الآية ٢٣ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٢٣ من سورة الأحزاب

مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًۭا ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار ، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و ( صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ) ، قال بعضهم : أجله .

وقال البخاري : عهده .

وهو يرجع إلى الأول .

( ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) أي : وما غيروا عهد الله ، ولا نقضوه ولا بدلوه .

قال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه قال : لما نسخنا الصحف ، فقدت آية من " سورة الأحزاب " كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين - : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .

انفرد به البخاري دون مسلم .

وأخرجه أحمد في مسنده ، والترمذي والنسائي - في التفسير من سننيهما - من حديث الزهري ، به .

وقال الترمذي : " حسن صحيح " .

وقال البخاري أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثني أبي ، عن ثمامة ، عن أنس بن مالك قال : نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .

انفرد به البخاري من هذا الوجه ، ولكن له شواهد من طرق أخر .

قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال : قال أنس : عمي أنس بن النضر سميت به ، لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبت عنه ، لئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع .

قال : فهاب أن يقول غيرها ، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يوم ] أحد ، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو ، أبن .

واها لريح الجنة أجده دون أحد ، قال : فقاتلهم حتى قتل قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية ، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر - : فما عرفت أخي إلا ببنانه .

قال : فنزلت هذه الآية : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) .

قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه ، وفي أصحابه .

ورواه مسلم والترمذي والنسائي ، من حديث سليمان بن المغيرة ، به .

ورواه النسائي أيضا وابن جرير ، من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، به نحوه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حميد ، عن أنس أن عمه - يعني : أنس بن النضر - غاب عن قتال بدر ، فقال : غيبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين ، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين ، ليرين الله ما أصنع .

قال : فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء - يعني : المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد - يعني : ابن معاذ - دون أحد ، فقال : أنا معك .

قال سعد : فلم أستطع أن أصنع ما صنع .

قال : فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف ، وطعنة رمح ، ورمية سهم .

وكانوا يقولون : فيه وفي أصحابه [ نزلت ] : ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد ، والنسائي فيه أيضا ، عن إسحاق بن إبراهيم ، كلاهما ، عن يزيد بن هارون ، به ، وقال الترمذي : حسن .

وقد رواه البخاري في المغازي ، عن حسان بن حسان ، عن محمد بن طلحة بن مصرف ، عن حميد ، عن أنس ، به ، ولم يذكر نزول الآية .

ورواه ابن جرير ، من حديث المعتمر بن سليمان ، عن حميد ، عن أنس ، به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ، حدثني أبي ، عن جدي ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة قال : لما أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وعزى المسلمين بما أصابهم ، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر ، ثم قرأ هذه الآية : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .

فقام إليه رجل من المسلمين فقال : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟

فأقبلت وعلي ثوبان أخضران حضرميان فقال : " أيها السائل ، هذا منهم " .

وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطلحي ، به .

وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضا ، وابن جرير ، من حديث يونس بن بكير ، عن طلحة بن يحيى ، عن موسى وعيسى ابني طلحة ، عن أبيهما ، به .

وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يونس .

وقال أيضا : حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري ، حدثنا أبو عامر - يعني العقدي - حدثني إسحاق - يعني ابن طلحة بن عبيد الله - عن موسى بن طلحة قال : [ دخلت على معاوية ، رضي الله عنه ، فلما خرجت ، دعاني فقال : ألا أضع عندك يا ابن أخي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طلحة ممن قضى نحبه " .

ورواه ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي ، عن موسى بن طلحة قال ] : قام معاوية بن أبي سفيان فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طلحة ممن قضى نحبه " .

ولهذا قال مجاهد في قوله : ( فمنهم من قضى نحبه ) قال : عهده ، ( ومنهم من ينتظر ) قال : يوما .

وقال الحسن : ( فمنهم من قضى نحبه ) يعني موته على الصدق والوفاء .

( ومنهم من ينتظر ) الموت على مثل ذلك ، ومنهم من لم يبدل تبديلا .

وكذا قال قتادة ، وابن زيد .

وقال بعضهم : ( نحبه ) نذره .

وقوله : ( وما بدلوا تبديلا ) أي : وما غيروا عهدهم ، وبدلوا الوفاء بالغدر ، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه ، وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا : ( إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) ، ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23) يقول تعالى ذكره (مِنَ المُؤْمِنِينَ) بالله ورسوله ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضرّاء، وحين البأس (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان نذره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أُحد، وبعض في غير ذلك من المواطن (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده، والنصر من الله، والظفر على عدوّه.

والنحب: النذر في كلام العرب.

وللنحب أيضا في كلامهم وجوه غير ذلك، منها الموت، كما قال الشاعر: قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ (1) يعني: منيته ونفسه؛ ومنها الخطر العظيم، كما قال جرير: بِطَخْفَــةَ جالَدْنــا المُلُـوكَ وَخَيْلُنَـا عَشِـيَّةَ بِسْـطامٍ جَـرَيْنَ عَـلى نَحْـبِ (2) أي على خطر عظيم؛ ومنها النحيب، يقال: نحب في سيره يومه أجمع: إذا مدّ فلم ينـزل يومه وليلته؛ ومنها التنحيب، وهو الخطار، كما قال الشاعر: وإذْ نَحَّـبَتْ كَـلْبٌ عـلى النَّـاس أيُّهُمْ أحَــقُّ بِتــاجِ المَــاجِدِ المُتَكَـوِّم? (3) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) : أي: وفوا الله بما عاهدوه عليه (فمنهم من قَضَى نَحْبَهُ) أي فرغ من عمله، ورجع إلى ربه، كمن استشهد يوم بدر ويوم أُحد (ومنهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) ما وعد الله من نصره والشهادة على ما مضى عليه أصحابه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: عهده فقتل أو عاش (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) يوما فيه جهاد، فيقضي (نحبه) عهده، فيقتل أو يصدق في لقائه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: عهده (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) قال: يوما فيه قتال، فيصدق في اللقاء.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن مجاهد (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: مات على العهد.

قال: ثنا أبو أُسامة، عن عبد الله بن فلان -قد سماه، ذهب عني اسمه- عن أبيه (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: نذره.

حدثنا ابن إدريس، عن طلحة بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة: أن أعرابيا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله: من الذين قضوا نحبهم؟

فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ودخل طلحة من باب المسجد وعليه ثوبان أخضران، فقال: " هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَضَوْا نَحْبَهُمْ".

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: موته على الصدق والوفاء.(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) الموت على مثل ذلك، ومنهم من بدّل تبديلا (4) .

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن مجاهد ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قال: النحب: العهد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) على الصدق والوفاء (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) من نفسه الصدق والوفاء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: مات على ما هو عليه من التصديق والإيمان (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي بكير، قال شريك بن عبد الله، أخبرناه عن سالم، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: الموت على ما عاهد الله عليه (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) الموت على ما عاهد الله عليه.

وقيل: إن هذه الآية نـزلت في قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله أن يفوا قتالا للمشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أوفى فقضى نحبه، ومنهم من بدّل، ومنهم من أوفى ولم يقض نحبه، وكان منتظرا، على ما وصفهم الله به من صفاتهم في هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن أنس بن النضر تغيب عن قتال بدر، فقال: تغيبت عن أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن رأيت قتالا ليرين الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أُحُد، وهُزم الناس، لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجدُ ريح الجنة، فتقدم فقاتل حتى قُتل، فنـزلت فيه هذه الآية: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن بكير، قال: ثنا حميد، قال: زعم أنس بن مالك قال: غاب أنس بن النضر، عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله قتالا ليرينّ الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أُحُد، انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، فمشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقال سعد: يا رسول الله، فما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى، به بضع وثمانون جراحة، بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، قال أنس: فكنا نتحدّث أن هذه الآية ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) نـزلت فيه، وفي أصحابه.

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت حميدا يحدّث، عن أنس بن مالك، أن أنس بن النضر: غاب عن قتال بدر، ثم ذكر نحوه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى بن طلحة عن طلحة أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا لا يجرءون على مسألته، فقالوا للأعرابي: سله (مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) من هو؟

فسأله، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم دخلت من باب المسجد وعليّ ثياب خُضر؛ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيْنَ السَّائِل عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ؟" قال الأعرابيّ: أنا يا رسول الله قال: " هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ".

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الحميد الحِمَّاني، عن إسحاق بن يحيى الطَّلْحِي، عن موسى بن طلحة، قال: قام معاوية بن أبي سفيان، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ".

حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، قال: ثنا سليمان بن أيوب، قال: ثني أبي، عن إسحاق، عن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما قدمنا من أُحُد وصرنا بالمدينة، صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم المنبر، فخطب الناس &; 20-241 &; وعزّاهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، ثم قرأ: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ...) الآية، قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟

فالتفت وعليّ ثوبان أخضران، فقال: " أيُّها السَّائِلُ هَذَا مِنْهُمْ".

وقوله: (وَما بَدَّلًوا تَبْديلا) : وما غيروا العهد الذي عاقدوا ربهم تغييرا، كما غيره المعوّقون القائلون لإخوانهم: هلمّ إلينا، والقائلون: إن بيوتنا عورة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَما بَدَّلُوا تَبْديلا) يقول: ما شكُّوا وما تردّ‍دوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَما بَدَّلُوا تَبْديلا) : لم يغيروا دينهم كما غير المنافقون.

------------------------ الهوامش: (1) هذا عجز بيت لذي الرمة وصدره * عيشـة فـر الحـارثيون بعدمـا * وهوبر: اسم رجل، أراد ابن هوبر (اللسان: هبر).

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن، عند قوله تعالى: (فمنهم من قضى نحبه): أي نذره الذي كان.

والنحب أيضًا النفس: أي الموت.

قال ذو الرمة: "قضى نحبه ..." أي نفسه، وإنما هو أيضًا يزيد بن هوبر، ا هـ .

وفي الديوان (طبعة كمبردج سنة 1919 ص 235) أراد يزيد بن هوبر، وهو رجل من بني الحارث بن كعب.

(2) البيت لجرير بن عطية بن الخطفي (أبو عبيدة، مجاز القرآن، الورقة 174 - ب) و (اللسان: نحب) قال: وجعله جرير بن الخطفي: الخطر العظيم، قال "بطخفة ..." البيت، أي خطر عظيم.

وطخفة، بفتح الطاء، وكسرها: جبل أحمر طويل في ديار بني تميم.

كانت به وقعة بين بني يربوع، وقابوس بن النعمان، وكان النعمان قد بعث إليهم جيشًا، وأمر عليه ابنه قابوس وأخاه حسان، فهزمتهم بنو يربوع بطخفة، وأسروهما حتى منوا عليهما، فذلك الذي أراد جرير (انظر معجم ما ستعجم للبكري طخفة).

(3) البيت للفرزدق (ديوانه طبعة الصاوي بالقاهرة ص 759) والتنحيب هنا مصدر نحب، بشد الحاء أي صاح أو نادى بشدة.

وأصل التنحيب: الدأب على الشيء، والإكباب عليه لا يفارقه (اللسان: نحب).

وجعله المؤلف بمعنى الخطار، ولعله يريد المخاطرة بالنفس.

(4) الذي في الدر المنثور بدله: وآخرون ما بدلوا تبديلا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاقوله تعالى : من المؤمنين رجال رفع بالابتداء ، وصلح الابتداء بالنكرة لأن صدقوا في موضع النعت .

فمنهم من قضى نحبه ( من ) في موضع رفع بالابتداء .

وكذا ( ومنهم من ينتظر ) والخبر في المجرور .

والنحب : النذر والعهد ، تقول منه : نحبت أنحب ، بالضم .

قال الشاعر :وإذا نحبت كلب على الناس إنهم أحق بتاج الماجد المتكرموقال ثان :قد نحب المجد علينا نحبا[ ص: 146 ] وقال آخر :أنحب فيقضى أم ضلال وباطلوروى البخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال : قال عمي أنس بن النضر - سميت به - ولم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليه فقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع .

قال : فهاب أن يقول غيرها ، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من العام القابل ، فاستقبله سعد بن مالك فقال : يا أبا عمرو أين ؟

قال : واها لريح الجنة !

أجدها دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية .

فقالت عمتي الربيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه .

ونزلت هذه الآية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا لفظ الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .

وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية : منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت يده ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوجب طلحة الجنة .

وفي الترمذي عنه : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو ؟

وكانوا لا يجترئون على مسألته ، يوقرونه ويهابونه ، فسأله الأعرابي فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر ، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟

قال الأعرابي : أنا يا رسول الله .

قال : هذا ممن قضى نحبه قال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن بكير .

وروى البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد ، مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه ، فوقف عليه ودعا له ، ثم تلا هذه الآية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه - إلى - " تبديلا " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه .

وقيل : النحب الموت ، أي مات على ما [ ص: 147 ] عاهد عليه ؛ عن ابن عباس .

والنحب أيضا الوقت والمدة يقال : قضى فلان نحبه إذا مات .

وقال ذو الرمة :عشية فر الحارثيون بعدما قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبروالنحب أيضا الحاجة والهمة ، يقول قائلهم ما لي عندهم نحب ، وليس المراد بالآية .

والمعنى في هذا الموضع بالنحب النذر كما قدمنا أولا ، أي منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قتل ، مثل حمزة وسعد بن معاذ وأنس بن النضر وغيرهم .

ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدلوا عهدهم ونذرهم .

وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومنهم من بدل تبديلا ) .

قال أبو بكر الأنباري : وهذا الحديث عند أهل العلم مردود ، لخلافه الإجماع ، ولأن فيه طعنا على المؤمنين والرجال الذين مدحهم الله وشرفهم بالصدق والوفاء ، فما يعرف فيهم مغير وما وجد من جماعتهم مبدل ، رضي الله عنهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر أن المنافقين، عاهدوا اللّه، لا يولون الأدبار، ونقضوا ذلك العهد، ذكر وفاء المؤمنين به، فقال: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ } أي: وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته.{ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } أي: إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل اللّه، أو مات مؤديًا لحقه، لم ينقصه شيئًُا.{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد.{ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } كما بدل غيرهم، بل لم يزالوا على العهد، لا يلوون، ولا يتغيرون، فهؤلاء، الرجال على الحقيقة، ومن عداهم، فصورهم صور رجال، وأما الصفات، فقد قصرت عن صفات الرجال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) أي : قاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به ( فمنهم من قضى نحبه ) أي : فرغ من نذره ، ووفى بعهده ، فصبر على الجهاد حتى استشهد ، والنحب : النذر ، والنحب : الموت أيضا ، قالمقاتل : " قضى نحبه " ، يعني : أجله فقتل على الوفاء ، يعني حمزة وأصحابه .

وقيل : " قضى نحبه " أي : بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب : نحب فلان في سيره يومه وليلته ، إذا مد فلم ينزل ( ومنهم من ينتظر ) الشهادة .

وقال محمد بن إسحاق : " فمنهم من قضى نحبه " من استشهد يوم بدر وأحد " ومنهم من ينتظر " يعني : من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين; إما الشهادة أو النصر ) ( وما بدلوا ) عهدهم ) ( تبديلا ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن سعيد الخزاعي ، أخبرنا عبد الأعلى ، عن حميد قال : سألت أنسا ح وحدثني عمرو بن زرارة ، أخبرنا زياد ، حدثني حميد الطويل ، عن أنس قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال : يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع ، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد ، قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع ، قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه ، قال أنس : كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) إلى آخر الآية .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أخبرنا محمد بن حماد ، أخبرنا معاوية ، عن الأعمش ، عن سفيان عن شقيق ، عن خباب بن الأرت قال : هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير ، قتل يوم أحد ، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة ، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه ، وإذا وضعناه على رجليه خرج رأسه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر ، قال : ومن أينعت له ثمرته فهو يهد بها " .

أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التيمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن أبي نصر ، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي ، أخبرنا محمد بن سليمان الجوهري بأنطاكية ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، أخبرنا الصلت بن دينار ، عن أبي نصرة ، عن جابر بن عبد الله قال : نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى طلحة بن عبد الله فقال : " من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى هذا " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة ، أخبرنا وكيع بن إسماعيل ، عن قيس قال : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» من الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم «فمنهم من قضى نحبه» مات أو قتل في سبيل الله «ومنهم من ينتظر» ذلك «وما بدَّلوا تبديلا» في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من المؤمنين رجال أوفوا بعهودهم مع الله تعالى، وصبروا على البأساء والضراء وحين البأس: فمنهم من وَفَّى بنذره، فاستشهد في سبيل الله، أو مات على الصدق والوفاء، ومنهم مَن ينتظر إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وما غيَّروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدَّلوه، كما غيَّر المنافقون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه إلى هذا المديح لهم ، مديحا آخر فقال : ( مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ) والنحب : النذر ، وهو أن يلتزم الانسان الوفاء بأمر تعهد به .وقضاؤه : الفراغ منه ، والوفاء به على أكمل وجه .وكان رجال من الصحابة قد نذروا ، أنهم إصا صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرب ، أن يثبتوا معه ، وأن لا يفروا عنه .والمعنى : من المؤمنين رجال كثيرون ، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا الله - تعالى - عليه ، من التأييد لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن الثبات معه فى كل موطن .( فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ) أى : فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله فمات شهيدا - كحمزة بن عبد المطلب ، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى الله عنهم أجمعين - .( وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ) أى : ومنهم من هو مستمر على الوفاء ، وينتظر الشهادة فى سبيل الله - تعالى - فى الوقت الذى يريده - سبحانه - ويختاره ، كبقية اليالصحابة ن نزلت هذه الآية وهم ما زالو على قيد الحياة .قال الامام ابن كثير : قال الامام أحمد : حدثنا هاشم من القاسم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال أنس : غاب عمى أنس بن النضر - سُمِّيتُ به - لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، لئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَريَّن الله ما أصنع .

قال : فهاب أن يقول غيرها .

فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد .فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس : يا ابا عمرو ، أين واهاً لريح الجنة أجده دون أحد .قال : فقاتلهم حتى قتل : فوُجِدَ فى جسده بضْعُ وثمانون من ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته - عمتى الرُّبَيِّع ابنة النضر - فما عرفت أخى إلا ببنانه .قال : فنزلت هذه الآية : ( مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ ) فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه - رضى الله عنهم ، ورواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث سليمان بن المغيرة .وقوله - تعالى - : ( وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ) معطوف على ( صَدَقُواْ ) أى : هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما فى عهودهم مع الله - تعالى - حتى آخر لحظة من لحظات حياتهم ، وما غيروا ولا بدلوا شيئا مما عاهدوا الله - تعالى - عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت فمنهم من قضى نحبه أي قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر، ومنهم من هو بعد في القتال ينتظر الشهادة وفاء بالعهد وما بدلوا تبديلاً بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم وقوله: ﴿ لّيَجْزِىَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ ﴾ أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا وقوله: ﴿ إِن شَاء ﴾ ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد، وإنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل يأس النبي عليه الصلاة والسلام عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس منهم وقوله: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ حيث ستر ذنوبهم و ﴿ رَّحِيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده أو نقول: ﴿ وَيُعَذّبَ المنافقين ﴾ مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جازاهم الله به على صدقهم فقال: ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ أي مع غيظهم لم يشفوا صدراً ولم يحققوا أمراً ﴿ وَكَفَى الله المؤمنين القتال ﴾ أي لم يحوجهم إلى قتال ﴿ وَكَانَ الله قَوِيّاً ﴾ غير محتاج إلى قتالهم عزيزاً قادراً على استئصال الكفار وإذلالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم، رضي الله عنهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ﴾ يعني حمزة ومصعباً ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ يعني عثمان وطلحة.

وفي الحديث: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة» فإن قلت: ما قضاء النحب؟

قلت: وقع عبارة عن الموت؛ لأنّ كل حي لابد له من أن يموت.

فكأنه نذرٌ لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ﴾ يحتمل موته شهيداً، ويحتمل وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: فما حقيقة قوله: ﴿ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ ؟

قلت: يقال: صدقني أخوك وكذبني، إذا قال لك الصدق والكذب.

وأمّا المثل: صدقني سنّ بكره.

فمعناه: صدقني في سن بكره، بطرح الجار وإيصال الفعل، فلا يخلو ﴿ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ إما أن يكون بمنزلة السنّ في طرح الجار، وإمّا أن يجعل المعاهد عليه مصدوقاً على المجاز، كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك، وهم وافون به فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه ولكان مكذوباً ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ ﴾ العهد ولا غيروه، لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، ولقد ثبت طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوجب طلحة» وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرض القلوب: جعل المنافقون، كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأنّ كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما.

ويعذبهم ﴿ إِن شَاء ﴾ إذا لم يتوبوا ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا تابوا ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ ﴾ الأحزاب ﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ مغيظين، كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] .

﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ غير ظافرين، وهما حالان بتداخل أو تعاقب.

ويجوز أن تكون الثانية بياناً للأولى أو استئنافاً ﴿ وَكَفَى الله المؤمنين القتال ﴾ بالريح والملائكة ﴿ وَأَنزَلَ الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ من حصونهم.

والصيصية ما تحصن به، يقال لقرن الثور والظبي: صيصية، ولشوكة الديك، وهي مخلبه التي في ساقه، لأنه يتحصن بها.

روي أنّ جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم- صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم- على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال: ما هَذَا يا جبريلُ؟

قال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن السرج، فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن اللَّهَ يأمرُكَ المسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة فأذن في الناس: أَنْ مَنْ كانَ سَامعاً مطيعاً فَلاَ يصلي العصرَ إلا في بني قريظةَ.

فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي؟

فأبوا، فقال: على حكم سعد بن معاذ؟

فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً.

وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وقرئ: ﴿ الرعب ﴾ ، بسكون العين وضمها.

وتأسرون، بضم السين.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: «إنكم في منازلكم» ، وقال عمر رضي الله عنه: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟

قال: «لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس» قال: رضينا بما صنع الله ورسوله ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ ﴾ عن الحسن رضي الله عنه: فارس والروم.

وعن قتادة رضي الله عنه: كنا نحدث أنها مكة.

وعن مقاتل رضي الله عنه: هي خيبر.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

ومن بدع التفاسير: أنه أراد نساءهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ  والمُقاتَلَةِ لِإعْلاءِ الدِّينِ مِن صَدَقَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، فَإنَّ المُعاهَدَ إذا وفّى بِعَهْدِهِ فَقَدْ صَدَقَ فِيهِ.

﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ﴾ نَذْرَهُ بِأنْ قاتَلَ حَتّى اسْتُشْهِدَ كَحَمْزَةَ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، والنَّحْبُ النَّذْرُ واسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ لِأنَّهُ كَنَذْرٍ لازِمٍ في رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوانٍ.

﴿ وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ الشَّهادَةَ كَعُثْمانَ وطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

﴿ وَما بَدَّلُوا ﴾ العَهْدَ ولا غَيَّرُوهُ.

﴿ تَبْدِيلا ﴾ شَيْئًا مِنَ التَّبْدِيلِ.

رُوِيَ «أنَّ طَلْحَةَ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ» وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِأهْلِ النِّفاقِ ومَرَضِ القَلْبِ بِالتَّبْدِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمَنطُوقِ والمُعَرَّضِ بِهِ، فَكَأنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا بِالتَّبْدِيلِ عاقِبَةَ السُّوءِ كَما قَصَدَ المُخْلِصُونَ بِالثَّباتِ والوَفاءِ العاقِبَةَ الحُسْنى، والتَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِتَوْبَتِهِمْ أوِ المُرادُ بِها التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لِمَن تابَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ} أي فيما عاهدوه عليه فحذف الجار كما في المثل صدقني سن بكره أي صدقني في سن بكره بطرح الجار وإيصال الفعل نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة وسعد بن زيد وحمزة ومصعب وغيرهم {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ} أي مات شهيداً كحمزة ومصعب وقضاء النحب صار عبارة عن الموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت فكأنه نذر لازم فى رقبته فإذا مات فقد مضى نحبه أي نذره {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ}

الموت أي على الشهادة كعثمان وطلحة {وَمَا بَدَّلُواْ} العهد {تَبْدِيلاً} ولا غيروه لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة وفيه تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلوب كما مر في قوله تعالى وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ بِالإخْلاصِ مُطْلَقًا، لا الَّذِينَ حُكِيَتْ مَحاسِنُهم خاصَّةً ﴿ رِجالٌ ﴾ أيْ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُقاتَلَةِ لِلْأعْداءِ، وقِيلَ: مِنَ الطّاعاتِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وسَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرٌ في الأوَّلِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ تَعالى ما أصْنَعُ، فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو أيْنَ؟

قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ مِن ضَرْبَةٍ، وطَعْنَةٍ، ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وأصْحابِهِ».

وفِي الكَشّافِ نَذَرَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أيْ نَذَرُوا الثَّباتَ التّامَّ، والقِتالَ الَّذِي يُفْضِي بِحَسَبِ العادَةِ إلى نَيْلِ الشَّهادَةِ، وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وغَيْرُهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: هم بَنُو حارِثَةَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما قَدَّمْتُهُ، ومَعْنى ( صَدَقُوا ) أتَوْا بِالصِّدْقِ مِن صَدَقَنِي، إذا قالَ الصِّدْقَ، ومَحَلُّ ( ما عاهَدُوا ) النَّصْبُ إمّا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو فِي، وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، عَلى رِوايَةِ النَّصْبِ أيْ في سِنِّ بَكْرِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والأصْلُ: صَدَقُوا اللَّهَ فِيما عاهَدُوهُ، وإمّا عَلى أنَّهُ هو المَفْعُولُ الصَّرِيحُ.

وجُعِلَ (ما عاهَدُوا عَلَيْهِ) بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ مُعاهَدٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ وجَعْلُهُ مَصْدُوقًا تَخْيِيلٌ، وعَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ﴾ تَفْصِيلٌ لِحالِ الصّادِقِينَ، وتَقْسِيمٌ لَهم إلى قِسْمَيْنِ، والنَّحْبُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ النَّذْرُ المَحْكُومُ بِوُجُوبِهِ، يُقالُ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، أيْ وفى بِنَذْرِهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: النَّذْرُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ، ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَ ما قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ وقالَ جَرِيرٌ: بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، وشاعَ قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، بِمَعْنى ماتَ، إمّا عَلى أنَّ النَّحْبَ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ في رَقَبَةِ كُلِّ إنْسانٍ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ، والقَضاءُ تَرْشِيحٌ، وإمّا عَلى أنَّ قَضاءَ النَّحْبِ مُسْتَعارٌ لَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالنَّحْبِ في الآيَةِ النَّذْرُ، وأنْ يُرادَ المَوْتُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا لِالتِزامِ المَوْتِ شَهِيدًا، إمّا بِتَنْزِيلِ التِزامِ أسْبابِهِ الَّتِي هي أفْعالٌ اخْتِيارِيَّةٌ لِلنّاذِرِ مَنزِلَةَ التِزامِ نَفْسِهِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ أسْبابِهِ وإيرادِ الِالتِزامِ عَلَيْهِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المَدْحِ، وجَعْلُهُ اسْتِعارَةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ مَسْخٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وإذْهابٌ بِرَوْنَقِها، وإخْراجٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ بِالكُلِّيَّةِ انْتَهى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.

والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ النَّحْبَ هُنا بِمَعْنى النَّذْرِ، وقَضاؤُهُ أداؤُهُ والوَفاءُ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ طَلْحَةَ «أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ  قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هُوَ؟

وكانُوا لا يَجْتَرِؤُونَ عَلى مَسْألَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ؟

قالَ الأعْرابِيُّ: أنا قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ،» وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (يا طَلْحَةُ، أنْتَ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ)،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «( طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ).» وكَأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنى مَدْحَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهِ تَعالى وجْهَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، وإلى حَمْلِ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، فالمَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعَهْدِهِ، وأدّى نَذْرَهُ، ومِنهم أيْ وبَعْضُهم مَن يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ فَيَقْضِي نَحْبَهُ، ويُؤَدِّي نَذْرَهُ ويَفِي بِعَهْدِهِ، ومَن حَمَلَ (ما عاهَدُوا اللَّهَ) تَعالى عَلى العُمُومِ، وأبْقى النَّحْبَ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: المَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعُهُودِ الإسْلامِ، وما يَلْزَمُ مِنَ الطّاعاتِ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ، واسْتَشْكَلَ إبْقاءُ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، لِأنَّ وفاءَ النَّذْرِ عَيْنُ صِدْقِ العَهْدِ، فَيَكُونُ مَآلُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى وصَدَقُوا أيْ فَعَلُوا، ووَفُّوا بِما عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَمِنهم مَن فَعَلَ، ووَفّى بِما عاهَدَ، وفِيهِ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ويُشْكِلُ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ لِأنَّ المُنْتَظِرَ غَيْرُ وافٍ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ قِسْمًا مِنَ الَّذِينَ صَدَقُوا أيْ وفَّوْا، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالصِّدْقِ في الآيَةِ مُطابَقَةُ النِّسْبَةِ الكَلامِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ الخارِجَةِ، وهَذا الكَلامُ المُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ النِّسْبَةِ هو ما اقْتَضاهُ عَهْدُهم عَلى الثَّباتِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: لَئِنْ أرانا اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنُثْبِتَنَّ ولَنُقاتِلَنَّ، واتِّصافُ الخَبَرِ بِالصِّدْقِ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ، لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن مُطابَقَةِ نِسْبَتِهِ لِلْواقِعِ في أحَدِ الأزْمِنَةِ، فَنَحْوُ: يَقُومُ زَيْدٌ صادِقٌ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ وقْتَ الإخْبارِ بِهِ، وإنْ كانَ وُقُوعُ القِيامِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ مَثَلًا، وكَذا نَحْوُ: إنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً فالنَّهارُ مَوْجُودٌ صادِقٌ، وإنْ كانَ التَّكَلُّمُ بِهِ لَيْلًا، فَهَؤُلاءِ الرِّجالُ لَمّا أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ إنَّهم إنْ أراهُمُ اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَبَتُوا وقاتَلُوا، وعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم صَدَقُوا، ثُمَّ قَسَمَهم عَزَّ وجَلَّ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أدّى ما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يُؤَدِّيهِ، وقِسْمٍ يَنْتَظِرُ وقْتًا يُؤَدِّيهِ فِيهِ، ولا يَتَّصِفُ هَذا القِسْمُ بِالكَذِبِ إلّا إذا ماتَ، وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، ولَمْ يُؤَدِّ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالصِّدْقِ ما ماتُوا حَتّى أدَّوْا فَلا إشْكالَ.

نَعَمِ الإشْكالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصِّدْقِ فِيما عاهَدُوا تَحْقِيقُ العَهْدِ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ كَما فَسَّرَهُ الرّاغِبُ، ويُرادُ مِن قَضاءِ النَّحْبِ وفاءُ النَّذْرِ أوِ العَهْدِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المُرادُ بِصِدْقِهِمُ المَذْكُورِ مُطابَقَةُ ما في ألْسِنَتِهِمْ لِما في قُلُوبِهِمْ عَلى خِلافِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ.

ولا إشْكالَ في التَّقْسِيمِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: الصِّدْقُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ المُرادَ بِصَدَقُوا يُصَدِّقُونَ، وعَبَّرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَضى نَحْبَهُ ﴾ فَقالَ: أجْلَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدٍ: ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ ∗∗∗ أنَحَبٌ فَيَقْضِي أمْ ضَلالٌ وباطِلُ وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ (بِصَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) كَما ذُكِرَ عَنِ الرّاغِبِ: حَقَّقُوا العَهْدَ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى الثَّباتِ والقِتالِ إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَقَّقُوا ذَلِكَ، وثَبَتُوا فَمِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ أنَّ المُرادَ قَضى نَحْبَهُ ثابِتًا بِأنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُشْهِدَ كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، ومُعْصَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ فَيَدْخُلُ مَن ماتَ بَعْدَ الثَّباتِ حَتْفَ أنْفِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ إنْ كانَ هُنالِكَ مَن هو كَذَلِكَ، وعَدُّوا مِمَّنْ يَنْتَظِرُ عُثْمانَ وطَلْحَةَ، وأوَّلُ ما ورَدَ في طَلْحَةَ مِن أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في حُكْمِ مَنِ اسْتُشْهِدَ، وأوْجَبُوا ذَلِكَ فِيما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، عَنْ عائِشَةَ بِلَفْظِ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي في الأرْضِ، وقَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ فِينا: ﴿ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ الآيَةَ، وأنا واللَّهِ المُنْتَظِرَ.

وفِي وصْفِهِمْ بِالِانْتِظارِ المُنْبِئِ عَنِ الرَّغْبَةِ في المُنْتَظِرِ شَهادَةٌ حَقَّةٌ بِكَمالِ اشْتِياقِهِمْ إلى الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إلى المَوْتِ مُطْلَقًا حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( صَدَقُوا ) وفاعِلُهُ فاعِلُهُ، أيْ وما بَدَّلُوا عَهْدَهُمْ، وما غَيَّرُوهُ تَبْدِيلًا ما لا أصْلًا ولا وصْفًا، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ راغِبِينَ فِيهِ، مُراعِينَ لِحُقُوقِهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ، أمّا الَّذِينَ قَضَوْا فَظاهِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَيَشْهَدُ بِهِ انْتِظارُهم أصْدَقَ شَهادَةٍ، وتَعْمِيمُ عَدَمِ التَّبْدِيلِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مَعَ ظُهُورِ حالِهِمْ لِلْإيذانِ بِمُساواةِ الفَرِيقِ الثّانِي لَهم في الحُكْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( بَدَّلُوا ) لِلْمُنْتَظِرِينَ خاصَّةً بِناءً عَلى أنَّ المُحْتاجَ إلى البَيانِ حالُهُمْ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حَيْثُ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا كَما بَدَّلَ المُنافِقُونَ، فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ يعني: وفوا بالعهد الذي عاهدوا ليلة العقبة فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ يعني: أجله فمات.

أو قتل على الوفاء.

يعني: وفاء بالعهد.

وقال القتبي: النحب في اللغة النذر.

وذلك أنهم نذروا، إذا لقوا العدو أن يقاتلوا فقتل في القتال، فسمي قتله قضاء نحبه، واستعير النحب مكان الموت.

وقال مجاهد: النحب العهد.

وروى عيسى بن طلحة قال: جاء أعرابي فسأل النبيّ  عن الذين قضوا نحبهم فأعرض عنه.

وطلع طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله  : «هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» .

ثم قال عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يعني: ينتظر أجله وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا يعني: ما غيّروا بالعهد الذي عهدوا تغييراً.

ثم قال عز وجل: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ يعني: الوافين بوفائهم وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ يعني: إذا ماتوا على النفاق إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يعني: يقبل توبتهم إن تابوا إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً لمن تاب منهم رحيما بهم قوله عز وجل: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: صدهم وهم الكفار الّذين جاءوا يوم الخندق بِغَيْظِهِمْ يعني: صرفهم عن المدينة مع غيظ منهم لَمْ يَنالُوا خَيْراً يعني: لم يصيبوا ما أرادوا من الظفر والغنيمة وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ يعني: دفع الله عنهم مؤنة القتال حيث بعث عليهم ريحاً وجنوداً.

وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً فلما رجع النبيّ  من الخندق دخل المدينة، ودخل على فاطمة-  ا-، وأراد أن يغسل رأسه.

فجاءه جبريل-  -: وقال: لا تغسل رأسك، ولكن اذهب إلى بني قريظة.

فخرج رسول الله  .

ويقال: إن جبريل-  - قال له حين وضع سلاحه: وضعت سلاحك؟

قال: «نعم» قال: ما وضعت الملائكة- عليهم السلام- سلاحها بعد، وقد أمرك الله عز وجل أن تنهض نحو بني قريظة، فخرج رسول الله  إلى الناس فقال: «عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا تُصَلُّوا العَصْرَ إلاّ بِبَنِي قُرَيْظَة» .

فلبس رسول الله  سلاحه وخرج المسلمون معه، واللواء في يد علي بن أبي طالب-  -.

فمر على بني عدي وبني النجار وقد أخذوا السلاح.

فقال: «مَنْ أَمَرَكُمْ أنْ تَلْبَسُوا السِّلاحَ» .

فقالوا: دحية الكلبي.

وكان جبريل-  - يتمثل في صورته.

فلما جاء بني قريظة، وجد بعض الصحابة قد صلوا العصر قبل أن يأتوا بني قريظة مخافة أن تفوتهم عن وقتها، وأبى بعضهم فقالوا: نهانا رسول الله  أن نصلي حتى نأتي بني قريظة.

فلم ينتهوا إلى بني قريظة حتى غابت الشمس، ولم يصلوا العصر.

قال: فلم يؤنب أحداً من الفريقين، أي: رضي بما فعل الفريقان جميعاً.

وفيه دليل لقول بعض الناس: إن لكل مجتهد نصيب.

فجاء علي-  - باللواء حتى غرزه عند الحصن.

فسبت اليهود رسول الله  وأزواجه، ورجع إليه علي-  -، فقال: تأخر يا رسول الله ونحن نكفيك فيهم.

قال: «سَبُّونِي وَلَوْ كَانُوا دُونِي لَمْ يَسُبُّونِي» .

فلما جاءهم رسول الله  فقال: «يا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله وحُكْمِ رَسُولِهِ» .

فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً.

ورجع حيي بن أخطب من الروحاء، وقد ذكر يمينه التي حلف بها لكعب بن الأشرف، ودخل معهم في حصنهم، ونزل بنو سعد بن شعبة أسد وثعلبة، فأسلموا.

وأبى من بقي.

فقال رسول الله  لأبي لبابة بن عبد المنذر: «اذْهَبْ فَقُلْ لِحُلَفَائِكَ وَمَوَالِيكَ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله تَعَالَى وَرَسُولِهِ- عَلَيْهِ السَّلامَ-» .

فجاءهم أبو لبابة.

فقال: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الله ورسوله.

فقالوا: يا أبا لبابة نصرناك يوم بعاث، ويوم الحدائق والمواطن كلها التي كانت بين الأوس والخزرج، ونحن مواليك وحلفاؤك، فانصح لنا ماذا ترى؟

فأشار إليهم ووضع يده على حلقه يعني: الذبح.

فقالوا: لا تفعل يعني: لا ننزل.

فقال له النبيّ  : «خنت الله ورسوله» .

فقال: نعم.

فانطلق فربط نفسه بخشبة من خشب المسجد حتى تاب الله عليه، والتمسه رسول الله  فلم يجده.

فقالوا: إنه قد ربط نفسه بخشبة من خشبة المسجد.

فقال: «لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ فأمَّا إذ رَبَطَ نَفْسَهُ فَدَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ الله عَلَيْهِ» .

ثم أتاه النبي  فحلّه، فقال كعب بن أسد لأصحابه من بني قريظة: أما تعلمون أنه قد جاءنا ابن فلان اليهودي من الشام؟

فقال لنا: جئتكم لنبي ينتهي إلى هذه الأرض من قريش، وأنه يبعث بالذبح والقتل والسب، فلا يهولنكم ذلك، وكونوا أولياءه وأنصاره.

فقالوا: لا نكون تبعاً لغيرنا، نحن أهل الكتاب والنبوة، لا نتبع قوماً أميين ما درسوا كتاباً قط، فلا نفعل.

فقال كعب بن أسد: أطيعوني في إحدى ثلاث: قالوا: وما هي؟

فقال: إنكم لتعرفون أنه رسول الله.

فاتبعوه، وانصروه، وكونوا أنصاره وأولياءه.

فقالوا: لا نكون تبعاً لغيرنا.

فقال: إما إذا أبيتم، فإن هذه ليلة السبت، هم يأمنونكم، انزلوا إليهم فبيتوهم حتى تقتلوهم.

فقالوا لا نكسر سبتنا.

فقد كسر قوم من بني إسرائيل سبتهم، فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير.

قال: فإن أبيتم هذا.

فإذا كان يوم الأحد فاقتلوا أبناءكم ونساءكم.

ثم انزلوا إليهم بأسيافكم فقاتلوهم حتى تموتوا كراماً.

فقالوا: لا نفعل.

فلبثوا خمسة عشر ليلة محاصرين.

فقال رسول الله  : «عَلَى حُكْمِ مَنْ تَنْزِلُونَ؟» قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ.

فأرسل رسول الله  إلى سعد بن معاذ، وكان جريحاً قد رمته بني قريظة، فأصاب أكحله، فدعا الله تعالى أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة.

فأتي به على حمار، فتبعه قوم كان ميلهم إلى بني قريظة، وكانوا يقولون له: يا أبا عمرو أحسن في حلفائك ومواليك، إن رسول الله  يحب البقية وقد نصروك يوم بعاث، ويوم حدائق، فلم يكلمهم حتى نظر إلى بيوت بني قريظة.

فقال سعد: قد آن لي أن لا أخاف في الله لومة لائم.

فعرفوا أنه سوف يقتلهم.

فرجعوا عنه.

فلما دنا من رسول الله  قال النبيّ  : لمن حوله: «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ» .

فقام إليه الأنصار، فأنزلوه.

فقال: «احْكُمْ فِيهِمْ يَا أبا عَمْرٍو» .

فقال سعد لليهود: أترضون بحكمي؟

قالوا: نعم.

فقال: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه؟

قالوا: نعم.

فالتفت إلى رسول الله  وأصحابه، وهاب أن يخاطب رسول الله  ، فقال: وَعَلَيَّ مِنْ هَاهُنَا مثل ذلك، وإنه ليغض بصره عن رسول الله  : فقال النبيّ  : «نَعَمْ نَعَمْ وَعَلَيْنَا» .

فقال لبني قريظة: انزلوا فلما نزلوا.

قال: احكم فيهم يا رسول الله إن تقتل مقاتليهم، وتسبي ذراريهم، وتقسم أموالهم.

فقال النبي  : «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ مَنْ فَوْقَ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» .

فأتى حيي بن أخطب مأسوراً في حلة.

فجاءه رجل من الأنصار، فنزع رداءه، فبقي في إزاره، فجعل يمزق إزاره لكي لا يلبسه أحد وهو يقول: لا بأس بأمر الله.

فلما جاء بين يدي رسول الله  قال: «ألَمْ يُمَكِنِّي الله مِنْكَ يَا عَدُوَّ الله» ؟

فقال: بلى وما ألوم نفسي فيك قد التمست العز في مظانه، وقلقلت في كل مقلقل، فأبى الله إلا أن يمكّنك مني.

فأمر بضرب عنقه.

ثم جاءوا بعزاز بن سموأل فقال: «ألم يمكني الله منك» ؟

فقال: بلى يا أبا القاسم، فضرب عنقه.

ثم قال لسعد: «عَلَيْكَ بِمَنْ بَقِيَ» .

وقال: «لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّيْنِ حَرَّ الهَاجِرَةِ، وَحَرَّ السَّيْف» .

فحسبهم كذلك في دار الحارث، - وفي بعض الروايات- ببيت خراب» .

ثم أخرجهم رسلاً فقتلهم على الولاء والترتيب.

فقال بعضهم لبعض: ما تراهم يصنعون بنا؟

فقال واحد: ألا تعقلون أنهم يقتلون؟

ألا ترون أن الداعي لا يسكت؟

ومن ذهب لا يرجع؟

فقتلوا كلهم ولم يسلم أحد منهم.

كان فيهم رجل يقال له: زبير بن باطا.

فكلم ثابت بن قيس بن شماس رسول الله  في أمره فقال: إن الزبير بن باطا له عندي يد، وقد أعانني يوم بعاث فهبهُ لِي يا رسول الله حتى أعتقه.

فقال-  -: «هُوَ لَكَ» .

فجاء إليه.

فقال: يا أَبا عبد الرحمن أتعرفني؟

قال: نعم.

وهل ينكر الرجل أخاه، أنت ثابت بن قيس.

قال: أتذكر يداً لك عندي يوم بعاث؟.

قال: نعم.

إن الكريم يجزي باليد، فاجز بها.

فقال: قد وهبك النبي  لي، وقد أعتقتك.

قال: شيخ كبير لا أهل له كيف يعيش.

فجاء ثابت إلى رسول الله  ، فكلّمه في أهله، فقال: «لَكَ أهْلُهُ» .

فجاء إليه.

فقال: قد وهب لي رسول الله  أهلك فهي لك.

فقال: شيخ كبير أعمى وامرأة ضعيفة، وأطفال صغار لا مال لهم كيف يعيشون؟

فقام ثابت إلى رسول الله  يسأله ماله.

فقال: «لَكَ مَالُهُ» .

فجاء إليه.

فقال: قد وهب لي رسول الله  مالك لي فهو لك.

فقال: فما فعلت بكعب بن أسد الذي وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي؟

قال: قتل.

قال: فما فعل بعزاز بن سموأل مقدم اليهود إذا حملوا وحاميهم إذا انصرفوا؟

قال: قتل.

قال: فما فعل بسيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب يحملهم في الحرب ويطعمهم في المحل؟

قال: قتل.

قال فما فعل بفلان وفلان؟

قال: قتل.

قال: فقال يا ابن الأخ لا خير في الحياة بعد أولئك ألا أصبر فيه قدر فراغ دلو ماء حتى ألقى الأحبة.

قال أبو بكر: ويلك يا ابن باطا، والله ما هو إفراغ دلو ماء، ولكنه عذاب الله أبداً.

يا ابن الأخ قدمني إلى مصارع قومي، فاضرب ضربة أجهز بها، وأرفع يدك عن العصام، وألصق بالرأس.

فإن أحسن الجسد أن يكون فيه شيء من العنق.

فقال ثابت: ما كنت لأقتلك.

قال: ما أبالي من قتلني.

فتقدم رجل من أصحاب رسول الله  فضرب عنقه.

وغنم الله عز وجل رسوله أموال بني قريظة، وذراريها، فقسمها بين المسلمين.

فنزل قوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ يعني: عاونوهم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو قريظة مِنْ صَياصِيهِمْ يعني: من قصورهم، وحصونهم، وأصل الصياصي في اللغة: قرون الثور لأنه يتحصن به.

فقيل: للحصون صياصي لأنها تمنع.

ثم قال: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حين انهزم الأحزاب فَرِيقاً تَقْتُلُونَ يعني: رجالهم وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً تسبون طائفة وهم النساء والصبيان.

قال مقاتل: قتل أربعمائة وخمسون رجلاً، وسبي من النساء والصبيان ستمائة وخمسون.

وقال في رواية الكلبي: كانوا سبعمائة فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال عز وجل: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ يعني: مزارعهم وَدِيارَهُمْ يعني: منازلهم وَأَمْوالَهُمْ يعني: العروض والحيوان وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يعني: لم تملكوها ولم تقدروا عليها.

يعني: ورثكم تلك الأرض أيضاً وهي أرض خيبر.

وروي عن الحسن وغيره في قوله أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها قال: كل ما فتح على المسلمين إلى يوم القيامة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً يعني: على فتح مكة وغيرها من القرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ...

الآية.

قالت فرقة: لما أمر- رسول الله صلى الله عليه وسلّم- بحفر الخندقِ أعلمهم بأنهم سَيُحْصَرَون، وأمرهم بالاستعدادِ لذلك، وأعْلمهم بأنهم سَيُنْصَرُوْنَ بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب: قالُوا: هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نَزَل في سورة البقرة من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله قَرِيبٌ [البقرة:

٢١٤] .

قال ع «١» : وَيُحْتَمَلُ أنهم أرادوا جميعَ ذلك.

ثم أثنى سُبحانه على رجالٍ عَاهدوا الله على الاسْتِقَامَةِ فَوَفَّوْا، وَقَضَوْا نَحْبُهُمْ، أي: نَذْرَهُمْ، وَعَهَدَهُمْ، «والنَّحْبُ» فِي كَلاَمِ العَرَبِ: النَّذْرُ والشَّيءُ الذي يلتزمُهُ الإنسان، وقَد يُسَمَّى المَوْتُ نَحْباً، وبهِ فسَّر ابن عبَّاس «٢» وغيرُه هذه الآيةَ، ويقال للذي جاهد في أمرٍ حتى ماتَ: قضى فيه نحبه، ويقالُ لمن مات: قضى فلان نحبه فممن سَمَّى المفسرون أنّه أُشِيرَ إليه بهذه الآية أنس بن النضر عَمُّ أنسِ بن مالكٍ، وذلك أنه غَابَ عن بَدْرِ فساءَه ذلك، وقال لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَشْهَداً ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصْنَعُ.

فلما كان أحَدٌ أبلَى بلاءً حَسَناً حَتَّى قُتِلَ وَوُجِدَ فيه نَيِّفٌ على ثمانينَ جُرْحاً، فكانوا يَروْنَ أن هذه الآيةَ في أنس بن النضر ونظرائه.

وقالت فرقة: الموصوفون بقَضَاء النَّحْبِ هم جماعة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وَفَّوْا بِعُهُودِ الإسْلاَمِ عَلَى التَّمَامِ، فالشُّهَداءُ منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالجنّةِ منْهم، إلى مَن حَصَل في هذه المرتبةِ مِمَّنْ لَم يُنَصَّ عليه، ويُصَحَّحُ هذه المقالةَ أيضاً مَا رُوِيَ أن رَسولَ الله صلى الله عليه وسلّم كان عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنِ الَّذِي قضى نَحْبَهُ؟

فَسَكَتَ عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ على بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أَيْنَ السَّائِلُ؟

فَقَالَ: هَأَنَذَا، يا رسُولَ الله، قال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتالِ بَدْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ قالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالِ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ  المُشْرِكِينَ، لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قِتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ النّاسُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وأعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي المُسْلِمِينَ؛ ثُمَّ مَشى بِسَيْفِهِ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، فَقالَ: أيْ سَعْدُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ.

قالَ سَعْدٌ: فَما اسْتَطَعْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ما صَنَعَ؛ قالَ أنَسٌ: فَوَجَدْناهُ بَيْنَ القَتْلى بِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ جِراحَةً، مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، قَدْ مَثَّلُوا بِهِ؛ قالَ: فَما عَرَفْناهُ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنانِهِ؛ قالَ أنَسٌ: فَكُنّا نَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ وفي أصْحابِهِ.» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلْحَةِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.

رَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم قالُوا لَهُ: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ، قالَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ﴾ لا حِسابَ عَلَيْهِ فِيما يَسْتَقْبِلُ.

وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذا القَدْرَ مِنَ الآيَةِ في طَلْحَةَ، وأوَّلَها في أنَسٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى الآيَةِ: وفَوْا لِلَّهِ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ.

وفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم عاهَدُوا لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلى الإسْلامِ والنُّصْرَةِ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا اللَّهَ أنْ لا يَتَأخَّرُوا بَعْدَها.

والثّالِثُ: أنَّهم عاهَدُوا أنْ لا يَفِرُّوا إذا لاقَوْا، فَصَدَقُوا.

والرّابِعُ: أنَّهم عاهَدُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَمِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فَمِنهم مَن قَضى عَهْدَهُ قُتِلَ أوْ عاشَ.

ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ أنْ يَقْضِيَهُ بِقِتالٍ أوْ صِدْقِ لِقاءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: فَمِنهم مَن قَضى نَذْرَهُ الَّذِي كانَ نَذْرٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

فَيَكُونُ النَّحْبُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: الأجَلَ؛ وعَلى الثّانِي: العَهْدَ؛ وعَلى الثّالِثِ: النَّذْرَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ قَضى نَحْبَهُ ﴾ أيْ: قُتِلَ، وأصْلُ النَّحْبِ: النَّذْرُ، كَأنَّ قَوْمًا نَذَرُوا أنَّهم إنْ لَقُوا العَدُوَّ قاتَلُوا حَتّى يُقْتَلُوا أوْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقُتِلُوا، فَقِيلَ: فُلانٌ قَضى نَحْبَهُ، أيْ: قُتِلَ، فاسْتُعِيرَ النَّحْبُ مَكانَ الأجَلِ، لِأنَّ الأجَلَ وقَعَ بِالنَّحْبِ، وكانَ النَّحْبُ سَبَبًا لَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْعَطِيَّةِ: " مَنٌّ "، لِأنَّ مَن أعْطى فَقَدْ مَنَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأنَسُ بْنُ النَّضْرِ وأصْحابُهُ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ﴾ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، ﴿ وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ ما وعَدَ اللَّهُ مِن نَصْرِهِ، أوِ الشَّهادَةِ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أصْحابُهُ ﴿ وَما بَدَّلُوا ﴾ أيْ: ما غَيَّرُوا العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا رَبَّهم عَلَيْهِ كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِيما عاهَدُوا [اللَّهَ] عَلَيْهِ ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ ﴾ بِنَقْضِ العَهْدِ ﴿ إنْ شاءَ ﴾ وهو أنْ يُمِيتَهم عَلى نِفاقِهِمْ ﴿ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ في الدُّنْيا، فَيُخْرِجَهم مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ، فَيَغْفِرَ لَهم.

﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي الأحْزابَ، صَدَّهم ومَنَعَهم عَنِ الظَّفَرِ بِالمُسْلِمِينَ ﴿ بِغَيْظِهِمْ ﴾ أيْ: لَمْ يُشْفِ صُدُورَهم بِنَيْلِ ما أرادُوا ﴿ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا ﴾ أيْ: لَمْ يَظْفَرُوا بِالمُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، خَيْرًا فَخُوطِبُوا عَلى اسْتِعْمالِهِمْ ﴿ وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ، ﴿ وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ ﴾ أيْ: عاوَنُوا الأحْزابَ، وهم بَنُو قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهم نَقَضُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ العَهْدِ، وصارُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَدًا واحِدَةً.

وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا انْصَرَفَ مِنَ الخَنْدَقِ وضَعَ عَنْهُ اللَّأْمَةَ واغْتَسَلَ، فَتَبَدّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ألا أراكَ وضَعْتَ اللَّأْمَةَ، وما وضَعَتِ المَلائِكَةُ سِلاحَها مُنْذُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؟!

إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَسِيرَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَإنِّي عامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ حُصُونَهُمْ؛ فَدَعا عَلِيًّا فَدَفَعَ لِواءَهُ إلَيْهِ، وبَعَثَ بِلالًا فَنادى في النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يَأْمُرُكم أنْ لا تُصَلُّوا العَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ فَحاصَرَهم خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أشَدَّ الحِصارِ، وقِيلَ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَأرْسَلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  : أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ، فَأرْسَلَهُ إلَيْهِمْ، فَشاوَرُوهُ في أمْرِهِمْ، فَأشارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ نَدِمَ فَقالَ: خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فانْصَرَفَ فارْتَبَطَ في المَسْجِدِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَّرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وكُتِّفُوا، ونُحُّوا ناحِيَةً، وجُعِلَ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ ناحِيَةً.

وكَلَّمَتِ الأوْسُ رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَهَبَهم لَهُمْ، وكانُوا حُلَفاءَهُمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  الحُكْمَ فِيهِمْ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ؛» هَكَذا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ.

وحَكى غَيْرُهُ: «أنَّهم نَزَلُوا أوَّلًا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِ حِلْفٌ فَرَجَوْا أنْ تَأْخُذَهُ فِيهِمْ هَوادَةٌ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ يُقْتَلَ كُلُّ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُواسِي، وتُسْبى النِّساءُ والذَّرارِي، وتُقَسَّمَ الأمْوالُ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ "؛ وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ  وأمَرَ بِهِمْ فَأُدْخِلُوا المَدِينَةَ، وحُفِرَ لَهم أُخْدُودٌ في السُّوقِ، وجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ  ومَعَهُ أصْحابُهُ، وأُخْرِجُوا إلَيْهِ فَضُرِبَتْ أعْناقُهُمْ، وكانُوا ما بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إلى السَّبْعِمِائَةِ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن صَياصِيهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مِن حُصُونِهِمْ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الصَّياصِي: قُرُونُ البَقَرِ، لِأنَّها تَمْتَنِعُ بِها، وتَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها، فَقِيلَ لِلْحُصُونِ: الصَّياصِي، لِأنَّها تَمْنَعُ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ قَرْنٍ صِيصِيَةٌ، وصِيصِيَةُ الدِّيكِ: شَوْكَةٌ يَتَحَصَّنُ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ أيْ: ألْقى فِيها الخَوْفَ ﴿ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ وهُمُ المُقاتِلَةُ ﴿ وَتَأْسِرُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " وتَأْسُرُونَ " بِرَفْعِ السِّينِ ﴿ فَرِيقًا ﴾ وهُمُ النِّساءُ والذَّرارِي، ﴿ وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ ﴾ يَعْنِي عَقارَهم ونَخِيلَهم ومَنازِلَهم ﴿ وَأمْوالَهُمْ ﴾ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحُلِيِّ والعَبِيدِ والإماءِ ﴿ وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها ﴾ أيْ: لَمْ تَطَؤُوها بِأقْدامِكم بَعْدُ، وهي مِمّا سَنَفْتَحُها عَلَيْكُمْ؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ما ظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: مَكَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: خَيْبَرُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، وابْنُ إسْحاقَ، ومُقاتِلٌ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا ﴾ ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مِنَ قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مِنَ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾ ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ الصادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ اللهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ حِينَ رَأوا تَجَمُّعَ الأحْزابَ لِحَرْبِهِمْ، وصَبْرَهم عَلى البَلاءِ، وتَصْدِيقَهم وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ ماذا أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ورَسُولِهِ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما أعْلَمَهم بِهِ رَسُولُ اللهِ  حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم سَيُحْصَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وبِأنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأوُا الأحْزابَ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ وانْتَظَرُوا أجْرَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا بِوَعْدِ اللهِ ما نَزَلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ  ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ نَظَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ  عِنْدَ أمْرِهِمْ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وأشارُوا بِالوَعْدِ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وهي مَقالَتانِ، إحْداهُما مِنَ اللهِ تَعالى، والأُخْرى مِن رَسُولِهِ  .

وزِيادَةُ الإيمانِ هي في أوصافِهِ لا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ وإبْعادَ الشُكُوكِ عنهُ والشُبَهَ زِيادَةٌ في أوصافِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَزِيدَ إيمانُهم بِما وقَعَ، وبِما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ  مِمّا لَمْ يَقَعُ، فَتَكُونُ الزِيادَةُ - بِهَذا الوَجْهِ - فِيمَن يُؤْمِنُ بِهِ لا في نَفْسِ الإيمانِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَما زادُوهُمْ" بِواوِ جَمْعٍ.

و"التَسْلِيمُ": الِانْقِيادُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى كَيْفَ جاءَ، ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  عِنْدَ اشْتِدادِ ذَلِكَ الخَوْفِ: إنَّ هَذا أمْرٌ عَظِيمٌ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟

فَقالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ آمِن رَوْعاتِنا، واسْتُرْ عُيُوبَنا"، فَقالَها المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الضِيقاتِ.

ثُمَّ أثْنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عاهَدُوا اللهَ تَعالى عَلى الِاسْتِقامَةِ التامَّةِ فَوَفَوْا وقَضَوْا نَحْبَهُمْ، أيْ نُذُرَهم وعَهْدَهُمْ، والنَحْبَ - في كَلامِ العَرَبِ -: النُذُرُ، والشَيْءُ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ.

المَعْنى أنَّهُ التَزَمَ الصَبْرَ إلى فَتْحٍ أو مَوْتٍ فَماتَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَشِيَّةَ بِسِطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبٍ أيْ: عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، كَأنَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ.

وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿ "قَضى نَحْبَهُ": ﴾ ماتَ عَلى عَهْدٍ، ويُقالُ لِلَّذِي جاهَدَ في أمْرٍ حَتّى ماتَ: قَضى نَحْبَهُ، ويُقالُ لِمَن ماتَ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، وهَذا تَجَوُّزٌ، كَأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لابُدَ لِلْإنْسانِ أنْ يَقَعَ بِهِ فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ.

فَمِمَّنْ سَمّى المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَسُ بْنُ النَضْرِ، عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ، وذَلِكَ «أنَّهُ غابَ عن بَدْرٍ، فَساءَهُ ذَلِكَ وقالَ: لَئِنْ شَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ  مَشْهَدًا لِيَرَيَنَّ اللهَ ما أصْنَعُ، فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ أبْلى بَلاءً حَسَنًا حَتّى قُتِلَ، ووُجِدَ فِيهِ نَيِّفٌ عَلى ثَمانِينَ جُرْحًا،» فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الإشارَةَ هي إلى أنَسِ بْنِ النَضْرِ ونُظَرائِهِ مِمَّنِ اسْتَشْهَدَ في ذاتِ اللهِ تَعالى.

وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الرِجالُ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَحْبِ هم جَماعَةٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  ، وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَمامِ، فالشُهَداءُ مِنهُمْ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ رَسُولُ اللهِ  بِالجَنَّةِ مِنهُمْ، إلى مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِمَّنْ لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذِهِ المَقالَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ عَلى المِنبَرِ، فَقالَ لَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللهِ، مِنَ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ؟

فَسَكَتَ عنهُ النَبِيُّ  ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وعَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : أيْنَ السائِلُ؟

فَقالَ: هَأنَذا ذا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ.» فَهَذا أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ النَحْبَ لَيْسَ مِن شُرُوطِهِ المَوْتُ.

وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: «إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: " طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"، ورَوَتْ هَذا المَعْنى عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ  .» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ ، يَقُولُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَلاحِ، وهو بِسَبِيلٍ ذَلِكَ، وما بَدَّلُوا وما غَيَّرُوا، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ: "وَمِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا"، رَواهُ عنهُ أبُو نُصَرَةٍ.

ورَوى عنهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".

واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ ﴾ لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، وتَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَةُ إدامَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى النِفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإدامَةِ، وثَمَرَةُ التَوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ، فَهُما دَرَجَتانِ: إدامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أو تَوْبَةٌ مِنهُ، وعنهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ أو رَحْمَةٌ، فَذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ الإيجازِ - واحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، وواحِدَةٌ مِن هَذَيْنَ، ودَلَّ ما ذُكِرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ.

ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: "لِيُعَذِّبَ": لِيُدِيمَ عَلى النِفاقِ قَوْلُهُ: "إنْ شاءَ" ومُعادَلَتُهُ بِالتَوْبَةِ وبِحَرْفِ "أو"، ولا يُجَوِّزُ أحَدٌ أنَّ "إنْ شاءَ" يَصِحُّ في تَعْذِيبِ مُنافِقٍ عَلى نِفاقِهِ، بَلْ قَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْذِيبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب الثناء على جميع المؤمنين الخلص على ثباتهم ويقينهم واستعدادهم للقاء العدوّ الكثير يومئذ وعزمهم على بذل أنفسهم ولم يقدر لهم لقاؤه كما يأتي في قوله ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ [الأحزاب: 25] بالثناء على فريق منهم كانوا وَفَّوْا بما عاهدوا الله عليه وفاءً بالعمل والنية، ليحصل بالثناء عليهم بذلك ثناء على إخوانهم الذين لم يتمكنوا من لقاء العدوّ يومئذ ليعلم أن صدق أولئك يؤذن بصدق هؤلاء لأن المؤمنين يدٌ واحدة.

والإخبار عنهم برجال زيادة في الثناء لأن الرجُل مشتق من الرِّجْل وهي قوة اعتماد الإنسان كما اشتق الأيد من اليَد، فإن كانت هذه الآية نزلت مع بقية آي السورة بعد غزوة الخندق فهي تذكير بما حصل من المؤمنين من قبل، وإن كانت نزلت يوم أُحُد فموضعها في هذه السورة إنما هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم فهو تنبيه على المعنى الذي ذكرناه على تقدير: أنها نزلت مع سورة الأحزاب.

وأيَّا مَّا كان وقتُ نزول الآية فإن المراد منها: رجال من المؤمنين ثبتوا في وجه العدو يوم أُحُد وهم: عثمان بن عفان، وأنس بن النضر، وطلحة بن عبيد الله، وحمزة، وسعيد بن زيد، ومصعب بن عمير.

فأما أنس بن النضر وحمزة ومصعب بن عمير فقد استُشهدوا يومَ أُحُد، وأما طلحة فقد قُطِعت يده يومئذ وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بقيتهم فقد قاتلوا ونجوا.

وسياق الآية وموقعها يقتضيان أنها نزلت بعد وقعة الخندق.

وذكر القرطبي رواية البيهقي عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أُحُد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف ودعا له ثمّ تلا ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه الآية.

﴾ ومعنى ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أنهم حققوا ما عاهدوا عليه فإن العهد وعد وهو إخبار بأنه يفعل شيئاً في المستقبل فإذا فعله فقد صدق.

وفعل الصدق يستعمل قاصراً وهو الأكثر، ويستعمل متعدياً إلى المخبَر بفتح الباء يقال: صدقه الخبر، أي قال له الصدق، ولذلك فإن تعديته هنا إلى ﴿ ما عاهدوا الله عليه ﴾ إنما هو على نزع الخافض، أي: صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، كقولهم في المثل: صدقني سنَّ بَكْرِه، أي: في سن بكره.

والنحب: النذر وما يلتزمه الإنسان من عهد ونحوه، أي: من المؤمنين مَن وفّى بما عاهد عليه من الجهاد كقول أنس بن النضرْ حين لم يشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبُر ذلك عليه وقال: أولُ مشهد شَهده رسول الله غبت عنه، أما والله لئن أراني الله مَشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرَيَّن الله ما أصنع فشهد أُحُداً وقاتل حتى قُتل.

ومثل الذين شهدوا أيام الخندق فإنهم قَضَوْا نحبهم يوم قريظة.

وقد حمل بعض المفسرين ﴿ قضَى نحبه ﴾ في هذه الآية على معنى الموت في الجهاد على طريقة الاستعارة بتشبيه الموت بالنذر في لزوم الوقوع، وربما ارتقى ببعض المفسرين ذلك إلى جعل النحب من أسماء الموت، ويمنع منه ما ورد في حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن عبيد الله: «إنه ممن قَضَى نَحْبَه» وهو لم يمت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قوله ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ فهو في معنى ﴿ صدقُوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ وإنما ذكر هنا للتعريض بالمنافقين الذين عاهدوا الله لا يولُّون الأدبار ثم ولوا يوم الخندق فرجعوا إلى بيوتهم في المدينة.

وانتصب ﴿ تبديلاً ﴾ على أنه مفعول مطلق موكِّد ل ﴿ بدّلوا ﴾ المنفي.

ولعل هذا التوكيد مسوق مساق التعريض بالمنافقين الذين بدّلوا عهد الإيمان لما ظنوا أن الغلبة تكون للمشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَلى ألّا يَفِرُّوا، فَصَدَقُوا في لِقائِهِمُ العَدُوَّ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا فَعاهَدُوا اللَّهَ ألّا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في حَرْبٍ يَشْهَدُها أوْ أمَرَ بِها، فَوَفَوْا بِما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

﴿ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَمِنهم مَن ماتَ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ قَضى نَحْبَ الحَياةِ وكُلُّ حَيٍّ إذا يُدْعى لِمَيْتَتِهِ أجابا الثّانِي: فَمِنهم مَن قَضى عَهْدَهُ قُتِلَ أوْ عاشَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ أنْ يَقْضِيَهُ بِقِتالٍ أوْ صِدْقِ لِقاءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: فَمِنهم مَن قَضى نَذَرَهُ ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي حَتّى تَحِنَّ إلى ابْنٍ أكْرَمَها ∗∗∗ حَسَبًا وكُنْ مُنْجِزَ النَّحْبِ فَيَكُونُ النَّحْبُ عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ الأجَلَ، وعَلى الثّانِي العَهْدَ، وعَلى الثّالِثِ النَّذْرَ.

﴿ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما غَيَّرُوا كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما بَدَّلُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ ولا نَكَثُوا بِالفِرارِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ صَدَقُوا لَمّا رَأوُا الأحْزابَ ﴿ هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ الآيَةَ.

الثّانِي: الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ فَثابُوا ولَمْ يُغَيِّرُوا.

﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُعَذِّبُهم إنْ شاءَ ويُخْرِجُهم مِنَ النِّفاقِ إنْ شاءَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ أوْ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ فَيُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ إنْ شاءَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ يُخْرِجُهم مِنَ النِّفاقِ بِالتَّوْبَةِ حَتّى يَمُوتُوا وهم تائِبُونَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: غَفُورًا بِالتَّوْبَةِ رَحِيمًا بِالهِدايَةِ إلَيْها.

الثّانِي: غَفُورًا لِما قَبْلَ التَّوْبَةِ رَحِيمًا لِما بَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي داود في المصاحف والبغوي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ فألحقتها في سورتها في المصحف.

وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ .

وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي والبغوي في معجمه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟

قال: واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، ونزلت هذه الآية ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.

وأخرج الحاكم وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه أن عمه غاب عن قتال بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله تعالى قتالاً للمشركين ليرين الله كيف أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المشركون، فقال: اللهم إني ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني المشركون- واعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني أصحابه- ثم تقدم فلقيه سعد رضي الله عنه فقال: يا أخي ما فعلت فأنا معك، فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد فيه بضعاً وثمانين من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت ﴿ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه....

﴾ ثم قال أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فائتوهم وزوروهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، مر على مصعب بن عمير رضي الله عنه مقتولاً على طريقه، فقرأ ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...

﴾ » .

وأخرج ابن مردويه من طريق خباب رضي الله عنه، مثله.

وأخرج ابن أبي عاصم والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة رضي الله عنه «أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟

وكانوا لا يجترؤون على مسألته، يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم إني انطلقت من باب المسجد فقال: أين السائل عمن قضى نحبه؟

قال الأعرابي: أنا.

قال: هذا ممن قضى نحبه» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: «لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...

﴾ كلها.

فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟

فأقبلت فقال: أيها السائل هذا منهم» .

وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طلحة ممن قضى نحبه» .

وأخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل طلحة رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا طلحة أنت ممن قضى نحبه» .

وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة» .

وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، مثله.

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت «دخل طلحة بن عبيد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا طلحة.

أنت ممن قضى نحبه» .

وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم قالوا: حدثنا عن طلحة قال: ذاك امرؤ نزل فيه آية من كتاب الله ﴿ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ﴾ طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ﴾ وآخرون ﴿ ما بدلوا تبديلاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ قال: الموت على ما عاهدوا الله عليه ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ على ذلك.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ قضى نحبه ﴾ قال: أجله الذي قدر له.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ** أنحب فيقضى أم ضلال وباطل وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ قال: عهده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ يوماً فيه جهاد، فيقضي نحبه يعني عهده بقتال أو صدق في لقاء.

وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «حبسنا يوم الخندق عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، حتى كان بعد العشاء بهك كفينا ذلك.

فأنزل الله: ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام، ثم صلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك.

وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف ﴿ فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ [ البقرة: 239] » .

وأخرج الحاكم وصححه عن عيسى بن طلحة قال: «دخلت على أم المؤمنين وعائشة بنت طلحة وهي تقول لأمها أسماء: أنا خير منك، وأبي خير من أبيك، فجعلت أسماء تشتمها وتقول: أنت خير مني فقالت عائشة رضي الله عنها: ألا أقضين بينكما؟

قالت: بلى.

قالت: فإن أبا بكر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أنت عتيق من النار قالت: فمن يومئذ سمى عتيقاً، ثم دخل طلحة رضي الله عنه فقال: أنت يا طلحة ممن قضى نحبه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن اللهف عن أبيه رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ قال: نذره وقال الشاعر: قضت من يثرب نحبها فاستمرت...

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ قال: مات على ما هو عليه من التصديق والإِيمان ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ ذلك ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ولم يغيروا كما غير المنافقون.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ﴾ على الصدق والوفاء ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ من نفسه الصدق والوفاء ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ يقول: ما شكوا ولا ترددوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ﴾ قال: يخرجهم من النفاق بالتوبة حتى يموتوا وهم تائبون من النفاق، فيغفر لهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ قال مقاتل: المعنى ليلة العقبة (١) (٢) ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴾ النَّحْب في اللغة هو: النذر (٣) (٤) بطفخة جالدنا الملوك وخيلنا ...

عشية بسطام جرين على نحب أي: على خطر عظيم، ويقال: سافر فلان على نحب أي: سار واجتهد في السير، ومنه يقال (٥) يحدن لها عرض الفلاة وطولها ...

كما سار عن يمنى يديه المنحب (٦) أي يقول: إن لم أبلغ مكان كذا ذلك يميني، وقال لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ...

أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (٧) يقول: عليه نذر في طول سيره، هذا كلام الأزهري في تفسير النحب (٨) وقال الفراء: قضى نحبه أي أجله (٩) (١٠) وقال أبو عبيدة: قضى نحبه أي مات، والنحب النفس، وأنشد قول ذي الرمة: عشية فر الحارثيون بعد ما ...

قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر (١١) (١٢) قال المفسرون: هذا في حمزة وأصحابه الذين قتلوا بأحد (١٣) (١٤) روى حميد عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، وشق عليه لما قدم، وقال [غبت] (١٥)  -، والله لئن أشهدني قتالا ليرين ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء ومشى بسيفه فقاتل حتى قتل.

قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، فما عرفناه حتى عرفته أخته بثناياه، ونزلت هذه الآية: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ﴾ .

قال: وكنا نقول: أنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (١٦) وقال مقاتل: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴾ يعني: أجله مات أو قتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه (١٧) وقال الليث: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴾ قتلوا في سبيل الله فأدركوا ما تمنوا فذلك قضاء النحب (١٨) وقال محمد بن إسحاق: فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني: من استشهد يوم أحد (١٩) وقال الحسن: قضى أجله على الوفاء والصدق (٢٠) وقال مجاهد: قضى عهده بقتل أو بصدق في لقائه (٢١) وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ﴾ قال: الموت (٢٢) وقال المبرد: النحب في كلامهم الخطر الذي يخطر به، فيقال على ذلك للذي عزم عزمًا فمضى عليه حتى مات قضى نحبه أي: أخطر به (٢٣) وقال ابن قتيبة: قضى نحبه أي قتل، وأصل النحب النذر، كان قومًا نذروا أن يلقوا (٢٤) (٢٥) ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ﴾ أجله على الوفاء.

قال مجاهد: ينتظر يومًا في جهاد فيقضى عهده فيقتل (٢٦) (٢٧) ﴿ وَمَا بَدَّلُوا ﴾ العهد ﴿ تَبْدِيلًا ﴾ كما بدل المنافقون، والمعنى: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 990 ب.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.

(٣) في النسخ: (البدر)، وهو خطأ، إذ الصحيح النذر، فليس من معاني نَحْب بدر كما ذكر أهل اللغة.

(٤) في النسخ: (حرب) وهو خطأ، والصواب جرير، كما في "ديوانه" ص 632، "تهذيب اللغة" 5/ 115، "اللسان" 1/ 750 (نحب)، "مجاز القرآن" 2/ 135.

(٥) في (ب): (قول).

(٦) البيت من الطويل، وهو للكميت بن زيد في "ديوانه" 1/ 96، "تهذيب اللغة" 5/ 116، "اللسان" 1/ 751، "تاج العروس" 4/ 245.

ومعنى البيت كما فسره ثعلب كما في "تاج العروس" 4/ 245: هذا الرجل حلف إن لم أغلب قطعت يدي، كأنه ذهب به إلى معنى النذر- يعني النحب.

(٧) البيت من الطويل، وهو للبيد بن ربيعة في "ديوانه" ص 254، "خزانة الأدب" 2/ 252 - 253، 6/ 145، "الكتاب" 2/ 417، "اللسان" 1/ 751 (نحب).

(٨) "تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب) مع اختلاف يسير في العبارة.

(٩) "معاني القرآن" 2/ 240.

(١٠) "معانىِ القرآن وإعرابه" 4/ 222.

(١١) "مجاز القرآن" 2/ 135.

(١٢) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 2/ 647، "خزانة الأدب" 4/ 371، "لسان العرب" 5/ 248 (هبر)، وأراد بهوبر ابن هوبر، وهو رجل.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب، البغوي 3/ 519، "مجمع البيان" 8/ 549.

(١٤) هو: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن النجار الخزرجي الأنصاري، عم أنس بن مالك خادم رسول الله -  -، غاب عن قتال بدر فأقسم إن شهد قتالًا لا يفر منه فحضر أحدًا، فلما انهزم المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، فقاتل حتى قتل شهيدًا -  -.

انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 1/ 43، "الإصابة" 1/ 86، "أسد الغابة" 1/ 131.

(١٥) طمس في كل النسخ، والتصحيح من "تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب.

(١٦) "تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب، "تفسير الطبري" 21/ 147.

وأخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ﴾ 4/ 1795 رقم 4505، والترمذي في التفسير، سورة الأحزاب 5/ 28، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(١٧) "تفسير مقاتل" 90 ب.

(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب)، وذكره صاحب "تاج العروس" 4/ 243 غير منسوب لأحد.

(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 145، "تهذيب اللغة" 5/ 116 (نحب)، و"اللسان" 1/ 750 (نحب).

(٢٠) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 114، "مجمع البيان" 8/ 549.

(٢١) انظر: "الطبري" 21/ 146، "البحر المحيط" 7/ 217، "تفسير مجاهد" ص 517.

(٢٢) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 389، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 338.

(٢٣) لم أفف عليه.

وانظر: "الدر المصون" 5/ 411.

(٢٤) هكذا في النسخ، وفي "تفسير غريب القرآن": إن لقوا، وهو المناسب للسياق.

(٢٥) "تفسير غريب للقرآن" ص 349.

(٢٦) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 390، "تفسير الطبري" 21/ 145.

(٢٧) انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ ﴾ يعني: قتل شهيداً قال أنس بن مالك: يعني عمي أنس بن النضر، وقيل: يعني حمزة بن عبد المطلب، وقضاء النحب عبارة عن الموت عند ابن عباس وغيره، وقيل: قضى نحبه: وفي العهد الذي عاهد الله عليه، ويدل على هذا ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طلحة ممن قضى نحبه» وهو لم يقتل حينئذ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ المفعول محذوفكم أي ينتظر أن يقضي نحبه، أو ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس، أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.

الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.

الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.

﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.

الباقون: بكسرها.

﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.

الباقون: بكسرها.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.

وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.

ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه  قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.

وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.

والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.

ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".

ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.

ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.

وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا  ﴾ إلى آخره.

كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله  حتى يستشهدوا، فمدحهم الله  بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.

ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.

﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.

وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.

وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.

﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.

"روي أن جبرائيل  أتى رسول الله  صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟

فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله  يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.

فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله  : تنزلون على حكمي.

فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله  وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .

وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.

﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.

وعن مقاتل: هي خيبر.

وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.

وعن الحسن: فارس والروم.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.

ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله  "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.

لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي  أم لا؟

فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.

ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟

والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي  لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي  الطلاق أم لا؟

الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.

ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.

ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟

الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.

وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.

وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.

والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان  ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول  وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول  سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.

والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.

ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله  ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد  ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.

فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.

وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.

واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.

وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله  ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي  مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.

وحين خيرهن النبي  واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.

وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.

وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.

وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.

وقيل: هي عصيانهن رسول الله  ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.

وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟

وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.

والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.

ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.

قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.

والواحد وما وراءه.

والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.

وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.

وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.

ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون  ﴾ واصله "إقررن".

من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.

وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.

والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة  ﴾ وذلك في سورة النور.

والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم  ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.

والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد  .

وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.

وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.

وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي  لأنه أصل، وفاطمة  ما والحسن والحسين  ما بالاتفاق.

والصحيح أن علياً  منهم لمعاشرته بنت النبي  وملازمته إياه.

وورود الآية في شأن أزواج النبي  يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.

فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.

ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.

يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.

ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك  ﴾ أي بسببه.

ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.

ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.

ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.

وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله  وهي النية.

قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.

والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.

وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله  زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.

فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.

وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي  فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله  فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه  لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي  لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.

ثم إن رسول الله  أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه  لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.

وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله  فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟

قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.

فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.

فلما اعتدت قال رسول الله  : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.

قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله  ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.

ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.

فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله  ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.

قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.

وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.

نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.

الذي أخفى النبي  في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.

وعن عائشة لو كتم رسول الله  شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.

والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.

قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.

ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.

قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي  يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.

ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.

عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.

وقيل: التطليق.

فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.

ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي  عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.

ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.

وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.

ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.

والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.

ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾  إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد  ومجيء عيسى  في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.

التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله  فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.

فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله  ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.

وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.

﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.

﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.

﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.

﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي  مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي  ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي  بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.

والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.

فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.

﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.

وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.

الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.

إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.

﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.

وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.

﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾  فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول  كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ .

قال بعضهم: ذلك حيث كان يباشر القتال بنفسه، فباشروا معه القتال [فمن باشر معه القتال] أساه بأسوة حسنة، ومن لم يفعل فلم يواسه.

وابن عباس يقول: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ، أي: سنة صالحة أو نحوه.

مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: لكم في التأسي برسول الله الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه: أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول الله قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟!

والثاني: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ ﴾ ، أي: صار لكم ﴿ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ إذا بعث رسولا ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ : فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ فالواجب عليكم أن تتأسوا به.

والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول الله وسن.

أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس: "فلان أسوة غرمائه"، أي: يكون المال بينهم على الاستواء، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ .

قال بعضهم: يكون في رسول الله أسوة لمن خاف الله وآمن باليوم الآخر وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر.

أو أن يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو الله واليوم الآخر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ .

ذكر الله يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ .

حيث أخبرهم أنكم ستلقون كذا في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ  ﴾ : قالوا لما عاينوا ما وعد لهم وأخبرهم: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ فيما أخبرنا من الوحي قبل أن يكون وقبل أن نلقاه.

﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ .

أي: ما زادهم إلا إيماناً ما رأوا وعاينوا، فيما وعد وأخبر، إلا إيماناً وتصديقاً لرسول الله  في وعده وخبره.

وقال قائلون: إن رسول الله  قد وعد لهم وأخبر: أن يوم الخندق تكون من الأحزاب كذا والجنود كذا، وإنكم ستلقون يومئذ كذا، فلما رأوا ذلك وعاينوه قالوا عند ذلك: ﴿ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً ﴾ وتصديقاً لرسول الله؛ لأن ذلك آية وحجة لرسالته؛ فهو يزيدهم تصديقاً له.

وقوله: ﴿ وَتَسْلِيماً ﴾ ، أي: تسليماً لأمر الله وتفويضاً له.

وقيل: وما زادهم بما أصابهم يوم الخندق إلا إيماناً وتصديقاً إلى تصديقهم الأول، ويقيناً إلى يقينهم الأوّل، وتسليماً لأمر الله؛ لأن ذلك الأمر كان قضي عليهم أن يصيبهم، فسلموا لله أمره؛ فصبروا عليه، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ .

قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ - الذين هم عندكم مؤمنون - ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ ، ورجال لم يصدقوا وهم المنافقون؛ لأن ظاهر هذا الكلام يدل على أن من المؤمنين الذين هم في الظاهر عندهم مؤمنون لم يصدقوا، فأما من كان في الحقيقة مؤمناً فقد صدق عهده.

والثاني: ذكر ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ خصّ بعض المؤمنين بصدق ما عاهدوا وهم الذين خرجوا لذلك: لم يكن بهم عذر فوفوا ذلك العهد؛ وتخلف بعض من المؤمنين؛ للعذر؛ فلم يتهيأ لهم وفاء ذلك العهد لهم وصدقه؛ وكذلك يخرج قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: وفي بعهده.

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ .

بالوفاء أن يرتفع عنه العذر؛ فبقي ذلك، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ : وفاءه.

وقال بعضهم: ﴿ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: هلك عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِر ﴾ ذلك، أي على شرف الهلاك.

وقوله: ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .

هذا يقوي التأويل الذي ذكرنا: أخبر في قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : أن الذين خلفهم العذر فلم يوفوا عهده، والذين لا عذر بهم، فخرجوا فوفوا كلهم لم يبدلوا عهد الله تبديلا؛ لأنه إنما خلفهم العذر؛ فلم يكن في ذلك تبديل.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ على ما وفوا، ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ : هذا يدل أن من المنافقين من قد يتوب؛ حيث قال: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ويعذب الذي مات على نفاقه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، أي: لم يزل غفوراً رحيماً، حيث رحمهم، ولم يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم، ولكن أمهلهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ ﴾ ، أي: ردّ كفار مكة يوم الخندق، ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: غنيمة، أي: ردهم بغيظهم، لم يصيبوا شيئاً من الغنيمة؛ فإن كان المراد من الخير: الغنيمة، فجائز أن يستدل على تملك أهل الحرب أموال المسلمين إذا أحرزوها، حيث قال: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: مالا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ ، أي: سرورا بما كانوا يأملون ويطمعون هلاك المؤمنين على أيديهم، لما أحاطوا بهم وضيقوا عليهم الأمر؛ حتى احتاجوا إلى الخندق؛ فكانوا في أيديهم.

يقول: إنهم لم ينالوا ذلك السرور الذي كانوا يأملونه ويرجونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ﴾ .

حيث بعث عليهم الريح وسلط عليهم الملائكة؛ حتى هزموهم حتى كفوا القتال والحرب معهم.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ﴾ .

أي: كان الله لم يزل قويّاً عزيزاً؛ لأنه قوي بذاته عزيز بذاته لا يلحقه ذل، وإن لحق أولياءه الذل والضعف، ليس كملوك الأرض إذا ذهب أصحابهم أو دخل فيهم ذل وضعف؛ ذلّ ملكهم؛ لأنه عزيز بجنده وحشمه، فأمّا الله -  - [فهو] قوي بذاته، عزيز بذاته، لا يلحقه ذل ولا ضعف بذهاب أوليائه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ : كان رجال فاتهم يوم بدر؛ فقالوا: لئن حضرنا قتالا، لنفعلن ولنفعلن، فلما كان يوم الأحزاب قاتلوا؛ فذلك قوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: مات على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ﴾ : يوما آخر يكون فيه قتال؛ فيقاتل على ما عاهد الله عليه، ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً ﴾ .

وفي حرف أبي: ﴿ ومنهم من بدل ﴾ ؛ فيرجع ذلك إلى المنافقين الذين ذكرنا بدءاً.

وقال القتبي قوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ ، أي: خالية، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ؛ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت؛ فإذا ذهبوا، أعْوَرَتِ البيوت؛ تقول العرب: أعور المنزل، أي: ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب بالسيف.

يقول الله -  - ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ؛ لأن الله حافظها، ولكن يريدون الفرار.

وقوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من جوانبها، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: الكفر، ﴿ لآتَوْهَا ﴾ ، أي: أعطوها من أرادها، ﴿ وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً ﴾ ، أي: بالمدينة.

ومن قرأها: ﴿ لآتَوْهَا ﴾ - بغير مدّ - أراد: لصاروا إليها.

وقال أبو عوسجة: قولهم: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ : من ناحية العدو، والعورة: الموضع الذي يخاف منه.

وقوله: ﴿ أَقْطَارِهَا ﴾ ، أي: من نواحيها، الواحد: قطر، ﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ ﴾ ، أي: عرضت عليهم، وهو الكفر.

وقال القتبي: ﴿ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، يقول: آذوكم بالكلام، يقال: خطيب مِسْلَق وسلاق.

وفيه لغة أخرى: ﴿ صلقوكم ﴾ بالصاد: وهو الضرب.

أبو عوسجة يقول قريباً منه: ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ ، أي: كلموكم وضربوكم ﴿ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ ، أي: طوال، والسلق: الضرب، والخاطب: السلاق والمسلاق من هذا، وهو طول اللسان والجرأة على الكلام.

وقوله: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ بنصب الميم لا يكون إلا من القيام، و ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ برفع الميم يكون من الإقامة، وهو قول أبي عوسجة.

وأبو عبيدة يقول: ﴿ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ليس لكم مقام تقومون فيه، و ﴿ لاَ مُقَامَ ﴾ ، أي: لا إقامة لكم.

وقال أبو عوسجة: المقامة: المجلس، ومقامات - جمع المقام -: موضع القدمين، والمقام: الموضع الذي يقيم فيه الرجل.

وقال: ﴿ ٱلْمُعَوِّقِينَ ﴾ ، قال: المتعوق: المحتبس، والمعوق: الذي يعوق غيره، أي: يحبس.

وقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: حراصاً على ما نالكم من الشر، الواحد: شحيح، يقال: شح يشح شحّاً؛ فهو شحيح، أي: حرص يحرص حرصا؛ فهو حريص.

وقال غيره: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: بخلاء، لا ينفقون عليكم أو في سبيل الله.

وقال بعضهم: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ ؛ من شدة الفرق؛ فهم هؤلاء المعوقون: اليهود أو المنافقون، ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ ﴾ : والأحزاب: هم الفرق أعداء رسول الله وأصحابه، ﴿ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة، ﴿ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ : يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة؛ جزعاً ورهبة، يقول الله للمؤمنين: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ ﴾ أي: معكم عند القتال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ﴿ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ رميا بالحجارة؛ من ضعفهم وفرقهم، أو ما ذكرنا؛ دفعاً عن أنفسهم، وأمّا غيره فلا.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ .

ذكر في القصة: "أن اليهود: يهود بني قريظة ظاهروا أبا سفيان وأصحابه على رسول الله وعلى المؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فلما انهزم المشركون تحصن بنو قريظة في حصونهم، ورجع النبي إلى المدينة، فجاءه جبريل، فقال له: يا محمد، والله ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أنتم أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة؛ فقال له النبي: فكيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟

قال: اخرج إليهم؛ فوالله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم؛ فنادى رسول [الله] في الناس، وأمر بالخروج إلى بني قريظة؛ فخرجوا فحاصروهم كذا كذا ليلة؛ حتى صالحهم على حكم سعد بن معاذ؛ فنزلوا على حكمه؛ فحكم سعد؛ أن يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم ونساؤهم، فقيل: إن رسول الله قال يومئذ: يا سعد، لقد حكمت بحكم الله؛ فأخرجت المقاتلة فقتلوا، وسبوا ذراريهم، وقسم أرضهم بين المهاجرين؛ فقال قومه والأنصار: آثرت المهاجرين بالعقار دوننا، فقال: إنكم ذوو عقار وإن القوم لا عقار لهم" ، أو كلام نحو هذا، فذلك قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، يعني الذين ظاهروا أبا سفيان والمشركين جميعاً على رسول الله وأصحابه، ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ ، أي: من حصونهم.

﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ، وهم المقاتلة، ﴿ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ﴾ ، وهم النساء والذراري.

﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ ، أي: لم تملكوها، اختلف في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : قال بعضهم: هي أرض مكة.

وقال بعضهم: هي أرض الشام وقراها.

وقال بعضهم: هي أرض خيبر، أي: سيورثكم الله إياها: فأما أرض مكة فقد فتحها وتركها في أيدي أهلها، وكذلك بلاد الشام وقراها.

وعن الحسن: هي أرض الروم وفارس وما فتح الله عليكم.

وأما خيبر فقد فتحها وقسمها بين من ذكرنا وجعلها فيئاً؛ فهو أشبه من غيره؛ ففيه أن من يخلف في ملك غيره وصفا ملكه للآخر وانتقل إليه يسمى: وارثاً بموت أو بغيره؛ حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ...

﴾ الآية، وكذلك ما قال: ﴿ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى كذا، وقوله: ﴿ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ ﴾ \[المؤمنون: 11\]، أي: يبعثون فيها، ونحوه، وكقوله: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: يبقى [له] ملك السماوات والأرض، أي: لا ينازع فيه.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ  ﴾ أي: نبقى فيها، والخلائق يفنون.

ثم الفائدة في ذكر هذا وأمثاله لنا، إذ هم قد شاهدوها وعاينوها، يخرج على وجوه: أحدها: تعريف لآخر هذه الأمة أن أوائلهم ما قاسوا وما تحملوا من الشدائد والبلايا في أمر هذا الدين، حتى بلغ هذا المبلغ؛ فنجتهد نحن كما اجتهد أولئك في حفظ هذا الدين وفي أمره.

والثاني: أمرهم بالتأهب مع العدوّ حتى أمروا بالخندق والتحصن بأشياء، ثم جاءهم الغوث من الله بغير الذي أمروا؛ ليكونوا أبداً متأهبين مستعدين لذلك، ولا يرجون النصر والظفر من ذلك الوجه، وذلك بفضل الله ونصره، على ما أخبر عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً...

﴾ الآية [التوبة: 25].

والثالث: ألا يؤيسهم خروج أنفسهم من أيديهم، وإحاطة العدو بهم، وكونهم في أيديهم من روح الله ورحمته وغوثه إياهم؛ لأن الخوف قد بلغ بهم المبلغ الذي ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ .

وفيه دلالة إثبات الرسالة لرسول الله؛ لأنه وعد لهم النصر، فكان على ما وعد؛ ليعرفوا [صدقه] في كل ما يخبر ويعد.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أراد: من فتح، أو نصر، أو غيره، ﴿ قَدِيراً ﴾ .

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ قَضَىٰ نَحْبَهُ ﴾ ، أي: قتل، وقضى أجله، وأصل النحب: النذر؛ كأن قوماً نذروا: إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا.

وقوله: ﴿ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ : حصونهم، وأصل الصياصي: قرون البقر؛ لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل للحصون: صياصي؛ لأنها تمنع، والواحدة: صِيصِيَة، وصيصية الديك: عرفه، والصيصية: خف صغير يحوك به الحائك، ويجمع هذا كله: صياصي.

والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزباً حزباً، وتقول: هؤلاء حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة.

وقوله: ﴿ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ ، أي: أن يكونوا في البادية مع الأعراب، رجل باد: قد نزل البادية، ﴿ يَوَدُّواْ  ﴾ أن يكونوا في البادية مع الأعراب.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ﴾ : هو ما يظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من المؤمنين رجال صدقوا الله، فوفوا بما عاهدوه عليه من الثبات والصبر على الجهاد في سبيل الله، فمنهم من مات أو قتل في سبيل الله، ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيله، وما غير هؤلاء المؤمنون ما عاهدوا الله عليه مثل ما فعله المنافقون بعهودهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.MpVLw"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله