الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٢٢ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم ، وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة ، فقال : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) .
قال ابن عباس وقتادة : يعنون قوله تعالى في " سورة البقرة " ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) [ البقرة : 214 ] .
أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب; ولهذا قال : ( وصدق الله ورسوله ) .
وقوله : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) : دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم ، كما قاله جمهور الأئمة : إنه يزيد وينقص .
وقد قررنا ذلك في أول " شرح البخاري " ولله الحمد والمنة .
ومعنى قوله : ( وما زادهم ) أي : ذلك الحال والضيق والشدة [ ما زادهم ] ) إلا إيمانا ) بالله ، ( وتسليما ) أي : انقيادا لأوامره ، وطاعة لرسوله .
وقوله: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ ) يقول: ولمَّا عاين المؤمنون بالله ورسوله جماعات الكفار قالوا -تسليما منهم لأمر الله، وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده لهم، الذي وعدهم بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ...
إلى قوله: قَرِيبٌ -(هذا ما وعدنا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) فأحسن الله عليهم بذلك من يقينهم، وتسليمهم لأمره الثناء، فقال: وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا إيمانا بالله وتسليما لقضائه وأمره، ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَلمَّا رأى المُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ ...) الآية قال: ذلك أن الله قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ...
إلى قوله: إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ قال: فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأوّل المؤمنون ذلك، ولم يزدهم ذلك إلا إيمانًا وتسليما.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، قال: ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وعدهم الله من البلاء يختبرهم به ( قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) : أي صبرا على البلاء، وتسليما للقضاء، وتصديقا بتحقيق ما كان الله وعدهم ورسوله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) وكان الله قد وعدهم في سورة البقرة فقال: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) خيرهم وأصبرهم وأعلمهم بالله مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ هذا والله البلاء والنقص الشديد، وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا ما أصابهم من الشدّة والبلاء ( قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) وتصديقا بما وعدهم الله، وتسليما لقضاء الله.
قوله تعالى : ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما .قوله تعالى : ولما رأى المؤمنون الأحزاب ومن العرب من يقول : ( راء ) على القلب .
قالوا هذا ما وعدنا الله يريد قوله تعالى في سورة البقرة : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية .
فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق فقالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، قاله قتادة .
وقول ثان رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذكرت الأحزاب فقال : أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها - يعني على قصور الحيرة ومدائن كسرى - فأبشروا بالنصر فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله ، موعد صادق ، إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر .
فطلعت الأحزاب فقال المومنون : هذا ما وعدنا الله ورسوله .
ذكره الماوردي .
و ( ما وعدنا ) إن جعلت ما بمعنى الذي فالهاء محذوفة .
وإن جعلتها مصدرا لم تحتج إلى عائد وما زادهم إلا إيمانا وتسليما قال الفراء : وما زادهم النظر إلى الأحزاب .
وقال علي بن سليمان : رأى يدل على الرؤية ، وتأنيث الرؤية غير حقيقي ، والمعنى : ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب وتسليما ، قاله الحسن .
ولو قال : ما زادوهم لجاز .
ولما اشتد الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق ، قام عليه السلام على التل الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي ، وتوقع ما وعده الله من النصر وقال : من يذهب ليأتينا بخبرهم وله الجنة فلم يجبه أحد .
وقال ثانيا وثالثا فلم يجبه أحد ، فنظر إلى جانبه وقال : من هذا ؟
فقال حذيفة .
فقال : ألم تسمع كلامي منذ الليلة ؟
قال حذيفة : فقلت يا رسول الله ، منعني أن أجيبك الضر والقر .
قال : انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم .
اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده إلي ، انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني .
فانطلق حذيفة بسلاحه ، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول : يا صريخ المكروبين ويا مجيب [ ص: 145 ] المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي فنزل جبريل وقال : ( إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك ) ، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول : شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي .
وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل عليهم ريحا ، فبشر أصحابه بذلك .
قال حذيفة : فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد ، فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء ، فما تركت لهم نارا إلا أطفأتها ولا بناء إلا طرحته ، وجعلوا يتترسون من الحصباء .
وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح في قريش : النجاء النجاء !
وفعل كذلك عيينة بن حصن والحارث بن عوف والأقرع بن حابس .
وتفرقت الأحزاب ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة وبه من الشعث ما شاء الله ، فجاءته فاطمة بغسل فكانت تغسل رأسه ، فأتاه جبريل فقال : ( وضعت السلاح ولم تضعه أهل السماء ، ما زلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء - ثم قال - انهض إلى بني قريظة ) .
وقال أبو - سفيان : ما زلت أسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الروحاء .
لما ذكر حالة المنافقين عند الخوف، ذكر حال المؤمنين فقال: { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ } الذين تحزبوا، ونزلوا منازلهم، وانتهى الخوف، { قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ } في قوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } { وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } فإنا رأينا، ما أخبرنا به { وَمَا زَادَهُمْ } ذلك الأمر { إِلَّا إِيمَانًا } في قلوبهم { وَتَسْلِيمًا } في جوارحهم، وانقيادًا لأمر اللّه.
ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا ) تسليما لأمر الله وتصديقا لوعده : ( هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) وعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " إلى قوله : " ألا إن نصر الله قريب " ( البقرة - 214 ) ، فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء ، فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) أي : تصديقا لله وتسليما لأمر الله .
«ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب» من الكفار «قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله» من الابتلاء والنصر «وصدق الله ورسوله» في الوعد «وما زادهم» ذلك «إلا إيمانا» تصديقا بوعد الله «وتسليما» لأمره.
ولمَّا شاهد المؤمنون الأحزاب الذين تحزَّبوا حول "المدينة" وأحاطوا بها، تذكروا أن موعد النصر قد قرب، فقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، من الابتلاء والمحنة والنصر، فأنجز الله وعده، وصدق رسوله فيما بشَّر به، وما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا بالله وتسليمًا لقضائه وانقيادًا لأمره.
ثم بين - سبحانه - على سبيل التشريف والتكريم - ما قاله المؤمنون الصادقون عندما شاهدوا جيوش الأحزاب ، فقال - تعالى - : ( وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) .واسم الإِشارة ( هذا ) يعود إلى ما رأوه من الجيوش التى جاء بها المشركون ، أو إلى ما حدث لهم من ضيق وكرب بسبب ذلك .أى : وحين رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أقبلت نحو المدينة ، لم يهنوا ولم يجزعوا ، بل ثبتوا على إيمانهم وقالوا ( هذا ) الذى نراه من خطر داهم ، هو ما وعدنا به الله ورسوله ، وأن هذا الخطر سيعقبه النصر ، وهذا الضيق سيعقبه الفرج ، وهذا العسر سيأتى بعد اليسر .قال الآلوسى ما ملخصه : وأرادوا بقولهم ذلك ، ما تضمنه قوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ) وكان نزول هذه الآية قبل غزوة الخندق بحول - كما جاء عن ابن عباس .وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا " ، أى : فى آخر تسع ليال أو عشر ، أى : من وقت الاخبار ، أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا فى الموعد الذى حدده صلى الله عليه وسلم قالوا ذلك .وقوله - تعالى - : ( وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ) داخل فى حيز ما قالوه .أى : قالوا عندما شاهدوا جيوش الأحزاب : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وقالوا - أيضا - على سبيل التأكيد وقوة اليقين والتعظيم لذات الله ، ولشخصية رسوله : وصدق الله ورسوله ، أى : وثبت صدق الله - تعالى - فى أخباره ، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فى أقواله .والضمير فى قوله : ( وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) يعود إلى ما رأوه من جيوش الأحزاب ومن شدائد نزلت بهم بسبب ذلك .أى - وما زادهم ما شهدوه من جيوش الأحزاب ، ومن بلاء أحاط بهم بسبب ذلك ، إلا إيمانا بقدرة الله - تعالى - وتسليما لقضائه وقدره ، وأملا فى نصره وتأييده .
لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين وهو أنهم قالوا هذا ما وعدنا الله من الابتلاء ثم قالوا: ﴿ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ وقولهم: ﴿ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ﴾ ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هي إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿ هذا مَا وَعَدَنَا الله ﴾ وقد وقع وصدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس وقوله: ﴿ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ إيمانا ﴾ بوقوعه وتسليماً عند وجوده.
<div class="verse-tafsir"
وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه، ويستنصروه في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ [البقرة: 214] فلما جاء الأحزاب وشخص بهم واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد ﴿ قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ ﴾ وأيقنوا بالجنة والنصر.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنّ الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً» أي: في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك.
وهذا إشارة إلى الخطب أو البلاء ﴿ إيمانا ﴾ بالله وبمواعيده ﴿ وَتَسْلِيماً ﴾ لقضاياه وأقداره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «سَيَشْتَدُّ الأمْرُ بِاجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْكم والعاقِبَةُ لَكم عَلَيْهِمْ» .
وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ» وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ.
﴿ وَصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ صَدَقا في النُّصْرَةِ والثَّوابِ كَما صَدَقا في البَلاءِ، وإظْهارُ الِاسْمِ لِلتَّعْظِيمِ.
﴿ وَما زادَهُمْ ﴾ فِيهِ ضَمِيرُ ( لَمّا ) رَأوْا، أوِ الخَطْبُ أوِ البَلاءُ.
﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِاللَّهِ ومَواعِيدِهِ.
﴿ وَتَسْلِيمًا ﴾ لِأوامِرِهِ ومَقادِيرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)
{وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب} وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه ويستنصروه بقوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خلوا من قبلكم إلى قوله قريب فلما جاء الأحزاب واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد {قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ} وعلموا أن الغلبة والنصرة قد وجبت لهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إن الأحزاب سائرون إليكم في آخر تسع ليال أو عشر فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك وهذا إشارة إلى الخطب والبلاء {وَمَا زَادَهُمْ} ما رأوا من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم {إِلاَّ إِيمَانًا} بالله وبمواعيده {وَتَسْلِيماً} لقضائه وقدره
﴿ ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ ﴾ بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْ خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اشْتِباهِ الشُّؤُونِ واخْتِلاطِ الظُّنُونِ، بَعْدَ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ لَمّا شاهَدُوهم حَسْبَما وُصِفُوا لَهُمْ، ﴿ قالُوا ﴾ هَذا إشارَةٌ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ إلى ما شاهَدُوهُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ، نَعَمْ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ الَّذِي هو ﴿ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُنْوانَ أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ، وعِنْدَ الأكْثَرِ إشارَةٌ إلى الخَطْبِ والبَلاءِ، (وما) مَوْصُولَةٌ عائِدُها مَحْذُوفٌ وهو المَفْعُولُ الثّانِي (لِوَعَدَ) أيِ الَّذِي وعَدْناهُ اللَّهَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ هَذا وعْدُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إيّانا، وأرادُوا بِذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [البَقَرَةِ: 214]، ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ ﴾ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، ونَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ قَبْلَ الواقِعَةِ بِحَوْلٍ عَلى ما أخْرَجَهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وفِي البَحْرِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا».
أيْ في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ، أوْ عَشْرٍ، أيْ مِن وقْتِ الإخْبارِ، أوْ مِن غُرَّةِ الشَّهْرِ، فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ، قالُوا ذَلِكَ، فَمُرادُهم بِذَلِكَ ما وعَدَ بِهَذا الخَبَرِ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ الحَدِيثِ، وقُرِئَ بِإمالَةِ الرّاءِ مِن «رَأى» نَحْوَ الكَسْرَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ وعَدَمِ إمالَتِها، ورُوِيَ إمالَتُهُما وإمالَةُ الهَمْزَةِ دُونَ الرّاءِ عَلى تَفْصِيلٍ فِيهِ في النَّشْرِ، فَلْيُراجَعْ، ﴿ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، فَجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ هَذا ما وعَدَنا ﴾ إلَخْ، أوْ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، وهو كَما تَرى، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ.
وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّ الصِّدْقَ مُحَقَّقٌ قَبْلَ ذَلِكَ والمُتَرَتِّبُ عَلى رُؤْيَةِ الأحْزابِ ظُهُورُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصَدَقَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في النُّصْرَةِ والثَّوابِ كَما صَدَقَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ في البَلاءِ، والإظْهارُ مَعَ سَبْقِ الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ، وقِيلَ وصَدَقَ جاءَ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، والأوْلى تَرْكُهُ، أوْ قِيلَ وصَدَقَ وهو ورَسُولُهُ بَقِيَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ فَلا يَنْدَفِعُ السُّؤالُ كَذا قِيلَ، وحَدِيثُ الجَمْعِ قَدْ مَرَّ ما فِيهِ، ﴿ وما زادَهُمْ ﴾ أيْ ما رَأوُا المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ﴾ إلَخْ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( رَأى ) يُعَكِّرُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، وأرْجَعَهُ بَعْضُهم إلى الشُّهُودِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ، وجُوِّزَ رُجُوعُهُ إلى الوَعْدِ، أوِ الخَطْبِ والبَلاءِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ السِّياقِ، أوِ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «وما زادُوهُمْ» بِضَمِيرِ الجَمْعِ العائِدِ عَلى الأحْزابِ ﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وبِمَواعِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ وتَسْلِيمًا ﴾ لِأوامِرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وأقْدارِهِ سُبْحانَهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ، ومَن أنْكَرَ قالَ: إنَّ الزِّيادَةَ فِيما يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وفي كُتُبِ الكَلامِ عَلى أبْسَطِ وجْهٍ مَسْطُورٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ يعني: يرى المثبطين منكم، المانعين من القتال منكم وهم المنافقون وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ يعني: لأوليائهم وأصدقائهم هَلُمَّ إِلَيْنا يعني: ارجعوا إلينا إلى المدينة، وهذا بلغة أهل المدينة، يقولون للواحد وللاثنين والجماعة: هلم وسائر العرب تقول للجماعة: هلموا.
ثم قال: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وذلك أن المنافقين كانوا يقولون: إن لنا شغلاً، فيرجعون إلى المدينة، فإذا لقيهم أحد بالمدينة من المؤمنين يقولون: دخلنا لشغل ونريد أن نرجع.
وإذا لقوا أحداً من المنافقين يقولون: أي شيء تصنعون هناك؟
ارجعوا إلينا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ يعني: ولا يحضرون القتال إلا قليلاً، رياءً وسمعةً.
ولو كان ذلك لله لكان كثيراً وهذا كقوله: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.
ثم قال عز وجل: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ يعني: أشفقة عليكم، حباً لكم حتى يعوقكم يا معشر المسلمين.
ويقال: يعني: بخلاء في النفقة عليكمْ ويقال: فيه تقديم.
فكأنه يقول: ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي: لم يحضروا شفقة عليكم إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا قليلاً ولا كثيراً.
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ يعني: خوف القتال رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ من الخوف تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني: تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت، ونزعاته جبناً وخوفاً فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وجاءت قسمة الغنيمة سَلَقُوكُمْ يعني: رموكم.
ويقال: طعنوا فيكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ يعني: سلاط باسطة بالشر أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني: حرصاً على الغنيمة.
ويقال: بخلاً على الغنيمة أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني: لم يصدقوا حقّ التصديق فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل الله ثواب أعمالهم.
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: إبطال أعمالهم.
ويقال: عذابهم في الآخرة على الله هيّن.
ثم قال عز وجل: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا يعني: يظنون أن الجنود لم يذهبوا من الخوف والرعب وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ مرة أخرى.
ويقال: حكاية عن الماضي يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يعني: تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يعني: عن أخباركم وأحاديثكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ يعني: معكم في القتال مَّا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياءً وسمعةً من غير حسبة.
وقرئ في الشاذ يُسْئَلُونَ بتشديد السين وأصله يتساءلون أي: يسأل بعضهم بعضاً.
وقراءة العامة يَسْئَلُونَ لأنهم يسألون القادمين.
ولا يسأل بعضهم بعضا.
قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الألف.
وقرأ الباقون: بالكسر.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
يعني: لقد كان لكم اقتداء بالنبي وقدوة حسنة، وسنة صالحة، لأنه كان أسبقهم في الحرب.
وكسرت رباعيته يوم أحد.
وَوَاسَاكُمْ بنفسه في مواطن الحرب.
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يعني: يخاف الله عز وجل: وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً باللسان وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ يعني: الجنود يوم الخندق والقتال قالُوا هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ في سورة البقرة وهو قوله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] الآية.
ويقال: إنه قد أخبرهم النبيّ أنه نازل ذلك الأمر.
فلما رأوه قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً يعني: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقاً لقول النبيّ وَجُرْأَةً وَتَسْلِيماً يعني: تواضعاً لأمر النبيّ .
ثم نعت المؤمنين: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ...
الآية.
قالت فرقة: لما أمر- رسول الله صلى الله عليه وسلّم- بحفر الخندقِ أعلمهم بأنهم سَيُحْصَرَون، وأمرهم بالاستعدادِ لذلك، وأعْلمهم بأنهم سَيُنْصَرُوْنَ بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب: قالُوا: هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نَزَل في سورة البقرة من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله قَرِيبٌ [البقرة:
٢١٤] .
قال ع «١» : وَيُحْتَمَلُ أنهم أرادوا جميعَ ذلك.
ثم أثنى سُبحانه على رجالٍ عَاهدوا الله على الاسْتِقَامَةِ فَوَفَّوْا، وَقَضَوْا نَحْبُهُمْ، أي: نَذْرَهُمْ، وَعَهَدَهُمْ، «والنَّحْبُ» فِي كَلاَمِ العَرَبِ: النَّذْرُ والشَّيءُ الذي يلتزمُهُ الإنسان، وقَد يُسَمَّى المَوْتُ نَحْباً، وبهِ فسَّر ابن عبَّاس «٢» وغيرُه هذه الآيةَ، ويقال للذي جاهد في أمرٍ حتى ماتَ: قضى فيه نحبه، ويقالُ لمن مات: قضى فلان نحبه فممن سَمَّى المفسرون أنّه أُشِيرَ إليه بهذه الآية أنس بن النضر عَمُّ أنسِ بن مالكٍ، وذلك أنه غَابَ عن بَدْرِ فساءَه ذلك، وقال لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَشْهَداً ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصْنَعُ.
فلما كان أحَدٌ أبلَى بلاءً حَسَناً حَتَّى قُتِلَ وَوُجِدَ فيه نَيِّفٌ على ثمانينَ جُرْحاً، فكانوا يَروْنَ أن هذه الآيةَ في أنس بن النضر ونظرائه.
وقالت فرقة: الموصوفون بقَضَاء النَّحْبِ هم جماعة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وَفَّوْا بِعُهُودِ الإسْلاَمِ عَلَى التَّمَامِ، فالشُّهَداءُ منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالجنّةِ منْهم، إلى مَن حَصَل في هذه المرتبةِ مِمَّنْ لَم يُنَصَّ عليه، ويُصَحَّحُ هذه المقالةَ أيضاً مَا رُوِيَ أن رَسولَ الله صلى الله عليه وسلّم كان عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنِ الَّذِي قضى نَحْبَهُ؟
فَسَكَتَ عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ على بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أَيْنَ السَّائِلُ؟
فَقَالَ: هَأَنَذَا، يا رسُولَ الله، قال:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا انْصَرَفَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ وعِنْدَهُ شِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟!
فَقالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ؛ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا؛ فَقالَ لَهُ: كَذَبْتَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أما واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِأمْرِكَ، فَذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَسِيرًا ﴾ ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ، كانُوا إذا جاءَهم مُنافِقٌ قالُوا لَهُ: ويَحَكَ اجْلِسْ فَلا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ بِذَلِكَ إلى إخْوانِهِمُ الَّذِينَ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا بِالمَدِينَةِ فَإنّا نَنْتَظِرُكُمْ- يُثَبِّطُونَهم عَنِ القِتالِ- وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ لا يَجِدُوا بُدًّا، فَيَأْتُونَ العَسْكَرَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهُمْ، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والمُعَوِّقُ: المُثَبِّطُ؛ تَقُولُ: عاقَنِي فُلانٌ، واعْتاقَنِي، وعَوَّقَنِي: إذا مَنَعَكَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي تُرِيدُهُ.
وكانَ المُنافِقُونَ يُعَوِّقُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نُصّارَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المُنافِقُ الَّذِي قالَ لِأخِيهِ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ دَعَوْا إخْوانَهم مِنَ المُنافِقِينَ إلى تَرْكِ القِتالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ دَعَوُا المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ أيْ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ [القَلِيلُ] لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
المَعْنى: لا يَأْتُونَ الحَرْبَ إلّا تَعْذِيرًا، بُخَلاءَ عَلَيْكم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما شَحُّوا بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أشِحَّةٌ بِالخَيْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: بِالغَنِيمَةِ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: بِالظُّفْرِ والغَنِيمَةِ.
والرّابِعُ: بِالقِتالِ مَعَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جُبْنِهِمْ فَقالَ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ أيْ: إذا حَضَرَ القِتالُ ﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ أيْ: كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي دَنا مَوْتُهُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَإنَّهُ يَخافُ ويَذْهَلُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَخافُونَ القَتْلَ.
﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: آذَوْكم بِالكَلامِ في الأمْنِ ﴿ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: صَلَقُوكُمْ، بِالصّادِ، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ؛ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
وقَدْ قَرَأ بِالصّادِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في آخَرِينَ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ : خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ: إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ ﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ أيْ: خاطَبُوكم وهم أشِحَّةٌ عَلى المالِ والغَنِيمَةِ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ وقْتُ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، يَقُولُونَ: أعْطُونا فَلَسْتُمْ أحَقَّ بِها مِنّا؛ فَـأمّا عِنْدَ البَأْسِ، فَأجَبَنُ قَوْمٍ وأخْذُلُهُ لِلْحَقِّ، وأمّا عِنْدَ الغَنِيمَةِ، فَأشَحُّ قَوْمٍ.
وَفِي المُرادِ بِالخَيْرِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الغَنِيمَةُ.
والثّانِي: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِظَفَرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: هم وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، لِنِفاقِهِمْ ﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ الإحْباطُ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلى جُبْنِهِمْ، فَقالَ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ: يَحْسَبُ المُنافِقُونَ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ بَعْدَ انْهِزامِهِمْ وذَهابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا، ﴿ وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ \[أيْ\]: يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ كَرَّةً ثانِيَةً لِلْقِتالِ ﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْا لَوْ كانُوا في بادِيَةِ الأعْرابِ مِن خَوْفِهِمْ، ﴿ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ أيْ: ودُّوا لَوْ أنَّهم بِالبُعْدِ مِنكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكُمْ، فَيَقُولُونَ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، لِيَعْرِفُوا حالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا؛ وقِيلَ: بَلْ يَسْألُونَ شَماتَةً بِالمُسْلِمِينَ وفَرَحًا بِنَكَباتِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ القِتالَ مَعَكم ﴿ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا رَمْيًا بِالحِجارَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إلّا رِياءً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ثُمَّ عابَ مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ.
والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لَكم بِهِ اقْتِداءٌ لَوِ اقْتَدَيْتُمْ بِهِ في الصَّبْرِ [مَعَهُ] كَما صَبَرَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وشُجَّ جَبِينُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، وآساكم مَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ: " أُسْوَةٌ " بِضَمِّ الألِفِ؛ والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ وأسَدٌ يَقُولُونَ: " إسْوَةٌ " بِالكَسْرِ، وتَمِيمٌ وبَعْضُ قَيْسٍ يَقُولُونَ: " أُسْوَةٌ " بِالضَّمِّ.
وخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأُسْوَةِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الأُسْوَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ إنَّما كانَتْ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ [واليَوْمَ الآخِرَ]؛ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرْجُو ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَخْشى اللَّهَ ويَخْشى البَعْثَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، لِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ مُتَّبِعٌ لِأوامِرِهِ، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْهُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ لِقاءِ الأحْزابِ، فَقالَ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ وفي ذَلِكَ الوَعْدِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ: [البَقَرَةِ:٢١٤] فَلَمّا عايَنُوا البَلاءَ يَوْمَئِذٍ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وعَدَهُمُ النَّصْرَ والظُّهُورَ عَلى مَدائِنِ كِسْرى وقُصُورِ الحَيْرَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما زادَهُمْ ﴾ يَعْنِي ما رَأوْهُ ﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِوَعْدِ اللَّهِ ﴿ وَتَسْلِيمًا ﴾ لِأمْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا ﴾ ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مِنَ قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مِنَ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾ ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ اللهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ حِينَ رَأوا تَجَمُّعَ الأحْزابَ لِحَرْبِهِمْ، وصَبْرَهم عَلى البَلاءِ، وتَصْدِيقَهم وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ ماذا أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ورَسُولِهِ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما أعْلَمَهم بِهِ رَسُولُ اللهِ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم سَيُحْصَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وبِأنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأوُا الأحْزابَ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ وانْتَظَرُوا أجْرَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ما نَزَلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ نَظَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ عِنْدَ أمْرِهِمْ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وأشارُوا بِالوَعْدِ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وهي مَقالَتانِ، إحْداهُما مِنَ اللهِ تَعالى، والأُخْرى مِن رَسُولِهِ .
وزِيادَةُ الإيمانِ هي في أوصافِهِ لا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ وإبْعادَ الشُكُوكِ عنهُ والشُبَهَ زِيادَةٌ في أوصافِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَزِيدَ إيمانُهم بِما وقَعَ، وبِما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مِمّا لَمْ يَقَعُ، فَتَكُونُ الزِيادَةُ - بِهَذا الوَجْهِ - فِيمَن يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَما زادُوهُمْ" بِواوِ جَمْعٍ.
و"التَسْلِيمُ": الِانْقِيادُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى كَيْفَ جاءَ، ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ عِنْدَ اشْتِدادِ ذَلِكَ الخَوْفِ: إنَّ هَذا أمْرٌ عَظِيمٌ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟
فَقالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ آمِن رَوْعاتِنا، واسْتُرْ عُيُوبَنا"، فَقالَها المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الضِيقاتِ.
ثُمَّ أثْنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عاهَدُوا اللهَ تَعالى عَلى الِاسْتِقامَةِ التامَّةِ فَوَفَوْا وقَضَوْا نَحْبَهُمْ، أيْ نُذُرَهم وعَهْدَهُمْ، والنَحْبَ - في كَلامِ العَرَبِ -: النُذُرُ، والشَيْءُ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ.
المَعْنى أنَّهُ التَزَمَ الصَبْرَ إلى فَتْحٍ أو مَوْتٍ فَماتَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبٍ أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، كَأنَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ.
وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿ "قَضى نَحْبَهُ": ﴾ ماتَ عَلى عَهْدٍ، ويُقالُ لِلَّذِي جاهَدَ في أمْرٍ حَتّى ماتَ: قَضى نَحْبَهُ، ويُقالُ لِمَن ماتَ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، وهَذا تَجَوُّزٌ، كَأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لابُدَ لِلْإنْسانِ أنْ يَقَعَ بِهِ فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ.
فَمِمَّنْ سَمّى المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَسُ بْنُ النَضْرِ، عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ، وذَلِكَ «أنَّهُ غابَ عن بَدْرٍ، فَساءَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَئِنْ شَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ مَشْهَدًا لِيَرَيَنَّ اللهَ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ أبْلى بَلاءً حَسَنًا حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ فِيهِ نَيِّفٌ عَلى ثَمانِينَ جُرْحًا،» فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الإشارَةَ هي إلى أنَسِ بْنِ النَضْرِ ونُظَرائِهِ مِمَّنِ اسْتَشْهَدَ في ذاتِ اللهِ تَعالى.
وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الرِجالُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَحْبِ هم جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ، وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَمامِ، فالشُهَداءُ مِنهُمْ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ رَسُولُ اللهِ بِالجَنَّةِ مِنهُمْ، إلى مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِمَّنْ لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذِهِ المَقالَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللهِ، مِنَ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ؟
فَسَكَتَ عنهُ النَبِيُّ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وعَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : أيْنَ السائِلُ؟
فَقالَ: هَأنَذا ذا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ.» فَهَذا أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ النَحْبَ لَيْسَ مِن شُرُوطِهِ المَوْتُ.
وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: «إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"، ورَوَتْ هَذا المَعْنى عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ .» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ ، يَقُولُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَلاحِ، وهو بِسَبِيلٍ ذَلِكَ، وما بَدَّلُوا وما غَيَّرُوا، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ: "وَمِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا"، رَواهُ عنهُ أبُو نُصَرَةٍ.
ورَوى عنهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ ﴾ لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، وتَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إدامَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى النِفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإدامَةِ، وثَمَرَةُ التَوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ، فَهُما دَرَجَتانِ: إدامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أو تَوْبَةٌ مِنهُ، وعنهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ أو رَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ الإيجازِ - واحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، وواحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ.
ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: "لِيُعَذِّبَ": لِيُدِيمَ عَلى النِفاقِ قَوْلُهُ: "إنْ شاءَ" ومُعادَلَتُهُ بِالتَوْبَةِ وبِحَرْفِ "أو"، ولا يُجَوِّزُ أحَدٌ أنَّ "إنْ شاءَ" يَصِحُّ في تَعْذِيبِ مُنافِقٍ عَلى نِفاقِهِ، بَلْ قَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْذِيبِهِ.
<div class="verse-tafsir"
لما ذكرت أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض المؤذنة بما يداخل قلوبهم من الخوف وقلة الإيمان والشك فيما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النصر ابتداء من قوله ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ [الأحزاب: 12] قوبلت أقوال أولئك بأقوال المؤمنين حينما نزلت بهم الأحزاب ورأوا كثرتهم وعددهم وكانوا على بصيرة من تفوقهم عليهم في القوة والعدد أضعافاً وعلموا أنهم قد ابتلوا وزلزلوا، كل ذلك لم يُخِرْ عزائمهم ولا أدخل عليهم شكاً فيما وعدهم الله من النصر.
وكان الله وعدهم بالنصر غير مرة منها قوله في سورة البقرة ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مَسَّتْهُمُ البأساءُ والضَّراءُ وزُلْزِلُوا حتى يقولُ الرسول والذين ءامنوا معه مَتَى نصرُ الله ألا إن نصر الله قريب ﴾ [البقرة: 214].
فلما رأى المسلمون الأحزاب وابتُلوا وزُلْزِلوا ورأوا مثل الحالة التي وصفت في تلك الآية علموا أنهم منصورون عليهم، وعلموا أن ذلك هو الوعد الذي وعدهم الله بآية سورة البقرة.
وكانت آية البقرة نزلت قبل وقعة الأحزاب بعام، كذا روي عن ابن عباس، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر المسلمين: أن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع أو عشر، فلما رأى المؤمنون الأحزاب وزُلزلوا راجعهم الثبات الناشئ عن قوة الإيمان وقالوا: ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أي: من النظر ومن الإخبار بمسير الأحزاب وصدَّقوا وعد الله إياهم بالنصر وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بمسير الأحزاب، فالإشارة ﴿ بهذا ﴾ إلى ما شاهدوه من جيوش الأحزاب وإلى ما يتبع ذلك من الشدة والصبر عليها وكل ذلك وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم أخبروا عن صدق الله ورسوله عليه الصلاة والسلام فيما أخبرا به وصدَقوا الله فيما وعدهم من النصر خلافاً لقول المنافقين: ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً ﴾ [الأحزاب: 12] فالوعد راجع إلى الأمرين والصدق كذلك.
والوعد: إخبار مخبر بأنه سيعمل عملاً للمُخبَر بالفتح.
ففعل ﴿ صدق ﴾ فيما حكي من قول المؤمنين ﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ مستعمل في الخبر عن صدق مضى وعن صدق سيقع في المستقبل محقق وقوعه بحيث يُجعل استقباله كالمضي مثل ﴿ أتى أمرُ الله ﴾ [النحل: 1] فهو مستعمل في معنى التحقق.
أو هو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، ولا شك أن محمل الفعل على الصدق في المستقبل أنسب بمقام الثناء على المؤمنين وأعلق بإناطة قولهم بفعل ﴿ رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ دون أن يقال: ولما جاءت الأحزاب.
فإن أبيتَ استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فاقصره على المجاز واطرح احتمال الإخبار عن الصدق الماضي.
وضمير ﴿ زادهم ﴾ المستتر عائد إلى ما عاد إليه اسم الإشارة، أي: وما زادهم ما رأوا إلا إيماناً وتسليماً، أي: بعكس حال المنافقين إذ زادهم شكاً في تحقق الوعد، والمعنى: وما زاد ذلك المؤمنين إلا إيماناً، أي: ما زاد في خواطر نفوسهم إلا إيماناً، أي: لم يزدهم خوفاً على الخوف الذي من شأنه أن يحصل لكل مترقِّب أن ينازله العدوّ الشديد، بل شغلهم عن الخوف والهلع شاغل الاستدلال بذلك على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به وفيما وعدهم الله على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من النصر فأعرضت نفوسهم عن خواطر الخوف إلى الاستبشار بالنصر المترقب.
والتسليم: الانقياد والطاعة لأن ذلك تسليمُ النفس للمنقاد إليه، وتقدم في قوله تعالى ﴿ ويسلّموا تسليماً ﴾ في سورة النساء (65).
ومن التسليم هنا تسليم أنفسهم لملاقاة عدوّ شديد دون أن يتطلبوا الإلقاء بأيديهم إلى العدوّ وأن يصالحوه بأموالهم.
فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما اشتدّ البلاء على المسلمين استشار رسول الله السعدَيْن سعدَ بن عُبادة وسعدَ بن معاذ في أن يعطي ثلث ثمار المدينة تلك السنة عيينةَ بنَ حصن، والحارثَ بن عوف وهما قائدا غطفان على أن يرجعا عن المدينة، فقالا: يا رسول الله أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟
قال رسول الله: بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتْكم عن قوس واحد وكَالَبُوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرٍ مَّا.
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قِرى أو بَيْعاً أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟
ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيفَ حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله: فأنت وذاك.
فهذا موقف المسلمين في تلك الشدة وهذا تسليم أنفسهم للقتال.
ومن التسليم الرضى بما يأمر به الرسول من الثبات معه كما قال تعالى: ﴿ ويُسَلِّمُوا تَسلِيماً ﴾ [النساء: 65].
وإذ قد علم أنهم مؤمنون لقوله ﴿ ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ إلى آخره...
فقد تعين أن الإيمان الذي زادهم ذلك هو زيادة على إيمانهم، أي: إيمان مع إيمانهم.
والإيمان الذي زادهُمُوه أريد به مظهر من مظاهر إيمانهم القويّ، فجعل تكرر مظاهر الإيمان وآثاره كالزيادة في الإيمان لأن تكرر الأعمال يقوِّي الباعث عليها في النفس يباعد بين صاحبه وبين الشك والارتداد فكأنه يزيد في ذلك الباعث، وهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ [الفتح: 4] وقوله: ﴿ فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيماناً ﴾ كما تقدم في سورة براءة (124)، فكذلك القول في ضد الزيادة وهو النقص، وإلا فإن حقيقة الإيمان وهو التصديق بالشيء إذا حصلت بمقوماتها فهي واقعة، فزيادتها تحصيل حاصل ونقصها نقض لها وانتفاء لأصلها.
وهذا هو محمل ما ورد في الكتاب والسنة من إضافة الزيادة إلى الإيمان وكذلك ما يضاف إلى الكفر والنفاق من الزيادة كقوله تعالى: ﴿ الأعراب أشدُّ كُفْراً ونِفاقاً ﴾ [التوبة: 97] وقوله: ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ﴾ [التوبة: 125].
وإلى هذا المحمل يرجع خلاف الأيمة في قبول الإيمان الزيادة والنقص فيؤول إلى خلاف لفظي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُواساةٌ عِنْدَ القِتالِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ يُتْبَعُ فِيها، والأُسْوَةُ الحَسَنَةُ المُشارَكَةُ في الأمْرِ يُقالُ هو مُواسِيهِ بِمالِهِ إذا جَعَلَ لَهُ نَصِيبًا.
وَفي المُرادِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحَثُّ عَلى الصَّبْرِ مَعَ النَّبِيِّ في حُرُوبِهِ.
الثّانِي: التَّسْلِيَةُ لَهم فِيما أصابَهم فَإنَّ النَّبِيَّ شُجَّ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ حَمْزَةُ.
﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ في اليَوْمِ الآخِرِ قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ بِإيمانِهِ ويُصَدِّقُ بِالبَعْثِ الَّذِي فِيهِ جَزاءُ الأعْمالِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيِ اسْتَكْثَرَ مِنَ العَمَلِ بِطاعَتِهِ تَذَكُّرًا لِأوامِرِهِ.
الثّانِي: أيِ اسْتَكْثَرَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ ورَجاءً لِثَوابِهِ واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا الخِطابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن خِطابِهِمْ.
الثّانِي: المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ واخْتُلِفَ في هَذِهِ الأُسْوَةِ بِالرَّسُولِ هَلْ هي عَلى الإيجابِ أوْ عَلى الِاسْتِحْبابِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الإيجابِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ.
الثّانِي: عَلى الِاسْتِحْبابِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى الإيجابِ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الإيجابِ في أُمُورِ الدِّينِ، وعَلى الِاسْتِحْبابِ في أُمُورِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ وعَدَهم في سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ ﴾ الآيَةَ.
فَلَمّا رَأوْا أحْزابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الخَنْدَقِ ﴿ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما رَواهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ عامَ ذُكِرَتِ الأحْزابُ فَقالَ: (أخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها يَعْنِي قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ) فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعِدٌ صادِقٌ إذْ وُعِدْنا بِالنَّصْرِ بَعْدَ الحَصْرِ فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُؤْمِنُونَ ﴿ هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ الآيَةَ.
» ﴿ إيمانًا وتَسْلِيمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا لِلْقَضاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: إلّا إيمانًا بِما وعَدَ اللَّهُ وتَسْلِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب...
﴾ إلى آخر الآية قال إن الله تعالى قال لهم في سورة البقرة ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ﴾ [ البقرة: 214] فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق ﴿ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً.
وأخرج جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه الآية قبل تحوّل ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم...
﴾ .
وصدق الله ورسوله فيما أخبرا به من الوحي قبل أن يكون.
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة رضي الله عنه قال: أنزل الله في سورة البقرة ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ﴾ قال: ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب، وتسليماً للقضاء.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر المؤمنين ووصف حالهم بقوله: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه.
﴿ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ قال قتادة ومقاتل: كان الله وعدهم في ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ إلى قوله ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
فأخبرهم بما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا يوم الأحزاب ما أصابهم من الشدة والبلاء قالوا: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ وتصديقًا بوعد الله وتسليمًا لأمره (١) قال أبو إسحاق في هذه الآية: وصف الله تعالى حال المنافقين في حرب الكافرين وحال المؤمنين، وصف المنافقين بالفشل والجبن والروغان والمسارعة إلى الفتنة، ووصف المؤمنين بالثبوت عند الخوف (٢) (٣) (٤) ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .
هذا معنى ما ذكره وبعض لفظه.
قال الفراء: كان النبي - - أخبر أصحابه بمسير الأحزاب إليهم فذلك قوله: ﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا ﴾ أي ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا، قال: ولو كان ما زادوهم إلا إيمانًا يريد الأحزاب كان جائزًا كما قال في سورة أخرى: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ ولو كانت ما زادكم إلا خبالا كان (٥) (٦) وهذا الذي ذكره الفراء هو قول الكلبي، قال: إن النبي - - قال لأصحابه: إن الأحزاب قد خرجوا إليكم وهم سائرون إليكم تسعًا تسعًا أو عشرًا، فلما رأوهم قد قدموا للميعاد قال المؤمنون: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ للميعاد وذلك لعدة الأيام التي قال لهم (٧) وقال المبرد (٨) ﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا ﴾ أي ما زادهم رؤيتهم إلا إيمانًا لدلالة الفعل عليه، وهو قول أي المؤمنين ومثله كثير: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ ﴾ أي البخل، يكنى عن المصدر لدلالة الفعل عليه.
(١) في" تفسير مقاتل" 90 ب، وذكره الماوردي 4/ 388، والطبري 21/ 144 عن قتادة، وزاد الطبري نسبة هذا القول لابن عباس.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.
(٣) في (ب): (كما).
(٤) هكذا في جميع النسخ!
ولعل الصواب: لهم.
(٥) في (ب): (لكان)، وهو خطأ.
(٦) "معاني القرآن" 2/ 340 مع اختلاف في العبارة.
(٧) لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وقد ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 216، ونسبه لابن عباس، وكذلك هو في "تفسير ابن عباس" ص 352.
(٨) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ ﴾ قيل: إن هذا الوعد ما أعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر بحفر الخندق من أن الكفار ينزلون، وأنهم ينصرفون خائبين، وقيل: إنه قول الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء ﴾ [البقرة: 214] الآية، فعلموا أنهم يبتلون ثم ينصرون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.
الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.
الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.
﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.
الباقون: بكسرها.
﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.
الباقون: بكسرها.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.
وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.
والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.
ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.
وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.
والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.
ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".
ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.
وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ إلى آخره.
كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله حتى يستشهدوا، فمدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.
ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.
﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.
وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.
وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.
﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.
"روي أن جبرائيل أتى رسول الله صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟
فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.
فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله : تنزلون على حكمي.
فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.
وعن مقاتل: هي خيبر.
وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.
وعن الحسن: فارس والروم.
وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.
ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.
لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي أم لا؟
فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.
ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟
والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.
ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟
الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.
وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.
وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.
والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.
والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.
فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.
وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.
واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.
وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.
وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.
وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.
وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.
وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.
وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.
والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.
ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.
قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه.
والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.
وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.
وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.
ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ واصله "إقررن".
من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.
والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ وذلك في سورة النور.
والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.
والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد .
وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.
وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.
وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي لأنه أصل، وفاطمة ما والحسن والحسين ما بالاتفاق.
والصحيح أن علياً منهم لمعاشرته بنت النبي وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.
ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.
ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ أي بسببه.
ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.
ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.
ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله وهي النية.
قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.
والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.
فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.
فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.
فلما اعتدت قال رسول الله : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.
قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.
ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.
فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.
قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.
وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.
نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.
الذي أخفى النبي في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.
وعن عائشة لو كتم رسول الله شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.
والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.
قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.
ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.
ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.
عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.
وقيل: التطليق.
فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.
ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.
ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.
وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.
ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.
والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.
ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾ إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ومجيء عيسى في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.
فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.
وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.
﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.
﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.
فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.
وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.
الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.
إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.
﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.
وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.
﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .
قال بعضهم: ذلك حيث كان يباشر القتال بنفسه، فباشروا معه القتال [فمن باشر معه القتال] أساه بأسوة حسنة، ومن لم يفعل فلم يواسه.
وابن عباس يقول: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: سنة صالحة أو نحوه.
مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: لكم في التأسي برسول الله الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه: أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول الله قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟!
والثاني: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ ﴾ ، أي: صار لكم ﴿ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ إذا بعث رسولا ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ : فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ فالواجب عليكم أن تتأسوا به.
والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول الله وسن.
أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس: "فلان أسوة غرمائه"، أي: يكون المال بينهم على الاستواء، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.
وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ .
قال بعضهم: يكون في رسول الله أسوة لمن خاف الله وآمن باليوم الآخر وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
أو أن يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو الله واليوم الآخر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ .
ذكر الله يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .
حيث أخبرهم أنكم ستلقون كذا في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ ﴾ : قالوا لما عاينوا ما وعد لهم وأخبرهم: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ فيما أخبرنا من الوحي قبل أن يكون وقبل أن نلقاه.
﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ .
أي: ما زادهم إلا إيماناً ما رأوا وعاينوا، فيما وعد وأخبر، إلا إيماناً وتصديقاً لرسول الله في وعده وخبره.
وقال قائلون: إن رسول الله قد وعد لهم وأخبر: أن يوم الخندق تكون من الأحزاب كذا والجنود كذا، وإنكم ستلقون يومئذ كذا، فلما رأوا ذلك وعاينوه قالوا عند ذلك: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ وتصديقاً لرسول الله؛ لأن ذلك آية وحجة لرسالته؛ فهو يزيدهم تصديقاً له.
وقوله: ﴿ وَتَسْلِيماً ﴾ ، أي: تسليماً لأمر الله وتفويضاً له.
وقيل: وما زادهم بما أصابهم يوم الخندق إلا إيماناً وتصديقاً إلى تصديقهم الأول، ويقيناً إلى يقينهم الأوّل، وتسليماً لأمر الله؛ لأن ذلك الأمر كان قضي عليهم أن يصيبهم، فسلموا لله أمره؛ فصبروا عليه، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ .
قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ - الذين هم عندكم مؤمنون - ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ ، ورجال لم يصدقوا وهم المنافقون؛ لأن ظاهر هذا الكلام يدل على أن من المؤمنين الذين هم في الظاهر عندهم مؤمنون لم يصدقوا، فأما من كان في الحقيقة مؤمناً فقد صدق عهده.
والثاني: ذكر ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ خصّ بعض المؤمنين بصدق ما عاهدوا وهم الذين خرجوا لذلك: لم يكن بهم عذر فوفوا ذلك العهد؛ وتخلف بعض من المؤمنين؛ للعذر؛ فلم يتهيأ لهم وفاء ذلك العهد لهم وصدقه؛ وكذلك يخرج قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: وفي بعهده.
﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ .
بالوفاء أن يرتفع عنه العذر؛ فبقي ذلك، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ : وفاءه.
وقال بعضهم: ﴿ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: هلك عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ ذلك، أي على شرف الهلاك.
وقوله: ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .
هذا يقوي التأويل الذي ذكرنا: أخبر في قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : أن الذين خلفهم العذر فلم يوفوا عهده، والذين لا عذر بهم، فخرجوا فوفوا كلهم لم يبدلوا عهد الله تبديلا؛ لأنه إنما خلفهم العذر؛ فلم يكن في ذلك تبديل.
وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ على ما وفوا، ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ : هذا يدل أن من المنافقين من قد يتوب؛ حيث قال: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ويعذب الذي مات على نفاقه.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، أي: لم يزل غفوراً رحيماً، حيث رحمهم، ولم يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم، ولكن أمهلهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ ، أي: ردّ كفار مكة يوم الخندق، ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ .
قال بعضهم: أي: غنيمة، أي: ردهم بغيظهم، لم يصيبوا شيئاً من الغنيمة؛ فإن كان المراد من الخير: الغنيمة، فجائز أن يستدل على تملك أهل الحرب أموال المسلمين إذا أحرزوها، حيث قال: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: مالا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: سرورا بما كانوا يأملون ويطمعون هلاك المؤمنين على أيديهم، لما أحاطوا بهم وضيقوا عليهم الأمر؛ حتى احتاجوا إلى الخندق؛ فكانوا في أيديهم.
يقول: إنهم لم ينالوا ذلك السرور الذي كانوا يأملونه ويرجونه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ﴾ .
حيث بعث عليهم الريح وسلط عليهم الملائكة؛ حتى هزموهم حتى كفوا القتال والحرب معهم.
﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ﴾ .
أي: كان الله لم يزل قويّاً عزيزاً؛ لأنه قوي بذاته عزيز بذاته لا يلحقه ذل، وإن لحق أولياءه الذل والضعف، ليس كملوك الأرض إذا ذهب أصحابهم أو دخل فيهم ذل وضعف؛ ذلّ ملكهم؛ لأنه عزيز بجنده وحشمه، فأمّا الله - - [فهو] قوي بذاته، عزيز بذاته، لا يلحقه ذل ولا ضعف بذهاب أوليائه.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : كان رجال فاتهم يوم بدر؛ فقالوا: لئن حضرنا قتالا، لنفعلن ولنفعلن، فلما كان يوم الأحزاب قاتلوا؛ فذلك قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: مات على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ : يوما آخر يكون فيه قتال؛ فيقاتل على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .
وفي حرف أبي: ﴿ ومنهم من بدل ﴾ ؛ فيرجع ذلك إلى المنافقين الذين ذكرنا بدءاً.
وقال القتبي قوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ ، أي: خالية، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ؛ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت؛ فإذا ذهبوا، أعْوَرَتِ البيوت؛ تقول العرب: أعور المنزل، أي: ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب بالسيف.
يقول الله - - ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ؛ لأن الله حافظها، ولكن يريدون الفرار.
وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من جوانبها، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: الكفر، ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: أعطوها من أرادها، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: بالمدينة.
ومن قرأها: ﴿ لآتَوْهَا ﴾ - بغير مدّ - أراد: لصاروا إليها.
وقال أبو عوسجة: قولهم: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : من ناحية العدو، والعورة: الموضع الذي يخاف منه.
وقوله: ﴿ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من نواحيها، الواحد: قطر، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: عرضت عليهم، وهو الكفر.
وقال القتبي: ﴿ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، يقول: آذوكم بالكلام، يقال: خطيب مِسْلَق وسلاق.
وفيه لغة أخرى: ﴿ صلقوكم ﴾ بالصاد: وهو الضرب.
أبو عوسجة يقول قريباً منه: ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ ، أي: كلموكم وضربوكم ﴿ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، أي: طوال، والسلق: الضرب، والخاطب: السلاق والمسلاق من هذا، وهو طول اللسان والجرأة على الكلام.
وقوله: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ بنصب الميم لا يكون إلا من القيام، و ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ برفع الميم يكون من الإقامة، وهو قول أبي عوسجة.
وأبو عبيدة يقول: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ليس لكم مقام تقومون فيه، و ﴿ لاَ مُقَامَ ﴾ ، أي: لا إقامة لكم.
وقال أبو عوسجة: المقامة: المجلس، ومقامات - جمع المقام -: موضع القدمين، والمقام: الموضع الذي يقيم فيه الرجل.
وقال: ﴿ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ ، قال: المتعوق: المحتبس، والمعوق: الذي يعوق غيره، أي: يحبس.
وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: حراصاً على ما نالكم من الشر، الواحد: شحيح، يقال: شح يشح شحّاً؛ فهو شحيح، أي: حرص يحرص حرصا؛ فهو حريص.
وقال غيره: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: بخلاء، لا ينفقون عليكم أو في سبيل الله.
وقال بعضهم: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ ؛ من شدة الفرق؛ فهم هؤلاء المعوقون: اليهود أو المنافقون، ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ : والأحزاب: هم الفرق أعداء رسول الله وأصحابه، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة، ﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة؛ جزعاً ورهبة، يقول الله للمؤمنين: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ ﴾ أي: معكم عند القتال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ رميا بالحجارة؛ من ضعفهم وفرقهم، أو ما ذكرنا؛ دفعاً عن أنفسهم، وأمّا غيره فلا.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ .
ذكر في القصة: "أن اليهود: يهود بني قريظة ظاهروا أبا سفيان وأصحابه على رسول الله وعلى المؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فلما انهزم المشركون تحصن بنو قريظة في حصونهم، ورجع النبي إلى المدينة، فجاءه جبريل، فقال له: يا محمد، والله ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أنتم أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة؛ فقال له النبي: فكيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟
قال: اخرج إليهم؛ فوالله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم؛ فنادى رسول [الله] في الناس، وأمر بالخروج إلى بني قريظة؛ فخرجوا فحاصروهم كذا كذا ليلة؛ حتى صالحهم على حكم سعد بن معاذ؛ فنزلوا على حكمه؛ فحكم سعد؛ أن يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم ونساؤهم، فقيل: إن رسول الله قال يومئذ: يا سعد، لقد حكمت بحكم الله؛ فأخرجت المقاتلة فقتلوا، وسبوا ذراريهم، وقسم أرضهم بين المهاجرين؛ فقال قومه والأنصار: آثرت المهاجرين بالعقار دوننا، فقال: إنكم ذوو عقار وإن القوم لا عقار لهم" ، أو كلام نحو هذا، فذلك قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، يعني الذين ظاهروا أبا سفيان والمشركين جميعاً على رسول الله وأصحابه، ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ ، أي: من حصونهم.
﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ، وهم المقاتلة، ﴿ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ﴾ ، وهم النساء والذراري.
﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ ، أي: لم تملكوها، اختلف في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : قال بعضهم: هي أرض مكة.
وقال بعضهم: هي أرض الشام وقراها.
وقال بعضهم: هي أرض خيبر، أي: سيورثكم الله إياها: فأما أرض مكة فقد فتحها وتركها في أيدي أهلها، وكذلك بلاد الشام وقراها.
وعن الحسن: هي أرض الروم وفارس وما فتح الله عليكم.
وأما خيبر فقد فتحها وقسمها بين من ذكرنا وجعلها فيئاً؛ فهو أشبه من غيره؛ ففيه أن من يخلف في ملك غيره وصفا ملكه للآخر وانتقل إليه يسمى: وارثاً بموت أو بغيره؛ حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ...
﴾ الآية، وكذلك ما قال: ﴿ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ...
﴾ إلى كذا، وقوله: ﴿ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ \[المؤمنون: 11\]، أي: يبعثون فيها، ونحوه، وكقوله: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: يبقى [له] ملك السماوات والأرض، أي: لا ينازع فيه.
وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: نبقى فيها، والخلائق يفنون.
ثم الفائدة في ذكر هذا وأمثاله لنا، إذ هم قد شاهدوها وعاينوها، يخرج على وجوه: أحدها: تعريف لآخر هذه الأمة أن أوائلهم ما قاسوا وما تحملوا من الشدائد والبلايا في أمر هذا الدين، حتى بلغ هذا المبلغ؛ فنجتهد نحن كما اجتهد أولئك في حفظ هذا الدين وفي أمره.
والثاني: أمرهم بالتأهب مع العدوّ حتى أمروا بالخندق والتحصن بأشياء، ثم جاءهم الغوث من الله بغير الذي أمروا؛ ليكونوا أبداً متأهبين مستعدين لذلك، ولا يرجون النصر والظفر من ذلك الوجه، وذلك بفضل الله ونصره، على ما أخبر عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً...
﴾ الآية [التوبة: 25].
والثالث: ألا يؤيسهم خروج أنفسهم من أيديهم، وإحاطة العدو بهم، وكونهم في أيديهم من روح الله ورحمته وغوثه إياهم؛ لأن الخوف قد بلغ بهم المبلغ الذي ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ .
وفيه دلالة إثبات الرسالة لرسول الله؛ لأنه وعد لهم النصر، فكان على ما وعد؛ ليعرفوا [صدقه] في كل ما يخبر ويعد.
﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أراد: من فتح، أو نصر، أو غيره، ﴿ قَدِيراً ﴾ .
وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: قتل، وقضى أجله، وأصل النحب: النذر؛ كأن قوماً نذروا: إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا.
وقوله: ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ : حصونهم، وأصل الصياصي: قرون البقر؛ لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل للحصون: صياصي؛ لأنها تمنع، والواحدة: صِيصِيَة، وصيصية الديك: عرفه، والصيصية: خف صغير يحوك به الحائك، ويجمع هذا كله: صياصي.
والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزباً حزباً، وتقول: هؤلاء حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة.
وقوله: ﴿ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: أن يكونوا في البادية مع الأعراب، رجل باد: قد نزل البادية، ﴿ يَوَدُّواْ ﴾ أن يكونوا في البادية مع الأعراب.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : هو ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
ولما عاين المؤمنون الأحزاب المجتمعة لقتالهم قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والمحن والنصر، وصدق الله ورسوله في هذا، فقد تحقق، وما زادتهم معاينتهم للأحزاب إلا إيمانًا بالله وانقيادًا له.
من فوائد الآيات الآجال محددة؛ لا يُقَرِّبُها قتال، ولا يُبْعِدُها هروب منه.
التثبيط عن الجهاد في سبيل الله شأن المنافقين دائمًا.
الرسول قدوة المؤمنين في أقواله وأفعاله.
الثقة بالله والانقياد له من صفات المؤمنين.
<div class="verse-tafsir" id="91.kzEdl"