الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٢٠ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذا أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخوف والخور ، ( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) بل هم قريب منهم ، وإن لهم عودة إليهم ( وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ) أي : ويودون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة بل في البادية ، يسألون عن أخباركم ، وما كان من أمركم مع عدوكم ، ( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) أي : ولو كانوا بين أظهركم ، لما قاتلوا معكم إلا قليلا; لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم .
القول في تأويل قوله تعالى : يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا (20) يقول تعالى ذكره: يحسب هؤلاء المنافقون الأحزاب، وهم قريش وغطفان.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان (يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا): قريش وغطفان.
وقوله: (لَمْ يَذْهَبُوا) يقول: لم ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبنا وهَلعا منهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا) قال: يحسبونهم قريبا.
وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله (يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ قَدْ ذَهَبُوا فإذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا وَدُّوا لَوْ أنَّهُمْ بادُونَ فِي الأعْرَابِ).
وقوله: ( وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ ) يقول تعالى ذكره: وإن يأت المؤمنين الأحزاب وهم الجماعة: واحدهم حزب (يَوَدُّوا) يقول: يتمنوا من الخوف والجبن أنهم غيب عنكم في البادية مع الأعراب خوفا من القتل.
وذلك أن قوله: (لَوْ أنَّهُمْ بادُونَ فِي الأعْرَابِ) تقول: قد بدا فلان إذا صار في البدو فهو يبدو، وهو باد؛ وأما الأعراب: فإنهم جمع أعرابيّ، وواحد العرب عربيّ، وإنما قيل: أعرابيّ لأهل البدو، فرقا بين أهل البوادي والأمصار، فجعل الأعراب لأهل البادية، والعرب لأهل المصر.
وقوله: (يَسألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ) يقول: يستخبر هؤلاء المنافقون أيها المؤمنون الناس عن أنبائكم، يعني: عن أخباركم بالبادية، هل هلك محمد وأصحابه؟
نقول: يتمنون أن يسمعوا أخباركم بهلاككم، ألا يشهدوا معكم مشاهدكم (وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا) يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ولو كانوا أيضا فيكم ما نفعوكم، وما قاتلوا المشركين إلا قليلا يقول: إلا تعذيرا، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (يَسألونَ عَنْ أنْبائِكُمْ) قال: أخباركم، وقرأت قرّاء الأمصار جميعا سوى عاصم الجحدري (يَسألونَ عَنْ أنْبائِكُمْ) بمعنى: يسألون من قدم عليهم من الناس عن أنباء عسكركم وأخباركم، وذكر عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ ذلك (يَسّاءَلونَ) بتشديد السين، بمعنى: يتساءلون: أي يسأل بعضهم بعضا عن ذلك.
والصواب من القول في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
قوله تعالى : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا .قوله تعالى : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أي لجبنهم ; يظنون الأحزاب لم ينصرفوا وكانوا انصرفوا ، ولكنهم لم يتباعدوا في السير .
( وإن يأت الأحزاب ) أي وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال .
يودوا لو أنهم بادون في الأعراب تمنوا أن يكونوا مع الأعراب حذرا من القتل وتربصا للدوائر .
وقرأ طلحة بن مصرف ( لو أنهم بدى في الأعراب ) ; يقال : باد وبدى ; مثل غاز وغزى .
ويمد مثل صائم وصوام .
بدا فلان يبدو إذا خرج إلى البادية .
وهي البداوة والبداوة ; بالكسر والفتح .
وأصل الكلمة من البدو وهو الظهور .
( يسألون ) وقرأ يعقوب في رواية رويس ( يتساءلون عن أنبائكم ) أي عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم .
يتحدثون : أما هلك محمد وأصحابه ، أما غلب أبو سفيان وأحزابه !
أي يودوا لو أنهم بادون سائلون عن أنبائكم من غير مشاهدة القتال لفرط جبنهم .
وقيل : أي هم أبدا لجبنهم يسألون عن أخبار المؤمنين ، وهل أصيبوا .
وقيل : كان منهم في أطراف المدينة من لم يحضر الخندق ، جعلوا يسألون عن أخباركم ويتمنون هزيمة المسلمين .
ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا أي رميا بالنبل والحجارة على طريق الرياء والسمعة ; ولو كان ذلك لله لكان قليله كثيرا .
{ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا } أي: يظنون أن هؤلاء الأحزاب، الذين تحزبوا على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأصحابه، لم يذهبوا حتى يستأصلوهم، فخاب ظنهم، وبطل حسبانهم.{ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ } مرة أخرى { يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ } أي: لو أتى الأحزاب مرة ثانية مثل هذه المرة، ودَّ هؤلاء المنافقون، أنهم ليسوا في المدينة، ولا في القرب منها، وأنهم مع الأعراب في البادية، يستخبرون عن أخباركم، ويسألون عن أنبائكم، ماذا حصل عليكم؟فتبًا لهم، وبعدًا، فليسوا ممن يبالى بحضورهم { وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا } فلا تبالوهم، ولا تأسوا عليهم.
( يحسبون ) يعني هؤلاء المنافقين ) ( الأحزاب ) يعني : قريشا وغطفان واليهود ( لم يذهبوا ) لم ينصرفوا عن قتالهم جبنا وفرقا وقد انصرفوا ( وإن يأت الأحزاب ) أي : يرجعوا إليه للقتال بعد الذهاب ( يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ) أي يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من الخوف والجبن ، يقال : بدا يبدو بداوة ، إذا خرج إلى البادية ( يسألون عن أنبائكم ) أخباركم وما آل إليه أمركم ، وقرأ يعقوب : " يساءلون " مشددة ممدودة ، أي : يتساءلون ) ( ولو كانوا ) يعني : هؤلاء المنافقين ( فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) تعذيرا ، أي : يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم ، فيقولون قد قاتلنا .
قال الكلبي : إلا قليلا أي : رميا بالحجارة .
وقال مقاتل : إلا رياء وسمعة من غير احتساب .
«يحسبون الأحزاب» من الكفار «لم يذهبوا» إلى مكة لخوفهم منهم «وإن يأت الأحزاب» كرة أخرى «يودُّوا» يتمنوا «لو أنهم بادون في الأعراب» أي كائنون في البادية «يسألون عن أنبائكم» أخباركم مع الكفار «ولو كانوا فيكم» هذه الكرة «ما قاتلوا إلا قليلا» رياءً وخوفا من التعيير.
يظن المنافقون أن الأحزاب الذين هزمهم الله تعالى شر هزيمة لم يذهبوا؛ ذلك من شدة الخوف والجبن، ولو عاد الأحزاب إلى "المدينة" لتمنَّى أولئك المنافقون أنهم كانوا غائبين عن "المدينة" بين أعراب البادية، يستخبرون عن أخباركم ويسألون عن أنبائكم، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا معكم إلا قليلا لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم.
ثم ختم - سبحانه - هذا الحديث الجامع عن صفات المنافقين عند الشدائد والمحق فقال : ( يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ ) .أى : أن هؤلاء المنافقين بلغ بهم الجبن والخور ، أنهم حتى بعد رحيل الأحزاب عن المدينة ، ما زالوا يحسبون ويظنون أنهم لم يذهبوا عنها ، فهم يأبون أن يصدقوا أن الله - تعالى - قد رد الذين كفروا بغيظهم دون أن ينالوا خيرا .وفى هذه الجملة ما فيها من التهكم بالمنافقين ، حيث وصفتهم بأنهم حتى بعد ذهاب أسباب الخوف ، ما زالوا فى جبنهم يعيشون .ثم بين - سبحانه - حالهم فيما لو عاد الأحزاب على سبيل الفرض والتقدير فقال : ( وَإِن يَأْتِ الأحزاب ) .أى : إلى المدينة مرة ثانية .( يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب ) أى : وإن تعد جيوش الأحزاب إلى مهاجمة المدينة مرة ثانية ، يتمنى هؤلاء المنافقون ، أن يكونوا غائبين عنها ، نازلين خارجها مع أهل البوادى من الأعراب ، حتى لا يعرضوا أنفسهم للقتال .فقوله : ( بَادُونَ ) جمع باد وهو ساكن البادية .
يقال : بدا القوم بَدَّا ، إذا نزحوا من المدن إلى البوادى .والأعراب : جمع أعرابى وهو من يسكن البادية .ثم بين - سبحانه - تلهفهم على سماع الأخبار السيئة عن المؤمنين فقال : ( يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : هؤلاء المنافقون يسألون القادمين من المدينة ، والذاهبين إليها من أخباركم - أيها المؤمنون - حتى لكأنهم غير ساكنين فيها .ولو كانوا فيكم عندما يعود الكافرون إلى المدينة - على سبيل الفرض - ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا حتى لا ينكشف أمرهم انكشافا تاما .
فهم لا يقاتلون عن رغبة ، وإنما يقاتلون رياء ومخادعة .وهكذا نجد الآيات الكريمة قد أفاضت فى شرح الأحوال القبيحة التى كان عليها المنافقون عندما هاجمت جيوش الأحزاب المدينة ، ووصفتهم بأبشع الصفات وأبغضها إلى كل نفس كريمة ، حتى يحذرهم المؤمنون .وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأخيار والأشرار ، ساقت السورة بعد ذلك صورة مشرقة مضيئة للمؤمنين الصادقين ، الذين عندما رأوا جيوش الأحزاب قالوا : ( هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ) والذين صدقوا ما عدوا الله عليه دون أن يبدلوا تبديلا .
أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ المعوقين ﴾ المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون: كانوا يقولون ﴿ لإخوانهم ﴾ من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم و ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ أي قربوا أنفسكم إلينا.
وهي لغة أهل الحجاز: يسوّونَ فيه بين الواحد والجماعة.
وأمّا تميم فيقولون: هلمّ يا رجل، وهلموا يا رجال، وهو صوت سمي به فعل متعدّ مثل احضر وقرب ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ ﴾ [الأنعام: 15] ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ إلا اتياناً قليلاً يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يبارزون ويقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطرّوا إليه، كقوله: ﴿ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ في تلك الحالة كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذراً أو خوراً ولواذاً بك، فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة: نقلوا ذلك الشحّ وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير- وهو المال والغنيمة- ونسوا تلك الحالة الأولى، واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا: وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوّكم وبنا نصرتم عليهم.
ونصب ﴿ أَشِحَّةً ﴾ على الحال أو على الذمّ.
وقرئ: ﴿ أشحة ﴾ ، بالرفع.
و ﴿ صلقوكم ﴾ بالصاد.
فإن قلت: هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟
قلت: لا ولكنه تعليم لمن عسى يظن أنّ الإيمان باللسان إيمان وإن لم يوطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدي عليه، فبين أنّ إيمانه ليس بإيمان، وأنّ كل عمل يوجد منه باطل.
وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان الصحيح، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء على غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثوراً.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ وكل شيء عليه يسير؟
قلت: معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف ﴿ يَحْسَبُونَ ﴾ أنّ الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن المفرط ﴿ وَإِن يَأْتِ الأحزاب ﴾ كرّة ثانية.
تمنوا لخوفهم مما منوا به هذه الكرّة أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب ﴿ يَسْئَلُونَ ﴾ كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ ﴾ ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال- لم يقاتلوا إلا تعلة رياء وسمعة.
وقرئ: ﴿ بدّي ﴾ على فعَّل جمع باد كغاز وغزَّي.
وفي رواية صاحب الإقليد: ﴿ بديّ ﴾ ، بوزن عديّ.
ويساءلون، أي: يتساءلون.
ومعناه: يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعت؟
ماذا بلغك؟
أو يتساءلون الأعراب كما تقول: رأيت الهلال وتراءيناه: كان عليكم أن تواسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسكم فتوازروه وتثبتوا معه، كما آساكم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مرحى الحرب، حتى كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ هَؤُلاءِ لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقَدِ انْهَزَمُوا فَفَرُّوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ.
﴿ وَإنْ يَأْتِ ﴾ الأحْزابُ كَرَّةً ثانِيَةً.
﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ.
﴿ يَسْألُونَ ﴾ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ.
﴿ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم.
﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ هَذِهِ الكُرَةَ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ قِتالٌ.
﴿ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
{يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ} أي لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا ولم ينصرفوا مع أنهم قد انصرفوا {وَإِن يَأْتِ الأحزاب} كرة ثانية {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الأعراب} البادون جمع المبادى أى يتمنى المنافقون لجنهم أنهم خارجون من المدينة إلى البادية حاصلون بين الأعراب ليأمنوا على أنفسهم ويعتزلوا مما فيه الخوف من القتال {يسألون} كل قادم منهم من جانب المدينة {عَنْ أَنبَائِكُمْ} عن أخباركم وعما جرى عليكم {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} رياء وسمعة
﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ هم مِنَ الجَزَعِ والدَّهْشَةِ لِمَزِيدِ جُبْنِهِمْ وخَوْفِهِمْ بِحَيْثُ هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ فَرَحَلُوا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا، وقِيلَ: المُرادُ هَؤُلاءِ لِجُبْنِهِمْ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقَدِ انْهَزَمُوا فانْصَرَفُوا عَنِ الخَنْدَقِ راجِعِينَ إلى المَدِينَةِ لِذَلِكَ، وهَذا إنْ صَحَّتْ فِيهِ رِوايَةٌ فَذاكَ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ لِدِلالَتِهِ ظاهِرًا عَلى أنَّهم خارِجُونَ عَنْ مُعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ يَحُثُّونَ إخْوانَهم عَلى اللَّحاقِ بِهِمْ، وكَوْنُ المُرادِ هَلُمُّوا إلى رَأْيِنا، أوْ إلى مَكانِنا الَّذِي هو في طَرَفٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ السَّهْمُ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ أيْضًا، إذْ يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى اتِّحادِ المَكانِ، ولَوْ في الخَنْدَقِ، ﴿ وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً ﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ، وحاصِلُونَ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ «بُدًّى» جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ وقِياسُهُ فُعَلَةٌ كَقاضٍ وقُضاةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «بَدَوْا» فِعْلًا ماضِيًا، وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ «بَدى» بِوَزْنِ عَدى، ﴿ يَسْألُونَ ﴾ أيْ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ ﴿ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِنَ الأحْزابِ يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ فَرَقًا وجُبْنًا، واخْتِيارُ البَداوَةِ لِيَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (بادُونَ)، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو، وعاصِمًا، والأعْمَشَ قَرَؤُوا «يَسَلُونَ» بِغَيْرِ هَمْزٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ، ولَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما ونَقَلَها صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما «يَسّالُونَ» بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمَدِّ، وأصْلُهُ يَتَساءَلُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ؟
أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، أيْ يَسْألُونَهم كَما تَقُولُ: رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْتُهُ، وأبْصَرْتُ زَيْدًا وتَباصَرْتُهُ، ﴿ ولَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ أيْ في هَذِهِ الكَرَّةِ المَفْرُوضَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ) أوْ ( لَوْ كانُوا فِيكم ) في الكَرَّةِ الأُولى السّابِقَةِ، ولَمْ يَرْجِعُوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ، وكانَتْ مُحارَبَةٌ بِالسُّيُوفِ ومُبارَزَةُ الصُّفُوفِ ما ﴿ قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ رِياءً وسُمْعَةً وخَوْفًا مِنَ التَّعْبِيرِ، قالَ مُقاتِلٌ، والجَيّانِيُّ، والبَعْلَبَكِّيُّ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى كانَ كَثِيرًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ يعني: يرى المثبطين منكم، المانعين من القتال منكم وهم المنافقون وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ يعني: لأوليائهم وأصدقائهم هَلُمَّ إِلَيْنا يعني: ارجعوا إلينا إلى المدينة، وهذا بلغة أهل المدينة، يقولون للواحد وللاثنين والجماعة: هلم وسائر العرب تقول للجماعة: هلموا.
ثم قال: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وذلك أن المنافقين كانوا يقولون: إن لنا شغلاً، فيرجعون إلى المدينة، فإذا لقيهم أحد بالمدينة من المؤمنين يقولون: دخلنا لشغل ونريد أن نرجع.
وإذا لقوا أحداً من المنافقين يقولون: أي شيء تصنعون هناك؟
ارجعوا إلينا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ يعني: ولا يحضرون القتال إلا قليلاً، رياءً وسمعةً.
ولو كان ذلك لله لكان كثيراً وهذا كقوله: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.
ثم قال عز وجل: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ يعني: أشفقة عليكم، حباً لكم حتى يعوقكم يا معشر المسلمين.
ويقال: يعني: بخلاء في النفقة عليكمْ ويقال: فيه تقديم.
فكأنه يقول: ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي: لم يحضروا شفقة عليكم إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا قليلاً ولا كثيراً.
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ يعني: خوف القتال رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ من الخوف تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني: تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت، ونزعاته جبناً وخوفاً فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وجاءت قسمة الغنيمة سَلَقُوكُمْ يعني: رموكم.
ويقال: طعنوا فيكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ يعني: سلاط باسطة بالشر أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني: حرصاً على الغنيمة.
ويقال: بخلاً على الغنيمة أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني: لم يصدقوا حقّ التصديق فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل الله ثواب أعمالهم.
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: إبطال أعمالهم.
ويقال: عذابهم في الآخرة على الله هيّن.
ثم قال عز وجل: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا يعني: يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ مرة أخرى.
ويقال: حكاية عن الماضي يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يعني: تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يعني: عن أخباركم وأحاديثكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ يعني: معكم في القتال مَّا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياءً وسمعةً من غير حسبة.
وقرئ في الشاذ يُسْئَلُونَ بتشديد السين وأصله يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضاً.
وقراءة العامة يَسْئَلُونَ لأنهم يسألون القادمين.
ولا يسأل بعضهم بعضا.
قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الألف.
وقرأ الباقون: بالكسر.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
يعني: لقد كان لكم اقتداء بالنبي وقدوة حسنة، وسنة صالحة، لأنه كان أسبقهم في الحرب.
وكسرت رباعيته يوم أحد.
وَوَاسَاكُمْ بنفسه في مواطن الحرب.
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يعني: يخاف الله عز وجل: وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً باللسان وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ يعني: الجنود يوم الخندق والقتال قالُوا هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ في سورة البقرة وهو قوله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] الآية.
ويقال: إنه قد أخبرهم النبيّ أنه نازل ذلك الأمر.
فلما رأوه قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً يعني: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقاً لقول النبيّ وَجُرْأَةً وَتَسْلِيماً يعني: تواضعاً لأمر النبيّ .
ثم نعت المؤمنين: <div class="verse-tafsir"
معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.
ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.
ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد
من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .
وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:
ها المم.
وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.
وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.
وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.
وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.
ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:
خارجون إلى البادية.
فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.
يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.
ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.
ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.
ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .
رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.
وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:
وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟
قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.
وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟
قَالَ:
«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .
ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.
وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا انْصَرَفَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ وعِنْدَهُ شِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟!
فَقالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ؛ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا؛ فَقالَ لَهُ: كَذَبْتَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أما واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِأمْرِكَ، فَذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَسِيرًا ﴾ ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ، كانُوا إذا جاءَهم مُنافِقٌ قالُوا لَهُ: ويَحَكَ اجْلِسْ فَلا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ بِذَلِكَ إلى إخْوانِهِمُ الَّذِينَ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا بِالمَدِينَةِ فَإنّا نَنْتَظِرُكُمْ- يُثَبِّطُونَهم عَنِ القِتالِ- وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ لا يَجِدُوا بُدًّا، فَيَأْتُونَ العَسْكَرَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهُمْ، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والمُعَوِّقُ: المُثَبِّطُ؛ تَقُولُ: عاقَنِي فُلانٌ، واعْتاقَنِي، وعَوَّقَنِي: إذا مَنَعَكَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي تُرِيدُهُ.
وكانَ المُنافِقُونَ يُعَوِّقُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نُصّارَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المُنافِقُ الَّذِي قالَ لِأخِيهِ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ دَعَوْا إخْوانَهم مِنَ المُنافِقِينَ إلى تَرْكِ القِتالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ دَعَوُا المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ أيْ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ [القَلِيلُ] لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
المَعْنى: لا يَأْتُونَ الحَرْبَ إلّا تَعْذِيرًا، بُخَلاءَ عَلَيْكم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما شَحُّوا بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أشِحَّةٌ بِالخَيْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: بِالغَنِيمَةِ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: بِالظُّفْرِ والغَنِيمَةِ.
والرّابِعُ: بِالقِتالِ مَعَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جُبْنِهِمْ فَقالَ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ أيْ: إذا حَضَرَ القِتالُ ﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ أيْ: كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي دَنا مَوْتُهُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَإنَّهُ يَخافُ ويَذْهَلُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَخافُونَ القَتْلَ.
﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: آذَوْكم بِالكَلامِ في الأمْنِ ﴿ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: صَلَقُوكُمْ، بِالصّادِ، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ؛ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
وقَدْ قَرَأ بِالصّادِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في آخَرِينَ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ : خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ: إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ ﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ أيْ: خاطَبُوكم وهم أشِحَّةٌ عَلى المالِ والغَنِيمَةِ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ وقْتُ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، يَقُولُونَ: أعْطُونا فَلَسْتُمْ أحَقَّ بِها مِنّا؛ فَـأمّا عِنْدَ البَأْسِ، فَأجَبَنُ قَوْمٍ وأخْذُلُهُ لِلْحَقِّ، وأمّا عِنْدَ الغَنِيمَةِ، فَأشَحُّ قَوْمٍ.
وَفِي المُرادِ بِالخَيْرِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الغَنِيمَةُ.
والثّانِي: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِظَفَرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: هم وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، لِنِفاقِهِمْ ﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ الإحْباطُ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلى جُبْنِهِمْ، فَقالَ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ: يَحْسَبُ المُنافِقُونَ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ بَعْدَ انْهِزامِهِمْ وذَهابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا، ﴿ وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ \[أيْ\]: يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ كَرَّةً ثانِيَةً لِلْقِتالِ ﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْا لَوْ كانُوا في بادِيَةِ الأعْرابِ مِن خَوْفِهِمْ، ﴿ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ أيْ: ودُّوا لَوْ أنَّهم بِالبُعْدِ مِنكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكُمْ، فَيَقُولُونَ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، لِيَعْرِفُوا حالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا؛ وقِيلَ: بَلْ يَسْألُونَ شَماتَةً بِالمُسْلِمِينَ وفَرَحًا بِنَكَباتِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ القِتالَ مَعَكم ﴿ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا رَمْيًا بِالحِجارَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إلّا رِياءً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ثُمَّ عابَ مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ.
والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لَكم بِهِ اقْتِداءٌ لَوِ اقْتَدَيْتُمْ بِهِ في الصَّبْرِ [مَعَهُ] كَما صَبَرَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وشُجَّ جَبِينُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، وآساكم مَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ: " أُسْوَةٌ " بِضَمِّ الألِفِ؛ والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ وأسَدٌ يَقُولُونَ: " إسْوَةٌ " بِالكَسْرِ، وتَمِيمٌ وبَعْضُ قَيْسٍ يَقُولُونَ: " أُسْوَةٌ " بِالضَّمِّ.
وخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأُسْوَةِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الأُسْوَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ إنَّما كانَتْ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ [واليَوْمَ الآخِرَ]؛ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرْجُو ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَخْشى اللَّهَ ويَخْشى البَعْثَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، لِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ مُتَّبِعٌ لِأوامِرِهِ، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْهُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ لِقاءِ الأحْزابِ، فَقالَ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ وفي ذَلِكَ الوَعْدِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ: [البَقَرَةِ:٢١٤] فَلَمّا عايَنُوا البَلاءَ يَوْمَئِذٍ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وعَدَهُمُ النَّصْرَ والظُّهُورَ عَلى مَدائِنِ كِسْرى وقُصُورِ الحَيْرَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما زادَهُمْ ﴾ يَعْنِي ما رَأوْهُ ﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِوَعْدِ اللَّهِ ﴿ وَتَسْلِيمًا ﴾ لِأمْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابَ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عن أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهِ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهِ كَثِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في ﴿ "يَحْسَبُونَ" ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّهم مِنَ الجَزَعِ والفَزَعِ بِحَيْثُ رَحَلَ الأحْزابُ وهَزَمَهُمُ اللهُ تَعالى وهَؤُلاءِ يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَذْهَبُوا، بَلْ يُرِيدُونَ الكَرَّةَ إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّ وِدَّهم إذا أتى الأحْزابُ وحاصَرُوا المَدِينَةَ أنْ يَكُونُوا هم قَدْ خَرَجُوا إلى البادِيَةِ ومَعَ الأعْرابِ وهم أهْلُ العَمُودِ والرَحِيلِ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومَن كانَ مِنهم مُقِيمًا بِأرْضٍ مُسْتَوْطِنًا فَلا يُسَمَّوْنَ أعْرابًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "لَوْ أنَّهم بُدًّى في الأعْرابِ" شَدِيدَةُ الدالِّ مُنَوَّنَةٌ، وهو جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بُدًّا" فِعْلًا ماضِيًا.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ"، أيْ عن أنْبائِكُمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَسّاءَلُونَ"، أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ الجَحْدَرِيُّ في الإمامِ: "يَتَساءَلُونَ".
ثُمَّ سَلّى اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عنهُمْ، وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَما أغْنَوْا ولَما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا لا نَفْعَ لَهُ، قالَ التَغْلَبِيُّ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ مِن غَيْرِ حِسْبَةٍ ولَوْ كانَ لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ بِأنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ ومُدَّعٍ في الإسْلامِ يَجِبُ أنْ يَقْتَدِيَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قاتَلَ وصَبَرَ وجادَ بِنَفْسِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهُما لُغَتانِ، مَعْناها: قُدْوَةٌ، وتَأسّى الرَجُلُ إذا اقْتَدى، و"رَجاءُ اللهِ تَعالى" تابِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِهِ، و"رَجاءُ اليَوْمِ الآخِرِ" ثَمَرَةُ العَمَلِ الصالِحِ، و"ذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا" مِن خَيْرِ الأعْمالِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَحْسَبُونَ الأحْزابَ قَدْ ذَهَبُوا، فَإذا وجَدُوهم لَمْ يَذْهَبُوا ودُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ".
<div class="verse-tafsir"
لما ذُكر حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض من فتنتهم في المسلمين وإذا هم حين مجيء جنود الأحزاب وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ثُني عنان الكلام الآن إلى حالهم حين أنعم الله على المسلمين بانكشاف جنود الأحزاب عنهم، فأفاد بأن انكشاف الأحزاب حصل على حين غفلة من المنافقين فلذلك كانوا يشتدّون في ملام المسلمين ويسلِقُونَهم بألسنة حِدَادٍ على أن تَعرضوا للعدوّ الكثير، وكان الله ساعتئذ قد هزم الأحزاب فانصرفوا وكفى الله المؤمنين شرهم، وليس للمنافقين وساطة في ذلك.
ولعلهم كانوا لا يودّون رجوع الأحزاب دون أن يأخذوا المدينة، فتكون جملة ﴿ يحسبون ﴾ استئنافاً ابتدائياً مرتبطاً بقوله ﴿ اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ [الأحزاب: 9] الخ...
جاء عوْداً على بدْءٍ بمناسبة ذكر أحوال المنافقين، فإن قوله: ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ يؤذن بانهزام الأحزاب ورجوعهم على أعقابهم، أي: وقع ذلك ولم يشعر به المنافقون.
ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كانوا يسلقون المؤمنين اعتزازاً بالأحزاب لأن الأحزاب حلفاء لقريظة وكان المنافقون أخلاّء لليهود فكان سلقُهم المسلمين في وقت ذهاب الأحزاب وهم لا يعلمون ذلك ولو علموه لخفَّضوا من شدتهم على المسلمين، فتكون جملة ﴿ يحسبون ﴾ حالاً من ضمير الرفع في ﴿ سلقوكم ﴾ [الأحزاب: 19] أي: فعلوا ذلك حاسبين الأحزاب محيطين بالمدينة ومعتزين بهم فظهرت خيبتهم فيما قدروا.
وأما قوله ﴿ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ﴾ فهو وصف لِجبن المنافقين، أي: لو جاء الأحزاب كَرَّة أخرى لأخذ المنافقون حيطتهم فخرجوا إلى البادية بين الأعراب القاطنين حول المدينة وهم غفار وأسلَمُ وغيرهم، قال تعالى: ﴿ ما كان لأهل المدينة ومَن حولهم من الأعراب ﴾ [التوبة: 120] الآية.
والوُدّ هنا مستعمل كناية عن السعي لحصول الشيء المودود لأن الشيء المحبوب لا يمنع من تحصيله إلا مانع قاهر فهو لازم للودّ.
والبادي: ساكن البادية.
وتقدم عند قوله تعالى ﴿ سواءٌ العاكفُ فيه والبادِ ﴾ في سورة الحج (25).
والأعراب: هم سكان البوادي بالأصالة، أي: يودُّوا الالتحاق بمنازل الأعراب ما لم يعجزوا لما دل عليه قوله عقبه ﴿ ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ ، أي: فلو لم يستطيعوا ذلك فكانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً.
و ﴿ لو ﴾ حرف يفيد التمني بعد فعل ودّ ونحوه.
أنشد الجاحظ وعبد القاهر: يَودُّون لو خاطوا عليك جلودهم *** ولا تَمنع الموت النفوسُ الشحائح وتقدم عند قوله تعالى ﴿ يودّ أحدُهم لو يُعَمَّر ألف سنة ﴾ في سورة البقرة (96).
والسؤال عن الأنباء لقصد التجسس على المسلمين للمشركين وليسرّهم ما عسى أن يلحق المسلمين من الهزيمة.
ومعنى ﴿ ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ أنهم إذا فرض أن لا يتمكنوا من الخروج إلى البادية وبقُوا في المدينة مع المسلمين ما قاتلوا مع المسلمين إلا قتالاً قليلاً، أي: ضعيفاً لا يُؤْبَه به، وإنما هو تعلة ورياء، وتقدم نظيره آنفاً.
والأنباء: جمع نبأ وهو: الخبر المهم، وتقدم عند قوله تعالى ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ في سورة (الأنعام 34) وقرأ الجمهور يسألون } بسكون السين فهمزة مضارع سأل.
وقرأ رويس عن يعقوب ﴿ يَسَّاءلون ﴾ بفتح السين مشددة وألف بعدها الهمزة مضارع تساءل، وأصله: يتساءلون أدغمت التاء في السين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ يَعْنِي أنَّ المُنافِقِينَ يَحْسَبُونَ أبا سُفْيانَ وأحْزابَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ حِينَ تَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مَغْلُوبِينَ لَمْ يَذْهَبُوا عَنْهُ وأنَّهم قَرِيبٌ مِنهم ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا عَلى ذَلِكَ لِبَقاءِ خَوْفِهِمْ وشِدَّةِ جَزَعِهِمْ.
الثّانِي: تَصَنُّعًا لِلرِّياءِ واسْتِدامَةِ التَّخَوُّفِ.
﴿ وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ.
﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ أيْ يَوَدُّ المُنافِقُونَ لَوْ أنَّهم في البادِيَةِ مَعَ الأعْرابِ حَذَرًا مِنَ القَتْلِ وتَرَبُّصًا لِلدَّوائِرِ.
﴿ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ أيْ عَنْ أخْبارِ النَّبِيِّ وأصْحابِهِ يَتَحَدَّثُونَ: أما هَلَكَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، أما غَلَبَ أبُو سُفْيانَ وأحْزابُهُ.
﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا كَرْهًا.
الثّانِي: إلّا رِياءً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ قال: يحسبونهم قريباً لم يبعدوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ قال: كانوا يتحدثون بمجيء أبي سفيان وأصحابه، وإنما سموا الأحزاب لأنهم حزبوا من قبائل الأعراب على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وإن يأت الأحزاب ﴾ قال: أبو سفيان وأصحابه ﴿ يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ﴾ يقول: يود المنافقون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن يأت الأحزاب ﴾ قال: أبو سفيان وأصحابه ﴿ يودوا لو أنهم بادون ﴾ يقول: يود المنافقون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ﴾ قال: هم المنافقون بناحية المدينة، كانوا يتحدثون بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويقولون: أما هلكوا بعد، ولم يعلموا بذهاب الأحزاب، قد سرهم أن جاءهم الأحزاب أنهم بادون في الاعراب مخافة القتال.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قال: عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما فعلوا.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والخطيب في تالي التلخيص عن أسد بن يزيد أن في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ السؤال بغير ألف.
<div class="verse-tafsir"
ثم أخبر بما دل عليه جبنهم بقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ الأحزاب: الجماعات، واحدها حزب، وهم كل طائفة هواهم واحد، فالمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا بمنزلة عاد وثمود وفرعون أولئك الأحزاب، وتحزب القوم: إذا تجمعوا فصاروا أحزابًا، وحزب فلان أحزابًا، أي: جمعهم.
قال ابن عباس: يقول بحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب (١) (٢) وقال مقاتل: من الخوف والرعب الذي نزل بهم يحسبون الأحزاب لم يذهبوا إلى مكة (٣) (٤) وقوله ﴿ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ ﴾ يقول: وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال.
﴿ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتمنى المنافقون لو كانوا في البادية (٥) وقال الكلبي: يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة (٦) قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ﴾ .
الأظهر أن قوله: (يسألون) صفة للنكرة التي هي بادون بتقدير: بادون سائلون عن أنبائكم أي: ودوا أنهم بالبعد منكم وهم يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمد وأصحابه فيعرفون حالهم (٧) (٨) وقال الكلبي: يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة، فزعًا وفرقًا من القتال (٩) (١٠) ﴿ يَسْأَلُونَ ﴾ متصل بما قبله؛ لقوله: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا}، وهذا يدل على أن الكلام متصل.
قال الكلبي: ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ رميًا بالحجارة (١١) وقال مقاتل: يعني ما قاتلوا إلا رياء وسمعة من غير خشية (١٢) (١) في (ب): (الآخرة)، وهو خطأ.
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 9/ 3122 نحوه عن مجاهد قال: يحسبونهم قريبًا لم يبعدوا.
(٣) " تفسير مقاتل" 2/ 273.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.
(٥) لم أقف عليه عن ابن عباس.
وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 361، "تفسير القرطبي" 14/ 154.
(٦) لم أقف عليه عن الكلبي.
وانظر: المصدرين السابقين.
(٧) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: حالكم.
حتى يستقيم السياق.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 142، "مجمع البيان" 8/ 547، "القرطبي" 14/ 155 (٩) لم أقف عليه عن الكلبي.
وانظر: "القرطبي" 14/ 155.
(١٠) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: فهم.
(١١) ذكر هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 367، ونسبه لابن السائب.
(١٢) "تفسير مقاتل" 90 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ الأحزاب هنا هم كفار قريش، ومن معهم، فالمعنى أن المنافقين من شدة جزعهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا عن المدينة، وهم قد انصرفوا ﴿ وَإِن يَأْتِ الأحزاب يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب ﴾ معنى ﴿ يَوَدُّواْ ﴾ يتمنوا، ﴿ بَادُونَ ﴾ : خارجون في البادية، والأعراب هم أهل البوادي من العرب، فمعنى الآية: أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرة أخرى؛ تمنى هؤلاء المنافقون من شدة جزعهم أن يكونوا في البادية مع الأعراب، وأن لا يكونوا في المدينة بل غائبين عنها يسألون من ورد عليهم على أنبائكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هما واحد، وهم المنافقون.
وجائز أن يكون المنافقون هم الذين أضمروا الخلاف له، وأظهروا الوفاق، على إبانة الحق لهم وظهوره، ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : هم الذين كانوا مرتابين في ذلك، لم يبن لهم ذلك، ولم ينجل قالوا هذا.
﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الذي وعد لهم فتوح البلدان، قالوا لما أحاط بهم - أعني: بالمؤمنين - الكفار قال ذلك المنافقون.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ .
قيل: ﴿ يَثْرِبَ ﴾ : المدينة، ويقال: ﴿ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ ﴾ : يأهل المدينة، وروي عن النبي أنه قال: "من قال للمدينة: يثرب، فليستغفر الله ثلاثاً؛ هي طابة هي طابة" ثم قال بعضهم: إن قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ إنما قاله أهل النفاق لبعضهم: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ .
ثم يحتمل قوله ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ما قالوا: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ من الفتح والنصر ﴿ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
والثاني: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ ؛ لما لم يقع عندهم أنهم يصلون إلى ما كانوا يطمعون ويأملون؛ لأنهم كانوا يخرجون رغبة في الأموال وطمعاً فيها، وهو ما وصفهم: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11].
وجائز أن يكون هذا القول من المؤمنين لأهل النفاق؛ فإن كان من المؤمنين لأولئك فالوجه فيه: أنهم أرادوا أن يطردوهم؛ لفشلهم ولجبنهم؛ لئلا يهزموا جنود المؤمنين بانهزامهم؛ لأنهم قوم همتهم الانهزام فإذا انهزموا هم انهزم غيرهم؛ فالمعنى: إذا كان ذلك من المؤمنين لهم غير المعنى إذا كان [من] أهل النفاق بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .
بالرجوع إلى المدينة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : خالية من الناس، ليس فيها أحد، فنخاف السرق عليها والأخذ والمكابرة.
ويحتمل أن يكونوا أرادوا بالعورة دخول العدوّ عليها إذا كانوا هم في الجند، العورة، أي: يدخل علينا مكروه ما يحزننا ويهمُّنا، أو كلام نحو هذا، فأكذبهم الله في قولهم، وقال: ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ، بل الله يحفظها على ما وعد، حتى لا يدخل عليهم مكروه لما يخافون ولا يصيبهم.
وقوله: ﴿ إِن يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: ما يريدون ﴿ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ من القتال.
وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما، أي: لو دخلوا عليهم من أطراف المدينة ونواحيها، ثم دعوا إلى الشرك لأجابوهم، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: لم يمتنعوا عن إجابتهم، بل لأجابوهم به كما دعوا.
وقال بعضهم: إنهم لو كانوا في بيوتهم، فدخلوا عليهم من نواحيها، ثم سئلوا الأموال وما تحويه أيديهم ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: لأعطوها.
﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ .
يخبر عن نفاقهم وخلافهم له في السرّ أنهم يعطون لأولئك ما يريدون من الأموال أو الدين، ويوافقونهم ولا يوافقونكم ألبتة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .
قال بعضهم: كان أناس غابوا وقعة بدر وما أعطى الله أصحاب بدر من الفضيلة والكرامة؛ فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن؛ فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وذلك أنهم كانوا عاهدوا الرسول على عهدهم بمكة على العقبة بمنى، واشترط عليهم لربّه ولنفسه: أمّا لربّه: أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن ينصروه ويعزروه ويعينوه [ويمنعوه] ما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم؛ فقالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فما لنا با نبي الله؟
قال: لكم النصر في الدنيا، [و]الجنة في الآخرة؛ قالوا: قد فعلنا؛ فذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ ليلة العقبة حين شرطوا للنبي المنعة: ألا يولوا الأدبار منهزمين.
﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ .
أي: يسأل من نقض العهد في الآخرة ومن وفى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً ﴾ مجزيا نقضاً أو وفاءً، يجزون على وفاء العهد ونقضه.
وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن قضي عليكم الموت أو القتل؛ فلن ينفعكم الفرار.
وقال بعضهم: إن جعل انقضاء آجالكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار؛ بل تنقضي.
وأصله: إن كان المكتوب عليكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار منه؛ بل يأتي لا محالة؛ كقوله: ﴿ لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ الآية [آل عمران: 154]، أي: لا محالة المكتوب عليهم القتل - وإن كانوا في بيوتهم - لبرزوا؛ فيقتلون.
﴿ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: إنما الدنيا قليل إلى آجالكم.
وجائز أن يكون معناه: ولئن نفعكم الفرار عنه ﴿ لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ؛ كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ الآية [الشعراء: 205-206].
قال أبو عوسجة والقتبي: أدعياءكم: من تبنيتموه واتخذتموه ولدا، ما جعلتم بمنزلة الصلب وكانوا يورثون من ادعوا.
﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ .
إن قولكم على التشبيه والمجاز، ليس على التحقيق.
﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَقْسَطُ ﴾ : أعدل.
﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ﴾ : عدلت ومالت ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ ، أي: كادت تبلغ الحلقوم من الخوف، والحناجر جماعة الحنجرة، وهي المذبح.
وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ ، أي: شددوا عليهم وهوّلوا، والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك و ﴿ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ ﴾ و ﴿ وَٱللاَّتِي ﴾ مآلهما واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ .
ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إنكم، وإن فررتم من الموت أو القتل، فإن الله إن أراد بكم سوءاً أو هلاكاً لا يملك أحد دفعه عنكم، أو إن أراد بكم رحمة ونجاة وخيراً لا يملك أحد منعه عنكم، وقد تعلمون أنكم لا تجدون من دون الله وليّاً ينفعكم ولا نصيراً ينصركم ويمنعكم عن حلول ذلك عليكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ : هم المانعون منكم، ﴿ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هم اليهود أرسلوا إلى المنافقين، وقالوا: من ذا الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه من أصحابه؟!
فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدا، فإنا نشفق عليكم؛ فإنما أنتم إخواننا ونحن جيرانكم، ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ .
وقال بعضهم: هم المنافقون، عوق بعضهم بعضا ومنع عن الخروج مع رسول الله إلى قتال العدوّ.
وفيه أمران: أحدهما: دلالة على إثبات الرسالة؛ لأنهم كانوا يسرون هذا ويخفون فيما بينهم، ثم أخبرهم بذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله .
والثاني: أن يكونوا أبدا على حذر مما يضمرون من الخلاف له؛ كقوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ...
﴾ الآية [التوبة: 64].
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
أي: لا يأتون القتال والحرب إلا مراءاة وسمعة، هذا - والله أعلم - يشبه أن يريد بالقليل: أنهم لا يأتون إتيان من يريد القتال والقيام معهم؛ ولكن مراءاة وسمعة وإظهاراً للوفاق لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: بخلاء على الإنفاق عليكم، أي: لا ينفقون عليكم ولا على سبيل الخير، والله أعلم.
وقال بعضهم: الشح - أيضاً - هو الحرص، يقول: ﴿ أَشِحَّةً ﴾ ، أي: حراصاً على قسمة الغنيمة، يخبر عن معرضهم في الدنيا وركونهم إليها وميلهم فيها، ثم أخبر عن جبنهم وفشلهم وشدة خوفهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ .
يخبر أنهم لجبنهم وفشلهم يصيرون كالمغشي عليه من الموت.
﴿ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ .
يخبر عن شدة حرصهم في قسمة الغنيمة ورغبتهم فيها - أنهم أشح قوم وأسوؤهم مقاسمة، يقولون: أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ .
قال بعضهم: هذا قولهم، أي: إنا أشح منكم على رسول الله وعلى دينه، وأضنن منكم على الخير، أي: نحن أحرص عليه منكم.
وقال بعضهم: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ ، أي: حراصاً على الغنيمة والنيل منها.
ثم أخبر عنهم، وعن خلافهم له؛ حيث قال: ﴿ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
التي عملوها في الظاهر، ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ : أي: صنعهم الذي صنعوا على الله، ﴿ يَسِيراً ﴾ ، أي: لا يضره.
وقال بعضهم: حبط أعمالهم، وتعذيبه إياهم مع كثرة أتباعهم وأعوانهم على الله يسير، أي: لا يشتد عليه ولا يصعب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ .
أي: يحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب لم يذهبوا؛ من الفرق والجبن والفشل الذي فيهم يوم الخندق.
﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ ، أي: يقبل الأحزاب، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: بألسنتهم كانوا بمنزلة البداء؛ وأنهم تركوا أوطانهم وديارهم.
﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : كانت همتهم التخلف والفرار من القتال وطلب أخبار المؤمنين: أنهم ما فعل بهم؟
نحو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ هكذا كانت عادتهم، ثم ابتلاهم الله بما كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ويضمرون الخلاف لهم؛ والعداوة بفضل فشل وجبن ما لم يكن ذلك في غيرهم؛ ففي ذلك تحذير للمؤمنين وزجر عن مثل هذا الصنيع ومثل هذه المعاملة؛ لئلا يبتلوا بمثل ما ابتلي أولئك.
وفيه أنه يعامل بعضهم بعضا على الظاهر الذي ظهر دون حقيقة ما يكون؛ وعلى ذلك يجري الحكم على ما عامل رسول الله وأصحابه أهل النفاق، وحكمه على ما أظهروا دون ما أضمروا في الأنكحة والصهر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، أي: إلا فيما يدفعون عن أنفسهم لو قصدوا، فأما الدفع عن المؤمنين ودينهم فلا.
وجائز أن يكون المراد بالقليل، أي: لا يقاتلون ألبتة حقيقة القتال، وهو ما ذكر عنهم؛ حيث قال: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ ، أي: فسادا في أمركم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يظنّ هؤلاء الجبناء أن الأحزاب المُتَأَلِّبة لقتال رسول الله وقتال المؤمنين لن يذهبوا حتى يستأصلوا المؤمنين، وإن قدّر أن جاء الأحزاب مرة أخرى يودّ هؤلاء المنافقون أنهم خارجون من المدينة مع الأعراب، يسألون عن أخباركم: ماذا حدث لكم بعد قتال عدوّكم لكم؟
ولو كانوا فيكم -أيها المؤمنون- ما قاتلوا معكم إلا قليلًا، فلا تبالوا بهم، ولا تأسوا عليهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.DXlBd"