْ ﴿ فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

«والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وذَلِكَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ قالَتْ أُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: يا سَعْدُ بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَأْتَ فَواللَّهِ تَعالى لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ وأنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ (عَلَيَّ) حَرامٌ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها فَأبى سَعْدٌ وبَقِيَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ فَجاءَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَشَكا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي في لُقْمانَ والَّتِي في الأحْقافِ فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ».

ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مُتَوافِقَيْنِ حَتّى نَزَلا المَدِينَةَ فَخَرَجَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والحارِثُ بْنُ هِشامٍ أخَواهُ لِأُمِّهِ أسْماءَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ امْرَأةٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ مَن بَنِي حَنْظَلَةَ فَنَزَلا بِعَيّاشٍ وقالا لَهُ: إنَّ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ صِلَةَ الأرْحامِ وبِرَّ الوالِدَيْنِ وقَدْ تَرَكْتَ أُمَّكَ لا تَطْعَمُ ولا تَشْرَبُ ولا تَأْوِي بَيْتًا حَتّى تَراكَ وهي أشَدُّ حُبًّا لَكَ مِنّا فاخْرُجْ مَعَنا وفَتْلًا مِنهُ في الذُّرْوَةِ والغارِبِ فاسْتَشارَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ هُما يَخْدَعانِكَ ولَكَ (عَلَيَّ) أنْ أقْسِمَ مالِي بَيْنِي وبَيْنَكَ فَما زالا بِهِ حَتّى أطاعَها وعَصى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أما إذْ عَصَيْتَنِي فَخُذْ ناقَتِي فَلَيْسَ في الدُّنْيا بَعِيرٌ يَلْحَقُها فَإنْ رابَكَ مِنهم رَيْبٌ فارْجِعْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى البَيْداءِ قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ ناقَتِي قَدْ كَلَّتْ فاحْمِلْنِي مَعَكَ، قالَ: نَعَمْ.

فَنَزَلَ لِيُوَطِّئَ لِنَفْسِهِ ولَهُ فَأخَذاهُ فَشَدّاهُ وثاقًا وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جِلْدَةٍ وذَهَبا بِهِ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: لا تَزالُ بِعَذابٍ حَتّى تَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يعني: أن يفوتونا.

ويقال: يعجزونا.

ويقال: يهربوا منا فلا نجازيهم ساءَ مَا يَحْكُمُونَ يعني: بئس ما يقضون لأنفسهم.

قال الكلبي: نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة بارزوا يوم بدر، فبارزهم من المسلمين: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، فنزل في شأن مبارزي المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: الآخرة لكائن وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ لمقالتهم الْعَلِيمُ بهم وبأعمالهم.

وقوله عز وجل: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ يعني: علي بن أبي طالب وصاحبيه  م إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن نصرة العالمين يوم بدر.

ويقال: نزلت في جميع المسلمين مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي: يخاف الآخرة ويقال: يخاف الموت، فيستعد للآخرة والموت بالعمل الصالح فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني: كائن وَهُوَ السَّمِيعُ لدعائهم، الْعَلِيمُ بأمر الخلق.

وَمَنْ جاهَدَ يعني: عمل الخيرات، فإنما يجاهد لِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني: عن أعمالهم، فإنما ثوابهم لأنفسهم.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ أي: لنمحون عنهم سَيِّئاتِهِمْ يعني: ذنوبهم وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ.

يعني: لنثيبنهم أحسن الذي كانوا يعملون، يعني: أفضل من أعمالهم، ويقال: لَنَجْزِيَنَّهُمْ بأحسن أعمالهم الذي كانوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً يعني: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن، يعني: براً بهما.

وقال الكلبي: نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص، لما أسلم قالت له أمه: يا سعد بلغني أنك صبوت إلى دين محمد، فو الله لا يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى دينك الذي كنت عليه، فأبى عليها ذلك، فثبتت على حالها لا تطعم ولا تشرب، ولا تسكن بيتاً، فلما خلص إليها الجوع لم تجد بداً من أن تأكل وتشرب، فحثّ عز وجل الله سعدا بالبر إلى أمه، ونهاه أن يطيعها على الشرك فقال: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة، يعني: الشرك فَلا تُطِعْهُما في الشرك، ثم حذّره ليثبت على الإسلام فقال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: أخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر، وأثيبكم على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أم: معادلةٌ للهمزة في قوله:

أَحَسِبَ [العنكبوت: ٢] وكأنه تعالى قرر الفريقين: قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يُفْتَنُوْنَ، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئاتِ في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقابَ الله تعالى ويعجزونه، ثم الآيةُ بَعْدَ تَعُمّ كلّ عاصٍ، وعاملٍ سيئةٍ من المسلمين وغيرهم، وفي الآية وعيد شديد للكفرة الفاتنين، وفي قوله تعالى:

مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ تثبيت للمؤمنين، وباقي الآية بَيِّنٌ، والله الموفق.

وقال ص: قول ع «١» : أم: معادِلة للألْفِ في قوله: أَحَسِبَ يقتضي أنها هنا متصلة وليس كذلك بل «أم» هنا: منقطعةٌ مقدرة ب «بل» للإضراب، بمعنى:

الانتقال لا بمعنى الإبطال، وهمزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ فلا تقتضي جواباً، انتهى.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ.

إخبار عن المؤْمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من الْبِدَارِ إلى الله تعالى نوه بهم- عز وجل- وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار.

وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ، أي: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون.

وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما رُوِيَ عن قتادةَ «٢» وغيره: أنها نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظلَّ بظلٍّ حتى يرجع إليها ويكْفُرَ بمحمدٍ، فلجَّ هو في هجرته، ونزلت الآية.

وقيل: بل نزلت في عياش بن أبي ربيعة وكانت قصته كهذه ثم خَدَعَهُ أبو جهل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " إحْسانًا " بِألِفٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ: " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ!

ما هَذا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أحْدَثْتَ، لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا أوْلا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي فَيُقالَ: يا قاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمّاهُ، إنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، قالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدْ جُهِدَتْ، ثُمَّ مَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ واللَّهِ يا أُمّاهُ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وقَدْ جَرى لَهُ مَعَ أُمِّهِ نَحْوُ هَذا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي في (لُقْمانَ): ١٥ وفي (الأحْقافِ): ١٥ نَزَلْنَ في قِصَّةِ سَعْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " حُسْنًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، ومَن قَرَأ: " إحْسانًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يُحْسِنَ إلى والِدَيْهِ، وكانَ " حُسْنًا " أعَمَّ في البَرِّ.

﴿ وَإنْ جاهَداكَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ هَذا الكَلامِ مَجازُ المُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، والمَعْنى: وقُلْنا لَهُ: وإنْ جاهَداكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُشْرِكَ بِي ﴾ مَعْناهُ: لِتُشْرِكَ بِي شَرِيكًا لا تَعْلَمُهُ لِي ولَيْسَ لِأحَدٍ بِذَلِكَ عِلْمٌ، ﴿ فَلا تُطِعْهُما ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: " في " بِمَعْنى " مَعَ " .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مَن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللهِ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَصَّيْنا" الآيَةُ.

رُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وَذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْها ويَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ  ، فَلَجَّ هو في هِجْرَتِهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ.

وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ اعْتَراهُ في دِينِهِ نَحْوٌ مِن هَذا؛ إذْ خَدَعَهُ أبُو جَهْلٍ لَعَنَةُ اللهِ عَلَيْهِ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ....

الحَدِيثُ في كِتابِ السِيرَةِ.

ولا مِرْيَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ يَشْقى بِجِهادِ أبَوَيْهِ في شَأْنِ الإسْلامِ والهِجْرَةِ، فَكَأنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عن طاعَةِ الأبَوَيْنِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ولَمّا كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ وطاعَتُهُما مِنَ الأمْرِ الَّتِي قَرَّرَتْها الشَرِيعَةُ وأكَّدَتْها، وكانَ مِنَ الأمْرِ القَوِيِّ المُلْزِمْ عِنْدَهُمْ، قَدَّمَ تَعالى عَلى النَهْيِ عن طاعَتِهِما في الشِرْكِ بِاللهِ قَوْلَهُ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ ، عَلى مَعْنى: إنّا لا نُحِلُّ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ، لَكِنّا لا نُسَلِّطُ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، لا سِيَّما في مَعْنى الإيمانِ والكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: "حُسْنًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، ويُسَهِّلُهُ كَوْنُهُ عامًّا لَمَعانٍ، كَما تَقُولُ: وصَّيْتُكَ خَيْرًا، أو وصَّيْتُكَ شَرًّا، عَبَّرَ بِذَلِكَ عن جُمْلَةِ ما قُلْتَ لَهُ، ويُحَصِّنُ ذَلِكَ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ كَوْنُ حَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"؛ لِأنَّ المَعْنى: ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِالحُسْنِ في فِعْلِهِ مَعَ والِدَيْهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها فَكَأنَّنا جافَوْنا وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"، ويَنْتَصِبُ "حُسْنًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: يُحْسِنُ حَسَنًا، ويَنْتَصِبُ انْتِصابَ المُصَدِّرِ، وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ: "حَسَنًا" بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ: في الإمامِ مَكْتُوبٌ: "بِوالِدَيْهِ إحْسانًا"، قالَ أبُو حاتِمْ: يَعْنِي كالأحْقافِ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إحْسانًا" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ وعِيدٌ في طاعَةِ الوالِدَيْنِ في مَعْنى الكُفْرِ.

ثُمْ كَرَّرَ تَعالى التَمْثِيلَ بِحالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيُحَرِّكَ النُفُوسَ إلى نَيْلِ مَراتِبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ ﴾ مُبالَغَةٌ، عَلى مَعْنى: الَّذِينَ هم في نِهايَةِ الصَلاحِ وأبْعَدِ غاياتِهِ، وإذا تَحَصَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذا الحُكْمُ تَحَصَّلَ ثَمَرُهُ، وجَزاؤُهُ هو الجَنَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ مُخْتَفِينَ بِإسْلامِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَلَمّا خَرَجَ كُفّارُ قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ أخْرَجُوا مَعَ أنْفُسِهِمْ طائِفَةً مِن هَؤُلاءِ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانُوا أصْحابَنا وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ لِمَن بَقِيَ بِمَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ ورَدُّوهم إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمْ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فَخَرَجُوا، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ ﴾ في مُنافِقِينَ كَفَرُوا لَمّا أُوذُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ﴾ أيْ: صَعُبَ عَلَيْهِ أذى الناسِ حِينَ صَدُّوهُ، وكانَ حَقُّهُ ألّا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وأنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ في جَنْبِ نَجاتِهِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.

ثُمْ أزالَ تَعالى مَوْضِعَ تَعَلُّقِهِمْ ومُغالَطَتِهِمْ إنَّ جاءَ نَصْرٌ، ثُمْ قَرَّرَهم عَلى عِلْمِ اللهِ تَعالى بِما في صُدُورِهِمْ، أيْ: لَوْ كانَ يَقِينًا تامًّا وإسْلامًا خالِصًا لَما تَوَقَّفُوا ساعَةً، ولَرَكِبُوا كُلَّ هَوْلٍ إلى هِجْرَتِهِمْ ودارِ نَبِيِّهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ ، تَفْسِيرُهُ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ.

وهُنا انْتَهى المَدَنِيُّ في هَذِهِ السُورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لم يترك القرآن فاذَّة من أحوال علائق المسلمين بالمشركين إلا بين واجبهم فيها المناسب لإيمانهم، ومن أشد تلك العلائق علاقة النسب فالنسب بين المشرك والمؤمن يستدعي الإحسان وطيب المعاشرة ولكن اختلاف الدين يستدعي المناواة والمغاضبة ولا سيما إذا كان المشركون متصلبين في شركهم ومشفقين من أن تأتي دعوة الإسلام على أساس دينهم فهم يلحقون الأذى بالمسلمين ليقلعوا عن متابعة الإسلام، فبيّن الله بهذه الآية ما على المسلم في معاملة أنسبائه من المشركين.

وخص بالذكر منها نسب الوالدين لأنه أقرب نسب فيكون ما هو دونه أولى بالحكم الذي يشرع له.

وحدثت قضية أو قضيتان دعتا إلى تفصيل هذا الحكم.

رُوي أن سعد بن أبي وقاص حين أسلم قالت له أمه حَمْنَة بنت أبي سفيان يا سعد بلغني أنك صبأت، فوالله لا يُظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفُرَ بمحمد، وبقيت كذلك ثلاثة أيام فشكا سعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان.

وروي أنه لما أسلم عياش بن أبي ربيعة المخزومي وهاجر مع عمر بن الخطاب إلى المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل وأخوه الحارث وكانا أخوي عياش لأمه فنزلا بعياش وقالا له: إن محمداً يأمر ببر الوالدين وقد تركتَ أمك وأقسمت أن لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتاً حتى تراك وهي أشد حبًّا لك منها لنا، فاخرج معنا.

فاستشار عمر فقال عمر: هما يخدعانك، فلم يزالا به حتى عصى نصيحة عمر وخرج معهما.

فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي كلت فاحملني معك.

قال عياش: نعم، ونزل ليوطئ لنفسه ولأبي جهل.

فأخذاه وشداه وثاقاً وذهبا به إلى أمه فقالت له: لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد وأوثقته عندها، فقيل: إن هذه الآية نزلت في شأنهما.

والمقصود من الآية هو قوله ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ إلى آخره، وإنما افتتحت ب ﴿ وصينا الإنسان بوالديه حسناً ﴾ لأنه كالمقدمة للمقصود ليعلم أن الوصاية بالإحسان إلى الوالدين لا تقتضي طاعتهما في السوء ونحوه لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ولقصد تقرير حكم الإحسان للوالدين في كل حال إلا في حال الإشراك حتى لا يلتبس على المسلمين وجه الجمع بين الأمر بالإحسان للوالدين وبين الأمر بعصيانهما إذا أمرا بالشرك لإبطال قول أبي جهل: أليس من دين محمد البر بالوالدين ونحوه.

وهذا من أساليب الجدل وهو الذي يسمى القول بالموجب وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿ قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده ﴾ [إبراهيم: 10، 11] فعلم أنه لا تعارض بين الإحسان إلى الوالدين وبين إلغاء أمرهما بما لا يرجع إلى شأنهما.

والتوصية: كالإيصاء، يقال: أوصى ووصّى، وهي أمر بفعل شيء في مغيب الآمر به ففي الإيصاء معنى التحريض على المأمور به، وتقدم في قوله تعالى ﴿ الوصية للوالدين ﴾ [البقرة: 180] وقوله ﴿ وأوصى بها إبراهيم ﴾ في [البقرة: 132].

وفعل الوصاية يتعدى إلى الموصى عليه بالباء، تقول: أوصى بأبنائه إلى فلان، على معنى أوصى بشؤونهم، ويتعدى إلى الفعل المأمور به بالباء أيضاً وهو الأصل مثل ﴿ وأوصى بها إبراهيم بَنِيه ﴾ [البقرة: 132].

فإذا جُمع بين الموصى عليه والموصى به تقول: أوصى به خيراً وأصله: أوصى به بخير له فكان أصل التركيب بدل اشتمال.

وغلب حذف الباء من البدل اكتفاء بوجودها في المبدل منه فكذلك قوله تعالى هنا ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حُسْناً ﴾ تقديره: وصينا الإنسان بوالديه بِحُسن، بنزع الخافض.

والحسن: اسم مصدر، أي بإحسان.

والجملة ﴿ وإن جاهداك لِتُشرِك بي ﴾ عطف على جملة ﴿ وصينا ﴾ وهو بتقدير قول محذوف لأن المعطوف عليه فيه معنى القول.

والمجاهدة: الإفراط في بذل الجهد في العمل، أي ألحَّا لأجل أن تشرك بي.

والمراد بالعلم في قوله: ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ العلم الحق المستند إلى دليل العقل أو الشرع، أي أن تشرك بي أشياء لا تجد في نفسك دليلاً على استحقاقها العبادة كقوله تعالى ﴿ فلا تسألني ما ليس لك به علم ﴾ [هود: 46]، أي علم بإمكان حصوله.

وفي «الكشاف»: أن نفي العلم كناية عن نفي المعلوم، كأنه قال: أن تشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً، أي لا يصح أن يكون معلوماً يعني أنه من باب قولهم: هذا ليس بشيء كما صرح به في تفسير سورة [لقمان: 30] كقوله تعالى ﴿ ما يدعون من دونه الباطل ﴾ وجملة: إليّ مرجعكم } مستأنفة استئنافاً بيانياً لزيادة تحقيق ما أشارت إليه مقدمة الآية من قوله ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ﴾ ، لأن بقية الآية لما آذنت بفظاعة أمر الشرك وحذرت من طاعة المرء والديه فيه كان ذلك مما يثير سؤالاً في نفوس الأبناء أنهم هل يعاملون الوالدين بالإساءة لأجل إشراكهما فأنبئوا أن عقابهما على الشرك مفوض إلى الله تعالى فهو الذي يجازي المحسنين والمسيئين.

والمرجع: البعث.

والإنباء: الإخبار، وهو مستعمل كناية عن علمه تعالى بما يعملونه من ظاهر الأعمال وخفيِّها، أي ما يخفونه عن المسلمين وما يكنونه في قلوبهم، وذلك أيضاً كناية عن الجزاء عليه من خير أو شر، ففي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ كنايتان: أولاهما إيماء، وثانيتهما تلويح، أي فأجازيكم ثواباً على عصيانهما فيما يأمران، وأجازيهما عذاباً على إشراكهما.

فجملة ﴿ والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لَنُدْخِلَنّهم في الصالحين ﴾ تصريح ببعض ما أفادته الكناية التي في قوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ ، اهتماماً بجانب جزاء المؤمنين.

وقد أشير إلى شرف هذا الجزاء بأنه جزاء الصالحين الكاملين كقوله ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ [النساء: 69]؛ ألا ترى إلى قول سليمان ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾ [النمل: 19].

(ومن لطيف مناسبة هذا الظرف في هذا المقام أن المؤمن لما أمر بعصيان والديه إذا أمراه بالشرك كان ذلك مما يثير بينه وبين أبويه جفاء وتفرقة فجعل الله جزاءً عن وحشة تلك التفرقة أُنساً بجعله في عداد الصالحين يأنس بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألْزَمْناهُ أنْ يَفْعَلَ بِهِما بِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ ما وصَّيْناهُ بِهِ مِن بِرِّهِما حُسْنًا.

﴿ وَإنْ جاهَداكَ ﴾ أيْ ألْزَماكَ.

﴿ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَيْسَ لَكَ بِهِ حُجَّةٌ لِأنَّ الحُجَّةَ طَرِيقُ العِلْمِ.

الثّانِي: أنْ تَجْعَلَ لِي شَرِيكًا لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ.

﴿ فَلا تُطِعْهُما ﴾ فَأمَرَ بِطاعَةِ الوالِدَيْنِ في الواجِباتِ حَتْمًا وفي المُباحاتِ نَدْبًا ونَهى عَنْ طاعَتِهِما في المَحْظُوراتِ جَزْمًا، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ: لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ.

﴿ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ يَعْنِي في القِيامَةِ.

﴿ فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ يُسْتَحَقُّ بِهِ الثَّوابُ وشَرٍّ يُسْتَوْجَبُ بِهِ عِقابٌ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها وإنْ عَمَّ حُكْمُها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وقَدْ حَلَفَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ وأقْسَمَتْ ألّا تَأْكُلَ طَعامًا حَتّى يَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ  .

قالَهُ مُصْعَبٌ وسَعْدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قالت أمي: لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بمحمد، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يسجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية ﴿ ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ﴾ قال: أنزلت في سعد بن مالك رضي الله عنه لما هاجر قالت امه: والله لا يظلني ظل حتى يرجع، فأنزل الله في ذلك أن يحسن إليهما، ولا يطيعهما في الشرك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ قال الأخفش: هو على: ووصيناه بحسن، وقد تقول العرب: وصيته خيرًا، أي: وصيته بخير (١) (٢) (٣) قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك، لما هاجر قالت أمه: والله لا يظلني ظل بيت حمَى ترجع إلى ما كنت عليه، فحثَّ الله سعدًا على البر بأمه، ونهاه أن يطيعها في الشرك؛ وهو قوله: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ (٤) ﴿ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل لأمه، والقصة في ذلك مشهورة (٥) ثم أوعد بالمصير إليه فقال: ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها لأجازيكم عليها؛ لأن فائدة الإخبار هنا: المجازاة عليها.

والمعنى: أن طاعة الله في البر بالأم عمل صالح، [وطاعة الأم بالشرك بالله عن شيء يجازي الله عليها من عمل بأجرها] (٦) (١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 655.

(٢) قال ابن جرير 20/ 131: وقال بعض نحوي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حسنًا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي دلالة على ما سقط.

وذكر هذا القول الثعلبي 8/ 156 أ، ونسبه لأهل الكوفة.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.

(٤) أخرج سبب نزول هذه الآية مسلم في "صحيحه" 4/ 1877، كتاب: فضائل الصحابة، رقم (1748) بعد حديث رقم (2412).

وأخرجه كذلك أبو يعلى == الموصلي، في مسنده 2/ 116، رقم (782).

وروى بعضه البخاري، في "الأدب المفرد"، باب: بر الوالد المشرك، رقم (24)، "صحيح الأدب المفرد" (40).

وأخرجه ابن جرير 20/ 131، عن قتادة.

وابن أبي حاتم 9/ 3036، عن قتادة، ومصعب بن سعيد.

وذكره مقاتل 71 أ.

والثعلبي 8/ 156 أ.

وأخرجه الواحدي بإسناده في "الوسيط" 3/ 414، وكذا في أسباب النزول 340، لكن صدَّره في "أسباب النزول" بقوله: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص ..

فلعله يريد بذلك: الاتفاق على نزولها في سعد -  -، والله أعلم.

(٥) ذكر الواحدي هذه القصة في كتابه "أسباب النزول" 169، عند قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً  ﴾ ولم أجدها في تفسيره البسيط؛ حيث أفاد محقق سورة النساء أن تفسير هذه الآية من القسم المفقود من الكتاب، "البسيط".

وذكر هذه القصة الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف"، في سورة النساء 1/ 339، وفي سورة العنكبوت 3/ 41، وملخص هذه القصة: أن عياش هاجر مع عمر بن الخطاب -  -، مترافقين، حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه ..

فنزلا بعياش فقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام، وبر الوالدين، وقد تركت أمك لا تطعم، ولا تأوي بيتًا حتى تراك وهي أشد حبًا لك منا، فاخرج معنا فاستشار عمر، فقال: هما يخدعانك ولك عليَّ أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد خلأت فاحملني معك، قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه، ونزلا فجلداه كل واحد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه، قالت له: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد ففتناه فافتتن.

قال الزيلعي: رواه البزار في مسنده، ثم ساق سنده، ثم قال: وكذلك رواه ابن هشام في السيرة، عن ابن إسحاق بسنده المذكور ومتنه سواء، ونقله الثعلبي بلفظ المصنف عن مقاتل.

وقد ألمح ابن حجر إلى نقد هذه == الرواية فقال: أخرجه الثعلبي بغير سند، والواحدي عن ابن الكلبي، ورواه الطبري من طريق أسباط عن السدي بتغيير يسير.

الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1/ 538.

ومعنى: خلأت: بركت فلم تقم.

"تهذيب اللغة" 7/ 577 (خلأ).

(٦) ما بين المعقوفين هكذا كتب في النسختين؛ ولعل الصواب -والله أعلم-: وطاعة الأم بالشرك بالله عمل سيئ يجازي الله عليها من عمل بها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حُسْناً ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً، أو مصدراً من معنى وصينا أي وصية حسنة ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي ﴾ الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وأنه لما أسلم حلفت أمهك أن لا تستظل بظل حتى يكفر وقيل: نزلت في غيره ممن جرى له مثل ذلك، فأمرهم الله بالثبات على الإسلام، وألا يطيعوا الوالدين إذا أمروهم بالكفر، وعبَّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.

﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.

﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد  ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك  ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.

وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.

قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.

وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.

ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك  ﴾ ﴿ يس والقرآن  ﴾ ﴿ ص والقرآن  ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب  ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص  ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم  ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.

وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.

ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.

واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.

وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.

وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله  : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.

قال: والترك بمعنى التصيير.

فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.

وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله  في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا  ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.

والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.

فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.

فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟

أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟

ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.

وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله  ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".

والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.

وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.

وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.

قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.

وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم  ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.

ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.

أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا  ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.

وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.

واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.

وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.

فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.

ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.

إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.

ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.

وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.

ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.

أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.

قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.

وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.

وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.

وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.

وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله  وقال رسول الله  تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله  عنه.

وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.

ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.

يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.

ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.

ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله  .

وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.

ثم إنه  ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.

فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.

وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.

أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.

وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.

أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟

ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم  ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً  ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.

وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.

وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.

فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.

وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.

وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.

وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه  عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.

يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.

وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله  سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.

ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.

ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.

وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.

وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.

وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.

وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.

ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.

وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.

ثم أخبر أنه  أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.

اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.

وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.

وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.

كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.

وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.

ثم أخبر الله  عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.

ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.

ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.

أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.

ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟

سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.

الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.

فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.

فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.

وأيضاً المقصود تثبيت النبي  ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.

وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.

قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.

فاعترضوا عليهم بعمر نوح  وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.

ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.

ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال  "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.

وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.

والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.

وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.

التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.

فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.

﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.

﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.

ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى  : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فهو احق برعاية الحقوق منهما.

﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.

والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.

﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : كأن ما عملوا من الحسنات والصالحات يكفر بها سيئاتهم.

وقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن جزاءهم الذي يجزون بتلك الأعمال أحسن من أعمالهم التي عملوا؛ لأن قدر ذلك الجزاء عندهم أعظم وأحسن من قدر [ما علموا] من أعمالهم؛ إذ ليس لأعمالهم عندهم كبير قيمة وقدر؛ إذ منهم من يحيي ليله بدرهم وبما يسد به حاجتهم في يوم أو ليلة.

والثاني: أن الأعمال التي يعملها المرء تكون على وجوه سيئات تكفر بالتوبة أو بما كان يعاقبون عليها، وحسنات يجزون بها الثواب الجزيل، وإباحات يعملون لحوائج أنفسهم مما لا يعاقبون عليه ولا يثابون، فيقول - والله أعلم -: لنجزينهم أحسن الذي عملوا وهو الحسنات والخيرات عملوها لله.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أن نكفر سيئاتهم بنوع من الحسنات ويثابون على أحسنها، وهو ما قال: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ .

وقرئ أيضاً: ﴿ إحسانا ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ حُسْناً ﴾ أجمع وأقرب؛ لأنه يرجع إلى حسن الشيء في نفسه، وإلى حسنه عند ذلك الإنسان؛ يقال: حسن كذا إذا كان في نفسه حسنا، والإحسان: هو ما يحسن عند ذلك المعمول له، أو كلام نحو هذا.

قال الشيخ -  -: لكن الإحسان هو اسم ما حسن أيضاً في نفسه، يقال: أحسن، فإذا أحسن، فقد حسن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : إن كان هذا الخطاب لأهل الإيمان فيكون تأويل الآية: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: بأن له شريكاً، أي: تعلم بأن ليس له شريك فلا تشرك به؛ وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: يعلم بخلاف ما يقولون؛ فعلى ذلك قوله يحتمل ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ بأن له شريكا، أي: لك العلم بخلافه: بأن ليس له شريك.

وإن كان الخطاب لأهل الكفر يقولون على الله ما ليس لهم به علم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تُطِعْهُمَآ ﴾ : أمر بالبرّ للوالدين والإحسان إليهما والطاعة لهما ما لم يكن في طاعتهما معصية الربّ؛ ليعلم أن ليس يجب طاعتهما في كل شيء وفي كل ما كان عندهما إحساناً، ولكن فيما كان في ذلك طاعة الخالق.

وقوله: ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ : وعيد لتكونوا أبداً على حذر في أعمالكم لا تعملون بما فيه معصية الرب.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : كأنه قال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولهم سيئات، لنكفرن عنهم تلك السيئات بأعمالهم الصالحات، ثم لندخلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم وهم الأنبياء، إذ أكثر ما ذكر في الكتاب الصالحين إنما أريد بهم الأنبياء - صلوات الله عليهم - وهو ما ذكرنا - والله أعلم - على تكفير السيئات عنهم على ما ذكر فيما تقدم، وهو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: لنجعلنهم من الصالحين.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ ﴾ وهم قد عملوا الصالحات؟

قيل: معناه ما ذكرنا بدءاً: أنهم قد عملوا الصالحات إلا أن لهم سيئات يكفرها بالصالحات، ثم ليجعلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما ويحسن إليهما، وإن جاهدك والداك -أيها الإنسان- لتشرك بي ما ليس لك بإشراكه علم - كما وقع لسعد بن أبي وقاص  من أمه - فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إليّ وحدي رجوعكم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، وأجازيكم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.GagVR"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل