الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٣٣ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 240 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٣ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وقرن في بيوتكن ) أي : الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، وليخرجن وهن تفلات " وفي رواية : " وبيوتهن خير لهن " وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا أبو رجاء الكلبي ، روح بن المسيب ثقة ، حدثنا ثابت البناني عن أنس ، رضي الله عنه ، قال : جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن : يا رسول الله ، ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى ، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قعد - أو كلمة نحوها - منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله " ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب ، وهو رجل من أهل البصرة مشهور وقال البزار أيضا : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن مورق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها " ورواه الترمذي ، عن بندار ، عن عمرو بن عاصم ، به نحوه وروى البزار بإسناده المتقدم ، وأبو داود أيضا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها " وهذا إسناد جيد وقوله تعالى : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) قال مجاهد : كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال ، فذلك تبرج الجاهلية وقال قتادة : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) يقول : إذا خرجتن من بيوتكن - وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج - فنهى الله عن ذلك وقال مقاتل بن حيان : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) والتبرج : أنها تلقي الخمار على رأسها ، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ، ويبدو ذلك كله منها ، وذلك التبرج ، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج وقال ابن جرير : حدثني ابن زهير ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا داود - يعني ابن أبي الفرات - حدثنا علي بن أحمر ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : تلا هذه الآية : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) قال : كانت فيما بين نوح وإدريس ، وكانت ألف سنة ، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل ، والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة ، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام ، فآجر نفسه منه ، فكان يخدمه واتخذ إبليس شيئا مثل الذي يزمر فيه الرعاء ، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله ، فبلغ ذلك من حوله ، فانتابوهم يسمعون إليه ، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة ، فيتبرج النساء للرجال قال : ويتزين الرجال لهن ، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك ، فرأى النساء وصباحتهن ، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك ، فتحولوا إليهن ، فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن ، فهو قوله تعالى : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) وقوله : ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) ، نهاهن أولا عن الشر ثم أمرهن بالخير ، من إقامة الصلاة - وهي : عبادة الله ، وحده لا شريك له - وإيتاء الزكاة ، وهي : الإحسان إلى المخلوقين ، ( وأطعن الله ورسوله ) ، وهذا من باب عطف العام على الخاص وقوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) : وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت هاهنا; لأنهن سبب نزول هذه الآية ، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا ، إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح وروى ابن جرير : عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ، نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وهكذا روى ابن أبي حاتم قال : حدثنا علي بن حرب الموصلي ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا حسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قال : نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقال عكرمة : من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح ، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ، ففي هذا نظر; فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك : الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، أخبرنا علي بن زيد ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : " الصلاة يا أهل البيت ، ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ورواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن عفان به وقال : حسن غريب حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، أخبرني أبو داود ، عن أبي الحمراء قال : رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ] إذا طلع الفجر ، جاء إلى باب علي وفاطمة فقال : " الصلاة الصلاة ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) أبو داود الأعمى هو : نفيع بن الحارث ، كذاب حديث آخر : وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن مصعب ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا شداد أبو عمار قال : دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم ، فذكروا عليا ، رضي الله عنه ، فلما قاموا قال لي : ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله الله عليه وسلم ؟
قلت : بلى قال : أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت : توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه علي وحسن وحسين ، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل ، فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه ، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال : كساءه - ثم تلا هذه الآية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ، اللهم هؤلاء أهل بيتي ، وأهل بيتي أحق " ، وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن عبد الكريم بن أبي عمير ، عن الوليد بن مسلم ، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه - زاد في آخره : قال واثلة : فقلت : وأنا يا رسول الله - صلى الله عليك - من أهلك ؟
قال : " وأنت من أهلي " قال واثلة : إنها من أرجى ما أرتجي ثم رواه أيضا عن عبد الأعلى بن واصل ، عن الفضل بن دكين ، عن عبد السلام بن حرب ، عن كلثوم المحاربي ، عن شداد أبي عمار قال : إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا فشتموه ، فلما قاموا قال : اجلس حتى أخبرك عن الذي شتموه ، إني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين فألقى صلى الله عليه وسلم عليهم كساء له ، ثم قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " قلت : يا رسول الله ، وأنا ؟
قال : " وأنت " قال : فوالله إنها لأوثق عملي عندي حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح ، حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها ، فأتته فاطمة ، رضي الله عنها ، ببرمة فيها خزيرة ، فدخلت بها عليه فقال لها : " ادعي زوجك وابنيك " قالت : فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه ، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة ، وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري ، قالت : وأنا في الحجرة أصلي ، فأنزل الله ، عز وجل ، هذه الآية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قالت : فأخذ فضل الكساء فغطاهم به ، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ، ثم قال : " اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ، قالت : فأدخلت رأسي البيت ، فقلت : وأنا معكم يا رسول الله ؟
فقال : " إنك إلى خير ، إنك إلى خير " في إسناده من لم يسم ، وهو شيخ عطاء ، وبقية رجاله ثقات طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا عوف ، عن أبي المعدل ، عن عطية الطفاوي ، عن أبيه; أن أم سلمة حدثته قالت : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوما إذ قال الخادم : إن فاطمة وعليا بالسدة قالت : فقال لي : " قومي فتنحي عن أهل بيتي " قالت : فقمت فتنحيت في البيت قريبا ، فدخل علي وفاطمة ، ومعهما الحسن والحسين ، وهما صبيان صغيران ، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما ، واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى ، وقبل فاطمة وقبل عليا ، وأغدق عليهم خميصة سوداء وقال : " اللهم ، إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي " قالت : فقلت : وأنا يا رسول الله ؟
صلى الله عليك قال : " وأنت " طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا [ الحسن بن عطية ، حدثنا ] فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن أم سلمة ; أن هذه الآية نزلت في بيتها : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قالت : وأنا جالسة على باب البيت فقلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت ؟
فقال : " إنك إلى خير ، أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم " قالت : وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، رضي الله عنهم طريق أخرى : رواه ابن جرير أيضا ، عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة بنحوه طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثني موسى بن يعقوب ، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال : أخبرتني أم سلمة ، رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فاطمة والحسن والحسين ، ثم أدخلهم تحت ثوبه ، ثم جأر إلى الله ، عز وجل ، ثم قال : " هؤلاء أهل بيتي " قالت أم سلمة : فقلت : يا رسول الله ، أدخلني معهم فقال : " أنت من أهلي " طريق أخرى : رواه ابن جرير أيضا ، عن أحمد بن محمد الطوسي ، عن عبد الرحمن بن صالح ، عن محمد بن سليمان الأصبهاني ، عن يحيى بن عبيد المكي ، عن عطاء ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أمه بنحو ذلك طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا مصعب بن المقدام ، حدثنا سعيد بن زربي ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن أم سلمة قالت : جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحملها على طبق ، فوضعتها بين يديه فقال : " أين ابن عمك وابناك ؟
" فقالت : في البيت فقال : " ادعيهم " فجاءت إلى علي فقالت : أجب رسول الله أنت وابناك قالت أم سلمة : فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة ، فمده وبسطه ، وأجلسهم عليه ، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله ، فضمه فوق رؤوسهم ، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه ، عز وجل ، فقال : " اللهم ، هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس ، عن الأعمش ، عن حكيم بن سعد قال : ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة ، فقالت : في بيتي نزلت : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قالت أم سلمة : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي فقال : " لا تأذني لأحد " فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده ، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه ، ثم جاء علي فلم أستطع أن أحجبه ، فاجتمعوا فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ، ثم قال : " هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط قالت : فقلت : يا رسول الله ، وأنا ؟
قالت : فوالله ما أنعم ، وقال : " إنك إلى خير " حديث آخر : قال ابن جرير ، حدثنا ابن وكيع ، حدثنا محمد بن بشر عن زكريا ، عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة قالت : قالت عائشة ، رضي الله عنها : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة ، وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله معه ، ثم جاء الحسين فأدخله معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ، ثم جاء علي فأدخله معه ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر ، به طريق أخرى : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث ، حدثنا محمد بن يزيد ، عن العوام - يعني : ابن حوشب - عن عم له قال : دخلت مع أبي على عائشة ، فسألتها عن علي ، رضي الله عنه ، فقالت ، رضي الله عنها : تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه ؟
لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فألقى عليهم ثوبا فقال : " اللهم ، هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " قالت : فدنوت منه فقلت : يا رسول الله ، وأنا من أهل بيتك ؟
فقال : " تنحي ، فإنك على خير " حديث آخر : قال ابن جرير حدثنا المثنى ، حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي ، حدثنا مندل ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نزلت هذه الآية في خمسة : في ، وفي علي ، وحسن ، وحسين ، وفاطمة : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن أم سلمة ، كما تقدم وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي ، عن عطية ، عن أبي سعيد موقوفا ، فالله أعلم حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا بكير بن مسمار قال : سمعت عامر بن سعد قال : قال سعد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي ، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ، ثم قال : " رب ، هؤلاء أهلي وأهل بيتي " حديث آخر : وقال مسلم في صحيحه : حدثني زهير بن حرب ، وشجاع بن مخلد جميعا ، عن ابن علية - قال زهير : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثني أبو حيان ، حدثني يزيد بن حيان قال : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا [ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه ، وغزوت معه ، وصليت خلفه ، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا ] ; حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا ابن أخي ، والله لقد كبرت سني ، وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما حدثتكم فاقبلوا ، وما لا فلا تكلفونيه ثم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا بماء يدعى خما - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : " أما بعد ، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، وأولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : " وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " ثلاثا فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟
أليس نساؤه من أهل بيته ؟
قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال : ومن هم ؟
قال هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟
قال : نعم ثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان ، عن حسان بن إبراهيم ، عن سعيد بن مسروق ، عن يزيد بن حيان ، عن زيد بن أرقم ، فذكر الحديث بنحو ما تقدم ، وفيه : فقلنا له : من أهل بيته ؟
نساؤه ؟
قال : لا وايم الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده هكذا وقع في هذه الرواية ، والأولى أولى ، والأخذ بها أحرى وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه ، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة ، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط ، بل هم مع آله ، وهذا الاحتمال أرجح; جمعا بينها وبين الرواية التي قبلها ، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت ، فإن في بعض أسانيدها نظرا ، والله أعلم ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ، فإن سياق الكلام معهن; ولهذا قال تعالى بعد هذا كله :
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (وَقَرْنَ فِي بِيُوتِكُنَّ) فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين: (وَقَرْنَ) بفتح القاف، بمعنى: واقررن في بيوتكن، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولى من اقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلى القاف، كما قيل فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وهو يريد: فظللتم، فأسقطت اللام الأولى وهي مكسورة، ثم نقلت كسرتها إلى الظاء.
وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة (وَقِرْنَ) بكسر القاف، بمعنى: كن أهل وقار وسكينة (في بيوتكن) .
وهذه القراءة وهي الكسر في القاف أولى عندنا بالصواب لأن ذلك إن كان من الوقار على ما اخترنا، فلا شك أن القراءة بكسر القاف، لأنه يقال: وقر فلان في منـزله؛ فهو يقر وقورا، فتكسر القاف في تفعل، فإذا أمر منه قيل: قر كما يقال من وزن يزِن زِن، ومن وعد: يعِد عِد، وإن كان من القرار، فإن الوجه أن يقال: اقررن؛ لأن من قال من العرب: ظلت أفعل كذا، وأحست بكذا، فأسقط عين الفعل، وحول حركتها إلى فائه في فعل وفعلنا وفعلتم، لم يفعل ذلك في الأمر والنهي، فلا يقول: ظل قائما ولا تظل قائما، فليس الذي اعتل به من اعتل لصحة القراءة بفتح القاف في ذلك يقول العرب في ظللت وأحسست: ظلت وأحست، بعلة توجب صحته لما وصفت من العلة، وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعا منه: ينحطن من الجبل، وهو يريد: ينحططن، فإن يكن ذلك صحيحا، فهو أقرب إلى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الحجة الأخرى.
وقوله: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلَيَّةِ الأولَى) قيل: إن التبرج في هذا الموضع: التبختر والتكسر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) : أي إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، يعني بذلك: الجاهلية الأولى، فنهاهن الله عن ذلك.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: سمعت ابن أَبي نجيح، يقول في قوله (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) قال: التبختر.
وقيل إن التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال.
وأما قوله (تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) فإن أهل التأويل اختلفوا في الجاهلية الأولى؛ فقال بعضهم: ذلك ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامر (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الأولَى) قال: الجاهلية الأولى: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وقال آخرون: ذلك ما بين آدم ونوح.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن أبيه، عن الحكم (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) قال: وكان بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه؛ فأنـزلت هذه الآية (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) .
وقال آخرون: بل ذلك بين نوح وإدريس.
* ذكر من قال ذلك: حدثني ابن زهير، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا داود، يعني ابن أَبي الفرات، قال: ثنا علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: تلا هذه الآية (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) قال: كان فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحا، وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فأجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئا مثل ذلك الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع مثله، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج الرجال للنساء، قال: ويتزين النساء للرجال، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء، فأتي أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن، فنـزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى التي قبل الإسلام.
فإن قال قائل: أوفي الإسلام جاهلية حتى يقال عنى بقوله (الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى): التي قبل الإسلام؟
قيل: فيه أخلاق من أخلاق الجاهلية.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) قال: يقول: التي كانت قبل الإسلام، قال: وفي الإسلام جاهلية؟
قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لأبي الدرداء، وقال لرجل وهو ينازعه: يا ابن فلانة: لأمٍّ كان يعيره بها في الجاهلية، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا أبَا الدَّرْدَاءِ إنَّ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، قال: أجاهلية كفر أو إسلام؟
قال: بل جاهلية كفر، قال: فتمنيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ.
قال: وقال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ثَلاثٌ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسَابِ، وَالاسْتِمْطَارُ بِالْكَوَاكِبِ، وَالنِّيَاحَةُ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور، عن عبد الله بن عباس؛ أن عمر بن الخطاب قال له: أرأيت قول الله لأزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) هل كانت إلا واحدة؟
فقال ابن عباس: وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟
فقال عمر: لله درك يا ابن عباس، كيف قلت؟
فقال: يا أمير المؤمنين، هل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟
قال: فأت بتصديق ما تقول من كتاب الله، قالَ: نعم (وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ كَمَا جَاهَدْتُمْ أولَ مَرَّةٍ (3) ) قال عمر: فمن أمر بالجهاد؟
قال: قبيلتان من قريش؛ مخزوم وبنو عبد شمس، فقال عمر: صدقت.
وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم ونوح.
وجائز أن يكون ما بين إدريس ونوح، فتكون الجاهلية الآخرة، ما بين عيسى ومحمد، وإذا كان ذلك مما يحتمله ظاهر التنـزيل، فالصواب أن يقال في ذلك كما قال الله: إنه نهى عن تبرج الجاهلية الأولى.
وقوله (وَأَقْمِنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ) يقول: وأقمن الصلاة المفروضة، وآتين الزكاة الواجبة عليكن في أموالكن (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فيما أمراكن ونهياكن (إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ) يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد، ويطهركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيرا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء، وخصهم برحمة منه؟
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) قال: الرجس هاهنا: الشيطان، وسوى ذلك من الرجس: الشرك.
اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله (أَهْلَ الْبَيْتِ) فقال بعضهم: عُني به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم .
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زبان العنـزي، قال: ثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " نـزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)" .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن، فأدخله معه ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر، كلما خرج إلى الصلاة فيقول: " الصَّلاةَ أَهْلَ الْبَيْتِ(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطِهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) ".
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم بن سويد النخعي، عن هلال، يعني ابن مقلاص، عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: كان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عندي، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: " اللَّهُمَّ هَؤلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: أخبرني أبو داود، عن أَبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قالَ: رأيت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة، فقال: " الصَّلاةَ الصَّلاةَ "(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)" .
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، بإسناده عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مثله.
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن أَبي عمار، قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليًّا رضي الله عنه، فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا؛ إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: " اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ".
قلت: يا رسول الله، وأنا؟
قال: " وَأَنْتَ".
قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي .
حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثني شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث، قال: سألت عن علي بن أبي طالب في منـزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاء، فدخل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ودخلت، فجلس رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره وحسنا وحسينا بين يديه، فلفع عليهم بثوبه وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلِي ، اللَّهُمَّ أَهْلِي أَحَقُّ".
قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟
قال: " وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي".
قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرتجي.
حدثني أَبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري، عن أم سلمة قالت: لما نـزلت هذه الآية: (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: " اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ".
قالت أم سلمة: ألست منهم؟
قال: " أَنْتِ إلَى خَيْرٍ".
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق، فوضعته بين يديه، فقال: " أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ وَابْنَاك؟" فقالت: في البيت، فقال: " ادْعِيهِمْ ".
فجاءت إلى علي فقالت: أجب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنت وابناك، قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة فمده وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله فضمه فوق رءوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: " هَؤُلاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ".
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة؛ زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن هذه الآية نـزلت في بيتها(إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟
قال: " إِنَّكِ إلَى خَيْرٍ، أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النِّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ".
قالت: وفي البيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم .
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرني أم سلمة أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جمع عليا والحسنين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله، ثم قال: " هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي".
فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم.
قال: " إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي".
حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، قال: نـزلت هذه الآية على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو في بيت أم سلمة (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فدعا حسنا وحسينا وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا عليا فأجلسه خلفه، فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: " هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ".
قالت أم سلمة: أنا معهم مكانك، وأنت على خير (4) .
حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المري، عن السدي، عن أَبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قال: ولأنتم هم؟
قال: نعم.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين نـزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه، ثم قالَ: " رَبِّ هَؤُلاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أم سلمة قالت: فيه نـزلت: (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
قالت أم سلمة: جاء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بيتي فقال: " لا تَأْذَنِي لأحَدٍ".
فجاءت فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، وجاء الحسين، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه، ثم قال: " هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا "؛ فنـزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟
قالت: فوالله ما أنعم وقال: " إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ".
وقال آخرون: بل عنى بذلك أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الأصبغ، عن علقمة، قال: كان عكرمة ينادي في السوق (إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قال: نـزلت في نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة.
-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (3) كذا في الأصل المخطوط رقم 100 تفسير المحفوظ بدار الكتب، الورقة 57 ب.
ولعلها قراءة لابن عباس .
(4) العبارة: "أنا معهم مكانك وأنت على خير": كلها من كلام أم سلمة، وهي نظير قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لها في الروايات التي قبل هذه: "إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ..." إلخ (انظر الجزء التاسع عشر من المخطوطة رقم: 100 تفسير بدار الكتب، الورقة 60).
قوله تعالى : وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .قوله تعالى : وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( وقرن ) قرأ الجمهور ( وقرن ) بكسر القاف .
وقرأ عاصم ونافع بفتحها .
فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من الوقار ، تقول : وقر يقر وقارا أي سكن ، والأمر قر ، وللنساء قرن ، مثل عدن وزن .
والوجه الثاني : وهو قول المبرد ، أن يكون من القرار ، تقول : قررت بالمكان ( بفتح الراء ) أقر ، والأصل أقررن ، بكسر الراء ، فحذفت الراء الأولى تخفيفا ، كما قالوا في ظللت : ظلت ، ومسست : مست ، ونقلوا حركتها إلى القاف ، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف .
قال أبو علي : بل على أن أبدلت الراء ياء كراهة التضعيف ، كما أبدلت في قيراط ودينار ، ويصير للياء حركة الحرف المبدل منه ، فالتقدير : إقيرن ، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحرك الياء بالكسر ، فتسقط الياء لاجتماع الساكنين ، وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فيصير ( قرن ) .
وأما قراءة أهل المدينة وعاصم ، فعلى لغة العرب : قررت في المكان إذا أقمت فيه ( بكسر الراء ) أقر ( بفتح القاف ) ، من باب حمد يحمد ، وهي لغة أهل الحجاز ذكرها أبو عبيد في ( الغريب المصنف ) عن الكسائي ، وهو من أجل مشايخه ، وذكرها الزجاج وغيره ، والأصل ( إقررن ) حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف ، وألقيت حركتها على القاف فتقول : قرن .
قال الفراء : هو كما تقول : أحست صاحبك ؟
أي هل أحسست ؟
وقال أبو عثمان المازني : قررت به عينا ( بالكسر لا غير ) ، من قرة العين .
ولا يجوز قررت في المكان ( بالكسر ) وإنما هو قررت ( بفتح الراء ) ، وما أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيستدل بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة .
وذهب أبو حاتم أيضا أن قرن لا مذهب له في كلام العرب .
قال النحاس : وأما قول أبي حاتم : لا مذهب له فقد خولف فيه ، وفيه مذهبان : أحدهما ما حكاه الكسائي ، والآخر ما [ ص: 163 ] سمعت علي بن سليمان يقول ، قال : وهو من قررت به عينا أقر ، والمعنى : واقررن به عينا في بيوتكن .
وهو وجه حسن ، إلا أن الحديث يدل على أنه من الأول .
كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها : إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك ، فقالت : يا أبا اليقظان ، ما زلت قوالا بالحق !
فقال : الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك .
وقرأ ابن أبي عبلة ( واقررن ) بألف وصل وراءين ، الأولى مكسورة .الثانية : معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت ، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى .
هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء ، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن ، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة ، على ما تقدم في غير موضع .
فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن ، وخاطبهن بذلك تشريفا لهن ، ونهاهن عن التبرج ، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال : ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى .
وقد تقدم معنى التبرج في ( النور ) .
وحقيقته إظهار ما ستره أحسن ، وهو مأخوذ من السعة ، يقال : في أسنانه برج إذا كانت متفرقة ، قاله المبرد .
واختلف الناس في الجاهلية الأولى فقيل : هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام ، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال .
وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح ، وهي ثمانمائة سنة ، وحكيت لهم سير ذميمة .
وقال ابن عباس : ما بين نوح وإدريس .
الكلبي : ما بين نوح وإبراهيم .
قيل : إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين ، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها .
وقالت فرقة : ما بين موسى وعيسى .
الشعبي : ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو العالية : هي زمان داود وسليمان ، كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين .وقال أبو العباس المبرد : والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء ، قال : وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره ، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها ، فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الأعلى ، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل ، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل .
وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين الرجال ، فذلك التبرج .
قال ابن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها ، فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها ، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة ، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم وكان أمر النساء دون حجاب ، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه ، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام ، فقالوا : جاهلي في الشعراء وقال ابن عباس في البخاري : سمعت أبي في الجاهلية يقول ؛ إلى غير هذا .قلت : وهذا قول حسن .
ويعترض بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب ، وأن [ ص: 164 ] التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة ، وهي المراد بالجاهلية الأولى ، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال ، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا .
وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت ، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام .
والله الموفق .الثالثة : ذكر الثعلبي وغيره : أن عائشة - رضي الله عنها - كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها .
وذكر أن سودة قيل لها : لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟
فقالت : قد حججت واعتمرت ، وأمرني الله أن أقر في بيتي .
قال الراوي : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها .
رضوان الله عليها قال ابن العربي : لقد دخلت نيفا على ألف قرية فما رأيت نساء أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس ، التي رمي بها الخليل صلى الله عليه وسلم بالنار ، فإني أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن ، فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى .
وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه .الرابعة : قال ابن عطية : بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل ، وحينئذ قال لها عمار : إن الله قد أمرك أن تقري في بيتك .
قال ابن العربي : تعلق الرافضة - لعنهم الله - بهذه الآية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا : إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش ، وتباشر الحروب ، وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها .
قالوا : ولقد حصر عثمان ، فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقربت لتخرج إلى مكة ، فقال لها مروان : أقيمي هنا يا أم المؤمنين ، وردي هؤلاء الرعاع ، فإن الإصلاح بين الناس خير من حجك .
قال ابن العربي : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن عائشة رضي الله عنها ، نذرت الحج قبل الفتنة ، فلم تر التخلف عن نذرها ، ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صوابا لها .
وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب ، ولكن تعلق الناس بها ، وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس ، ورجوا بركتها ، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق ، وظنت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ، وقوله : [ ص: 165 ] وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى ; حر أو عبد فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح ، ولكن جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان ، فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه ، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضي الله تعالى عنها ، فاحتملها إلى البصرة ، وخرجت في ثلاثين امرأة ، قرنهن علي بها حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة ، مصيبة مثابة فيما تأولت ، مأجورة فيما فعلت ؛ إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب .
وقد تقدم في ( النحل ) اسم هذا الجمل ، وبه يعرف ذلك اليوم .قوله تعالى : وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله أي فيما أمر ونهى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قال الزجاج : قيل يراد به نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته ، على ما يأتي بيانه بعد ، و ( أهل البيت ) نصب على المدح .
قال : وإن شئت على البدل .
قال : ويجوز الرفع والخفض .
قال النحاس : إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد ، قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب ، لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين .
( ويطهركم تطهيرا ) مصدر فيه معنى التوكيد .
{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } أي: اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ، { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه.
ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى، نص عليها [لحاجة] النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما، ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة، الإخلاص للمعبود، وفي الزكاة، الإحسان إلى العبيد.
ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال: { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يدخل في طاعة اللّه ورسوله، كل أمر، أُمِرَا به أمر إيجاب أو استحباب.
{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ } بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به، ونهيكن بما نهاكُنَّ عنه، { لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ } أي: الأذى، والشر، والخبث، يا { أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } حتى تكونوا طاهرين مطهرين.
أي: فاحمدوا ربكم، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد اللّه أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم.
( وقرن في بيوتكن ) قرأ أهل المدينة وعاصم : " وقرن " بفتح القاف ، وقرأ الآخرون بكسرها ، فمن فتح القاف فمعناه ، اقررن أي : الزمن بيوتكن من قولهم : قررت بالمكان أقر قرارا ، يقال : قررت أقر وقررت أقر ، وهما لغتان ، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل لثقل التضعيف ونقلت حركتها إلى القاف كقولهم : في ظللت ظلت ، قال الله تعالى : " فظلتم تفكهون " ( الواقعة - 65 ) ، " و ظلت عليه عاكفا " ( طه - 97 ) .
ومن كسر القاف فقد قيل : هو من قررت أقر ، معناه اقررن - بكسر الراء - فحذفت الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا وقيل : - وهو الأصح - أنه أمر من الوقار ، كقولهم من الوعد : عدن ، ومن الوصل : صلن ، أي : كن أهل وقار وسكون ، من قولهم وقر فلان يقر وقورا إذا سكن واطمأن .
( ولا تبرجن ) قال مجاهد وقتادة : التبرج هو التكسر والتغنج ، وقال ابن أبي نجيح : هو التبختر .
وقيل : هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال ( تبرج الجاهلية الأولى ) اختلفوا في الجاهلية الأولى .
قال الشعبي : هي ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو العالية : هي في زمن داود وسليمان عليهما السلام ، كانت المرأة تلبس قميصا من الدر غير مخيط من الجانبين فيرى خلقها فيه .
وقال الكلبي : كان ذلك في زمن نمرود الجبار ، كانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره وتعرض نفسها على الرجال .
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس ، وكانت ألف سنة ، وأن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل ، وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة ، وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة ، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل وأجر نفسه منه ، فكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله ، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه ، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة ، فتتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال لهن ، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك [ فتحولوا إليهم ] فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فيهم ، فذلك قوله تعالى : " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " .
وقال قتادة : هي ما قبل الإسلام .
وقيل : الجاهلية الأولى : ما ذكرنا ، والجاهلية الأخرى : قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان .
وقيل : قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى ، كقوله تعالى : " وأنه أهلك عادا الأولى " ( النجم - 50 ) ، ولم يكن لها أخرى .
قوله - عز وجل - : ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) أراد بالرجس : الإثم الذي نهى الله النساء عنه ، قاله مقاتل .
وقال ابن عباس : يعني : عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضى ، وقال قتادة : يعني : السوء .
وقال مجاهد : الرجس الشك .
وأراد بأهل البيت : نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهن في بيته ، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وتلا قوله : " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله " ، وهو قول عكرمة ومقاتل .
وذهب أبو سعيد الخدري ، وجماعة من التابعين ، منهم مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما : إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين .
حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الأنصاري ، أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدي ، أخبرنا أبو همام الوليد بن شجاع ، أخبرنا يحيى بن زكريا بن زائدة ، أخبرنا أبي عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة الحجبية ، عن عائشة أم المؤمنين قالت : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء حسن فأدخله فيه ، ثم جاء حسين فأدخله فيه ، ثم قال : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد الحميدي ، أخبرنا عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن بن مكرم ، أخبرنا عثمان بن عمر ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أم سلمة قالت : في بيتي أنزلت : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قالت : فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين ، فقال " هؤلاء أهل بيتي " ، قالت : فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل البيت ؟
قال : " بلى إن شاء الله " .
قال زيد بن أرقم : أهل بيته من حرم الصدقة عليه بعده ، آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس .
(وقرن) بكسر القاف وفتحها (في بيوتكن) من القرار وأصله: اقررن بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح الراء وكسرها نقلت حركة الراء إلى القاف وحذفت مع همزة الوصل (ولا تبرجن) بترك إحدى التاءين من أصله (تبرج الجاهلية الأولى) أي ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) الإثم يا (أهل البيت) أي نساء النبي صلى الله عليه وسلم (ويطهركم) منه (تطهيرا).
والْزَمْنَ بيوتكن، ولا تخرجن منها إلا لحاجة، ولا تُظهرن محاسنكن، كما كان يفعل نساء الجاهلية الأولى في الأزمنة السابقة على الإسلام، وهو خطاب للنساء المؤمنات في كل عصر.
وأدِّين - يا نساء النبي- الصلاة كاملة في أوقاتها، وأعطين الزكاة كما شرع الله، وأطعن الله ورسوله في أمرهما ونهيهما، إنما أوصاكن الله بهذا؛ ليزكيكنَّ، ويبعد عنكنَّ الأذى والسوء والشر يا أهل بيت النبي -ومنهم زوجاته وذريته عليه الصلاة والسلام-، ويطهِّر نفوسكم غاية الطهارة.
ثم أمرهن - سبحانه - بعد ذلك بالاستقرار فى بيوتهن ، وعدم الخروج منها إلا لحاجة شرعية فقال ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله ( وَقَرْنَ ) قرأه الجمهور - بكسر القاف - من القرار تقول : قَرَرْتُ بالمكان - بفتح الراء أقِر - بكسر القاف - إذا نزلت فيه - والأصل - اقررن - بكسر السراء - فحذفت الراء الأولى تخفيفا .
.
ونقلوا حركاتها إلى القاف ، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف .
.
فصارت الكلمة ( قِرن ) - بكسر القاف - .وقرأ عاصم ونافع ( وقَرْن ) - بفتح القاف - من قررت فى المكان - بكسرر الراء - إذا أقمت فيه .
.
والأصل اقْرَرْن الراء - فحذفت الراء الأولى لثقل التضعيف ، وألقيت حركتها على القاف .
.
فتقول : ( قَرن ) - بالفتح - للقاف - .والمعنى : الْزَمْنَ يا نساء النبى صلى الله عليه وسلم بيوتكن ، ولا تخرجن منها إلا لحاجة مشروعة ، ومثلهن فى ذلك جميع النساء المسلمات ، لأن الخطاب لهن فى مثل هذه الأمور ، هو خطاب لغيرهن من النساء المؤمنات من باب أولى ، وإنما خاطب - سبحانه - أمهات المؤمنين على سبيل التشريف ، واقتداء غيرهن بهن .قال بعض العلماء : والحكمة فى هذا الأمر : أن ينصرفن إلى رعاية شئون بيوتهن ، وتوفير وسائل الحياة المنزلية التى هى من خصائصهن ، ولا يحسنها الرجال ، وإلى تربية الأولاد فى عهد الطفوة وهى من شأنهن .
وقد جرت السنة الإِلهية بأن أمر الزوجين قسمة بينهما ، فللرجل أعمال من خصائصهم لا يحسنها النساء ، وللنساء أعمال خصائصهن لا يحسنها الرجال ، فإذا تعدى أحد الفريقين عمله ، اختل النظام فى البيت والمعيشة .وقال صاحب الظلال ما ملخصه : والبيت هو مثابة المرأة التى تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله - تعالى - ولكى يهيئ الإِسلام للبيت جوه السليم ، ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها ، أوجب على الرجل النفقة ، وجعلها فريضة ، كى يتاح للأم من الجهد ومن الوقت ومن هدوء البال ، ما شترف به على هذه الفراخ الزغب ، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها .فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته وبمواعيده .
.
لا يمكن أن تهيئ للبيت جوه وعطره ، ولا يمكن أن تهيئ للطفولة النابة فيه حقها ورعايتها .إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة ، أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها ، فتلك هى اللعنة التى تصيب الأرواح والضمائر والعقول ، فى عصور الانتكاس والشرور والضلال .وهذه الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاق وإنما المصود بها أن يكون البيت هو الأصل فى حياتهن ، ولا يخرجن إلا لحاجة مشروعة ، كأداء الصلاة فى المسجد ، وكأداء فريضة الحج وكزيارة الوالدين والآقارب ، وكقضاء مصالحهن التى لا تقضى إلا بهن ..
بشرط أن يكون خروجهن مصوحبا بالتستر والاحتشام وعدم التبذل .ولذا قال - سبحانه - بعد هذا الأمر ، ( وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ) .وقوله : ( تَبَرَّجْنَ ) مأخوذ من البَرَج - بفتح الباء والراء - وهو سعة العين وحسنها ، ومنه قولهم : سفينة برجاء ، أى : متسعة ولا غطاء عليها .والمراد به هنا : إظهار ما ينبغى ستره من جسد المرأة ، مع التكلف والتصنع فى ذلك .والجاهلية الأولى ، بمعنى المتقدمة ، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة : أول وأولى .أو المراد بها : الجاهلية الجهلاء التى كانت ترتكب فيها الفواحش بدون تحرج .وقد فسروها بتفسيرات متعددة ، منها : قول مجاهد : كانت المرأة تخرج فتمشى بين يديى الرجال ، فذلك تبرج الجاهلية .ومنها قول قتادة : كانت المرأة فى الجاهلية تمشى مشية فيها تكسر .ومنها قول مقاتل : والتبرج : أنها الخمار على رأسها ، ولا تشده فيوارى قلائدها وعنقها .ويبدو لنا أن التبرج المنهى عنه فى الآية الكريمة ، يشمل كل ذلك ، كما يشمل كل فعل تفعله المرأة ، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداب الإِسلام وتشريعاته .والمعنى : الزمن يا نساء النبى بيوتكن ، فلا تخرجن إلا لحاجة مشروعة ، وإذا خرجتن فاخرجن فى لباس الحشمة والوقار ، ولا تبدى إحداكن شيئا أمرها الله - تعالى - بسرته وإخفائه ، واحذرن التشبيه بنساء أهل الجاهلية الأولى ، حيث كن يفعلن ما يثير شهوة الرجال ، ويلفت أنظارهم اليهن .ثم أتبع - سبحانه - هذا المنهى بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن - عز وجل - فقال : ( وَأَقِمْنَ الصلاة ) أى : داومن على إقامتها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص .
( وَآتِينَ الزكاة ) التى فرضها الله - تعالى - عليكن .
وخص - سبحانه - هاتين الفريضيتين بالذكر من بين سائر الفرائض ، لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية .( وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ ) أى : فى كل ما تأتين وتتركن ، لا سيما فيما أمرتن به ، ونهيتين عنه .وقوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) تعليل لما أمرن به من طاعات ، ولما نهين عنه من سيئات .والرجس فى الأصل : يطلق على كل شئ مستقذر .
وأريد به هنا : الذنوب والآثام وما يشبه ذلك من النقائص والأدناس .وقوله ( أَهْلَ البيت ) منصوب على النداء ، أو على المدح .
ويدخل فى أهل البيت هنا دخولا أوليا : نساؤه صلى الله عليه وسلم بقرينة سياق الآيات .أى : إنما يريده الله - تعالى - بتلك الأوامر التى أمركن بها ، و بتلك النواهى التى نهاكن عنها ، أن يذهب عنكن الآثام والذنوب والنقائص ، وأن يطهركن من كل ذلك تطهيرا تاما كاملا .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت .
.
.
) هذا نص فى دخول أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فى أهل البيت ها هنا ، لأنهن سبب نزول هذه الآية .وقدوردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك ، فقد روى الإِمام أحمد بسنده - عن أنس بن مالك قال :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ، يقول : الصلاة يا أهل البيت : ثم يتلو هذه الآية .
.
" .وقال بعض العلماء : والتحقيق - إن شاء الله - أنهن داخلات فى الآية ، بدليل السياق ، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت .ونظير ذلك من دخول الزوجات فى اسم أهل البيت ، قوله - تعالى - فى زوجة إبراهيم : ( قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت ) وأما الدليل على دخول غيرهن فى الآية ، فهو أحاديث جاءت " عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى على وفاطمة والحسن والحسين - رضى الله عنهم - : " إنهم أهل البيت " ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا " .وبما ذكرنا تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ولعلى وفاطمة والحسن والحسين .فإن قيل : الضمير فى قوله : ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس ) وفى قوله : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ضمير الذكور ، فقلو كان المراد أزواج النبى صلى الله عليه وسلم لقيل ليذهب عنكن ويطهركن؟فالجواب : ما ذكرناه من أن الآية تشملهن وتشمل فاطمة وعلى والحسن والحسين ، وقد أجمع أهل اللسان العربى على تغليب الذكور على الإِناث فى الجموع ونحوها .
.ومن أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن ، أن زوجة الرجل يطلق عليها أهل ، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر ، ومنه قوله - تعالى - فى موسى ( فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا ) وقوله ( سَآتِيكُمْ ) والمخاطب امرأته كما قال غير واحد .
.وقال بعض أهل العلم : إن أهل البيت فى الآية هم من تحرم عليهم الصدقة .
قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ من القرار وإسقاط أحد حرفي التضعيف كما قال تعالى: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ وقيل بأنه من الوقار كما يقال وعد يعد عد وقول: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ﴾ قيل معناه لا تتكسرن ولا تتغنجن، ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زينتكن وقوله تعالى: ﴿ الجاهلية الأولى ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المراد من كان في زمن نوح والجاهلية الأخرى من كان بعده وثانيهما: أن هذه ليست أولى تقتضي أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة كقول القائل: أين الأكاسرة الجبابرة الأولى.
ثم قال تعالى: ﴿ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ﴾ يعني ليس التكليف في النهي فقط حتى يحصل بقوله تعالى: ﴿ لا تَخْضَعْنَ وَلاَ تَبَرَّجْنَ ﴾ بل فيه وفي الأوامر ﴿ فأقمن الصلاة ﴾ التي هي ترك التشبه بالجبار المتكبر ﴿ وآتين الزكاة ﴾ التي هي تشبه بالكريم الرحيم ﴿ وَأَطِعْنَ الله ﴾ أي ليس التكليف منحصراً في المذكور بل كل ما أمر الله به فأتين به وكل ما نهى الله عنه فانتهين عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ .
يعني ليس المنتفع بتكليفكن هو الله ولا تنفعن الله فيما تأتين به.
وإنما نفعه لكن وأمره تعالى إياكن لمصلحتكن، وقوله تعالى: ﴿ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ ﴾ فيه لطيفة وهي أن الرجس قد يزول عيناً ولا يطهر المحل فقوله تعالى: ﴿ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس ﴾ أي يزيل عنكم الذنوب ويطهركم أي يلبسكم خلع الكرامة، ثم إن الله تعالى ترك خطاب المؤنثات وخاطب بخطاب المذكرين بقوله: ﴿ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس ﴾ ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم، واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأولى أن يقال هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبي عليه السلام وملازمته للنبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَرْنَ ﴾ بكسر القاف، من قر يقر وقاراً.
أو من قرّ يقرّ، حذفت الأولى من رائي: أقررن، ونقلت كسرتها إلى القاف، كما تقول: ظلن، وقرن: بفتحها، وأصله: أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، كقولك: ظلن، وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان: وجهاً آخر، قال: قار يقار: إذا اجتمع.
ومنه.
القارة، لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش: اجتمعوا فكونوا قارة.
و ﴿ الجاهلية الأولى ﴾ هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام: كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض تفسها على الرجال، وقيل: ما بين آدم ونوح.
وقيل: بين إدريس ونوح.
وقيل: زمن داود وسليمان، والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام.
والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن المعنى: ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل الجاهلية الكفر.
ويعضده ما روي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي الدرداء رضي الله عنه: «إن فيك جاهلية» قال جاهلية كفر أم إسلام؟
فقال: «بل جاهلية كفر» أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عاماً في جميع الطاعات؛ لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات: من أعتنى بهما حق اعتنائه جرّتاه إلى ما وراءهما، ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن، ووعظهنّ، لئلا يُقارفُ أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، ولتصوّنو عنها بالتقوى.
واستعار للذنوب: الرجس، وللتقوى: الطهر؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس.
وأما المحسنات، فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر.
وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به.
و ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ نصب على النداء.
أو على المدح.
وفي هذا دليل بيّن على أنّ نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا أوْ مِن قَرَّ يَقَرُّ حُذِفَتِ الأُولى مِن راءَيِ اقْرُرْنَ ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ، فاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِالفَتْحِ مِن قَرَرْتُ أقَرُّ وهو لُغَةٌ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قارَّ يَقارُّ إذا اجْتَمَعَ.
﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ ﴾ ولا تَتَبَخْتَرْنَ في مَشْيِكُنَّ.
﴿ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ تَبَرُّجًا مِثْلَ تَبَرُّجِ النِّساءِ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ، وقِيلَ هي ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ دِرْعًا مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةُ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةُ الفُسُوقِ في الإسْلامِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً، قالَ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أوْ إسْلامٍ قالَ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ» .
﴿ وَأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في سائِرِ ما أمَرَكُنَّ بِهِ ونَهاكُنَّ عَنْهُ.
﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ﴾ الذَّنْبَ المُدَنِّسَ لِعَرْضِكم وهو تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولِذَلِكَ عَمَّمَ الحُكْمَ.
﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ نُصِبَ عَلى النِّداءِ أوِ المَدْحِ.
﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ ﴾ عَنِ المَعاصِي.
﴿ تَطْهِيرًا ﴾ واسْتِعارَةُ الرِّجْسِ لِلْمَعْصِيَةِ والتَّرْشِيحِ بِالتَّطْهِيرِ لِلتَّنْفِيرِ عَنْها، وتَخْصِيصُ الشِّيعَةِ أهْلَ البَيْتِ بِفاطِمَةَ وعَلِيٍّ وابْنَيْهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ ذاتَ غَدْوَةٍ وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ فَجَلَسَ فَأتَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأدْخَلَها فِيهِ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ فِيهِ ثُمَّ جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَأدْخَلَهُما فِيهِ ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ »، والِاحْتِجاجُ بِذَلِكَ عَلى عِصْمَتِهِمْ وكَوْنِ إجْماعِهِمْ حُجَّةً ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِهِمْ لا يُناسِبُ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها، والحَدِيثُ يَقْتَضِي أنَّهم مِن أهْلِ البَيْتِ لا أنَّهُ لَيْسَ غَيْرُهم.
<div class="verse-tafsir"
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)
{وقرن} مدنى
الأحزاب (٣٥ - ٣٣)
وعاصم غير هبيرة وأصله اقررن فحذفت الراء تخفيفاً وألقيت فتحتها على ما قبلها أو من فاريقا إذا اجتمع والباقون قرن من وقريقر وقادرا او من قريقر حذفت الأولى من راءى اقررن اقرارا من التكرار نقلت كسرتها إلى القاف {فِى بُيُوتِكُنَّ} بضم الباء بصري ومدني وحفص {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى} أي القديمة
والتبرج التبختر في المشي أو إظهار الزينة والتقدير ولاتبرجن تبرجاً مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى وهي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم أو ما بين آدم ونوح عليهما السلام أو من داود وسليمان والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام أو الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} خص الصلاة والزكاة بالأمر ثم عم بجميع الطاعات تفضيلالهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت} نصب على النداء أو على المدح وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته وقال عَنْكُمْ لأنه أريد الرجال والنساء من آله بدلالة {وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً} من نجاسة الآثام ثم بين أنه إعانهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآ ثم وليتصونوا عنها بالتقوى واستعار الذنوب الرجس والتقوى الطهر لأن عرض المقترف اللمقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما المحسنات فالغرض منها نقي كالثوب الطاهر وفيه تنفير لأولي الألباب عن المناهي وترغيب لهم في الأوامر
﴿ وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ مِن قَرَّ يَقَرُّ مِن بابِ عَلِمَ أصْلُهُ اِقْرَرْنَ فَحُذِفَتْ الرّاءُ الأُولى وأُلْقِيَتْ فَتْحَتُها عَلى ما قَبْلَها وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها بِتَحَرُّكِ القافِ.
وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ في كِتابِ (اَلتِّبْيانِ) وجْهًا آخَرَ، قالَ: قارَّ يُقارُّ إذا اِجْتَمَعَ ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها، ألا تَرى إلى قَوْلِ عَضَلٍ والدِّيشِ: اِجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً فالمَعْنى واجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في البُيُوتِ.
وقَرَأ الأكْثَرُ (وقِرْنَ) بِكَسْرِ القافِ مِن وقَرَ يَقِرُ وقارًا إذا سَكَنَ وثَبَتَ، وأصْلُهُ اُوقِرْنَ فَفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِ عِدْنَ مِن وعَدَ أوْ مِن قَرَّ يَقِرُّ المُضاعَفُ مِن بابِ ضَرَبَ وأصْلُهُ اِقْرِرْنَ حُذِفَتْ الرّاءُ الأُولى وأُلْقِيَتْ كَسْرَتُها إلى القافِ وحُذِفَتْ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها.
وقالَ مَكِّيٌّ وأبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ ياءً كَراهَةَ التَّضْعِيفِ ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ ثُمَّ حُذِفَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها وسَقَطَتِ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ القافِ، وهَذا غايَةٌ في التَّمَحُّلِ، وفي البَحْرِ أنَّ قَرَرْتُ وقَرِرْتُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ كِلاهُما مِنَ القَرارِ في المَكانِ بِمَعْنى الثُّبُوتِ فِيهِ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَ قَوْمٌ مِنهُمُ المازِنِيُّ مَجِيءَ قَرِرْتُ في المَكانِ بِالكَسْرِ أقَرُّ بِالفَتْحِ، وإنَّما جاءَ قَرَّتْ عَيْنُهُ تَقَرُّ بِالكَسْرِ في الماضِي والفَتْحِ في المُضارِعِ والمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «واقْرِرْنَ» بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى.
والمُرادُ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ أمْرُهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ وهو أمْرٌ مَطْلُوبٌ مِن سائِرِ النِّساءِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««إنَّ المَرْأةَ عَوْرَةٌ، فَإذا خَرَجَتْ مِن بَيْتِها اِسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ، وأقْرَبُ ما تَكُونُ مِن رَحْمَةِ رَبِّها وهي في قَعْرِ بَيْتِها»»، وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جِئْنَ النِّساءُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجالُ بِالفَضْلِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَهَلْ لَنا عَمَلٌ نُدْرِكُ بِهِ فَضْلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَعَدَتْ مِنكُنَّ في بَيْتِها فَإنَّها تُدْرِكُ عَمَلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» وقَدْ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الخُرُوجُ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً كَخُرُوجِهِنَّ لِزِيارَةِ القُبُورِ إذا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ، وخُرُوجِهِنَّ ولَوْ إلى المَسْجِدِ وقَدِ اِسْتَعْطَرْنَ وتَزَيَّنَ إذا تَحَقَّقَتِ الفِتْنَةُ أمّا إذا ظُنَّتْ فَهو حَرامٌ غَيْرُ كَبِيرَةٍ، وما يَجُوزُ مِنَ الخُرُوجِ كالخُرُوجِ لِلْحَجِّ وزِيارَةِ الوالِدَيْنِ وعِيادَةِ المَرْضى وتَعْزِيَةِ الأ َمْواتِ مِنَ الأقارِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنَّما يَجُوزُ بِشُرُوطٍ مَذْكُورَةٍ في مَحَلِّها.
وظاهِرُ إضافَةِ البُيُوتِ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ المُطَهَّراتِ أنَّها كانَتْ مِلْكَهُنَّ وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الحافِظُ غُلامُ مُحَمَّدٍ الأسْلَمِيُّ نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى ضَرِيحَهُ في التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَنى كُلَّ حُجْرَةٍ لِمَن سَكَنَ فِيها مِنَ الأزْواجِ وكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ تَتَصَرَّفُ بِالحُجْرَةِ السّاكِنَةِ هي فِيها تَصَرُّفَ المالِكِ في مِلْكِهِ بِحُضُورِهِ ، وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ أنَّ مَن بَنى بَيْتًا لِزَوْجَتِهِ وأقْبَضَهُ إيّاها كانَ كَمَن وهَبَ زَوْجَتَهُ بَيْتًا وسَلَّمَهُ إلَيْها، فَيَكُونُ البَيْتُ مِلْكًا لَها ويَشْهَدُ لِدَعْوى أنَّ الحُجْرَةَ الَّتِي كانَتْ تَسْكُنُها عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَتْ مِلْكًا لَها غَيْرَ الإضافَةِ في ﴿ بُيُوتِكُنَّ ﴾ الدّاخِلِ فِيهِ حُجْرَتِها اِسْتِئْذانُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِدَفْنِهِ فِيها مِنها بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وعَدَمُ إنْكارِ أحَدٍ مِنهم حَتّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، واسْتِئْذانُ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنها لِذَلِكَ أيْضًا الثّابِتُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ، كَما ذُكِرَ في (اَلْفُصُولُ المُهِمَّةُ في مَعْرِفَةِ الأئِمَّةِ) وغَيْرِهِ مِن كُتُبِهِمْ، فَإنَّ تِلْكَ الحُجْرَةَ لَوْ كانَتْ لِبَيْتِ المالِ لِحَدِيثِ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»» لاسْتَأْذَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الوَرَغِ مَرْوانَ فَإنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ حاكِمَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ والمُتَصَرِّفَ في بَيْتِ المالِ، ولَوْ كانَتْ لِلْوَرَثَةِ بِناءً عَلى زَعْمِ الشِّيعَةِ مِن أنَّهُ يُورَثُ كَغَيْرِهِ لَزِمَ الِاسْتِئْذانُ مِن سائِرِ الأزْواجِ أيْضًا لِتَعَلُّقِ حَقُّهُنَّ فِيها عَلى زَعْمِهِمْ بَلْ يَلْزَمُ الِاسْتِئْذانُ أيْضًا مِن عُصْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَحِقِّينَ لِما يَبْقى بَعْدَ النِّصْفِ والثُّمْنِ إذا قُلْنا بِتَوْرِيثِهِمْ فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا مِنها عُلِمَ أنَّها مِلْكُها وحْدَها.
والقَوْلُ بِأنَّهُ عُلِمَ رِضا الجَمِيعِ سِواها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فاسْتَأْذَنَها لِذَلِكَ لا يَقُومُ لَهم حُجَّةٌ، ولَهم في هَذا البابِ أكاذِيبُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يَلْتَفِتُ أرِيبٌ إلَيْها، مِنها أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أذِنَتْ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ اِسْتَأْذَنَها في الدَّفْنِ في الحُجْرَةِ المُبارَكَةِ، ثُمَّ نَدِمَتْ بَعْدَ وفاتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورَكِبَتْ عَلى بَغْلَةٍ لَها وأتَتِ المَسْجِدَ ومَنَعَتِ الدَّفْنَ ورَمَتِ السِّهامَ عَلى جِنازَتِهِ الشَّرِيفَةِ الطّاهِرَةِ وادَّعَتِ المِيراثَ.
وأنْشَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: تَجَمَّلْتِ تَبَغَّلْتِ وإنْ عِشْتِ تَفَيَّلْتِ لَكِ التُّسْعُ مِنَ الثُّمْنِ فَكَيْفَ الكُلَّ مَلَكْتِ ورَكاكَةُ هَذا الشِّعْرِ تُنادِي بِكَذِبِ نِسْبَتِهِ إلى ذَلِكَ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَيْتَ شِعْرِي أيُّ حاجَةٍ لَها إلى الرُّكُوبِ ومَسْكَنُها كانَ تِلْكَ الحُجْرَةَ المُبارَكَةَ فَلَوْ كانَتْ بِصَدَدِ المَنعِ لَأغْلَقَتْ بابَها ثُمَّ إنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كَيْفَ يُظَنُّ بِها ولَها مِنَ العَقْلِ الحَظُّ الأوْفَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ أخَواتِها أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ تَدَّعِي المِيراثَ وهي وأبُوها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَوَيا بِمَحْضَرِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»».
هَذا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةُ البُيُوتِ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ المُطَهَّراتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ ساكِناتٍ فِيها قائِماتٍ بِمَصالِحِها قَيِّماتٍ عَلَيْها، واسْتِعْمالُ الخاصَّةِ والعامَّةِ شائِعٌ بِإضافَةِ البُيُوتِ إلى الأزْواجِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، والِاسْتِئْذانُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِانْتِقالِ كُلِّ بَيْتٍ إلى مِلْكِ السّاكِنَةِ فِيهِ بَعْدَ وفاتِهِ مِن جِهَةِ الخَلِيفَةِ ولِيِّ بَيْتِ المالِ لَمّا رَأى مِنَ المَصْلَحَةِ في تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنهُنَّ بِمَسْكَنِهِ وتَرْكِهِ لَها عَلى نَحْوِ الإقْطاعِ مِن بَيْتِ المالِ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِكَوْنِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِنَّ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا لِكَوْنِ البُيُوتِ مِلْكَهُنَّ إضافَةُ البَيْتِ إلى النَّبِيِّ في غَيْرِ ما أثَرٍ، بَلْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إضافَةُ البُيُوتِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ الآيَةَ، وهي أحَقُّ بِأنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ فَلْيُراجَعْ هَذا المَطْلَبُ ولِيُتَأمَّلْ.
﴿ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ التَّبَرُّجُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ أبِي نَجِيحٍ المَشْيُ بِتَبَخْتُرٍ وتَكَسُّرٍ وتَغَنُّجٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنْ تُلْقِيَ المَرْأةُ خِمارَها عَلى رَأْسِها ولا تَشُدَّهُ فَيُوارِيَ قَلائِدَها وقُرْطَها وعُنُقَها ويَبْدُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنها، وقالَ المُبَرِّدُ: أنْ تُبْدِيَ مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ، قالَ اللَّيْثُ: ويُقالُ تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حَسَنُ نَظَرٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْ تُخْرِجَ مِن مَحاسِنِها ما تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةً لِلرِّجالِ، وأصْلُهُ عَلى ما في البَحْرِ مِنَ البَرَجِ وهو سِعَةُ العَيْنِ وحُسْنُها، ويُقالُ طَعْنَةٌ بَرْجاءٌ أيْ واسِعَةٌ، وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ إذا تَفَرَّقَ ما بَيْنَها، وقِيلَ: هو البُرْجُ بِمَعْنى القَصْرِ، ومَعْنى تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ ظَهَرَتْ مِن بُرْجِها أيْ قَصْرِها، وجَعَلَ الرّاغِبُ إطْلاقَ البَرَجِ عَلى سِعَةِ العَيْنِ وحُسْنِها لِلتَّشْبِيهِ بِالبُرْجِ في الأمْرَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ فُسِّرَ التَّبَرُّجُ هُنا بِالظُّهُورِ مِنَ البُرْجِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، فالأوْلى أنْ لا يُفَسَّرَ بِهِ، وتَبَرُّجٌ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مِثْلَ لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ حِمارٍ، أيْ لا تَبَرَّجْنَ مِثْلَ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وقِيلَ في الكَلامِ إضْمارٌ مُضافَيْنِ، أيْ تَبَرُّجِ نِساءِ أيّامِ الجاهِلِيَّةِ، وإضافَةِ نِساءٍ عَلى مَعْنى فِي، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ الأُولى عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: الجاهِلِيَّةُ ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، قالَ: وإنَّ بَطْنَيْنِ مِن ولَدِ آدَمَ كانَ أحَدُهُما يَسْكُنُ السَّهْلَ والآخَرُ يَسْكُنُ الجِبالَ، وكانَ رِجالُ الجِبالِ صَباحًا وفي النِّساءِ دَمامَةٌ، وكانَ نِساءُ السَّهْلِ ورِجالُهُ عَلى العَكْسِ فاِتَّخَذَ أهْلُ السَّهْلِ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ في السَّنَةِ، فَتَبَرَّجَ النِّساءُ لِلرِّجالِ والرِّجالُ لَهُنَّ، وأنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَبَلِ هَجَمَ عَلَيْهِمْ في عِيدِهِمْ فَرَأى النِّساءَ وصَباحَتَهُنَّ فَأتى أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَتَحَوَّلُوا إلَيْهِنَّ فَنَزَلُوا مَعَهُنَّ فَظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فِيهِنَّ، وفي رِوايَةٍ: إنَّ المَرْأةَ إذْ ذاكَ تَجْتَمِعُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ فَكانَ نِساؤُهم مِن أقْبَحِ ما يَكُونُ مِنَ النِّساءِ ورِجالُهم حِسانٌ وكانَتِ المَرْأةُ تُراوِدُ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ وهي الجاهِلِيَّةُ الأُولى.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ هي ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ زَمَنَ نَمْرُوذَ وكانَ فِيهِ بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى زَمَنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والثّانِيَةَ زَمَنَ مُحَمَّدٍ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانَتِ الأُولى زَمَنَ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ وكانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرَ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ يَظْهَرُ مِنهُ الأعْكانِ والسَّوْأتانِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِدْنِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ ولِلْخِدْنِ نِصْفُها الأعْلى، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ، وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو الأشْبَهُ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفَةُ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا.
وإنَّما قِيلَ الأُولى لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما هو نَصٌّ في أنَّ الأُولى هُنا مُقابِلَ الأُخْرى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكَأنَّ المَعْنى ولا تُحَدِّثْنَ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ تَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى إشارَةٌ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي تَخُصُّهُنَّ فَأُمِرْنَ بِالنَّقْلَةِ عَنْ سِيرَتِهِنَّ فِيها وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ وقِلَّةِ الغَيْرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ «أنَّهُ قالَ لِأبِي ذَرٍّ وكانَ قَدْ عَيَّرَ رَجُلًا أُمُّهُ أعْجَمِيَّةٌ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ : يا أبا ذَرٍّ إنَّكَ اِمْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ،» وفَسَّرَها اِبْنُ الأثِيرِ بِالحالَةِ الَّتِي عَلَيْها العَرَبُ قَبْلَ الإسْلامِ مِنَ الجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وشَرائِعِ الدِّينِ والمُفاخَرَةِ بِالأنْسابِ والكَبَرِ والتَّجَبُّرِ وغَيْرِ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وتَمَسَّكَ الرّافِضَةُ في طَعْنِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وحاشاها مِن كُلِّ طَعْنٍ بِخُرُوجِها مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ ومِنها إلى البَصْرَةِ وهُناكَ وقَعَتْ وقْعَةُ الجَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ وهي مِنهُنَّ بِالسُّكُونِ في البُيُوتِ ونَهاهُنَّ عَنِ الخُرُوجِ وهي بِذَلِكَ قَدْ خالَفَتْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ونَهْيَهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِقْرارِ في البُيُوتِ والنَّهْيَ عَنِ الخُرُوجِ لَيْسَ مُطْلَقًا وإلّا لَما أخْرَجَهُنَّ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ ولَما ذَهَبَ بِهِنَّ في الغَزَواتِ ولَما رَخَّصَ لَهُنَّ لِزِيارَةِ الوالِدَيْنِ وعِيادَةِ المَرْضى وتَعْزِيَةِ الأقارِبِ وقَدْ وقَعَ كُلُّ ذَلِكَ كَما تَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ كُنَّ يَحْجُجْنَ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ إلّا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: إلّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وسَوْدَةَ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وغَيْرُهُ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُنَّ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ: ««أُذِنَ لِكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ»،» فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ وقارُهُنَّ وامْتِيازُهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ بِأنْ يُلازِمْنَ البُيُوتَ في أغْلَبِ أوْقاتِهِنَّ ولا يَكُنَّ خَرّاجاتٍ ولّاجاتٍ طَوّافاتٍ في الطُّرُقِ والأسْواقِ وبُيُوتِ النّاسِ، وهَذا لا يُنافِي خُرُوجَهُنَّ لِلْحَجِّ أوْ لِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مَعَ التَّسَتُّرِ وعَدَمِ الِابْتِذالِ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، إنَّما خَرَجَتْ مِن بَيْتِها إلى مَكَّةَ لِلْحَجِّ وخَرَجَتْ مَعَها لِذَلِكَ أيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وهي وكَذا صَفِيَّةُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الشِّيعَةِ لَكِنَّها لَمّا سَمِعَتْ بِقَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وانْحِيازِ قَتَلَتِهِ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَزِنَتْ حُزْنًا شَدِيدًا واسْتَشْعَرَتِ اِخْتِلالَ أمْرِ المُسْلِمِينَ وحُصُولَ الفَسادِ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، وبَيْنَما هي كَذَلِكَ جاءَها طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ ونُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ وكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ في آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هارِبِينَ مِنَ المَدِينَةِ خائِفِينَ مِن قَتَلَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمّا أنَّهم أظْهَرُوا المُباهاةَ بِفِعْلِهِمُ القَبِيحِ، وأعْلَنُوا بِسَبِّ عُثْمانَ فَضاقَتْ قُلُوبُ أُولَئِكَ الكِرامِ وجَعَلُوا يَسْتَقْبِحُونَ ما وقَعَ ويُشَنِّعُونَ عَلى أُولَئِكَ السَّفَلَةِ ويَلُومُونَهم عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الأشْنَعِ فَصَحَّ عِنْدَهم عَزْمُهم عَلى إلْحاقِهِمْ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَلِمُوا أنْ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى مَنعِهِمْ إذا هَمُّوا بِذَلِكَ فَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ ولاذُوا بِأُمِّ المُؤْمِنِينَ وأخْبَرُوها الخَبَرَ فَقالَتْ لَهُمْ: أرى الصَّلاحَ أنْ لا تَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ ما دامَ أُولَئِكَ السَّفَلَةُ فِيها مُحِيطِينَ بِمَجْلِسِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى القِصاصِ مِنهم أوْ طَرْدِهِمْ فَأقِيمُوا بِبَلَدٍ تَأْمَنُونَ فِيهِ وانْتَظِرُوا اِنْتِظامَ أُمُورِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقُوَّةَ شَوْكَتِهِ واسْعَوْا في تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ وإعانَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِمَن بَعْدَهُمْ، فارْتَضَوْا ذَلِكَ واسْتَحْسَنُوهُ فاخْتارُوا البَصْرَةَ لِما أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ مَجْمَعًا لِجُنُودِ المُسْلِمِينَ ورَجَّحُوها عَلى غَيْرِها وألَحُّوا عَلى أُمِّهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنْ تَكُونَ مَعَهم إلى أنْ تَرْتَفِعَ الفِتْنَةُ ويَحْصُلَ الأمْنُ وتَنْتَظِمَ أُمُورُ الخِلافَةِ وأرادُوا بِذَلِكَ زِيادَةَ اِحْتِرامِهِمْ وقُوَّةَ أُمْنِيَتِهِمْ لِما أنَّها أُمُّ المُؤْمِنِينَ والزَّوْجُ المُحْتَرَمَةُ غايَةَ الِاحْتِرامِ لِرَسُولِ اللَّهِ وأنَّها كانَتْ أحَبَّ أزْواجِهِ إلَيْهِ وأكْثَرَهُنَّ قَبُولًا عِنْدَهُ وبِنْتَ خَلِيفَتِهِ الأوَّلِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَسارَتْ مَعَهم بِقَصْدِ الإصْلاحِ وانْتِظامِ الأُمُورِ وحِفْظِ عِدَّةِ نُفُوسٍ مِن كِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وكانَ مَعَها اِبْنُ أُخْتِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ مِن أبْناءِ أخَواتِها أُمِّ كُلْثُومٍ زَوْجِ طَلْحَةَ وأسْماءَ زَوْجِ الزُّبَيْرِ بَلْ كُلُّ مَن مَعَها بِمَنزِلَةِ الأبْناءِ في المَحْرَمِيَّةِ وكانَتْ في هَوْدَجٍ مِن حَدِيدٍ، فَبَلَغَ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خَبَرَ التَّوَجُّهِ إلى البَصْرَةِ أُولَئِكَ القَتَلَةُ السَّفَلَةُ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وحَمَلُوهُ عَلى أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمْ ويُعاقِبَهُمْ، وأشارَ عَلَيْهِ الحَسَنُ والحُسَيْنُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِعَدَمِ الخُرُوجِ واللُّبْثِ إلى أنْ يَتَّضِحَ الحالُ فَأبى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا فَخَرَجَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَعَهُ أُولَئِكَ الأشْرارُ أهْلُ الفِتْنَةِ فَلَمّا وصَلُوا قَرِيبًا مِنَ البَصْرَةِ أرْسَلُوا القَعْقاعَ إلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ لِيَتَعَرَّفَ مَقاصِدَهم ويَعْرِضَها عَلى الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهَ، فَجاءَ القَعْقاعُ إلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: يا أُمّاهُ ما أشْخَصَكِ وأقْدَمَكِ هَذِهِ البَلْدَةَ؟
فَقالَتْ: أيْ بُنَيَّ الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ بَعَثَتْ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، فَقالَ القَعْقاعُ: أخْبَرانِي بِوَجْهِ الصَّلاحِ قالا: إقامَةُ الحَدِّ عَلى قَتَلَةِ عُثْمانَ وتَطْيِيبُ قُلُوبِ أوْلِيائِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأمْنِنا وعِبْرَةً لِمَن بَعْدَهم فَقالَ القَعْقاعُ: هَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ اِتِّفاقِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ وسُكُونِ الفِتْنَةِ فَعَلَيْكُما بِالمُسالَمَةِ في هَذِهِ السّاعَةِ فَقالا: أصَبْتَ وأحْسَنْتَ، فَرَجَعَ إلى الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَسُرَّ بِهِ واسْتَبْشَرَ وأشْرَفَ القَوْمُ عَلى الرُّجُوعِ ولَبِثُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَشُكُّونَ في الصُّلْحِ فَلَمّا غَشِيَتْهم لَيْلَةُ اليَوْمِ الرّابِعِ وقَرَّرَتِ الرُّسُلُ والوَسائِطُ في البَيْنِ أنْ يُظْهِرُوا المُصالَحَةَ صَبِيحَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ويُلاقِي الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأُولَئِكَ القَتَلَةُ لَيْسُوا حاضِرِينَ مَعَهُ وتَحَقَّقُوا ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ واضْطَرَبُوا وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ فَتَشاوَرُوا فِيما بَيْنَهم أنْ يُغِيرُوا عَلى مَن كانَ مَعَ عائِشَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَظُنُّوا الغَدْرَ مِنَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَيَهْجُمُوا عَلى عَسْكَرِهِ فَيَظُنُّوا بِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ غَدَرُوا فَيَنْشَبُ القِتالُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَهَجَمَ مَن كانَ مَعَ عائِشَةَ عَلى عَسْكَرِ الأمِيرِ وصَرَخَ أُولَئِكَ القَتَلَةُ بِالغَدْرِ فالتَحَمَ القِتالُ ورَكِبَ الأمِيرُ مُتَعَجِّبًا فَرَأى الوَطِيسَ قَدْ حَمِيَ والرِّجالَ قَدْ سَبَحَتْ بِالدِّماءِ فَلَمْ يَسَعْهُ رَضِيَ لِلَّهِ تَعالى عَنْهُ إلّا الِاشْتِغالُ بِالحَرْبِ والطَّعْنِ والضَّرْبِ.
وقَدْ نَقَلَ الواقِعَةَ كَما سَمِعْتَ الطَّبَرِيُّ وجَماهِيرُ ثِقاةِ المُؤَرِّخِينَ ورَوَوْها كَذَلِكَ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وما وراءَ ذَلِكَ مِمّا رَواهُ الشِّيعَةُ عَنْ أسْلافِهِمْ قَتَلَةِ عُثْمانَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ لَهُ، ويَدُلُّ عَلى تَغَلُّبِ القَتَلَةِ وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ ما في (نَهْجِ البَلاغَةِ) المَقْبُولِ عِنْدَ الشِّيعَةِ مِن أنَّهُ قالَ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ: لَوْ عاقَبْتَ قَوْمًا أجْلَبُوا عَلى عُثْمانَ فَقالَ: يا إخْوَتاهُ إنِّي لَسْتُ أجْهَلُ ما تَعْلَمُونَ ولَكِنْ كَيْفَ لِي بِهِمْ والمُجْلِبُونَ عَلى شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنا ولا نَمْلِكُهم وها هم هَؤُلاءِ قَدْ ثارَتْ مَعَهم عِبْدانُكم والتَفَّتْ إلَيْهِمْ أعْرابُكم وهم خِلالَكم يَسُومُونَكم ما شاؤُوا.
فَحَيْثُ كانَ الخُرُوجُ أوَّلًا لِلْحَجِّ ومَعَها مِن مَحارِمِها مَن مَعَها ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ بِالِاسْتِقْرارِ في البُيُوتِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ مِثْلِهِ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ بِهِ أصْلًا، وكَذا المَسِيرُ إلى البَصْرَةِ لِذَلِكَ القَصْدِ فَإنَّهُ لَيْسَ أدْوَنُ مِن سَفَرِ حَجِّ النَّفْلِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ في حِسابِها ولَمْ يَمُرَّ بِبالِها تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ، ولِهَذا لَمّا وقَعَ ما وقَعَ وتَرَتَّبَ ما تَرَتَّبَ نَدِمَتْ غايَةَ النَّدَمِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها كُلَّما كانَتْ تَذْكُرُ يَوْمَ الجَمَلِ تَبْكِي حَتّى يَبْتَلَّ مِعْجَرُها، بَلْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في (زَوائِدِ الزُّهْدِ) وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إذا قَرَأتْ ﴿ وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها وما ذاكَ إلّا لِأنَّ قِراءَتَها تُذَكِّرُها الواقِعَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذا كَما أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أحْزَنَهُ ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا وقَعَ الِانْهِزامُ عَلى مَن مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وقُتِلَ مَن قُتِلَ مِنَ الجَمْعَيْنِ طافَ في مَقْتَلِ القَتْلى فَكانَ يَضْرِبُ عَلى فَخْذَيْهِ ويَقُولُ: يا لَيْتَنِي مُتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا، ولَيْسَ بُكاؤُها عِنْدَ قِراءَةِ الآيَةِ لِعِلْمِها بِأنَّها أخْطَأتْ في فَهْمِ مَعْناها أوْ أنَّها نَسِيَتْها يَوْمَ خَرَجَتْ كَما تُوُهِّمَ، وقالَ في ذَلِكَ مُسْتَهْزِئًا كاظِمٌ الأزْدِيُّ البَغْدادِيُّ مِن مُتَأخِّرِي شُعَراءِ الرّافِضَةِ مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ كَفَرَ بِعِدَّةِ مَواضِعَ فِيها: حَفِظَتْ أرْبَعِينَ ألْفَ حَدِيثٍ ∗∗∗ ومِنَ الذِّكْرِ آيَةٌ تُنْساها نَعَمْ قَدْ يَنْضَمُّ لِما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ البُكاءِ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ يَوْمًا لِأزْواجِهِ المُطَهَّراتِ وفِيهِنَّ عائِشَةُ: «كَأنِّي بِإحْداكُنَّ تَنْبَحُها كِلابُ الحَوْأبِ»» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الغَيْرِ المُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ بِزِيادَةِ: ««فَإيّاكِ أنْ تَكُونِي يا حُمَيْراءُ»،» ولَمْ تَكُنْ سَألَتْ قَبْلَ المَسِيرِ عَنِ الحَوْأبِ هَلْ هو واقِعٌ في طَرِيقِها أمْ لا حَتّى نَبَحَتْها في أثْناءِ المَسِيرِ كِلابٌ عِنْدَ ماءٍ فَقالَتْ لِمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: ما اِسْمُ هَذا الماءِ؟
فَقالَ: يَقُولُونَ لَهُ حَوْأبٌ فَقالَتْ أرْجِعُونِي، وذَكَرَتِ الحَدِيثَ وامْتَنَعَتْ عَنِ المَسِيرِ وقَصَدَتِ الرُّجُوعَ فَلَمْ يُوافِقْها أكْثَرُ مَن مَعَها، ووَقَعَ التَّشاجُرُ حَتّى شَهِدَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ مَعَ نَحْوٍ مِن ثَمانِينَ رَجُلًا مِن دَهاقِينِ تِلْكَ النّاحِيَةِ بِأنَّ هَذا الماءَ ماءٌ آخَرُ ولَيْسَ هو حَوْأبًا، فَمَضَتْ لِشَأْنِها بِسَبَبِ ذَلِكَ وتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ ووُقُوعُ الأمْرِ، فَكَأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها رَأتْ سُكُوتَها عَنِ السُّؤالِ وتَحْقِيقَ الحالِ قَبْلَ المَسِيرِ تَقْصِيرًا مِنها وذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِها فَبَكَتْ لَهُ.
ولِما تَقَدَّمَ وما زَعَمَتْهُ الشِّيعَةُ مِن أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَتْ هي الَّتِي تُحَرِّضُ النّاسَ عَلى قَتْلِ عُثْمانَ وتَقُولُ: اُقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ فَجَرَ، تُشَبِّهُهُ بِيَهُودِيٍّ يُدْعى نَعْثَلًا حَتّى إذا قُتِلَ وبايَعَ النّاسُ عَلِيًّا قالَتْ: ما أُبالِي أنْ تَقَعَ السَّماءُ عَلى الأرْضِ قُتِلَ واَللَّهِ مَظْلُومًا وأنا طالِبَةٌ بِدَمِهِ، فَذَكَّرَها عُبَيْدٌ بِما كانَتْ تَقُولُ، فَقالَتْ: قَدْ واَللَّهِ قُلْتُ وقالَ النّاسُ، فَأنْشَدَ: فَمِنكِ البُداءُ ومِنكِ الغَيْرُ ∗∗∗ ومِنكِ الرِّياحُ ومِنكِ المَطَرْ وأنْتِ أمَرْتِ بِقَتْلِ الإمامِ ∗∗∗ وقُلْتِ لَنا إنَّهُ قَدْ فَجَرْ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ وهو مِن مُفْتَرَياتِ اِبْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ أعْثِمَ الكُوفِيِّ والسُّمْساطِيِّ وكانُوا مَشْهُورِينَ بِالكَذِبِ والِافْتِراءِ.
ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَذِبِ زَعْمُهم أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ما خَرَجَتْ وسارَتْ إلى البَصْرَةِ إلّا لِبُغْضِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّها لَمْ تَزَلْ تَرْوِي مَناقِبَهُ وفَضائِلَهُ، ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ أنَّها قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ حُبُّ عَلِيٍّ عِبادَةٌ»، وقالَتْ بَعْدَ وُقُوعِ ما وقَعَ: واَللَّهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ عَلِيٍّ إلّا ما يَكُونُ بَيْنَ المَرْأةِ وأحْمائِها.
وقَدْ أكْرَمَها عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأحْسَنَ مَثْواها وبالَغَ في اِحْتِرامِها ورَدَّها إلى المَدِينَةِ ومَعَها جَماعَةٌ مِن نِساءِ أعْيانِ البَصْرَةِ عَزِيزَةً كَرِيمَةً، وهَذا مِمّا يُرَدُّ بِهِ عَلى الرّافِضَةِ الزّاعِمِينَ كُفْرَها وحاشاها بِما فَعَلَتْ، وما رُوِيَ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ مِن (أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا ظَهَرَ عَلى أهْلِ الجَمَلِ أرْسَلَ إلى عائِشَةَ أنِ اِرْجِعِي إلى المَدِينَةِ فَأبَتْ فَأعادَ إلَيْها الرَّسُولَ وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَها: واَللَّهِ لَتَرْجِعِنَّ أوْ لَأبْعَثَنَّ إلَيْكِ نِسْوَةً مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ مَعَهُنَّ شِفارٌ حِدادٌ يَأْخُذْنَكِ بِها فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ) لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ في (اَلْمُصَنَّفِ) لِمُخالَفَتِهِ لِما رَواهُ الأوْثَقُ حَتّى كادَ يَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ.
هَذا ولا يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ الخُرُوجِ لِلْحَجِّ ونَحْوِهِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيَرِينَ قالَ: ثَبَتَ أنَّهُ قِيلَ لِسَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها زَوْجِ النَّبِيِّ : ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ أخَواتُكِ؟
فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ تَعالى أنْ أقَرَّ في بَيْتِي فَواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها لِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اِجْتِهادِها، كَما أنَّ خُرُوجَ الأخَواتِ مَبْنِيٌّ عَلى اِجْتِهادِهِنَّ، نَعَمْ أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِنِسائِهِ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ: «هَذِهِ ثُمَّ لُزُومَ الحُصُرِ»،» قالَ: فَكانَ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إلّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وكانَتا تَقُولانِ: واَللَّهِ لا تُحَرِّكُنا دابَّةٌ بَعْدَ أنْ سَمِعْنا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (هَذِهِ الخ): أنَّكُنَّ لا تَعُدْنَ تَخْرُجْنَ بَعْدَ هَذِهِ الحِجَّةِ مِن بُيُوتِكُنَّ وتَلْزَمْنَ الحُصُرَ وهو جَمْعُ حَصِيرٍ الَّذِي يُبْسَطُ في البُيُوتِ مِنَ القَصَبِ، وتَضُمُّ الصّادُّ وتُسْكَنُ تَخْفِيفًا وهو في مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ لِلْحَجِّ فَلا يَتِمُّ ما ذَكَرَ أوَّلًا، ويُشْكِلُ خُرُوجُ سائِرِ الأزْواجِ لِذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الخَبَرَ لَيْسَ نَصًّا في النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ لِلْحَجِّ بَعْدَ تِلْكَ الحِجَّةِ وإلّا لَما خَرَجَ لَهُ سائِرُ الأزْواجِ الطّاهِراتِ مِن غَيْرِ نَكِيرِ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلَيْهِنَّ بَلْ جاءَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرْسَلَهُنَّ لِلْحَجِّ في عَهْدِهِ وجَعَلَ مَعَهُنَّ عُثْمانَ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وقالَ لَهُما: إنَّكُما ولَدانِ بارّانِ لَهُنَّ فَلْيَكُنْ أحَدُكُما قُدّامَ مَراكِبِهِنَّ والآخَرُ خَلْفَها، ولَمْ يُنْكِرْ أحَدٌ، فَكانَ إجْماعًا سُكُوتِيًّا عَلى الجَوازِ، فَكَأنَّ زَيْنَبَ وسَوْدَةَ فَهِما مِنَ الخَبَرِ قُضِيَتْ هَذِهِ الحِجَّةُ أوْ أُبِيحَتْ، لَكِنَّ هَذِهِ الحِجَّةَ بِخُصُوصِهِما ثُمَّ الواجِبُ بَعْدَها عَلَيْكُنَّ لُزُومَ البُيُوتِ فَلَمْ يَحُجّا بَعْدُ لِذَلِكَ، وغَيْرُهُما فَهِمَ مِنهُ المُناسِبَ لَكِنْ أوِ اللّائِقُ بِكُنَّ هَذِهِ الحِجَّةُ أيْ جِنْسُها أوْ هَذِهِ الحالَةُ مِنَ السَّفَرِ لِلْحَجِّ أوْ لِأمْرٍ دِينِيٍّ مُهِمٍّ، ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ المُناسِبِ أوِ اللّائِقِ لُزُومَ البُيُوتِ، فَيَكُونُ مُفادُهُ إباحَةُ الخُرُوجِ لِذَلِكَ.
ومَن أنْصَفَ لا يَكادُ يَقُولُ بِإفادَةِ الخَبَرِ الأمْرَ بِلُزُومِ البُيُوتِ والنَّهْيَ عَنِ الخُرُوجِ مِنها مُطْلَقًا بَعْدَ تِلْكَ الحِجَّةِ بِخُصُوصِها، فَإنَّ النَّبِيَّ مَرِضَ في بَيْتِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وبَقِيَ مَرِيضًا فِيهِ حَتّى تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَكادُ يَشُكُّ أحَدٌ في خُرُوجِ سائِرِهِنَّ لِعِيادَتِهِ أوْ يَتَصَوَّرُ اِسْتِقْرارَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ غَيْرَ بالِينَ شَوْقَهُنَّ بِرُؤْيَةِ طَلْعَتِهِ الشَّرِيفَةِ حَتّى تُوُفِّيَ ، فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ أقَلُّ النِّساءِ حُبًّا لِأزْواجِهِنَّ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهم فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ الأزْواجُ الطّاهِراتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وهو هو وحُبُّهُنَّ لَهُ حُبُّهُنَّ، ثُمَّ إنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ ويَحْتاجُ الجَزْمُ بِصِحَّتِهِ إلى تَنْقِيرٍ ومُراجَعَةٍ فَلْيُنْقَرْ ولْيُراجَعْ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ ﴾ أُمِرْنَ بِهِما لِإنافَتِهِما عَلى غَيْرِهِما وكَوْنِهِما أساسَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.
﴿ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ في كُلِّ ما تَأْتِينَ وتَذَرْنَ لا سِيَّما فِيما أُمِرْتُنَّ بِهِ ونُهِيتُنَّ عَنْهُ.
﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُفِيدٌ تَعْلِيلَ أمْرِهِنَّ ونَهْيِهِنَّ، والرِّجْسُ في الأصْلِ الشَّيْءُ القَذِرُ وأُرِيدَ بِهِ هُنا عِنْدَ كَثِيرٍ الذَّنْبُ مَجازًا، وقالَ السُّدِّيُّ: الإثْمُ، وقالَ الزَّجّاجُ: الفِسْقُ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: الشَّيْطانُ، وقالَ الحَسَنُ: الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، وقِيلَ: البُخْلُ والطَّمَعُ، وقِيلَ: الأهْواءُ والبِدَعُ، وقِيلَ: إنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلى الإثْمِ وعَلى العَذابِ وعَلى النَّجاسَةِ وعَلى النَّقائِصِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الضَّعْفِ، وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ.
والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ التَّحْلِيَةُ بِالتَّقْوى، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ فِيما نَهاكم ويُحَلِّيكم بِالتَّقْوى تَحْلِيَةً بَلِيغَةً فِيما أمَرَكُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الصَّوْنُ، والمَعْنى إنَّما يُرِيدُ سُبْحانَهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ويَصُونَكم مِنَ المَعاصِي صَوْنًا بَلِيغًا فِيما أمَرَ ونَهى جَلَّ شَأْنُهُ.
واخْتُلِفَ في لامِ ﴿ لِيُذْهِبَ ﴾ فَقِيلَ زائِدَةٌ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِ يُرِيدَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ اللَّهُ إذْهابَ الرِّجْسِ عَنْكم وتَطْهِيرَكُمْ، وقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فَقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أمْرَكم ونَهْيَكم لِيُذْهِبَ أوْ إنَّما يُرِيدُ مِنكم ما يُرِيدُ لِيُذْهِبَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ومَن تابَعَهُما: الفِعْلُ في ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ واللّامُ وما بَعْدَها خَبَرٌ أيْ إنَّما إرادَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْإذْهابِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ فِي- تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- فَلا مَفْعُولَ لِلْفِعْلِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: اللّامُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وإرادَتُهُ لِيُذْهِبَ وهو كَما تَرى، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ جارٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ﴿ وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ مَكانِ ونُصِبَ ( أهْلَ ) عَلى النِّداءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى المَدْحِ فَيُقَدَّرُ أمْدَحُ أوْ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ عَلى الِاخْتِصاصِ وهو قَلِيلٌ في المُخاطَبِ ومِنهُ بِكَ اللَّهِ نَرْجُو الفَضْلَ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ في المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: نَحْنُ بَناتُ طارِقٍ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ.
وألْ في البَيْتِ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ بَيْتِ النَّبِيِّ ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ بَيْتُ الطِّينِ والخَشَبِ لا بَيْتَ القَرابَةِ والنَّسَبِ وهو بَيْتُ السُّكْنى لا المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ كَما قِيلَ، وحِينَئِذٍ فالمُرادُ بِأهْلِهِ نِساؤُهُ المُطَهَّراتُ لِلْقَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ سِوى سُكْناهُنَّ، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ﴾ إلخ في نِساءِ النَّبِيِّ خاصَّةً، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ ذَلِكَ بِدُونِ لَفْظِ (خاصَّةً)، وقالَ عِكْرِمَةُ مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ بِاَلَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ إنَّما هو نِساءُ النَّبِيِّ .
ورَوى اِبْنُ جَرِيرٍ أيْضًا أنَّ عِكْرِمَةَ كانَ يُنادِي في السُّوقِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ نَزَلَ في نِساءِ النَّبِيِّ ، وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ ﴿ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ قالَ: يَعْنِي أزْواجَ النَّبِيِّ وتَوْحِيدَ البَيْتِ لِأنَّ بُيُوتَ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ بِاعْتِبارِ الإضافَةِ إلى النَّبِيِّ بَيْتٌ واحِدٌ وجَمْعُهُ فِيما سَبَقَ ولَحِقَ بِاعْتِبارِ الإضافَةِ إلى الأزْواجِ المُطَهَّراتِ اللّاتِي كُنَّ مُتَعَدِّداتٍ، وجَمْعُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إرادَةِ بَيْتِ زَيْنَبَ لَوْ أُفْرِدَ مِن حَيْثُ إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أمْرٌ وقَعَ فِيهِ كَما سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأُورِدَ ضَمِيرُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في ( عَنْكُمُ )، ﴿ ويُطَهِّرَكُمْ ﴾ رِعايَةً لِلَفْظِ الأهْلِ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما يَسْتَعْمِلُونَ صِيَغَ المُذَكَّرِ في مِثْلِ ذَلِكَ رِعايَةً لِلَّفْظِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِسارَّةَ اِمْرَأةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِاِمْرَأتِهِ ولَعَلَّ اِعْتِبارَ التَّذْكِيرِ هُنا أدْخَلَ في التَّعْظِيمِ، وقِيلَ: المُرادُ هو ونِساؤُهُ المُطَهَّراتُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، وضَمِيرُ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِتَغْلِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ النَّسَبِ ولِذا أُفْرِدَ ولَمْ يُجْمَعْ كَما في السّابِقِ واللّاحِقِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ، ﴿ وأصْحابُ الشِّمالِ ﴾ فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثُلُثًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ فَأنا مِنَ السّابِقِينَ وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ ثُمَّ جَعَلَ إلّا ثَلاثَ قَبائِلَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ولا فَخْرَ، ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ أنا وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ»» فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو قِسْمٌ مِنَ القَبِيلَةِ البَيْتُ النِّسْبِيُّ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِأهْلِهِ فَذَهَبَ الثَّعْلَبِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِهِمْ جَمِيعُ بَنِي هاشِمٍ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُؤْمِنِي بَنِي هاشِمٍ وهَذا هو المُرادُ بِالآلِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: المُرادُ بِهِمْ آلُهُ الَّذِينَ هم مُؤْمِنُو بَنِي هاشِمٍ والمُطَّلِبِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أهْلَ البَيْتِ تُعُورِفَ في أُسْرَةِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا، وأُسْرَةُ الرَّجُلِ عَلى ما في القامُوسِ رَهْطُهُ أيْ قَوْمُهُ وقَبِيلَتُهُ الأدْنَوْنَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: صارَ أهْلُ البَيْتِ مُتَعارَفًا في آلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصَحَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: مِن أهْلِ بَيْتِهِ نِساؤُهُ ؟
فَقالَ: لا، اَيْمُ اللَّهِ إنَّ المَرْأةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ ثُمَّ يُطَلِّقُها فَتَرْجِعُ إلى أبِيها وقَوْمِها أهْلِ بَيْتِهِ أصْلِهِ وعُصْبَتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، وفي آخَرٍ أخْرَجَهُ هو أيْضًا مُبَيِّنٌ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ أنَّهُ قالَ: هم آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَبّاسٍ، وقالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ: أهْلُ البَيْتِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ البَيْتُ المَدَرُ والخَشَبُ أمْ بَيْتُ القَرابَةِ والنَّسَبِ عامٌّ، أمّا عُمُومُهُ عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ يَشْمَلُ الإماءَ والخَدَمَ فَإنَّ البَيْتَ المَدَرِيَّ يَسْكُنُهُ هَؤُلاءِ أيْضًا وقَدْ صَحَّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمُومَ غَيْرُ مُرادٍ.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ في بَيْتِي نَزَلَتْ ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ بِكِساءٍ كانَ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا».
وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وأوْمَأ بِها إلى السَّماءِ وقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وخاصَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا، ثَلاثَ مَرّاتٍ.
وفِي بَعْضٍ آخَرَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ألْقى عَلَيْهِمْ كِساءً فَدَكِيًّا ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وفي لَفْظٍ آلُ مُحَمَّدٍ فاجْعَلْ صَلَواتِكَ وبَرَكاتِكَ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما جَعَلْتَها عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وجاءَ في رِوايَةٍ أخْرَجَها الطَّبَرانِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: فَرَفَعْتُ الكِساءَ لِأدْخُلَ مَعَهم فَجَذَبَهُ مِن يَدِي وقالَ: إنَّكِ عَلى خَيْرٍ» .
وفِي أُخْرى رَواها اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها «أنَّها قالَتْ ألَسْتُ مِن أهْلِ البَيْتِ؟
فَقالَ إنَّكِ إلى خَيْرٍ إنَّكَ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ ،» وفي آخِرِها رَواها التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأنا مَعَهُمْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، قالَ: أنْتِ عَلى مَكانِكِ وإنَّكِ عَلى خَيْرٍ».
وأخْبارُ إدْخالِهِ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم تَحْتَ الكِساءِ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، ودُعائِهِ لَهُمْ، وعَدَمِ إدْخالِ أُمِّ سَلَمَةَ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وهي مُخَصَّصَةٌ لِعُمُومِ أهْلِ البَيْتِ بِأيِّ مَعْنًى كانَ البَيْتُ فالمُرادُ بِهِمْ مَن شَمَلَهُمُ الكِساءُ ولا يَدْخُلُ فِيهِمْ أزْواجُهُ ، وقَدْ صَرَّحَ بِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ مِنَ الشِّيعَةِ عَبْدُ اللَّهِ المَشْهَدِيُّ، وقالَ المُرادُ مِنَ البَيْتِ بَيْتُ النُّبُوَّةِ ولا شَكَّ أنَّ أهْلَ البَيْتِ لُغَةً شامِلٌ لِلْأزْواجِ بَلْ لِلْخُدّامِ مِنَ الإماءِ اللّائِي يَسْكُنَّ في البَيْتِ أيْضًا: ولَيْسَ المُرادُ هَذا المَعْنى اللُّغَوِيَّ بِهَذِهِ السِّعَةِ بِالِاتِّفاقِ، فالمُرادُ بِهِ آلُ العَباءِ الَّذِينَ خَصَصَّهم حَدِيثُ السَّكّاءِ، وقالَ أيْضًا: إنَّ كَوْنَ البُيُوتِ جَمْعًا في ﴿ بُيُوتِكُنَّ ﴾ وإفْرادَ البَيْتِ في ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بُيُوتَهُنَّ غَيْرُ بَيْتِ النَّبِيِّ اه.
وفِيهِ ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وقِيلَ المُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ السُّكْنى وبَيْتُ النَّسَبِ، وأهْلُ ذَلِكَ أهْلُ كُلٍّ مِنَ البَيْتَيْنِ، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ فِيهِ وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ السُّكْنى وأهْلُهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ وسِباقُها والأخْبارُ الَّتِي لا تُحْصى كَثْرَةً ويَشْهَدُ لَهُ العُرْفُ مَن لَهُ مَزِيدُ اِخْتِصاصٍ بِهِ إمّا بِالسُّكْنى فِيهِ مَعَ القِيامِ بِمَصالِحِهِ وتَدْبِيرِ شَأْنِهِ والِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ وعَدَمِ كَوْنِ السّاكِنِ في مَعْرِضِ التَّبَدُّلِ والتَّحَوُّلِ بِحُكْمِ العادَةِ الجارِيَةِ مِن بَيْعٍ وهِبَةٍ كالأزْواجِ، أوْ بِالسُّكْنى فِيهِ كَذَلِكَ بِدُونِ مُلاحَظَةِ القِيامِ بِالمَصالِحِ كالأوْلادِ، أوْ بِقُرْبَةٍ مِن صاحِبِهِ تَقْضِي بِحَسَبِ العادَةِ بِالتَّرَدُّدِ إلَيْهِ والجُلُوسِ فِيهِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ مِن صاحِبِهِ لِذَلِكَ، أوْ بِعَدَمِ المَنعِ مِن ذَلِكَ فالأوْلادُ الَّذِينَ لا يُسْكِنُونَهُ وكَأوْلادِهِمْ وإنْ نَزَلُوا وكالأعْمامِ وأوْلادِ الأعْمامِ، عَلى هَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ وقَدْ سَمِعْتَ بَعْضَها كَحَدِيثِ الكِساءِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ وكالحَدِيثِ الحَسَنِ «أنَّهُ اِشْتَمَلَ عَلى العَبّاسِ وبَنِيهِ بِمُلاءَةٍ، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ هَذا عَمِّي وصِنْوُ أبِي وهَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فاسْتُرْهم مِنَ النّارِ كَسَتْرِي إيّاهم بِمُلاءَتِي هَذِهِ، فَأمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ البابِ وحَوائِطُ البَيْتِ فَقالَتْ آمِينَ ثَلاثًا».
وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَمَّ إلى أهْلِ الكِساءِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَقِيَّةَ بَناتِهِ وأقارِبِهِ وأزْواجِهِ، وصَحَّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ في بَعْضٍ آخَرَ أنَّها قالَتْ، فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أما أنا مِن أهْلِ البَيْتِ؟
فَقالَ: بَلى إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي بَعْضٍ آخَرَ أيْضًا أنَّها قالَتْ لَهُ ؟
ألَسْتُ مِن أهْلِكَ، قالَ: بَلى، وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أدْخَلَها الكِساءَ بَعْدَ ما قَضى دُعاءَهُ لَهم.
وقَدْ تَكَرَّرَ كَما أشارَ إلَيْهِ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِنهُ الجَمْعُ وقَوْلُ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي والدُّعاءُ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وبَيْتِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِما، وبِهِ جُمِعَ بَيْنَ اِخْتِلافِ الرِّواياتِ في هَيْئَةِ الِاجْتِماعِ وما جَلَّلَ بِهِ المُجْتَمِعِينَ وما دَعا بِهِ لَهُمْ، وما أجابَ بِهِ أُمَّ سَلَمَةَ، وعَدَمُ إدْخالِها في بَعْضِ المَرّاتِ تَحْتَ الكِساءِ لَيْسَ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن أهْلِ البَيْتِ أصْلًا بَلْ لِظُهُورِ أنَّها مِنهم حَيْثُ كانَتْ مِنَ الأزْواجِ اللّاتِي يَقْتَضِي سِياقُ الآيَةِ وسِباقُها دُخُولَهُنَّ فِيهِمْ بِخِلافِ مَن أُدْخِلُوا تَحْتَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ لَمْ يُدْخِلْهم ويَقُلْ ما قالَ لَتُوُهِّمَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الآيَةِ لِعَدَمِ اِقْتِضاءِ سِياقِها وسِباقِها ذَلِكَ.
وذَكَرَ اِبْنُ حَجَرٍ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ بَعْضِ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ الحَمْلَ عَلى أنَّ النُّزُولَ كانَ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ أدْخَلَ بَعْضَ مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ سَبَبِيَّةٌ ولا نِسْبِيَّةٌ في أهْلِ البَيْتِ تَوَسُّعًا وتَشْبِيهًا كَسَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««سَلْمانُ مِنّا أهْلَ البَيْتِ»،» وجاءَ في رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ «أنَّ واثِلَةَ قالَ: وأنا مِن أهْلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقالَ: عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْتَ مِن أهْلِي، فَكانَ واثِلَةُ يَقُولُ: إنَّها لَمِن أرْجى ما أرْجُو،» والخَبَرُ الدّالُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ البَيْتُ النِّسْبِيُّ أعْنِي خَبَرَ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ ومَن مَعَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ يَجُوزُ حَمْلُ البَيْتِ فِيهِ عَلى بَيْتِ المَدَرِ، والحَيَوانُ يَنْقَسِمُ إلى رُومِيٍّ وزِنْجِيٍّ مَثَلًا كَما يَنْقَسِمُ الإنْسانُ إلَيْهِما عَلى أنَّ في رُواتِهِ مِن وثَّقَهُ اِبْنُ مَعِينٍ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ والجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّعْدِيلِ، وما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن نَفْيِ كَوْنِ أزْواجِهِ أهْلَ بَيْتِهِ وكَوْنِ أهْلِ بَيْتِهِ أصْلَهُ وعُصْبَتَهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمُرادُ بِأهْلِ البَيْتِ فِيهِ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ جَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ثانِيَ الثَّقَلَيْنِ لا أهْلُ البَيْتِ بِالمَعْنى الأعَمِّ المُرادِ في الآيَةِ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ يَزِيدَ بْنِ حِبّانَ قالَ: اِنْطَلَقْتُ أنا وحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إلى زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ فَلَمّا جَلَسْنا إلَيْهِ قالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ وسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وغَزَوْتَ مَعَهُ وصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ يا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنا يا زَيْدُ بِما سَمِعْتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ، قالَ: يا اِبْنَ أخِي واَللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وقَدُمَ عَهْدِي ونَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أعِي مِن رَسُولِ اللَّهِ فَما حَدَّثْتُكم فاقْبَلُوا وما لا فَلا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فِينا خَطِيبًا بِماءٍ يُدْعى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ووَعَظَ وذَكَّرَ، ثُمَّ قالَ: «أمّا بَعْدُ ألا يا أيُّها النّاسُ فَإنَّما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وإنِّي تارِكٌ فِيكم ثَقَلَيْنِ أوَّلُهُما كِتابُ اللَّهِ فِيهِ الهُدى والنُّورُ فَخُذُوا بِكِتابِ اللَّهِ واسْتَمْسَكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللَّهِ ورَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: «وأهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي أُذِكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي، ثَلاثًا- فَقالَ لَهُ حُصَيْنٌ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ يا زَيْدُ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟
قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ- قالَ: ومَن هُمْ؟
قالَ: هم آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَبّاسٍ»» الحَدِيثَ.
فَإنَّ الِاسْتِدْراكَ بَعْدَ جَعْلِهِ النِّساءَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ظاهِرٌ في أنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُرادِ بِأهْلِ البَيْتِ في الحَدِيثِ الَّذِي حُدِّثَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم فِيهِ ثانِي الثَّقَلَيْنِ فَلِأهْلِ البَيْتِ إطْلاقانِ يَدْخُلُ في أحَدِهِما النِّساءُ ولا يَدْخُلْنَ في الآخَرِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والخَبَرِ السّابِقِ المُتَضَمِّنِ نَفْيَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَوْنَ النِّساءِ مِن أهْلِ البَيْتِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ظاهِرَ تَعْلِيلِهِ نَفِيُ كَوْنِ النِّساءِ أهْلَ البَيْتِ بِقَوْلِهِ: اَيْمُ اللَّهِ إنَّ المَرْأةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ ثُمَّ يُطَلِّقُها فَتَرْجِعُ إلى أبِيها وقَوْمِها، يَقْتَضِي أنْ لا يَكُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ مُطْلَقًا فَلَعَلَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ في الخَبَرِ السّابِقِ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ أنِساؤُهُ إلخ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فَيَكُونُ بِمَعْنى لَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، كَما في مُعْظَمِ الرِّواياتِ في غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ويَكُونُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنْ يَرى أنَّ نِساءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَسْنَ مِن أهْلِ البَيْتِ أصْلًا ولا يَلْزَمُنا أنْ نَدِينَ اللَّهَ تَعالى بِرَأْيِهِ لا سِيَّما وظاهِرُ الآيَةِ مَعَنا وكَذا العُرْفُ وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ هم أحَدَ الثَّقَلَيْنِ بِالمَعْنى الشّامِلِ لِلْأزْواجِ وغَيْرُهُنَّ مِن أصْلِهِ وعُصْبَتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ عَدَمُ اِسْتِمْرارِ بَقاءِ الأزْواجِ كَما اِسْتَمَرَّ بَقاءُ الآخَرِينَ مَعَ الكِتابِ كَما لا يَخْفى اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ : ««إنِّي تارِكٌ فِيكم خَلِيفَتَيْنِ - وفي رِوايَةٍ ثَقَلَيْنِ - كِتابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»،» يَقْتَضِي أنَّ النِّساءَ المُطَهَّراتِ غَيْرُ داخِلاتٍ في أهْلِ البَيْتِ الَّذِينَ هم أحَدُ الثَّقَلَيْنِ لِأنَّ عِتْرَةَ الرَّجُلِ كَما في الصِّحاحِ نَسْلُهُ ورَهْطُهُ الأدْنَوْنَ، وأهْلَ بَيْتِي في الحَدِيثِ الظّاهِرِ أنَّهُ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ مُتَّحِدًا مَعَهُ فَحَيْثُ لَمْ تَدَخُلِ النِّساءُ في الأوَّلِ لَمْ تَدْخُلْ في الثّانِي.
وفِي النِّهايَةِ أنَّ عِتْرَةَ النَّبِيِّ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ أهْلُ بَيْتِهِ الأقْرَبُونَ وهم أوْلادُهُ وعَلِيٌّ وأوْلادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: عِتْرَتُهُ الأقْرَبُونَ والأبْعَدُونَ مِنهُمُ اه.
واَلَّذِي رَجَّحَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّهم مَن حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ، وفي كَوْنِ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ كَذَلِكَ خِلافٌ قالَ اِبْنُ حَجَرٍ: والقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الزَّكاةِ عَلَيْهِنَّ ضَعِيفٌ، وإنْ حَكى اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ الإجْماعَ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ، ولا يُرَدُّ عَلى حَمْلِ أهْلِ البَيْتِ في الآيَةِ عَلى المَعْنى الأعَمِّ ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ فِيَّ وفي عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وحَسَنٍ وحُسَيْنٍ ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ »» إذْ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ، والعَدَدُ لا مَفْهُومَ لَهُ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى مَن ذَكَرَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم أفْضَلُ مَن دَخَلَ في العُمُومِ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الحَدِيثِ واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَمْ أعْهَدْ نَحْوَ هَذا في الآياتِ مِنهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها في أسْبابِ النُّزُولِ، وبِتَفْسِيرِ أهْلِ البَيْتِ بِمَن لَهُ مَزِيدُ اِخْتِصاصٍ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ يَنْدَفِعُ ما ذَكَرَهُ المَشْهَدِيُّ مِن شُمُولِهِ لِلْخُدّامِ والإماءِ والعَبِيدِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ البَيْتَ فَإنَّهم في مَعْرِضِ التَّبَدُّلِ والتَّحَوُّلِ بِانْتِقالِهِمْ مِن مَلِكٍ إلى مَلِكٍ بِنَحْوِ الهِبَةِ والبَيْعِ ولَيْسَ لَهم قِيامٌ بِمَصالِحِهِ واهْتِمامٌ بِأمْرِهِ وتَدْبِيرٌ لِشَأْنِهِ إلّا حَيْثُ يُؤْمَرُونَ بِذَلِكَ، ونَظْمُهم في سِلْكِ الأزْواجِ ودَعْوى أنَّ نِسْبَةَ الجَمِيعِ إلى البَيْتِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُنْصِفٌ ولا يَقُولُ بِهِ إلّا مُتَعَسِّفٌ.
وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ دُخُولَهم في العُمُومِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لِأنَّ الآيَةَ عِنْدَهم لا تَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ ولا حَجْرَ عَلى رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِأجْلِ عَيْنِ ألْفِ عَيْنٍ تُكْرَمُ، وأمّا أمْرُ الجَمْعِ والأفْرادِ فَقَدْ سَمِعْتَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، والظّاهِرُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ التَّعْبِيرَ بِضَمِيرِ جَمْعِ المُذَكَّرِ في ( عَنْكُمُ ) لِلتَّغْلِيبِ، وذُكِرَ أنَّ في ( عَنْكُمُ ) عَلَيْهِ تَغْلِيبَيْنِ أحَدُهُما تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وثانِيهِما تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ إذْ غَيْرُ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ مِن أهْلِ البَيْتِ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ فِيما قَبْلُ ولَمْ يُخاطَبُوا بِأمْرٍ أوْ نَهْيٍ أوْ غَيْرِهِما فِيهِ، وأمْرُ التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَظُهُورِهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِأهْلِ البَيْتِ الأزْواجُ المُطَهَّراتُ فَقَطْ.
واعْتَذَرَ المَشْهَدِيُّ عَنْ وُقُوعِ جُمْلَةِ ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ﴾ إلخ في البَيْنِ بِأنَّ مِثْلَهُ واقِعٌ في القُرْآنِ الكَرِيمِ فَقَدْ قالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ ﴾ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ تَمامِ الآيَةِ: ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ فَعَطَفَ أقِيمُوا عَلى أطِيعُوا مَعَ وُقُوعِ الفَصْلِ الكَثِيرِ بَيْنَهُما، وفِيهِ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ ( أقِيمُوا الصَّلاةَ ) إلخ ( وأطِيعُوا الرَّسُولَ ) فَلَوْ كانَ العَطْفُ عَلى ما ذُكِرَ لَزِمَ عَطْفُ أطِيعُوا عَلى أطِيعُوا وهو كَما تَرى.
سَلَّمْنا أنْ لا فَسادَ في ذَلِكَ إلّا أنَّ مِثْلَ هَذا الفَصْلِ لَيْسَ في مَحَلِّ النِّزاعِ فَإنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ مِن حَيْثُ الإعْرابُ وهو لا يُنافِي البَلاغَةَ وما نَحْنُ فِيهِ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ فَصْلٌ بِأجْنَبِيٍّ بِاعْتِبارِ مَوارِدِ الآياتِ اللّاحِقَةِ والسّابِقَةِ، وإنْكارُ مُنافاتِهِ لِلْبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ مُكابَرَةٌ لا تَخْفى.
ومِمّا يَضْحَكُ مِنهُ الصِّبْيانُ أنَّهُ قالَ بَعْدُ: إنَّ بَيْنَ الآياتِ مُغايِرَةً إنْشائِيَّةً وخَبَرِيَّةً لِأنَّ آيَةَ التَّطْهِيرِ جُمْلَةٌ نِدائِيَّةٌ وخَبَرِيَّةٌ وما قَبْلَها وما بَعْدَها مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ جُمَلٌ إنْشائِيَّةٌ وعَطْفُ الإنْشائِيَّةِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لا يَجُوزُ، ولَعَمْرِي أنَّهُ أشْبَهُ كَلامٍ مِن حَيْثُ الغَلَطُ بِقَوْلِ بَعْضِ عَوامِّ الأعْجامِ: (خسن وخسين دختران مغاوية)، ﴿ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ ثُمَّ إنَّ الشِّيعَةَ اِسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِتَخْصِيصِ أهْلِ البَيْتِ فِيها بِمَن سَمِعْتَ، وجَعَلَ ﴿ لِيُذْهِبَ ﴾ مَفْعُولًا بِهِ لِ ﴿ يُرِيدُ ﴾ وتَفْسِيرُ الرِّجْسِ بِالذُّنُوبِ عَلى العِصْمَةِ فَذَهَبُوا إلى أنَّ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ عِصْمَتَهُ مِنها، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ المُتَأخِّرِينَ بِأنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَعَيُّنُ كُلِّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا تَسْلَمُ دَلالَتُها عَلى العِصْمَةِ بَلْ لَها دَلالَةٌ عَلى عَدَمِها إذْ لا يُقالُ في حَقِّ مَن هو طاهِرٌ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أُطَهِّرَهُ ضَرُورَةَ اِمْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ.
وغايَةُ ما في البابِ أنَّ كَوْنَ أُولَئِكَ الأشْخاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَحْفُوظَيْنِ مِنَ الرِّجْسِ والذُّنُوبِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإذْهابِ رِجْسِهِمْ يَثْبُتُ بِالآيَةِ ولَكِنْ هَذا أيْضًا عَلى أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ لا عَلى أُصُولِ الشِّيعَةِ لِأنَّ وُقُوعَ مُرادِهِ تَعالى غَيْرُ لازِمٍ عِنْدَهم لِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مُطْلَقًا وبِالجُمْلَةِ لَوْ كانَتْ إفادَةُ مَعْنى العِصْمَةِ مَقْصُودَةً لَقِيلَ هَكَذا إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وطَهَّرَكم تَطْهِيرًا، وأيْضًا لَوْ كانَتْ مُفِيدَةً لِلْعِصْمَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الصَّحابَةُ لا سِيَّما الحاضِرِينَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قاطِبَةً مَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ بَلْ لَعَلَّ هَذا أفْيَدُ لِما فِيهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ فَإنَّ وُقُوعَ هَذا الإتْمامِ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الحِفْظِ عَنِ المَعاصِي وشَرِّ الشَّيْطانِ اه.
وقَرَّرَ الطَّبَرْسِيُّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى العِصْمَةِ بِأنَّ ﴿ إنَّما ﴾ لَفْظَةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما أثْبَتَ بَعْدَها نافِيَةٌ لِما لَمْ يُثْبِتْ، فَإذا قِيلَ: إنَّما لَكَ عِنْدِي دِرْهَمٌ أفادَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِ عِنْدَهُ سِوى دِرْهَمٍ فَتُفِيدُ الآيَةُ تَحَقُّقَ الإرادَةِ ونَفْيَ غَيْرِها، والإرادَةُ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ هي الإرادَةَ المَحْضَةَ أوِ الإرادَةَ الَّتِي يَتْبَعُها التَّطْهِيرُ، وإذْهابُ الرِّجْسِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإرادَةَ المَحْضَةَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن كُلِّ مُكَلَّفٍ ذَلِكَ بِالإرادَةِ المَحْضَةِ فَلا اِخْتِصاصَ لَها بِأهْلِ البَيْتِ دُونَ سائِرِ المُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ يَقْتَضِي المَدْحَ والتَّعْظِيمَ لَهم بِلا رَيْبٍ ولا مَدْحٍ في الإرادَةِ المُجَرَّدَةِ فَتَعَيَّنَ إرادَةُ الإرادَةِ بِالمَعْنى الثّانِي، وقَدْ عُلِمَ أنَّ مَن عَدا أهْلِ الكِساءِ غَيْرُ مُرادٍ فَتَخْتَصُّ العِصْمَةُ بِهِمُ اه.
وهو كَما تَرى، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو أفْضَلُ مِن ضَمِّهِ الكِساءَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَفي نَهْجِ البَلاغَةِ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لِأصْحابِهِ: لا تَكُفُّوا عَنْ مَقالَةٍ بِحَقٍّ أوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإنِّي لَسْتُ بِفَوْقِ أنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ مِن ذَلِكَ في فِعْلِي إلّا أنْ يُلْقِيَ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِي ما هو أمْلَكُ بِهِ مِنِّي، وفِيهِ أيْضًا كانَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ما تَقَرَّبْتُ بِهِ إلَيْكَ وخالَفَهُ قَلْبِي، وقَصْدُ التَّعْلِيمِ كَما في بَعْضِ الأدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ بَعِيدٌ كَذا قِيلَ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وفَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ الإرادَةَ هاهُنا بِالمَحَبَّةِ، قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِها الإرادَةُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَها الفِعْلُ لَكانَ كُلٌّ مِن أهْلِ البَيْتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَحْفُوظًا مِن كُلِّ ذَنَبٍ والمَشاهِدُ خِلافُهُ، والتَّخْصِيصُ بِأهْلِ الكِساءِ وسائِرِ الأئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامِيَّةُ المُدَّعُونَ عِصْمَتَهم مِمّا لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَنا، والمَدْحُ جاءَ مِن جِهَةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِمْ وإفادَتِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى لَهم هَذا الأمْرَ الجَلِيلَ الشَّأْنَ ومُخاطَبَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم بِذَلِكَ وجَعْلِهِ قُرْآنًا يُتْلى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى كَوْنِ الإرادَةِ هاهُنا بِالمَعْنى المَذْكُورِ دُونَ المَعْنى المَشْهُورِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ الفِعْلُ بِأنَّهُ «قالَ حِينَ أدْخَلَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم تَحْتَ الكِساءِ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا»» فَإنَّهُ أيُّ حاجَةٍ لِلدُّعاءِ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُرادًا بِالإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وهَلْ هو الِادِّعاءُ بِحُصُولٍ واجِبِ الحُصُولِ.
واسْتَدَلَّ بِهَذا بَعْضُهم عَلى عَدَمِ نُزُولِ الآيَةِ في حَقِّهِمْ وإنَّما أدْخَلَهم في أهْلِ البَيْتِ المَذْكُورِ في الآيَةِ بِدُعائِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُو جَمِيعُ ما ذُكِرَ عَنْ بَحْثٍ، واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِأهْلِ البَيْتِ مَن لَهم مَزِيدُ عَلاقَةٍ بِهِ ونِسْبَةٍ قَوِيَّةٍ قَرِيبَةٍ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ لا يَقْبُحُ عُرْفًا اِجْتِماعُهم وسُكْناهم مَعَهُ في بَيْتٍ واحِدٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أزْواجُهُ والأرْبَعَةُ أهْلُ الكِساءِ وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ ما لَهُ مِنَ القَرابَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ قَدْ نَشَأ في بَيْتِهِ وحِجْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يُفارِقْهُ وعامَلَهُ كَوَلَدِهِ صَغِيرًا أوْ صاهَرَهُ وآخاهُ كَبِيرًا.
والإرادَةُ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ المُسْتَتْبَعِ لِلْفِعْلِ، والآيَةُ لا تَقُومُ دَلِيلًا عَلى عِصْمَةِ أهْلِ بَيْتِهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ المَوْجُودِينَ حِينَ نُزُولِها وغَيْرُهم ولا عَلى حِفْظِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى ما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ لا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ أوْ نَحْوُهُ لِإذْهابِ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرِ بِأنْ يُجْعَلَ المَفْعُولُ بِهِ لِ (يُرِيدُ) مَحْذُوفًا ويُجْعَلُ (لِيُذْهِبَ) و(يُطَهِّرُ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ وذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ بَلْ لِأنَّ المَعْنى حَسْبَما يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ويَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ والأمْرِ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى وأمَرَكم لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُرِيدُ بِنَهْيِكم وأمْرِكم إذْهابَ الرِّجْسِ عَنْكم وتَطْهِيرَكُمْ، وفي ذَلِكَ غايَةُ المُصْلِحَةِ لَكم ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ اِمْتِحانَكم وتَكْلِيفَكم بِلا مَنفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْكم وهو عَلى مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ يُرِيدُ بِنَهْيِكم وأمْرِكم لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ويُطَهِّرَكم إنِ اِنْتَهَيْتُمْ وائْتَمَرْتُمْ ضَرُورَةَ أنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ نَحْوُ أُسْلُوبِ قَوْلِ القائِلِ لِجَماعَةٍ عُلِمَ أنَّهم إذا شَرِبُوا الماءَ أذْهَبُ عَنْهم عَطَشَهم لا مَحالَةَ: يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالماءِ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ العَطَشَ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِالماءِ إذْهابَ العَطَشِ عَنْكم إنْ شَرِبْتُوهُ فَيَكُونُ المُرادُ إذْهابَ العَطَشِ بِشَرْطِ شُرْبِ المُخاطَبِينَ الماءَ لا الإذْهابَ مُطْلَقًا.
فَمُفادُ التَّرْكِيبِ في المِثالِ تَحَقُّقُ إذْهابِ العَطَشِ بَعْدَ الشُّرْبِ وفِيما نَحْنُ فِيهِ إذْهابُ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرُ بَعْدَ الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ لِأنَّ المُرادَ الإذْهابُ المَذْكُورُ بِشَرْطِهِما فَهو مُتَحَقِّقُ الوُقُوعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وتَحَقُّقُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ إذْ هو أمْرٌ اِخْتِيارِيٌّ ولَيْسَ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الذَّنْبُ وبِإذْهابِهِ إزالَةُ مَبادِئِهِ بِتَهْذِيبِ النَّفْسِ وجَعْلِ قُواها كالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ والقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَنْشَأُ عَنْهُما ما يَنْشَأُ مِنَ الذُّنُوبِ كالزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وغَيْرِهِما لا إزالَةُ نَفْسِ الذَّنْبِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ في الخارِجِ وصُدُورِهِ مِنَ الشَّخْصِ إذْ هو غَيْرُ مَعْقُولٍ إلّا عَلى مَعْنى مَحْوِهِ مِن صَحائِفِ الأعْمالِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ وإرادَةِ ذَلِكَ كَما تَرى.
وكَأنَّ مَآلُ الإذْهابِ التَّخْلِيَةَ ومَآلُ التَّطْهِيرِ التَّحْلِيَةَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، والآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الوَعْدَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ بِأنَّهم إنْ يَنْتَهُوا عَمّا يَنْهى عَنْهُ ويَأْتَمِرُوا بِما يَأْمُرُهم بِهِ يُذْهِبْ عَنْهم لا مَحالَةَ مَبادِئَ ما يَسْتَهْجِنُ وُيُحَلِّيهم أجَلَّ تَحْلِيَةٍ بِما يُسْتَحْسَنُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى قَبُولِ أعْمالِهِمْ وتَرَتُّبِ الآثارِ الجَمِيلَةِ عَلَيْها قَطْعًا ويَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لَهم ومِزْيَةً عَلى مَن عَداهم مِن حَيْثُ إنَّ أُولَئِكَ الأغْيارَ إذا اِنْتَهَوْا وائْتَمَرُوا لا يُقْطَعُ لَهم بِحُصُولِ ذَلِكَ.
ولِذا نَجِدُ عِبادَ أهْلِ البَيْتِ أتَمَّ حالًا مِن سائِرِ العِبادِ المُشارِكِينَ لَهم في العِبادَةِ الظّاهِرَةِ وأحْسَنَ أخْلاقًا وأزْكى نَفْسًا وإلَيْهِمْ تَنْتَهِي سَلاسِلُ الطَّرائِقِ الَّتِي مَبْناها كَما لا يَخْفى عَلى سالِكِيها التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ اللَّتانِ هُما جَناحانِ لِلطَّيَرانِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ والوُقُوفِ عَلى أوْكارِ الأُنْسِ حَتّى ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ القُطْبَ في كُلِّ عَصْرٍ لا يَكُونُ إلّا مِنهم خِلافًا لِلْأُسْتاذِ أبِي العَبّاسِ المُرْسِي حَيْثُ ذَهَبَ كَما نَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ التّاجُ بْنُ عَطاءِ اللَّهِ إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِمْ، ورَأيْتُ في مَكْتُوباتِ الإمامِ الفارُوقِيِّ الرَّبّانِيِّ مُجَدِّدِ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ ما حاصِلُهُ أنَّ القُطْبِيَّةَ لَمْ تَكُنْ عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ إلّا الأئِمَّةَ أهْلَ البَيْتِ المَشْهُورِينَ ثُمَّ إنَّها صارَتْ بَعْدَهم لِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ النِّيابَةِ عَنْهم حَتّى اِنْتَهَتِ النَّوْبَةُ إلى السَّيِّدِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ النُّورانِيِّ فَنالَ مَرْتَبَةَ القُطْبِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ فَلَمّا عُرِجَ بِرُوحِهِ القُدْسِيَّةِ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ نالَ مَن نالَ بَعْدَهُ تِلْكَ الرُّتْبَةَ عَلى سَبِيلِ النِّيابَةِ عَنْهُ فَإذا جاءَ المَهْدِيُّ يَنالُها أصالَةً كَما نالَها غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ اه، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ والوُقُوفِ عَلى حَقِّيَّتِهِ إلّا بِالكَشْفِ وأنّى لِي بِهِ.
واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ القُطْبَ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِمْ لَكِنَّ قُطْبَ الأقْطابِ لا يَكُونُ إلّا مِنهم لِأنَّهم أزْكى النّاسِ أصْلًا وأوْفَرُهم فَضْلًا وأنَّ مَن يَنالُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ مِنهم لا يَنالُها إلّا عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ دُونَ النِّيابَةِ والوِكالَةِ وأنا لا أعْقِلُ النِّيابَةَ في ذَلِكَ المَقامِ وإنْ عَقَلْتُ قُلْتُ: كُلُّ قُطْبٍ في كُلِّ عَصْرٍ نائِبٌ عَنْ نَبِيِّنا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ ولا بِدَعَ في نِيابَةِ الأقْطابِ بَعْدَهُ عَنْهُ كَما نابَتْ عَنْهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكامِلُ المُكَمِّلُ لِلْخَلِيقَةِ والواسِطَةِ في الإفاضَةِ عَلَيْهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ وكُلُّ مَن تَقَدَّمَهُ عَصْرًا مِنَ الأنْبِياءِ وتَأخَّرَ عَنْهُ مِنَ الأقْطابِ والأوْلِياءِ نُوّابٌ عَنْهُ ومُسْتَمِدُّونَ مِنهُ، وأقُولُ إنَّ السَّيِّدَ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ قَدْ نالَ ما نالَ مِنَ القُطْبِيَّةِ بِواسِطَةِ جَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِ حالٍ، فَقَدْ كانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أجِلَّةِ أهْلِ البَيْتِ حَسَنِيًّا مِن جِهَةِ الأبِ حُسَيْنِيًّا مِن جِهَةِ الأُمِّ لَمْ يُصِبْهُ نَقْصٌ لَوْ أنَّ وعَسى ولَيْتَ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا زِنْدِيقٌ أوْ رافِضِيٌّ يُنْكِرُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ وأرى أنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أفَلَتْ شُمُوسُ الأوَّلِينَ وشَمْسُنا ∗∗∗ أبَدًا عَلى فَلَكِ العُلا لا تَغْرُبُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يَنالُ القُطْبِيَّةَ بَعْدَهُ مِن أهْلِ البَيْتِ الَّذِينَ عُنْصُرُهم وعُنْصُرُهُ واحِدٌ نائِبٌ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ فَيْضٌ إلّا مِنهُ بَلْ غايَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويُومِئُ إلَيْهِ اِسْتِمْرارُ ظُهُورِ أمْرِهِ وانْتِشارُ صِيتِهِ وشُهْرَةُ طَرِيقَتِهِ وعُمُومُ فَيْضِهِ لِمَنِ اِسْتَفاضَ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِهِ مِنهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ وأظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
هَذا ما عِنْدِي في الكَلامِ عَلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِفَضِيلَةٍ لِأهْلِ البَيْتِ عَظِيمَةٍ، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ التَّعْبِيرِ بِ (يُرِيدُ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ إذْهابِ الرِّجْسِ عَلى التَّطْهِيرِ، ووَجْهُ دُعائِهِ لِأهْلِ الكِساءِ بِإذْهابِ الرِّجْسِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلدَّوامِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ﴾ ونَحْوِهِ، ولا يُورَدُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمّا يُورَدُ عَلى غَيْرِهِ ومَعَ هَذا لِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ ولا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا مانِعَ مِن أنَّ يُوَفِّقَ أحَدًا لِما هو أحْسَنُ مِن هَذا وأجَلُّ، فَتَدَبَّرْ ذاكَ واَللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وذلك أنه رأى منهن الميل إلى الدنيا، وطلبن منه فضل النفقة إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها يعني: وزهرتها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا يعني: أطلقكن طلاق السنة من غير إضرار.
قوله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: تطلبن رضي الله ورضى رسوله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ يعني: الجنة فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً يعني: ثواباً جزيلاً في الجنة.
فاعتزل النبيّ نساءه شهراً.
فلما نزلت هذه الآية، جمع نساءه.
فبدأ بعائشة فقال: «يا عَائِشَةُ إنِّي أُرِيدُ أنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أمْراً أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» .
قالت: وما هو يا رسول الله؟
فتلا عليها الآية.
فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟
بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة.
ثم خيّر نساءه فاخترنه سائر النساء.
ثم قال عز وجل: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني الزنى يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ يعني: تعاقب مثلي ما يعاقب غيرها.
ويقال: الجلد والرجم، وهذا قول الكلبي.
ويقال: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني: بمعصية، يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضعفين.
لأن كرامتهن كانت أكثر.
فجعل العقوبة عليهن أشد.
وهذا كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: يغفر للجاهل سبعون ما لا يغفر للعالم واحد.
ثم قال: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: هيّناً.
قرأ ابن كثير وعاصم في إحدى الروايتين مُبَيِّنَةٍ بنصب الياء.
وقرأ الباقون: بالكسر.
وقرأ ابن كثير وابن عامر: نُضَعِّفْ بالنون وتشديد العين، - لها العذابَ- بنصب الباء، ومعناه: لها العذاب.
وقرأ أبو عمرو: يضعّف بالياء والتشديد وضم الباء في العذاب على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون: يُضاعَفْ وهما لغتان.
والعرب تقول: تضعف الشيء وضاعفه.
ثم قال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أي: تطع منكن الله ورسوله وَتَعْمَلْ صالِحاً يعني: تعمل بالطاعات فيما بينها وبين ربّها نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ يعني: ثوابها ضعفين وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً يعني: ثواباً حسناً في الجنة.
قرأ حمزة والكسائي: وَيَعْمَلْ صالحا بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء.
فمن قرأ بالياء فللفظ مَنْ لأن لفظها لفظ واحد مذكر.
كما اتفقوا في قوله: وَمَنْ يَقْنُتْ.
ومن قرأ بالياء ذهب إلى المعنى، وصار منكن فاصلاً بين الفعلين.
وقرأ حمزة والكسائي يؤتها بالياء يعني: يؤتها الله.
وقرأ الباقون بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.
ثم قال عز وجل: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ يعني: لستنّ كسائر النساء.
فقال: لستن كأحد.
ولم يقل: كواحد.
لأن لفظ الأحد يصلح للواحد والجماعة، وأما لفظ الواحد لا يصلح إلا للواحد.
ثم قال عز وجل: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ يعني: إن اتقيتن المعصية وأطعتن الله ورسوله فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا تلنَّ بالقول.
ويقال: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فأنتن أحق الناس بالتقوى وتم الكلام.
ثم قال: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا ترفقن بالقول وهو اللين من الكلام.
ومعلوم أن الرجل إذا أتى باب إنسان والرجل غائب، فلا يجوز للمرأة أن تلين القول معه.
ثم قال: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ يعني: فجوز.
وقال عكرمة هو شهوة الزنى.
ويقال: الميل إلى المعصية وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني: صحيحاً جميلاً.
ويقال: قولاً حسناً يعني: ليناً.
ويقال: لا يقلن باللين فيفتن، ولا بالخشن فتؤذين وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً بين ذلك.
قال عز وجل: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قرأ نافع وعاصم وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بالنصب.
والباقون: بالكسر.
فمن قرأ بالكسر فمعناه: اسكن في بيوتكنَّ بالوقار.
وهو من وقر يقر وقاراً.
ويقال: هو من التقرير.
ويقال: قر يقر وأصلهُ قررن.
ولكن المضاعف يراد به التخفيف.
فحذف إحدى الراءين للتخفيف.
فلما طرحوا إحدى الراءين، استثقلوا الألف ولم تكن أصلية، وإنما دخلت للوصل.
فحذفت الألف.
ومن قرأ وَقَرْنَ بنصب القاف لا يكون إلا للتقرير.
ثم قال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى يعني: لا تتزين كتزين الجاهلية الأولى.
والتبرج إظهار الزينة.
ويقال: التبرج: الخروج من المنزل.
والْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال الكلبي: يعني: الأزمنة التي ولد فيها إبراهيم- -.
فكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدروع من اللؤلؤ، ثم تمشي وسط الطريق.
وكان ذلك في زمن النمرود الجبار.
وروي عن الحكم بن عيينة قال الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى كانت بين نوح وآدم- عليهما السلام-.
وكانت نساؤهم أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان.
وكانت المرأة تريد الرجل على نفسها.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى كانت بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة.
وقال مقاتل: الجاهلية الأولى كانت قبل خروج النبيّ .
وإنما سمى جاهلية الأولى لأنه كان قبله.
ثم قال: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ يعني: أتممن الصلوات الخمس وَآتِينَ الزَّكاةَ يعني: إن كان لكن مال وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما ينهاكن وفيما يأمركن إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ يعني: الإثم.
وأصله في اللغة كل خبيث من المأكول وغيره.
أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت وإنما كان نصباً للنداء.
ويقال: إنما صار نصباً للمدح.
ويقال: صار نصباً على جهة التفسير، فكأنه يقول: أعني أهل البيت.
وقال: عَنْكُمُ بلفظ التذكير، ولم يقل: عنكن لأن لفظ أهل البيت يصلح أن يذكر ويؤنث.
قوله وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً يعني: من الإثم والذنوب.
<div class="verse-tafsir"
الملك من فوق سبعة أرقعة» فأمر صلى الله عليه وسلّم بِرِجَالِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقِهُمْ، وَفِيهِمْ «١» حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِيرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْخَلَهُمْ فِي الْغَدْرِ، وظاهَرُوهُمْ: معناه: عاوَنُوهم، و «الصياصي» : الحُصُون، واحدُها صيصيةٍ وهي كل ما يَتَمَنَّعُ به، ومنه يقال لقرون البقر:
الصياصي، والفريقُ المقتولُ: الرجالُ، والفريقُ المأسور: العيالُ والذُّرِّيَّة.
وقوله سبحانه: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يريد بها: البلاد التي فتحت على المسلمين بعدُ كالعراقِ والشامِ واليمنِ وغيرها، فوعَدَ الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك.
قاله عكرمة «٢» .
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...
الآية، ذَكَرَ جُلُّ المفسرين أن أزواج النّبي صلى الله عليه وسلّم سَأَلْنَه شَيْئاً من عَرَضِ الدنيا، وآذَيْنَه بزيادة النَفَقَة والغَيْرَة، فَهَجَرَهُنَّ وآلى أَلاَّ يقربَهن شَهْراً، فنزلت هذه الآية، فبدأَ بعائشة، وقال:
«يا عَائشَةُ، إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهَا الآيةَ، فَقَالَتْ لَهُ: وَفِي أَيِّ هَذَا أُسْتَأْمِرُ «٣» أَبَوَيَّ؟
فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرة، قَالَتْ «٤» : وَقَدْ علِمَ أَن أَبَوَيَّ لاَ يَأْمُرَانِي بفراقه، ثمّ تتابع أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلّم على مثل قول
عَائِشَةَ، فاخترن اللهَ وَرَسُولَهُ- رَضِيَ «١» الله عنهن.
قالتْ فِرْقَةٌ قَوْله: بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعَاصِي ولزمهنَّ رضي الله عنهنَّ بحَسْبِ مَكَانَتُهُنَّ، أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمَ غيرَهن، فَضُوعِفَ لهنَّ الأجْرُ والعذابُ.
وقوله: ضِعْفَيْنِ معناه: يكونُ العذابُ عذابَين، أي: يضاف إلى عذابِ سائِر النَّاس عذابٌ آخر مثله، ويَقْنُتْ: معناه: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بالعبُوديَّة قاله الشعبي «٢» وقتادة «٣» .
والرزقُ الكريمُ: الجنة.
ثم خاطَبَهُنَّ اللهُ سبحانه بأنّهنّ لَسْنَ كأحدٍ مِن نساءِ عَصْرِهنَّ فَمَا بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أَفْضَلُ بشرطِ التَّقْوَى، وإنما خصصنا النساء لأَن فيمن تقدم آسية ومريم فتأملْهُ وقد أشار إلى هذا قتادة.
ثم نَهَاهُنَّ سبحانه عما كانت الحالُ عليه في نساء العرَب من مكالَمَةِ الرجال برَخيمِ القولِ وفَلا تَخْضَعْنَ معناه: لا تُلِنَّ.
قال ابن زيد: خضع القول ما يدخل في القلوب الغزل «٤» والمرضُ في هذه الآية قال قتادة: هو النفاق «٥» .
وقال عكرمة: الفِسْق «٦» والغزل، والقولُ المعروفُ هو الصوابُ الذي لا تنكره الشريعةُ ولا النفوسُ.
وقرأ الجمهور: «وقِرْن» - بكسر القَافِ-، وقرأ نافعُ وعاصِمُ:
«وقَرْن» - بالفتح «٧» -، فأما الأولى فيصح أن تكونَ من الوَقار، ويصحُّ أن تَكُونَ من القَرَارِ، وأما قراءة الفتح فعلى لغة العرب قَرِرْتُ- بِكَسْرِ الرَّاءِ- أَقِرَ- بفتح القاف في المكان/، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها الزجاج «٨» وغيره، ٧٤ أفأمر الله تعالى في هذه الآية نسَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلّم بملازمة بيوتهن، ونهاهنّ عن التبرج
والتبرّج إظهار الزينة والتصنّع بها، ومنه البروج لظهُورها وانكشافِها للعيون، واخْتَلَفَ الناسُ في الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فقالَ الشعبي: ما بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- «١» ، وقيل: غيرُ هذا.
قال ع «٢» : والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فَأَمِرْنَ بالنَّقْلَةِ عن سِيرَتِهنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْل الشَّرْعِ مِن سِيرةِ الكَفَرَةِ، وجَعْلِها أولى بالإضافة إلى حالةِ الإسْلام، وليس المعنى.
أن ثمّ جاهلية آخرة، والرِّجْسَ اسم يقعُ على الإثم وعلى العذابِ وعلى النَجَاسَات والنقائِص، فأذْهَبَ الله جميعَ ذلك عن أهْل البَيْتِ، قالت أم سلمةَ: نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّا وفاطِمَةَ وحَسَنَا وحُسَيْنا فَدَخَلَ مَعَهم تَحْت كساءِ خيبري، وقال: «هؤلاءِ أهل بيتي، وقرأ الآية، وقَال اللَّهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم وَأَنْتِ إلى خَيْرَ» «٣» .
والجمهورُ على هذا، وقال ابن عباس «٤» وغيره: أهل البيتِ:
أزواجه خاصة، والجمهور على ما تقدم.
قال ع «٥» : والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنتُه وبنوها وزوجُها أعنى عليّاً، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن.
قال صلى الله عليه وسلّم: وأَهْلَ الْبَيْتِ: منصوبٌ على النداءِ أو على المدْحِ أو على الاخْتِصَاصِ وَهُوَ قَلِيلٌ في المخاطب، وأكْثَرُ ما يكونُ في المتكلِّم، كقوله [الرجز] :
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا، وطَلَبْنَ مِنهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ، وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ مِنهُنَّ شَهْرًا، وصَعَدَ إلى غُرْفَةٍ لَهُ فَمَكَثَ فِيها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكُنَّ أزْواجُهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وصَفِيَّةُ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَعَرَضَ الآيَةَ عَلَيْهِنَّ، فَبَدَأ بِعائِشَةَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ؛ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا "» .
وقَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَ التَّخْيِيرِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي " المُغْنِي " بِطُولِهِ.
وَفِي ما خَيَّرَهُنَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الطَّلاقِ والمُقامِ مَعَهُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اخْتِيارِ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، أوِ اخْتِيارِ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وَفِي سَبَبِ تَخْيِيرِهِ إيّاهُنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُنَّ سَألْنَهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ آذَيْنَهُ بِالغَيْرَةِ.
والقَوْلانِ مَشْهُورانِ في التَّفْسِيرِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خُيِّرَ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ أُمِرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَكُنَّ عَلى مِثْلِ حالِهِ، حَكاهُ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ : مُتْعَةُ الطَّلاقِ.
والمُرادُ بِالسَّراحِ: الطَّلاقُ، وَقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في (البَقَرَةِ: ٢٣١) .
والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ.
الجَنَّةُ.
والمُحْسِناتُ: المُؤْثِراتُ لِلْآخِرَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا اخْتَرْنَهُ أثابَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثَةَ أشْياءَ.
أحَدُها: التَّفْضِيلُ عَلى سائِرِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ ، والثّانِي: أنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ: أنْ حَظَرَ عَلَيْهِ طَلاقَهُنَّ والِاسْتِبْدالَ بِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ .
وهَلْ أُبِيحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّزْوِيجُ عَلَيْهِنَّ ؟
فِيهِ قَوْلانِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: بِمَعْصِيَةٍ ظاهِرَةٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النُّشُوزَ وسُوءَ الخُلُقِ ﴿ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ أيْ: يُجْعَلْ عَذابُ جُرْمِها في الآخِرَةِ كَعَذابِ جُرْمَيْنِ، كَما أنَّها تُؤْتى أجْرَها عَلى الطّاعَةِ مَرَّتَيْنِ.
وإنَّما ضُوعِفَ عِقابُهُنَّ، لِأنَّهُنَّ يُشاهِدْنَ مِنَ الزَّواجِرِ الرّادِعَةِ ما لا يُشاهِدُ غَيْرُهُنَّ، فَإذا لَمْ يَمْتَنِعْنَ اسْتَحْقَقْنَ تَضْعِيفَ العَذابِ، ولأنَّ في مَعْصِيَتِهِنَّ أذًى لِرَسُولِ اللَّهِ ؛ وجُرْمُ مَن آذى رَسُولَ اللَّهِ أكْبَرُ مِن جُرْمِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ أيْ: وكانَ عَذابُها عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
﴿ وَمَن يَقْنُتْ ﴾ أيْ: تُطِعْ، و " أعَتِدنا " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٣٧]، والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الحَسَنُ، وهو الجَنَّةُ.
ثُمَّ أظْهَرَ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ: كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ " أحَدًا " نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَيْسَ قَدْرُكُنَّ عِنْدِي مِثْلَ قَدْرِ غَيْرِكُنَّ مِنَ النِّساءِ الصّالِحاتِ، أنْتُنَّ أكْرَمُ عَلَيَّ، وثَوابُكُنَّ أعْظَمُ ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ ، فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ التَّقْوى بَيانًا أنَّ فَضِيلَتَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِالتَّقْوى، لا بِنَفْسِ اتِّصالِهِنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ أيْ لا تَلِنَّ بِالكَلامِ ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أيْ: فُجُورٌ؛ والمَعْنى: لا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ بِهِ مُنافِقٌ أوْ فاجِرٌ سَبِيلًا إلى مُوافَقَتِكُنَّ لَهُ؛ والمَرْأةُ مَندُوبَةٌ إذا خاطَبَتِ الأجانِبَ إلى الغِلْظَةِ في المَقالَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ الطَّمَعِ في الرِّيبَةِ.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ أيْ: صَحِيحًا عَفِيفًا لا يُطْمِعُ فاجِرًا.
﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ إلّا أبانَ، وهُبَيْرَةُ، والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بِفَتْحِ القافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فَهو مَن قَرَرْتُ في المَكانِ، فَخُفِّفَتْ، كَما قالَ: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا ﴾ ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَمِنَ الوَقارِ، يُقالُ: قِرْ في مَنزِلِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَهو مِنَ الوَقارِ، يُقالُ: وقَرَ في مَنزِلِهِ يَقِرُ وقُورًا.
ومَن قَرَأ بِنَصْبِ القافِ جَعَلَهُ مِنَ القَرارِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " واقْرَرْنَ " بِإسْكانِ القافِ وبَراءَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الرّاءَ الأُولى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّبَرُّجُ: أنْ يُبْرِزْنَ مَحاسِنَهُنَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّبَرُّجُ: إظْهارُ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ.
وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
والثّالِثُ: بَيْنَ نُوحٍ وآدَمَ، قالَهُ الحَكَمُ.
والرّابِعُ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ: " الأُولى "، لِأنَّ كُلَّ مُتَقَدِّمٍ أوَّلُ، وكُلَّ مُتَقَدِّمَةٍ أُولى، فَتَأْوِيلُهُ: أنَّهم تَقَدَّمُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ .
وَفِي صِفَةِ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الأُولى سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ تَخْرُجُ فَتَمْشِي بَيْنَ الرِّجالِ، فَهو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها مِشْيَةٌ فِيها تَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: أنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ كانَتْ تَتَّخِذُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَلْبَسُهُ ثُمَّ تَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ، وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها كانَتْ تُلْقِي الخِمارَ عَنْ رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ، فَيَرى قُرْطَها وقَلائِدَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
السّادِسُ: أنَّها كانَتْ تَلْبَسُ الثِّيابَ تَبْلُغُ المالَ، لا تُوارِي جَسَدَها، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ﴾ وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: الشَّكُّ.
والخامِسُ: المَعاصِي، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْسُ: كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ مِن مَأْكُولٍ أوْ عَمَلٍ أوْ فاحِشَةٍ.
وَنَصْبُ ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: أعْنِي أهْلَ البَيْتِ، والثّانِي: عَلى النِّداءِ، فالمَعْنى: يا أهْلَ البَيْتِ.
وَفِي المُرادِ بِأهْلِ البَيْتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ، لِأنَّهُنَّ في بَيْتِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ .
وعَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ، وهو أنَّ جَمْعَ المُؤَنَّثِ بِالنُّونِ، فَكَيْفَ قِيلَ: " عَنْكم " " ويُطَهِّرَكم " ؟
فالجَوابُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ المُذَكَّرَ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في رَسُولِ اللَّهِ وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ رَسُولِ اللَّهِ وأزْواجُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَحَكى الزَّجّاجُ أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ والرِّجالُ الَّذِينَ هم آلُهُ؛ قالَ: واللُّغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّها لِلنِّساءِ والرِّجالِ جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ: ﴿ عَنْكُمُ ﴾ بِالمِيمِ، ولَوْ كانَتْ لِلنِّساءِ، لَمْ يَجُزْ إلّا " عَنْكُنَّ " " ويُطَهِّرَكُنَّ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَذْكِيرٌ لَهُنَّ بِالنِّعَمِ.
والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ لَهُنَّ بِحِفْظِ ذَلِكَ.
فَمَعْنى ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ : واحْفَظْنَ ﴿ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
وَفِي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا ﴾ أيْ: ذا لُطْفٍ بِكُنَّ إذْ جَعَلَكُنَّ في البُيُوتِ الَّتِي تُتْلى فِيها آياتُهُ ﴿ خَبِيرًا ﴾ بِكُنَّ إذِ اخْتارَكُنَّ لِرَسُولِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَلاةَ وآتِينَ الزَكاةَ وأطِعْنَ اللهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللهَ لِيُذْهِبَ عنكُمُ الرِجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ القافِ.
وفَتَحَها نافِعٌ وعاصِمٌ، فَأمّا الأُولى فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ الوَقارِ، تَقُولُ: وقَّرَ يُقِرُّ وقارًا، وقِرْنَ مِثْلُ عِدْنَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: "قَرَرْتُ بِالمَكانِ" - بِفَتْحِ الراءِ - أقِرُّ، والأصْلُ: أقْرَرْنَ، حُذِفَتِ الراءُ الواحِدَةُ تَخْفِيفًا، - كَما قالُوا في ظَلَلْتُ: ظَلْتُ -، ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى القافِ، واسْتُغْنِيَ عَنِ الألْفِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: بَلْ عُلَّ بِأنْ أُبْدِلَتِ الراءُ ياءً ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الراءِ بَعْدَها.
وأمّا الثانِيَةُ فَعَلى لُغَةِ العَرَبِ: "قَرِرْتُ - بِكَسْرِ الراءِ - أقَرُّ - بِفَتْحِ القافِ - في المَكانِ" وهي لُغَةٌ ذَكَرَها أبُو عُبَيْدٍ في "الغَرِيبِ المُصَنَّفِ"، وذَكَرَها الزَجاجُ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِي وغَيْرُهُ، قالُوا: وإنَّما يُقالُ قَرِرْتُ - بِكَسْرِ الراءِ - مِن قُرَّةِ العَيْنِ، وأمّا مِنَ القَرارِ فَإنَّما هو مَن قَرَرْتُ - بِفَتْحِ الراءِ -.
وقَرَأ عاصِمٌ: "فِي بُيُوتِكُنَّ" - بِكَسْرِ الباءِ -، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "واقْرِرْنَ" بِألْفِ وصْلٍ وراءَيْنَ الأُولى مَكْسُورَةٌ.
فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِساءَ النَبِيِّ بِمُلازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَبَرُّجِ، وأعْلَمَهُنَّ أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها كانَتْ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ تُبْكِي حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، وذُكِرَ أنَّ سَوْدَةَ قِيلَ لَها: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما تَفْعَلُ أخَواتِكِ؟
فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللهُ تَعالى أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، قالَ الراوِي: فَواللهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبُكاءُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها إنَّما كانَ بِسَبَبِ سَفَرِها أيّامَ الجَمَلِ، وحِينَئِذٍ قالَ لَها عَمّارُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ أمَرَكِ أنْ تُقِرِّي في بَيْتِكِ.
و"التَبَرُّجُ": إظْهارُ الزِينَةِ والتَصَنُّعُ بِها، ومِنهُ البُرُوجُ؛ لِظُهُورِها وانْكِشافِها لِلْعُيُونِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجاهِلِيَّةِ الأُولى"، فَقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَلامُ، وهي ثَمانِمِائَةَ سَنَةٍ، وحُكِيَتْ لَهم سِيَرٌ ذَمِيمَةٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَلامُ، وذَكَرَ قِصَصًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ أبُو العالِيَةَ: هو زَمانُ سُلَيْمانَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ، كانَ فِيهِ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُرِّ غَيْرَ مُخَيَّطِ الجانِبَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَحِقَتْها، فَأمَرْنَ بِالنَقْلَةِ عن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلُ الشَرْعِ مِن سِيرَةِ الكَفَرَةِ، لِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدِهِمْ، وكُلُّ أمْرِ النِساءِ دُونَ حُجْبَةً، وجَعَلَها أولى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٍ أُخْرى، وقَدْ مَرَّ اسْمُ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُعَراءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في البُخارِيِّ: "سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ" إلى غَيْرِ هَذا.
و"الرِجْسُ" اسْمٌ يَقَعُ عَلى الإثْمِ وعَلى العَذابِ وعَلى النَجاساتِ والنَقائِصِ، فَأذْهَبَ اللهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عن أهْلِ البَيْتِ، ونَصَبَ "أهْلَ البَيْتِ" عَلى المَدْحِ، أو عَلى النِداءِ المُضافِ، أو بِإضْمارِ: أعْنِي.
واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِ البَيْتِ، مِن هُمْ؟
فَقالَ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم زَوْجاتُهُ خاصَّةً، لا رَجُلَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وذَهَبُوا إلى أنَّ "البَيْتَ" أُرِيدَ بِهِ مَساكِنُ النَبِيِّ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - هي الجُمْهُورُ -: أهْلُ البَيْتِ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا أحادِيثٌ نَبَوِيَّةٌ، قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «قالَ رَسُولُ اللهِ : "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ: فِيَّ، وفي عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ "،» ومِن حُجَّةِ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عنكُمُ" ﴾ و"يُطَهِّرَكُمْ" بِالمِيمِ، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ خاصَّةً لَكانَ: "عنكُنَّ" و"يُطَهِّرُكُنَّ" والَّذِي يَظْهَرُ إلَيَّ أنَّ زَوْجاتِهِ لا يَخْرُجَنَّ عن ذَلِكَ البَتَّةَ، فَأهْلُ البَيْتِ زَوْجاتُهُ وبِنْتُهُ وبَنُوها وزَوْجُها، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي أنَّ الزَوْجاتِ مِن أهْلِ البَيْتِ: لِأنَّ الآيَةَ فِيهِنَّ، والمُخاطَبَةَ لَهُنَّ، أمّا «أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَيْتِي، فَدَعا رَسُولُ اللهِ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا، فَدَخَلَ مَعَهم تَحْتَ كِساءً خَيْبَرِيٍّ، وقالَ: "هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي"، - وقَرَأ الآيَةَ - وقالَ: "اللهُمَّ اذْهِبْ عنهُمُ الرِجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا"، قالَتْ أمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وأنا يا رَسُولَ اللهِ؟
فَقالَ: "أنْتِ مِن أزْواجِ النَبِيِّ، وأنْتِ إلَيَّ خَيْرٌ".» وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هم بَنُو هاشِمٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "البَيْتَ" يُرادُ بِهِ النَسَبُ، فَيَكُونُ العَبّاسُ وأعْمامُهُ وبَنُو أعْمامِهِ مِنهُمْ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن زَيْدِ بْنِ أرْقَمٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ ﴾ .
هذا أمر خُصِّصْنَ به وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيراً لهن، وتقوية في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي صلى الله عليه وسلم في خلالها يكسبها حرمة.
وقد كان المسلمون لما ضاق عليهم المسجد النبوي يصلُّون الجمعة في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث «الموطأ».
وهذا الحكم وجوب على أمهات المؤمنين وهو كمال لسائر النساء.
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بفتح القاف.
ووجهها أبو عبيدة عن الكسائي والفراء والزجاج بأنها لغة أهل الحجاز في قَرّ بمعنى: أقام واستقرّ، يقولون: قَرِرت في المكان بكسر الراء من باب عَلم فيجيء مضارعه بفتح الراء فأصل قَرْن اقْرَرْن فحذفت الراء الأولى للتخفيف من التضعيف وألقيت حركتها على القاف نظير قولهم: أحَسْنَ بمعنى أَحْسَسْنَ في قول أبي زُبيد: سوى أن الجياد من المطايا *** أحَسْن به فهُن إليه شُوس وأنكر المازني وأبو حاتم أن تكون هذه لغة، وزعم أن قرِرت بكسر الراء في الماضي لا يرد إلا في معنى قُرّة العين، والقراءة حجة عليهما.
والتزم النحاس قولهما وزعم أن تفسير الآية على هذه القراءة أنها من قرّة العين وأن المعنى: واقررن عيوناً في بيوتكن، أي لَكُنّ في بيوتكن قُرّة عين فلا تتطلعن إلى ما جاوز ذلك، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن.
وقرأ بقية العشرة ﴿ وقرن ﴾ بكسر القاف.
قال المبرد: هو من القرار، أصله: اقرِرن بكسر الراء الأولى فحذفت تخفيفاً، وألقيت حركتها على القاف كما قالوا: ظَلْت ومَسْت.
وقال ابن عطية: يصح أن يكون قِرْن، أي بكسر القاف أمراً من الوقار، يقال: وَقر فلان يقِر، والأمر منه قِر للواحد، وللنساء قِرن مثل عِدن، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن مع الإِيماء إلى علة ذلك بأنه وقار لهن.
وقرأ الجمهور ﴿ بيوتكن ﴾ بكسر الباء.
وقرأه ورش عن نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء.
وإضافة البيوت إليهن لأنهن ساكنات بها أسكَنهُنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يميَّز بعضها عن بعض بالإِضافة إلى ساكنة البيت، يقولون: حُجرة عائشة، وبيت حفصة، فهذه الإِضافة كالإِضافة إلى ضمير المطلقات في قوله تعالى: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ [الطلاق: 1].
وذلك أن زوج الرجل هي ربة بيته، والعرب تدعو الزوجة البيت ولا يقتضي ذلك أنها ملك لهُنّ لأن البيوت بناها النبي صلى الله عليه وسلم تباعاً تبعاً لبناء المسجد، ولذلك لما تُوفِّيت الأزواج كلهن أدخلت ساحة بيوتهن إلى المسجد في التوسعة التي وسعها الخليفة الوليد بن عبد الملك في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة ولم يُعطِ عوضاً لورثتهن.
وهذه الآية تقتضي وجوب مكث أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن وأن لا يخرجن إلا لضرورة، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أَذِنَ لكُنَّ أن تخرجن لحوائجكن " يريد حاجات الإِنسان.
ومحمل هذا الأمر على ملازمة بيوتهن فيما عدا ما يضطر فيه الخروج مثل موت الأبوين.
وقد خرجت عائشة إلى بيت أبيها أبي بكر في مرضه الذي مات فيه كما دل عليه حديثه معها في عطيته التي كان أعطاها من ثمرة نخلة وقوله لها: " وإنما هو اليومَ مالُ وارث " رواه في «الموطأ».
وكُنّ يخرُجْن للحج وفي بعض الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مقر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره قائم مقام بيوته في الحَضَر، وأبت سودة أن تخرج إلى الحجّ والعمرة بعد ذلك.
وكل ذلك مما يفيد إطلاق الأمر في قوله: ﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ .
ولذلك لما مات سعد بن أبي وقاص أمرت عائشة أن يُمَرّ عليها بجنازته في المسجد لتدعو له، أي لتصلي عليه.
رواه في «الموطأ».
وقد أشكل على الناس خروج عائشة إلى البصرة في الفتنة التي تدعى: وقْعةَ الجَمَل، فلم يغير عليها ذلك كثير من جِلّة الصحابة منهم طلحة والزبير.
وأنكر ذلك عليها بعضهم مثل: عَمار بن ياسر، وعلي بن أبي طالب، ولكلَ نظَر في الاجتهاد.
والذي عليه المحققون مثل أبي بكر بن العربي أن ذلك كان منها عن اجتهاد فإنها رأت أن في خروجها إلى البصرة مصلحة للمسلمين لتسعى بين فريقي الفتنة بالصلح فإن الناس تعلّقوا بها وشكَوْا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة ورجَوْا بركتها أن تخرج فتصلح بين الفريقين، وظنّوا أن الناس يستحيون منها فتأولت لخروجها مصلحة تفيد إطلاق القَرار المأمور به في قوله تعالى: ﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ يكافئ الخروج للحج.
وأخذت بقوله تعالى: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ﴾ [الحجرات: 9] ورأت أن الأمر بالإصلاح يشملها وأمثالها ممن يرجون سماع الكلمة، فكان ذلك منها عن اجتهاد.
وقد أشار عليها جمع من الصحابة بذلك وخرجوا معها مثل طلحة والزبير وناهيك بهما.
وهذا من مواقع اجتهاد الصحابة التي يجب علينا حملها على أحسن المخارج ونظن بها أحسن المذاهب، كقولنا في تقاتلهم في صِفِّين وكاد أن يصلح الأمر ولكن أفسده دعاة الفتنة ولم تشعر عائشة إلا والمقاتَلة قد جرت بين فريقين من الصحابة يوم الجمل.
ولا ينبغي تقلد كلام المؤرخين على علاّته فإن فيهم من أهل الأهواء ومن تلقّفوا الغثّ والسمين.
وما يذكر عنها رضي الله عنها: أنها كانت إذا قَرأت هذه الآية تبكي حتى يبتلّ خمارها، فلا ثقة بصحة سنده، ولو صحّ لكان محمله أنها أسفت لتلك الحوادث التي ألجأتها إلى الاجتهاد في تأويل الآية.
﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ﴾ .
التبرج: إظهار المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليها بمرأى الرجال.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ في سورة النور (60).
وانتصب ﴿ تبرج الجاهلية الأولى ﴾ على المفعول المطلق، وهو في معنى الوصف الكاشف أريد به التنفير من التبرّج.
والمقصود من النهي الدوام على الانكفاف عن التبرج وأنهن منهياتٌ عنه.
وفيه تعريض بنهي غيرهن من المسلمات عن التبرج، فإن المدينة أيامئذٍ قد بقي فيها نساء المنافقين وربما كُنَّ على بقية من سيرتهن في الجاهلية فأريد النداء على إبطال ذلك في سيرة المسلمات، ويظهر أن أمهات المؤمنين منهيات عن التبرج مطلقاً حتى في الأحوال التي رُخّص للنساء التبرج فيها في سورة النور في بيوتهن لأن ترك التبرج كمال وتنزه عن الاشتغال بالسفاسف.
فنسب إلى أهل الجاهلية إذ كان قد تقرر بين المسلمين تحقير ما كان عليه أمر الجاهلية إلا مَا أقرّه الإسلام.
و ﴿ الجاهلية ﴾ : المدة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، وتأنيثها لتأويلها بالمُدة.
والجاهلية نسبة إلى الجاهل لأن الناس الذين عاشوا فيها كانوا جاهلين بالله وبالشرائع، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية ﴾ في سورة آل عمران (154).
ووصفُها ﴿ بالأولى ﴾ وصف كاشف لأنها أولى قبل الإسلام، وجاء الإِسلام بعدها فهو كقوله تعالى: ﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى ﴾ [النجم: 50]، وكقولهم: العشاء الآخرة، وليس ثمة جاهليتان أولى وثانية.
ومن المفسرين من جعلوه وصفاً مقيِّداً وجعلوا الجاهلية جاهليتين، فمنهم من قال: الأولى هي ما قبل الإسلام وستكون جاهلية أخرى بعد الإسلام يعني حين ترتفع أحكام الإسلام والعياذ بالله.
ومنهم من قال: الجاهلية الأولى هي القديمة من عهد ما قبل إبراهيم ولم يكن للنساء وازع ولا للرجال، ووضعوا حكايات في ذلك مختلفة أو مبالغاً فيها أو في عمومها، وكل ذلك تكلف دعاهم إليه حمل الوصف على قصد التقييد.
﴿ وَأَقِمْنَ الصلاة وَءَاتِينَ الزكواة وَأَطِعْنَ اللهَ ورَسُوله ﴾ .
أريد بهذه الأوامر الدوام عليها لأنهن متلبسات بمضمونها من قبل، وليعلم الناس أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم عند الله تعالى عن حق توجه التكليف عليهم.
وفي هذا مقمع لبعض المتصوفين الزاعمين أن الأولياء إذا بلغوا المراتب العليا من الولاية سقطت عنهم التكاليف الشرعية.
وخصّ الصلاة والزكاة بالأمر ثم جاء الأمر عاماً بالطاعة لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات فمن اعتنى بهما حق العناية جرّتاه إلى ما وراءهما، قال تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ وقد بيناه في سورة العنكبوت (45).
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّركم تَطْهِيراً ﴾ .
متصل بما قبله إذ هو تعليل لما تضمنته الآيات السابقة من أمر ونهي ابتداء من قوله تعالى: ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن ﴾ [الأحزاب: 30] الآية.
فإن موقع ﴿ إنما ﴾ يفيد ربط ما بعدها بما قبلها لأن حرف (إنَّ) جزء من ﴿ إنما ﴾ وحرف (إن) من شأنه أن يغني غناء فاء التسبب كما بينه الشيخ عبد القاهر، فالمعنى أمَركن الله بما أمر ونَهاكُنّ عما نهى لأنه أراد لكُنّ تخلية عن النقائص والتحْلية بالكمالات.
وهذا التعليل وقع معترضاً بين الأوامر والنواهي المتعاطفة.
والتعريف في ﴿ البيت ﴾ تعريف العهد وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكل بيت من تلك البيوت أهله النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه صاحبة ذلك، ولذلك جاء بعده قوله: ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن ﴾ [الأحزاب: 34]، وضميرَا الخطاب موجهان إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم على سَنن الضمائر التي تقدمت.
وإنما جيء بالضميرين بصيغة جمع المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب لأنه رب كل بيت من بيوتهن وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلغه.
وفي هذا التغليب إيماء إلى أن هذا التطهير لهنّ لأجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم لتكون قريناته مشابهات له في الزكاء والكمال، كما قال الله تعالى: ﴿ والطيبات للطيبين ﴾ [النور: 26] يعني أزواج النبي للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو نظير قوله في قصة إبراهيم: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ [هود: 73] والمخاطب زوج إبراهيم وهو معها.
و ﴿ الرجس ﴾ في الأصل: القذر الذي يلوّث الأبدان، واستعير هنا للذنوب والنقائص الدينية لأنها تجعل عِرض الإنسان في الدنيا والآخرة مرذولاً مكروهاً كالجسم الملوّث بالقذر.
وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ في سورة العقود (90).
واستعير التطهير لضد ذلك وهو تجنيب الذنوب والنقائص كما يكون الجسم أو الثوب طاهراً.
واستعير الإِذهاب للإِنجاء والإِبعاد.
وفي التعبير بالفعل المضارع دلالة على تجدد الإرادة واستمرارها، وإذا أراد الله أمراً قدّره إذ لا رادّ لإِرادته.
والمعنى: ما يريد الله لكُنّ مما أمركن ونهاكن إلا عصمتَكُنّ من النقائص وتحليتكن بالكمالات ودوامَ ذلك، أي لا يريد من ذلك مقتاً لكنّ ولا نكاية.
فالقصر قصر قلب كما قال تعالى: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ﴾ [المائدة: 6].
وهذا وجه مجيء صيغة القصر ب ﴿ إنما ﴾ .
والآية تقتضي أن الله عصم أزواج نبيئه صلى الله عليه وسلم من ارتكاب الكبائر وزكى نفوسهن.
و ﴿ أهل البيت ﴾ : أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحداً شك في ذلك، ولم يفهم منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون إلا أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام هن المراد بذلك وأن النزول في شأنهنّ.
وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عُمر بن أبي سلمة قال: لما نزلت على النبي: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ في بيت أم سلمة دعا فاطمةَ وحسناً وحسيناً فجَلَّلهم بكساء وعليٌّ خلْف ظهره ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ".
وقال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يَسِمْه الترمذي بصحة ولا حُسن، ووسمه بالغرابَة.
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: خرج رسول الله غداةً وعليه مرط مرحَّل فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وهذا أصرح من حديث الترمذي.
فمَحمله أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهلَ بيته كما ألحق المدينةَ بمكة في حكم الحَرَمية بقوله: " إن إبراهيم حرّم مكة وإني أحرّم ما بينَ لابتيها ".
وتَأوُّل البيت على معنييه الحقيقي والمجازي يصدق ببيت النسب كما يقولون: فيهم البيتُ والعَدد، ويكون هذا من حَمل القرآن على جميع محامله غير المتعارضة كما أشرنا إليه في المقدمة التاسعة.
وكأنَّ حكمة تجليلهم معه بالكساء تقويةُ استعارة البيت بالنسبة إليهم تقريباً لصورة البيت بقدر الإمكان في ذلك الوقت ليكون الكساء بمنزلة البيت ووجود النبي صلى الله عليه وسلم معهم في الكساء كما هو في حديث مسلم تحقيق لكون ذلك الكساء منسوباً إليه، وبهذا يتضح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيْها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها.
ولذلك هُمْ أهل بيته بدليل السنة، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، بعضه بالجعل الإلهي، وبعضه بالجعل النبوي، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم " سَلْمان منّا أهلَ البيت ".
وقد استوعب ابن كثير روايات كثيرة من هذا الخبر مقتضية أن أهل البيت يشمل فاطمة وعليّاً وحسناً وحسيناً.
وليس فيها أن هذه الآية نزلت فيهم إلا حديثاً واحداً نسبه ابن كثير إلى الطبري ولم يوجد في تفسيره عن أم سلمة أنها ذكر عندها علي بن أبي طالب فقالت: فيه نزلت: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وذكرتْ خبر تجليله مع فاطمة وابنيه بكساء (وذكر مصحّح طبعة «تفسير ابن كثير» أن في متن ذلك الحديث اختلافاً في جميع النسخ ولم يفصله المصحّح).
وقد تلقّف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت.
وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشواً بين ما خوطب به أزواج النبي.
وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله: «هؤلاء أهل بيتي» صيغة قصر وهو كقوله تعالى: ﴿ إن هؤلاء ضيفي ﴾ [الحجر: 68] ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها.
ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها.
ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء بأهلية أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال أيضاً: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يصرخ بذلك في السوق.
وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة.
وأما ما وقع من قول عُمر بن أبي سلمة: أن أم سلمة قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟...
فقال: " أنت على مكانك وأنتِ على خير ".
فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً لها.
وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة: " إنككِ من أزواج النبي ".
وهذا أوضح في المراد بقوله: «إنك على خير».
ولما استجاب الله دعاءه كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق أهل البيت على فاطمة وعلي وابنيهما، فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: " الصلاة يا أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ " قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
واللام في قوله: ﴿ ليذهب ﴾ لام جرّ تزاد للتأكيد غالباً بعد مادتي الإرادة والأمر، وينتصب الفعل المضارع بعدها ب (أنْ) مضمرة إضماراً واجباً، ومنه قوله تعالى: ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين ﴾ [الأنعام: 71]، وقول كثير: أُريد لأنسَى حبها فكأنما *** تمثَّلُ لي ليلى بكل مكان وعن النحاس أن بعض القراء سماها (لام أَنْ) وتقدم قوله تعالى: ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ في سورة النساء (26).
وقوله: ﴿ أهل البيت ﴾ نداء للمخاطبين من نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد شمل كلَّ من ألحق النبي صلى الله عليه وسلم بهن بأنه من أهل البيت وهم: فاطمة وابناها وزوجها وسلمان لا يعدُو هؤلاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّكُنَّ أحَقُّ بِالتَّقْوى مِن سائِرِ النِّساءِ.
﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ فَلا تَرْقِقْنَ بِالقَوْلِ.
الثّانِي: فَلا تَرْخُصْنَ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: فَلا تَلِنَّ القَوْلَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: لا تَتَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ مُتَمِّمٌ: ولَسْتُ إذا ما أحْدَثَ الدَّهْرُ نَوْبَةً.
.
.
عَلَيْهِ بِزُوّارِ القَرائِبِ أخْضَعا الخامِسُ: هو الكَلامُ الَّذِي فِيهِ ما يَهْوى المُرِيبُ.
السّادِسُ: هو ما يَدْخُلُ مِن كَلامِ النِّساءِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَهْوَةُ الزِّنى والفُجُورُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَكانَ أكْثَرَ مَن تُصِيبُهُ الحُدُودُ في زَمانِ النَّبِيِّ المُنافِقُونَ.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَحِيحًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عَفِيفًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: جَمِيلًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قُرِئَتْ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ القافِ، قَرَأها نافِعٌ وعاصِمٌ، وتَأْوِيلُها اقْرَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ، مِنَ القَرارِ في مَكانٍ.
الثّانِيَةُ: بِكَسْرِ القافِ: قَرَأها الباقُونَ، وتَأْوِيلُها كُنَّ أهْلَ وقارٍ وسَكِينَةٍ.
﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّانِي: كانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةُ تَكَسُّرٍ وتَغَنُّجٍ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ « (المائِلاتُ المُمِيلاتُ: اللاَّئِي يَسْتَمِلْنَ قُلُوبَ الرِّجالِ إلَيْهِنَّ)» .
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ، فَذَلِكَ هو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: هو أنْ تُلْقِيَ الخِمارَ عَلى رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ لِيُوارِيَ قَلائِدَها وعُنُقَها وقُرْطَها، ويَبْدُوَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنها، فَذَلِكَ هو التَّبَرُّجُ، قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الخامِسُ: أنْ تَبْدِيَ مِن مَحاسِنِها ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها سَتْرَهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ وأصْلُهُ مِن بَرَجِ العَيْنِ وهو السِّعَةُ فِيها.
وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّانِي: زَمانُ إبْراهِيمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وكانَتِ المَرْأةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ تَلْبَسُ دِرْعًا مُفَرَّجًا لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ وتَمْشِي في الطَّرِيقِ، وكانَ زَمانَ نَمْرُودَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثَمانَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ نِساؤُهم أقْبَحَ ما تَكُونُ النِّساءُ، ورِجالُهم حِسانٌ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ الرَّجُلَ عَلى نَفْسِها، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى: قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَتِ المَرْأةُ في زَمانِها تَجْمَعُ زَوْجًا وخِلْمًا، والخِلْمُ الصّاحِبُ، فَتَجْعَلُ لِزَوْجِها النِّصْفَ الأسْفَلَ ولِخِلْمِها نِصْفَها الأعْلى، ولِذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الخُلُومِ فَهَلْ لَكَ في البِدالِ أبا خَبِيبٍ ∗∗∗ فَأرْضى بِالأكارِعِ والعَجُوزِ الثّانِي: وهو مَبْدَأُ الفاحِشَةِ، وهو أنَّ بَطْنَيْنِ مِن بَنِي آدَمَ كانَ أحَدُهُما يَسْكُنُ السَّهْلَ، والآخَرُ يَسْكُنُ الجَبَلَ، وكانَ رِجالُ الجَبَلِ صُباحًا وفي النِّساءِ دَمامَةٌ، وأنَّ إبْلِيسَ اتَّخَذَ لَهم عِيدًا فاخْتَلَطَ أهْلُ السَّهْلِ بِأهْلِ الجَبَلِ فَظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فِيهِمْ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ وفي الرِّجْسِ ها هُنا سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: المَعاصِي.
الخامِسُ: الشَّكُّ.
السّادِسُ: الأقْذارُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ - ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى أزْواجَ النَّبِيِّ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها في الأهْلِ والأزْواجِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
وَفِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ الأهْواءِ والتَّبَرُّجِ ويُطَهِّرُكم مِن دَنَسِ الدُّنْيا والمَيْلِ إلَيْها.
الثّانِي: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ الغِلِّ والحَسَدِ، ويُطَهِّرُكم بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.
الثّالِثُ: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ البُخْلِ والطَّمَعِ ويُطَهِّرُكم بِالسَّخاءِ والإيثارِ، رَوى أبُو لَيْلى الكِنْدِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ وهو في بَيْتِها عَلى مَنامٍ لَهُ، عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: القُرْآنُ.
﴿ والحِكْمَةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: لَطِيفًا بِاسْتِخْراجِها خَبِيرًا بِمَوْضِعِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها: ما لك لا تَحُجِّين، ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟!
فقالت: قد حججت، واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه قال: كانت عائشة رضي الله عنها إذا قرأت ﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ بكت حتى تبل خمارها.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع هذه، ثم ظهور الحصر قال: فكان كلهن يحجن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم نائلة رضي الله عنها قالت: جاء أبو برزة فلم يجد أم ولده في البيت، وقالوا ذهبت إلى المسجد، فلما جاءت صاح بها فقال: ان الله نهى النساء أن يخرجن، وأمرهن يقرن في بيوتهن، ولا يتبعن جنازة، ولا يأتين مسجداً، ولا يشهدن جمعة.
وأخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنها قال: احبسوا النساء في البيوت، فإن النساء عورة، وإن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وقال لها: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجب بك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال: استعينوا على النساء بالعري، أن أحداهن إذا كثرت ثيابها، وحسنت زينتها أعجبها الخروج.
وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه قال: «جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل ندرك فضل المجاهدين في سبيل الله؟
فقال من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله» .
أما قوله تعالى: ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وادريس عليهما السلام، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبال، فكان رجال الجبال صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فأجر نفسه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شبابة مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال، وتتبرج الرجال لهن، وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه، فأخبرهم بذلك، فتحوّلوا إليهن، فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله: ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الحكم رضي الله عنه ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ قال: كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان، وكانت المرأة تريد الرجل على نفسه، فأنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال: أرأيت قول الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ هل كانت الجاهلية غير واحدة؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة.
فقال: له عمر رضي الله عنه: فأنبئني من كتاب الله ما يصدق ذلك قال: إن الله يقول ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ [ الحج: 78] فقال عمر رضي الله عنه: من أمرنا أن نجاهد؟
قال: بني مخزوم، وعبد شمس.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ قال: تكون جاهلية أخرى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها أنها تلت هذه الآية فقالت: الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم عليه السلام.
وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه قال: ﴿ الجاهلية الأولى ﴾ التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام، والجاهلية الآخرة: التي ولد فيها محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ الجاهلية الأولى ﴾ بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن الشعبيّ رضي الله عنه، مثله.
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال، فذلك ﴿ تبرج الجاهلية الأولى ﴾ .
وأخرج البيهقي في سننه عن أبي أذينة الصدفي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «شر النساء المتبرجات وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن، وكانت لهن مشية فيها تكسير وتغنج، فنهاهن الله عن ذلك.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ قال: التبختر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تبرجن...
﴾ قال: التبرج إنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء قال: « ﴿ لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ قالت امرأة: يا رسول الله أراك تشترط علينا أن لا نتبرج، وأن فلانة قد أسعدتني، وقد مات أخوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبي فاستعديها ثم تعالي فبايعيني» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، أهل البيت ﴾ قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وقال عكرمة رضي الله عنه: من شاء بأهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ﴾ قال: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ﴾ قال: يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نزلت في بيت عائشة رضي الله عنها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعي زوجك، وابنيك، حسناً، وحسيناً، فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة ازاره، فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، قالها ثلاث مرات.
قالت أم سلمة رضي الله عنها: فادخلت رأسي في الستر فقلت: يا رسول الله وأنا معكم فقال: إنك إلى خير مرتين» .
وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبيها بثريدة لها، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه.
فقال لها «أين ابن عمك؟
قالت: هو في البيت.
قال: اذهبي فادعيه وابنيك، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي رضي الله عنه يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسهما في حجره، وجلس علي رضي الله عنه عن يمينه، وجلست فاطمة رضي الله عنها عن يساره، قالت أم سلمة رضي الله عنها: فأخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت» .
وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها «ائتني بزوجك وابنيه، فجاءت بهم، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم كساء فدكيا، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم إن هؤلاء أهل محمد- وفي لفظ آل محمد- فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
قالت أم سلمة رضي الله عنها: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال إنك على خير» .
وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت «نزلت هذه الآية في بيتي ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وفي البيت سبعة: جبريل، وميكائيل عليهما السلام، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم، وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟
قال: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كان يوم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن، وحسين، وفاطمة، وعلي، فضمهم إليه، ونشر عليهم الثوب.
والحجاب على أم سلمة مضروب، ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
قالت أم سلمة رضي الله عنها: فانا معهم يا نبي الله؟
قالت: أنت على مكانك، وإنك على خير» .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «في بيتي نزلت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ﴾ وفي البيت فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين.
فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي علي، وفاطمة، وحسن، وحسين، ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، فأدخلهما معه، ثم جاء علي فادخله معه، ثم قال: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد قال: «نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فادخل علياً، وفاطمة، وابنيهما تحت ثوبه، ثم قال اللهم هؤلاء أهلي، وأهل بيتي» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة، ومعه حسن، وحسين، وعلي، حتى دخل، فأدنى علياً، وفاطمة.
فاجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً، وحسيناً.
كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: «الصلاة يا أهل البيت الصلاة ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ » .
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذكركم الله في أهل بيتي، فقيل: لزيد رضي الله عنه: ومن أهل بيته، أليس نساؤه من أهل بيته؟
قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس» .
وأخرج الحكيم والترمذي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً.
فذلك قوله: ﴿ وأصحاب اليمين ﴾ [ الواقعة: 27] و ﴿ أصحاب الشمال ﴾ [ الواقعة: 41] فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله: ﴿ وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون ﴾ [ الواقعة: 8-10] فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله: ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ [ الحجرات: 13] وأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر.
ثم جعل القبائل بيوتاً، فجعلني في خيرها بيتاً، فذلك قوله: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ قال: هم أهل بيت طهرهم الله من السوء، واختصم برحمته قال: وحدث الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «نحن أهل بيت طهرهم الله من شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما دخل علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها.
جاء النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ انا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر بالمدينة.
ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي رضي الله عنه، فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة...
الصلاة...
﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ الصلاة رحمكم الله، كل يوم خمس مرات» .
وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي، وفاطمة ستة أشهر فيقول ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ يقال: أردت لأفعل كذا وأن أفعل كذا، قال الله تعالى بما أوصاكن من الطاعة ولزوم البيت.
﴿ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا (١) (٢) وقال قتادة: يعني السوء (٣) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ \[المائدة: من الآية: 90\]]].
وهذا مما سبق الكلام في تفسيره (¬8).
واختلفوا في المراد بأهل البيت هاهنا، من هم؟
فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هذا في نساء النبي - - (٤) وقال عكرمة: إنما هو في أزواج النبي - - خاصة (٥) وقال مقاتل: يعني بها نساء النبي كلهن؛ لأنهن في بيته (٦) وقال الكلبي: يعني بذلك نساء النبي - - (٧) وهؤلاء احتجوا بما تقدم من الخطاب وما تأخر، وهو قوله: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى ﴾ الآية.
وكل ذلك خطاب لأزواج رسول الله - - خاصة.
قالوا: وإنما ذكر الخطاب في قوله: عنكم ويطهركم، لأن رسول الله - - كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر (٨) وقال آخرون: هذا خاص في النبي - - وفاطمة وعلي والحسن والحسين.
وهو قول أبي سعيد الخدري (٩) (١٠) - غشا هؤلاء بكساء، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" (١١) - دعا لهم بهذا الدعاء، وسأل الله أن يطهرهم، لا جرم أنه استجيب له فيهم بالتطهير، ولقد أحسن أبو إسحاق في تفسير هذه الآية، فقال: اللغة تدل على أنه للنساء والرجال جميعًا؛ لقوله: ﴿ عَنْكُمُ ﴾ و ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ ﴾ بالميم، ولو كان للنساء لم يجز إلا عنكن ويطهركن، ودليله: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ حين أفرد النساء بالخطاب (١٢) - ورجال بيته، قال: وانتصب (أهل البيت) على معنى: أعني أهل البيت، وهو منصوب على المدح قال: ويكون على النداء على معنى: يا أهل البيت) (١٣) قوله: ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ .
قال مقاتل: من أثم ما ذكر في هذه الآيات (١٤) (١٥) (١) "تفسير مقاتل" 91 ب.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب،"تفسير الطبري" 22/ 5، "البغوي" 3/ 275.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب، "القرطبي" 14/ 182، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3132، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 602، وزاد نسبته لابن عساكر.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 8،"القرطبي" 14/ 182، "الدر المنثور" 6/ 603، وقال: أخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3132.
(٦) "تفسير مقاتل" 91 ب.
(٧) ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 224.
(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب.
(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب، "تفسير الطبري" 6/ 22، "الدر المنثور" 6/ 604، وقال: أخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري.
(١٠) هو: واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر الليثي من أصحاب الصفة، أسلم سنة 9 هـ، وشهد غزوة تبوك، وكان من فقراء المسلمين - -، وقد اعتمده البخاري وغيره، توفي - - سنة 83 هـ، وقيل: 85 هـ وكان آخر من مات من الصحابة بدمشق.
انظر: "الاستيعاب" 4/ 606، "الإصابة" 4/ 589، "سير أعلام النبلاء" 3/ 383.
(١١) انظر: "الثعلبي" 3/ 197 ب، "تفسير الطبري" 22/ 6، "تفسير ابن كثير" 3/ 484 وما بعدها، وذكر هذه الروايات السيوطي في "الدر" 6/ 602 وما بعدها، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3133.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 226.
(١٣) المرجع السابق.
(١٤) لعل الكلام هنا خطأ، والصواب كما في "تفسير مقاتل" 92 أ: من الإثم الذي ذكر في هذه الآيات.
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ قرئ بكسر القاف، ويحتمل وجهين: أن يكون من الوقار أو من القرار في الموضع، ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام في ظلت، وأما القراءة بالفتح فمن القرار في الموضع، ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام في ظلت، وأما القراءة بالفتح فمن القرار في الموضع على لغة من يقول قررت بالكسر أقر بالفتح، والمشهور في اللغة عكس ذلك، وقيل: هي من قار يقار إذا اجتمع، ومعنى القرار أرجح، لأن سودة رضي الله عنها قيل لها: لم لا تخرجين؟
فقالت: أمرنا الله بأن نقرّ في بيوتنا، وكانت عاشئة إذا قرأت هذه الآية تبكي على خروجها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عبد الله بن عمر: إن الله أمرك تقري في بيتك ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ ﴾ التبرج إظهار الزينة ﴿ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ﴾ أي مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن، من الانكشاف والتعرض للنظر، وجعلها أولى بالنظر إلى حال الإسلام، وقيل: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين موسى وعيسى.
﴿ الرجس ﴾ أصله النجس، والمراد به النقائص والعيوب ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ منادى أو منصوب على التخصيص، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وذريته وأقاربه كالعباس وعليّ وكل من حرمت عليه الصدقة، وقيل: المراد هنا أزواجه خاصة، والبيت على هذا المسكن، وهذا ضعيف لأن الخطاب بالتذكير، ولو أراد ذلك لقال: عنكن ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت هذه الآية في خمسة: في ولد عليّ وفاطمة والحسن والحسين» .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.
الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.
الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.
﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.
الباقون: بكسرها.
﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.
الباقون: بكسرها.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.
وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.
والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.
ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.
وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.
والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.
ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".
ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.
وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ إلى آخره.
كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله حتى يستشهدوا، فمدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.
ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.
﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.
وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.
وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.
﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.
"روي أن جبرائيل أتى رسول الله صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟
فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.
فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله : تنزلون على حكمي.
فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.
وعن مقاتل: هي خيبر.
وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.
وعن الحسن: فارس والروم.
وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.
ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.
لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي أم لا؟
فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.
ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟
والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.
ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟
الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.
وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.
وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.
والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.
والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.
فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.
وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.
واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.
وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.
وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.
وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.
وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.
وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.
وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.
والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.
ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.
قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه.
والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.
وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.
وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.
ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ واصله "إقررن".
من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.
والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ وذلك في سورة النور.
والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.
والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد .
وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.
وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.
وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي لأنه أصل، وفاطمة ما والحسن والحسين ما بالاتفاق.
والصحيح أن علياً منهم لمعاشرته بنت النبي وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.
ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.
ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ أي بسببه.
ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.
ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.
ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله وهي النية.
قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.
والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.
فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.
فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.
فلما اعتدت قال رسول الله : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.
قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.
ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.
فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.
قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.
وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.
نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.
الذي أخفى النبي في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.
وعن عائشة لو كتم رسول الله شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.
والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.
قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.
ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.
ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.
عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.
وقيل: التطليق.
فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.
ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.
ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.
وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.
ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.
والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.
ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾ إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ومجيء عيسى في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.
فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.
وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.
﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.
﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.
فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.
وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.
الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.
إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.
﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.
وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.
﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إنهن جلسن، فجعلن يخترن الأزواج في حياة رسول الله، فنزلت الآية توبيخاً لهن وتعييراً على ذلك.
لكن هذا بعيد محال: لا يحتمل أن يكون أزواجه يخترن الأزواج، وهن تحته في حياته؛ فذلك سوء الظن بهن.
وقال بعضهم: إنهن طلبن النفقة منه؛ فنزل ما ذكر.
وقيل: إنهن تحدثن بشيء من الدنيا وركنَّ إليها؛ فنزل ما ذكر عتاباً لهن وتعييراً، ونحو ذلك قد قالوا.
وجائز أن يكون الله يمتحن رسوله وأزواجه بالتخيير واختيار الفراق منه - ابتداء امتحان من غير أن يكون منهن شيء مما ذكروا ولا سبب؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن عائشة - ا - قالت: "لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه؛ بدأ بي فقال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم الله أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...
﴾ إلى قوله: ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ؛ فقلت أفي هذا أستأمر أبويّ؟!
فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
وفعل سائر أزواجه مثل ما فعلت" وفي بعض الأخبار أنها قالت: "بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة" ؛ فدل قولها: "لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه": أن ذلك من الله ابتداء امتحان، من غير أن كان منهن ما ذكروا من الركون إلى الدنيا والتحدث بما ذكر.
وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: إباحة طلب الدنيا وزينتها من وجه يحل ويجمل، حيث قال: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن يحل ذلك لهن، وكن منهيات عن ذلك، لكان رسول الله لا يفارقهن؛ حتى لا يخترن المنهي من الأمر، وقد كان يملك حبسهن في ملكه؛ حتى لا يخترن ما ذكره من المنهي؛ دل ذلك - والله أعلم - أن ذلك كان على وجه يحل ويجمل.
وفيه أن رسول الله لم يكن عنده ما ذكر من الدنيا والزينة وما يستمتع بها؛ إذ لو كان عنده ذلك، لم يحتمل أن يخيرهن بالفراق منه لما ذكر وعنده ذلك، ولا هن يخترن الفراق منه وعنده ذلك؛ دل أنه لم يكن عنده ما ذكر، ويبطل قول من يقول: إنه كان عنده الدنيا ويفضل الغناء على الفقر بذلك.
وفيه دلالة: أن أزواجه كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقنه؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره لم يكن لقوله: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ معنى؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره، وعندهن ما ذكر من الدنيا، يحملهن ذلك على الفجور؛ فدل أنهن كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقهن، وإنما لم يحللن لغيره إذا مات؛ فيكون له حكم الحياة كأنه حيّ في حق أزواجه.
ويخرج قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : في الآخرة لا تحل لغيره؛ فتكون زوجته في الجنة.
ثمّ اختلف الصحابة - م - فيمن خير امرأته فاختارت: قال بعضهم: إذا خيرها فهو تطليقة رجعية، وإذا اختارت فهي بائنة، وهو قول عليّ.
وقال بعضهم: إذا اختارت نفسها فهي ثلاث، وإذا اختارت زوجها فلا شيء.
وقال بعضهم: إذا اختارت زوجها، فهي تطليقة رجعية، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة.
وعندنا: أن التخيير نفسه لا يكون طلاقاً، فإن اختارت زوجها، لا شيء، وإذا اختارت نفسها؛ فهي بائن.
أما قولنا: إذا اختارت زوجها لا شيء؛ لما روي عن عائشة قالت: "خيرنا رسول الله فاخترناه" فلم يعد ذلك طلاقا.
وأما قوله: إذا اختارت نفسها فيكون بائنا؛ لأنه خيرها بين أن تختار نفسها لنفسها وبين أن تختار نفسها لزوجها؛ فإن اختارت نفسها [لنفسها] فهي بائن؛ لأنا لو جعلناه رجعيّاً لم يكن اختيارها نفسها لنفسها، ولكن لزوجها؛ إذ لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت، وكان التخيير بين النفسين، على ما ذكرنا.
وأما قول من يقول بأن نفس التخيير طلاق فهو باطل؛ لما ذكرنا من تخيير رسول الله أزواجه؛ فلم يكن ذلك طلاقاً.
وأما من قال بالثلاث إذا اختارت نفسها فهو كذلك عندنا إذا ذكر في التخيير الثلاث.
وأما قول من قال بالرجعي، فهو إذا صرح بالتطليق؛ فهو كذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ : الإرادة هاهنا: إرادة الاختيار والإيثار حياة الدنيا وزينتها، لا ميل القلب والرضاء به، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .
هو إرادة الاختيار والإيثار، وهو ما يراد ويختار فعلا، لا ميل القلب والرضاء به؛ لأن كل ممكن فيه الشهوة مجعول فيه هذه الحاجة يميل قلبه، ويركن إلى ما يتمتع بحياة الدنيا ولذاتها، ويرضاه ويحبه؛ فدل أنه أراد إرادة الفعل والاختيار لا إرادة القلب ورضاه.
ثم فيه ما ذكرنا من حلهن لغير رسول الله إذا اخترن الفراق منه؛ لما ذكر أنه يمتعهن ومعلوم أنهن لا يكتسبن بأنفسهن حتى يتمتعن بذلك، ولم يكن عندهن ما يستمتعن؛ فدل أنه إنما يمتعهن بأموال أزواجهن؛ فدل على حلهن لغيره في حياته إذا فارقنه والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .
معلوم أنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها لا يحتمل ألا يردن الله، لكن إضافة ذلك إلى الله لاختيارهن المقام عند رسوله؛ فيدل ذلك أن كل ما أضيف إلى الله ورسوله كان المراد به رسوله؛ نحو ما قال: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، وأمثال ذلك.
ثم الزهد في الدنيا يكون بوجهين: أحدهما: ترك المكاسب التي توسع الدنيا، ويكون بها السعة في الدنيا، ويؤثرها لغيرها على نفسه، واختيار حال الضيق من غير تحريم ما أحل وطيب له.
والثاني: بذل ما عنده لغيره وإيثاره على نفسه وجعله أولى به منه، لا في تحريم المحللات والطيبات.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، أي: إذا اخترن المقام عند رسول الله يصرن محسنات بذلك؛ فأعدّ لهن ما ذكر؛ فيكون ذلك الاختيار منهن: الإحسان؛ فاستوجبن ما ذكر: ويحتمل: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، ودمتن على ذلك واكتسبتن الأعمال الصالحات والإحسان حتى ختمتن على ذلك، فأعد لكن ذلك لا بنفس اختيار مقامكن معه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ .
قال بعضهم: الفاحشة المبينة هي النشوز البيّن.
وقال بعضهم: لا، بل الفاحشة المبينة هي الزنا الظاهر، ويقال: مبينة بشهادة أربعة عدول، ومبينة بالكسر، أي: مبينة ظاهرة.
﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ : الجلد والرجم في الدنيا، ولكن كيف يعرف ضعف الرجم في الدنيا من لا يعرف حدّ رجم واحد إذا كان ذلك في عذاب الدنيا، وإن كان ذلك في عذاب الآخرة؛ فكيف ذكر فاحشة مبينة، وذلك عند الله ظاهر بين؟
وقال بعضهم: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فَمِثْلَيْ حدود النساء، وأما في الآخرة فضعفي ما يعذب سائر النساء، فجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ إذا اخترن الدنيا؛ فمتى أتين بفاحشة ضوعف لهن من العذاب ما ذكر وإذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة آتاهن الأجر مرتين.
أو أن يكون إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، ثم أتين بفاحشة ضوعف لهن ما ذكر من العذاب؛ لئلا يحسبن أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر لم يعاقبن، فذكر: أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر عوقبن ضعف ما عوقب به غيرهن، وإذا أطعن الله ورسوله، ضوعف لهن الأجر مرتين، والله أعلم.
والأشبه أن يكون ما ذكر من ضعف العذاب في الآخرة على ما يقول بعض أهل التأويل؛ ألا ترى أنه ذكر لهن الأجر كفلين، ومعلوم أن ذلك في الآخرة؛ فعلى ذلك العذاب.
وأما قوله: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ : عند الخلق، وإن كانت عند الله مبينة ظاهرة، وذلك جائز في اللغة.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: عذابهن على الله يسيراً هيناً لا يثقل عليه ولا يشتد لمكان رسول الله؛ بل على الله يسير هين.
والثاني: أن إتيانكن الفاحشة ومعصيتكن على الله يسير، أي: لا يلحقه ضرر ولا تبعة، ليس كمعصية خواص الملك له في الدنيا: يلحقه الضرر والذل إذا عصوه وأعرضوا عنه، فأمّا الله - - عزيز بذاته غني لا يضره عصيان عبده؛ بل ضرّوا أنفسهم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: من يطع منكن لله ورسوله، ﴿ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ .
في الآية دلالة بيان فضيلة أزواج رسول الله؛ لمكان رسول الله وعظيم قدره، حيث خاطبهن من بين غيرهن من النساء كما خاطب مريم بقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ .
ثم يحتج الشافعي بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ لتأويله في قوله: الطلاق مرتان بقولة، يقول: قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ أي: تطليقتان في دفعة واحدة من غير إحداث التطليق والفعل فيما بينهما؛ ويستدل على ذلك بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ ، أي: أجرين من غير إحداث فعل فيما بينهما ولكن بفعل واحد، وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، أي: أجرين.
لكن عندنا يجوز الإيتاء بمعنى الإيجاب، أي: يوجب لها الأجر مرتين؛ نحو قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أوجب لهم ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ فعلى ذلك ما ذكر ونحوه كثير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .
قال بعض أهل الأدب: (أحد) أجمع في الكلام من (واحد)؛ لأنه يرجع إلى واحد وإلى جماعة، وقوله: (واحد) إنما يرجع إلى الفرد خاصّة، وإنما يخاطب به الواحد.
وقوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ اختيار الدنيا وزينتها، واتقيتن أيضاً نقض اختيار رسول الله والدار الآخرة.
وجائز أن يكون على الابتداء: إن اتقيتن مخالفة الله ومخالفة رسوله.
وقوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ ؛ فإنكن معشر أزواج رسول الله تنظرن إلى الوحي، وتصحبن رسول الله بالليل والنهار، وترين أفعاله وصنيعه؛ فإنكن أحق الناس بالتقوى وترك الميل إلى الدنيا والركون إليها ممن لا ينظر إليه ولا يصحبه إلا في الأوقات مرة.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في الفضيلة على غيرهن من النساء؛ لأنهن يكن أزواج رسول الله في الآخرة، ويرتفعن إلى درجات رسول الله ويكن معه؛ فإنكن لستن كغيركن من النساء في الفضيلة والدرجة إن اتقيتن ما ذكرنا: من مخالفة رسول الله واختيار الحياة الدنيا وزينتها، والميل إليها والركون فيها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، قيل: فلا تلنّ في القول.
﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ : قال بعضهم: أي: فجور وزناً.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: خشناً شديداً.
وقال بعضهم: ﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ ، أي: نفاق، وهذا أولى؛ لأن أصحاب رسول الله لا يحتمل أن يكون أحد منهم يطمع في أزواج رسول الله نكاحاً بحال أو رغبة فيهن، بعد علمنا منهم أنهم إذا علموا من رسول الله رغبة في أزواجهم طلقوهن؛ ليتزوجهن رسول الله؛ فلا يحتمل بعدما عرف منهم هذا أن يطمع أحد منهم ويرغب في أزواجه نكاحاً، فضلا أن يرغب فجورا، ولكن إن كان ذلك فهو من أهل النفاق.
وجائز أن يرغبوا فيهن نكاحاً؛ لأنهن أعظم الناس نسباً وحسبا، وأكرمهم جمالا وحسنا؛ فجائز وقوع الرغبة فيهن من أهل النفاق؛ لما ذكرنا، وأما من أهل الإيمان فلا يحتمل ذلك؛ لما ذكرنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ دل هذا أنهن بحيث يرغب فيهن ويطمع.
وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، يقول: فلا ترمين بقول يقارب الفاحشة، فيطمع الذي في قلبه مرض.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .
يعني: قولا حسنا يعرف، لا يقارب الفاحشة.
لكن هذا بعيد، وأصله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تقلن قولا يعرف به الرغبة في الرجال، والميل إلى الدنيا، والركون فيها ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ : ما يكون فيه تغيير المنكر والأمر بالمعروف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ .
قد قرئ بكسر القاف وفتحها، فمن قرأ بالكسر فهو من الوقار، ومن قرأ بالفتح: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ جعله من القرار والسكون فيها.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: تبرج الجاهلية الأولى قبل أن يبعث رسول الله؛ كان يخرج نساؤهم متبرجات بزينة مظهرات، فأمر الله أزواج رسوله بالستر والحجاب عليهن، وإدناء الجلباب عليهن، وهو ما قال: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ قال: الجاهلية التي ولد فيها إبراهيم، أعطوا أموالا كثيرة، وكن يتبرجن في ذلك الزمان تبرجاً شديداً؛ فأمر أزواجه بالعفة والترك لذلك، فلسنا ندري ما أراد بالجاهلية، ومن أراد بذلك: الذين كانوا بقرب خروج رسول الله وبعثه، أو الذين كانوا من قبل في الأمم السالفة؟
والتبرج كأنه هو الخروج بالزينة على إظهار لها؛ أعني: إظهار الزينة.
قال القتبي: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تلنّ به.
وقوله: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي: صحيحاً.
وقوله: ﴿ وقِرْنَ في بيوتكن ﴾ بالكسر من الوقار، ويقال: وقر في منزله يقر وقوراً، و ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بفتح القاف من القرار، وكأنه من: قر يقر أراد أقررن في بيوتكن، فحذف الراء الأولى وحول فتحها إلى القاف، كما يقال: ظلن في موضع كذا، من اضللن؛ قال الله - -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ولم نسمع قَرَّ يَقِرُّ إلا في موضع قرة العين، فأمّا في الاستقرار فإنما هو قَرَّ يَقَرُّ.
وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل أن يكون الأمر لهن بإيتاء الزكاة من حليهن؛ لأنهن لا يملكن شيئاً سوى ذلك ما يجب في مثله الزكاة؛ ألا ترى أنه وعد لهنّ التمتيع والسراح الجميل إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها، فلو كان عندهن شيء من فضول الأموال كن ينفقن ويتمتعن، وإن لم يكن عند رسول الله ما يمتعهن ولا يطلبن ذلك من غيره، فدل ذلك أنهن لا يملكن شيئاً من ذلك، فيجوز أن يستدل بظاهر هذه الآية في إيجاب الزكاة في الحلي، وكذلك روي عن ابن عباس، .
وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لله ورسوله؛ لئلا يغتررن بما اخترن المقام مع رسول الله وإيثارهن إياه على أن ذلك كاف لهن في الآخرة ولا شيء عليهن سوى ذلك من العبادات؛ بل أخبر أنكنّ وإن اخترتن المقام معه وآثرتن إياه على الدنيا وزينتها لا يغنيكن ذلك عما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية مقطوعة عن الأولى؛ لأن الأولى في أزواج رسول الله وهذه في أهل بيته، وهو قول الروافض، ويستدلون بقطعها عن الأولى بوجوه: أحدها: ما روي عن أم سلمة زوج النبي أنها قالت: "عنى بذلك عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وقالت: لما نزلت هذه الآية، أخذ النبي ثوباً، فجعله على هؤلاء، ثم تلا الآية: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ فقالت أم سلمة من جانب البيت: يا رسول الله، [ألست] من أهل البيت؟
قال: بلى إن شاء الله" وعن الحسن بن علي أنه خطب الناس بالكوفة وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم، وإنا ضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله - -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .
ويقولون - أيضاً -: إن الآية الأولى ذكرها بالتأنيث حيث قال: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وهذه ذكرها بالتذكير دل أنها مقطوعة عن الأولى.
ويقولون - أيضاً -: إنه وعد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً وعداً مطلقاً غير مقيد، وذلك الرجس الذي ذكر مما يحتمل أزواجه ممكن ذلك فيهن غير ممكن في أهل بيته ومن ذكره.
ويقولون - أيضاً - ما روي عنه أنه قال: "تركت فيكم بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما ليردان بكم الحوض" أو كلام نحو هذا، ففسر العترة بأهل البيت، ونحو ذلك من الوجوه: وأما عندنا فهي غير مقطوعة من الأولى: إما أن يكون على الاشتراك بينهن وبين من ذكروا من أولاده؛ إذ اسم أهل البيت مما يجمع ذلك كله في العرف.
أو تكون الآية لهن على الانفراد، فأمّا أن يخرج أزواجه عن أهل بيته والبيت يجمعهم، فلا يحتمل ذلك.
وأما قولهم: إنه ذكر هذه الآية بالتذكير والأولى بالتأنيث فعند الاختلاط كذلك يذكر باسم التذكير.
وأمّا قولهم: إن وعده لهم منه خرج مطلقاً غير مقيد، فكذلك كن أزواج رسول الله لم يأت منهن ما يجوز أن ينسبن إلى الرجس والقذر إلا فيما غلبن على رأيهن وتدبيرهن بالحيل، فأخرجن فيما أخرجن.
وأما قولهم في الثقلين اللذين تركهما فينا بعده: الكتاب والعترة، فعترته: سنته؛ على ما قيل: وقوله: "أهل بيتي" كأنه قال: تركت الثقلين كتاب الله وسنتي بأهل بيتي، وذلك جائز في اللغة.
وأما ما روي عن أم سلمة فإنه في الخبر بيان على أن أزواجه دخلن حيث قالت له أم سلمة: "ألست من أهل البيت؟
قال: بلى إن شاء الله" وفي هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما يقولون: إن الله قد أراد أن يطهر الخلق كلهم: الكافر والمسلم، وأراد أن يذهب الرجس عنهم جميعاً، لكن الكافر حيث أراد ألا يطهر نفسه ولا يذهب عنه الرجس لم يطهر، فلو كان على ما يقولون لم يكن لتخصيص هؤلاء بالتطهر ودفع الرجس عنهم فائدة ولا منة - دل أنما يطهر من علم منه اختيار الطهارة وترك الرجس، وأما من علم منه اختيار الرجس فلا يحتمل أن يذهب عنه الرجس، أو يريد منه غير ما يعلم أنه يختار، وأن التطهير لمن يكون إنما يكون بالله، لا بما تقوله المعتزلة؛ حيث قال: ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ ؛ إذ على قولهم لا يملك هو تطهير من أراد تطهيره؛ إذ لم يبق عنده ما يطهرهم، فذلك كله ينقض عليهم أقوالهم ومذهبهم.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ ﴾ أي: اتلون ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي.
والثاني: اذكرن على حقيقة الذكر؛ أي: اذكرن ما منَّ الله عليكن، وجعلكن من أهل بيت يتلى فيه آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي فيها، وخصكن بذلك، ما لم يجعل في بيت أحد ذلك، يذكرهن عظيم ما أنعم ومنّ عليهن؛ ليتأدّى به شكره؛ ليعرفن منن الله ونعمه عليهن.
وقوله: ﴿ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل آيات القرآن.
ويحتمل حججه وبراهينه.
والحكمة: قالت الفلاسفة: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً.
وقال بعضهم: الحكيم: المصيب، والحكمة: هي الإصابة.
وقيل: هي وضع الشيء موضعه، وهي نقيض السفة.
وأصل الحكمة في الحقيقة كأنه هي الإصابة في كل شيء، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم ولا الغلط.
وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي السنة.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ اللطيف: هو البارّ؛ يقال: فلان لطيف: إذا كان بارّاً.
والثاني: اللطيف: هو الذي يستخرج الأشياء الخفية الكامنة مما لا يتوهمها العقول استخراجها من مثلها.
<div class="verse-tafsir"
واثبتن في بيوتكنّ، فلا تخرجن منها لغير حاجة، ولا تُظْهِرن محاسنكنّ صنيع من كنّ قبل الإسلام من النساء حيث كنّ يبدين ذلك استمالة للرجال، وأدين الصلاة على أكمل وجه، وأعطين زكاة أموالكنّ، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله سبحانه أن يذهب عنكم الأذى والسوء، يا أزواج رسول الله ويا أهل بيته، ويريد أن يطهّر نفوسكم؛ بتحليتها بفضائل الأخلاق، وتخليتها عن رذائلها تطهيرًا كاملًا، لا يبقى بعده دَنَس.
<div class="verse-tafsir" id="91.AaDzg"