الآية ٤ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٤ من سورة الأحزاب

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍۢ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِۦ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ ۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا حسيا معروفا ، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله : أنت علي كظهر أمي - أما له ، كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له ، فقال : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) ، كقوله : ( ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) .

[ المجادلة : 3 ] .

وقوله : ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) : هذا هو المقصود بالنفي; فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة ، وكان يقال له : " زيد بن محمد " فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله : ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) كما قال في أثناء السورة : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ) [ الأحزاب : 40 ] وقال هاهنا : ( ذلكم قولكم بأفواهكم ) يعني : تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا ، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر ، فما يمكن أن يكون له أبوان ، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان .

( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) : قال سعيد بن جبير ( يقول الحق ) أي : العدل .

وقال قتادة : ( وهو يهدي السبيل ) أي : الصراط المستقيم .

وقد ذكر غير واحد : أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش ، كان يقال له : " ذو القلبين " ، وأنه كان يزعم أن له قلبين ، كل منهما بعقل وافر .

فأنزل الله هذه الآية ردا عليه .

هكذا روى العوفي عن ابن عباس .

قاله مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، واختاره ابن جرير .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا زهير ، عن قابوس - يعني ابن أبي ظبيان - أن أباه حدثه قال : قلت لابن عباس : أرأيت قول الله تعالى : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) ، ما عنى بذلك ؟

قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يصلي ، فخطر خطرة ، فقال المنافقون الذين يصلون معه : ألا ترون له قلبين ، قلبا معكم وقلبا معهم ؟

فأنزل الله ، عز وجل : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) .

وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن صاعد الحراني - وعن عبد بن حميد ، عن أحمد بن يونس - كلاهما عن زهير ، وهو ابن معاوية ، به .

ثم قال : وهذا حديث حسن .

وكذا رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث زهير ، به .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، في قوله : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) قال : بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ، ضرب له مثل ، يقول : ليس ابن رجل آخر ابنك .

وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد : أنها نزلت في زيد بن حارثة .

وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) اختلف أهل التأويل في المراد من قول الله (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوفِهِ) فقال بعضهم: عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفاق، وصفوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبين، فنفى الله ذلك عن نبيه وكذّبهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حفص بن نفيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه، قال: قلنا لابن عباس: أرأيت قول الله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ما عنى بذلك؟

قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فصلى، فخطر خطرة (1) فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم، فأنـزل الله (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) .

وقال آخرون: بل عنى بذلك: رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبين من دهيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) قال: كان رجل من قريش يسمى من دهيه (2) ذا القلبين، فأنـزل الله هذا في شأنه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْن فِي جَوْفِهِ) قال: إن رجلا من بني فهر، قال: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكذب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمى ذا القلبين، فأنـزل الله فيه ما تسمعون.

قال قتادة: وكان الحسن يقول: كان رجل يقول لي: نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنـزل الله فيه ما تسمعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: كان رجل يسمى ذا القلبين، فنـزلت (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) .

وقال آخرون: بل عنى بذلك زيد بن حارثة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبناه، فضرب الله بذلك مثلا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثلا يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قول من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما، على النحو الذي رُوي عن ابن عباس، وجائز أن يكون ذلك تكذيبا من الله لمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن يكون تكذيبا لمن سمى القرشيّ الذي ذُكر أنه سمي ذا القلبين من دهيه، وأيّ الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة.

وقوله: (وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُمْ) يقول تعالى ذكره: ولم يجعل الله أيها الرجال نساءكم اللائي تقولون لهنّ: أنتنّ علينا كظهور أمهاتنا أمهاتكم، بل جعل ذلك من قبلكم كذبا، وألزمكم عقوبة لكم كفَّارة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللائي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ) : أي ما جعلها أمك؛ فإذا ظاهر الرجل من امرأته، فإن الله لم يجعلها أمه، ولكن جعل فيها الكفَّارة.

وقوله: (وَما جَعَلَ أدعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ) يقول: ولم يجعل الله من ادّعيت أنه ابنك، وهو ابن غيرك ابنك بدعواك.

وذُكر أن ذلك نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تبنيه زيد بن حارثة.

* ذكر الرواية بذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ) قال: نـزلت هذه الآية في زيد بن حارثة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وَما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ) قال: كان زيد بن حارثة حين منّ الله ورسوله عليه، يقال له: زيد بن محمد، كان تبنَّاه، فقال الله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ قال: وهو يذكر الأزواج والأخت، فأخبره أن الأزواج لم تكن بالأمهات أمهاتكم، ولا أدعياءكم أبناءكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءكُمْ) وما جعل دعيَّك ابنك، يقول: إذا ادّعى رجل رجلا وليس بابنه (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأفْوَاهِكُمْ ...) الآية، وذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: " من ادّعى إلى غَير أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ".

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أشعث، عن عامر، قال: ليس في الأدعياء زيد وقوله: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأفْوَاهِكُمْ) يقول تعالى ذكره هذا القول وهو قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه، إنما هو قولكم بأفواهكم لا حقيقة له، لا يثبت بهذه الدعوى نسب الذي ادعيت بنوته، ولا تصير الزوجة أمَّا بقول الرجل لها: أنت عليّ كظهر أمي (واللَّهُ يقُولُ الحَقَّ) يقول: والله هو الصادق الذي يقول الحقّ، وبقوله يثبت نسب من أثبت نسبه، وبه تكون المرأة للمولود، أمَّا إذا حكم بذلك (وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) يقول تعالى ذكره: والله يبين لعباده سبيل الحقّ، ويرشدهم لطريق الرشاد.

------------------------ الهوامش: (1) خطر خطرة: سها سهوة.

(2) الدهو والدهى والدهاء: العقل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .فيه [ ست ] مسائل :الأولى : قال مجاهد : نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه ، وكان يقول : إن لي في جوفي قلبين ، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد .

قال : وكان من فهر .

الواحدي والقشيري وغيرهما : نزلت في جميل بن معمر الفهري ، وكان رجلا حافظا لما يسمع .

فقالت قريش : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان .

وكان يقول : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد .

فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر ، رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله ; فقال أبو سفيان : ما حال الناس ؟

قال انهزموا .

قال : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟

قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي ; فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده .

وقال السهيلي : كان جميل بن معمر الجمحي ، وهو ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، واسم جمح : تيم ; وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية ، وفيه يقول الشاعر :وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمرقلت : كذا قالوا جميل بن معمر .

وقال الزمخشري : جميل بن أسد الفهري .

وقال ابن عباس : سببها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا له قلبان ; لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول ; فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل .

وقيل : نزلت في عبد الله بن خطل .

وقال الزهري وابن حبان : نزل ذلك تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلى الله عليه وسلم ; فالمعنى : كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين .

قال النحاس : وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة ، وهو من منقطعات الزهري ، رواه معمر عنه .[ ص: 110 ] وقيل : هو مثل ضرب للمظاهر ; أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان .

وقيل : كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا ، وقلب يأمرني بكذا ; فالمنافق ذو قلبين ; فالمقصود رد النفاق .

وقيل : لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب ، كما لا يجتمع قلبان في جوف ; فالمعنى : لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب .

ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت ، وإعلام بحقيقة الأمر ، والله أعلم .الثانية : القلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة ، خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا للعلم ، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار ، يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهي ، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني ، حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا .

وهو بين لمتين : لمة من الملك ، ولمة من الشيطان ; كما قال صلى الله عليه وسلم .

خرجه الترمذي ; وقد مضى في ( البقرة ) .

وهو محل الخطرات والوساوس ومكان الكفر والإيمان ، وموضع الإصرار والإنابة ، ومجرى الانزعاج والطمأنينة .

والمعنى في الآية : أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان ، والهدى والضلال ، والإنابة والإصرار ، وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز ، والله أعلم .الثالثة : أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين ، ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم ; أي إنما هو قلب واحد ، فإما فيه إيمان وإما فيه كفر ; لأن درجة النفاق كأنها متوسطة ، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد .

وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية ، متى نسي شيئا أو وهم .

يقول على جهة الاعتذار : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .الرابعة : قوله تعالى : وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم يعني قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي .

وذلك مذكور في سورة ( المجادلة ) على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة .

وروى الأئمة أن ابن عمر قال : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن [ ص: 111 ] محمد حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشأم ، سبته خيل من تهامة ، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد ، فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه ، فأقام عنده مدة ، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل البعث : خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء .

فاختار الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه ; فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك ، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا .

وكان أبوه لما سبي يدور الشأم ويقول :بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجلفوالله لا أدري وإني لسائل أغالك بعدي السهل أم غالك الجبلفيا ليت شعري !

هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجلتذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفلوإن هبت الأرياح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجلسأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبلحياتي أو تأتي علي منيتي فكل امرئ فان وإن غره الأملفأخبر أنه بمكة ; فجاء إليه فهلك عنده .

وروي أنه جاء إليه فخيره النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف .

وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء عند قوله : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إن شاء الله تعالى .

وقتل زيد بمؤتة من أرض الشأم سنة ثمان من الهجرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره في تلك الغزاة ، وقال : إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة .

فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .

ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي زيد وجعفر بكى وقال : أخواي ومؤنساي ومحدثاي .السادسة : قوله تعالى : ذلكم قولكم بأفواهكم بأفواهكم تأكيد لبطلان [ ص: 112 ] القول ; أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود ، إنما هو قول لساني فقط .

وهذا كما تقول : أنا أمشي إليك على قدم ; فإنما تريد بذلك المبرة .

وهذا كثير .

وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع .

والله يقول الحق ( الحق ) نعت لمصدر محذوف ; أي يقول القول الحق .

( يهدي ) معناه يبين ; فهو يتعدى بغير حرف جر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعاتب تعالى عباده عن التكلم بما ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا لا حقيقة له من الأقوال، ولم يجعله الله تعالى كما قالوا،فإن ذلك القول منكم كذب وزور، يترتب عليه منكرات من الشرع.

وهذه قاعدة عامة في التكلم في كل شيء، والإخبار بوقوع ووجود، ما لم يجعله اللّه تعالى.ولكن خص هذه الأشياء المذكورة، لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها، فقال: { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } هذا لا يوجد، فإياكم أن تقولوا عن أحد: إن له قلبين في جوفه، فتكونوا كاذبين على الخلقة الإلهية.{ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ } بأن يقول أحدكم لزوجته: "أنت عَليَّ كظهر أمي أو كأمي" فما جعلهن اللّه { أُمَّهَاتِكُمْ } أمك من ولدتك، وصارت أعظم النساء عليك، حرمة وتحريمًا، وزوجتك أحل النساء لك، فكيف تشبه أحد المتناقضين بالآخر؟هذا أمر لا يجوز، كما قال تعالى: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا } { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ } والأدعياء، الولد الذي كان الرجل يدعيه، وهو ليس له، أو يُدْعَى إليه، بسبب تبنيه إياه، كما كان الأمر بالجاهلية، وأول الإسلام.فأراد اللّه تعالى أن يبطله ويزيله، فقدم بين يدي ذلك بيان قبحه، وأنه باطل وكذب، وكل باطل وكذب، لا يوجد في شرع اللّه، ولا يتصف به عباد اللّه.يقول تعالى: فاللّه لم يجعل الأدعياء الذين تدعونهم، أو يدعون إليكم، أبناءكم، فإن أبناءكم في الحقيقة، من ولدتموهم، وكانوا منكم، وأما هؤلاء الأدعياء من غيركم، فلا جعل اللّه هذا كهذا.{ ذَلِكُمْ } القول، الذي تقولون في الدعي: إنه ابن فلان، الذي ادعاه، أو والده فلان { قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ } أي: قول لا حقيقة له ولا معنى له.{ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ } أي: اليقين والصدق، فلذلك أمركم باتباعه، على قوله وشرعه، فقوله، حق، وشرعه حق، والأقوال والأفعال الباطلة، لا تنسب إليه بوجه من الوجوه، وليست من هدايته، لأنه لا يهدي إلا إلى السبيل المستقيمة، والطرق الصادقة.وإن كان ذلك واقعًا بمشيئته، فمشيئته عامة، لكل ما وجد من خير وشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ) ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) نزلت في أبي معمر ، جميل بن معمر الفهري ، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع ، فقالت قريش : ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان ، وكان يقول : إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم ، فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده ، والأخرى في رجله ، فقال له : يا أبا معمر ما حال الناس ؟

قال انهزموا ، قال : فما لك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟

فقال أبو معمر : ما شعرت إلا أنهما في رجلي ، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده .

وقال الزهري ومقاتل هذا مثل ضربه الله - عز وجل - للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره ، يقول : فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون أمان ، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين .

( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) قرأ أهل الشام والكوفة : " اللائي " هاهنا وفي سورة الطلاق بياء بعد الهمزة ، وقرأ قالون عن نافع ويعقوب بغير ياء بعد الهمزة ، وقرأ الآخرون بتليين الهمزة ، وكلها لغات معروفة ، " تظاهرون " قرأ عاصم بالألف وضم التاء وكسر الهاء مخففا ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والهاء مخففا وقرأ ابن عامر بفتحها وتشديد الظاء ، وقرأ الآخرون بفتحها وتشديد الظاء والهاء من غير ألف بينهما .

وصورة الظهار : أن يقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي .

يقول الله تعالى : ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم ، ولكنه منكر وزور ، وفيه كفارة نذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة .

( وما جعل أدعياءكم ) يعني : من تبنيتموه ) ( أبناءكم ) فيه نسخ التبني ، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود له ، يدعوه الناس إليه ، ويرث ميراثه ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ، وتبناه قبل الوحي ، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب ، فلما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة ، قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك ، فأنزل الله هذه الآية ونسخ التبني ( ذلكم قولكم بأفواهكم ) لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد - صلى الله عليه وسلم - وادعاء نسب لا حقيقة له ( والله يقول الحق ) أي : قوله الحق ( وهو يهدي السبيل ) أي : يرشد إلى سبيل الحق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» ردا على من قال من الكفار إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد «وما جعل أزواجكم اللائي» بهمزة وياء وبلا ياء «تَظَّهَّروُنَ» بلا ألف قبل الهاء وبها والتاء الثانية في الأصل مدغمة في الظاء «منهن» يقول الواحد مثلا لزوجته أنت على كظهر أمي «أمهاتكم» أي كالأمهات في تحريمها بذلك المعد في الجاهلية طلاقا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذكر في سورة المجادلة «وما جعل أدعياءَكم» جمع دعي وهو من يدعي لغير أبيه أبنا له «أبناءَكم» حقيقة «ذلكم قولكم بأفواهكم» أي اليهود والمنافقين قالوا لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: تزوج محمد امرأة ابنه فأكذبهم الله تعالى في ذلك «والله يقول الحق» في ذلك «وهو يهدي السبيل» سبيل الحق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما جعل الله لأحد من البشر من قلبين في صدره، وما جعل زوجاتكم اللاتي تظاهرون منهن (في الحرمة) كحرمة أمهاتكم (والظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد كان هذا طلاقًا في الجاهلية، فبيَّن الله أن الزوجة لا تصير أُمًّا بحال) وما جعل الله الأولاد المتَبَنَّيْنَ أبناء في الشرع، بل إن الظهار والتبني لا حقيقة لهما في التحريم الأبدي، فلا تكون الزوجة المظاهَر منها كالأم في الحرمة، ولا يثبت النسب بالتبني من قول الشخص للدَّعِيِّ: هذا ابني، فهو كلام بالفم لا حقيقة له، ولا يُعتَدُّ به، والله سبحانه يقول الحق ويبيِّن لعباده سبيله، ويرشدهم إلى طريق الرشاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أبطل - سبحانه - بعض العادات التى كان متفشية فى المجتمع ، وكانت لا تتناسب مع شريعة الإِسلام وآدابه ، فقال - تعالى - : ( مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ .

.

.

.

الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) نزلت فى رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهرى ، كان حفاظا لما يسمع ، وكان يقول : لى قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد .

فلما هزم المشركون يوم بدر ، ومعهم هذا الرجل ، رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه فى يده والأخرى فى رجله - من شدة الهلع - ، فقال له أبو سفيان هو معلق إحدى نعليك فى يدك والأخرى فى رجلك؟

قال : ما شعرت إلا أنهما فى رجلى .

فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى نعله فى يده .وقيل سبب نزولها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا صلى الله عليه وسلم له قلبان ، لأنه ربما كان فى شئ فنزع فى غيره نزعه ثم عاد إلى شأنه الأول ، فأكذبهم الله بقوله : ( مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) .ويرى بعضهم : أن هذه الجملة الكريمة ، مثل ضربه الله - تعالى - للمظاهر من امرأته ، والمتبنى ولد غيره ، تمهيدا لما بعده .أى : كما أن الله - تعالى - لم يخلق للإِنسان قلبين فى جوفه ، كذلك لم يجعل المرأة الواحدة زوجا للرجل وأما له فى وقت واحد ، وكذلك لم يجعل المرء دعيا لرجل وابنا له فى زمن واحد .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : أى : ما جمع الله قلبين فى جوف ، ولا زوجية وأمومة فى امرأة ، ولا بنوة ودعوة فى رجل .

.

لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح ، والزوجة ليست كذلك .ولأن البنؤة أصالة فى النسب وعراقة فيه ، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية لا غير .فإن قلت : أى فائدة فى ذكر الجوف؟

قلت : الفائدة فيه كالفائدة فى قوله - تعالى - : ( ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ) وذلك ما يصلح للسامع من زيادة التصور والتجلى للمدلول عليه ، لأنه إذا سمع به ، صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإِنكار .وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ) إبطال لما كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته أنت على كظهر أمى حرمت عليه .يقال .

ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها ، إذا قال لها : أنت على كظهر أمى ، يريد أنها محرمة عليه كحرمة أمه .وقد جاء الكلام عن الظهار ، وعن حكمه ، وعن كفارته ، فى سورة المجادلة ، فى قوله - تعالى - : ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتشتكي إِلَى الله والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ )وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ) إبطال لعادة أخرى كانت موجودة ، وهى عادة التبنى .والأدعياء : جمع دعى .

وهو الولد الذى يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل يتبنى ولد غيره ، ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية ، ومنها حرمة زواج الأب بزوجه ابنه بالتبنى بعد طلاقها ، ومنها التوارث فيما بينهما .قال ابن كثير : وقوله : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ) هذا هو المقصود بالنفى ، فإنها نزلت فى شأن زيد بن حارثة ، مولى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة ، وكان يقال له زيد بن محمد .

فأراد الله - تعالى - أن يقطع هذا الإِلحاق ، وهذه النسبة بقوله : ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ) ، كما قال فى أثناء السورة : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين ) واسم الإِشارة فى قوله : ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ) يعود إلى ما سبق ذكره من التلفظ بالظهار ، ومن إجراء التبنى على ولد الغير ، وهو مبتدأ ، وما بعده خبر .أى : ذلكم الذى تزعمونه فى تشبيه الزوجة بالأم فى التحريم ، ومن نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين ، هو مجرد قول باللسان لا يؤيده الواقع ، ولا يسانده الحق .قال ابن جرير : وقوله : ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ) يقول - تعالى ذكره - هذا القول ، وهو قول الرجل لأمرأته : أنت على كظهر أمى ، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه ، إنما هو قولكم بأفواهكم ، لا حقيقة له ، ولا يثبت بهذه الدعوة نسب الذى ادعيت بنوته ، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها : أنت على كظهر أمى .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل ) أى : والله - تعالى - يقيول الحق الثابت الذى لا يحرم حوله باطل ، وهو - سبحانه - دونه غير يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذى يوصل إلى الخير والصلاح .

وما دام الأمر كذلك فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم التى ألفتموها .

والتى أبطلها الله - تعالى - بحكمته ، وابتعوا ما يأمركم به - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يقرر ما ذكرنا من أنه حكيم فاتباعه هو الواجب، ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ لما قال إنه عليم بما في قلوب العباد بين أنه عالم خبير بأعمالكم فسووا قلوبكم وأصلحوا أعمالكم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ يعني اتق الله وإن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كفى به دافعاً ينفع ولا يضر معه شيء وإن ضر لا ينفع معه شيء.

ثم قال تعالى: ﴿ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ قال بعض المفسرين الآية نزلت في أبي معمر كان يقول لي قلبان أعلم وأفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد فرد الله عليه بقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ ، وقال الزمخشري قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم ﴾ أي ما جعل لرجل قلبين كما لم يجعل لرجل أمين ولا لابن أبوين، وكلاهما ضعيف بل الحق أن يقال إن الله لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله: ﴿ يا أيها النبى اتق الله ﴾ فكان ذلك أمراً له بتقوى لا يكون فوقها تقوى ومن يتقي ويخاف شيئاً خوفاً شديداً لا يدخل في قلبه شيء آخر ألا ترى أن الخائف الشديد الخوف ينسى مهماته حالة الخوف فكأن الله تعالى قال يا أيها النبي اتق الله حق تقاته، ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حى يتقي بأحدهما الله وبالآخرة غيره فإن اتقى غيره فلا يكون ذلك إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره وذلك لا يليق بالمتقي الذي يدعي أنه يتقي الله حق تقاته، ثم ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي أن يتقي أحداً ولا مثل ما اتقيت في حكاية زينب زوجة زيد حيث قال الله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  ﴾ يعني مثل تلك التقوى لا ينبغي أن تدخل في قلبك ثم لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء.

فقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ﴾ أي وما جعل الله دعي المرء ابنه ثم قدم عليه ما هو دليل قوي على اندفاع القبح وهو قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم ﴾ أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم أنت علي كظهر أمي فلا تصير هي أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فلأنه ظهار لا يحرم الوطء، وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها من جديد، فإذا كان قول القائل لزوجته أنت أمي أو كظهر أمي لا يوجب صيرورة الزوجة أماً كذلك قول القائل للدعي أنت أبي لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً فلم يكن خوفك من الناس له وجه كيف ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله أو ليس لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ينبغي أن تخاف أحداً.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بأفواهكم ﴾ فيه لطيفة وهو أن الكلام المعتبر على قسمين أحدهما: كلام يكون عن شيء كان فيقال: والثاني: كلام يقال فيكون كما قيل والأول كلام الصادقين الذين يقولون ما يكون والآخر كلام الصديقين الذين إذا قالوا شيئاً جعله الله كما قالوه وكلاهما صادر عن قلب والكلام الذي يكون بالفم فحسب هو مثل نهيق الحمار أو نباح الكلب، لأن الكلام المعتبر هو الذي يعتمد عليه والذي لا يكون عن قلب وروية لا اعتماد عليه، والله تعالى ما كرم ابن آدم وفضله على سائر الحيوانات ينبغي أن يحترز من التخلق بأخلاقها، فقول القائل: هذا ابن فلان مع أنه ليس ابنه ليس كلاماً فإن الكلام في الفؤاد وهذا في الفم لا غير، واللطيفة هي أن الله تعالى هاهنا قال: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بأفواهكم ﴾ وقال في قوله: ﴿ وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم  ﴾ يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.

ثم قال تعالى: ﴿ والله يَقُولُ الحق ﴾ إشارة إلى معنى لطيف وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع فإذا قال فلان ابن فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو يكون عن شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم يعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني فلقيام الفراش ونقول إنه ابنه وفي الدعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق لأن أباه مشهور ظاهر ووجه آخر فيه وهو أنهم قالوا هذه زوجة الابن فتحرم وقال الله تعالى هي لك حلال، وقولهم لا اعتبار به فإنه بأفواههم كأصوات البهائم، وقول الله حق فيجب اتباعه وقوله: ﴿ وَهُوَ يَهْدِى السبيل ﴾ يؤكد قوله: ﴿ والله يَقُولُ الحق ﴾ يعني يجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بأفواهكم والله يَقُولُ الحق ﴾ فيه لطيفة وهو أن الكلام الذي بالفم فحسب يشبه صوت البهائم الذي يوجد لا عن قلب، ثم إن الكلام الذي بالقلب قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً، لأن من يقول شيئاً عن اعتقاد قد يكون مطابقاً فيكون حقاً، وقد لا يكون فيكون باطلاً، فالقول الذي بالقلب وهو المعتبر من أقوالكم قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً لأنه يتبع الوجود، وقول الله حق لأنه يتبعه الوجود فإنه يقول عما كان أو يقول فيكون، فإذن قول الله خير من أقوالكم التي عن قلوبكم فكيف تكون نسبته إلى أقوالكم التي بأفواهكم، فإذن لا يجوز أن تأخذوا بقولكم الكاذب اللاغي وتتركوا قول الله الحق فمن يقول بأن تزوج النبي عليه الصلاة والسلام بزينب لم يكن حسناً يكون قد ترك قول الله الحق وأخذ بقول خرج عن الفم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ يَهْدِى السبيل ﴾ إشارة إلى أن اتباع ما أنزل الله خير من الأخذ بقول الغير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في أمرأه، ولا بنوّة ودعوة في رجل.

والمعنى: أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين، لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً.

عالماً ظاناً.

موقناً شاكاً في حالة واحدة- لم ير أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أُمًّا لرجل زوجاً له؛ لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة وهما حالتان متنافيتان، وأن يكون الرجل الواحد دعياً لرجل وابنا له: لأنّ البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة: إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيراً.

وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون.

فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه.

وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ [الأحزاب: 40] وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له: ذو القلبين، وقيل: هو جميل بن أسد الفهري.

وكان يقول: إن لي قلبين.

أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروي أنه انهزم يوم بدر، فمرّ بأبي سفيان وهو معلق أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله.

فقال له: ما فعل الناس؟

فقال: هم ما بين مقتول وهارب.

فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟

فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجليّ، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه مثلاً في الظهار والتنبي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان فأكذبهم الله.

وقيل: سها في صلاته، فقالت اليهود: له قلبان: قلب مع أصحابه، وقلب معكم.

وعن الحسن: نزلت في أن الواحد يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني.

والتنكير في رجل، وإدخال من الاستغراقية على قلبين تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال: ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة في جوفه.

فإن قلت: أي فائدة في ذكر الجوف؟

قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله: ﴿ القلوب التى فِي الصدور ﴾ [الحج: 46] وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر والتجلي للمدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفاً يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار.

وقرئ: ﴿ اللايئ ﴾ ، بياء وهمزة مكسورتين، و ﴿ اللائي ﴾ بياء ساكنة بعد الهمزة: وتظاهرون: من ظاهر.

وتظاهرون.

من اظاهر، بمعنى تظاهر.

وتظهرون: من اظهر، بمعنى تظهر.

وتظهرون: من ظهر، بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد.

وتظهرون: من ظهر، بلفظ فعل من الظهور.

ومعنى ظاهر من امرأته: قال لها: أنت عليّ كظهر أمي.

ونحوه في العبارة عن اللفظ: لبى المحرم، إذا قال لبيك.

وأفف الرجل: إذا قال: أُف وأخوات لهنّ.

فإن قلت: فما وجه تعديته وأخواته بمن؟

قلت: كان الظهار طلاقاً عند أهل الجاهلية.

فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها: تحرز منها.

وظاهر منها: حاذر منها، وظهر منها: وحش منها.

وظهر منها: خلص منها.

ونظيره: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدّي بمن، وإلا فآلى في أصله الذي هو بمعنى: حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه.

فإن قلت: ما معنى قولهم: أنت عليّ كظهر أمي؟

قلت: أرادوا أن يقولوا: أنت عليّ حرام كبطن أمي.

فكنوا عن البطن بالظهر؛ لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن.

ومنه حديث عمر رضي الله عنه: يجيء به أحدهم على عمود بطنه: أراد على ظهره.

ووجه آخر: وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرّماً عندهم محظوراً.

وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمّه فلم يترك.

فإن قلت: الدعيّ فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يُدعى ولداً فما له جمع على افعلاء، وبابه: ما كان منه بمعنى فاعل، كتقى وأتقياء، وشقيّ وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى.

قلت: إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه اللفظي ﴿ ذلكم ﴾ النسب هو ﴿ قَوْلُكُم بأفواهكم ﴾ هذا ابني لا غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقاً.

والله عز وجل لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدي إلا سبيل الحق.

ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله: ﴿ ادعوهم لأبَائِهِمْ ﴾ وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وفي فصل هذه الجمل ووصلها: من الحسن والفصاحة مالا يغني على عالم بطرق النظم.

وقرأ قتادة: ﴿ وهو الذي يهدي السبيل ﴾ .

وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه: ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان ﴿ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ﴾ لهم آباء تنسبونهم إليهم ﴿ ف ﴾ هم ﴿ فإخوانكم فِي الدين ﴾ وأولياؤكم في الدين فقولوا: هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي: يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه ﴿ مَّا تَعَمَّدَتْ ﴾ في محل الجرّ عطفاً على ما أخطأتم.

ويجوز أن يكون مرتفعاً على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح.

والمعنى: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي.

أو لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بنيّ على سبيل الخطإ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين.

ويجوز أن يراد العفو عن الخطإ دون العمد على طريق العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أخشَى عليكُم الخطأَ ولكنْ أخشَى عليْكُم العمدَ» وقوله عليه الصلاة والسلام: «وُضع عن أمّتي الخطأُ والنسيانْ وما أكرهُوا عليه» ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده.

فإن قلت: فإذا وجد التبني فما حكمه؟

قلت: إذا كان المتبني مجهول النسب وأصغر سناً من المتبنى ثبت نسبه منه، وإن كان عبداً له عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه لا يعتق.

وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وإن كان عبداً عتق ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ أيْ ما جَمَعَ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ لِأنَّ القَلْبَ مَعْدِنُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالنَّفْسِ الإنْسانِيِّ أوَّلًا ومَنعُ القُوى بِأسْرِها وذَلِكَ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ.

﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ وما جَمَعَ الزَّوْجِيَّةَ والأُمُومَةَ في امْرَأةٍ ولا الدَّعْوَةَ والبُنُوَّةَ في رَجُلٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ رَدُّ ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ مِن أنَّ اللَّبِيبَ الأرِيبَ لَهُ قَلْبانِ ولِذَلِكَ قِيلَ لِأبِي مَعْمَرٍ أوْ جَمِيلِ بْنِ أسَدٍ الفِهْرَيِّ ذُو القَلْبَيْنِ، والزَّوْجَةُ المَظاهَرُ عَنْها كالأُمِّ ودَعِيُّ الرَّجُلِ ابْنَهُ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ الكَلْبِيِّ عَتِيقِ رَسُولِ اللَّهِ  ابْنُ مُحَمَّدٍ، أوِ المُرادُ نَفْيُ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ عَنِ المَظاهَرِ عَنْها والمُتَبَنّى ونَفْيُ القَلْبَيْنِ لِتَمْهِيدِ أصْلٍ يَحْمِلانِ عَلَيْهِ.

والمَعْنى كَما لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ لِأدائِهِ إلى التَّناقُضِ وهو أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما أصْلًا لِكُلِّ القُوى وغَيْرَ أصْلٍ لَمْ يَجْعَلِ الزَّوْجَةَ والدَّعِيَّ اللَّذَيْنِ لا وِلادَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ أُمَّهُ وابْنَهُ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ وِلادَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «اللّايِ» بِالياءِ وحْدَهُ عَلى أنَّ أصْلَهُ اللّاءِ بِهَمْزَةٍ فَخُفِّفَتْ وعَنِ الحِجازِيِّينَ مِثْلُهُ، وعَنْهُما وعَنْ يَعْقُوبَ بِالهَمْزِ وحْدَهُ، وأصْلُ تُظْهِرُونَ تَتَظَّهَرُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الظّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَظّاهَرُونَ بِالإدْغامِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالحَذْفِ وعاصِمٌ ( تُظاهِرُونَ ) مِن ظاهَرَ، وقُرِئَ «تُظْهِرُونَ» مِن ظَهَرَ بِمَعْنى ظاهَرَ كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقِدٍ و «تَظْهَرُونَ» مِنَ الظُّهُورِ.

ومَعْنى الظِّهارِ: أنْ يَقُولَ لِلزَّوْجَةِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مَأْخُوذٌ مِنَ الظَّهْرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كالتَّلْبِيَةِ مِن لَبَّيْكَ وتَعْدِيَتُهُ بِمَن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجَنُّبِ لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ أوِ الحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ كَما عُدِّيَ آلى بِها، وهو بِمَعْنى حَلَفَ وذُكِرَ الظَّهْرُ لِلْكِنايَةِ عَنِ البَطْنِ الَّذِي هو عَمُودُهُ فَإنَّ ذِكْرَهُ يُقارِبُ ذِكْرَ الفَرْجِ، أوْ لِلتَّغْلِيظِ في التَّحْرِيمِ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ إتْيانَ المَرْأةِ وظَهْرُها إلى السَّماءِ، وأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ عَلى الشُّذُوذِ وكَأنَّهُ شُبِّهَ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ فَجُمِعَ جَمْعُهُ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ أوْ إلى الأخِيرِ.

﴿ قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ ﴾ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الأعْيانِ كَقَوْلِ الهاذِي.

﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ ما لَهُ حَقِيقَةٌ عَيْنِيَّةٌ مُطابِقَةٌ لَهُ.

﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ سَبِيلَ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)

{مّا جعل الله لرجلٍ مّن قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهنّ أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم} أي ما جمع الله قلبين في جوف ولا زوجية وأمومة في امرأة ولا بنوة ودعوة في رجل والمعنى أنه تعالى كما لم يجعل لإنسان قلبين لأنه لا يخلو اما أن يفعل بالآخر فعلاً من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليه وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك

فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً عالماً ظاناً موقناً شاكاً في حالة واحدة لم يحكم أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجاً له لأن الأم مخدومة والمرأة خادمة وبينهما مغافاة وأن يكون الرجل الواحد دعياً لرجل وابناً له لأن البنوة أصالة في النسب والدعوة الصدق عارض بالتسمية لا غير ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب صبى ضغير فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له فطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتقه

الأحزاب (٥ - ٤)

وتبناه وكانوا يقولون زيد بن محمد فلما تزوج النبى صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تحت زيد قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه فأنزل الله هذه الآية وقيل كان المنافقون يقولون لمحمد قلبان قلب معكم وقلب مع أصحابه وقيل كان أبو معمر أحفظ العرب فقيل له ذو القلبين فأكذب الله قولهم وضربه مثلاً في الظهار والتبني والتنكير في رجل وادخال من الاستغراقيه على قلبين وذكر الجواب للتأكيد اللائي بياء بعد الهمزة حيث كان كوفي وشامي اللاء نافع ويعقوب وسهل وهي جمع التي تُظاهِرون عاصم من ظاهر إذا قال لامرأته أنت علي كظهر أمي تَظَاهَرون على وحمزة وخلف تظاهرون شامى من أظاهر بمعنى تظاهرغيرهم تظهرون من أظهر بمعنى ظهر وعدى بمن لتضمنه معنى البعد لأنه كان طلاقاً في الجاهلية ونظيره آلى من امرأته لما ضمن معنى التباعد عدى بمن والافآلى في أصله الذي هو معنى حلف وأقسم ليس هذا بحكمه والدعي فعيل بمعنى مفعول وهو الذي يدعي ولداً وجمع على أفعلاء شاذاً لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل كتقي وأتقياء وشقي وأشقياء ولا يكون ذلك فى نحو رمى وسمى للتشبيه اللفظي {ذلكم قولكم بأفواهكم} أي أن قولكم للزوجة هي أم وللدعي هو ابن قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له إذ الابن يكون بالولادة وكذا الأم {والله يقول الحقّ} أي ما حق ظاهره وباطنه {وهو يهدى السّبيل} أي

سبيل الحق ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق وهو قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قامَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَأكْثَرُوا، فَقالُوا: إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ألَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِهِ، وكَلامِهِ في الصَّلاةِ، إنَّ لَهُ قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَ أصْحابِهِ، فَنَزَلَتْ،» وقالَ مُقاتِلٌ في تَفْسِيرِهِ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي زِيادٍ الشّامِيُّ، وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في أبِي مَعْمَرٍ الفِهْرِيِّ كانَ أهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: لَهُ قَلْبانِ مِن قُوَّةِ حِفْظِهِ، وكانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ أنَّ كُلَّ لَبِيبٍ أرِيبٍ لَهُ قَلْبانِ حَقِيقَةً، وأبُو مَعْمَرٍ هَذا اشْتُهِرَ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِذِي القَلْبَيْنِ، وهو عَلى ما في الإصابَةِ جَمِيلُ بْنُ أُسَيْدٍ مُصَغَّرُ الأسَدِ، وقِيلَ: ابْنُ أسَدٍ مُكَبَّرًا، وسَمّاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ وهْبٍ، وقِيلَ: إنَّ ذا القَلْبَيْنِ هو جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ جُمَحَ الجُمَحِيُّ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (وكَيْفَ ثُوائِي البَيْتَ)، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ، والمُعَوَّلُ عَلى ما في الإصابَةِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ لِي قَلْبَيْنِ، أفْهَمُ بِأحَدِهِما أكْثَرَ مِمّا يَفْهَمُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَرُوِيَ أنَّهُ انْهَزَمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وهو مُعَلِّقٌ إحْدى نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ والأُخْرى في رِجْلِهِ، فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: ما فَعَلَ النّاسُ؟

فَقالَ: هم ما بَيْنَ مَقْتُولٍ وهارِبٍ، فَقالَ لَهُ: ما بالُ إحْدى نَعْلَيْكَ في رِجْلِكَ والأُخْرى في يَدِكَ؟

فَقالَ: ما ظَنَنْتُ إلّا أنَّهُما في رِجْلِي، فَأكْذَبَ اللَّهَ تَعالى قَوْلَهُ وقَوْلَهم.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ جَماعَةٌ يَقُولُ الواحِدُ مِنهُمْ: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي، ونَفْسٌ تَنْهانِي، فَنَزَلَتْ، والجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ، ومِن سَيْفِ خَطِيبٍ، والمُرادُ ما خَلَقَ سُبْحانَهُ لِأحَدٍ، أوْ لِذِي قَلْبٍ مِنَ الحَيَوانِ مُطْلَقًا قَلْبَيْنِ، فَخُصُوصُ الرَّجُلِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِكَمالِ لُزُومِ الحَياةِ فِيهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ الإناثِ، وأمّا الصِّبْيانُ فَمَآلُهم إلى الرُّجُولِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي جَوْفِهِ ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّصْوِيرِ كالقُلُوبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ  ﴾ ، وذُكِرَ في بَيانِ عَدَمِ جَعْلِهِ تَعالى قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ المُرادَ بِالقَلْبِ المُضْغَةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ وكَذا الحَيَوانِيَّةُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، ومُتَعَلِّقُها هو الرُّوحُ، وهو جِسْمٌ لَطِيفٌ بُخارِيٌّ، يَتَكَوَّنُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الأغْذِيَةِ، لِأنَّ شَدَّ الأعْصابِ يُبْطِلُ قُوى الحِسِّ والحَرَكَةِ عَمّا وراءَ مَوْضِعِ الشَّدِّ مِمّا لا يَلِي جِهَةَ الدِّماغِ، والشَّدُّ لا يَمْنَعُ إلّا نُفُوذَ الأجْسامِ، والتَّجارِبُ الطِّبِّيَّةُ أيْضًا شاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وحَيْثُ إنَّ النَّفْسَ واحِدَةٌ فَلا بُدَّ مِن عُضْوٍ واحِدٍ يَكُونُ تَعَلُّقُها بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِسائِرِ الأعْضاءِ بِواسِطَتِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ أوَّلَ عُضْوٍ يُخْلَقُ هو القَلْبُ، فَإنَّهُ المَجْمَعُ لِلرُّوحِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعَلُّقُ أوَّلًا بِهِ، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ بِالدِّماغِ والكَبِدِ، وبِسائِرِ الأعْضاءِ، فَمَنبَعُ القُوى بِأسْرِها مِنهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ إذْ لَوْ تَعَدَّدَ بِأنْ كانَ هُناكَ قَلْبانِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما أصْلًا لِلْقُوى، وغَيْرَ أصْلٍ لَها، أوْ تَوارُدَ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أنَّ هَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى مُقَدِّماتٍ لا تَكادُ تَثْبُتُ عِنْدَ أكْثَرِ الإسْلامِيِّينَ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ والخَلَفِ المُتَأخِّرِينَ، ولَوْ بِشِقِّ الأنْفُسِ، أمْرٌ إقْناعِيٌّ لا بُرْهانٌ قَطْعِيٌّ، عَلى أنَّ لِلْفَلْسَفِيِّ أيْضًا لَهُ فِيهِ مَقالًا، وقَدْ يُفَسَّرُ القَلْبُ بِالنَّفْسِ بِناءً عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ إطْلاقًا لِلْمُتَعَلِّقِ عَلى المُتَعَلَّقِ، وقَدْ بَيَّنُوا وحْدَةَ النَّفْسِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ نَفْسانِ فَأكْثَرُ بِبَدَنٍ بِما يَطُولُ ذِكْرُهُ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ فَلْيُراجَعْ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ بِناءً عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما ذُكِرَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، بَلْ يَجُوزُ تَفْسِيرُ القَلْبِ عَلَيْهِ بِما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ أيْضًا، وحَيْثُ إنَّ القَلْبَ مُتَعَلَّقُ النَّفْسِ يَكُونُ نَفْيُ جَعْلِ القَلْبَيْنِ دالًّا عَلى نَفْيِ جَعْلِ النَّفْسَيْنِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ إبْطالٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن إجْراءِ أحْكامِ الأُمُومَةِ عَلى المُظاهِرِ مِنها، والظِّهارُ لُغَةً مَصْدَرُ ظاهَرَ، وهو مُفاعَلَةٌ مِنَ الظَّهْرِ، ويُسْتَعْمَلُ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ راجِعَةٍ إلَيْهِ مَعْنًى ولَفْظًا بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأغْراضِ، فَيُقالُ: ظاهَرْتُهُ إذا قابَلْتَ ظَهْرَكَ بِظَهْرِهِ حَقِيقَةً، وكَذا إذا غايَظْتَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُغايَظَةَ تَقْتَضِي هَذِهِ المُقابَلَةَ، وظاهَرْتُهُ إذا نَصَرْتَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُقالُ: قَوّى ظَهْرَهُ إذا نَصَرَهُ، وظاهَرْتُ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ إذا لَبِسْتَ أحَدَهُما فَوْقَ الآخَرِ عَلى اعْتِبارِ جَعْلِ ما يَلِي بِهِ كُلُّ مِنهُما الآخَرَ ظَهْرًا لِلثَّوْبِ، ويُقالُ: ظاهَرَ مِن زَوْجَتِهِ إذا قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِ، نَظِيرَ لَبّى إذا قالَ لَبَّيْكَ، وأفَّفَ: إذا قالَ أُفٍّ، وكَوْنُ لَفْظِ الظَّهْرِ في بَعْضِ هَذِهِ التَّراكِيبِ مَجازًا لا يَمْنَعُ الِاشْتِقاقَ مِنهُ ويَكُونُ المُشْتَقُّ مَجازًا أيْضًا، والمُرادُ مِنهُ هُنا المَعْنى الأخِيرُ، وكانَ ذَلِكَ طَلاقًا مِنهم.

وإنَّما عُدِّيَ بِمِن، مَعَ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّباعُدِ، ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ مَعْنى المُجانَبَةِ، ويَتَعَدّى بِمِن، والظَّهْرُ في ذَلِكَ مَجازٌ عَلى ما قِيلَ عَنِ البَطْنِ، لِأنَّهُ إنَّما يُرْكَبُ البَطْنُ، فَقَوْلُهُ: كَظَهْرِ أُمِّي بِمَعْنى كَبَطْنِها، بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ، ولِأنَّهُ عَمُودُهُ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: لَكِنْ لا يَظْهَرُ ما هو الصّارِفُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِنَ النِّكاتِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ ما مَعْناهُ: خَصُّوا الظَّهْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ، والمَرْأةُ تُرْكَبُ إذا غُشِيَتْ، فَهو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ انْتَقَلَ مِنَ الظَّهْرِ إلى المَرْكُوبِ، ومِنهُ إلى المَغْشِيِّ، والمَعْنى: أنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لا تُرْكَبِينَ كَما لا يُرْكَبُ ظَهْرُ الأُمَّ، وقِيلَ: خَصَّ الظَّهْرَ لِأنَّ إتْيانَ المَرْأةِ مِن ظَهْرِها في قُبُلِها كانَ حَرامًا عِنْدَهُمْ، فَإتْيانُ أُمِّهِ مِن ظَهْرِها أحْرَمُ فَكَثُرَ التَّغْلِيظُ، وقِيلَ: كَنَّوْا بِالظَّهْرِ عَنِ البَطْنِ، لِأنَّهم يَسْتَقْبِحُونَ ذِكْرَ الفَرْجِ وما يَقْرُبُ مِنهُ سِيَّما في الأُمِّ، وما شابَهَ بِها، ولَيْسَ بِذاكَ، وهو في الشَّرْعِ تَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ، أوْ جُزْءٍ مِنها شائِعٌ أوْ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنِ الكُلِّ بِما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنَ المُحَرَّمَةِ عَلى التَّأْيِيدِ، ولَوْ بِرَضاعٍ، أوْ صِهْرِيَّةٍ، وزادَ في النِّهايَةِ قَيْدَ الِاتِّفاقِ لِيَخْرُجَ التَّشْبِيهُ بِما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتُلِفَ في تَحْرِيمِها كالبِنْتِ مِنَ الزِّنا، وتَحْقِيقُ الحَقِّ في ذَلِكَ في فَتْحِ القَدِيرِ، وخُصَّ بِاسْمِ الظِّهارِ تَغْلِيبًا لِلظَّهْرِ، لِأنَّهُ كانَ الأصْلُ في اسْتِعْمالِهِمْ، وشَرْطُهُ في المَرْأةِ كَوْنُها زَوْجَةً، وفي الرَّجُلِ كَوْنُهُ مِن أهْلِ الكَفّارَةِ، ورُكْنُهُ اللَّفْظُ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ التَّشْبِيهِ، وحُكْمُهُ حُرْمَةُ الوَطْءِ، ودَواعِيهِ إلى وُجُودِ الكَفّارَةِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

وقَرَأ قالُونَ، وقُنْبُلٌ هُنا، وفي المُجادَلَةِ والطَّلاقِ «اللّاءِ» بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ ياءٍ، ووَرْشٌ بِياءٍ مُخْتَلَسَةِ الكَسْرَةِ، والبَزِّيُّ، وأبُو عَمْرٍو «اللّاي» بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ «تَظاهَرُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ، وأصْلُهُ تَتَظاهَرُونَ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَظّاهَرُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وأصْلُهُ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ أُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الظّاءِ..

وقَرَأ الحَسَنُ «تُظَهِّرُونَ» بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الظّاءِ المُخَفَّفَةِ، وشَدِّ الهاءِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ ظَهَّرَ، بِتَشْدِيدِ الهاءِ بِمَعْنى ظاهَرَ، كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ «تَظْهِرُونَ» بِضَمِّ التّاءِ، وسُكُونِ الظّاءِ، وكَسْرِ الهاءِ مُضارِعُ أظْهَرَ، وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَظْهَرُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ، والهاءِ، وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعُ ظَهَرَ بِتَخْفِيفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: «تَتَظَهَّرُونَ» بِتاءَيْنِ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ.

﴿ وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ إبْطالٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ أيْضًا وصَدْرٍ مِنَ الإسْلامِ مِن أنَّهُ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ أُجْرِيَتْ أحْكامُ البُنُوَّةِ عَلَيْهِ، وقَدْ تَبَنّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ البَعْثَةِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، والخَطّابُ عامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبُو حُذَيْفَةَ مَوْلاهُ سالِمًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلَ ﴾ إلَخْ، نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

و«أدْعِياءُ» جَمْعُ دَعِيٍّ، وهو الَّذِي يُدْعى ابْنًا، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقِياسُهُ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعْلى كَجَرِيحٍ وجَرْحى لا عَلى أفْعِلاءَ، فَإنَّ الجَمِيعَ عَلَيْهِ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَتَقِيٍّ، وأتْقِياءَ، فَكَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ في اللَّفْظِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وجُمِعَ جَمْعَهُ كَما قالُوا في أسِيرٍ وقَتِيلٍ أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الجَمْعَ مَقِيسٌ في المُعْتَلِّ مُطْلَقًا، وفِيهِ نَظَرٌ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ قِيلَ: إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مِن أنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَلْبانِ في جَوْفٍ، والظِّهارِ والِادِّعاءِ، وقِيلَ: إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الأخِيرَتَيْنِ، وقِيلَ: إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الأخِيرَةِ، ﴿ قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِصْداقٌ وحَقِيقَةٌ في الواقِعِ، ونَفْسِ الأمْرِ، فَإذَنْ هو بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ، أوِ اسْتِتْباعِ الأحْكامِ كَما زَعَمْتُمْ.

﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ الثّابِتَ المُحَقَّقَ في نَفْسِ الأمْرِ، ﴿ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ أيْ سَبِيلَ الحَقِّ فَدَعُوا قَوْلَكم وخُذُوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ قَتادَةُ عَلى ما في البَحْرِ «يُهْدِي» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ قَرَأ «وهُوَ الَّذِي يَهْدِي السَّبِيلَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال مقاتل: نزلت في جميل بن معمر، ويكنى أبا معمر.

وكان حافظاً بما يسمع، وأهدى الناس للطريق.

يعني: طريق البلدان وكان مبغضا للنبي  .

وكان يقول: إن لي قلبين.

أحدهما أعقل من قلب محمد فنزل: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وكان الناس يظنون أنه صادق في ذلك، حتى كان يوم بدر فانهزم، وهو آخذ بإحدى نعليه في أصبعه، والأخرى في رجله حتى أدركه أبو سفيان بن حرب.

وكان لا يعلم بذلك، حتى أخبر أن إحدى نعليه في أصبعه، والأخرى في رجله.

فعرفوا أنه ليس له قلبان.

ويقال: إن رسول الله  سهى في صلاته، فقال المنافقون: لو أن له قلبين أحدهما في صلاته، والآخر مع أصحابه، فنزل ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.

وروى معمر عن قتادة قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه.

فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين.

وكان يسمى ذا القلبين فنزلت هذه الآية.

وروى معمر عن الزهري قال: بلغنا أن ذلك في شأن زيد بن حارثة.

ضَرَبَ الله مَثَلاً يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك، كما لا يكون لرجل آخر من قلبين.

وذكر عن الشافعي أنه احتج على محمد بن الحسن قال: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ يعني: ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام.

يعني: لا يجوز أن يثبت نسب صبي واحد من أبوين.

ولكن هذا التفسير لم يذعن به أحد من المتقدمين.

فلو أراد به على وجه القياس لا يصح.

لأنه ليس بينهما جامع يجمع بينهما.

وذكر عن عمر وعلي- رضي الله تعالى عنهما- أن جارية كانت بين رجلين، جاءت بولد فادعياه.

فقالا: إنه ابنهما يرثهما ويرثانه.

ثم قال عز وجل: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ قرأ عاصم تظاهرون بضم التاء وكسر الهاء والألف.

وقرأ ابن عامر: تظاهرون بنصب التاء والهاء وتشديد الظاء.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تُظْهِرُونَ بنصب التاء والهاء بغير ألف والتشديد.

وقرأ حمزة والكسائي/ تظهرون بنصب التاء والتخفيف مع الألف.

وهذه كلها لغات.

يقال: ظاهر من امرأته، وتظاهر، وتظهر بمعنى واحد.

وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي.

فمن قرأ: تظّاهرون بالتشديد، فالأصل تظهرون، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وشددت.

من قرأ تظاهرون فالأصل يتظاهرون فأدغمت إحدى التاءين.

ومن قرأ بالتخفيف حذف إحدى التاءين، ولم يشدد للتخفيف كقوله: تُسْئَلُونَ والأصل تتساءلون، والآية نزلت في شأن أوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته وذكر حكم الظهار في سورة المجادلة.

ثم قال تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ نزلت في شأن زيد بن حارثة حين تبنّاه النبيّ  قال: فكما لا يجوز أن يكون لرجل واحد قلبان، فكذلك لا يجوز أن تكون امرأته أمه، ولا ابن غيره يكون ابنه.

ثم قال: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ يعني: قولكم الذي قلتم زيد بن محمد  أنتم قلتموه بألسنتكم وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ يعني: يبيّن الحق، ويأمركم به كي لا تنسبوا إليه غير النسبة وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ يعني: يدلّ على طريق الحق.

يقال: يدلّ على الصواب بأن تدعوهم إلى آبائهم.

وروى أبو بكر بن عياش عن الكلبي قال: كان زيد بن حارثة مملوكاً لخديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة من رسول الله  فأعتقه، وتبناه، فكانوا يقولون زيد بن محمد فنزل قوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ يعني: انسبوهم لآبائهم.

فقالوا: زيد بن حارثة هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: أعدل عند الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ يعني: إن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي: قولوا ابن عبد الله وابن عبد الرحمن وَمَوالِيكُمْ يعني: قولوا مولى فلان.

وكان أبو حذيفة أعتق عبداً يقال له: سالم وتبناه، فكانوا يسمونه سالم بن أبي حذيفة.

فلما نزلت هذه الآية سموه سالماً مولى أبي حذيفة.

ثم قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ يعني: أن تنسبوهم إلى غير آبائهم قبل النهي.

ويقال: ما جرى على لسانهم بعد النهي، لأن ألسنتهم قد تعودت بذلك وَلكِنْ الجناح فيما مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ يعني: قصدت قلوبكم بعد النهي.

وروي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمرو عن عبد الله بن عباس عن النبي  أنه قال: «تَجَاوَزَ الله عَنْ أمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى ناسياً.

فذكر للنبي  فأمره أن ينفث عن يساره ثلاثاً، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

ثم قال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يعني: غفوراً لمن أخطأ ثم رجع رَحِيماً بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أزالَ الله بهذه الآية أحكاماً كانت في صدر الإسلام، منها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذَكَرَ اللهُ تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أكثرَ من نَفسِهِ، حَسَبَ حديثِ عمر بن الخطاب، ويلزمُ أن يَمْتَثِلَ أوامرَهُ، أحبت نفسُهُ ذلك أو كرهت، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية: «أَنَاْ أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَوْ ضِيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ، أَنا وليّه، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...

» .

ت: ولفظ البخاريِّ من رواية أبي هريرةَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَأَنَا أولى به في الدّنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضِيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهِ» «١» .

قال ابن العربيِّ: في «أحكامه» «٢» : فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه الآية.

انتهى.

قال ع «٣» : وقال بعض العارفين: هو صلى الله عليه وسلّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة.

قال ع «٤» : ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلّم: «فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُون فِيهَا تَقَحَّمَ الفَرَاشِ» .

قال عياض في «الشفا» : قال أهل التفسير في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماضٍ عليهم كما يمضي حكمُ السيد على عبده، وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس.

انتهى.

وشرّف تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلّم بأن جعلهن أمهاتِ المُؤْمِنِينَ في المَبَرَّةِ وحُرْمَةِ النّكاح، وفي مصحف أبيّ بن كعب «٥» :

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الأحْزابِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السِّلْمِيَّ، قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومَعْتِبِ بْنِ قُشَيْرٍ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ؛ فَتَكَلَّمُوا فِيما بَيْنَهُمْ، وأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَدَعُوهُ إلى أمْرِهِمْ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ أشْياءَ كَرِهَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَرْفُضَ ذِكْرَ اللّاتِ والعُزّى ويَقُولَ: إنَّ لَها شَفاعَةً، فَكَرِهَ ذَلِكَ، ونَزَلَتْ [هَذِهِ] الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ الَّذِينَ يَقُولُونَ: اطْرُدْ عَنّا أتْباعَكَ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ ﴿ والمُنافِقِينَ ﴾ فَلا تَقْبَلْ مِنهم رَأْيًا.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ بِالتَّقْوى، وهو سَيِّدُ المُتَّقِينَ؟!

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ اسْتِدامَةُ ما هو عَلَيْهِ.

والثّانِي: الإكْثارُ مِمّا هو فِيهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ وُوجِهَ بِهِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وأرادَ بِالكافِرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وأبا الأعْوَرِ، وبِالمُنافِقِينَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وطُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٨١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ: لِمُحَمَّدٍ قَلْبانِ، قَلْبٌ مَعَنا، وقَلْبٌ مَعَ أصْحابِهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الفِهْرِيِّ- كَذا نَسَبَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الفَرّاءُ: جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، ويُكَنّى: أبا مَعْمَرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أبُو مَعْمَرِ بْنُ أنَسٍ الفِهْرِيُّ وكانَ لَبِيبًا حافِظًا لِما سَمِعَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما حَفِظَ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا ولَهُ قَلْبانِ في جَوْفِهِ، وكانَ يَقُولُ: إنَّ لِي قَلْبَيْنِ أعْقِلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وهُزِمَ المُشْرِكُونَ وفِيهِمْ يَوْمَئِذٍ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ، تَلَقّاهُ أبُو سُفْيانَ وهو مُعَلِّقٌ إحْدى نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، والأُخْرى في رِجْلِهِ، فَقالَ لَهُ: ما حالُ النّاسِ؟

فَقالَ: انْهَزَمُوا، قالَ: فَما بالُكَ إحْدى نَعْلَيْكَ في يَدِكَ والأُخْرى في رِجْلِكَ؟

قالَ: ما شَعَرْتُ إلّا أنَّهُما في رِجْلَيَّ، فَعَرَفُوا [يَوْمَئِذٍ] أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ قَلْبانِ لَما نَسِيَ نَعْلَهُ في يَدِهِ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقَدْ قالَ الزُّهْرِيُّ في هَذا قَوْلًا عَجِيبًا، قالَ: بَلَغَنا أنَّ ذَلِكَ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ ضُرِبَ لَهُ مَثَلٌ يَقُولُ: لَيْسَ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ ابْنَكَ.

قالَ الأخْفَشُ: " مِن " زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: أكْذَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قالَ: لِي قَلْبانِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِهَذا الكَلامِ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَقالَ: ﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الزَّوْجَةَ لا تَكُونُ أُمًّا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُطَلِّقُ بِهَذا الكَلامِ، وهو أنْ يَقُولَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ أيْ: ما جَعَلَ مَن تَدْعُونَهُ ابْنًا- ولَيْسَ بِوَلَدٍ في الحَقِيقَةِ- ابْنًا ﴿ ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ ﴾ أيْ: نَسَبُ مَن لا حَقِيقَةَ لِنَسَبِهِ قَوْلٌ بِالفَمِ لا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ غَيْرَ الِابْنِ ابْنًا ﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ أيْ: لِلسَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ.

وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ ﴾ نَزَلَتْ في أوْسِ بْنِ الصّامِتِ وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ.

وَمَعْنى الكَلامِ: ما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ كَأُمَّهاتِكم في التَّحْرِيمِ، إنَّما قَوْلُكم مَعْصِيَةٌ، وفِيهِ كَفّارَةٌ، وأزْواجُكم لَكم حَلالٌ؛ وسَنَشْرَحُ هَذا في سُورَةِ (المُجادَلَةِ) إنْ شاءَ اللَّهُ.

وذَكَرُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ نَزَلَ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وتَبَنّاهُ قَبْلَ الوَحْيِ،فَلَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ  زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَبِيلَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ: إنْ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ الأوَّلِ، فَقالُوا ذَلِكَ عنهُ، فَنَفاهُ اللهُ تَعالى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ سَبَبُهُ أنَّهُ كانَ في قُرَيْشٍ في بَنِي فَهِرٍ رَجُلٌ فَهم يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ؛ ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وهو ابْنُ مَعْمَرِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ، فَلِما وقَعَتْ هَزِيمَةٌ بِدْرٍ طاشَ لُبُّهُ، وحَدَّثَ أبا سُفْيانِ بْنِ حَرْبٍ كالمُخْتَلِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ ونَفْيًا لِدَعْواهُ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنُ خَطَلٍ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: جاءَ هَذا اللَفْظُ عَلى جِهَةِ المَثَلِ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةٍ والتَوْطِئَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ ، أيْ: كَما لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ، كَذَلِكَ لَيْسَ دَعِيُّهُ ابْنَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّها بِجُمْلَتِها نَفْيٌ لِأشْياءٍ كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُها في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإعْلامٌ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، فَمِنها أنَّ بَعْضَ العَرَبِ كانَتْ تَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لَهُ قَلْبانِ قَلْبٌ يَأْمُرُهُ وقَلْبٌ يَنْهاهُ، وكانَ تَضادُّ الخَواطِرِ يَحْمِلُها عَلى ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الكُمَيْتِ: فَتَذَكَّرْ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الإبِلُ والناسُ حَتّى الآنَ يَقُولُونَ إذا وصَفُوا أفْكارَهم في شَيْءٍ ما: يَقُولُ لِي أحَدُ قَلْبَيْ كَذا، ويَقُولُ الآخَرُ كَذا، وكَذا كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ الزَوْجَةُ إذا ظُوهِرَ مِنها بِمَنزِلَةِ الأُمِّ وتَراهُ طَلاقًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ الدَعِيَّ المُتَبَنّى ابْنًا، فَأعْلَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ لا أحَدَ بِقَلْبَيْنِ، ويَكُونُ في هَذا أيْضًا طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُمْ، أيْ: إنَّما هو قَلْبٌ واحِدٌ، فَإمّا حَلَّهُ إيمانٌ وإمّا حَلَّهُ كُفْرٌ؛ لِأنَّ دَرَجَةَ النِفاقِ كَأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ يُؤْمِنُ قَلْبٌ ويَكْفُرُ الآخَرُ، فَنَفاها اللهُ تَعالى، وبَيَّنَ أنَّهُ قَلْبٌ واحِدٌ، وعَلى هَذا النَحْوِ يَسْتَشْهِدُ الإنْسانُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَتى نَسِيَ شَيْئًا أو وهِمَ، يَقُولُ عَلى جِهَةِ الِاعْتِذارِ: ﴿ ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ ، أيْ: إذا نَسِيَ قَلْبُهُ الواحِدُ يُذَكِّرُهُ الآخَرُ، وكَذَلِكَ أعْلَمَ أنَّ الزَوْجَةَ لا تَكُونُ أُمًّا، وأنَّ الدَعِيَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ابْنًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "الَّلاءِ" دُونَ ياءٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرُو، وابْنِ جُبَيْرٍ: "اللايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ ورْشٌ بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَظّاهَرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ وألِفٌ، وقَرَأ عاصِمُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ: "تُظاهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وتَخْفِيفِ الظاءِ، وأنْكَرَها أبُو عَمْرُو، وقالَ: إنَّما هَذا في المُعاوَنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِمُنْكَرٍ، ولَفْظَةُ ظِهارٍ تَقْتَضِيهِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَظاهِرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والظاءِ المُخَفَّفَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "تَظَّهَّرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ والهاءِ دُونَ ألْفٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "تُظْهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الظاءِ وكَسْرِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "تَتَظَهَّرُونَ" بِتاءَيْنِ، وكانَتِ العَرَبُ تُطَلِّقُ وتَقُولُ: "أنْتَ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي" فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وأنْزَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى كَفّارَةَ الظِهارِ، وتَفْسِيرُ الظِهارِ وبَيانُهُ أثْبَتْناهُ في سُورَةِ المُجادِلَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ الآيَةُ، سَبَبُها «أنَّ زَيْدَ بْنِ حارِثَةٍ كانُوا يَدْعُونَهُ زَيْدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ عَبْدًا لِخَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللهِ  ، فَأقامَ مَعَهُ مُدَّةً، ثُمَّ جاءَ عَمُّهُ وأبُوهُ يَرْغَبانِ في فِدائِهِ، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ  - وذَلِكَ قَبْلَ البَعْثِ -: "خَيِّراهُ، فَإنِ اخْتارَكُما فَهو لَكُما دُونَ فِداءٍ"، فَخَيَّراهُ فاخْتارَ الرِقُّ مَعَ مُحَمَّدٍ  عَلى حُرِّيَّتِهِ وقَوْمِهِ، فَقالَ مُحَمَّدٌ  : "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْهَدُوا أنَّهُ ابْنِي، يَرِثُنِي وأرِثُهُ"، فَرَضِيَ بِذَلِكَ أبُوهُ وعَمُّهُ وانْصَرَفا.» وَقَوْلُهُ: ﴿ "بِأفْواهِكُمْ" ﴾ تَأْكِيدٌ لِبُطْلانِ القَوْلِ، أيْ أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الوُجُودِ، إنَّما هو قَوْلٌ فَقَطْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "أنا أمْشِي إلَيْكَ عَلى قَدَمٍ"، فَإنَّما تُؤَكِّدُ بِذَلِكَ المَسِيرَةَ، وهَذا كَثِيرٌ.

و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، وهو يَتَعَدّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، وقَرَأ قَتادَةُ: "يُهَدِّي" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِّ، و"السَبِيلُ" هو سَبِيلُ الشَرْعِ والإيمانِ.

وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ جَعْفَرٍ - يَقِفُونَ "السَبِيلا"، ويَطْرَحُونَها في الوَصْلِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِالألْفِ وصَلًا ووَقَفًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ بِغَيْرِ ألْفٍ وصَلًا ووَقَفًا، وهَذا كُلُّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، واتَّفَقُوا هُنا خاصَّةً عَلى طَرْحِ الألْفِ وصَلًا ووَقْفًا لِمَكانِ ألِفِ الوَصْلِ الَّتِي تَلْقى اللامَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَينِ فِى جَوْفِه ﴾ استئناف ابتدائي ابتداءَ المقدمة للغرض بعد التمهيد له بما قبله، والمقدمة أخص من التمهيد لأنها تشتمل على ما يوضح المقصد بخلاف التمهيد، فهذا مقدمة لِما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعه مِما يوحَى إليه وهو تشريع الاعتبار بحقائق الأشياء ومعانيها، وأن مواهي الأمور لا تتغير بما يلصق بها من الأقوَال المنافية للحقائق، وأن تلك الملصقات بالحقائق هي التي تحجب العقول عن التفهم في الحقائق الحق، وهي التي تَرِينُ على القلوب بتلبيس الأشياء.

وذُكر ها هنا نوعان من الحقائق: أحدهما: من حقائق المعتقدات لأجل إقامة الشريعة على العقائد الصحيحة، ونبذ الحقائق المصنوعة المخالفة للواقع لأن إصلاح التفكير هو مفتاح إصلاح العمل، وهذا ما جعل تأصيله إبطال أن يكون الله جعل في خلق بعض الناس نظاماً لم يجعله في خلق غيرهم.

وثاني النوعين: من حقائق الأعمال لتقوم الشريعة على اعتبار مواهي الأعمال بما هي ثابتة عليه في نفس الأمر إلا بالتوهم والادعاء.

وهذا يرجع إلى قاعدة أن حقائق الأشياء ثابتة وهو ما أُشير إليه بقوله تعالى: ﴿ وما جَعَل أزواجكم اللاّء تَظَّهَّرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق ﴾ ، أي: لا يقول الباطل مثل بعض أقوالكم من ذلك القبيل.

والمقصود: التنبيه إلى بطلان أمور كان أهل الجاهلية قد زعموها وادّعوها.

وابتدئ من ذلك بما دليل بطلانه الحس والاختبار ليعلم من ذلك أن الذين اختلقوا مزاعم يشهد الحس بكذبها يهون عليهم اختلاق مزاعم فيها شُبه وتلبيس للباطل في صورة الحق فيتلقى ذلك بالإذعان والامتثال.

والإشارة بقوله ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ إلى أكذوبة من تكاذيب الجاهلية كانوا يزعمون أن جميل بن معمر ويقال: ابن أسد بن حبيب الجُمحي الفهري وكان رجلاً داهية قوي الحفظ أن له قلبين يعملان ويتعاونان وكانوا يدْعونه ذَا القلبين يريدون العقلين لأنهم كانوا يحسبون أن الإدراك بالقلب وأن القلب محل العقل.

وقد غرّه ذلك أو تغارر به فكان لشدة كفره يقول: «إن في جوفي قلبين أعمَل بكل واحد منهما عَملاً أفضل من عمل محمد».

وسمّوا بذي القلبين أيضاً عبد الله بن خطل التيمي، وكان يسمى في الجاهلية عبد العزى وأسلم فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ثم كفر وقتل صبراً يوم فتح مكة وهو الذي تعلق بأستار الكعبة فلم يعفُ عنه، فنفت الآية زعمهم نفياً عاماً، أي: ما جعل الله لأي رجل من الناس قلبين لا لجميل بن معمر ولا لابن خطل، فوقوع ﴿ رجل ﴾ وهو نكرة في سياق النفي يقتضي العموم، ووقوع فعل ﴿ جعل ﴾ في سياق النفي يقتضي العموم لأن الفعل في سياق النفي مثل النكرة في سياق النفي.

ودخول ﴿ مِن ﴾ على ﴿ قلبين ﴾ للتنصيص على عموم قلبين في جوف رجل فدلت هذه العمومات الثلاثة على انتفاء كل فرد من أفراد الجعل لكل فرد مما يطلق عليه أنه قلبان، عن كل رجل من الناس، فدخل في العموم جميل بن معمر وغيره بحيث لا يدعى ذلك لأحد أيّاً كان.

ولفظ ﴿ رجل ﴾ لا مفهوم له لأنه أُريد به الإنسان بناء على ما تعارفوه في مخاطباتهم من نوط الأحكام والأوصاف الإنسانية بالرجال جرياً على الغالب في الكلام ما عدا الأوصاف الخاصة بالنساء يعلم أيضاً أنه لا يدعى لامرأة أن لها قلبين بحكم فحوى الخطاب أو لحن الخطاب.

والجعل المنفي هنا هو الجعل الجبلي، أي: ما خَلَق الله رجلاً بقلبين في جوفه وقد جعل إبطال هذا الزعم تمهيداً لإبطال ما تواضعوا عليه من جعْل أحدٍ ابناً لمن ليس هو بابنه، ومِن جَعْل امرأة أمّاً لمن هي ليست أمه بطريقة قياس التمثيل، أي أن هؤلاء الذين يختلقون ما ليس في الخلقة لا يتورعُون عن اختلاق ما هو من ذلك القبيل من الأبوة والأمومة، وتفريعهم كل اختلاقهم جميع آثار الاختلاق، فإن البنوة والأمومة صفتان من أحوال الخلقة وليستا مما يتواضع الناس عليه بالتعاقد مثل الولاء والحلف.

فأما قوله تعالى ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [الأحزاب: 6] فهو على معنى التشبيه في أحكام البرور وحرمة التزويج؛ ألا ترى ما جاء في الحديث: " أن رسول الله لما خطب عائشة من أبي بكر قال له أبو بكر: يا رسول الله إنما أنا أخوك، فقال رسول الله: أنت أخي وهي لي حلال " أي أن الأخوة لا تتجاوز حالة المشابهة في النصيحة وحسن المعاشرة ولا تترتب عليها آثار الأخوة الجبلية لأن تلك آثار مرجعها إلى الخلقة فذلك معنى قوله «أنت أخي وهي لي حلال».

والجوف: باطن الإنسان صدره وبطنه وهو مقر الأعضاء الرئيسية عدا الدماغ.

وفائدة ذكر هذا الظرف زيادة تصوير المدلول عليه بالقلب وتجليه للسامع فإذا سمع ذلك كان أسرع إلى الاقتناع بإنكار احتواء الجوف على قلبين، وذلك مثل قوله: ﴿ ولكن تعمى القُلوبُ التي في الصُّدور ﴾ [الحج: 46] ونحوه من القيود المعلومة؛ وإنما يكون التصريح بها تذكيراً بما هو معلوم وتجديداً لتصوره، ومنه قوله تعالى: ﴿ وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ وقد تقدم في سورة الأنعام (38).

﴿ وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُم ﴾ عطف إبطال ثان لبعض مزاعمهم وهو ما كان في الجاهلية أن الرجل إذا أراد فراق زوجه فراقاً لا رجعة فيه بحال يقول لها: «أنتِ عليّ كظهر أمي» هذه صيغته المعروفة عندهم، فهي موجبة طلاق المرأة وحرمة تزوجها من بعد لأنها صارت أُمّاً له، وليس المقصود هنا تشريع إبطال آثار التحريم به لأن ذلك أُبطل في سورة المجادلة وهي مما نزل قبل نزول سورة الأحزاب كما سيأتي؛ ولكن المقصود أن يكون تمهيداً لتشريع إبطال التبني تنظيراً بين هذه الأوهام إلاّ أن هذا التمهيد الثاني أقرب إلى المقصود لأنه من الأحكام التشريعية.

و {اللاَّء: اسم موصول لجماعة النساء فهو اسم جمع (التي)، لأنه على غير قياس صِيغ الجمع، وفيه لغات: اللاّءِ مكسور الهمزة أبداً بوزن الباببِ، واللاّئي بوزن الداعي، والاَّءِ بوزن باب داخلة عليه لام التعريف بدون ياء.

وقرأ قالون عن نافع وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر اللاءِ } بهمزة مكسورة غير مشبعة وهو لغة.

وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ﴿ واللائِي ﴾ بياء بعد الهمزة بوزن الدّاعي، وقرأه أبو عمرو والبزّي عن ابن كثير ويعقوب و ﴿ اللاّيْ ﴾ بياء ساكنة بعد الألف بدلاً عن الهمزة وهو بدل سماعي، قيل: وهي لغة قريش.

وقرأ ورش بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء مع المد والقصر.

وروي ذلك عن أبي عمرو والبَزّي أيضاً.

وذِكر الظهر في قولهم: أنت عليّ كظهر أمي، تخييل للتشبيه المضمر في النفس على طريقة الاستعارة المكنية إذ شبه زوجه حين يغشاها بالدابة حين يركبها راكبها، وذكر الظهر تخييلاً كما ذُكر أظفار المنية في بيت أبي ذؤيب الهذلي المعروف، وسيأتي بيانه في أول تفسير سورة المجادلة.

وقولهم: أنت عليَّ، فيه مضافٌ محذوف دل عليه ما في المخاطبة من معنى الزوجية والتقدير: غَشَيَانُك، وكلمة «عليّ» تؤذن بمعنى التحريم، أي: أنت حرام عليّ، فصارت الجملة بما لحقها من الحذف علامة على معنى التحريم الأبدي.

ويعدى إلى اسم المرأة المراد تحريمها بحرف (مِن) الابتدائية لتضمينه معنى الانفصال منها.

فلما قال الله تعالى ﴿ اللائي تُظّهّرون منهن ﴾ علم الناس أنه يعني قولهم: أنت عليّ كظهر أمي.

والمراد بالجعل المنفي في قوله ﴿ وما جعل أزواجكم اللائي تُظاهرون منهن أمهاتكم ﴾ الجعل الخَلْقي أيضاً كالذي في قوله: ﴿ إن أمهاتُهم إلا اللاّءِ ولدْنهم ﴾ [المجادلة: 2] وقد بسط الله ذلك في سورة المجادلة وبه نعلم أن سورة المجادلة هي التي ورد فيها إبطال الظهار وأحكام كفارته فنعلم أن آية سورة الأحزاب وردت بعد تقرير إبطال الظهار فيكون ذكره فيها تمهيداً لإبطال التبنّي بشبه أنّ كليهما ترتيب آثار ترتيباً مصنوعاً باليد غير مبني على جعل إلهي.

وهذا يوقننا بأن سورة الأحزاب نزلت بعد سورة المجادلة خلافاً لما درَج عليه ابن الضريس وابن الحصار وما أسنده محمد بن الحارث بن أبيض عن جابر بن زيد مما هو مذكور في نوع المكي والمدني في نوع أول ما أنزل من كتاب «الإتقان».

وقال السيوطي: في هذا الترتيب نظر.

وسنذكر ذلك في تفسير سورة المجادلة إن شاء الله.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ تَظَّهَّرون ﴾ بفتح التاء وتشديد الظاء مفتوحة دون ألف وتشديد الهاء مفتوحة.

وقرأ حفص عن عاصم ﴿ تُظَاهِرون ﴾ بضم التاء وفتح الظاء مخففة وألف وهاء مكسورة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف: ﴿ تَظَاهرون ﴾ بفتح التاء وفتح الظاء مخففة بعدها ألف وفتح الهاء.

﴿ وَمَا جَعَلَ أدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُم ﴾ هذا هو المقصود الذي وُطِّئ بالآيتين قبله، ولذلك أسهب الكلام بعده بتفاصيل التشريع فيه.

وعطفت هاته الجملة على اللتين قبلها لاشتراك ثلاثتها في أنها نفت مزاعم لا حقائق لها.

والقول في المراد من قوله: ﴿ ما جَعَل ﴾ كالقول في نظيره من قوله ﴿ وما جَعَل أزواجكم اللاّءِ تظهرون منهن أمهاتكم ﴾ .

والمعنى: أنكم تنسبون الأدعياء أبناءً فتقولون للدعيّ: هو ابن فلان، للذي تبناه، وتجعلون له جميع ما للأبناء.

والأدعياء: جمع دَعِيّ بوزن فَعيل بمعنى مفعول مشتقاً من مادة الادّعاء، والادّعاء: زعم الزاعم الشيء حقاً له من مال أو نسب أو نحو ذلك بصدق أو كذب، وغلب وصف الدعيّ على المدّعي أنه ابن لمن يُتحقق أنه ليس أباً له؛ فمن ادعى أنه ابن لمن يحتمل أنه أب له فذلك هو اللحيق أو المستلْحق، فالدعي لم يجعله الله ابناً لمن ادّعاه للعِلم بأنه ليس أباً له، وأما المستلحَق فقد جعله الله ابناً لمن استلحقه بحكم استلحاقه مع إمكان أبوته له.

وجُمع على أفْعِلاء لأنه معتل اللام فلا يجمع على فَعْلَى، والأصح أن أفْعِلاَء يطّرد في جمْع فعيل المعتل اللام سواء كان بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول.

نزلت هذه الآية في إبطال التبني، أي: إبطال ترتيب آثار البنوة الحقيقية من الإرث، وتحريم القرابة، وتحريم الصهر، وكانوا في الجاهلية يجعلون للمتبنَّى أحكام البنوة كلها، وكان من أشهر المتبنَيْنَ في عهد الجاهلية زيدُ بن حارثة تبناه النبي صلى الله عليه وسلم وعامر بن ربيعة تبناه الخطاب أبو عُمر بن الخطاب، وسالم تبناه أبو حذيفة، والمقدادُ بن عمرو تبناه الأسودُ بن عبد يغوث، فكان كل واحد من هؤلاء الأربعة يدعى ابناً للذي تبنّاه.

وزيد بن حارثة الذي نزلت الآيةُ في شأنه كان غريباً من بني كَلْب من وبَرة، من أهل الشام، وكان أبوه حارثة توفي وترك ابنيه جبلة وزيداً فبقيا في حجر جدهما، ثم جاء عماهما فطلبا من الجدّ كفالتهما فأعطاهما جبلة وبَقي زيد عنده فأغارت على الحي خيل من تهامة فأصابت زيداً فأخذ جدّه يبحث عن مصيره، وقال أبياتاً منها: بكيت على زيد ولم أدر ما فعلْ *** أحيٌّ فيرجى أم أتى دونه الأجل وأنه علم أن زيداً بمكة وأن الذين سَبوه باعوه بمكة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة بنت خُويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم فوهبته خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم فأقام عنده زمناً ثم جاء جده وعمه يرغبان في فدائه فأبى الفداء واختار البقاء على الرق عند النبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ أشهد النبي قريشاً أن زيداً ابنه يرث أحدهما الآخر فرضي أبوه وعمه وانصرفا فأصبح يُدعَى: زيد بن محمد، وذلك قبل البعثة.

وقتل زيد في غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة.

﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بأفواهكم والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيل ﴾ استئناف اعتراضي بين التمهيد والمقصود من التشريع وهو فذلكة كما تقدم من الجمل الثلاث التي نفت جعلهم ما ليس بواقع واقعاً، ولذلك فصلت الجملة لأنها تتنزل منزلة البيان بالتحصيل لما قبلها.

والإشارة إلى مذكور ضمناً من الكلام المتقدم، وهو ما نفي أن يكون الله جعله من وجود قلبين لرجل، ومن كون الزوجة المظاهَر منها أُمّاً لمن ظاهر منها، ومن كون الأدعياء أبناء للذين تبنوهم.

وإذ قد كانت تلك المنفيات الثلاثة ناشئة عن أقوال قالوها صح الإخبار عن الأمور المشار إليها بأنها أقوال باعتبار أن المراد أنها أقوال فحسب ليس لمدلولاتها حقائق خارجية تطابقها كما تطابق النِسَب الكلامية الصادقة النِسبَ الخارجية، وإلاّ فلاَ جدوى في الإخبار عن تلك المقالات بأنها قول بالأفواه.

ولإفادة هذا المعنى قيّد بقوله ﴿ بأفواهكم ﴾ فإنه من المعلوم أن القول إنما هو بالأفواه فكان ذكر ﴿ بأفواهكم ﴾ مع العلم به مشيراً إلى أنه قول لا تتجاوز دلالته الأفواه إلى الواقع ونفس الأمر فليس له من أنواع الوجود إلا الوجودُ في اللسان والوجودُ في الأذهان دون الوجود في العيان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100] أي: لا تتجاوز ذلك الحد، أي: لا يتحقق مضمونها في الخارج وهو الإرجاع إلى الدنيا في قول الكافر: ﴿ رب ارجعون لَعَلِّيَ أعملُ صالحاً فيما تركت ﴾ [المؤمنون: 99 100]، فعلم من تقييده ﴿ بأفواهكم ﴾ أنه قول كاذب لا يطابق الواقع وزاده تصريحاً بقوله ﴿ والله يقول الحق ﴾ فأومأ إلى أن قولهم ذلك قول كاذب.

ولهذا عطفت عليه جملة ﴿ والله يقول الحق ﴾ لأنه داخل في الفذلكة لما تقدم من قوله ﴿ ما جعل الله ﴾ الخ.

فمعنى كونها أقوالاً: أن ناساً يقولون: جميل له قلبان، وناساً يقولون لأزواجهم: أنت كظهر أمي، وناساً يقولون للدعي: فلان ابن فلان، يريدون مَن تبناه.

وانتصب ﴿ الحقَ ﴾ على أنه صفة لمصدر محذوف مفعول به ل ﴿ يقول.

﴾ تقديره: الكلام الحق، لأن فعل القول لا ينصب إلا الجمل أو ما هو في معنى الجملة نحو ﴿ إنها كلمةٌ هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100]، فالهاء المضاف إليها (قائل) عائدة إلى ﴿ كلمة ﴾ وهي مفعول أضيف إليها.

وفي الإخبار عن اسم الجلالة وضميره بالمسندَيْن الفعليَيْن إفادة قصر القلب، أي: هو يقول الحق لا الذين وضعوا لكم تلك المزاعم، وهو يهدي السبيل لا الذين أضلوا الناس بالأوهام.

ولما كان الفعلان متعديين استفيد من قصرهما قصرُ معموليهما بالقرينة، ثم لما كان قول الله في المواضع الثلاثة هو الحق والسبيل كان كناية عن كون ضده باطلاً ومجهلة.

فالمعنى: وهم لا يقولون الحق ولا يهدون السبيل.

و {السبيل: الطريق السابلة الواضحة، أي: الواضح أنها مطروقة فهي مأمونة الإبلاغ إلى غاية السائر فيها.

وإذا تقرر أن تلك المزاعم الثلاثة لا تعدو أن تكون ألفاظاً ساذجة لا تحقق لمدلولاتها في الخارج اقتضى ذلك انتفاء الأمرين اللذين جعلا توطئة وتمهيداً للمقصود وانتفاء الأمر الثالث المقصود وهو التبني، فاشترك التمهيد والمقصود في انتفاء الحقية، وهو أتم في التسوية بين المقصود والتمهيد.

وهذا كله زيادة تحريض على تلقي أمر الله بالقبول والامتثال ونبذ ما خالفه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ  قامَ يَوْمًا يُصَلِّي فَخَطَرَ خَطْرَةً فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ تَكْذِيبًا لَهُمْ;» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ويَكُونُ مَعْناهُ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن جَسَدَيْنِ.

الثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ قالَ: إنَّ في جَوْفِي قَلْبَيْنِ أعْقِلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ وكَذَبَ فَنَزَلَتْ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن عَقْلَيْنِ.

الثّالِثُ: أنَّ جَمِيلَ بْنَ مَعْمَرٍ ويُكَنّى أبا مَعْمَرٍ مِن بَنِي جُمَحٍ كانَ أحْفَظَ النّاسِ لِما يَسْمَعُ وكانَ ذا فَهْمٍ ودَهاءٍ فَقالَتْ قُرَيْشٌ ما يَحْفَظُ جَمِيلٌ ما يَحْفَظُ بِقَلْبٍ واحِدٍ إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وهُزِمُوا أفْلَتَ وفي يَدَيْهِ إحْدى نَعْلَيْهِ والأُخْرى في رِجْلَيْهِ فَلَقِيَهُ أبُو سُفْيانَ بِشاطِئِ البَحْرِ فاسْتَخْبَرَهُ فَأخْبَرَهُ أنَّ قُرَيْشًا قُتِلُوا وسَمّى مَن قُتِلَ مِن أشْرافِهِمْ، قالَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ فَما بالُ نَعْلَيْكَ إحْداهُما في يَدِكَ والأُخْرى في رَجُلِكَ؟

قالَ: ما كُنْتُ أظُنُّها إلّا في رِجْلَيَّ فَظَهَرَ لَهم حالَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن فَهْمَيْنِ.

الرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا كانَ يَقُولُ إنَّ لِي نَفْسَيْنِ نَفْسًا تَأْمُرُنِي ونَفْسًا تَنْهانِي فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن نَفْسَيْنِ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ حِينَ تَبَنّاهُ النَّبِيُّ  بَعْدَ أنْ أعْتَقَهُ فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ التَّبَنِّي مُنِعَ مِنِ ادِّعائِهِ ولَدًا ونَزَلَ فِيهِ ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ يَقُولُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ، كَذَلِكَ لا يَكُونُ لِزَيْدٍ أبَوانِ حارِثَةُ ومُحَمَّدٌ  ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

وَفِيهِ إثْباتٌ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنْ أبَوَيْنِ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ.

السّادِسُ: مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكُونُ لِرَجُلٍ قَلْبٌ مُؤْمِنٌ مَعَنا وقَلْبٌ كافِرٌ عَلَيْنا لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ والكُفْرُ في قَلْبٍ واحِدٍ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن دِينَيْنِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهَذا ظِهارٌ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ بِهِ الزَّوْجاتِ ويَجْعَلُونَهُنَّ في التَّحْرِيمِ كالأُمَّهاتِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ بِذَلِكَ أنْ تَصِيرَ مُحَرَّمَةً كالأُمِّ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأُمٍّ وأوْجَبَ عَلَيْهِ بِالظِّهارِ مِنها إذا صارَ فِيهِ عامِدًا كَفّارَةً ذَكَرَها في سُورَةِ المُجادِلَةِ ومَنَعَهُ مِن إصابَتِها حَتّى يُكَفِّرَ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ مِن هَذا الكِتابِ.

﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ أدْعِياءَ النَّبِيِّ.

قالَ مُجاهِدٌ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ ذَلِيلًا فَيَأْتِي ذا القُوَّةِ والشَّرَفِ فَيَقُولُ: أنا ابْنُكَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَإذا قَبِلَهُ واتَّخَذَهُ ابْنًا أصْبَحَ أعَزَّ أهْلِهِ وكانَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مِنهم قَدْ تَبَنّاهُ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى ما كانَ يَصْنَعُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُلْحِقُوهم بِآبائِهِمْ فَقالَ: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ في الإسْلامِ.

﴿ ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ ﴾ أنَّ امْرَأتَهُ بِالظِّهارِ أُمُّهُ وأنَّ دَعِيَّهُ بِالتَّبَنِّي ابْنُهُ ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ في أنَّ الزَّوْجَةَ لا تَصِيرُ في الظِّهارِ أُمًّا والدَّعِيَّ لا يَصِيرُ بِالتَّبَنِّي ابْنًا.

﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ يَعْنِي في إلْحاقِ النَّسَبِ بِالأبِ، وفي الزَّوْجَةِ أنَّها لا تَصِيرُ كالأُمِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ يَعْنِي التَّبَنِّيَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ما كُنّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ فَدَعاهُ النَّبِيُّ  إلى حارِثَةَ وعَرِفَ كُلٌّ نَسَبَهُ فَأقَرُّوا بِهِ وأثْبَتُوا نَسَبَهُ.

﴿ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ قَوْلًا وحُكْمًا.

﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فانْسُبُوهم إلى أسْماءِ إخْوانِكم ومُوالِيكم مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ وعَبْدِ العَزِيزِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: قُولُوا أخُونا فُلانٌ ووَلِيُّنا فُلانٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ قالَ: جَلَسَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ فَتَفاخَرُوا بِالآباءِ فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ حَتّى انْتَهَوْا إلى سَلْمانَ فَقالَ أنا سَلْمانُ ابْنُ الإسْلامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَقالَ: صَدَقَ سَلْمانُ وأنا عُمَرُ بْنُ الإسْلامِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ﴾ .

الثّالِثُ: إنَّهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهم أبٌ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ كانُوا إخْوانًا إنْ كانُوا أحْرارًا، ومَوالِيَ إنْ كانُوا عُتَقاءَ كَما فَعَلَ المُسْلِمُونَ فِيمَن عَرَفُوا نَسَبَهُ وفِيمَن لَمْ يَعْرِفُوهُ فَإنَّ المِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو كانَ يُقالُ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، فَرَجَعَ إلى أبِيهِ وسُفْيانُ بْنُ مَعْمَرٍ كانَتْ أُمُّهُ امْرَأةَ مَعْمَرٍ في الجاهِلِيَّةِ فادَّعاهُ ابْنًا ثُمَّ أسْلَمَ سُفْيانُ وشَهِدَ بَدْرًا فَنُسِبَ إلى أبِيهِ ونَسَبِهِ في بَنِي زُرَيْقٍ مِنَ الأنْصارِ.

وَمِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أبٌ سالِمٌ، مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ونُسِبَ إلى ولاءِ أبِي حُذَيْفَةَ.

﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما أخْطَأْتُمْ قَبْلَ النَّهْيِ وما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم بَعْدَ النَّهْيِ في هَذا وغَيْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما أخْطَأْتُمْ بِهِ ما سَهَوْتُمْ عَنْهُ، وما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم ما قَصَدْتُمُوهُ عَنْ عَمْدٍ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.

الثّالِثُ: ما أخْطَأْتُمْ بِهِ أنْ تَدْعُوهُ إلى غَيْرِ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أيْ غَفُورًا عَمّا كانَ في الشِّرْكِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في الإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين؟

قلباً معكم، وقلباً معهم.

فأنزل الله: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا: كان رجل يدعى ذا القلبين، فأنزل الله: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رجل من قريش يسمى من دهائه ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذا القلبين.

كان يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إن رجلاً من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين، اعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فنزلت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمح، يقال له: جميل بن معمر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها، فخطرت منه كلمة، فسمعها المنافقون، فأكثروا فقالوا: إن له قلبين.

ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة؟

إن له قلباً معكم، وقلباً مع أصحابه، فنزلت ﴿ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ﴾ إلى قوله: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري في قوله: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثلاً يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان الرجل يقول لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي.

فقال الله: ﴿ وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ﴾ وكان يقال: زيد بن محمد.

فقال الله: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ﴾ أي ما جعلها أمك، وإذا ظاهر الرجل من امرأته فإن الله لم يجعلها أمه، ولكن جعل فيها الكفارة ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ يقول: ما جعل دعيك ابنك.

يقول: إن ادعى رجل رجلاً فليس بابنه.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة» .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ قال: نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ قال (١) (٢) (٣) هذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٤) وقال في رواية أبي طيبان: إن المنافقين قالوا: [إن] (٥) (٦) وقال الزهري: هذا مثل ضربه الله في شأن زيد بن حارثة تبناه النبي -  - يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان، فكذلك لا يكون رجل واحد ابن رجلين (٧) وقال مقاتل بن حيان: هذا مثل ضربه الله للمظاهر أي: فكما لا يكون لواحد قلبان كذلك لا يكون المرأة المظاهرة أمه (٨) (٩) والقول الأول عليه أهل التفسير (١٠) ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ ﴾ قال أبو علي الفارسي: وزنه فاعل مثل شائي ونائي، والقياس إثبات الياء [فيه] (١١) (١٢) (١٣) (١٤) من اللائي لم يحججن يبغين حسنة ...

ولكن ليقتلن البريء المغفلا وقد قرأ الفراء بالأوجه الثلاثة (١٥) قوله تعالى: ﴿ تُظَاهِرُونَ ﴾ أي: تتظهرون على وزن تتفعلون فأدغم التاء في الظاء.

وقرأ عاصم: تظاهرون من المظاهرة، وقرأ حمزة: تظاهرون أراد تتظاهرون فحذف تاء تتفاعلون، وأدغم ابن عامر هذه التاء التي حذفها حمزة، فقرأ بفتح التاء وتشديد الظاء كل هذا لغات (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ الأدعياء جمع الدعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه، ويدعيه غير أبيه، ومصدره: الدعوة يقال: دعِيٌّ بيَّنُ الدعوة أي: ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا (١٨) قال المفسرون: نزلت في زيد بن حارثة تبناه رسول الله -  - كالعادة التي كانت في العرب في الجاهلية، فلما تزوج زينب بنت جحش -وكانت امرأة زيد- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية إبطالًا لما قالوا وتكذيبًا لهم أنه ابنه.

وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم (١٩) ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للذين ينسبون الدعي إلى من تبناه كقولهم: زيد بن محمد، يقول الله: هذا قول تقولونه بألسنتكم ولا حقيقة وراءه، فهو قول بالفم من غير إسناد إلى أصل (٢٠) (٢١) ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ﴾ يعني: قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ أي: لا يجعل غير الابن ابنا.

﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ قال ابن عباس: يرشده إلى سبيله (٢٢) (٢٣) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢) "معاني القرآن" 2/ 4780.

(٣) هو: أبو معمر جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، شهد حرب الفجار مع والده، أسلم عام الفتح مسنا وكان يلقب ذا القلبين؛ لأنهم كانوا يقولون: له قلبان في جوفه من شدة حفظه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ وشهد مع الرسول -  - حنيناً.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 237، "الإصابة" 1/ 245، "أسد الغابة" 1/ 295 (٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 182 ب، "تفسير الطبري"، وأورده السيوطي في، "الدر" وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة، ولابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس، ولابن أبي حاتم عن السدي.

وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 350.

(٥) زيادة لا يستقيم المعى بدونها وهي موافقة لما في "سنن الترمذي".

(٦) رواه الترمذي في "سننه" كتاب: التفسير، سورة الأحزاب 5/ 27، وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب 2/ 415، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 182 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 36.

(٨) هكذا في النسخ!

وهو خطأ، والصواب: لا تكون امرأة المظاهر أمه.

(٩) ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 506، وعزاه للزهري ومقاتل.

وذكره الماوردي في "تفسيره" 4/ 377.

وعزاه لمقاتل بن حيان.

وذكره "الثعلبي" 3/ 182 ب، وعزاه للزهري ومقاتل.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 11/ 119، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 318، "تفسير الماوردي" 4/ 370.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).

(١٢) "الحجة" 5/ 466.

(١٣) في (ب): (ينشد).

(١٤) البيت من الطويل، وهو لعائشة بنت طلحة في: "العقد الفريد" 7/ 102، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 14/ 346، 15/ 38، "الأغاني" 17/ 121، "الأزهية" ص 306.

(١٥) "معاني القرآن" 2/ 334.

(١٦) انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 534، "الحجة" 5/ 467، "الحجة في القراءات السبع" ص 288.

(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 214.

(١٨) انظر: "الصحاح" 6/ 2336، "تهذيب اللغة" 3/ 19، "اللسان" 14/ 257.

(١٩) انظر: "الثعلبي" 3/ 183 ب، "الطبري" 21/ 119، "زاد المسير" 6/ 351، "الدر المنثور" 6/ 562 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.

(٢٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب، "بحر العلوم" 3/ 37.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 214.

(٢٢) لم أقف عليه.

(٢٣) "تفسير مقاتل" 87 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ قال ابن عباس: كان في قريش رجل يقال له ذو القلبين لشدّة فهمه، فنزلت الآية نفياً لذلك وقيل: إنما جاء هذا اللفظ توطئة لما بعده من النفي، أي كما لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه، كذلك لم يجعل أزواجكم أمهاتكم ولا أدعياءكم أبناءكم ﴿ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ ﴾ أي تقولون للزوجة: أنت عليّ كظهر أمي، وكانت العرب تطلق هذا اللفظ بمعنى التحريم، ويأتي حكمه في سورة المجادلة، وإنما تعدى هذا الفعل بمن لأنه يتضمن معنى يتباعدون منهنّ ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ الأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يدعى ولد فلان وليس بولده، وسببها أمر زيد بن حارثة: وذلك أنه كان فتى من قبيلة كلب، فسباه بعض العرب وباعه من خديجة، فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فتبناه؛ فكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزلت هذه الآية ﴿ ذلكم قَوْلُكُم ﴾ الإشارة إلى نسبة الدعي إلى غير أبيه، أو إلى كل ما تقدم من المنفيات، وقوله: ﴿ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ تأكيد لبطلان القول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.

بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.

الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.

﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.

الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.

التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.

قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟

قلت: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.

أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.

وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.

ومن تشريفات الرسول  أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم  ﴾ ﴿ يا موسى  ﴾ ﴿ يا عيسى  ﴾ ﴿ يا داود  ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله  ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله  ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل  ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد  ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة  ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.

يروى أنه  لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.

وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.

أي اتق الله في نقض العهد.

﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.

﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه  في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه  لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.

وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.

فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.

والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور  ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.

ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.

كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.

وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.

وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.

وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.

والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".

واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله  فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله  هذه الآية.

وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم  ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.

وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.

وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.

وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.

وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.

ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.

ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.

ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.

ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي  بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.

وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله  "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.

ومن كمال عناية الله  بأمة محمد  أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.

ولذلك صار المؤمنون أخوة.

قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.

وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".

وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.

ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.

والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.

قال أهل النظم: كأنه  قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله  كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.

ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.

ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.

وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا  لأفضليته.

وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك  ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.

وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.

قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.

وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً  ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال  "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.

وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي  : حلالها حساب وحرامها عقاب.

فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.

ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.

قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.

وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.

ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.

وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.

وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.

وحين سمع رسول الله  بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.

ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.

ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.

ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.

والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.

ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.

فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.

﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي  وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله  بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله  ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.

ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله  بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.

والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.

ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.

قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.

عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله  ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.

وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.

وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.

ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.

عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.

ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.

قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.

اي ومعتقلاً رمحاً.

أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.

والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول  وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم  ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.

وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.

وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.

وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.

﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.

قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.

ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.

ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.

ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.

التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان  متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي  فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.

وبعد النبي  سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.

والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.

أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .

يقول بعض أهل التأويل كذلك: إنها نزلت في رجل يقال [له]: أبو معمر، وكان من أحفظ الناس وأوعاهم؛ فقالوا: إن له قلبين: قلب يسمع، وقلب يحفظ ويعي؛ فنزل: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .

ويقول بعضهم كذلك: إنها نزلت في أبي معمر، وكان يسمى: ذا قلبين؛ لحفظه الحديث، حتى إذا كان يومُ بدر، وهُزم المشركون - وفيهم أبو معمر - يلقاه أبو سفيان بن حرب، وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله؛ فقال: يا أبا معمر، ما فعل الناس؟

قال: انهزموا، فقال: ما بال نعلك في يدك والأخرى في رجلك؟

فقال: ما شعرت إلا أنهما جميعاً في رجلي؛ فعرفوا يومئذ أنْ لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده.

ونحوه قد قيل، ولكن لا ندري ما سبب نزول هذا.

وروي عن ابن عباس: أنه سئل عن هذه الآية؟

فقال: كان نبي الله  يصلي يوماً، فخطر خطرة - أي: وقع في قلبه - فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم؛ فأنزلت هذه الآية.

وهذا يشبه أن يكون سبب نزول الآية، أو أن يكون نزولها في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يصلون مع النبي والمؤمنين، ويرون الموافقة لهم من أنفسهم، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ثم يرجعون إلى أولئك فيقولون: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ونحوه؛ فذكر هذا: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ ، أي: دينين في جوفه: الإيمان والنفاق، أو ﴿ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : قلبا لهذا، وقلبا للآخر.

أو نزلت في المشركين الذين يقرون بالوحدانية لله، وأنّه هو الخالق؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، ويعبدون الأصنام مع هذا؛ فيقول - والله أعلم -: لم يجعل لرجل قلبين في جوفه: قلباً للشرك، وقلباً للإيمان والتوحيد؛ ولكن جعل قلباً واحداً لأحد هذين، أي: قلباً لقبول الشرك، وقلبا لقبول الإيمان.

وبعضهم يقول: هو على التمثيل، أي: كما لم يجعل لرجل واحد قلبين؛ فكذلك لا يكون المظاهر من امرأته: لا تكون امرأته أمه في الحرمة، ولا يكون دعيّ الرجل ابنه، يقول: نزلت في النبي وزيد بن حارثة، كان النبي تبناه، [و]كانوا يسمونه زيد بن محمد، فجاء النهي عن ذلك؛ فقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل.

وبعضهم يقول: تأويل قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .

أي: لم يجعل للرجل نسبين ينسب إليهما.

وأصله عندنا: أن قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : ما ذكرنا، ولم يجعل أزواجكم اللائي تستمتعون بهن بالتشبيه بالأمهات كالأمهات، أي: لم يحل لكم ذلك ولم يبح ولم يشرع.

﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لم يجعل سبب ذلك ولم يشرع، وإن كان قد يكون في النسب الفاسد، نحو الجارية بين اثنين إذا ولدت فادعياه جميعاً، ونحو النكاح الفاسد، والملك الفاسد، لم يجعل كذا، أي: لم يحل ولم يشرع؛؛ كقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ  ﴾ ، أي: لم يشرع ولم يحل ذلك، وإن كان يكون لو فعلوا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ ، أي: لم يشرع ذلك السبب، ولم يحل ذلك في الإسلام ما كان في الجاهلية، لا أنه لا يكون ذلك فيما لم يشرع في الفاسد من السبب، على ما ذكرنا: أن النسب ثبت في النكاح الفاسد، وإن لم يشرع.

والحسن يقول في قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ قال: كان الرجل يقول: إن نفسا تأمرني بكذا ونفسا تأمرني بكذا؛ فنزل ذلك.

والحكمة فيما لم يجعل لواحد قلبين، وجعل له سمعين وبصرين؛ لأن الإدراك بالسمع والبصر إنما يكون بالمشاهدة، فيخرج ذلك مخرج معاونة بعضهم بعضاً، وما يدرك بالقلب إنما يدرك بالاجتهاد، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء، فيناقض أحدهما صاحبه؛ إذ يجوز أن يرى أحدهما خلاف ما يراه الآخر، وأما السمعان والبصران لا يكون كذلك.

وقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : جائز أن يكون سبب ذلك ما ذكر من ادعاء مسيلمة الكذاب الرسالة لنفسه وتواطؤ أصحابه على ذلك، يقول - والله أعلم -: ما جعل الله أن يرسل رجلين رسولا إلى خلقه مختلفي الدينين متضادّي الشرائع، يدعو كل واحد إلى دين غير الآخر، وإلى شريعة يضادّ بعضها بعضاً: محمدا رسول الله  ، ومسيلمة الكذاب.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على النهي الذي ذكرنا، أي: لا تشبهوا أزواجكم بظهور الأمهات، ولا تحرموهن على أنفسكم كحرمة الأمهات؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً  ﴾ .

والثاني: أن لم يجعل الله لكم أزواجكم حراماً أبداً كالأمهات، وإن جعلتم أنتم؛ ولكن جعلهن لكم بحيث تصلون إليهن بالاستمتاع على ما تصلون إليهن وتستمتعون بهن، بعد هذا القول؛ يذكر هذا على المنة والنعمة؛ ليتأدى به شكره؛ لما أبقى لهم الاستمتاع بهن بعد هذا، ولم يجعلهن لهم كالأمهات، على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، أي: ما جعل أدعياءكم أبناءكم في الحقوق إلى الآباء، وهو ما ذكر في بعض القصة: أنه إذا ادعى الرجل منهم ورثة منهم مع أولاده - وهو شيء كانوا يفعلونه في الجاهلية - دعي إليه ونسب، يقول - والله أعلم -: ما جعل ما كنتم تدعون الأبناء في الجاهلية للعون والنصرة أبناءكم في الإسلام فيما جعلوا.

والثانى: ما جعل أدعياءكم في حق النسبة، كما ذكر أنهم يقولون لزيد بن حارثة: زيد بن محمد.

﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ : إنما هو قول تقولونه بألسنتكم فيما بينكم.

﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ : إنهم ليسوا بأبنائكم.

أو أن قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ ، تأويله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : أعدل عند الله، أي: انسبوهم إليهم إن علمتموهم.

﴿ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: فانسبوهم إلى أبيهم من أسماء مواليكم أو إخوانكم أو ابن عمكم، مثل عبد الله وعبيد الله، وعبد الرحمن، وأشباه ذلك الأسماء وأسماء مواليكم.

أو أن يقول: قوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: سموهم: إخوانا، وذلك أعظم في القلوب وآخَذُ من التسمية بالآباء والنسبة إليهم؛ وذلك أن الحاجة إلى معرفة الآباء والنسبة إليهم إنما تكون عند الكتابة والشهادة وعند الغيبة، فأما عند الحضرة فلا.

وقوله: ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: نزل هذا في شأن زيد بن حارثة، وهو كان مولى رسول الله، وكانوا يسمونه: زيد بن محمد؛ فنهوا عن ذلك، فيقول: فإن لم تعلموا آباءهم فانسبوهم إلى مواليهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ من الولاية، كقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ليس عليكم جناح بالنسبة إلى غير الآباء إذا كنتم مخطئين غير عارفين للآباء؛ إنما الجناح والحرج عليكم إذا كنتم عامدين لذلك عارفين لهم آباء؛ كأنه أباح التبني والتآخي فيما بينهم، ولم يبح النسبة إلى غير الآباء وإيجاب الحقوق فيما بينهم.

وكذلك روي في بعض الخبر أن النبي  كان يؤاخي بين الرجلين، وإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فكان الزبير أخا عبد الله بن مسعود، فمكثوا بذلك ما شاء الله أن يمكثوا، حتى نزلت الآية.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ ، يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيه، وأنت ترى أنه كذلك.

﴿ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .

يقول: لا تدعوه لغير أبيه متعمداً، فأما الخطأ فإن الله يقول: لا يؤاخذكم به، ولكن ما أردتم به العمد، وهو مثل الأول.

وذكر أن عمر -  - سمع رجلا يقول: اللهم اغفر لي خَطَايَ؛ فقال له عمر: "استغفر الله العمد؛ فأمّا الخطأ فقد تجوز لك عنه"، وكان يقول: "ما أخاف عليكم الخطأ؛ ولكن أخاف عليكم العمد، وما أخاف عليكم العائلة؛ ولكن أخاف عليكم التكاثر، وما أخاف علكيم أن تزدروا أعمالكم؛ ولكن أخاف عليكم أن تستكثروها".

وذكر أن ثلاثاً لا يُمْلك عليها ابن آدم: الخطأ والنسيان والاستكراه، وكذلك روي عن ابن مسعود -  - أنه قال ذلك.

وقال بعضهم: الخطأ - هاهنا - هو ما جرى على اللسان من غير قصد، والعمد ما يجري على قصد، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

لما فعلوا.

وقوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: النبي أولى بهم من بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ إذ لا أحد يقتل نفسه، ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض، ليس أنه يسلم الرجل على نفسه؛ ولكن ما ذكرنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: بعضهم من بعض.

ثم يحتمل هو أولى بهم من أنفسهم من الطاعة له والاحترام له والتعظيم، أي: هو أولى أن يعظم ويحترم ويطاع من غيره.

أو أن يكون أولى بهم في الرحمة والشفقة لهم، أي: أرحم بهم وأشفق من أنفسهم، وهو على ما وصفه من الرحمة والرأفة؛ حيث قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وليس أحد من الناس يعز عليه ما يفعله من المآثم.

أو أن يجوز أولى بهم:، أي: أحبّ إليهم من أنفسهم وأولادهم، محبة الاختيار والإيثار، ليس محبّة الميل: ميل القلب؛ لأن ميل القلب يكون بالطبع.

وذكر في الخبر أن نبيّ الله  قال: "ليس بمؤمن حتى أكون أنا أحبّ إليه من نفسه وولده وأهله" أو كلام نحو هذا.

أو أن يكون ﴿ أَوْلَىٰ بِهِمَا  ﴾ في الآخرة بالشفاعة لهم، يشفع فينجون من النار به لا بأعمالهم، والله أعلم.

وذكر في بعض الحروف: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ : وهو حرف أبي وابن مسعود وابن عباس،  م.

قوله: ﴿ وهو أب لهم ﴾ في الرحمة والشفقة، أو فيما يلزم من الطاعة والتعظيم والاحترام ونحوه.

وقوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ : في الحرمة؛ أي: لا يحل لهم أن يتزوجوهن أبداً كالأمهات، ولكن يجب أن يكون ذلك بعد وفاته، فأمّا في حياته إذا طلقهن فيجب أن يحللن لغيره؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 28]، ولو لم يحللن لغيره، لم يكن لما ذكر لهن من التمتيع والتسريح معنى، وهذه الحرمة يجب أن تكون بعد الموت، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ : إنما شرط هذا بعده؛ ليكن أزواجه في الآخرة.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ ، أي: حرمة أزواجه من بعده ومنزلتهن كمنزلة أمهاتهم؛ يستوجبن ذلك لحرمة رسول الله ومنزلته قبلهم.

وأما الباطنية فإنهم يقولون: في قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ دلالة أنه ليس يريد به أزواج النبي؛ ألا ترى أنه يحل للناس نكاح أولادهن، ولو كن أمهات لم تحل؛ لأنهم يصيرون إخوة وأخوات؛ فإذا حلّ ذلك دل أنه ما ذكرنا، هذا قولهم.

لكن الجواب لذلك ما ذكرنا: أنه جائز أن سمّاهن: أمهات، أي: منزلتهن وحرمتهن كمنزلة الأمهات؛ لحرمة رسول الله ومنزلته؛ وذلك جائز لأنه ذكر الشهداء أحياء عنده، وإن كانوا في الحقيقة موتى؛ لفضل الكرامة لهم والمنزلة عند الله، فعلى ذلك ذِكرُ الأمهات لأزواجه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : في حكم الله؛ كقوله: ﴿ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أي: حكم الله عليكم.

وقال بعضهم: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : فيما أنزل من الكتاب، وهو الذي ذكر، وكذلك: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر: المكتوب عليهم: الذي ذكر على أثره.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ : قال بعضهم: إن المواريث في بدء الأمر لم تكن تجري إلا فيما بين المؤمنين المهاجرين من القرابات والأرحام، فإن كان مؤمناً لم يهاجر لم يرث ابنه ولا أباه ولا أخاه المهاجر ولا سائر قراباته إذا مات أحدهما، إلا أن يكونا مؤمنين مهاجرين؛ فعند ذلك يتوارثون؛ فعلى ذلك التأويل يكون تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ ﴾ : الذين لم يهاجروا من المؤمنين أن تُوصوا لهم شيئاً، فيقول قائل هذا التأويل: إن هذا نسخ بالآية التي ذكر في سورة الأنفال، وهو قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 75]، ولم يذكر فيها الهجرة إذا كانوا مسلمين.

وأمّا الكافر فإنه لا يرث المسلم، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ، وقال: "لا يتوارث أهل ملتين" وقال بعضهم: تأويل قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ من الأقربين منهم، أي: أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين الأقرب فالأقرب منهم، ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ من الأبعدين في المواريث أي: الأقرب منهم بعضهم أولى ببعض من الأبعدين.

﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ .

على هذا التأويل يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ ﴾ : الأبعدين ﴿ مَّعْرُوفاً ﴾ : وصية أو شيئاً، فذلك معروف فصارت المواريث للقرابات الأدنى فالأدنى من المؤمنين دون الأبعدين؛ فيكون الآية التي في الأنفال وهذه سواء على هذا التأويل، بل يكون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى أولى بالمواريث من غيرهم.

وبعضهم يقول: إن الآية نزلت ناسخة لما كان منهم من التوارث بالمؤاخاة؛ لأن النبي كان يؤاخي بين رجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته، حتى نسخ ذلك بالآية التي ذكر؛ فعلى ذلك يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ هو أن يصنعوا إلى الذين آخى بينهم النبي معروفاً.

ثم اختلف في أولي الأرحام المذكورين في الآية: قال بعضهم: هم الذين ذكرهم في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر.

وقال بعضهم: ليسوا هم؛ وإنما الذي ذكر في ذلك هم الذين بيّن لهم حدّ مواريثهم، فأمّا غيرهم فإنما هم في قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ فإنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، وكذلك يقول أبو حنيفة - رحمه الله -: إن أولي الأرحام إنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، ليس كالعصبات؛ لأن الابنة لا شك أنها أقرب من ابن العم، ثم يكون النصف للابنة والبقية لابن العم.

وقوله: ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ .

قال بعضهم: في اللوح المحفوظ بأن المؤمنين بعضهم أولى ببعض في المواريث من الذين كانوا يتوارثون.

وقال بعضهم: ﴿ فِي ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: في التوراة مكتوباً: أن يصنع بنو إسرائيل إلى بني لؤي بن يعقوب معروفاً؛ ليعود الغني على الفقير، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كما لم يجعل الله قلبين في صدر رجل واحد وكذلك لم يجعل الزوجات بمنزلة الأمهات في التحريم، ولم يجعل كذلك الأبناء بالتبنِّي بمنزلة الأبناء من الصُّلب، فإن الظِّهار -وهو تحريم الرجل زوجته عليه- وكذلك التبنِّي: من العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، ذلك الظهار والتبنِّي، قول ترددونه بأفواهكم، ولا حقيقة له، فليست الزوجة أمًّا، ولا الدَّعِيُّ ابنًا لمن ادعاه، والله سبحانه يقول الحق ليعمل به عباده وهو يرشد إلى طريق الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.91398"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله