الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٣٤ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) أي : اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة قاله قتادة وغير واحد ، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس ، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس ، وعائشة [ الصديقة ] بنت الصديق أولاهن بهذه النعمة ، وأحظاهن بهذه الغنيمة ، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة ، فإنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها ، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه قال بعض العلماء ، رحمه الله : لأنه لم يتزوج بكرا سواها ، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ، فناسب أن تخصص بهذه المزية ، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته ، فقرابته أحق بهذه التسمية ، كما تقدم في الحديث : " وأهل بيتي أحق " وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال : " هو مسجدي هذا " فهذا من هذا القبيل; فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء ، كما ورد في الأحاديث الأخر ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بتسميته بذلك ، والله أعلم وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا أبو عوانة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن أبي جميلة قال : إن الحسن بن علي استخلف حين قتل علي ، رضي الله عنهما قال : فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد ، وحسن ساجد قال : فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه ، فمرض منها أشهرا ، ثم برأ فقعد على المنبر ، فقال : يا أهلالعراق ، اتقوا الله فينا ، فإنا أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذي قال الله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قال : فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يحن بكاء وقال السدي ، عن أبي الديلم قال : قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام : أما قرأت في الأحزاب : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ؟
قال : نعم ، ولأنتم هم ؟
قال : نعم وقوله : ( إن الله كان لطيفا خبيرا ) أي : بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة ، وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك ، أعطاكن ذلك وخصكن بذلك قال ابن جرير ، رحمه الله : واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة ، فاشكرن الله على ذلك واحمدنه ( إن الله كان لطيفا خبيرا ) أي : ذا لطف بكن ، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة وهي السنة ، خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجا وقال قتادة : ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) قال : يمتن عليهن بذلك رواه ابن جرير وقال عطية العوفي في قوله : ( إن الله كان لطيفا خبيرا ) يعني : لطيف باستخراجها ، خبير بموضعها رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : وكذا روى الربيع بن أنس ، عن قتادة
القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) يقول تعالى ذكره لأزواج نبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: واذكرن نعمة الله عليكن؛ بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك، واحمدنه عليه، وعني بقوله (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بِيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ): واذكرن ما يقرأ في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة، ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أحكام دين الله، ولم ينـزل به قرآن، وذلك السنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بِيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) : أي: السنة، قال: يمتن عليهم بذلك.
وقوله (إن اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة، خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجا.
قوله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا .فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة هذه الألفاظ تعطي أن أهل البيت نساؤه .
وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت ، من هم ؟
فقال عطاء وعكرمة وابن عباس : هم زوجاته خاصة ، لا رجل معهن .
وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن .
وقالت فرقة منهم الكلبي : هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة ، وفي هذا أحاديث عن النبي عليه السلام ، واحتجوا بقوله تعالى : ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم بالميم ولو كان للنساء خاصة لكان ( عنكن [ ص: 166 ] ويطهركن ) ، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل ، كما يقول الرجل لصاحبه : كيف أهلك ، أي امرأتك ونساؤك ، فيقول : هم بخير ، قال الله تعالى : أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت .والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم .
وإنما قال : " ويطهركم " لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليا وحسنا وحسينا كان فيهم ، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر ، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت ؛ لأن الآية فيهن ، والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام .
والله أعلم .
أما أن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال : هؤلاء أهل بيتي - وقرأ الآية - وقال : اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فقالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول الله ؟
قال : أنت على مكانك وأنت على خير أخرجه الترمذي وغيره وقال : هذا حديث غريب .
وقال القشيري : وقالت أم سلمة أدخلت رأسي في الكساء وقلت : أنا منهم يا رسول الله ؟
قال : نعم .
وقال الثعلبي : هم بنو هاشم ، فهذا يدل على أن البيت يراد به بيت النسب ، فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم .وروي نحوه عن زيد بن أرقم رضي الله عنهم أجمعين .
وعلى قول الكلبي يكون قوله : ( واذكرن ) ابتداء مخاطبة الله تعالى ، أي مخاطبة أمر الله عز وجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتهن من آيات الله تعالى والحكمة قال أهل العلم بالتأويل : ( آيات الله ) القرآن .
( والحكمة ) السنة .
والصحيح أن قوله : ( واذكرن ) منسوق على ما قبله .
وقال : ( عنكم ) لقوله ( أهل ) ، فالأهل مذكر ، فسماهن - وإن كن إناثا - باسم التذكير فلذلك صار ( عنكم ) .
ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه ، فإنه توجد له أشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه من ذلك وحجروا عليه .
فالآيات كلها من قوله : يا أيها النبي قل لأزواجك - إلى قوله - إن الله كان لطيفا خبيرا منسوق بعضها على بعض ، فكيف صار في الوسط كلاما منفصلا لغيرهن وإنما هذا شيء جرى في الأخبار أن النبي عليه السلام لما نزلت عليه هذه الآية دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين ، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء فلفها عليهم ، ثم ألوى بيده إلى السماء فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية ، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب [ ص: 167 ] بها الأزواج ، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها لهم خاصة ، وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل .الثانية : لفظ الذكر يحتمل ثلاثة معان : أحدها : أي اذكرن موضع النعمة ؛ إذ صيركن الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة .
الثاني : اذكرن آيات الله واقدرن قدرها ، وفكرن فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى ، ومن كان هذا حاله ينبغي أن تحسن أفعاله .
الثالث : واذكرن بمعنى احفظن واقرأن وألزمنه الألسنة ، فكأنه يقول : احفظن أوامر الله تعالى ، ونواهيه ، وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله .
فأمر الله سبحانه وتعالى أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن ، وما يرين من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام ، ويسمعن من أقواله حتى يبلغن ذلك إلى الناس ، فيعملوا ويقتدوا .
وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين .الثالثة : قال ابن العربي : في هذه الآية مسألة بديعة ، وهي أن الله تعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن ، وتعليم ما علمه من الدين ، فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق سقط عنه الفرض ، وكان على من سمعه أن يبلغه إلى غيره ، ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة ، ولا كان عليه إذا علم ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم نزل كذا ولا كان كذا ، ولهذا قلنا : يجوز العمل بخبر بسرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر ، لأنها روت ما سمعت وبلغت ما وعت .
ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال ، كما قال أبو حنيفة ، على أنه قد نقل عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر .
ولما أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبين لهن طريقه، فقال: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } والمراد بآيات اللّه، القرآن.
والحكمة، أسراره.
وسنة رسوله.
وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله.
{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } يدرك أسرار الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر.
فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة اللّه على تلك الأعمال.
ومن معاني { اللطيف } الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من الشر، بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق، ما لا يدريه، ويريه من الأسباب، التي تكرهها النفوس ما يكون ذلك طريقا له إلى أعلى الدرجات، وأرفع المنازل.
قوله - عز وجل - : ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ) يعني : القرآن ) ( والحكمة ) قال قتادة : يعني السنة وقال مقاتل : أحكام القرآن ومواعظه .
( إن الله كان لطيفا خبيرا ) أي : لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه .
«واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله» القرآن «والحكمة» السنة «إن الله كان لطيفا» بأوليائه «خبيرا» بجميع خلقه.
واذكرن ما يتلى في بيوتكن من القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، واعملن به، واقدُرْنه حقَّ قَدْره، فهو من نِعَم الله عليكن، إن الله كان لطيفًا بكنَّ؛ إذ جعلكنَّ في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والسنة، خبيرًا بكنَّ إذ اختاركنَّ لرسوله أزواجًا.
ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله - عز وجل - : ( واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة .
.
) .أى : واذكرن فى أنفسكن ذكرا متصلا ، وذَكِّرْن غيركن على سبيل الإِرشاد ، بما يتلى فى بيوتكن من آيات الله البينات الجامعة بين كونها معجزات دالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم ، وبين كونها مشتملة على فنون الحكم والآداب والمواعظ .
.ويصح أن يكون المراد بالآيات : القرآن الكريم ، وبالحكمة : أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته .
.وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنهن - وقد خصهن الله - تعالى - بجعل بيوتهن موطنا لنزول القرآن ، ولنزول الحكمة - أحق بهذا التذكير ، وبالعمل الصالح من غيرهن .( إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) أى : خلا يخفى عليه شئ من أحوالكم ، وقد أنزل عليكم ما فيه صلاح أموركم فى الدنيا والآخرة .
ثم قال تعالى: ﴿ واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة ﴾ أي القرآن ﴿ والحكمة ﴾ أي كلمات النبي عليه السلام إشارة إلى ما ذكرنا من أن التكاليف غير منحصرة في الصلاة والزكاة، وما ذكر الله في هذه الآية فقال: ﴿ واذكرن مَا يتلى ﴾ ليعلمن الواجبات كلها فيأتين بها، والمحرمات بأسرها فينتهين عنها.
(وقوله): ﴿ إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ إشارة إلى أنه خبير بالبواطن، لطيف فعلمه يصل إلى كل شيء ومنه اللطيف الذي يدخل في المسام الضيقة ويخرج من المسالك المسدودة.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكرهنّ أنّ بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهنّ أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين: هو آيات بينات تدلّ على صدق النبوّة؛ لأنه معجزة بنظمه.
وهو حكمة وعلوم وشرائع ﴿ إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم أو علم من يصلح لنبوّته من يصلح لأن يكرهوا أهل بيته.
أو حيث جعل الكلام الواحد جامعاً بين الغرضين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ ﴾ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِن حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءَ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ حَثًّا عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَ بِهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يَصْلُحُ في الدِّينِ ولِذَلِكَ خَيَّرَكُنَّ ووَعَظَكُنَّ، أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِنُبُوَّتِهِ ومَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ أهْلَ بَيْتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} القرآن {والحكمة} أي السنة أو بيان معاني القرآن {إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً} عالماً بغوامض الأشياء {خَبِيراً} عالماً بحقائقها أي هو عالم بأفعالكن وأقوالكن فاحذرن مخالفة أمره ونهيه ومعصية رسوله
﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ ﴾ أيِ اُذْكُرْنَ لِلنّاسِ بِطَرِيقِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، وقِيلَ: أيْ تَذَكَّرْنَ ولا تَنْسَيْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ ﴿ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿ والحِكْمَةِ ﴾ هي السُّنَّةُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ، وفُسِّرَتْ بِنَصائِحِهِ ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في المُصْحَفِ بَدَلَ الحِكْمَةِ السُّنَّةُ حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرِسْتانِيُّ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ (مَفاتِيحِ الأسْرارِ)، وقالَ جَمْعٌ: المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ القُرْآنُ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُتْلى ﴾ أيِ اُذْكُرْنَ ما يُتْلى مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى البَيِّنَةَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ بِأوْجُهٍ شَتّى وكَوْنِهِ حِكْمَةً مُنْطَوِيَةً عَلى فُنُونِ العُلُومِ والشَّرائِعِ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطَ الوَحْيِ وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءَ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَهُ، وقِيلَ: هَذا أمْرٌ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ كَما لَهُنَّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ تَوْسِيطِ ﴿ إنَّما يُرِيدُ ﴾ إلخ في البَيْنِ والتَّعَرُّضُ لِلتِّلاوَةِ في البُيُوتِ دُونَ النُّزُولِ فِيها مَعَ أنَّها الأنْسَبُ لِكَوْنِها مَهْبِطَ الوَحْيِ لِعُمُومِها لِجَمِيعِ الآياتِ ووُقُوعِها في كُلِّ البُيُوتِ وتَكَرُّرِها المُوجِبِ لِتَمَكُّنِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ بِخِلافِ النُّزُولِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِرِعايَةِ الحِكْمَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها السُّنَّةُ فَإنَّها لَمْ تَنْزِلْ نُزُولَ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لَمْ تُتْلَ أيْضًا تِلاوَتَهُ، وعَدَمُ تَعْيِينِ التّالِي لِتَعُمَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ وتِلاوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وتِلاوَتَهُنَّ وتِلاوَةَ غَيْرِهِنَّ تَعْلِيمًا وتَعَلُّمًا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تُتْلى» بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يُصْلِحُ في الدِّينِ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ ومَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يَعْمَلُ الحِكْمَةَ حَيْثُ أنْزَلَ كِتابَهُ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اللَّطِيفُ ناظِرًا لِلْآياتِ لِدِقَّةِ إعْجازِها والخَبِيرُ لِلْحِكْمَةِ لِمُناسَبَتِها لِلْخِبْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ يعني: احفظن ما يقرأ عليكن مِنْ آياتِ اللَّهِ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةِ يعني: أمره ونهيه في القرآن.
فوعظهن ليتفكرون.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً لطيف علمه، فيعلم حالهن إن خضعن بالقول.
ويقال: لطيفاً أمر نبيه بأن يلطف بهن خَبِيراً يعني: عالماً بأعمالهن.
قوله عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وذلك أن أم سلمة- ا- سألت رسول الله : ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه، فأخشى أن لا يكون فيهن خير، ولا لله عز وجل فيهن حاجة؟
فنزل إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ويقال: إن النساء اجتمعن وبعثن أنيسة رسولا إلى النبيّ .
فقالت: إن الله تبارك وتعالى خالق الرجال والنساء، وقد أرسلك إلى الرجال والنساء، فما بال النساء ليس لهن ذكر في الكتاب فنزلت هذه الآية.
وقال قتادة: لما ذكر الله عز وجل أزواج النبي يعني: دخل نِسَاءٌ مسلماتٌ عليهن، فقلن: ذكرتن ولم نذكر.
ولو كان فينا خيرا ذكرنا.
فنزلت هذه الآية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ يعني: المسلمين من الرجال، والمسلمات من النساء.
وَالْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين الموحدين من الرجال وَالْمُؤْمِناتِ يعني: المصدقات الموحدات من النساء وَالْقانِتِينَ يعني: المطيعين، وأصل القنوت القيام.
ثم يكون للمعاني، ويكون للطاقة.
كقوله وَالْقانِتِينَ ويكون للإقرار بالعبودية كقوله: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [البقرة: 116 والروم: 26] وَالْقانِتاتِ أي: المطيعات من النساء وَالصَّادِقِينَ يعني: الصادقين في إيمانهم من الرجال وَالصَّادِقاتِ من النساء وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على أمر الله تعالى من الرجال والنساء وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ يعني: المتواضعين من الرجال والنساء وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ يعني: المنفقين أموالهم في طاعة الله مِنْ الرجال والنساء وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ قال مقاتل: من صام رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات.
ثم قال: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ يعني: من الفواحش من الرجال والنساء وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ يعني: باللسان من الرجال والنساء.
فذكر أعمالهم.
ثم ذكر ثوابهم فقال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً في الدنيا لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً في الآخرة وهو الجنة.
قوله عز وجل: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية.
وذلك أن رسول الله قال لزينب بنت جحش الأسدية وهي بنت عمة النبيّ أميمة بنت عبد المطلب: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ من زيد بن حارثة» .
فقالت: يا رسول الله لا أرضاه لنفسي.
وأنا أرفع قريش لأنني من قريش وابنة عمتك.
فنزل وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ يعني: ما جاز لمؤمن يعني: زيد بن حارثة، وَلا مُؤْمِنَةٍ يعني: زينب بنت جحش إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً يعني: حكم حكماً في تزويجهما أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ يعني: اختيار من أمرهم بخلاف ما أمر الله ورسوله.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم: أن يكون بالياء بالتذكير.
وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ التأنيث.
فمن قرأ بالتاء: فلأن لفظ الخيرة مؤنث.
ومن قرأ بالياء: فإنه ينصرف إلى المعنى، ومعناهما الاختيار لتقديم الفعل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً فلما سمعت زينب بنت جحش نزول هذه الآية قالت: أطعتك يا رسول الله.
<div class="verse-tafsir"
الملك من فوق سبعة أرقعة» فأمر صلى الله عليه وسلّم بِرِجَالِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقِهُمْ، وَفِيهِمْ «١» حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِيرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْخَلَهُمْ فِي الْغَدْرِ، وظاهَرُوهُمْ: معناه: عاوَنُوهم، و «الصياصي» : الحُصُون، واحدُها صيصيةٍ وهي كل ما يَتَمَنَّعُ به، ومنه يقال لقرون البقر:
الصياصي، والفريقُ المقتولُ: الرجالُ، والفريقُ المأسور: العيالُ والذُّرِّيَّة.
وقوله سبحانه: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يريد بها: البلاد التي فتحت على المسلمين بعدُ كالعراقِ والشامِ واليمنِ وغيرها، فوعَدَ الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك.
قاله عكرمة «٢» .
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...
الآية، ذَكَرَ جُلُّ المفسرين أن أزواج النّبي صلى الله عليه وسلّم سَأَلْنَه شَيْئاً من عَرَضِ الدنيا، وآذَيْنَه بزيادة النَفَقَة والغَيْرَة، فَهَجَرَهُنَّ وآلى أَلاَّ يقربَهن شَهْراً، فنزلت هذه الآية، فبدأَ بعائشة، وقال:
«يا عَائشَةُ، إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهَا الآيةَ، فَقَالَتْ لَهُ: وَفِي أَيِّ هَذَا أُسْتَأْمِرُ «٣» أَبَوَيَّ؟
فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرة، قَالَتْ «٤» : وَقَدْ علِمَ أَن أَبَوَيَّ لاَ يَأْمُرَانِي بفراقه، ثمّ تتابع أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلّم على مثل قول
عَائِشَةَ، فاخترن اللهَ وَرَسُولَهُ- رَضِيَ «١» الله عنهن.
قالتْ فِرْقَةٌ قَوْله: بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعَاصِي ولزمهنَّ رضي الله عنهنَّ بحَسْبِ مَكَانَتُهُنَّ، أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمَ غيرَهن، فَضُوعِفَ لهنَّ الأجْرُ والعذابُ.
وقوله: ضِعْفَيْنِ معناه: يكونُ العذابُ عذابَين، أي: يضاف إلى عذابِ سائِر النَّاس عذابٌ آخر مثله، ويَقْنُتْ: معناه: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بالعبُوديَّة قاله الشعبي «٢» وقتادة «٣» .
والرزقُ الكريمُ: الجنة.
ثم خاطَبَهُنَّ اللهُ سبحانه بأنّهنّ لَسْنَ كأحدٍ مِن نساءِ عَصْرِهنَّ فَمَا بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أَفْضَلُ بشرطِ التَّقْوَى، وإنما خصصنا النساء لأَن فيمن تقدم آسية ومريم فتأملْهُ وقد أشار إلى هذا قتادة.
ثم نَهَاهُنَّ سبحانه عما كانت الحالُ عليه في نساء العرَب من مكالَمَةِ الرجال برَخيمِ القولِ وفَلا تَخْضَعْنَ معناه: لا تُلِنَّ.
قال ابن زيد: خضع القول ما يدخل في القلوب الغزل «٤» والمرضُ في هذه الآية قال قتادة: هو النفاق «٥» .
وقال عكرمة: الفِسْق «٦» والغزل، والقولُ المعروفُ هو الصوابُ الذي لا تنكره الشريعةُ ولا النفوسُ.
وقرأ الجمهور: «وقِرْن» - بكسر القَافِ-، وقرأ نافعُ وعاصِمُ:
«وقَرْن» - بالفتح «٧» -، فأما الأولى فيصح أن تكونَ من الوَقار، ويصحُّ أن تَكُونَ من القَرَارِ، وأما قراءة الفتح فعلى لغة العرب قَرِرْتُ- بِكَسْرِ الرَّاءِ- أَقِرَ- بفتح القاف في المكان/، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها الزجاج «٨» وغيره، ٧٤ أفأمر الله تعالى في هذه الآية نسَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلّم بملازمة بيوتهن، ونهاهنّ عن التبرج
والتبرّج إظهار الزينة والتصنّع بها، ومنه البروج لظهُورها وانكشافِها للعيون، واخْتَلَفَ الناسُ في الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فقالَ الشعبي: ما بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- «١» ، وقيل: غيرُ هذا.
قال ع «٢» : والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فَأَمِرْنَ بالنَّقْلَةِ عن سِيرَتِهنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْل الشَّرْعِ مِن سِيرةِ الكَفَرَةِ، وجَعْلِها أولى بالإضافة إلى حالةِ الإسْلام، وليس المعنى.
أن ثمّ جاهلية آخرة، والرِّجْسَ اسم يقعُ على الإثم وعلى العذابِ وعلى النَجَاسَات والنقائِص، فأذْهَبَ الله جميعَ ذلك عن أهْل البَيْتِ، قالت أم سلمةَ: نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّا وفاطِمَةَ وحَسَنَا وحُسَيْنا فَدَخَلَ مَعَهم تَحْت كساءِ خيبري، وقال: «هؤلاءِ أهل بيتي، وقرأ الآية، وقَال اللَّهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم وَأَنْتِ إلى خَيْرَ» «٣» .
والجمهورُ على هذا، وقال ابن عباس «٤» وغيره: أهل البيتِ:
أزواجه خاصة، والجمهور على ما تقدم.
قال ع «٥» : والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنتُه وبنوها وزوجُها أعنى عليّاً، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن.
قال صلى الله عليه وسلّم: وأَهْلَ الْبَيْتِ: منصوبٌ على النداءِ أو على المدْحِ أو على الاخْتِصَاصِ وَهُوَ قَلِيلٌ في المخاطب، وأكْثَرُ ما يكونُ في المتكلِّم، كقوله [الرجز] :
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا، وطَلَبْنَ مِنهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ، وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ مِنهُنَّ شَهْرًا، وصَعَدَ إلى غُرْفَةٍ لَهُ فَمَكَثَ فِيها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكُنَّ أزْواجُهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وصَفِيَّةُ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَعَرَضَ الآيَةَ عَلَيْهِنَّ، فَبَدَأ بِعائِشَةَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ؛ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا "» .
وقَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَ التَّخْيِيرِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي " المُغْنِي " بِطُولِهِ.
وَفِي ما خَيَّرَهُنَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الطَّلاقِ والمُقامِ مَعَهُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اخْتِيارِ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، أوِ اخْتِيارِ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وَفِي سَبَبِ تَخْيِيرِهِ إيّاهُنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُنَّ سَألْنَهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ آذَيْنَهُ بِالغَيْرَةِ.
والقَوْلانِ مَشْهُورانِ في التَّفْسِيرِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خُيِّرَ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ أُمِرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَكُنَّ عَلى مِثْلِ حالِهِ، حَكاهُ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ : مُتْعَةُ الطَّلاقِ.
والمُرادُ بِالسَّراحِ: الطَّلاقُ، وَقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في (البَقَرَةِ: ٢٣١) .
والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ.
الجَنَّةُ.
والمُحْسِناتُ: المُؤْثِراتُ لِلْآخِرَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا اخْتَرْنَهُ أثابَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثَةَ أشْياءَ.
أحَدُها: التَّفْضِيلُ عَلى سائِرِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ ، والثّانِي: أنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ: أنْ حَظَرَ عَلَيْهِ طَلاقَهُنَّ والِاسْتِبْدالَ بِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ .
وهَلْ أُبِيحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّزْوِيجُ عَلَيْهِنَّ ؟
فِيهِ قَوْلانِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: بِمَعْصِيَةٍ ظاهِرَةٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النُّشُوزَ وسُوءَ الخُلُقِ ﴿ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ أيْ: يُجْعَلْ عَذابُ جُرْمِها في الآخِرَةِ كَعَذابِ جُرْمَيْنِ، كَما أنَّها تُؤْتى أجْرَها عَلى الطّاعَةِ مَرَّتَيْنِ.
وإنَّما ضُوعِفَ عِقابُهُنَّ، لِأنَّهُنَّ يُشاهِدْنَ مِنَ الزَّواجِرِ الرّادِعَةِ ما لا يُشاهِدُ غَيْرُهُنَّ، فَإذا لَمْ يَمْتَنِعْنَ اسْتَحْقَقْنَ تَضْعِيفَ العَذابِ، ولأنَّ في مَعْصِيَتِهِنَّ أذًى لِرَسُولِ اللَّهِ ؛ وجُرْمُ مَن آذى رَسُولَ اللَّهِ أكْبَرُ مِن جُرْمِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ أيْ: وكانَ عَذابُها عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
﴿ وَمَن يَقْنُتْ ﴾ أيْ: تُطِعْ، و " أعَتِدنا " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٣٧]، والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الحَسَنُ، وهو الجَنَّةُ.
ثُمَّ أظْهَرَ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ: كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ " أحَدًا " نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَيْسَ قَدْرُكُنَّ عِنْدِي مِثْلَ قَدْرِ غَيْرِكُنَّ مِنَ النِّساءِ الصّالِحاتِ، أنْتُنَّ أكْرَمُ عَلَيَّ، وثَوابُكُنَّ أعْظَمُ ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ ، فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ التَّقْوى بَيانًا أنَّ فَضِيلَتَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِالتَّقْوى، لا بِنَفْسِ اتِّصالِهِنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ أيْ لا تَلِنَّ بِالكَلامِ ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أيْ: فُجُورٌ؛ والمَعْنى: لا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ بِهِ مُنافِقٌ أوْ فاجِرٌ سَبِيلًا إلى مُوافَقَتِكُنَّ لَهُ؛ والمَرْأةُ مَندُوبَةٌ إذا خاطَبَتِ الأجانِبَ إلى الغِلْظَةِ في المَقالَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ الطَّمَعِ في الرِّيبَةِ.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ أيْ: صَحِيحًا عَفِيفًا لا يُطْمِعُ فاجِرًا.
﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ إلّا أبانَ، وهُبَيْرَةُ، والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بِفَتْحِ القافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فَهو مَن قَرَرْتُ في المَكانِ، فَخُفِّفَتْ، كَما قالَ: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا ﴾ ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَمِنَ الوَقارِ، يُقالُ: قِرْ في مَنزِلِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَهو مِنَ الوَقارِ، يُقالُ: وقَرَ في مَنزِلِهِ يَقِرُ وقُورًا.
ومَن قَرَأ بِنَصْبِ القافِ جَعَلَهُ مِنَ القَرارِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " واقْرَرْنَ " بِإسْكانِ القافِ وبَراءَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الرّاءَ الأُولى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّبَرُّجُ: أنْ يُبْرِزْنَ مَحاسِنَهُنَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّبَرُّجُ: إظْهارُ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ.
وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
والثّالِثُ: بَيْنَ نُوحٍ وآدَمَ، قالَهُ الحَكَمُ.
والرّابِعُ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ: " الأُولى "، لِأنَّ كُلَّ مُتَقَدِّمٍ أوَّلُ، وكُلَّ مُتَقَدِّمَةٍ أُولى، فَتَأْوِيلُهُ: أنَّهم تَقَدَّمُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ .
وَفِي صِفَةِ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الأُولى سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ تَخْرُجُ فَتَمْشِي بَيْنَ الرِّجالِ، فَهو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها مِشْيَةٌ فِيها تَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: أنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ كانَتْ تَتَّخِذُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَلْبَسُهُ ثُمَّ تَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ، وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والخامِسُ: أنَّها كانَتْ تُلْقِي الخِمارَ عَنْ رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ، فَيَرى قُرْطَها وقَلائِدَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
السّادِسُ: أنَّها كانَتْ تَلْبَسُ الثِّيابَ تَبْلُغُ المالَ، لا تُوارِي جَسَدَها، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ﴾ وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: الشَّكُّ.
والخامِسُ: المَعاصِي، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْسُ: كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ مِن مَأْكُولٍ أوْ عَمَلٍ أوْ فاحِشَةٍ.
وَنَصْبُ ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: أعْنِي أهْلَ البَيْتِ، والثّانِي: عَلى النِّداءِ، فالمَعْنى: يا أهْلَ البَيْتِ.
وَفِي المُرادِ بِأهْلِ البَيْتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ، لِأنَّهُنَّ في بَيْتِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ .
وعَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ، وهو أنَّ جَمْعَ المُؤَنَّثِ بِالنُّونِ، فَكَيْفَ قِيلَ: " عَنْكم " " ويُطَهِّرَكم " ؟
فالجَوابُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ المُذَكَّرَ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في رَسُولِ اللَّهِ وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ رَسُولِ اللَّهِ وأزْواجُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَحَكى الزَّجّاجُ أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ والرِّجالُ الَّذِينَ هم آلُهُ؛ قالَ: واللُّغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّها لِلنِّساءِ والرِّجالِ جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ: ﴿ عَنْكُمُ ﴾ بِالمِيمِ، ولَوْ كانَتْ لِلنِّساءِ، لَمْ يَجُزْ إلّا " عَنْكُنَّ " " ويُطَهِّرَكُنَّ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَذْكِيرٌ لَهُنَّ بِالنِّعَمِ.
والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ لَهُنَّ بِحِفْظِ ذَلِكَ.
فَمَعْنى ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ : واحْفَظْنَ ﴿ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
وَفِي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا ﴾ أيْ: ذا لُطْفٍ بِكُنَّ إذْ جَعَلَكُنَّ في البُيُوتِ الَّتِي تُتْلى فِيها آياتُهُ ﴿ خَبِيرًا ﴾ بِكُنَّ إذِ اخْتارَكُنَّ لِرَسُولِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللهِ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصادِقِينَ والصادِقاتِ والصابِرِينَ والصابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصائِمِينَ والصائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذاكِراتِ أعَدَّ اللهَ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ اتِّصالُ هَذِهِ الألْفاظِ يُعْطِي أنَّ "أهْلَ البَيْتِ" نِساؤُهُ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ، أمَرَ اللهُ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ - عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ وتَعْدِيدِ النِعْمَةِ - بِذِكْرِ ما يُتْلى في بُيُوتِهِنَّ، ولَفْظُ "الذِكْرِ" هُنا يَحْتَمِلُ مَقْصِدَيْنِ كِلاهُما مَوْعِظَةٌ وتَعْدِيدُ نِعْمَةٍ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ"، أيْ: تُذَكِّرْنَهُ واقْدُرَنَّهُ قَدْرَهُ، وفَكِّرْنَ في أنَّ مِن هَذِهِ حالَهُ يَنْبَغِي أنْ تُحَسِّنَ أفْعالَهُ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اذْكُرْنَ" بِمَعْنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ والزَمْنَهُ الألْسِنَةَ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: واحْفَظْنَ أوامِرَ اللهِ ونَواهِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ، وذَلِكَ مُؤَدٍّ بِكُنَّ إلى الِاسْتِقامَةِ.
و"الحِكْمَةُ" هي سُنَّةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ دُونَ أنْ يَكُونَ في قُرْآنٍ مَتْلُوٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصَفًّا لِلْآياتِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "لَطِيفًا" ﴾ تَأْنِيسٌ وتَعْدِيدُ نِعَمِهِ: أيْ: لَطِيفٌ بِكُنَّ في هَذِهِ النِعْمَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ "خَبِيرًا" ﴾ تَحْذِيرٌ ما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ سَبَبَها «أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ : "يا رَسُولَ اللهِ، يَذْكُرُ اللهُ تَعالى الرِجالَ في كِتابِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، ولا يَذْكُرُنا" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» ورَوى قَتادَةُ «أنَّ نِساءً مِنَ الأنْصارِ دَخَلْنَ عَلى أزْواجِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقُلْنَ لَهُنَّ: "ذَكَرَكُنَّ اللهُ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْ سائِرَ النِساءِ بِشَيْءٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ نِساءَ النَبِيِّ قُلْنَ لَهُ: "ما لَهُ تَعالى يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرِ المُؤْمِناتِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ "الإسْلامِ" الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ وعَمَلَ الجَوارِحِ، ثُمَّ ذَكَرَ "الإيمانَ" تَخْصِيصًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُظْمُ الإسْلامِ ودُعامَتُهُ، و"القانِتُ": العابِدُ المُطِيعُ، وَ"الصادِقُ" مَعْناهُ: فِيما عُوهِدَ عَلَيْهِ أنْ يَفِيَ بِهِ ويُكْمِلَهُ، و"الصابِرُ": عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ في المَكْرَهِ والمَنَشَطِ، و"الخاشِعُ": الخائِفُ لِلَّهِ المُسْتَكِينُ لِرُبُوبِيَّتِهِ الوَقُورُ، و"المُتَصَدِّقُ": بِالفَرْضِ والنَفْلِ، وقِيلَ: هي في الفَرْضِ خاصَّةً، والأوَّلُ أمْدَحُ، و"الصائِمُ" كَذَلِكَ في الفَرْضِ والنَفْلِ، و"حِفْظُ الفَرْجِ" هو مِنَ الزِنى وشَبَهِهِ، ويَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ كُلُّ ما يُؤَدِّي إلى الزِنى أو هو في طَرِيقِهِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ "والحافِظاتِ" ﴾ حَذْفُ ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، تَقْدِيرُهُ: والحافِظاتُها، وفي "الذاكِراتِ" أيْضًا مِثْلُهُ، و"المَغْفِرَةُ" هي سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ والصَفْحُ عنها، و"الأجْرُ العَظِيمُ": الجَنَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
لما ضمِن الله لهن العظمة أمرهن بالتحلي بأسبابها والتملّي من آثارها والتزود من علم الشريعة بدراسة القرآن ليجمع ذلك اهتداءَهن في أنفسهن ازدياداً في الكمال والعلم، وإرشادَهن الأمة إلى ما فيه صلاح لها من علم النبي صلى الله عليه وسلم وفعل ﴿ اذْكُرن ﴾ يجوز أن يكون من الذُّكر بضم الذال وهو التذكّر، وهذه كلمة جامعة تشمل المعنى الصريح منه، وهو أن لا ينسَيْن ما جاء في القرآن ولا يغفلن عن العمل به، ويشمل المعنى الكنائي وهو أن يراد مراعاة العمل بما يتلى في بيوتهن مما ينزل فيها وما يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وما يبيّن فيها من الدين، ويشمل معنى كنائياً ثانياً وهو تذكر تلك النعمة العظيمة أَن كانت بيوتهن موقع تلاوة القرآن.
ويجوز أن يكون من الذِّكر بكسر الذال، وهو إجراء الكلام على اللسان، أي بلّغْنَه للناس بأن يقرأن القرآن ويبلغن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.
وفيه كناية عن العمل به.
والتلاوة: القراءة، أي إعادة كلام مكتوب أو محفوظ، أي ما يتلوه الرسول صلى الله عليه وسلم و ﴿ من آيات الله والحكمة ﴾ بيان لما يتلى فكل ذلك متلوّ، وذلك القرآن، وقد بين المتلو بشيئين: هما آيات الله، والحكمة، فآيات الله يعم القرآن كلَّه، لأنه معجز عن معارضته فكان آية على أنه من عند الله.
وعطف ﴿ والحكمة ﴾ عطف خاص على عام وهو ما كان من القرآن مواعظ وأحكاماً شرعية، قال تعالى بعد ذكر الأحكام التي في سورة الإِسراء (39) ﴿ ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ أي ما يتلى في بيوتهن عند نزوله، أو بقراءة النبي ودراستهن القرآن، ليتجدد ما علِمْنه ويلمع لهن من أنواره ما هو مكنون لا ينضُب معينه، وليكُنّ مشاركاتتٍ في تبليغ القرآن وتواتره، ولم يزل أصحاب رسول الله والتابعون بعدهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام النساء ومن أحكام الرجل مع أهله، كما في قوله تعالى: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ [يوسف: 42]، أي بلغ خبر سجني وبقائي فيه.
وموقع مادة الذكر هنا موقع شريف لتحملها هذه المحامل ما لا يتحمله غيرها إلا بإطناب.
قال ابن العربي: إن الله تعالى أمر نبيئه عليه الصلاة والسّلام بتبليغ ما أنزل إليه فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق سقط عنه الفرض، وكان على من تبعه أن يبلغه إلى غيره ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة.
وقد تكرر ذكر الحكمة في القرآن في مواضع كثيرة، وبيّنّاه في سورة البقرة.
وتقدم قريباً اختلاف القراء في كسر باء (بيوت) أو ضمها.
وجملة ﴿ إن الله كان لطيفاً خبيراً ﴾ تعليل للأمر وتذييل للجمل السابقة.
والتعليل صالح لمحامل الأمرِ كلها لأن اللطف يقتضي إسداء النفع بكيفية لا تشقّ على المُسدَى إليه.
وفيما وُجّه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر والنهي ما هو صلاح لهن وإجراء للخير بواسطتهن، وكذلك في تيسيره إياهن لمعاشرة الرسول عليه الصلاة والسلام وجعلهن أهل بيوته، وفي إعدادهن لسماع القرآن وفهمه، ومشاهدة الهدي النبوي، كل ذلك لطف لهن هو الباعث على ما وجهه إليهن من الخطاب ليتلقّيْن الخبرَ ويبلغنه، ولأن الخبير، أي العليم إذا أراد أن يُذهب عنهن الرجس ويطهرهن حصل مراده تاماً لا خلل ولا غفلة.
فمعنى الجملة أنه تعالى موصوف باللطف والعلم كما دلّ عليه فعل ﴿ كان ﴾ فيشمل عمومُ لطفِه وعلمِه لطفَه بهن وعلمَه بما فيه نفعهن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّكُنَّ أحَقُّ بِالتَّقْوى مِن سائِرِ النِّساءِ.
﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ فَلا تَرْقِقْنَ بِالقَوْلِ.
الثّانِي: فَلا تَرْخُصْنَ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: فَلا تَلِنَّ القَوْلَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: لا تَتَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ مُتَمِّمٌ: ولَسْتُ إذا ما أحْدَثَ الدَّهْرُ نَوْبَةً.
.
.
عَلَيْهِ بِزُوّارِ القَرائِبِ أخْضَعا الخامِسُ: هو الكَلامُ الَّذِي فِيهِ ما يَهْوى المُرِيبُ.
السّادِسُ: هو ما يَدْخُلُ مِن كَلامِ النِّساءِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَهْوَةُ الزِّنى والفُجُورُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَكانَ أكْثَرَ مَن تُصِيبُهُ الحُدُودُ في زَمانِ النَّبِيِّ المُنافِقُونَ.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَحِيحًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: عَفِيفًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: جَمِيلًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قُرِئَتْ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ القافِ، قَرَأها نافِعٌ وعاصِمٌ، وتَأْوِيلُها اقْرَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ، مِنَ القَرارِ في مَكانٍ.
الثّانِيَةُ: بِكَسْرِ القافِ: قَرَأها الباقُونَ، وتَأْوِيلُها كُنَّ أهْلَ وقارٍ وسَكِينَةٍ.
﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّانِي: كانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةُ تَكَسُّرٍ وتَغَنُّجٍ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ « (المائِلاتُ المُمِيلاتُ: اللاَّئِي يَسْتَمِلْنَ قُلُوبَ الرِّجالِ إلَيْهِنَّ)» .
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ، فَذَلِكَ هو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: هو أنْ تُلْقِيَ الخِمارَ عَلى رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ لِيُوارِيَ قَلائِدَها وعُنُقَها وقُرْطَها، ويَبْدُوَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنها، فَذَلِكَ هو التَّبَرُّجُ، قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الخامِسُ: أنْ تَبْدِيَ مِن مَحاسِنِها ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها سَتْرَهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ وأصْلُهُ مِن بَرَجِ العَيْنِ وهو السِّعَةُ فِيها.
وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّانِي: زَمانُ إبْراهِيمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وكانَتِ المَرْأةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ تَلْبَسُ دِرْعًا مُفَرَّجًا لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ وتَمْشِي في الطَّرِيقِ، وكانَ زَمانَ نَمْرُودَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثَمانَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ نِساؤُهم أقْبَحَ ما تَكُونُ النِّساءُ، ورِجالُهم حِسانٌ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ الرَّجُلَ عَلى نَفْسِها، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى: قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَتِ المَرْأةُ في زَمانِها تَجْمَعُ زَوْجًا وخِلْمًا، والخِلْمُ الصّاحِبُ، فَتَجْعَلُ لِزَوْجِها النِّصْفَ الأسْفَلَ ولِخِلْمِها نِصْفَها الأعْلى، ولِذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الخُلُومِ فَهَلْ لَكَ في البِدالِ أبا خَبِيبٍ ∗∗∗ فَأرْضى بِالأكارِعِ والعَجُوزِ الثّانِي: وهو مَبْدَأُ الفاحِشَةِ، وهو أنَّ بَطْنَيْنِ مِن بَنِي آدَمَ كانَ أحَدُهُما يَسْكُنُ السَّهْلَ، والآخَرُ يَسْكُنُ الجَبَلَ، وكانَ رِجالُ الجَبَلِ صُباحًا وفي النِّساءِ دَمامَةٌ، وأنَّ إبْلِيسَ اتَّخَذَ لَهم عِيدًا فاخْتَلَطَ أهْلُ السَّهْلِ بِأهْلِ الجَبَلِ فَظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فِيهِمْ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ وفي الرِّجْسِ ها هُنا سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: المَعاصِي.
الخامِسُ: الشَّكُّ.
السّادِسُ: الأقْذارُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ - ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى أزْواجَ النَّبِيِّ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها في الأهْلِ والأزْواجِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.
وَفِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ الأهْواءِ والتَّبَرُّجِ ويُطَهِّرُكم مِن دَنَسِ الدُّنْيا والمَيْلِ إلَيْها.
الثّانِي: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ الغِلِّ والحَسَدِ، ويُطَهِّرُكم بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.
الثّالِثُ: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ البُخْلِ والطَّمَعِ ويُطَهِّرُكم بِالسَّخاءِ والإيثارِ، رَوى أبُو لَيْلى الكِنْدِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ وهو في بَيْتِها عَلى مَنامٍ لَهُ، عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: القُرْآنُ.
﴿ والحِكْمَةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: لَطِيفًا بِاسْتِخْراجِها خَبِيرًا بِمَوْضِعِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ﴾ قال: القرآن، والسنة، عتب عليهن بذلك.
وأخرج ابن سعد عن أبي امامة بن سهل رضي الله عنه في قوله: ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ يعني: القرآن.
﴿ وَالْحِكْمَةِ ﴾ .
قال مقاتل: يعني أمره ونهيه في القرآن (١) وقال عطاء عن ابن عباس: آيات الله، ما ذكر من الثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، والحكمة حدود الله ومفترضاته (٢) وقال غيره: آيات الله القرآن، والحكمة النبوة، وهي في بيوتهن.
ونحو هذا قال قتادة في قوله: ﴿ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ قال: القرآن والسنة (٣) (٤) - فغيرهن داخل فيه، فإن كثيرًا من الخطاب يختص لفظه ويعم معناه.
قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ أي بأوليائه.
﴿ خَبِيرًا ﴾ بجميع خلقه، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: لطف علمه إن خضعن بالقول خبيرًا به (٥) (١) "تفسير مقاتل" 92 أ.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 9،"تفسير البغوي" 3/ 529، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 349.
(٤) لعل مراد المؤلف أن الضمير يعود إلى القرآن والسنة.
(٥) "تفسير مقاتل" 91 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذكرن ﴾ خطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، خصهن بعد دخولهن مع أهل البيت، وهذا الذكر يحتمل أن يكون التلاوة أو التذكر بالقلب، وآيات الله هي القرآن والحكمة هي السنة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.
الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.
الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.
﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.
الباقون: بكسرها.
﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.
الباقون: بكسرها.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.
وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.
والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.
ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.
وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.
والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.
ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".
ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.
وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴾ إلى آخره.
كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله حتى يستشهدوا، فمدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.
ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.
﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.
وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.
وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.
﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.
"روي أن جبرائيل أتى رسول الله صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟
فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.
فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله : تنزلون على حكمي.
فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.
وعن مقاتل: هي خيبر.
وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.
وعن الحسن: فارس والروم.
وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.
ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.
لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي أم لا؟
فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.
ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟
والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.
ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.
ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟
الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.
وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.
وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.
والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.
والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.
فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.
وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.
واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.
وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.
وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.
وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.
وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.
وقيل: هي عصيانهن رسول الله ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.
وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.
والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.
ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.
قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه.
والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.
وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.
وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.
ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ واصله "إقررن".
من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.
والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ وذلك في سورة النور.
والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.
والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد .
وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.
وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.
ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.
وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي لأنه أصل، وفاطمة ما والحسن والحسين ما بالاتفاق.
والصحيح أن علياً منهم لمعاشرته بنت النبي وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.
ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.
ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ أي بسببه.
ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.
ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.
ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله وهي النية.
قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.
والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.
فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.
فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.
فلما اعتدت قال رسول الله : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.
قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.
ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.
فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.
قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.
وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.
نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.
الذي أخفى النبي في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.
وعن عائشة لو كتم رسول الله شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.
والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.
قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.
ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.
ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.
عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.
وقيل: التطليق.
فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.
ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.
ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.
وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.
ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.
والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.
ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾ إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ومجيء عيسى في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.
فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.
وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.
﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.
﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.
﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.
﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.
فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.
وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.
الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.
إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.
﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.
وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.
﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إنهن جلسن، فجعلن يخترن الأزواج في حياة رسول الله، فنزلت الآية توبيخاً لهن وتعييراً على ذلك.
لكن هذا بعيد محال: لا يحتمل أن يكون أزواجه يخترن الأزواج، وهن تحته في حياته؛ فذلك سوء الظن بهن.
وقال بعضهم: إنهن طلبن النفقة منه؛ فنزل ما ذكر.
وقيل: إنهن تحدثن بشيء من الدنيا وركنَّ إليها؛ فنزل ما ذكر عتاباً لهن وتعييراً، ونحو ذلك قد قالوا.
وجائز أن يكون الله يمتحن رسوله وأزواجه بالتخيير واختيار الفراق منه - ابتداء امتحان من غير أن يكون منهن شيء مما ذكروا ولا سبب؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن عائشة - ا - قالت: "لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه؛ بدأ بي فقال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم الله أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...
﴾ إلى قوله: ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ؛ فقلت أفي هذا أستأمر أبويّ؟!
فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
وفعل سائر أزواجه مثل ما فعلت" وفي بعض الأخبار أنها قالت: "بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة" ؛ فدل قولها: "لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه": أن ذلك من الله ابتداء امتحان، من غير أن كان منهن ما ذكروا من الركون إلى الدنيا والتحدث بما ذكر.
وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: إباحة طلب الدنيا وزينتها من وجه يحل ويجمل، حيث قال: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن يحل ذلك لهن، وكن منهيات عن ذلك، لكان رسول الله لا يفارقهن؛ حتى لا يخترن المنهي من الأمر، وقد كان يملك حبسهن في ملكه؛ حتى لا يخترن ما ذكره من المنهي؛ دل ذلك - والله أعلم - أن ذلك كان على وجه يحل ويجمل.
وفيه أن رسول الله لم يكن عنده ما ذكر من الدنيا والزينة وما يستمتع بها؛ إذ لو كان عنده ذلك، لم يحتمل أن يخيرهن بالفراق منه لما ذكر وعنده ذلك، ولا هن يخترن الفراق منه وعنده ذلك؛ دل أنه لم يكن عنده ما ذكر، ويبطل قول من يقول: إنه كان عنده الدنيا ويفضل الغناء على الفقر بذلك.
وفيه دلالة: أن أزواجه كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقنه؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره لم يكن لقوله: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ معنى؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره، وعندهن ما ذكر من الدنيا، يحملهن ذلك على الفجور؛ فدل أنهن كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقهن، وإنما لم يحللن لغيره إذا مات؛ فيكون له حكم الحياة كأنه حيّ في حق أزواجه.
ويخرج قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : في الآخرة لا تحل لغيره؛ فتكون زوجته في الجنة.
ثمّ اختلف الصحابة - م - فيمن خير امرأته فاختارت: قال بعضهم: إذا خيرها فهو تطليقة رجعية، وإذا اختارت فهي بائنة، وهو قول عليّ.
وقال بعضهم: إذا اختارت نفسها فهي ثلاث، وإذا اختارت زوجها فلا شيء.
وقال بعضهم: إذا اختارت زوجها، فهي تطليقة رجعية، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة.
وعندنا: أن التخيير نفسه لا يكون طلاقاً، فإن اختارت زوجها، لا شيء، وإذا اختارت نفسها؛ فهي بائن.
أما قولنا: إذا اختارت زوجها لا شيء؛ لما روي عن عائشة قالت: "خيرنا رسول الله فاخترناه" فلم يعد ذلك طلاقا.
وأما قوله: إذا اختارت نفسها فيكون بائنا؛ لأنه خيرها بين أن تختار نفسها لنفسها وبين أن تختار نفسها لزوجها؛ فإن اختارت نفسها [لنفسها] فهي بائن؛ لأنا لو جعلناه رجعيّاً لم يكن اختيارها نفسها لنفسها، ولكن لزوجها؛ إذ لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت، وكان التخيير بين النفسين، على ما ذكرنا.
وأما قول من يقول بأن نفس التخيير طلاق فهو باطل؛ لما ذكرنا من تخيير رسول الله أزواجه؛ فلم يكن ذلك طلاقاً.
وأما من قال بالثلاث إذا اختارت نفسها فهو كذلك عندنا إذا ذكر في التخيير الثلاث.
وأما قول من قال بالرجعي، فهو إذا صرح بالتطليق؛ فهو كذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ : الإرادة هاهنا: إرادة الاختيار والإيثار حياة الدنيا وزينتها، لا ميل القلب والرضاء به، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .
هو إرادة الاختيار والإيثار، وهو ما يراد ويختار فعلا، لا ميل القلب والرضاء به؛ لأن كل ممكن فيه الشهوة مجعول فيه هذه الحاجة يميل قلبه، ويركن إلى ما يتمتع بحياة الدنيا ولذاتها، ويرضاه ويحبه؛ فدل أنه أراد إرادة الفعل والاختيار لا إرادة القلب ورضاه.
ثم فيه ما ذكرنا من حلهن لغير رسول الله إذا اخترن الفراق منه؛ لما ذكر أنه يمتعهن ومعلوم أنهن لا يكتسبن بأنفسهن حتى يتمتعن بذلك، ولم يكن عندهن ما يستمتعن؛ فدل أنه إنما يمتعهن بأموال أزواجهن؛ فدل على حلهن لغيره في حياته إذا فارقنه والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .
معلوم أنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها لا يحتمل ألا يردن الله، لكن إضافة ذلك إلى الله لاختيارهن المقام عند رسوله؛ فيدل ذلك أن كل ما أضيف إلى الله ورسوله كان المراد به رسوله؛ نحو ما قال: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، وأمثال ذلك.
ثم الزهد في الدنيا يكون بوجهين: أحدهما: ترك المكاسب التي توسع الدنيا، ويكون بها السعة في الدنيا، ويؤثرها لغيرها على نفسه، واختيار حال الضيق من غير تحريم ما أحل وطيب له.
والثاني: بذل ما عنده لغيره وإيثاره على نفسه وجعله أولى به منه، لا في تحريم المحللات والطيبات.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، أي: إذا اخترن المقام عند رسول الله يصرن محسنات بذلك؛ فأعدّ لهن ما ذكر؛ فيكون ذلك الاختيار منهن: الإحسان؛ فاستوجبن ما ذكر: ويحتمل: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، ودمتن على ذلك واكتسبتن الأعمال الصالحات والإحسان حتى ختمتن على ذلك، فأعد لكن ذلك لا بنفس اختيار مقامكن معه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ .
قال بعضهم: الفاحشة المبينة هي النشوز البيّن.
وقال بعضهم: لا، بل الفاحشة المبينة هي الزنا الظاهر، ويقال: مبينة بشهادة أربعة عدول، ومبينة بالكسر، أي: مبينة ظاهرة.
﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ : الجلد والرجم في الدنيا، ولكن كيف يعرف ضعف الرجم في الدنيا من لا يعرف حدّ رجم واحد إذا كان ذلك في عذاب الدنيا، وإن كان ذلك في عذاب الآخرة؛ فكيف ذكر فاحشة مبينة، وذلك عند الله ظاهر بين؟
وقال بعضهم: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فَمِثْلَيْ حدود النساء، وأما في الآخرة فضعفي ما يعذب سائر النساء، فجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ إذا اخترن الدنيا؛ فمتى أتين بفاحشة ضوعف لهن من العذاب ما ذكر وإذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة آتاهن الأجر مرتين.
أو أن يكون إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، ثم أتين بفاحشة ضوعف لهن ما ذكر من العذاب؛ لئلا يحسبن أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر لم يعاقبن، فذكر: أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر عوقبن ضعف ما عوقب به غيرهن، وإذا أطعن الله ورسوله، ضوعف لهن الأجر مرتين، والله أعلم.
والأشبه أن يكون ما ذكر من ضعف العذاب في الآخرة على ما يقول بعض أهل التأويل؛ ألا ترى أنه ذكر لهن الأجر كفلين، ومعلوم أن ذلك في الآخرة؛ فعلى ذلك العذاب.
وأما قوله: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ : عند الخلق، وإن كانت عند الله مبينة ظاهرة، وذلك جائز في اللغة.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: عذابهن على الله يسيراً هيناً لا يثقل عليه ولا يشتد لمكان رسول الله؛ بل على الله يسير هين.
والثاني: أن إتيانكن الفاحشة ومعصيتكن على الله يسير، أي: لا يلحقه ضرر ولا تبعة، ليس كمعصية خواص الملك له في الدنيا: يلحقه الضرر والذل إذا عصوه وأعرضوا عنه، فأمّا الله - - عزيز بذاته غني لا يضره عصيان عبده؛ بل ضرّوا أنفسهم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: من يطع منكن لله ورسوله، ﴿ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ .
في الآية دلالة بيان فضيلة أزواج رسول الله؛ لمكان رسول الله وعظيم قدره، حيث خاطبهن من بين غيرهن من النساء كما خاطب مريم بقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ .
ثم يحتج الشافعي بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ لتأويله في قوله: الطلاق مرتان بقولة، يقول: قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ أي: تطليقتان في دفعة واحدة من غير إحداث التطليق والفعل فيما بينهما؛ ويستدل على ذلك بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ ، أي: أجرين من غير إحداث فعل فيما بينهما ولكن بفعل واحد، وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، أي: أجرين.
لكن عندنا يجوز الإيتاء بمعنى الإيجاب، أي: يوجب لها الأجر مرتين؛ نحو قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أوجب لهم ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ فعلى ذلك ما ذكر ونحوه كثير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .
قال بعض أهل الأدب: (أحد) أجمع في الكلام من (واحد)؛ لأنه يرجع إلى واحد وإلى جماعة، وقوله: (واحد) إنما يرجع إلى الفرد خاصّة، وإنما يخاطب به الواحد.
وقوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ اختيار الدنيا وزينتها، واتقيتن أيضاً نقض اختيار رسول الله والدار الآخرة.
وجائز أن يكون على الابتداء: إن اتقيتن مخالفة الله ومخالفة رسوله.
وقوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ ؛ فإنكن معشر أزواج رسول الله تنظرن إلى الوحي، وتصحبن رسول الله بالليل والنهار، وترين أفعاله وصنيعه؛ فإنكن أحق الناس بالتقوى وترك الميل إلى الدنيا والركون إليها ممن لا ينظر إليه ولا يصحبه إلا في الأوقات مرة.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في الفضيلة على غيرهن من النساء؛ لأنهن يكن أزواج رسول الله في الآخرة، ويرتفعن إلى درجات رسول الله ويكن معه؛ فإنكن لستن كغيركن من النساء في الفضيلة والدرجة إن اتقيتن ما ذكرنا: من مخالفة رسول الله واختيار الحياة الدنيا وزينتها، والميل إليها والركون فيها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، قيل: فلا تلنّ في القول.
﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ : قال بعضهم: أي: فجور وزناً.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: خشناً شديداً.
وقال بعضهم: ﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ ، أي: نفاق، وهذا أولى؛ لأن أصحاب رسول الله لا يحتمل أن يكون أحد منهم يطمع في أزواج رسول الله نكاحاً بحال أو رغبة فيهن، بعد علمنا منهم أنهم إذا علموا من رسول الله رغبة في أزواجهم طلقوهن؛ ليتزوجهن رسول الله؛ فلا يحتمل بعدما عرف منهم هذا أن يطمع أحد منهم ويرغب في أزواجه نكاحاً، فضلا أن يرغب فجورا، ولكن إن كان ذلك فهو من أهل النفاق.
وجائز أن يرغبوا فيهن نكاحاً؛ لأنهن أعظم الناس نسباً وحسبا، وأكرمهم جمالا وحسنا؛ فجائز وقوع الرغبة فيهن من أهل النفاق؛ لما ذكرنا، وأما من أهل الإيمان فلا يحتمل ذلك؛ لما ذكرنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ دل هذا أنهن بحيث يرغب فيهن ويطمع.
وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، يقول: فلا ترمين بقول يقارب الفاحشة، فيطمع الذي في قلبه مرض.
﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .
يعني: قولا حسنا يعرف، لا يقارب الفاحشة.
لكن هذا بعيد، وأصله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تقلن قولا يعرف به الرغبة في الرجال، والميل إلى الدنيا، والركون فيها ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ : ما يكون فيه تغيير المنكر والأمر بالمعروف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ .
قد قرئ بكسر القاف وفتحها، فمن قرأ بالكسر فهو من الوقار، ومن قرأ بالفتح: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ جعله من القرار والسكون فيها.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: تبرج الجاهلية الأولى قبل أن يبعث رسول الله؛ كان يخرج نساؤهم متبرجات بزينة مظهرات، فأمر الله أزواج رسوله بالستر والحجاب عليهن، وإدناء الجلباب عليهن، وهو ما قال: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ قال: الجاهلية التي ولد فيها إبراهيم، أعطوا أموالا كثيرة، وكن يتبرجن في ذلك الزمان تبرجاً شديداً؛ فأمر أزواجه بالعفة والترك لذلك، فلسنا ندري ما أراد بالجاهلية، ومن أراد بذلك: الذين كانوا بقرب خروج رسول الله وبعثه، أو الذين كانوا من قبل في الأمم السالفة؟
والتبرج كأنه هو الخروج بالزينة على إظهار لها؛ أعني: إظهار الزينة.
قال القتبي: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تلنّ به.
وقوله: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي: صحيحاً.
وقوله: ﴿ وقِرْنَ في بيوتكن ﴾ بالكسر من الوقار، ويقال: وقر في منزله يقر وقوراً، و ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بفتح القاف من القرار، وكأنه من: قر يقر أراد أقررن في بيوتكن، فحذف الراء الأولى وحول فتحها إلى القاف، كما يقال: ظلن في موضع كذا، من اضللن؛ قال الله - -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ولم نسمع قَرَّ يَقِرُّ إلا في موضع قرة العين، فأمّا في الاستقرار فإنما هو قَرَّ يَقَرُّ.
وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل أن يكون الأمر لهن بإيتاء الزكاة من حليهن؛ لأنهن لا يملكن شيئاً سوى ذلك ما يجب في مثله الزكاة؛ ألا ترى أنه وعد لهنّ التمتيع والسراح الجميل إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها، فلو كان عندهن شيء من فضول الأموال كن ينفقن ويتمتعن، وإن لم يكن عند رسول الله ما يمتعهن ولا يطلبن ذلك من غيره، فدل ذلك أنهن لا يملكن شيئاً من ذلك، فيجوز أن يستدل بظاهر هذه الآية في إيجاب الزكاة في الحلي، وكذلك روي عن ابن عباس، .
وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لله ورسوله؛ لئلا يغتررن بما اخترن المقام مع رسول الله وإيثارهن إياه على أن ذلك كاف لهن في الآخرة ولا شيء عليهن سوى ذلك من العبادات؛ بل أخبر أنكنّ وإن اخترتن المقام معه وآثرتن إياه على الدنيا وزينتها لا يغنيكن ذلك عما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية مقطوعة عن الأولى؛ لأن الأولى في أزواج رسول الله وهذه في أهل بيته، وهو قول الروافض، ويستدلون بقطعها عن الأولى بوجوه: أحدها: ما روي عن أم سلمة زوج النبي أنها قالت: "عنى بذلك عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وقالت: لما نزلت هذه الآية، أخذ النبي ثوباً، فجعله على هؤلاء، ثم تلا الآية: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ فقالت أم سلمة من جانب البيت: يا رسول الله، [ألست] من أهل البيت؟
قال: بلى إن شاء الله" وعن الحسن بن علي أنه خطب الناس بالكوفة وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم، وإنا ضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله - -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .
ويقولون - أيضاً -: إن الآية الأولى ذكرها بالتأنيث حيث قال: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وهذه ذكرها بالتذكير دل أنها مقطوعة عن الأولى.
ويقولون - أيضاً -: إنه وعد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً وعداً مطلقاً غير مقيد، وذلك الرجس الذي ذكر مما يحتمل أزواجه ممكن ذلك فيهن غير ممكن في أهل بيته ومن ذكره.
ويقولون - أيضاً - ما روي عنه أنه قال: "تركت فيكم بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما ليردان بكم الحوض" أو كلام نحو هذا، ففسر العترة بأهل البيت، ونحو ذلك من الوجوه: وأما عندنا فهي غير مقطوعة من الأولى: إما أن يكون على الاشتراك بينهن وبين من ذكروا من أولاده؛ إذ اسم أهل البيت مما يجمع ذلك كله في العرف.
أو تكون الآية لهن على الانفراد، فأمّا أن يخرج أزواجه عن أهل بيته والبيت يجمعهم، فلا يحتمل ذلك.
وأما قولهم: إنه ذكر هذه الآية بالتذكير والأولى بالتأنيث فعند الاختلاط كذلك يذكر باسم التذكير.
وأمّا قولهم: إن وعده لهم منه خرج مطلقاً غير مقيد، فكذلك كن أزواج رسول الله لم يأت منهن ما يجوز أن ينسبن إلى الرجس والقذر إلا فيما غلبن على رأيهن وتدبيرهن بالحيل، فأخرجن فيما أخرجن.
وأما قولهم في الثقلين اللذين تركهما فينا بعده: الكتاب والعترة، فعترته: سنته؛ على ما قيل: وقوله: "أهل بيتي" كأنه قال: تركت الثقلين كتاب الله وسنتي بأهل بيتي، وذلك جائز في اللغة.
وأما ما روي عن أم سلمة فإنه في الخبر بيان على أن أزواجه دخلن حيث قالت له أم سلمة: "ألست من أهل البيت؟
قال: بلى إن شاء الله" وفي هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما يقولون: إن الله قد أراد أن يطهر الخلق كلهم: الكافر والمسلم، وأراد أن يذهب الرجس عنهم جميعاً، لكن الكافر حيث أراد ألا يطهر نفسه ولا يذهب عنه الرجس لم يطهر، فلو كان على ما يقولون لم يكن لتخصيص هؤلاء بالتطهر ودفع الرجس عنهم فائدة ولا منة - دل أنما يطهر من علم منه اختيار الطهارة وترك الرجس، وأما من علم منه اختيار الرجس فلا يحتمل أن يذهب عنه الرجس، أو يريد منه غير ما يعلم أنه يختار، وأن التطهير لمن يكون إنما يكون بالله، لا بما تقوله المعتزلة؛ حيث قال: ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ ؛ إذ على قولهم لا يملك هو تطهير من أراد تطهيره؛ إذ لم يبق عنده ما يطهرهم، فذلك كله ينقض عليهم أقوالهم ومذهبهم.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ ﴾ أي: اتلون ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي.
والثاني: اذكرن على حقيقة الذكر؛ أي: اذكرن ما منَّ الله عليكن، وجعلكن من أهل بيت يتلى فيه آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي فيها، وخصكن بذلك، ما لم يجعل في بيت أحد ذلك، يذكرهن عظيم ما أنعم ومنّ عليهن؛ ليتأدّى به شكره؛ ليعرفن منن الله ونعمه عليهن.
وقوله: ﴿ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل آيات القرآن.
ويحتمل حججه وبراهينه.
والحكمة: قالت الفلاسفة: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً.
وقال بعضهم: الحكيم: المصيب، والحكمة: هي الإصابة.
وقيل: هي وضع الشيء موضعه، وهي نقيض السفة.
وأصل الحكمة في الحقيقة كأنه هي الإصابة في كل شيء، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم ولا الغلط.
وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي السنة.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ اللطيف: هو البارّ؛ يقال: فلان لطيف: إذا كان بارّاً.
والثاني: اللطيف: هو الذي يستخرج الأشياء الخفية الكامنة مما لا يتوهمها العقول استخراجها من مثلها.
<div class="verse-tafsir"
واذكرن ما يُقْرأ في بيوتكنّ من آيات الله المنزلة على رسوله، ومن سُنَّة رسوله المطهرة، إن الله كان لطيفًا بكنّ حين امتنّ عليكنّ بأن جعلكنّ في بيوت نبيِّه، خبيرًا بكنّ حين اصطفاكنّ أزواجًا لرسوله، واختاركنّ أمهات لجميع المؤمنين من أمته.
<div class="verse-tafsir" id="91.WMJGj"