الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ١٩ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي : بخلاء بالمودة ، والشفقة عليكم .
وقال السدي : ( أشحة عليكم ) أي : في الغنائم .
( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) أي : من شدة خوفه وجزعه ، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ( فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) أي : فإذا كان الأمن ، تكلموا كلاما بليغا فصيحا عاليا ، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة ، وهم يكذبون في ذلك .
وقال ابن عباس : ( سلقوكم ) أي : استقبلوكم .
وقال قتادة : أما عند الغنيمة فأشح قوم ، وأسوأه مقاسمة : أعطونا ، أعطونا ، قد شهدنا معكم .
وأما عند البأس فأجبن قوم ، وأخذله للحق .
وهم مع ذلك أشحة على الخير ، أي : ليس فيهم خير ، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر : أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة وفي الحرب أمثال النساء العوارك أي : في حال المسالمة كأنهم الحمير .
والأعيار : جمع عير ، وهو الحمار ، وفي الحرب كأنهم النساء الحيض; ولهذا قال تعالى : ( أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ) أي : سهلا هينا عنده .
وقوله: (أشحَّةً عَلَيْكُمْ) اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به هؤلاء المنافقين في هذا الموضع من الشح، فقال بعضهم: وصفهم بالشحّ عليهم في الغنيمة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ) في الغنيمة.
وقال آخرون: بل وصفهم بالشحّ عليهم بالخير.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ) قال: بالخير المنافقون، وقال غيره: معناه: أشحة عليكم بالنفقة على ضعفاء المؤمنين منكم.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشحّ، ولم يخصص وصفهم من معاني الشحّ، بمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به: أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين.
ونصب قوله: (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ) على الحال من ذكر الاسم الذي في قوله: (وَلا يَأْتُونَ البأْسَ) كأنه قيل: هم جبناء عند البأس، أشحاء عند قسم الغنيمة بالغنيمة.
وقد يحتمل أن يكون قطعا من قوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) فيكون تأويله: قد يعلم الله الذين يعوّقون الناس على القتال، ويشحون عند الفتح بالغنيمة، ويجوز أن يكون أيضا قطعا من قوله: هلم إلينا أشحة، وهم هكذا أشحة.
ووصفهم جلّ ثناؤه بما وصفهم من الشحّ على المؤمنين لما في أنفسهم لهم من العداوة والضغن.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ) أي للضغن الذي في أنفسهم.
وقوله: (فإذَا جاءَ الخَوْفُ ...) إلى قوله: (مِنَ المَوْتِ) يقول تعالى ذكره: فإذا حضر البأس، وجاء القتال خافوا الهلاك والقتل، رأيتهم يا محمد ينظرون إليك لواذا بك، تدور أعينهم خوفا من القتل، وفرارا منه (كالَّذي يُغْشَى علَيْهِ مِنَ المَوْتِ) يقول: كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به (فإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ) يقول: فإذا انقطعت الحرب واطمأنوا(سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ) .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ) مِنَ الخَوْفِ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) أي إعظامًا وفَرقا منه وأما قوله: (سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ) فإنه يقول: عضوكم بألسنة ذربة.
ويقال للرجل الخطيب الذرب اللسان: خطيب مسلق ومصلق، وخطيب سَلاق وصَلاق.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف تعالى ذكره هؤلاء المنافقين أنهم يسلقون المؤمنين به، فقال بعضهم: ذلك سلقهم إياهم عند الغنيمة بمسألتهم القسم لهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) أما عند الغنيمة، فأشحّ قوم وأسوأ مقاسمة، أعطونا أعطونا فإنا قد شهدنا معكم.
وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحقّ.
وقال آخرون: بل ذلك سلقهم إياهم بالأذَى.
* ذكر ذلك عن ابن عباس: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: (سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ) قال: استقبلوكم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد (سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ) قال: كلموكم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يسلقونهم من القول بما تحبون نفاقا منهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) في القول بما تحبون لأنهم لا يرجون آخرة، ولا تحملهم حسبة، فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده.
وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل قول من قال: ( سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) فأخبر أن سلقهم المسلمين شحا منهم على الغنيمة والخير، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلب الغنيمة.
وإذا كان ذلك منهم لطلب الغنيمة دخل في ذلك قول من قال: معنى ذلك: سلقوكم بالأذى، لأن فعلهم ذلك كذلك لا شكّ أنه للمؤمنين أذى.
وقوله: (أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ) يقول: أشحة على الغنيمة إذا ظفر المؤمنون.
وقوله: (لَمْ يُؤْمِنُوا فأحْبَطَ اللهُ أعمالَهُمْ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم في هذه الآيات لم يصدّقوا الله ورسوله.
ولكنهم أهل كفر ونفاق، (فَأَحْبَطَ اللهُ أعمالَهُمْ) يقول: فأذهب الله أجور أعمالهم وأبطلها.
وذُكر أن الذي وصف بهذه الصفة كان بدريا، فأحبط الله عمله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) قال: فحدثني أبي أنه كان بدريا، وأن قوله: (فأَحْبَطَ اللهُ أعمالَهُمْ) أحبط الله عمله يوم بدر.
وقوله: (وكانَ ذلكَ على اللهِ يَسِيرًا) يقول تعالى ذكره: وكان إحباط عملهم الذي كانوا عملوا قبل ارتدادهم ونفاقهم على الله يسيرا.
قوله تعالى : أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا .قوله تعالى : أشحة عليكم أي بخلاء عليكم ; أي بالحفر في الخندق والنفقة في سبيل الله ; قاله مجاهد وقتادة .
وقيل : بالقتال معكم .
وقيل : بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم .
وقيل : أشحة بالغنائم إذا أصابوها ; قاله السدي .
وانتصب على الحال .
قال الزجاج : ونصبه عند الفراء من أربع جهات : إحداها : أن يكون على الذم ; ويجوز أن يكون عنده نصبا بمعنى يعوقون أشحة .
ويجوز أن يكون التقدير : والقائلين أشحة .
ويجوز عنده ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة ; أي أنهم يأتونه أشحة على الفقراء بالغنيمة .
النحاس : ولا يجوز أن يكون العامل فيه المعوقين ولا القائلين ; لئلا يفرق بين الصلة [ ص: 141 ] والموصول .
ابن الأنباري : إلا قليلا غير تام ; لأن أشحة متعلق بالأول ، فهو ينتصب من أربعة أوجه : أحدها : أن تنصبه على القطع من المعوقين كأنه قال : قد يعلم الله الذين يعوقون عن القتال ويشحون عن الإنفاق على فقراء المسلمين .
ويجوز أن يكون منصوبا على القطع من القائلين أي وهم أشحة .
ويجوز أن تنصبه على القطع مما في يأتون ; كأنه قال : ولا يأتون البأس إلا جبناء بخلاء .
ويجوز أن تنصب أشحة على الذم .
فمن هذا الوجه الرابع يحسن أن تقف على قوله : إلا قليلا .أشحة عليكم وقف حسن .
ومثله ( أشحة على الخير ) حال من المضمر في ( سلقوكم ) وهو العامل فيه .
فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت وصفهم بالجبن ; وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا بصره ، وربما غشي عليه .
وفي الخوف وجهان : أحدهما : من قتال العدو إذا أقبل ; قاله السدي .
الثاني : الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلب ; قاله ابن شجرة .
رأيتهم ينظرون إليك خوفا من القتال على القول الأول .
ومن النبي صلى الله عليه وسلم على الثاني .
تدور أعينهم لذهاب عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة .
وقيل : لشدة خوفهم حذرا أن يأتيهم القتل من كل جهة .
فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد وحكى الفراء ( صلقوكم ) بالصاد .
وخطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا .
وأصل الصلق الصوت ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله الصالقة والحالقة والشاقة .
قال الأعشى :فيهم المجد والسماحة والنج دة فيهم والخاطب السلاققال قتادة : ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة ، يقولون : أعطنا أعطنا ، فإنا قد شهدنا معكم .
فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا ، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم .
قال النحاس : هذا قول حسن ; لأن بعده ( أشحة على الخير ) وقيل : المعنى بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم .
وقال القتبي : المعنى آذوكم بالكلام الشديد .
السلق : الأذى .
ومنه قول الشاعر :ولقد سلقنا هوازنا بنواهل حتى انحنينا( أشحة على الخير ) ؛ أي على الغنيمة ; قاله يحيى بن سلام .
وقيل : على المال أن [ ص: 142 ] ينفقوه في سبيل الله ; قاله السدي .
أولئك لم يؤمنوا يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان ; والمنافق كافر على الحقيقة لوصف الله عز وجل لهم بالكفر .
( فأحبط الله أعمالهم ) ؛ أي لم يثبهم عليها ; إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها .
وكان ذلك على الله يسيرا يحتمل وجهين : أحدهما : وكان نفاقهم على الله هينا .
الثاني : وكان إحباط عملهم على الله هينا .
{ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم.
{ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } نظر المغشى عليه { مِنَ الْمَوْتِ } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفًا من إجبارهم على ما يكرهون، من القتال.{ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ } وصاروا في حال الأمن والطمأنينة، { سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة } أي: خاطبوكم، وتكلموا معكم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة.وحين تسمعهم، تظنهم أهل الشجاعة والإقدام، { أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ } الذي يراد منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء اللّه، أو يدعو إلى سبيل اللّه، شحيحًا بجاهه، شحيحًا بعلمه، ونصيحته ورأيه.{ أُولَئِكَ } الذين بتلك الحالة { لَمْ يُؤْمِنُوا } بسبب عدم إيمانهم، أحبط الله أعمالهم، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } وأما المؤمنون، فقد وقاهم اللّه، شح أنفسهم، ووفقهم لبذل ما أمروا به، من بذل لأبدانهم في القتال في سبيله، وإعلاء كلمته، وأموالهم، للنفقة في طرق الخير، وجاههم وعلمهم.
( أشحة عليكم ) بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة ، وقال قتادة : بخلاء عند الغنيمة ، وصفهم الله بالبخل والجبن ، فقال : ( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم ) في الرءوس من الخوف والجبن ( كالذي يغشى عليه من الموت ) أي : كدوران الذي يغشى عليه من الموت ، وذلك أن من قرب من الموت غشيه أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره ، فلا يطرف ( فإذا ذهب الخوف سلقوكم ) آذوكم ورموكم في حال الأمن ( بألسنة حداد ) ذربة ، جمع حديد .
يقال للخطيب الفصيح الذرب اللسان : مسلق ومصلق وسلاق وصلاق .
قال ابن عباس : سلقوكم أي : عضوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة .
وقال قتادة : بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة ، يقولون أعطونا فإنا قد شهدنا معكم القتال ، فلستم أحق بالغنيمة منا فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم ( أشحة على الخير ) أي : عند الغنيمة يشاحون المؤمنين ( أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ) قال مقاتل : أبطل الله جهادهم ( وكان ذلك على الله يسيرا )
«أشحة عليكم» بالمعاونة، جمع شحيح وهو حال من ضمير يأتون «فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي» كنظر أو كدوران الذي «يغشى عليه من الموت» أي سكراته «فإذا ذهب الخوف» وحيزت الغنائم «سلقوكم» آذوكم أو ضربوكم «بألسنة حداد أشحة على الخير» أي الغنيمة يطلبونها «أولئك لم يؤمنوا» حقيقة «فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك» الإحباط «على الله يسيرا» بإرادته.
بُخَلاء عليكم -أيها المؤمنون- بالمال والنفس والجهد والمودة لما في نفوسهم من العداوة والحقد؛ حبًا في الحياة وكراهة للموت، فإذا حضر القتال خافوا الهلاك ورأيتهم ينظرون إليك، تدور أعينهم لذهاب عقولهم؛ خوفًا من القتل وفرارًا منه كدوران عين مَن حضره الموت، فإذا انتهت الحرب وذهب الرعب رموكم بألسنة حداد مؤذية، وتراهم عند قسمة الغنائم بخلاء وحسدة، أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم، فأذهب الله ثواب أعمالهم، وكان ذلك على الله يسيرًا.
ثم أخذت السورة الكريمة فى تصوير ما جبلوا عليه من سوء تصويرا معجزا ، فقال - تعالى - ( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) ، جمع شحيح من الشح وهو البخل فى أبح صوره .
ولفظ ( أَشِحَّةً ) منصوب على الحال من الضمير فى قوله : ( وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : أن من صفات هؤلاء المنافقين الجبن والخور ، حالة كونهم بخلاء بكل خير يصل إليكم - أيها المؤمنون - فهم لا يعاونوكم فى حفر الخندق ، ولا فى الدفاع عن الحق والعرض والشرف ولا فى أى شئ فيه منفعة لكم .( فَإِذَا جَآءَ الخوف ) ، أى فإذا اقترب الوقت الذى يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم .
( رَأَيْتَهُمْ ) أيها الرسول الكريم - ( يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ) بجبن وهلع ( تَدورُ أَعْيُنُهُمْ ) فى مآقيهم يمينا وشمالا .وحالهم كحال الذى ( يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ) أى : كحال الذى أحاط به الموت من كل جانب ، فصار فى أقصى دركات الوهن والخوف والفزع .هذه هى حالهم عندما يتوقعون الشدائد والمخاوف ، أما حالهم عند الأمان وذهاب الخوف ، فهى كما قال - تعالى - ( فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) .وقوله ( سَلَقُوكُمْ ) من السَّلْق .
وأصله بسط العضو ومده للأذى ، سواء أكان هذا العضو يدا أو لسانا .
والمراد به الإِيذاء بالكلام السيئ القبيح .أى : أنهم عند الشدائد جبناء بخلاء ، فإذا ما ذهبا لخوف وحل الأمان ، سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء ، ورموكم بألسنة ماضية حادة ، تؤثر تأثير الحديد فى الشئ ، وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم ، صار حالهم كحال المغشى عليه من الموت .ثم هم بعد كل ذلك ( أَشِحَّةً عَلَى الخير ) أى بخلاء بكل خير ، فهم يحرصون على جمع الغنائم ، وعلى الأموال بكل وسيلة ، ولكنهم لا ينفقون شيئا منها فى وجه من وجوه الخير والبر .قال ابن كثير قوله ( أَشِحَّةً عَلَى الخير ) أى : ليس فيهم خير ، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير ، فهم كما قال فى أمثالهم الشاعر :أفى السلم أعْيَاراً جفاء وغلظة ...
وفى الحرب أمثال النساء العواركأى : هم فى حال المسالمة كأنهم الحمير الأعيار .
جمع عير وهو الحمار .
وفى الحرب كأنهم النساء الحيض .ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : ( أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً ) .أى : أولئك المنافقون الموصوفون بما سبق من الصفات السيئة ( لَمْ يُؤْمِنُواْ ) بما يجب الإِيمان به إيمانا صادقا ، بل قالوا بألسنتهم قولا تكذبه قلوبهم وأفعالهم ( فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ ) بأن أبطلها وجلها هباء منثورا ، وكان ذلك الإِحباط على الله - سبحانه - هينا يسيرا .وخص - سبحانه - يُسْرَ إحباط عملهم بالذكر مع أن كل شئ يسير عليه - تعالى - لبيان أن أعمالهم جديرة بالإِحباط والإِفساد ، لصدورها عن قلوب مريضة ، ونفوس خبيثة .قال صاحب الكشاف : وهل يثبت للمنافقين عمل حتى يرد عليه الإِحباط؟قلت : لا ، لكنه تعليم لن عسى يظن أن الإِيمان باللسان إيمان ، وإن لم يوطئه القلب ، وإن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدى عليه ، فبين أن إيمانه ليس بإيمان ، وأن كل عمل يوجد منه باطل ، وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإِيمان الصحيح ، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء من غير أساس ، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثورا .
قوله تعالى: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ييأتون البأس إلا قليلاً أشحة عليكم ﴾ .
أي الذين يثبطون المسلمين ويقولون تعالوا إلينا ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان: أحدهما: أنهم المنافقون الذين كانوا يقولون للأنصار لا تقاتلوا وأسلموا محمداً إلى قريش وثانيهما: اليهود الذين كانوا يقولون لأهل المدينة تعالوا إلينا وكونوا معنا وهلم بمعنى تعال أو احضر ولا تجمع في لغة الحجاز وتجمع في غيرها فيقال للجماعة هلموا وللنساء هلمن، وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يؤيد الوجه الأول وهو أن المراد منهم المنافقون وهو يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ لاَ يَأْتُونَ البأس ﴾ بمعنى يتخلفون عنكم ولا يخرجون معكم وحينئذٍ قوله تعالى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ أي بخلاء حيث لا ينفقون في سبيل الله شيئاً وثانيهما: لا يأتون البأس بمعنى لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم، وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ أي بأنفسهم وأبدانهم.
ثم قال تعالى: ﴿ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ .
إشارة إلى غاية جبنهم ونهاية روعهم، واعلم أن البخل شبيه الجبن، فلما ذكر البخل بين سببه وهو الجبن والذي يدل عليه هو أن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك، وأما بالنفس والبدن فكذلك فإن الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام، وأما الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر فيقدم، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُم ﴾ أي غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون نحن الذين قاتلنا وبنا انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب، وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الخير ﴾ قيل الخير المال ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثيرو الشر في الوقتين في الأول يبخلون، وفي الآخر كذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أعمالهم وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظاً فأحبط الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله: ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه، فإن من أحرق شيئاً يبقى منه رماد، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها، وأما العمل فهو في العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم حقيقة وحكماً فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المعوقين ﴾ المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون: كانوا يقولون ﴿ لإخوانهم ﴾ من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم و ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ أي قربوا أنفسكم إلينا.
وهي لغة أهل الحجاز: يسوّونَ فيه بين الواحد والجماعة.
وأمّا تميم فيقولون: هلمّ يا رجل، وهلموا يا رجال، وهو صوت سمي به فعل متعدّ مثل احضر وقرب ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ ﴾ [الأنعام: 15] ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ إلا اتياناً قليلاً يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يبارزون ويقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطرّوا إليه، كقوله: ﴿ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ في تلك الحالة كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذراً أو خوراً ولواذاً بك، فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة: نقلوا ذلك الشحّ وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير- وهو المال والغنيمة- ونسوا تلك الحالة الأولى، واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا: وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوّكم وبنا نصرتم عليهم.
ونصب ﴿ أَشِحَّةً ﴾ على الحال أو على الذمّ.
وقرئ: ﴿ أشحة ﴾ ، بالرفع.
و ﴿ صلقوكم ﴾ بالصاد.
فإن قلت: هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟
قلت: لا ولكنه تعليم لمن عسى يظن أنّ الإيمان باللسان إيمان وإن لم يوطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدي عليه، فبين أنّ إيمانه ليس بإيمان، وأنّ كل عمل يوجد منه باطل.
وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان الصحيح، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء على غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثوراً.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ وكل شيء عليه يسير؟
قلت: معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف ﴿ يَحْسَبُونَ ﴾ أنّ الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن المفرط ﴿ وَإِن يَأْتِ الأحزاب ﴾ كرّة ثانية.
تمنوا لخوفهم مما منوا به هذه الكرّة أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب ﴿ يَسْئَلُونَ ﴾ كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ ﴾ ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال- لم يقاتلوا إلا تعلة رياء وسمعة.
وقرئ: ﴿ بدّي ﴾ على فعَّل جمع باد كغاز وغزَّي.
وفي رواية صاحب الإقليد: ﴿ بديّ ﴾ ، بوزن عديّ.
ويساءلون، أي: يتساءلون.
ومعناه: يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعت؟
ماذا بلغك؟
أو يتساءلون الأعراب كما تقول: رأيت الهلال وتراءيناه: كان عليكم أن تواسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسكم فتوازروه وتثبتوا معه، كما آساكم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مرحى الحرب، حتى كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالمُعاوَنَةِ أوِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ الظَّفَرِ أوِ الغَنِيمَةِ، جَمْعُ شَحِيحٍ ونَصْبُها عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ أوِ المُعَوِّقِينَ أوْ عَلى الذَّمِّ.
﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ ﴾ في أحْداقِهِمْ.
﴿ كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ ﴾ كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ أوْ كَدَوَرانِ عَيْنَيْهِ، أوْ مُشَبَّهِينَ بِهِ أوْ مُشَبَّهَةٌ بِعَيْنِهِ.
﴿ مِنَ المَوْتِ ﴾ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ خَوْفًا ولِواذًا بِكَ.
﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ ﴾ وحِيزَتِ الغَنائِمُ.
﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ ضَرَبُوكم.
﴿ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ ذَرِبَةٍ يَطْلُبُونَ الغَنِيمَةَ، والسَّلْقُ البَسْطُ بِقَهْرٍ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ.
﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أوِ الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُقَيَّدٌ مِن وجْهٍ.
﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ إخْلاصًا.
﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ فَأظْهَرَ بُطْلانَها إذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهم أعْمالٌ فَتَبْطُلُ أوْ أبْطَلَ تَصَنُّعَهم ونِفاقَهم.
﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ الإحْباطُ.
﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ هَيِّنًا لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِهِ وعَدَمِ ما يَمْنَعُهُ عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
{أَشِحَّةً} جمع شحيح وهو البخيل نصب على الحال من الضمير في يَأْتُونَ أي يأتون الحرب بخلاء {عَلَيْكُمْ} بالظفر والغنيمة {فَإِذَا جَاء الخوف} من قبل العدو أو منه عليه السلام {رأيتهم ينظرون إليك} فى تلك الجملة {تَدورُ أَعْيُنُهُمْ} يميناً وشمالاً {كالذى يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت} كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا ولو اذا بك {فَإِذَا ذَهَبَ الخوف} زال ذلك الخوف وأمنوا وحيزت الغنائم {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}
خاطبوكم مخاطبة شديدة وآذوكم بالكلام خطيب مسلق فصيح ورجل مسلاق مبالغ في الكلام أي يقولون وفروا فسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم {أَشِحَّةً عَلَى الخير} أي خاطبوكم أشحة على المال والغنيمة وأشحة حال من فاعل سَلَقُوكُم {أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} في الحقيقة بل بالألسنة {فَأَحْبَطَ الله أعمالهم} أبطل بإضمارهم الكفر ما أظهروه من الأعمال {وَكَانَ ذلك} إحباط أعمالهم {عَلَى الله يَسِيراً} هينا
﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالنَّفَقَةِ والنُّصْرَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقِيلَ: بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، وقِيلَ: بِكُلِّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لَكُمْ، وصَوَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى أضِنّاءُ بِكم يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنْهُ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لَوْ غَلَبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهم مَن يَمْنَعُ الأحْزابَ عَنْهُمْ، ولا مَن يَحْمِي حَوْزَتَهم سِواهُمْ، وقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رِياءً، والأكْثَرُونَ ذَهَبُوا إلى ما سَمِعْتَ قَبْلُ، وعَدَلَ إلَيْهِ مُخْتَصِرُو كَشّافِهِ أيْضًا وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ، لِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَعْنى ما في التَّفْرِيعِ بَعْدُ، فَيَحْتاجُ إلى جَعْلِهِ تَفْسِيرًا، ورَجَّحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ فَقالَ: إنَّما اخْتارَهُ لِيُطابِقَ مَعْنًى، ويُقابِلَ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ: ﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ ولِأنَّ الِاسْتِعْمالَ يَقْتَضِيهِ، فَإنَّ الشُّحَّ عَلى الشَّيْءِ هو أنْ يُرادَ بَقاؤُهُ كَما في الصِّحاحِ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أضِنّاءُ بِكُمْ، وما ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لا يُساعِدُهُ الِاسْتِعْمالُ انْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ: إنْ سَلِمَ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعْمالِ كانَ مُتَعَيِّنًا، وإلّا فَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، ( وأشِحَّةً ) جَمِيعُ شَحِيحٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ، إذْ قِياسُ فَعِيلٍ الوَصْفُ المُضَعَّفُ عَيْنُهُ ولامُهُ أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعِلاءَ كَضَنِينٍ وأضِنّاءَ وخَلِيلٍ وأخِلّاءَ فالقِياسُ أشِحّاءُ وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ونَصْبُهُ عِنْدَ الزَّجّاجِ وأبِي البَقاءِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( يَأْتُونَ ) عَلى مَعْنى تَرَكُوا الإتْيانَ أشِحَّةً، وقالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ يُعَوِّقُونَ مُضْمَرًا، ونُقِلَ أوَّلُهُما عَنِ الطَّبَرِيِّ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: مِنَ ﴿ المُعَوِّقِينَ )، ﴾ أوْ مِنَ القائِلِينَ، ورُدّا بِأنَّ فِيهِما الفَصْلَ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الفاصِلَ مِن مُتَعَلِّقاتِ الصِّلَةِ، وإنَّما يَظْهَرُ الرَّدُّ عَلى كَوْنِهِ حالًا مِنَ ( المُعَوِّقِينَ )، لِأنَّهُ قَدْ عُطِفَ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَ تَمامِ صِلَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أشِحَّةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَإٍ أيْ هم أشِحَّةٌ، ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ ﴾ أيْ أحْداقُهم أوْ بِأحْداقِهِمْ عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى تُدِيرُ أعْيُنَهم أحْداقُهُمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ دائِرَةً أعْيُنُهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
﴿ كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ ( يَنْظُرُونَ )، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوْ لِمَصْدَرِ ﴿ تَدُورُ )، ﴾ أوْ حالٌ مِن ﴿ أعْيُنُهم )، ﴾ أيْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا كائِنًا كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ حَذَرًا وخَوْفًا ولِواذًا بِكَ أوْ يَنْظُرُونَ كائِنِينَ، كالَّذِي إلَخْ، أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم دَوَرانًا كائِنًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي إلَخْ، أوْ تَدُورُ أعْيُنُهم كائِنَةً كَعَيْنِ الَّذِي إلَخْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم في رُؤْيَتِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يُلَوِّحَ لَهم مُضْرِبٌ لِأنَّهم يَحْضُرُونَ عَلى نِيَّةِ شَرٍّ، لا عَلى نِيَّةِ خَيْرٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، ﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ أيْ آذَوْكم بِالكَلامِ، وخاصَمُوكم بِألْسِنَةٍ سَلِطَةٍ ذَرِبَةٍ قالَهُ الفَرّاءُ، وعَنْ قَتادَةَ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، وقْتَ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ يَقُولُونَ: أعْطُونا أعْطُونا، فَلَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم في أذاكُمْ، وسَبِّكُمْ، وتَنْقِيصِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أصْلُ السَّلْقِ بَسْطُ العُضْوِ ومَدُّهُ لِلْقَهْرِ سَواءٌ كانَ يَدًا أوْ لِسانًا، فَسَلْقُ اللِّسانِ بِإعْلانِ الطَّعْنِ والذَّمِّ، وفُسِّرَ السَّلْقُ هُنا بِالضَّرْبِ مَجازًا كَما قِيلَ لِلذَّمِّ طَعْنٌ، والحامِلُ عَلَيْهِ تَوْصِيفُ الألْسِنَةِ بِحِدادٍ، وجُوِّزَ أنْ يُشَبَّهَ اللِّسانُ بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ ويُثْبَتُ لَهُ السَّلْقُ بِمَعْنى الضَّرْبِ تَخْيِيلًا، وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ السَّلْقِ في الآيَةِ فَقالَ: الطَّعْنُ بِاللِّسانِ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟
فَقالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الأعْشى: فِيهِمُ الخِصْبُ والسَّماحَةُ والنَّجْدَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ بِالمُخاطَبَةِ الشَّدِيدَةِ قالَ: مَعْنى سَلَقُوكم خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ وسَلّاقٌ إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم في السَّلْقِ رَفْعَ الصَّوْتِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ مِنّا مَن سَلَقَ أوْ حَلَقَ»» قالَ في النِّهايَةِ: أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وقِيلَ: أنْ تَصُكَّ المَرْأةُ وجْهَها وتَمْرُشَهُ، والأوَّلُ أصَحُّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى في الآيَةِ بَسَطُوا ألْسِنَتَهم في مُخادَعَتِكم بِما يُرْضِيكم مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «صَلَقُوكُمْ» بِالصّادِ.
﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ أيْ بُخَلاءَ حَرِيصِينَ عَلى مالِ الغَنائِمِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ، وقالَ الجُبّائِيُّ: أيْ بُخَلاءُ بِأنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ فِيهِ خَيْرٌ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى عُمُومِ الخَيْرِ.
ونُصِبَ ﴿ أشِحَّةً ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ أوْ عَلى الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ «أشِحَّةٌ» بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم أشِحَّةٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا حالِيَّةٌ كَما هو كَذَلِكَ عَلى الذَّمِّ، وغايَرَ بَعْضُهم بَيْنَ الشُّحِّ هُنا، والشُّحِّ فِيما مَرَّ بِأنَّ ما هُنا مُقَيَّدٌ بِالخَبَرِ المُرادِ بِهِ مالُ الغَنِيمَةِ وما مَرَّ مُقَيَّدٌ بِمُعاوَنَةِ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ، أوْ بِالإنْفاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَلا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ ما سَبَقَ، والزَّمَخْشَرِيُّ لِما ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ هُناكَ، قالَ هُنا: فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ، ونَسُوا تِلْكَ الحالَةَ الأُولى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِكم إلَخْ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في ذَلِكَ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذا، وما سَبَقَ: إنَّ المُرادَ مِمّا سَبَقَ ذَمُّهم بِالبُخْلِ بِكُلِّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ أوْ بِنَوْعٍ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ومِن هَذا ذَمُّهم بِالحِرْصِ عَلى المالِ، أوْ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، أوْ غَيْرِهِمْ، وهو أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ مِنَ الأوَّلِ، ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ السُّوءِ ﴿ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ بِالإخْلاصِ فَإنَّهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، وأبْطَنُوا في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ ﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ أظْهَرَ بُطْلانَها، لِأنَّها باطِلَةٌ مُنْذُ عُمِلَتْ إذْ صِحَّتُها مَشْرُوطَةٌ بِالإيمانِ بِالإخْلاصِ، وهم مُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وفي البَحْرِ: أيْ لَمْ يَقْبَلْها سُبْحانَهُ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ المُرادُ بِالأعْمالِ العِباداتُ المَأْمُورُ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ما عَمِلُوهُ نِفاقًا وتَصَنُّعًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِبادَةً، والمَعْنى فَأبْطَلَ عَزَّ وجَلَّ صُنْعَهم ونِفاقَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مُسْتَتْبِعًا لِمَنفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أصْلًا.
وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الأعْمالَ عَلى العِباداتِ، والإحْباطَ عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ نافَقَ بَعْدَ بَدْرٍ، ووَقَعَ مِنهُ ما وقَعَ، فَأحْبَطَ اللَّهُ تَعالى عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها، وصِيغَةُ الجَمْعِ تُبْعِدُ ذَلِكَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ فَإنَّ هَذا كَما هو ظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ قَدْ آمَنَ قَبْلُ، وأيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» يَأْبى ذَلِكَ، فالظّاهِرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
﴿ وكانَ ذَلِكَ ﴾ أيِ الإحْباطُ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ أيْ هَيِّنًا لا يُبالِي بِهِ، ولا يَخافُ سُبْحانَهُ اعْتِراضًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: أيْ هَيِّنًا سَهْلًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَخْصِيصُ يُسْرِهِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ تَعالى يَسِيرٌ لِبَيانِ أنَّ أعْمالَهم بِالإحْباطِ المَذْكُورِ لِكَمالِ تَعاضُدِ الحِكَمِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ، وعَدَمُ مانِعٍ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حالِهِمْ مِنَ الشُّحِّ ونَحْوِهِ، والمَعْنى كانَ ذَلِكَ الحالُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ هَيِّنًا لا يُبالِي بِهِ، ولا يَجْعَلُهُ سُبْحانَهُ سَبَبًا لِخِذْلانِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ بِذاكَ، والمَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ يعني: يرى المثبطين منكم، المانعين من القتال منكم وهم المنافقون وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ يعني: لأوليائهم وأصدقائهم هَلُمَّ إِلَيْنا يعني: ارجعوا إلينا إلى المدينة، وهذا بلغة أهل المدينة، يقولون للواحد وللاثنين والجماعة: هلم وسائر العرب تقول للجماعة: هلموا.
ثم قال: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وذلك أن المنافقين كانوا يقولون: إن لنا شغلاً، فيرجعون إلى المدينة، فإذا لقيهم أحد بالمدينة من المؤمنين يقولون: دخلنا لشغل ونريد أن نرجع.
وإذا لقوا أحداً من المنافقين يقولون: أي شيء تصنعون هناك؟
ارجعوا إلينا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ يعني: ولا يحضرون القتال إلا قليلاً، رياءً وسمعةً.
ولو كان ذلك لله لكان كثيراً وهذا كقوله: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.
ثم قال عز وجل: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ يعني: أشفقة عليكم، حباً لكم حتى يعوقكم يا معشر المسلمين.
ويقال: يعني: بخلاء في النفقة عليكمْ ويقال: فيه تقديم.
فكأنه يقول: ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي: لم يحضروا شفقة عليكم إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا قليلاً ولا كثيراً.
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ يعني: خوف القتال رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ من الخوف تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني: تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت، ونزعاته جبناً وخوفاً فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وجاءت قسمة الغنيمة سَلَقُوكُمْ يعني: رموكم.
ويقال: طعنوا فيكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ يعني: سلاط باسطة بالشر أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني: حرصاً على الغنيمة.
ويقال: بخلاً على الغنيمة أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني: لم يصدقوا حقّ التصديق فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل الله ثواب أعمالهم.
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: إبطال أعمالهم.
ويقال: عذابهم في الآخرة على الله هيّن.
ثم قال عز وجل: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا يعني: يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ مرة أخرى.
ويقال: حكاية عن الماضي يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يعني: تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يعني: عن أخباركم وأحاديثكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ يعني: معكم في القتال مَّا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياءً وسمعةً من غير حسبة.
وقرئ في الشاذ يُسْئَلُونَ بتشديد السين وأصله يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضاً.
وقراءة العامة يَسْئَلُونَ لأنهم يسألون القادمين.
ولا يسأل بعضهم بعضا.
قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الألف.
وقرأ الباقون: بالكسر.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
يعني: لقد كان لكم اقتداء بالنبي وقدوة حسنة، وسنة صالحة، لأنه كان أسبقهم في الحرب.
وكسرت رباعيته يوم أحد.
وَوَاسَاكُمْ بنفسه في مواطن الحرب.
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يعني: يخاف الله عز وجل: وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً باللسان وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ يعني: الجنود يوم الخندق والقتال قالُوا هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ في سورة البقرة وهو قوله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] الآية.
ويقال: إنه قد أخبرهم النبيّ أنه نازل ذلك الأمر.
فلما رأوه قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً يعني: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقاً لقول النبيّ وَجُرْأَةً وَتَسْلِيماً يعني: تواضعاً لأمر النبيّ .
ثم نعت المؤمنين: <div class="verse-tafsir"
معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.
ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.
ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد
من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .
وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:
ها المم.
وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.
وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.
وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.
وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.
ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:
خارجون إلى البادية.
فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.
يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.
ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.
ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.
ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .
رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.
وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:
وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟
قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.
وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟
قَالَ:
«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .
ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.
وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا انْصَرَفَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ وعِنْدَهُ شِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟!
فَقالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ؛ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا؛ فَقالَ لَهُ: كَذَبْتَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أما واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِأمْرِكَ، فَذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَسِيرًا ﴾ ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ، كانُوا إذا جاءَهم مُنافِقٌ قالُوا لَهُ: ويَحَكَ اجْلِسْ فَلا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ بِذَلِكَ إلى إخْوانِهِمُ الَّذِينَ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا بِالمَدِينَةِ فَإنّا نَنْتَظِرُكُمْ- يُثَبِّطُونَهم عَنِ القِتالِ- وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ لا يَجِدُوا بُدًّا، فَيَأْتُونَ العَسْكَرَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهُمْ، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والمُعَوِّقُ: المُثَبِّطُ؛ تَقُولُ: عاقَنِي فُلانٌ، واعْتاقَنِي، وعَوَّقَنِي: إذا مَنَعَكَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي تُرِيدُهُ.
وكانَ المُنافِقُونَ يُعَوِّقُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نُصّارَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المُنافِقُ الَّذِي قالَ لِأخِيهِ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ دَعَوْا إخْوانَهم مِنَ المُنافِقِينَ إلى تَرْكِ القِتالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ دَعَوُا المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ أيْ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ [القَلِيلُ] لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
المَعْنى: لا يَأْتُونَ الحَرْبَ إلّا تَعْذِيرًا، بُخَلاءَ عَلَيْكم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما شَحُّوا بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أشِحَّةٌ بِالخَيْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: بِالغَنِيمَةِ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: بِالظُّفْرِ والغَنِيمَةِ.
والرّابِعُ: بِالقِتالِ مَعَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جُبْنِهِمْ فَقالَ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ أيْ: إذا حَضَرَ القِتالُ ﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ أيْ: كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي دَنا مَوْتُهُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَإنَّهُ يَخافُ ويَذْهَلُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَخافُونَ القَتْلَ.
﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: آذَوْكم بِالكَلامِ في الأمْنِ ﴿ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: صَلَقُوكُمْ، بِالصّادِ، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ؛ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
وقَدْ قَرَأ بِالصّادِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في آخَرِينَ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ : خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ: إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ ﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ أيْ: خاطَبُوكم وهم أشِحَّةٌ عَلى المالِ والغَنِيمَةِ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ وقْتُ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، يَقُولُونَ: أعْطُونا فَلَسْتُمْ أحَقَّ بِها مِنّا؛ فَـأمّا عِنْدَ البَأْسِ، فَأجَبَنُ قَوْمٍ وأخْذُلُهُ لِلْحَقِّ، وأمّا عِنْدَ الغَنِيمَةِ، فَأشَحُّ قَوْمٍ.
وَفِي المُرادِ بِالخَيْرِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الغَنِيمَةُ.
والثّانِي: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِظَفَرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: هم وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، لِنِفاقِهِمْ ﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ الإحْباطُ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلى جُبْنِهِمْ، فَقالَ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ: يَحْسَبُ المُنافِقُونَ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ بَعْدَ انْهِزامِهِمْ وذَهابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا، ﴿ وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ \[أيْ\]: يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ كَرَّةً ثانِيَةً لِلْقِتالِ ﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْا لَوْ كانُوا في بادِيَةِ الأعْرابِ مِن خَوْفِهِمْ، ﴿ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ أيْ: ودُّوا لَوْ أنَّهم بِالبُعْدِ مِنكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكُمْ، فَيَقُولُونَ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، لِيَعْرِفُوا حالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا؛ وقِيلَ: بَلْ يَسْألُونَ شَماتَةً بِالمُسْلِمِينَ وفَرَحًا بِنَكَباتِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ القِتالَ مَعَكم ﴿ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا رَمْيًا بِالحِجارَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إلّا رِياءً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ثُمَّ عابَ مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ.
والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لَكم بِهِ اقْتِداءٌ لَوِ اقْتَدَيْتُمْ بِهِ في الصَّبْرِ [مَعَهُ] كَما صَبَرَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وشُجَّ جَبِينُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، وآساكم مَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ: " أُسْوَةٌ " بِضَمِّ الألِفِ؛ والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ وأسَدٌ يَقُولُونَ: " إسْوَةٌ " بِالكَسْرِ، وتَمِيمٌ وبَعْضُ قَيْسٍ يَقُولُونَ: " أُسْوَةٌ " بِالضَّمِّ.
وخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأُسْوَةِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الأُسْوَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ إنَّما كانَتْ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ [واليَوْمَ الآخِرَ]؛ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرْجُو ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَخْشى اللَّهَ ويَخْشى البَعْثَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، لِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ مُتَّبِعٌ لِأوامِرِهِ، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْهُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ لِقاءِ الأحْزابِ، فَقالَ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ وفي ذَلِكَ الوَعْدِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ: [البَقَرَةِ:٢١٤] فَلَمّا عايَنُوا البَلاءَ يَوْمَئِذٍ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وعَدَهُمُ النَّصْرَ والظُّهُورَ عَلى مَدائِنِ كِسْرى وقُصُورِ الحَيْرَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما زادَهُمْ ﴾ يَعْنِي ما رَأوْهُ ﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِوَعْدِ اللَّهِ ﴿ وَتَسْلِيمًا ﴾ لِأمْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهُ يَسِيرًا ﴾ ﴿ "أشِحَّةً" ﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ "القائِلِينَ": أو مِن فِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "المُعَوِّقِينَ"، أو مِنَ الضَمِيرِ في "يَأْتُونَ"، أو عَلى الذَمِّ، وقَدْ مَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَعْمَلَ في هَذِهِ الحالِ "المُعَوِّقِينَ" أوِ"القائِلِينَ" لِمَكانِ التَفْرِيقِ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ وهو غَيْرُ داخِلٍ في الصِلَةِ.
وهَذا الشُحُّ قِيلَ: هو بِأنْفُسِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو بِإخْوانِهِمْ، وقِيلَ: بِأمْوالِهِمْ في النَفَقاتِ في سَبِيلِ اللهِ، وقِيلَ: بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، والصَوابُ تَعْمِيمُ الشُحِّ، وأنْ يَكُونَ بِكُلِّ ما فِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنفَعَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ ، قِيلَ: مَعْناهُ: فَإذا قَوِيَ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، وتُوِقِّعَ أنْ يَسْتَأْصِلَ جَمِيعَ أهْلِ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ، يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلَعِ المُخْتَلِطِ، كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، "فَإذا ذَهَبَ" ذَلِكَ الخَوْفُ العَظِيمُ ﴿ "سَلَقُوكُمْ" ﴾ أيْ: خاطَبُوكم مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، يُقالُ: خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ ومُسْلَقٌ، ولِسانٌ أيْضًا كَذَلِكَ إذا كانَ فَصِيحًا مُقْتَدِرًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "صَلَقُوكُمْ" بِالصادِّ.
ووَصَفَ الألْسِنَةَ بِالحِدَّةِ لِقَطْعِها المَعانِي، ونُفُوذِها في الأقْوالِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ أيْ: إذا كانَ المُؤْمِنُونَ في قُوَّةٍ وظُهُورٍ، وخَشِيَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ سَطْوَتَكَ يا مُحَمَّدُ بِهِمْ رَأيْتُهم يُصانِعُونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ فازِعٍ مِنكَ خائِفٍ هَلِعٍ، فَإذا ذَهَبَ خَوْفُكَ عنهم بِاشْتِغالِكَ بِعَدُوٍّ ونَحْوَهُ - كَما كانَ مَعَ الأحْزابِ - سَلَقُوكم حِينَئِذٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي فِيهِ يَسْلُقُونَ، فَقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانِ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَرْعِ ونَحْوَ هَذا، وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ والإلْحافِ في المَسْألَةِ.
وهَذانَ القَوْلانِ يَتَرَتَّبانِ مَعَ كُلٍّ واحِدٍ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في الخَوْفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَلْقُ هو في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُخاتَلَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "أشِحَّةً" ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "سَلَقُوكُمْ"، ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ "عَلى الخَيْرِ" ﴾ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الشُحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، وقِيلَ في هَذا: مَعْناهُ: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ، وهَذا مَذْهَبُ مَن قالَ: إنَّ "الخَيْرَ" في كِتابِ اللهِ حَيْثُ وقَعَ فَهو بِمَعْنى المالِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أشِحَّةٌ" بِالرَفْعِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عنهم أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا، ولا كَمُلَ تَصْدِيقُهُمْ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ إلى مُنافِقِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ فَأحْبَطَ اللهُ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ أنَّها لَمْ تَقْبَلْ قَطُّ، أنَّها كالمُحْبَطَةِ، وحَكى الطَبَرِيِّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عن أبِيهِ أنَّهُ قالَ: نَزَلْتُ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي فَأحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها، وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ.
والإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى إحْباطِ عَمَلِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى جُمْلَةِ حالِهِمِ وما وُصِفَ مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ، أيْ أنَّ أمْرَهم يَسِيرٌ لا يُبالِي بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ ولا جَلْبِ شَرٍّ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني ناشئ عن قوله ﴿ من ذا الذي يعصمكم من الله ﴾ [الأحزاب: 17] لأن ذلك يثير سؤالاً يهجس في نفوسهم أنهم يُخفون مقاصدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يشعر بمرادهم من الاستئذان، فأُمر أن يقول لهم ﴿ قد يعلم الله المعوِّقين منكم ﴾ أي: فالله ينبئ رسوله بكم بأن فِعْل أولئك تعويق للمؤمنين.
وقد جعل هذا الاستئناف تخلصاً لذكر فريق آخر مِن المعوّقين.
و ﴿ قد ﴾ مفيد للتحقيق لأنهم لنفاقهم ومَرض قلوبهم يشكّون في لازم هذا الخبر وهو إنباء الله رسوله عليه الصلاة والسلام بهم، أو لأنهم لجهلهم الناشئ عن الكفر يظنون أن الله لا يعلم خفايا القلوب.
وذلك ليس بعجيب في عقائد أهل الكفر.
ففي «صحيح البخاري» عن ابن مسعود: «اجتمع عند البيت قُرشيان وثقفيّ أو ثقفيان وقرشي كثيرةٌ شُحمُ بطونهم قليلةٌ فِقهُ قلوبهم، فقال أحدهم: أتُرَوْنَ أن الله يسمع ما نقول؟
قال الآخر: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جُلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ [فصلت: 22] فللتوكيد بحرف التحقيق موقع.
ودخول ﴿ قد ﴾ على المضارع لا يخرجها عن معنى التحقيق عند المحققين من أهل العربية، وأن ما توهموه من التقليل إنما دل عليه المقام في بعض المواضع لا من دلالة ﴿ قد، ﴾ ومثله إفادة التكثير، وتقدم ذلك عند قوله تعالى ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء ﴾ في سورة البقرة (144)، وقوله تعالى: ﴿ قد يعلم ما أنتم عليه ﴾ في آخر سورة النور (64).
والمعوِّق: اسم فاعل من عَوّق الدال على شدة حصول العَوْق.
يقال: عاقه عن كذا، إذا منعه وثبطه عن شيء، فالتضعيف فيه للشدة والتكثير مثل: قطَّع الحبل، إذا قطعه قطعاً كبيرة، ﴿ وغلَّقَت الأبواب ﴾ [يوسف: 23]، أي: أحكمت غلقها.
ويكون للتكثير في الفعل القاصر مثل: مَوَّت المال، إذ كثر الموت في الإبل، وطوَّف فلان، إذا أكثر الطواف، والمعنى: يعلم الله الذين يحرصون على تثبيط الناس عن القتال.
والخطاب بقوله ﴿ منكم ﴾ للمنافقين الذين خوطبوا بقوله ﴿ لن ينفعكم الفرار ﴾ [الأحزاب: 16].
ويجوز أن يكون القائلون لإخوانهم {هلمّ إلينا هم المعوِّقين أنفسهم فيكون من عطف صفات الموصوف الواحد، كقوله: إلى الملك القرْم وابننِ الهمام *** ويجوز أن يكونوا طائفة أخرى وإخوانهم هم الموافقون لهم في النفاق، فالمراد: الأخوة في الرأي والدين.
وذلك أن عبد الله بن أُبَيّ، ومعتِّب بن قُشير، ومن معهما من الذين انخذلوا عن جيش المسلمين يوم أُحُد فرجعوا إلى المدينة كانوا يرسلون إلى من بقي من المنافقين في جيش المسلمين يقولون لهم هلمّ إلينا} أي: ارجعوا إلينا.
قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين يقولون لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رَأس أي نفر قليل يأكلون رأس بعير ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان ومن معه تمثيلاً بأنهم سهل تغلب أبي سفيان عليهم.
و ﴿ هلمّ ﴾ اسم فعللِ أمر بمعنى أقْبِل في لغة أهل الحجاز وهي الفصحى، فلذلك تلزم هذه الكلمة حالة واحدة عندهم لا تتغير عنها، يقولون: هلمّ، للواحد والمتعدد المذكّر والمؤنّث، وهي فعل عند بني تميم فلذلك يُلحقونها العلامات يقولون: هَلمّ وهلمّي وهَلُما وهَلمُّوا وهلْمُمْن.
وتقدم في قوله تعالى ﴿ قل هلمّ شهداءكم ﴾ في سورة الأنعام (150).
والمعنى: انخذلوا عن جيش المسلمين وأقبلوا إلينا.
وجملة ولا يأتون البأس إلا قليلاً } كلام مستقل فيجوز أن تكون الجملة حالاً من القائلين لإخوانهم ﴿ هلمّ إلينا.
﴾ ويجوز أن تكون عطفاً على المعوّقين والقائلين لأن الفعل يعطف على المشتق كقوله تعالى ﴿ فالمغيرات صُبحاً فأثَرْنَ ﴾ [العاديات: 3، 4] وقوله: ﴿ إنّ المصَّدِّقين والمصَّدِّقات وأقرضوا الله ﴾ [الحديد: 18]، فالتقدير هنا: قد يعلم الله المعوّقين والقائلين وغيرَ الآتين البأس، أو والذين لا يأتون البأس.
وليس في تعدية فعل العلم إلى ﴿ لا يأتون ﴾ إشكال لأنه على تأويل كما أن عمل الناسخ في قوله ﴿ وأقرضوا ﴾ [الحديد: 18] على تأويل، أي: يعلم الله أنهم لا يأتون البأس إلا قليلاً، أي: يعلم أنهم لا يقصدون بجمع إخوانهم معهم الاعتضادَ بهم في الحرب ولكن عزلهم عن القتال.
ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ إلا زماناً قليلاً، وهو زمان حضورهم مع المسلمين المرابطين، وهذا كقوله ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً ﴾ [النساء: 46]، أي: إيماناً ظاهراً، ومثل قوله تعالى: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ [الرعد: 33].
و ﴿ قليلاً ﴾ صفة لمصدر محذوف، أي: إتياناً قليلاً، وقلّته تظهر في قلة زمانه وفي قلة غنائه.
و ﴿ لِيُحصِنَكُم من بأسكم ﴾ في سورة الأنبياء (80).
وإتيان الحرب مراد به إتيان أهل الحرب أو موضعها.
والمراد: البأس مع المسلمين، أي: مكراً بالمسلمين لا جبْناً.
و ﴿ أشِحَّة ﴾ جمع شحيح بوزن أفعلة على غير قياس وهو فصيح وقياسه أشِحّاء.
وضمير الخطاب في قوله ﴿ عليكم ﴾ للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين، وهو انتقال من القول الذي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله لهم إلى كشف أحوالهم للرسول والمسلمين بمناسبة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة في قوله ﴿ ولا يأتون البأس ﴾ وتقدم الشح عند قوله تعالى ﴿ وأُحضرت الأنفس الشح ﴾ في سورة النساء (128).
وأشحةً } حال من ضمير ﴿ يأتون ﴾ والشحّ: البخل بما في الوسع مما ينفع الغير.
وأصله: عدم بذل المال، ويستعمل مجازاً في منع المقدور من النصر أو الإعانة، وهو يتعدّى إلى الشيء المبخول به بالباء وب ﴿ على ﴾ قال تعالى: ﴿ أشّحة على الخير ﴾ ويتعدى إلى الشخص الممنوع ب ﴿ على ﴾ أيضاً لما في الشحّ من معنى الاعتداء فتعديته في قوله تعالى ﴿ أشحة عليكم ﴾ من التعدية إلى الممنوع.
والمعنى: يمنعونكم ما في وسعهم من المَال أو المعونة، أي: إذا حضروا البأس منعوا فائدتهم عن المسلمين ما استطاعوا ومن ذلك شحّهم بأنفسهم وكل ما يُشحّ به.
ويجوز جعل ﴿ على ﴾ هنا متعدية إلى المضنون به، أي كما في البيت الذي أنشده الجاحظ: لقد كنت في قوم عليك أشحة *** بنفسك إلا أنَّ ما طاح طائح وجعل المعنى: أشحة في الظّاهر، أي يظهرون أنهم يخافون عليكم الهلاك فيصدونكم عن القتال ويحسِّنون إليكم الرجوع عن القتال، وهذا الذي ذهب إليه في «الكشاف».
وفُرع على وصفهم بالشح على المسلمين قوله ﴿ فإذا جاء الخوف ﴾ إلى آخره.
والمجيء: مجاز مشهور من حدوث الشيء وحصوله.
كما قال تعالى ﴿ فإذا جاء وعدُ الآخرة ﴾ [الإسراء: 7].
و ﴿ الخوف ﴾ : توقع القتال بين الجيشين، ومنه سميت صلاة الخوف.
والمقصود: وصفهم بالجبن، أي: إذا رأوا جيوش العدوّ مقبلة رأيتهم ينظرون إليك.
والظاهر أن الآية تشير إلى ما حصل في بعض أيام الأحزاب من القتال بين الفرسان الثلاثة الذين اقتحموا الخندق من أضيق جهاته وبين علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين كما تقدم.
والخطاب في رأيتهم } للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يقتضي أن هذا حكاية حالة وقعت لا فرض وقوعها ولهذا أتي بفعل ﴿ رأيتهم ﴾ ولم يقل: فإذا جاء الخوف ينظرون إليك.
ونظرهم إليه نظرُ المتفرس فيماذا يصنع ولسان حالهم يقول: ألسنا قد قلنا لكم إنكم لا قبل لكم بقتال الأحزاب فارجعوا، وهم يرونه أنهم كانوا على حق حين يحذرونه قتال الأحزاب، ولذلك خصّ نظرهم بأنه للنبيء صلى الله عليه وسلم ولم يقل: ينظرون إليكم.
وجيء بصيغة المضارع ليدل على تكرر هذا النظر وتجدده.
وجملة ﴿ تدور أعينهم ﴾ حال من ضمير ﴿ ينظرون ﴾ لتصوير هيئة نظرهم نظر الخائف المذعور الذي يحدّق بعينيه إلى جهات يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها.
والدوْر والدوران: حركة جسم رَحَوِيَّة أي كحركة الرحى منتقل من موضع إلى موضع فينتهي إلى حيث ابتدأ.
وأحسب أن هذا الفعل وما تصرف منه مشتقات من اسم الدَّار، وهي المكان المحدود المحيط بسكانِه بحيث يكون حولهم.
ومنه سميت الدارة لكل أرض تحيط بها جبال.
وقالوا: دارت الرحى حول قُطبها.
وسموا الصنم: دُوَاراً بضم الدال وفتحها لأنه يدور به زائروه كالطواف.
وسميت الكعبة دُواراً أيضاً، وسموا ما يحيط بالقمر دارة.
وسميت مصيبة الحرب دائرة لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرّاً، قال عنترة: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر *** في الحرب دائرة على ابنَيْ ضمضم فمعنى ﴿ تدور أعينهم ﴾ أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائرة من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة.
وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان.
وذهاب الخوف مجاز مشهور في الانقضاء، أي: زوال أسبابه بأن يُترك القتال أو يتبين أن لا يقع قتال.
وذلك عند انصراف الأحزاب عن محاصرة المدينة كما سيدل عليه قوله ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ [الأحزاب: 20].
والسَلْق: قوة الصوت والصياح.
والمعنى: رفعوا أصواتهم بالملامة على التعرض لخطر العدوّ الشديد وعدم الانصياع إلى إشارتهم على المسلمين بمسالمة المشركين، وفسر السلق بأذى اللسان.
قيل: سأل نافعُ بن الأزرق عبد الله بن عباس عن ﴿ سلقوكم ﴾ فقال: الطعن باللسان.
فقال نافع: هل تعرف العرب ذلك؟
فقال: نعم، أما سمعت قول الأعشى: فيهم الخصب والسماحة والنج *** دة فيهم والخَاطب المِسلاق و ﴿ فَبَصُرك اليومَ حديد ﴾ [ق: 22].
وانتصب ﴿ أشحة على الخير ﴾ على الحال من ضمير الرفع في ﴿ سلقوكم، ﴾ أي: خاصموكم ولامُوكم وهم في حال كونهم أشحة على ما فيه الخير للمسلمين، أي أن خصامهم إياهم ليس كما يبدو خوفاً على المسلمين واستبقاء عليهم ولكنه عن بغض وحقد؛ فإن بعض اللوم والخصام يكون الدافع إليه حُبّ الملوم وإبداء النصيحة له، وأقوال الحكماء والشعراء في هذا المعنى كثيرة.
ويجوز أن يكون الخير هنا هو المال كقوله تعالى ﴿ إن ترك خيراً ﴾ [البقرة: 180] وقوله: ﴿ وإنه لحب الخير لشديد ﴾ [العاديات: 8]، أي: هم في حالة السلم يُسرعون إلى مَلامكم ولا يواسونكم بأمْوالهم للتجهيز للعدوّ إن عاد إليكم.
ودخلت ﴿ على ﴾ هنا على المبخول به.
﴿ أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أعمالهم وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ جيء باسم الإشارة لقصد تمييزهم بتلك الصفات الذميمة التي أجريت عليهم من قبلُ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد من الحُكم بعد اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ في سورة البقرة (5).
وقد أجري عليهم حكم انتفاء الإيمان عنهم بقوله أولئك لم يؤمنوا } كشفاً لدخائلهم لأنهم كانوا يوهمون المسلمين أنهم منهم كما قال تعالى: ﴿ وإذا لَقُوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا ﴾ في سورة البقرة (14).
ورتب على انتفاء إيمانهم أن الله أحبط أعمالهم.
والإحباط: جعل شيء حَابطاً، فالهمزة فيه للجَعْل مثل الإذهاب.
والحَبْط حقيقته: أنه فساد ما يراد به الصلاح والنفع.
ويطلق مجازاً على إفساد ما كان نافعاً أو على كون الشيء فاسداً ويظن أنه ينفع يقال: حَبِط حَقُّ فلان، إذا بطل.
والإطلاق المجازي ورد كثيراً في القرآن.
وفعله من بابَي سَمِع وضَرَب.
ومصدره: الحَبْط، واسم المصدر: الحُبُوط.
ويقال: أحبط فلان الشيء، إذا أبطله، ومنه إحباط دم القتيل، أي: إبطال حق القود به.
فإحباط الأعمال: إبطال الاعتداد بالأعمال المقصود بها القُربة والمظنون بها أنها أعمال صالحة لمانع منع من الاعتداد بها في الدين.
وقد صار لفظ الحبط والحبوط من الألفاظ الشرعية الاصطلاحية بين علماء الفقه والكلام، فأطلق على عدم الاعتداد بالأعمال الصالحة بسبب الردة، أي: الرجوع إلى الكفر، أو بسبب زيادة السيئات على الحسنات بحيث يستحق صاحب الأعمال العذاب بسبب زيادة سيئاته على حسناته بحسب ما قدر الله لذلك وهو أعلم به، ومن هذه الجهة عُدّت مسألة الحبوط مع المسائل الكلامية، أو بحيث ينظر في انتفاعه بما فعل من الواجبات عليه إذا ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام كمن حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، ومن هذه الجهة تُعد مسألة الحبوط في مسائل الفقه، فقال مالك وأبو حنيفة: الردةُ تُحبط الأعمال بمجرد حصولها فإذا عاد إلى الإسلام وكان قد حجّ مثلاً قبل ردّته وجبت عليه إعادة الحج تمسكاً بإطلاق هذه الآية إذ ناطت الحُبوط بانتفاء الإيمان، ولم يريا أن هذا مما يحمل فيه المطلق على المقيّد احتياطاً لأن هذا الحكم راجع إلى الاعتقادات ولا يكفي فيها الظن.
وقال الشافعي: إذا رجع إلى الإسلام رجعتْ إليه أعماله الصالحة التي عمِلها قبل الردة تمسكاً بقوله تعالى: ﴿ ومَن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمُت وهو كَافر فأولئك حبِطَتْ أعمالُهُم في الدُّنيا والآخرة ﴾ في سورة البقرة (217) حملاً للمطلق في آية سورة الأحزاب ونحوها على المقيّد في آية سورة البقرة تغليباً للجانب الفروعي في هذه المسألة على الجانب الاعتقادي.
وتعرف هذه المسألة بمسألة الموافاة، أي: استمرار المرتدّ على الردّة إلى انقضاء حياته فيوافي يوم القيامة مرتداً.
فمالك وأبو حنيفة لم يريا شرط الموافاة والشافعي اعتبر الموافاة.
والمعتزلة قائلون بمثل ما قال به مالك وأبو حنيفة.
وحكى الفخر عن المعتزلة اعتبار الموافاة على الكفر، وانظر ما تقدم في قوله تعالى ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبِطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ في سورة البقرة (217).
والمعنى: أنهم لا تنفعهم قرباتهم ولا جهادهم.
وجملة وكان ذلك على الله يسيراً} خبر مستعمل في لازمه وهو تحقيرهم وأن الله لمَّا أخرجهم من حظيرة الإسلام فأحبط أعمالهم لم يعبأ بهم ولا عَدّ ذلك ثلمة في جماعة المسلمين.
وكان المنافقون يُدلون بإظهار الإيمان ويحسبون أن المسلمين يعتزون بهم، قال تعالى: ﴿ يَمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنُّوا عليّ إسلامكم بل الله يمُنُّ عليكم أن هَداكم للإيمان إن كنتم صادقين ﴾ [الحجرات: 17].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي المُثَبِّطِينَ مِنَ المُنافِقِينَ، قِيلَ إنَّهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.
﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ ما مُحَمَّدٌ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ وهو هالِكٌ ومَن مَعَهُ فَهَلُمَّ إلَيْنا.
الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ هَلُمَّ إلَيْنا أيْ تَعالَوْا إلَيْنا وفارِقُوا مُحَمَّدًا فَإنَّهُ هالِكٌ وإنَّ أبا سُفْيانَ إنْ ظَفَرَ لَمْ يُبْقِ مِنكم أحَدًا.
الثّالِثُ: ما حَكاهُ ابْنُ زَيْدٍ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ انْصَرَفَ مِن عِنْدِهِ يَوْمَ الأحْزابِ فَوَجَدَ أخاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِواءٌ ورَغِيفٌ فَقالَ: أنْتَ هَكَذا ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ، فَقالَ لَهُ أخُوهُ كانَ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ.
هَلُمَّ إلَيَّ قَدْ تُبِعَ بِكَ وبِصاحِبِكَ أيْ قَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، فَقالَ لَهُ: كَذَبْتْ واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ وذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيُخْبِرَهُ فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا كارِهِينَ وإنْ حَضَرُوهُ كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم مَعَ المُشْرِكِينَ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا يَشْهَدُونَ القِتالَ إلّا رِياءً وسُمْعَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا ﴾ إنَّما قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أشِحَّةٌ بِالخَيْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِالقِتالِ مَعَكم، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّالِثُ: بِالغَنائِمِ إذا أصابُوها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أشِحَّةٌ بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا جاءَ الخَوْفُ مِن قِتالِ العَدُوِّ إذا أقْبَلَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الخَوْفُ مِنَ النَّبِيِّ إذا غَلَبَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ ﴾ خَوْفًا مِنَ القِتالِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومِنَ النَّبِيِّ عَلى القَوْلِ الثّانِي.
﴿ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَدُورُ أعْيُنُهم لِذَهابِ عُقُولِهِمْ حَتّى لا يَصِحَّ مِنهُمُ النَّظَرُ إلى جِهَةٍ.
الثّانِي: تَدُورُ أعْيُنُهم لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ حَذَرًا أنْ يَأْتِيَهُمُ القَتْلُ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ رَفَعُوا أصْواتَهم عَلَيْكم بِألْسِنَةٍ حِدادِ أيْ شَدِيدَةٍ ذَرِبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « (لَعَنَ اللَّهُ السّالِقَةَ والخارِقَةَ والحالِقَةَ)» يَعْنِي بِالسّالِقَةِ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَها بِالنِّياحَةِ والخارِقَةِ الَّتِي تَخْرُقُ ثَوْبَها في المُصِيبَةِ وبِالحالِقَةِ الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَها.
الثّانِي: مَعْناهُ آذَوْكم بِالكَلامِ الشَّدِيدِ.
والسَّلْقُ الأذى، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الشّاعِرُ ولَقَدْ سَلَقْنَ هَوازَنًا بِنَواهِلٍ حَتّى انْحَنَيْنا وَقالَ الخَلِيلُ: سَلَقْتُهُ بِاللِّسانِ إذا أسْمَعْتَهُ ما يَكْرَهُ وفي سَلْقِهِمْ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: نِزاعًا في الغَنِيمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: جِدالًا عَنْ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: عَلى المالِ يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: عَلى النَّبِيِّ بِظَفَرِهِ.
﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ يَعْنِي بِقُلُوبِهِمْ.
﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ يَعْنِي حَسَناتِهِمْ أنْ يُثابُوا عَلَيْها لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِها.
﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وكانَ نِفاقُهم عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
الثّانِي: وكانَ إحْباطُ عَمَلِهِمْ عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أشحة عليكم ﴾ بالخير المنافقون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أشحة عليكم ﴾ قال: في الغنائم، إذا أصابها المسملون شاحوهم عليها قالوا بألسنتهم: لستم باحق بها منا قد شهدنا وقاتلنا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ﴾ قال: إذا حضروا القتال والعدو ﴿ رأيتهم ينظرون إليك ﴾ أجبن قوم، وأخذله للحق ﴿ تدور أعينهم ﴾ قال: من الخوف.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ تدور أعينهم ﴾ قال: فرقا من الموت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سلقوكم ﴾ قال: استقبلوكم.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ سلقوكم بألسنة حداد ﴾ قال: الطعن باللسان قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الأعشى وهو يقول: فيهم الخصب والسماحة والنجـ ** ـدة فيهم والخاطب المسلاق وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ﴾ قال: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة.
أعطونا...
أعطونا...
إنا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أشحة على الخير ﴾ قال: على المال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ يعني هيناً.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ منصوب على الحال، المعنى: يأتون العرب بخلا عليكم، قاله الزجاج (١) ﴿ الْمُعَوِّقِينَ ﴾ المعنى: يعوقون أشحة، وإن شئت من ﴿ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ أي: وهم هكذا.
قال: ويجوز أن يكون نصبًا على الذم كما ينصب على المدح، مثل قوله: ﴿ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا ﴾ ) (٢) ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ بالغنيمة والخير والمنفعة في سبيل الله (٣) قال ابن عباس: يريد بالنصر (٤) (٥) ﴿ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ ﴾ قال مقاتل: يعني القتال (٦) ﴿ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد نظر المغشي عليه من الموت، يريد كما تدور عين الذي في السياق (٧) ولقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ (٨) قوله تعالى: ﴿ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ يعني: كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي قرب من حالة الخوف وغشيته أسباب الموت، يقال: غشي عليه فهو مغشي عليه، وهو الغشية، وكذلك غشية الموت، والذي يغشي عليه من الموت هو الذي يذهل ويذهب عقله (٩) وقوله: ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ ﴾ أي: زال وجاء الأمن والغنيمة.
﴿ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ قال الليث: (يقال: سلقته باللسان، أي: أسمعته فأكثرت، ولسان مسلق: حديد ذلق) (١٠) -: "ليس منَّا مَنْ حلق أو سلق" (١١) قال الأعشى: فيهم الحزم والسماحة والنجدة ...
فيهم والخاطب السلاق (١٢) (١٣) ويروى: المسلاق.
وقال الفراء: معناه: عصوكم وآذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذرية (١٤) وقال المبرد (١٥) (١٦) وقال ابن قتيبة مثل قول الفراء، ثم قال: وأصل السلق الضرب (١٧) قال ابن عباس: أي: استقبلوكم بالأذى (١٨) وقال ابن زيد: كلموكم بألسنة ذرية، أي: آذوكم بالكلام (١٩) وقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق فيها منا، فأما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأ قوم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وهذا قول المفسرين (٢٠) وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يتناولونكم بألسنة حداد، يريد بنعون فيكم وينتقصونكم ويغتابونكم (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر ﴾ أي: بخلاء بالغنيمة يشاحون المؤمنين عند القسمة، هذا قول المفسرين.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ عَلَى الْخَيْرِ ﴾ يريد على المال، لا ينفقون في سبيل الله (٢٤) قوله: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ .
قال أبو إسحاق: (أي: هم وإن أظهروا كلمة الإيمان ونافقدا فليسوا بمؤمنين) (٢٥) ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أي: لم يصدقوا بتوحيد الله (٢٦) ﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
قال مقاتل: أبطل الله جهادهم؛ لأن أعمالهم الحسنة وجهادهم لم يكن في إيمان (٢٧) ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ ﴾ يعني: إحباط أعمالهم.
﴿ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد سهلًا أن يحبط أعمالهم ويعذبهم على النفاق (٢٨) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.
(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 338 مع اختلاف في العبارة.
(٣) انظر: "الدر المنثور" 6/ 581، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وابن أبي حاتم عن السدي، وابن أبي حاتم عن قتادة.
وانظر: "تفسير مقاتل" 90 أ، "مجمع البيان" 8/ 546، "ابن أبي حاتم" 9/ 3121.
(٤) لم أجد من نسبه لابن عباس فيما لدى من مراجع.
(٥) في (أ): (حكيم)، وهو خطأ.
(٦) "تفسير مقاتل" 90 أ.
(٧) "تفسير ابن عباس" ص 352.
(٨) في (أ) زيادة: (إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم)، وهو خطأ.
(٩) انظر: "اللسان" 7/ 45 (شخص)، "الصحاح" 3/ 1042 (شخص).
(١٠) "تهذيب اللغة" 8/ 403، (سلق).
(١١) الحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية 1/ 100 عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - - قال: "أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق" والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 396، وأبو داود في "سننه" كتاب: الجنائز، باب: في النوح 3/ 194 كلهم عن أبي موسى.
قال في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" 8/ 285: ومعنى قوله: "ليس منا" أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتا الكاملة، وقوله: "من حلق" أي حلق شعره عند المصيبة، "وسلق" بالسين المهملة، ويروى بالصاد المهملة، أي: رفع صوته بالبكاء، "وخرق" أي: شق ثوبه، وكان ذلك من صنيع أهل الجاهلية.
أهـ.
(١٢) "مجاز القرآن" 2/ 135 مع اختلاف في العبارة.
وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 97/ 1.
(١٣) البيت من الخفيف، وهو للأعشي في "ديوانه" ص 265، "تهذيب اللغة" 8/ 402، "اللسان" 10/ 160 (سلق).
(١٤) "معاني القرآن" 2/ 339.
وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 403.
(١٥) لم أقف على قول المبرد.
وانظر:"تفسير القرطبي" 14/ 153، "زاد المسير" 6/ 366.
(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.
(١٧) "تفسير غريب القرآن" ص 349.
(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3122، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 581، وزاد نسبته لابن المنذر.
(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141.
(٢٠) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3122 عن قتادة، "مجمع البيان" 8/ 546.
(٢١) "تفسير ابن عباس" 352، "تفسير البغوي" 3/ 518.
(٢٢) في (أ): (سلقتم)، وهو خطأ.
(٢٣) في (اْ): (بسطتهم).
(٢٤) ذكر هذا القول الماوردي 4/ 386 ونسبه للسدي، والقرطبي 14/ 154 ونسبه للسدي كذلك، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 352.
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.
(٢٦) "تفسير مقاتل" 90 أ.
(٢٧) المرجع السابق.
(٢٨) "تفسير ابن عباس" ص 352.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ أشحة جمع شحيح بوزن فعيل، معناه يشحن بأنفسهم فلا يقاتلون، وقيل: يشحون بأموالهم، وقيل: معناه أشحة عليكم وقت الحرب، أي يشفقون أن يقتلوا.
ونصب ﴿ أَشِحَّةً ﴾ على الحال من القائلين، أو على المعوقين، أومن الضمير في يأتون، أو نُصِبَ على الذم ﴿ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ أي إذا اشتدّ الخوف من الأعداء.
نظر إليك هؤلاء في تلك الحالة ولاذوا بك من شدة خوفهم ﴿ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ﴾ عبارة عن شدة خوفهم ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ السلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام مستكره، ومعنى حداد: فصحاء قادرين على الكلام، وإذا نصركم الله فزال الخوف رجع المنافقون إلى إذايتكم بالسب وتنقيص الشريعة، وقيل: إذا غنمتم طلبوا من الغنائم ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الخير ﴾ أي يشحون بفعل الخير وقيل؛ يشحون بالمغانم، وانتصابه هنا على الحال من الفاعل في سلقوكم ﴿ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ ﴾ ليس المعنى أنها حبطت بعد ثبوتها، وإنما المعنى أنها لم تقبل، لأن الإيمان شرط من قبول الأعمال، وقيل: إنهم نافقوا بعد أن آمنوا، فالإحباط على هذا حقيقة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هما واحد، وهم المنافقون.
وجائز أن يكون المنافقون هم الذين أضمروا الخلاف له، وأظهروا الوفاق، على إبانة الحق لهم وظهوره، ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هم الذين كانوا مرتابين في ذلك، لم يبن لهم ذلك، ولم ينجل قالوا هذا.
﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الذي وعد لهم فتوح البلدان، قالوا لما أحاط بهم - أعني: بالمؤمنين - الكفار قال ذلك المنافقون.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ .
قيل: ﴿ يَثْرِبَ ﴾ : المدينة، ويقال: ﴿ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ : يأهل المدينة، وروي عن النبي أنه قال: "من قال للمدينة: يثرب، فليستغفر الله ثلاثاً؛ هي طابة هي طابة" ثم قال بعضهم: إن قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ إنما قاله أهل النفاق لبعضهم: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ .
ثم يحتمل قوله ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ما قالوا: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ من الفتح والنصر ﴿ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
والثاني: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ ؛ لما لم يقع عندهم أنهم يصلون إلى ما كانوا يطمعون ويأملون؛ لأنهم كانوا يخرجون رغبة في الأموال وطمعاً فيها، وهو ما وصفهم: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11].
وجائز أن يكون هذا القول من المؤمنين لأهل النفاق؛ فإن كان من المؤمنين لأولئك فالوجه فيه: أنهم أرادوا أن يطردوهم؛ لفشلهم ولجبنهم؛ لئلا يهزموا جنود المؤمنين بانهزامهم؛ لأنهم قوم همتهم الانهزام فإذا انهزموا هم انهزم غيرهم؛ فالمعنى: إذا كان ذلك من المؤمنين لهم غير المعنى إذا كان [من] أهل النفاق بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
بالرجوع إلى المدينة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : خالية من الناس، ليس فيها أحد، فنخاف السرق عليها والأخذ والمكابرة.
ويحتمل أن يكونوا أرادوا بالعورة دخول العدوّ عليها إذا كانوا هم في الجند، العورة، أي: يدخل علينا مكروه ما يحزننا ويهمُّنا، أو كلام نحو هذا، فأكذبهم الله في قولهم، وقال: ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ، بل الله يحفظها على ما وعد، حتى لا يدخل عليهم مكروه لما يخافون ولا يصيبهم.
وقوله: ﴿ إِن يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: ما يريدون ﴿ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ من القتال.
وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما، أي: لو دخلوا عليهم من أطراف المدينة ونواحيها، ثم دعوا إلى الشرك لأجابوهم، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: لم يمتنعوا عن إجابتهم، بل لأجابوهم به كما دعوا.
وقال بعضهم: إنهم لو كانوا في بيوتهم، فدخلوا عليهم من نواحيها، ثم سئلوا الأموال وما تحويه أيديهم ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: لأعطوها.
﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ .
يخبر عن نفاقهم وخلافهم له في السرّ أنهم يعطون لأولئك ما يريدون من الأموال أو الدين، ويوافقونهم ولا يوافقونكم ألبتة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .
قال بعضهم: كان أناس غابوا وقعة بدر وما أعطى الله أصحاب بدر من الفضيلة والكرامة؛ فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن؛ فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وذلك أنهم كانوا عاهدوا الرسول على عهدهم بمكة على العقبة بمنى، واشترط عليهم لربّه ولنفسه: أمّا لربّه: أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن ينصروه ويعزروه ويعينوه [ويمنعوه] ما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم؛ فقالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فما لنا با نبي الله؟
قال: لكم النصر في الدنيا، [و]الجنة في الآخرة؛ قالوا: قد فعلنا؛ فذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ ليلة العقبة حين شرطوا للنبي المنعة: ألا يولوا الأدبار منهزمين.
﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ .
أي: يسأل من نقض العهد في الآخرة ومن وفى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ مجزيا نقضاً أو وفاءً، يجزون على وفاء العهد ونقضه.
وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن قضي عليكم الموت أو القتل؛ فلن ينفعكم الفرار.
وقال بعضهم: إن جعل انقضاء آجالكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار؛ بل تنقضي.
وأصله: إن كان المكتوب عليكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار منه؛ بل يأتي لا محالة؛ كقوله: ﴿ لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ الآية [آل عمران: 154]، أي: لا محالة المكتوب عليهم القتل - وإن كانوا في بيوتهم - لبرزوا؛ فيقتلون.
﴿ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: إنما الدنيا قليل إلى آجالكم.
وجائز أن يكون معناه: ولئن نفعكم الفرار عنه ﴿ لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ؛ كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ الآية [الشعراء: 205-206].
قال أبو عوسجة والقتبي: أدعياءكم: من تبنيتموه واتخذتموه ولدا، ما جعلتم بمنزلة الصلب وكانوا يورثون من ادعوا.
﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ .
إن قولكم على التشبيه والمجاز، ليس على التحقيق.
﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَقْسَطُ ﴾ : أعدل.
﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ﴾ : عدلت ومالت ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ ، أي: كادت تبلغ الحلقوم من الخوف، والحناجر جماعة الحنجرة، وهي المذبح.
وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ ، أي: شددوا عليهم وهوّلوا، والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك و ﴿ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ ﴾ و ﴿ وَٱللاَّتِي ﴾ مآلهما واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ .
ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إنكم، وإن فررتم من الموت أو القتل، فإن الله إن أراد بكم سوءاً أو هلاكاً لا يملك أحد دفعه عنكم، أو إن أراد بكم رحمة ونجاة وخيراً لا يملك أحد منعه عنكم، وقد تعلمون أنكم لا تجدون من دون الله وليّاً ينفعكم ولا نصيراً ينصركم ويمنعكم عن حلول ذلك عليكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ : هم المانعون منكم، ﴿ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هم اليهود أرسلوا إلى المنافقين، وقالوا: من ذا الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه من أصحابه؟!
فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدا، فإنا نشفق عليكم؛ فإنما أنتم إخواننا ونحن جيرانكم، ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ .
وقال بعضهم: هم المنافقون، عوق بعضهم بعضا ومنع عن الخروج مع رسول الله إلى قتال العدوّ.
وفيه أمران: أحدهما: دلالة على إثبات الرسالة؛ لأنهم كانوا يسرون هذا ويخفون فيما بينهم، ثم أخبرهم بذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله .
والثاني: أن يكونوا أبدا على حذر مما يضمرون من الخلاف له؛ كقوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ...
﴾ الآية [التوبة: 64].
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
أي: لا يأتون القتال والحرب إلا مراءاة وسمعة، هذا - والله أعلم - يشبه أن يريد بالقليل: أنهم لا يأتون إتيان من يريد القتال والقيام معهم؛ ولكن مراءاة وسمعة وإظهاراً للوفاق لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: بخلاء على الإنفاق عليكم، أي: لا ينفقون عليكم ولا على سبيل الخير، والله أعلم.
وقال بعضهم: الشح - أيضاً - هو الحرص، يقول: ﴿ أَشِحَّةً ﴾ ، أي: حراصاً على قسمة الغنيمة، يخبر عن معرضهم في الدنيا وركونهم إليها وميلهم فيها، ثم أخبر عن جبنهم وفشلهم وشدة خوفهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ .
يخبر أنهم لجبنهم وفشلهم يصيرون كالمغشي عليه من الموت.
﴿ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ .
يخبر عن شدة حرصهم في قسمة الغنيمة ورغبتهم فيها - أنهم أشح قوم وأسوؤهم مقاسمة، يقولون: أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ .
قال بعضهم: هذا قولهم، أي: إنا أشح منكم على رسول الله وعلى دينه، وأضنن منكم على الخير، أي: نحن أحرص عليه منكم.
وقال بعضهم: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ ، أي: حراصاً على الغنيمة والنيل منها.
ثم أخبر عنهم، وعن خلافهم له؛ حيث قال: ﴿ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
التي عملوها في الظاهر، ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ : أي: صنعهم الذي صنعوا على الله، ﴿ يَسِيراً ﴾ ، أي: لا يضره.
وقال بعضهم: حبط أعمالهم، وتعذيبه إياهم مع كثرة أتباعهم وأعوانهم على الله يسير، أي: لا يشتد عليه ولا يصعب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ .
أي: يحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب لم يذهبوا؛ من الفرق والجبن والفشل الذي فيهم يوم الخندق.
﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ ، أي: يقبل الأحزاب، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: بألسنتهم كانوا بمنزلة البداء؛ وأنهم تركوا أوطانهم وديارهم.
﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : كانت همتهم التخلف والفرار من القتال وطلب أخبار المؤمنين: أنهم ما فعل بهم؟
نحو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ هكذا كانت عادتهم، ثم ابتلاهم الله بما كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ويضمرون الخلاف لهم؛ والعداوة بفضل فشل وجبن ما لم يكن ذلك في غيرهم؛ ففي ذلك تحذير للمؤمنين وزجر عن مثل هذا الصنيع ومثل هذه المعاملة؛ لئلا يبتلوا بمثل ما ابتلي أولئك.
وفيه أنه يعامل بعضهم بعضا على الظاهر الذي ظهر دون حقيقة ما يكون؛ وعلى ذلك يجري الحكم على ما عامل رسول الله وأصحابه أهل النفاق، وحكمه على ما أظهروا دون ما أضمروا في الأنكحة والصهر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، أي: إلا فيما يدفعون عن أنفسهم لو قصدوا، فأما الدفع عن المؤمنين ودينهم فلا.
وجائز أن يكون المراد بالقليل، أي: لا يقاتلون ألبتة حقيقة القتال، وهو ما ذكر عنهم؛ حيث قال: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فسادا في أمركم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
بُخلاء عليكم - معشر المؤمنين - بأموالهم فلا يعينونكم ببذلها، وبخلاء بأنفسهم فلا يقاتلون معكم، وبخلاء بمودتهم فلا يوادُّونكم، فإذا جاء الخوف عند ملاقاة العدوّ رأيتهم ينظرون إليك -أيها الرسول- تدور أعينهم من الجبن مثل دوران عيني من يعاني سكرات الموت، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا آذوكم بالكلام بالسنة سليطة، أَشِحَّة على الغنائم يبحثون عنها، أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يؤمنوا حقًّا، فأبطل الله ثواب أعمالهم، وكان ذلك الإبطال يسيرًا على الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.GznKN"