الآية ٢١ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٢١ من سورة الأحزاب

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ; ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ، عز وجل ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين; ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) أي : هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ؟

ولهذا قال : ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (أُسْوَةٌ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: (إِسْوَةٌ) بكسر الألف، خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه قرأه بالضمّ(أُسوة)، وكان يحيى بن وثاب يقرأ هذه بالكسر، ويقرأ قوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ بالضم وهما لغتان.

وذُكر أن الكسر في أهل الحجاز، والضمّ في قيس، يقولون: أُسوة، وأُخوة، وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسكره بالمدينة، من المؤمنين به، يقول لهم جلّ ثناؤه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة): أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلَّفوا عنه (لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ) يقول: فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه، ولكنه تكون له به أُسوة في أن يكون معه حيث يكون هو.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، قال: ثم أقبل على المؤمنين، فقال: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) ألا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا عن مكان هو به (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) يقول: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدّة والرخاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا .[ ص: 143 ] فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة هذا عتاب للمتخلفين عن القتال ; أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق .

والأسوة : القدوة .

وقرأ عاصم ( أسوة ) بضم الهمزة .

الباقون بالكسر ; وهما لغتان .

والجمع فيهما واحد عند الفراء .

والعلة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة : الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء ; فيقولون كسوة وكسا ، ولحية ولحى .

الجوهري : والأسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان .

والجمع أسى وإسى .

وروى عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة قال : في جوع النبي صلى الله عليه وسلم ; ذكره الخطيب أبو بكر أحمد وقال : تفرد به عقبة بن حسان عن مالك ، ولم أكتبه إلا بهذا الإسناد .الثانية : قوله تعالى : ( أسوة ) الأسوة القدوة .

والأسوة ما يتأسى به ; أي يتعزى به .

فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله ; فلقد شج وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقتل عمه حمزة ، وجاع بطنه ، ولم يلف إلا صابرا محتسبا ، وشاكرا راضيا .

وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ; فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين .

خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه : حديث غريب .

وقال صلى الله عليه وسلم لما شج : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وقد تقدم .

لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال سعيد بن جبير : المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال .

وقيل : أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر .

ولا يجوز عند الحذاق من النحويين أن يكتب يرجو إلا بغير ألف إذا كان لواحد ; لأن العلة التي في الجمع ليست في الواحد .

وذكر الله كثيرا خوفا من عقابه ، ورجاء لثوابه .

وقيل : إن لمن بدل من قوله : لكم ، ولا يجيزه البصريون ; لأن الغائب لا يبدل من المخاطب ، وإنما اللام من لمن متعلقة ب ( حسنة ) ، و ( أسوة ) اسم كان و ( لكم ) الخبر .

واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين : أحدهما : المنافقون ; عطفا على ما تقدم من خطابهم .

الثاني : المؤمنون ; لقوله : لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام ، هل هي على الإيجاب أو على [ ص: 144 ] الاستحباب ; على قولين : أحدهما : على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب .

الثاني : على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب .

ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين ، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } حيث حضر الهيجاء بنفسه الكريمة، وباشر موقف الحرب، وهو الشريف الكامل، والبطل الباسل، فكيف تشحون بأنفسكم، عن أمر جاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بنفسه فيه؟\"فَتأَسَّوْا به في هذا الأمر وغيره.واستدل الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وأن الأصل، أن أمته أسوته في الأحكام، إلا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به.فالأسوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة.فالأسوة الحسنة، في الرسول صلى اللّه عليه وسلم، فإن المتأسِّي به، سالك الطريق الموصل إلى كرامة اللّه، وهو الصراط المستقيم.وأما الأسوة بغيره، إذا خالفه، فهو الأسوة السيئة، كقول الكفار حين دعتهم الرسل للتأسِّي ]بهم[ { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } وهذه الأسوة الحسنة، إنما يسلكها ويوفق لها، من كان يرجو اللّه، واليوم الآخر، فإن ما معه من الإيمان، وخوف اللّه، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، يحثه على التأسي بالرسول صلى اللّه عليه وسلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) قرأ عاصم : " أسوة " حيث كان ، بضم الهمزة ، والباقون بكسرها ، وهم لغتان ، أي : قدوة صالحة ، وهي فعلة من الائتساء كالقدوة من الاقتداء ، اسم وضع موضع المصدر ، أي : به اقتداء حسن إن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه ، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت رباعيته وجرح وجهه ، وقتل عمه وأوذي بضروب من الأذى ، فواساكم مع ذلك بنفسه ، فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا بسنته ( لمن كان يرجو الله ) بدل من قوله : " لكم " وهو تخصيص بعد تعميم للمؤمنين ، يعني : أن الأسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن كان يرجو الله ، قال ابن عباس : يرجو ثواب الله .

وقال مقاتل : يخشى الله ) ( واليوم الآخر ) أي : يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال ( وذكر الله كثيرا ) في جميع المواطن على السراء والضراء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد كان لكم في رسول الله أسوة» بكسر الهمزة وضمها «حسنة» اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه «لمن» بدل من لكم «كان يرجو الله» يخافه «واليوم الآخر وذكر الله كثيرا» بخلاف من ليس كذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد كان لكم -أيها المؤمنون- في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله قدوة حسنة تتأسون بها، فالزموا سنته، فإنما يسلكها ويتأسى بها مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، وأكثرَ مِن ذكر الله واستغفاره، وشكره في كل حال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لنستمع إلى القرآن الكريم وهو يصور لنا موقف المؤمنين فى غزوة الأحزاب ، كما يحكى جانبا من فضل الله عليهم ، ومن لطفه بهم فيقول - سبحانه - : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ .

.

.

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) أى : كان لكم قدوة فى النبى صلى الله عليه وسلم حيث بذلك نفسه لنصرة دين الله ، فى خروجه إلى الخندق .

والأسوة : القدوة .

وقرأ عاصم ( أُسوة ) بضم الهمزة .

والباقون بكسرها .

والجمع أسىً وإسِّى - بضم الهمزة وكسرها .يقال : فلان ائتسى بفلان ، إذا اقتدى به ، وسار على نهجه وطريقته .وقال الإِمام ابن كثير : هذه الآية الكريمة أصل كبير فى الأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم فى أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر الناس بالتأسى بالنبى صلى الله عليه وسلم كان فى هذه الغزوة بصفة خاصة ، وفى غيرها بصفة عامة القدوة الحسنة الطيبة فى كل أقواله وأفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم .لقد شارك أصحابه فى حفر الخندق ، وفى الضرب بالفأس .

وفى حمل التراب بل وشاركهم فى أراجيزهم وأناشديهم ، وهم يقومون بهذا العمل الشاق المتعب .وشاركهم فى تحمل آلام الجوع ، وآلام السهر .

.

بل كان صلى الله عليه وسلم هو القائد الحازم الرحيم ، الذى يلجأ إليه أصحابه عندما يعجزون عن إزالة عقبة صادفتهم خلال حفرهم للخندق .قال ابن إسحاق ما ملخصه : وعمل المسلمون فيه - أى فى الخندق - حتى أحكموه ، وارتجزوا فيه برجل من الملسمين يقال له " جُعَيلٌ " سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْراً ، فقالوا :سماه من بعد جعيل عمرا ...

وكان للبائس يما ظهيرافإذا مروا بعمرو ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمرا " وإذا بظهر قال : " ظهرا " .ثم قال ابن إسحاق : وكان فى حفر الخندق أحاديث بلغتنى فيها تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم فكان فيما بلغنى أن جابر بن عبد الله كان يحدث ، أنهم اشتدت عليهم فى بعض الخندق كُدْيَةٌ - أى صخرة عظيمة - ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضخ ذلك الماء على تلك الكدية ، فيقول من حضرها : فوالذى بعثه بالحق نبيا لانهالت - أى : لتفتت - حتى عادت كالكثيب - أى كالرمل المتجمع - لا ترد فأسا ولا مسحاة .وهذه الآية الكريمة وإن كان نزولها فى غزوة الأحزاب ، إلا أن المقصود بها وجوب الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله ، كما قال - تعالى - : ( وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ) والجار والمجرور فى قوله - سبحانه - : ( لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( حَسَنَةٌ ) ، أو بهذا اللفظ نفسه وهو ( حَسَنَةٌ ) .والمراد بمن كان يرجو الله واليوم الآخر : المؤمنون الصادقون الذين وفو بعهودهم .أى : لقد كان لكم - أيها الناس - قدوة حسنة فى نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وهذه القدوة الحسنة كائنة وثابتة للمؤمنين حق الإِيمان .

الذين يرجون ثواب الله - تعالى - ، ويؤملون رحمته يوم القيامة ، إذ هم المنتفعون بالتأسى برسولهم صلى الله عليه وسلم وقوله : ( وَذَكَرَ الله كَثِيراً ) معطوف على ( كَانَ ) ، أى : هذه الأسوة الحسنة بالرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، ولمن ذكر الله - تعالى - ذكرا كثيرا ، لأن الملازمة لذكر الله - تعالى - توصل إلى طاعته والخوف منه - سبحانه - .وجمع - سبحانه - بين الرجاء والإِكثار من ذكره ، لأن التأسى التام بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يتحقق إلا بهما .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: فما حقيقة قوله: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .

وقرئ: ﴿ أسوة ﴾ بالضم؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه في نفسه أسوة حسنة، أي: قدوة، وهو الموتسى به، أي: المقتدى به، كما تقول: في البيضة عشرون منا حديد، أي: هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

وهي المواساة بنفسه ﴿ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله ﴾ بدل من لكم، كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ ﴾ [الأعراف: 75] يرجو الله واليوم الآخر: من قولك رجوت زيداً وفضله، أي: فضل زيد، أو يرجو أيام الله.

واليوم الآخر خصوصاً.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف ﴿ وَذَكَرَ الله كَثِيراً ﴾ وقرن الرجاء بالطاعات الكثيرة والتوفر على الأعمال الصالحة، والمؤتسى برسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان كذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، أوْ هو في نَفْسِهِ قُدْوَةً يَحْسُنُ التَّأسِّي بِهِ كَقَوْلِكَ في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدًا أيْ هي في نَفْسِها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ أيْ ثَوابَ اللَّهِ أوْ لِقاءَهُ ونَعِيمَ الآخِرَةِ، أوْ أيّامَ اللَّهِ واليَوْمَ الآخِرَ خُصُوصًا.

وقِيلَ هو كَقَوْلِكَ أرْجُو زَيْدًا وفَضْلَهُ، فَإنَّ اليَوْمَ الآخِرَ داخِلٌ فِيها بِحَسَبِ الحُكْمِ والرَّجاءُ يَحْتَمِلُ الأمَلَ والخَوْفَ و ( لِمَن كانَ ) صِلَةٌ لِحَسَنَةٍ أوْ صِفَةٌ لَها.

وقِيلَ بَدَلٌ مِن ( لَكم ) والأكْثَرُ عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ.

﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ وقَرَنَ بِالرَّجاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ المُؤَدِّيَةَ إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، فَإنَّ المُؤْتَسِيَ بِالرَّسُولِ مَن كانَ كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} بالضم حيث كان عاصم أي قدوة وهو المؤتسى به أى المفتدى به كما تقول فى البينة عشرون مناً حديداً أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد أو فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها حيث قاتل بنفسه {لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر} يخاف الله ويخاف اليوم الآخر أو يأمل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر قالوا لِمَنْ يدل من لَكُمْ وفيه ضعف لأنه لا يجوز البدل من ضمير المخاطب

الأحزاب (٢٥ - ٢١)

وقيل لمن يتعلق بحسنة أي أسوة حسنة كائنة لمن كان

{وَذَكَرَ الله كَثِيراً} أي في الخوف والرجاء والشدة والرخاء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ المُخاطَبِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ .

والإسْوَةُ بِكَسْرَةِ الهَمْزَةِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ وبِضَمِّها كَما قَرَأ عاصِمٌ الخَصْلَةُ، وقالَ الرّاغِبُ: الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الإنْسانُ وهي اسْمُ كانَ ( ولَكُمُ ) الخَبَرُ، ( وفي رَسُولِ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَكم )، أوْ في مَوْضِعٍ مِن ( أُسْوَةٌ )، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ فِيها ناقِصَةً وفي أخَواتِها أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فِي رَسُولِ اللَّهِ) الخَبَرَ، (ولَكُمْ) تَبْيِينٌ، أيْ أعْنِي لَكم أيْ واللَّهِ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى ويُقْتَدى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأُسْوَةِ القُدْوَةُ بِمَعْنى المُقْتَدى عَلى مَعْنى هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفْسِهِ قُدْوَةٌ يَحْسُنُ التَّأسِّي بِهِ، وفي الكَلامِ صَنْعَةُ التَّجْرِيدِ، وهو أنْ يُنْتَزَعَ مِن ذِي صِفَةٍ آخَرُ مِثْلُهُ فِيها مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ نَحْوَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا، وهو كَما يَكُونُ بِمَعْنى مِن يَكُونُ بِمَعْنى في كَقَوْلِهِ: أراقَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حُكْمُ عَدْلِ وكَقَوْلِهِ: في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مَنًّا حَدِيدًا، أيْ هي نَفْسُها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، والآيَةُ وإنْ سِيقَتْ لِلِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِ الحَرْبِ مِنَ الثَّباتِ ونَحْوِهِ، فَهي عامَّةٌ في كُلِّ أفْعالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّها مِن خُصُوصِيّاتِهِ كَنِكاحِ ما فَوْقَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَأيْتُكَ في السَّفَرِ لا تُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ، ولا بَعْدَها، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذا وكَذا فَلَمْ أرَهُ يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ ولا بَعْدَها، ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ » وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «هَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَنْهى عَنِ الحِبَرَةِ، فَقالَ رَجُلٌ: ألَيْسَ قَدْ رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَلْبَسُها؟

قالَ عُمَرُ: بَلى، قالَ الرَّجُلُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ فَتَرَكَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.» وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ سَألَ عَنْ رَجُلٍ مُعْتَمِرٍ طافَ بِالبَيْتِ أيَقَعُ عَلى امْرَأتِهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؟

فَقالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطافَ بِالبَيْتِ وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، وسَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ » وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وقالَ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ الأُصُولِ.

﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ أيْ يُؤَمِّلُ اللَّهَ تَعالى وثَوابَهُ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ أثَرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ وضَعَ ﴿ اليَوْمَ الآخِرَ ﴾ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ مَوْضِعَ الثَّوابِ، لِأنَّ ثَوابَهُ تَعالى يَقَعُ فِيهِ، فَهو عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ، والكَلامُ نَحْوُ قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وكَرَمَهُ، مِمّا يَكُونُ ذِكْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيهِ تَوْطِئَةً لِلْمَعْطُوفِ، وهو المَقْصُودُ، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ والبَلاغَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا كَرَمَهُ، عَلى البَدَلِيَّةِ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، أوْ رِضا اللَّهِ، وثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، فَفي الكَلامِ مُضافانِ مُقَدَّرانِ، وعَنْ مُقاتِلٍ، أيْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى ويَخْشى البَعْثَ الَّذِي فِيهِ جَزاءُ الأعْمالِ عَلى أنَّهُ وضَعَ اليَوْمَ الآخِرَ مَوْضِعَ البَعْثِ، لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ، والرَّجاءُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الخَوْفِ، ومُتَعَلِّقُ الرَّجاءِ بِأيِّ مَعْنى كانَ أمْرٌ مِن جِنْسِ المَعانِي، لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لَفْظَ أيّامٍ مُرادًا بِها الوَقائِعُ، فَإنَّ اليَوْمَ يُطْلَقُ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحُرُوبِ والحَوادِثِ، واشْتُهِرَ في هَذا حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ، وجُعِلَ قَرِينَةَ هَذا التَّقْدِيرِ المَعْطُوفُ، وجُعِلَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ عَلى هَذا بِمَعْنى الخَوْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: أرْجُو زَيْدًا وكَرَمَهُ، وأنْ يَكُونَ الرَّجاءُ فِيهِ بِمَعْنى الأمَلِ إنْ أُرِيدَ ما في اليَوْمِ مِنَ النَّصْرِ والثَّوابِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَوْفِ والأمَلِ مَعًا، بِناءً عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ، أوْ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وإرادَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُلائِمِ والمُنافِرِ، وعِنْدِي أنَّ تَقْدِيرَ أيّامٍ غَيْرُ مُتَبادِرٍ إلى الفَهْمِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ ﴿ اليَوْمَ الآخِرَ ﴾ بِيَوْمِ السِّياقِ والمُتَبادِرُ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ، و(مَن) عَلى ما قِيلَ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في ( لَكم )، وأُعِيدَ العامِلُ لِلتَّأْكِيدِ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والفائِدَةُ فِيهِ الحَثُّ عَلى التَّأسِّي، وإبْدالُ الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ هَذا الإبْدالَ جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، والأخْفَشِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بِكم قُرَيْشُ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ∗∗∗ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضَلِيلا ومَنَعَ ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ: ومِن هُنا قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، هو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ عامٌّ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ كَما سَمِعْتَ، ومَعَ هَذا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مِنكُمْ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَن مُتَعَلِّقًا (بِحَسَنَةً)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً (لِأُسْوَةً)، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ وصْفِهِ، وكَذا تَعَدُّدُ الوَصْفِ بِدُونِ العَطْفِ لا يَصِحُّ، وقَدْ صَرَّحَ بِمَنعِ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ فَلا تَغْفُلْ.

﴿ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا، وقَرَنَ سُبْحانَهُ بِالرَّجاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُثابَرَةَ عَلى كَثْرَةِ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ تُؤَدِّي إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، وبِها يَتَحَقَّقُ الِائْتِساءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ كالنَّوَوِيِّ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى المُعْتَبَرَ شَرْعًا ما يَكُونُ في ضِمْنِ جُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ، كَسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وما لا يَكُونُ بِمُفْرَدٍ لا يُعَدُّ شَرْعًا ذِكْرًا نَحْوَ اللَّهِ، أوْ قادِرٍ، أوْ سَمِيعٍ، أوْ بَصِيرٍ إذْ لَمْ يُقَدَّرْ هُناكَ ما يَصِيرُ بِهِ اللَّفْظُ كَلامًا، والنّاسُ عَنْ هَذا غافِلُونَ، وأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الذِّكْرَ المُتَعَبَّدَ بِمَعْناهُ لا يُثابُ صاحِبُهُ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَعْناهُ، فالمُتَلَفِّظُ بِنَحْوِ: سُبْحانَ اللَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، إذا كانَ غافِلًا عَنِ المَعْنى غَيْرَ مُلاحِظٍ ومُسْتَحْضِرًا إيّاهُ لا يُثابُ إجْماعًا، والنّاسُ أيْضًا عَنْ هَذا غافِلُونَ فَإنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ يعني: يرى المثبطين منكم، المانعين من القتال منكم وهم المنافقون وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ يعني: لأوليائهم وأصدقائهم هَلُمَّ إِلَيْنا يعني: ارجعوا إلينا إلى المدينة، وهذا بلغة أهل المدينة، يقولون للواحد وللاثنين والجماعة: هلم وسائر العرب تقول للجماعة: هلموا.

ثم قال: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وذلك أن المنافقين كانوا يقولون: إن لنا شغلاً، فيرجعون إلى المدينة، فإذا لقيهم أحد بالمدينة من المؤمنين يقولون: دخلنا لشغل ونريد أن نرجع.

وإذا لقوا أحداً من المنافقين يقولون: أي شيء تصنعون هناك؟

ارجعوا إلينا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ يعني: ولا يحضرون القتال إلا قليلاً، رياءً وسمعةً.

ولو كان ذلك لله لكان كثيراً وهذا كقوله: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.

ثم قال عز وجل: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ يعني: أشفقة عليكم، حباً لكم حتى يعوقكم يا معشر المسلمين.

ويقال: يعني: بخلاء في النفقة عليكمْ ويقال: فيه تقديم.

فكأنه يقول: ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي: لم يحضروا شفقة عليكم إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا قليلاً ولا كثيراً.

فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ يعني: خوف القتال رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ من الخوف تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني: تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت، ونزعاته جبناً وخوفاً فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وجاءت قسمة الغنيمة سَلَقُوكُمْ يعني: رموكم.

ويقال: طعنوا فيكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ يعني: سلاط باسطة بالشر أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني: حرصاً على الغنيمة.

ويقال: بخلاً على الغنيمة أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني: لم يصدقوا حقّ التصديق فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل الله ثواب أعمالهم.

وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: إبطال أعمالهم.

ويقال: عذابهم في الآخرة على الله هيّن.

ثم قال عز وجل: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا يعني: يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ مرة أخرى.

ويقال: حكاية عن الماضي يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يعني: تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يعني: عن أخباركم وأحاديثكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ يعني: معكم في القتال مَّا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياءً وسمعةً من غير حسبة.

وقرئ في الشاذ يُسْئَلُونَ بتشديد السين وأصله يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضاً.

وقراءة العامة يَسْئَلُونَ لأنهم يسألون القادمين.

ولا يسأل بعضهم بعضا.

قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الألف.

وقرأ الباقون: بالكسر.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

يعني: لقد كان لكم اقتداء بالنبي  وقدوة حسنة، وسنة صالحة، لأنه كان أسبقهم في الحرب.

وكسرت رباعيته يوم أحد.

وَوَاسَاكُمْ بنفسه في مواطن الحرب.

لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يعني: يخاف الله عز وجل: وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً باللسان وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ يعني: الجنود يوم الخندق والقتال قالُوا هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ في سورة البقرة وهو قوله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] الآية.

ويقال: إنه قد أخبرهم النبيّ  أنه نازل ذلك الأمر.

فلما رأوه قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً يعني: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقاً لقول النبيّ  وَجُرْأَةً وَتَسْلِيماً يعني: تواضعاً لأمر النبيّ  .

ثم نعت المؤمنين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.

ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.

وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.

ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.

ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد

من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .

وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:

ها المم.

وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.

وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.

وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.

وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.

ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:

خارجون إلى البادية.

فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.

يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.

ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.

ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.

ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .

رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.

وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:

وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟

قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.

وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟

قَالَ:

«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .

ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.

وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا انْصَرَفَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ وعِنْدَهُ شِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟!

فَقالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ؛ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا؛ فَقالَ لَهُ: كَذَبْتَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أما واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بِأمْرِكَ، فَذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَسِيرًا ﴾ ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ، كانُوا إذا جاءَهم مُنافِقٌ قالُوا لَهُ: ويَحَكَ اجْلِسْ فَلا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ بِذَلِكَ إلى إخْوانِهِمُ الَّذِينَ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا بِالمَدِينَةِ فَإنّا نَنْتَظِرُكُمْ- يُثَبِّطُونَهم عَنِ القِتالِ- وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ لا يَجِدُوا بُدًّا، فَيَأْتُونَ العَسْكَرَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهُمْ، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والمُعَوِّقُ: المُثَبِّطُ؛ تَقُولُ: عاقَنِي فُلانٌ، واعْتاقَنِي، وعَوَّقَنِي: إذا مَنَعَكَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي تُرِيدُهُ.

وكانَ المُنافِقُونَ يُعَوِّقُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  نُصّارَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المُنافِقُ الَّذِي قالَ لِأخِيهِ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ دَعَوْا إخْوانَهم مِنَ المُنافِقِينَ إلى تَرْكِ القِتالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ دَعَوُا المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ أيْ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ [القَلِيلُ] لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

المَعْنى: لا يَأْتُونَ الحَرْبَ إلّا تَعْذِيرًا، بُخَلاءَ عَلَيْكم.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما شَحُّوا بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أشِحَّةٌ بِالخَيْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: بِالغَنِيمَةِ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: بِالظُّفْرِ والغَنِيمَةِ.

والرّابِعُ: بِالقِتالِ مَعَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جُبْنِهِمْ فَقالَ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ أيْ: إذا حَضَرَ القِتالُ ﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ أيْ: كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي دَنا مَوْتُهُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَإنَّهُ يَخافُ ويَذْهَلُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَخافُونَ القَتْلَ.

﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: آذَوْكم بِالكَلامِ في الأمْنِ ﴿ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: صَلَقُوكُمْ، بِالصّادِ، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ؛ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

وقَدْ قَرَأ بِالصّادِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في آخَرِينَ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ : خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ: إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ ﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ أيْ: خاطَبُوكم وهم أشِحَّةٌ عَلى المالِ والغَنِيمَةِ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ وقْتُ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، يَقُولُونَ: أعْطُونا فَلَسْتُمْ أحَقَّ بِها مِنّا؛ فَـأمّا عِنْدَ البَأْسِ، فَأجَبَنُ قَوْمٍ وأخْذُلُهُ لِلْحَقِّ، وأمّا عِنْدَ الغَنِيمَةِ، فَأشَحُّ قَوْمٍ.

وَفِي المُرادِ بِالخَيْرِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الغَنِيمَةُ.

والثّانِي: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِظَفَرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: هم وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، لِنِفاقِهِمْ ﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ الإحْباطُ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلى جُبْنِهِمْ، فَقالَ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ: يَحْسَبُ المُنافِقُونَ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ بَعْدَ انْهِزامِهِمْ وذَهابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا، ﴿ وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ \[أيْ\]: يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ كَرَّةً ثانِيَةً لِلْقِتالِ ﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْا لَوْ كانُوا في بادِيَةِ الأعْرابِ مِن خَوْفِهِمْ، ﴿ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ أيْ: ودُّوا لَوْ أنَّهم بِالبُعْدِ مِنكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكُمْ، فَيَقُولُونَ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، لِيَعْرِفُوا حالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا؛ وقِيلَ: بَلْ يَسْألُونَ شَماتَةً بِالمُسْلِمِينَ وفَرَحًا بِنَكَباتِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ القِتالَ مَعَكم ﴿ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلّا رَمْيًا بِالحِجارَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: إلّا رِياءً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ثُمَّ عابَ مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ.

والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لَكم بِهِ اقْتِداءٌ لَوِ اقْتَدَيْتُمْ بِهِ في الصَّبْرِ [مَعَهُ] كَما صَبَرَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وشُجَّ جَبِينُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، وآساكم مَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.

وَقَرَأ عاصِمٌ: " أُسْوَةٌ " بِضَمِّ الألِفِ؛ والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وهُما لُغَتانِ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ وأسَدٌ يَقُولُونَ: " إسْوَةٌ " بِالكَسْرِ، وتَمِيمٌ وبَعْضُ قَيْسٍ يَقُولُونَ: " أُسْوَةٌ " بِالضَّمِّ.

وخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأُسْوَةِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الأُسْوَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ إنَّما كانَتْ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ [واليَوْمَ الآخِرَ]؛ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَرْجُو ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَخْشى اللَّهَ ويَخْشى البَعْثَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، لِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ مُتَّبِعٌ لِأوامِرِهِ، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْهُ.

ثُمَّ وصَفَ حالَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ لِقاءِ الأحْزابِ، فَقالَ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ وفي ذَلِكَ الوَعْدِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ: [البَقَرَةِ:٢١٤] فَلَمّا عايَنُوا البَلاءَ يَوْمَئِذٍ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  وعَدَهُمُ النَّصْرَ والظُّهُورَ عَلى مَدائِنِ كِسْرى وقُصُورِ الحَيْرَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما زادَهُمْ ﴾ يَعْنِي ما رَأوْهُ ﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِوَعْدِ اللَّهِ ﴿ وَتَسْلِيمًا ﴾ لِأمْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابَ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عن أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهِ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهِ كَثِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في ﴿ "يَحْسَبُونَ" ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّهم مِنَ الجَزَعِ والفَزَعِ بِحَيْثُ رَحَلَ الأحْزابُ وهَزَمَهُمُ اللهُ تَعالى وهَؤُلاءِ يَظُنُّونَ أنَّهم لَمْ يَذْهَبُوا، بَلْ يُرِيدُونَ الكَرَّةَ إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن مُعْتَقَدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّ وِدَّهم إذا أتى الأحْزابُ وحاصَرُوا المَدِينَةَ أنْ يَكُونُوا هم قَدْ خَرَجُوا إلى البادِيَةِ ومَعَ الأعْرابِ وهم أهْلُ العَمُودِ والرَحِيلِ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومَن كانَ مِنهم مُقِيمًا بِأرْضٍ مُسْتَوْطِنًا فَلا يُسَمَّوْنَ أعْرابًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "لَوْ أنَّهم بُدًّى في الأعْرابِ" شَدِيدَةُ الدالِّ مُنَوَّنَةٌ، وهو جَمْعُ بادٍ كَغازٍ وغُزًّى.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بُدًّا" فِعْلًا ماضِيًا.

وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ"، أيْ عن أنْبائِكُمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "يَسْألُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ  ﴾ ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَسّاءَلُونَ"، أيْ: يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ الجَحْدَرِيُّ في الإمامِ: "يَتَساءَلُونَ".

ثُمَّ سَلّى اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عنهُمْ، وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَما أغْنَوْا ولَما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا لا نَفْعَ لَهُ، قالَ التَغْلَبِيُّ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ مِن غَيْرِ حِسْبَةٍ ولَوْ كانَ لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ بِأنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ ومُدَّعٍ في الإسْلامِ يَجِبُ أنْ يَقْتَدِيَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قاتَلَ وصَبَرَ وجادَ بِنَفْسِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهُما لُغَتانِ، مَعْناها: قُدْوَةٌ، وتَأسّى الرَجُلُ إذا اقْتَدى، و"رَجاءُ اللهِ تَعالى" تابِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِهِ، و"رَجاءُ اليَوْمِ الآخِرِ" ثَمَرَةُ العَمَلِ الصالِحِ، و"ذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا" مِن خَيْرِ الأعْمالِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَحْسَبُونَ الأحْزابَ قَدْ ذَهَبُوا، فَإذا وجَدُوهم لَمْ يَذْهَبُوا ودُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد توبيخ المنافقين والذين في قلوبهم مرض أقبل الكلام على خطاب المؤمنين في عموم جماعتهم ثناء على ثباتهم وتأسّيهم بالرسول صلى الله عليه وسلم على تفاوت درجاتهم في ذلك الائتساء، فالكلام خبر ولكن اقترانه بحرفي التوكيد في ﴿ لقد يومئ إلى تعريض بالتوبيخ للذين لم ينتفعوا بالإسوة الحسنة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض فلذلك أتي بالضمير مجملاً ابتداء من قوله لكم، ﴾ ثم فُصِّل بالبدل منه بقوله ﴿ لمن كان يرجو الله واليومَ الآخر وذكر الله كثيراً، ﴾ أي: بخلاف لمن لم يكن كأولئك، فاللام في قوله: ﴿ لمن كان يرجو الله ﴾ توكيد لللام التي في المبدل منه مثل قوله تعالى ﴿ تكون لنا عيدا لأوّلنا وآخرنا ﴾ [المائدة: 114]، فمعنى هذه الآية قريبٌ من معنى قوله تعالى في سورة براءة في قصة تبوك: ﴿ رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم ﴾ [التوبة: 87، 88] الآية.

والإسوة بكسر الهمزة وضمها اسم لما يُؤتَسَى به، أي: يُقتدى به ويُعمل مثل عمله.

وحق الأسوة أن يكون المؤتسى به هو القدوة ولذلك فحرف ﴿ في ﴾ جاء على أسلوب ما يسمى بالتجريد المفيد للمبالغة إذ يجرد من الموصوف بصفة موصوف مثله ليكون كذاتين، كقول أبي خالد الخارجي: وفي الرحمان للضعفاء كَاف *** أي الرحمان كاففٍ.

فالأصل: رسولُ الله إسوة، فقيل: في رسول الله إسوة.

وجعل متعلقُ الائتساء ذاتَ الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهَى عنه، والائتساءَ بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات.

وقرأ الجمهور ﴿ إسوة ﴾ بكسر الهمزة.

وقرأ عاصم بضم الهمزة وهما لغتان.

و ﴿ لمن كان يرجو الله ﴾ بدل من الضمير في ﴿ لكم ﴾ بدل بعض من كل أو شبه الاشتمال لأن المخاطبين بضمير ﴿ لكم ﴾ يشتملون على من يرجون الله واليوم الآخر، أو هو بدل مطابق إن كان المراد بضمير ﴿ لكم ﴾ خصوص المؤمنين، وفي إعادة اللام في البدل تكثير للمعاني المذكورة بكثرة الاحتمالات وكل يأخذ حظه منها.

فالذين ائتسوا بالرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ ثبت لهم أنهم ممن يرجون الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً.

وفيه تعريض بفريق من الذين صدّهم عن الائتساء به ممن كانوا منافقين أو في قلوبهم مرض من الشك في الدين.

وفي الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه الإسوة الحسنة لا محالة ولكن ليس فيها تفصيل وتحديد لمراتب الائتساء والواجب منه والمستحب وتفصيله في أصول الفقه.

واصطلاحُ أهل الأصول على جعل التأسّي لقبَاً لاتِّباع الرسول في أعماله التي لم يطالب بها الأمة على وجه التشريع.

وذكر القرطبي عن الخطيب البغدادي أنه روي عن عقبة بن حسان الهَجَري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ قال: في جوع النبي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُواساةٌ عِنْدَ القِتالِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ يُتْبَعُ فِيها، والأُسْوَةُ الحَسَنَةُ المُشارَكَةُ في الأمْرِ يُقالُ هو مُواسِيهِ بِمالِهِ إذا جَعَلَ لَهُ نَصِيبًا.

وَفي المُرادِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحَثُّ عَلى الصَّبْرِ مَعَ النَّبِيِّ  في حُرُوبِهِ.

الثّانِي: التَّسْلِيَةُ لَهم فِيما أصابَهم فَإنَّ النَّبِيَّ  شُجَّ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ حَمْزَةُ.

﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ في اليَوْمِ الآخِرِ قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ بِإيمانِهِ ويُصَدِّقُ بِالبَعْثِ الَّذِي فِيهِ جَزاءُ الأعْمالِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيِ اسْتَكْثَرَ مِنَ العَمَلِ بِطاعَتِهِ تَذَكُّرًا لِأوامِرِهِ.

الثّانِي: أيِ اسْتَكْثَرَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ ورَجاءً لِثَوابِهِ واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا الخِطابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ.

الثّانِي: المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ واخْتُلِفَ في هَذِهِ الأُسْوَةِ بِالرَّسُولِ هَلْ هي عَلى الإيجابِ أوْ عَلى الِاسْتِحْبابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الإيجابِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ.

الثّانِي: عَلى الِاسْتِحْبابِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى الإيجابِ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الإيجابِ في أُمُورِ الدِّينِ، وعَلى الِاسْتِحْبابِ في أُمُورِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم في سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ  ﴾ الآيَةَ.

فَلَمّا رَأوْا أحْزابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الخَنْدَقِ ﴿ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ما رَواهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ  عامَ ذُكِرَتِ الأحْزابُ فَقالَ: (أخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها يَعْنِي قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ) فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعِدٌ صادِقٌ إذْ وُعِدْنا بِالنَّصْرِ بَعْدَ الحَصْرِ فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُؤْمِنُونَ ﴿ هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ الآيَةَ.

» ﴿ إيمانًا وتَسْلِيمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا لِلْقَضاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: إلّا إيمانًا بِما وعَدَ اللَّهُ وتَسْلِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ قال: مواساة عند القتال.

وأخرج ابن مردويه والخطيب في رواة مالك وابن عساكر وابن النجار عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ قال: في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعيد بن يسار قال: كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، فقال ابن عمر رضي الله عنه: أليس لك في رسول الله اسوة حسنة؟

قلت: بلى.

قال: فإنه كان يوتر على البعير.

وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم رضي الله عنه قال: قلت لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال: يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.....

وكذا...

فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها، ويقول الله تعالى ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت: أيقع على امرأته قبل أن يطوف بالصفا والمروة؟

فقال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة، ثم قرأ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه أن رجلاً أتى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي.

فقال ابن عباس ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ فأمره بكبش.

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أهلّ وقال: إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، ثم تلا ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة رضي الله عنه قال: هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينهي عن الحبرة من صباغ البول، فقال له رجل: أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها؟

قال عمر رضي الله عنه: بلى.

قال الرجل: ألم يقل الله ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ ؟

فتركها عمر.

وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه أكب على الركن فقال: إني لا علم أنك حجر، ولو لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك، واستلمك، ما استلمتك.

ولا قبلتك ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو يعلى عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: طفت مع عمر رضي الله عنه، فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر، أخذت بيده ليستلم فقال: ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: بلى.

قال: فهل رأيته يستلمه؟

قلت: لا.

قال: ما بعد عنك فإن لك في رسول الله أسوة حسنة.

وأخرج عبد الرزاق عن عيسى بن عاصم عن أبيه قال: صلى ابن عمر رضي الله عنهما صلاة من صلاة النهار في السفر، فرأى بعضهم يسبح، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لو كنت مسبحاً لأتممت الصلاة، حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع أبي بكر، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع عمر، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع عثمان رضي الله عنه، فكان لا يسبح بالنهار، ثم قال ابن عمر رضي الله عنه ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم عاتب من تخلف بالمدينة عن رسول الله -  - بقوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ قال المفسرون (١) (٢) (٣) قال الليث: والتأسي في (٤) (٥) قال ابن عباس: يريد يقتدون به حيث خرج بنفسه (٦) ومعنى الآية على ما ذكره أهل التفسير: أن الله يقول: كان لكم رسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته ومؤازرته، والشد على يده بالصبر معه في مواطن القتال، كما فعل هو بيوم أحد، إذ كسرت رباعيته وشج فوق حاجبه، وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعل واستنيتم بسنته (٧) قوله: ﴿ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ .

قال الفراء: خص الله بها المؤمنين (٨) (٩) قال ابن عباس: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم (١٠) ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أي: ذكراً كثيرًا باللسان (١١) (١) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 191 أ، "تفسير الطبري" 21/ 143.

(٢) هكذا في النسخ!

ولعل الصواب: يأتسي بفلان.

(٣) في (ب): (حاللتم).

(٤) في (ب): (من).

(٥) "تهذيب اللغة" 13/ 140 (أسى).

(٦) لم أجد من نسب هذا القول لابن عباس.

(٧) "تفسير الثعلبي" 3/ 191 أ، وذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 44 قريبًا من هذا المعنى.

(٨) "معاني القرآن" 2/ 339.

(٩) في (ب): (ممن)، وكلاهما لا يتضح به الكلام، وإنما هي كما جاءت في القرآن: لمن.

(١٠) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 519، "زاد المسير" 6/ 368، "مجمع البيان" 8/ 548.

(١١) في (أ): (ذكر)، أسقط الألف، وهو خطأ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أي قدوة تقتدون به صلى الله عليه وسلم في اليقين والصبر وسائر الفضائل، وقرئ أسوة بضم الهمزة والمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.

الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.

الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.

﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.

الباقون: بكسرها.

﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.

الباقون: بكسرها.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.

وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.

ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه  قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.

وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.

والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.

ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".

ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.

ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.

وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا  ﴾ إلى آخره.

كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله  حتى يستشهدوا، فمدحهم الله  بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.

ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.

﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.

وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.

وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.

﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.

"روي أن جبرائيل  أتى رسول الله  صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟

فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله  يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.

فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله  : تنزلون على حكمي.

فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله  وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .

وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.

﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.

وعن مقاتل: هي خيبر.

وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.

وعن الحسن: فارس والروم.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.

ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله  "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.

لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي  أم لا؟

فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.

ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟

والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي  لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي  الطلاق أم لا؟

الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.

ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.

ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟

الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.

وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.

وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.

والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان  ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول  وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول  سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.

والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.

ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله  ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد  ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.

فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.

وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.

واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.

وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله  ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي  مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.

وحين خيرهن النبي  واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.

وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.

وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.

وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.

وقيل: هي عصيانهن رسول الله  ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.

وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟

وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.

والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.

ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.

قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.

والواحد وما وراءه.

والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.

وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.

وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.

ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون  ﴾ واصله "إقررن".

من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.

وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.

والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة  ﴾ وذلك في سورة النور.

والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم  ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.

والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد  .

وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.

وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.

وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي  لأنه أصل، وفاطمة  ما والحسن والحسين  ما بالاتفاق.

والصحيح أن علياً  منهم لمعاشرته بنت النبي  وملازمته إياه.

وورود الآية في شأن أزواج النبي  يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.

فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.

ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.

يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.

ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك  ﴾ أي بسببه.

ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.

ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.

ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.

وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله  وهي النية.

قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.

والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.

وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله  زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.

فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.

وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي  فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله  فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه  لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي  لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.

ثم إن رسول الله  أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه  لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.

وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله  فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟

قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.

فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.

فلما اعتدت قال رسول الله  : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.

قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله  ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.

ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.

فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله  ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.

قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.

وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.

نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.

الذي أخفى النبي  في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.

وعن عائشة لو كتم رسول الله  شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.

والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.

قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.

ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.

قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي  يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.

ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.

عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.

وقيل: التطليق.

فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.

ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي  عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.

ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.

وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.

ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.

والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.

ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾  إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد  ومجيء عيسى  في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.

التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله  فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.

فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله  ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.

وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.

﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.

﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.

﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.

﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي  مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي  ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي  بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.

والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.

فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.

﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.

وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.

الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.

إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.

﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.

وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.

﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾  فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول  كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: ذلك حيث كان يباشر القتال بنفسه، فباشروا معه القتال [فمن باشر معه القتال] أساه بأسوة حسنة، ومن لم يفعل فلم يواسه.

وابن عباس يقول: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: سنة صالحة أو نحوه.

مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: لكم في التأسي برسول الله الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه: أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول الله قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟!

والثاني: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ ﴾ ، أي: صار لكم ﴿ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ إذا بعث رسولا ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ : فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ فالواجب عليكم أن تتأسوا به.

والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول الله وسن.

أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس: "فلان أسوة غرمائه"، أي: يكون المال بينهم على الاستواء، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ .

قال بعضهم: يكون في رسول الله أسوة لمن خاف الله وآمن باليوم الآخر وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر.

أو أن يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو الله واليوم الآخر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ .

ذكر الله يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .

حيث أخبرهم أنكم ستلقون كذا في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ  ﴾ : قالوا لما عاينوا ما وعد لهم وأخبرهم: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ فيما أخبرنا من الوحي قبل أن يكون وقبل أن نلقاه.

﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ .

أي: ما زادهم إلا إيماناً ما رأوا وعاينوا، فيما وعد وأخبر، إلا إيماناً وتصديقاً لرسول الله  في وعده وخبره.

وقال قائلون: إن رسول الله  قد وعد لهم وأخبر: أن يوم الخندق تكون من الأحزاب كذا والجنود كذا، وإنكم ستلقون يومئذ كذا، فلما رأوا ذلك وعاينوه قالوا عند ذلك: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ وتصديقاً لرسول الله؛ لأن ذلك آية وحجة لرسالته؛ فهو يزيدهم تصديقاً له.

وقوله: ﴿ وَتَسْلِيماً ﴾ ، أي: تسليماً لأمر الله وتفويضاً له.

وقيل: وما زادهم بما أصابهم يوم الخندق إلا إيماناً وتصديقاً إلى تصديقهم الأول، ويقيناً إلى يقينهم الأوّل، وتسليماً لأمر الله؛ لأن ذلك الأمر كان قضي عليهم أن يصيبهم، فسلموا لله أمره؛ فصبروا عليه، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ .

قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ - الذين هم عندكم مؤمنون - ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ ، ورجال لم يصدقوا وهم المنافقون؛ لأن ظاهر هذا الكلام يدل على أن من المؤمنين الذين هم في الظاهر عندهم مؤمنون لم يصدقوا، فأما من كان في الحقيقة مؤمناً فقد صدق عهده.

والثاني: ذكر ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ خصّ بعض المؤمنين بصدق ما عاهدوا وهم الذين خرجوا لذلك: لم يكن بهم عذر فوفوا ذلك العهد؛ وتخلف بعض من المؤمنين؛ للعذر؛ فلم يتهيأ لهم وفاء ذلك العهد لهم وصدقه؛ وكذلك يخرج قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: وفي بعهده.

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ .

بالوفاء أن يرتفع عنه العذر؛ فبقي ذلك، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ : وفاءه.

وقال بعضهم: ﴿ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: هلك عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ ذلك، أي على شرف الهلاك.

وقوله: ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .

هذا يقوي التأويل الذي ذكرنا: أخبر في قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : أن الذين خلفهم العذر فلم يوفوا عهده، والذين لا عذر بهم، فخرجوا فوفوا كلهم لم يبدلوا عهد الله تبديلا؛ لأنه إنما خلفهم العذر؛ فلم يكن في ذلك تبديل.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ على ما وفوا، ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ : هذا يدل أن من المنافقين من قد يتوب؛ حيث قال: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ويعذب الذي مات على نفاقه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، أي: لم يزل غفوراً رحيماً، حيث رحمهم، ولم يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم، ولكن أمهلهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ ، أي: ردّ كفار مكة يوم الخندق، ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: غنيمة، أي: ردهم بغيظهم، لم يصيبوا شيئاً من الغنيمة؛ فإن كان المراد من الخير: الغنيمة، فجائز أن يستدل على تملك أهل الحرب أموال المسلمين إذا أحرزوها، حيث قال: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: مالا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: سرورا بما كانوا يأملون ويطمعون هلاك المؤمنين على أيديهم، لما أحاطوا بهم وضيقوا عليهم الأمر؛ حتى احتاجوا إلى الخندق؛ فكانوا في أيديهم.

يقول: إنهم لم ينالوا ذلك السرور الذي كانوا يأملونه ويرجونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ﴾ .

حيث بعث عليهم الريح وسلط عليهم الملائكة؛ حتى هزموهم حتى كفوا القتال والحرب معهم.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ﴾ .

أي: كان الله لم يزل قويّاً عزيزاً؛ لأنه قوي بذاته عزيز بذاته لا يلحقه ذل، وإن لحق أولياءه الذل والضعف، ليس كملوك الأرض إذا ذهب أصحابهم أو دخل فيهم ذل وضعف؛ ذلّ ملكهم؛ لأنه عزيز بجنده وحشمه، فأمّا الله -  - [فهو] قوي بذاته، عزيز بذاته، لا يلحقه ذل ولا ضعف بذهاب أوليائه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : كان رجال فاتهم يوم بدر؛ فقالوا: لئن حضرنا قتالا، لنفعلن ولنفعلن، فلما كان يوم الأحزاب قاتلوا؛ فذلك قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: مات على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ : يوما آخر يكون فيه قتال؛ فيقاتل على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .

وفي حرف أبي: ﴿ ومنهم من بدل ﴾ ؛ فيرجع ذلك إلى المنافقين الذين ذكرنا بدءاً.

وقال القتبي قوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ ، أي: خالية، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ؛ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت؛ فإذا ذهبوا، أعْوَرَتِ البيوت؛ تقول العرب: أعور المنزل، أي: ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب بالسيف.

يقول الله -  - ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ؛ لأن الله حافظها، ولكن يريدون الفرار.

وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من جوانبها، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: الكفر، ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: أعطوها من أرادها، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: بالمدينة.

ومن قرأها: ﴿ لآتَوْهَا ﴾ - بغير مدّ - أراد: لصاروا إليها.

وقال أبو عوسجة: قولهم: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : من ناحية العدو، والعورة: الموضع الذي يخاف منه.

وقوله: ﴿ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من نواحيها، الواحد: قطر، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: عرضت عليهم، وهو الكفر.

وقال القتبي: ﴿ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، يقول: آذوكم بالكلام، يقال: خطيب مِسْلَق وسلاق.

وفيه لغة أخرى: ﴿ صلقوكم ﴾ بالصاد: وهو الضرب.

أبو عوسجة يقول قريباً منه: ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ ، أي: كلموكم وضربوكم ﴿ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، أي: طوال، والسلق: الضرب، والخاطب: السلاق والمسلاق من هذا، وهو طول اللسان والجرأة على الكلام.

وقوله: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ بنصب الميم لا يكون إلا من القيام، و ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ برفع الميم يكون من الإقامة، وهو قول أبي عوسجة.

وأبو عبيدة يقول: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ليس لكم مقام تقومون فيه، و ﴿ لاَ مُقَامَ ﴾ ، أي: لا إقامة لكم.

وقال أبو عوسجة: المقامة: المجلس، ومقامات - جمع المقام -: موضع القدمين، والمقام: الموضع الذي يقيم فيه الرجل.

وقال: ﴿ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ ، قال: المتعوق: المحتبس، والمعوق: الذي يعوق غيره، أي: يحبس.

وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: حراصاً على ما نالكم من الشر، الواحد: شحيح، يقال: شح يشح شحّاً؛ فهو شحيح، أي: حرص يحرص حرصا؛ فهو حريص.

وقال غيره: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: بخلاء، لا ينفقون عليكم أو في سبيل الله.

وقال بعضهم: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ ؛ من شدة الفرق؛ فهم هؤلاء المعوقون: اليهود أو المنافقون، ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ : والأحزاب: هم الفرق أعداء رسول الله وأصحابه، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة، ﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة؛ جزعاً ورهبة، يقول الله للمؤمنين: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ ﴾ أي: معكم عند القتال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ رميا بالحجارة؛ من ضعفهم وفرقهم، أو ما ذكرنا؛ دفعاً عن أنفسهم، وأمّا غيره فلا.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ .

ذكر في القصة: "أن اليهود: يهود بني قريظة ظاهروا أبا سفيان وأصحابه على رسول الله وعلى المؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فلما انهزم المشركون تحصن بنو قريظة في حصونهم، ورجع النبي إلى المدينة، فجاءه جبريل، فقال له: يا محمد، والله ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أنتم أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة؛ فقال له النبي: فكيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟

قال: اخرج إليهم؛ فوالله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم؛ فنادى رسول [الله] في الناس، وأمر بالخروج إلى بني قريظة؛ فخرجوا فحاصروهم كذا كذا ليلة؛ حتى صالحهم على حكم سعد بن معاذ؛ فنزلوا على حكمه؛ فحكم سعد؛ أن يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم ونساؤهم، فقيل: إن رسول الله قال يومئذ: يا سعد، لقد حكمت بحكم الله؛ فأخرجت المقاتلة فقتلوا، وسبوا ذراريهم، وقسم أرضهم بين المهاجرين؛ فقال قومه والأنصار: آثرت المهاجرين بالعقار دوننا، فقال: إنكم ذوو عقار وإن القوم لا عقار لهم" ، أو كلام نحو هذا، فذلك قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، يعني الذين ظاهروا أبا سفيان والمشركين جميعاً على رسول الله وأصحابه، ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ ، أي: من حصونهم.

﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ، وهم المقاتلة، ﴿ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ﴾ ، وهم النساء والذراري.

﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ ، أي: لم تملكوها، اختلف في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : قال بعضهم: هي أرض مكة.

وقال بعضهم: هي أرض الشام وقراها.

وقال بعضهم: هي أرض خيبر، أي: سيورثكم الله إياها: فأما أرض مكة فقد فتحها وتركها في أيدي أهلها، وكذلك بلاد الشام وقراها.

وعن الحسن: هي أرض الروم وفارس وما فتح الله عليكم.

وأما خيبر فقد فتحها وقسمها بين من ذكرنا وجعلها فيئاً؛ فهو أشبه من غيره؛ ففيه أن من يخلف في ملك غيره وصفا ملكه للآخر وانتقل إليه يسمى: وارثاً بموت أو بغيره؛ حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ...

﴾ الآية، وكذلك ما قال: ﴿ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى كذا، وقوله: ﴿ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ \[المؤمنون: 11\]، أي: يبعثون فيها، ونحوه، وكقوله: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: يبقى [له] ملك السماوات والأرض، أي: لا ينازع فيه.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ  ﴾ أي: نبقى فيها، والخلائق يفنون.

ثم الفائدة في ذكر هذا وأمثاله لنا، إذ هم قد شاهدوها وعاينوها، يخرج على وجوه: أحدها: تعريف لآخر هذه الأمة أن أوائلهم ما قاسوا وما تحملوا من الشدائد والبلايا في أمر هذا الدين، حتى بلغ هذا المبلغ؛ فنجتهد نحن كما اجتهد أولئك في حفظ هذا الدين وفي أمره.

والثاني: أمرهم بالتأهب مع العدوّ حتى أمروا بالخندق والتحصن بأشياء، ثم جاءهم الغوث من الله بغير الذي أمروا؛ ليكونوا أبداً متأهبين مستعدين لذلك، ولا يرجون النصر والظفر من ذلك الوجه، وذلك بفضل الله ونصره، على ما أخبر عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً...

﴾ الآية [التوبة: 25].

والثالث: ألا يؤيسهم خروج أنفسهم من أيديهم، وإحاطة العدو بهم، وكونهم في أيديهم من روح الله ورحمته وغوثه إياهم؛ لأن الخوف قد بلغ بهم المبلغ الذي ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ .

وفيه دلالة إثبات الرسالة لرسول الله؛ لأنه وعد لهم النصر، فكان على ما وعد؛ ليعرفوا [صدقه] في كل ما يخبر ويعد.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أراد: من فتح، أو نصر، أو غيره، ﴿ قَدِيراً ﴾ .

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: قتل، وقضى أجله، وأصل النحب: النذر؛ كأن قوماً نذروا: إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا.

وقوله: ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ : حصونهم، وأصل الصياصي: قرون البقر؛ لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل للحصون: صياصي؛ لأنها تمنع، والواحدة: صِيصِيَة، وصيصية الديك: عرفه، والصيصية: خف صغير يحوك به الحائك، ويجمع هذا كله: صياصي.

والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزباً حزباً، وتقول: هؤلاء حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة.

وقوله: ﴿ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: أن يكونوا في البادية مع الأعراب، رجل باد: قد نزل البادية، ﴿ يَوَدُّواْ  ﴾ أن يكونوا في البادية مع الأعراب.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : هو ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد كان لكم فيما قاله رسول الله وقام به وفعله، قدوة حسنة، فقد حضر بنفسه الكريمة، وباشر الحرب، فكيف تبخلون بعد ذلك بأنفسكم عن نفسه؟

ولا يتأسَّى برسول الله  إلا من كان يرجو اليوم الآخر ويعمل له، وذكر الله ذكرًا كثيرًا، وأما الذي لا يرجو اليوم الآخر ولا يذكر الله كثيرًا فإنه لا يتأسَّى برسوله  .

<div class="verse-tafsir" id="91.2MP5G"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر