الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 135 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) : هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب ، وهم الأدعياء ، فأمر [ الله ] تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة ، وأن هذا هو العدل والقسط .
قال البخاري ، رحمه الله : حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، حدثنا موسى بن عقبة قال : حدثني سالم عن عبد الله بن عمر ; أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد ، حتى نزل القرآن : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) .
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي ، من طرق ، عن موسى بن عقبة به .
وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه ، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك; ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة : يا رسول الله ، كنا ندعو سالما ابنا ، وإن الله قد أنزل ما أنزل ، وإنه كان يدخل علي ، وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أرضعيه تحرمي عليه " الحديث .
ولهذا لما نسخ هذا الحكم ، أباح تعالى زوجة الدعي ، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة ، وقال : ( لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ) [ الأحزاب : 37 ] ، وقال في آية التحريم : ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) [ النساء : 23 ] ، احترازا عن زوجة الدعي ، فإنه ليس من الصلب ، فأما الابن من الرضاعة ، فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا ، بقوله عليه السلام في الصحيحين : " حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب " .
فأما دعوة الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب ، فليس مما نهي عنه في هذه الآية ، بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي ، من حديث سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن الحسن العرني ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع ، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول : " أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " .
قال أبو عبيد وغيره : " أبيني " تصغير بني .
وهذا ظاهر الدلالة ، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر ، وقوله : ( ادعوهم لآبائهم ) في شأن زيد بن حارثة ، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان ، وأيضا ففي صحيح مسلم ، من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن الجعد أبي عثمان البصري ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بني " .
ورواه أبو داود والترمذي .
وقوله : ( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) : أمر [ الله ] تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم ، إن عرفوا ، فإن لم يعرفوا آباءهم ، فهم إخوانهم في الدين ومواليهم ، أي : عوضا عما فاتهم من النسب .
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء ، وتبعتهم ابنة حمزة تنادي : يا عم ، يا عم .
فأخذها علي وقال لفاطمة : دونك ابنة عمك فاحتمليها .
فاختصم فيها علي ، وزيد ، وجعفر في أيهم يكفلها ، فكل أدلى بحجة ; فقال علي : أنا أحق بها وهي ابنة عمي - وقال زيد : ابنة أخي .
وقال جعفر بن أبي طالب : ابنة عمي ، وخالتها تحتي - يعني أسماء بنت عميس .
فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها ، وقال : " الخالة بمنزلة الأم " .
وقال لعلي : " أنت مني ، وأنا منك " .
وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " .
وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " .
ففي هذا الحديث أحكام كثيرة من أحسنها : أنه ، عليه الصلاة والسلام حكم بالحق ، وأرضى كلا من المتنازعين ، وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " ، كما قال تعالى : ( فإخوانكم في الدين ومواليكم ) .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : قال أبو بكرة : قال الله ، عز وجل : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) ، فأنا ممن لا يعرف أبوه ، وأنا من إخوانكم في الدين .
قال أبي : والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه .
وقد جاء في الحديث : " من ادعى لغير أبيه ، وهو يعلمه ، كفر .
وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد ، في التبري من النسب المعلوم ; ولهذا قال : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) .
ثم قال : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) أي : إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع; فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه ، كما أرشد إليه في قوله آمرا عباده أن يقولوا : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) [ البقرة : 286 ] .
وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله : قد فعلت " .
وفي صحيح البخاري ، عن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب ، فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ ، فله أجر " .
وفي الحديث الآخر : " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما يكرهون عليه " .
وقال هاهنا : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ) أي : وإنما الإثم على من تعمد الباطل كما قال تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) .
وفي الحديث المتقدم : " من ادعى إلى غير أبيه ، وهو يعلمه ، إلا كفر " .
وفي القرآن المنسوخ : " فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم " .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، عن عمر أنه قال : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل معه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجمنا بعده .
ثم قال : قد كنا نقرأ : " ولا ترغبوا عن آبائكم [ فإنه كفر بكم - أو : إن كفرا بكم - أن ترغبوا عن آبائكم ] ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني [ كما أطري ] عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبده ورسوله " .
وربما قال معمر : " كما أطرت النصارى ابن مريم " .
ورواه في الحديث الآخر : " ثلاث في الناس كفر : الطعن في النسب ، والنياحة على الميت ، والاستسقاء بالنجوم " .
القول في تأويل قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) يقول الله تعالى ذكره: انسبوا أدعياءكم الذين ألحقتم أنسابهم بكم لآبائهم، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألحق نسب زيد بأبيه حارثة، ولا تدعه زيد بن محمد.
وقوله: (هُوَ أقْسَطُ عِنْدِ اللَّه) يقول: دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم ونسبنكموهم إلى من تبنَّاهم وادّعاهم وليسوا له بنين.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ادْعُوهُمْ لآبائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدِ اللَّهِ) : أي أعدل عند الله، وقوله: (فإنْ لَمْ تَعْلمُوا آباءَهُمْ فَإخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) يقول تعالى ذكره: فإن أنتم أيها الناس لم تعلموا آباء أدعيائكم من هم فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم، فتلحقوهم بهم، (فإخوانكم في الدين) يقول: فهم إخوانكم في الدين، إن كانوا من أهل ملَّتكم، ومواليكم إن كانوا محرّريكم وليسوا ببنيكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (ادْعُوهُم لآبائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) : أي أعدل عند الله (فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ) فإن لم تعلموا من أبوه فإنما هو أخوك ومولاك.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عُيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال أبو بكرة: قال الله: ( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) فأنا ممن لا يُعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين، قال: قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمَّارًا لانتمى إليه.
وقوله: (وَلَيْسَ عَليْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطأْتُمْ بِهِ) يقول: ولا حرج عليكم ولا وزر في خطأ يكون منكم في نسبة بعض من تنسبونه إلى أبيه، وأنتم ترونه ابن من ينسبونه إليه، وهو ابن لغيره (وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) يقول: ولكن الإثم والحرج عليكم في نسبتكموه إلى غير أبيه، وأنتم تعلمونه ابن غير من تنسبونه إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطأْتُمْ بِهِ) يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيه، وأنت ترى أنه كذلك (وَلَكِنْ ما تَعمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) يقول الله: لا تدعه لغير أبيه متعمدا.
أما الخطأ فلا يؤاخذكم الله به (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) قال: فالعمد ما أتى بعد البيان والنهي في هذا وغيره، و " ما " التي في قوله: (وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) خفض ردّا على " ما " التي في قوله: (فِيما أخْطأْتُمْ بِهِ) وذلك أن معنى الكلام: ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن فيما تعمدت قلوبكم.
وقوله: (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيما) يقول الله تعالى ذكره: وكان الله ذا ستر على ذنب من ظاهر زوجته فقال الباطل والزور من القول، وذمّ من ادّعى ولد غيره ابنا له، إذا تابا وراجعا أمر الله، وانتهيا عن قيل الباطل بعد أن نهاهما ربهما عنه، ذا رحمة بهما أن يعاقبهما على ذلك بعد توبتهما من خطيئتهما.
قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما .فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم نزلت في زيد بن حارثة ، على ما تقدم بيانه .
وفي قول ابن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد ، دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام ، يتوارث به ويتناصر ، إلى أن نسخ الله ذلك بقوله .
ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله أي أعدل .
فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه ، وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا ; فيقال : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه ، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه ، وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان .
وقال النحاس : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني ، وهو من نسخ السنة بالقرآن ; فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف ، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي ; يعني في الدين ، قال الله تعالى : إنما المؤمنون إخوة .الثانية : لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة ; لقوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس ; قاله قتادة .
ولا يجري هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه نسب التبني ، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود ; فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به .
فلما نزلت الآية قال المقداد : أنا ابن [ ص: 113 ] عمرو ; ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه .
ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ذلك عليه وإن كان متعمدا .
وكذلك سالم مولى أبي حذيفة ، كان يدعى لأبي حذيفة .
وغير هؤلاء ممن تبني وانتسب لغير أبيه وشهر بذلك وغلب عليه .
وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة ; فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد ، فإن قاله أحد متعمدا عصى لقوله تعالى : ولكن ما تعمدت قلوبكم أي فعليكم الجناح .
والله أعلم .
ولذلك قال بعده : وكان الله غفورا رحيما أي غفورا للعمد ورحيما برفع إثم الخطأ .الثالثة : وقد قيل : إن قول الله تبارك وتعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم مجمل ; أي وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم ، وكانت فتيا عطاء وكثير من العلماء .
على هذا إذا حلف رجل ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه ، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زيوفا أنه لا شيء عليه .
وكذلك عنده إذا حلف ألا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث ; لأنه لم يتعمد ذلك .
و ( ما ) في موضع خفض ردا على ( ما ) التي مع أخطأتم .
ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ ; والتقدير : ولكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم .
قال قتادة وغيره : من نسب رجلا إلى غير أبيه ، وهو يرى أنه أبوه خطأ ، فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح .
وقيل : هو أن يقول له في المخاطبة : يا بني ; على غير تبن .الرابعة : الأدعياء جمع الدعي ، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه ، أو يدعي غير أبيه والمصدر الدعوة بالكسر فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب ، فمن جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مولى وأخا في الدين .
وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية وقال : أنا ممن لا يعرف أبوه ، فأنا أخوكم في الدين ومولاكم .
قال الراوي عنه : ولو علم - والله - أن أباه حمار لانتمى إليه ، ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن الحارث .الخامسة : روي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة كلاهما قال سمعته أذناي ووعاه قلبي محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام .
وفي حديث أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر .
ثم صرح لهم بترك الحالة الأولى، المتضمنة للقول الباطل فقال: { ادْعُوهُمْ } أي: الأدعياء { لِآبَائِهِمْ } الذين ولدوهم { هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } أي: أعدل، وأقوم، وأهدى.{ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ } الحقيقيين { فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } أي: إخوتكم في دين اللّه، ومواليكم في ذلك، فادعوهم بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى من تبناهم حتم، لا يجوز فعلها.وأما دعاؤهم لآبائهم، فإن علموا، دعوا إليهم، وإن لم يعلموا، اقتصر على ما يعلم منهم، وهو أخوة [الدين] والموالاة، فلا تظنوا أن حالة عدم علمكم بآبائهم، عذر في دعوتهم إلى من تبناهم، لأن المحذور لا يزول بذلك.{ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } بأن سبق على لسان أحدكم، دعوته إلى من تبناه، فهذا غير مؤاخذ به، أو علم أبوه ظاهرًا، فدعوتموه إليه وهو في الباطن، غير أبيه، فليس عليكم في ذلك حرج، إذا كان خطأ، { وَلَكِنْ } يؤاخذكم { بِمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } من الكلام، بما لا يجوز.
{ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } غفر لكم ورحمكم، حيث لم يعاقبكم بما سلف، وسمح لكم بما أخطأتم به، ورحمكم حيث بيَّن لكم أحكامه التي تصلح دينكم ودنياكم، فله الحمد تعالى.
( ادعوهم لآبائهم ) الذين ولدوهم ( هو أقسط ) أعدل ( عند الله ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا معلى بن أسد ، أخبرنا عبد العزيز بن المختار ، أخبرنا موسى بن عقبة ، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن .
( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم ) أي : فهم إخوانكم ( في الدين ومواليكم ) إن كانوا محررين وليسوا ببنيكم ، أي : سموهم بأسماء إخوانكم في الدين .
وقيل : " مواليكم " أي : أولياءكم في الدين ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه ( ولكن ما تعمدت قلوبكم ) من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي .
وقال قتادة : " فيما أخطأتم به " أن تدعوه لغير أبيه ، وهو يظن أنه كذلك .
ومحل " ما " في قوله تعالى : " ما تعمدت " خفض ردا على " ما " التي في قوله " فيما أخطأتم به " مجازه : ولكن فيما تعمدت قلوبكم .
( وكان الله غفورا رحيما ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن بشار ، أخبرنا غندر ، أخبرنا شعبة عن عاصم ، قال : سمعت أبا عثمان قال : سمعت سعدا ، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ، وأبا بكرة وكان قد تسور حصن الطائف في أناس ، فجاءا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالا سمعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام " .
لكن «ادعوهم لآبائهم هو أقسطُ» أعدل «عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم» بنو عمكم «وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به» في ذلك «ولكن» في «ما تعمدت قلوبكم» فيه أي بعد النهي «وكان الله غفورا» لما كان من قولكم قبل النهي «رحيما» بكم في ذلك.
انسبوا أدعياءكم لآبائهم، هو أعدل وأقوم عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم الحقيقيين فادعوهم إذًا بأخوَّة الدين التي تجمعكم بهم، فإنهم إخوانكم في الدين ومواليكم فيه، وليس عليكم إثم فيما وقعتم فيه من خطأ لم تتعمدوه، وإنما يؤاخذكم الله إذا تعمدتم ذلك.
وكان الله غفورًا لمن أخطأ، رحيمًا لمن تاب من ذنبه.
ثم أرشدت إلى الطريق السليمة فى معاملة الابن المتبنى فقال : ( ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله ) أى انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم ، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند الله - تعالى - .قال الآلوسى : أخرج الشيخان " عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد .
حتى نزل القرآن : ( ادعوهم لآبَآئِهِمْ ) فقال صلى الله عليه وسلم " أنت زيد بن حارثة بن شراحيل " " .وكان زيد قد أسر فى بعض الحروب ، ثم بيع فى مكة ، واشتراه حكيم بن حزام ، ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة ، ثم أهدته خديجة - رضى الله عنها - إلى النبى صلى الله عليه وسلم وصار الناس يقولون : زيد بن محمد حتى نزلت الآية .وقوله - سبحانه - : ( فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين وَمَوَالِيكُمْ ) إرشاد إلى معاملة هؤلاء الأدعياء فى حالة عدم معرفة آبائهم .أى : انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آباءهم الحقيقيين لكى تنسبوهم إليهم ، فهؤلاء الأدعياء هم إخوانكم فى الدين والعقيدة ، وهو مواليكم ، فقولوا لهم ، يا أخى أو يا مولاى ، واتركوا نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين .وفى الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل فى العلاقات الجنسية ، ومن اضطراب فى الأنساب ، وقد عالج الإِسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة ، المبنية على الطهر ، والعفاف ، ووضع الأمور فى مواضعها السليمة .ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج فى تشريعاته فقال : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .أى : انسبوا - أيها المسلمون - الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، فإن لم تعرفوا آباءهم فخاطبوهم ونادوهم بلفظ : يا أخى أو يا مولاى .
ومع كل ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم نجعل عليكم جناحا أو إثما ، فيما وقتمت فيه من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء والأدعياء إلى غير آبائهم ، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم .و ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء عن عباده .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين : حرص شريعة الإِسلام على إعطاء كل ذى حق حقه ، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذى كان يجعل المرأة محرمة على الرجل ، ثم تبقى بعد ذلك معلقة ، ولا هى مطلقة ففتزوج غير زوجها ، ولا هى زوجة فتحل له فشرع الإِسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة ، وحرصا على كرامتها .ومن مظاهر ذلك - أيضا - : إبطال عادة التبنى ، حتى ينتسب الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على الأسس الحقيقية والواقعية .ولقد حذر الإِسلام من دعوة الإِبن إلى غير أبيه تحذيرا شديدا .
ونفر من ذلك .قال القرطبى : جاء فى الحديث الصحيح " عن سعد بن أبى وقاص وأبى بكرة ، كلاهما قال : سَمعته أذناى ووعاه قلبى ، محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالاجنة عليه حرام " وفى حديث أبى ذر أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر " .
قوله تعالى: ﴿ ادعوهم لاِبَائِهِمْ ﴾ أرشد وقال: ﴿ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله ﴾ أي أعدل فإنه وضع الشيء في موضعه وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي أعدل كل كلام كقول القائل الله أكبر وثانيهما: أن يكون ما تقدم منوياً كأنه قال ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد وقال: ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ يعني قولوا لهم إخواننا وأخو فلان فإن كانوا محررين فقولوا مولى فلان، ثم قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ يعني قول القائل لغيره يا بني بطريق الشفقة، وقول القائل لغيره يا أبي بطريق التعظيم، فإنه مثل الخطأ ألا ترى أن اللغو في اليمين مثل الخطأ وسبق اللسان فكذلك سبق اللسان في قول القائل ابني والسهو في قوله ابني من غير قصد إلى إثبات النسب سواء، وقوله: ﴿ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ مبتدأ خبره محذوف يدل عليه ما سبق وهو الجناح يعني ما تعمدت قلوبكم فيه جناح ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ يغفر الذنوب ويرحم المذنب وقد ذكرنا كلاماً شافياً في المغفرة والرحمة في مواضع، ونعيد بعضها هاهنا فنقول المغفرة هو أن يسترد القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته حتى أن العبد إذا ستر عيب سيده مخافة عقابه لا يقال إنه غفر له، والرحمة هو أن يميل إليه بالإحسان لعجز المرحوم إليه لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه، وكذا من أحسن إلى غيره رجاء في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال رحمه، إذا علم هذا فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلساً عاجزاً فرحمه وأعطاه ما كفاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه ولم يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
<div class="verse-tafsir"
ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في أمرأه، ولا بنوّة ودعوة في رجل.
والمعنى: أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين، لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً.
عالماً ظاناً.
موقناً شاكاً في حالة واحدة- لم ير أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أُمًّا لرجل زوجاً له؛ لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة وهما حالتان متنافيتان، وأن يكون الرجل الواحد دعياً لرجل وابنا له: لأنّ البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة: إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيراً.
وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون.
فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه.
وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ [الأحزاب: 40] وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له: ذو القلبين، وقيل: هو جميل بن أسد الفهري.
وكان يقول: إن لي قلبين.
أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروي أنه انهزم يوم بدر، فمرّ بأبي سفيان وهو معلق أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله.
فقال له: ما فعل الناس؟
فقال: هم ما بين مقتول وهارب.
فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟
فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجليّ، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه مثلاً في الظهار والتنبي.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان فأكذبهم الله.
وقيل: سها في صلاته، فقالت اليهود: له قلبان: قلب مع أصحابه، وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت في أن الواحد يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني.
والتنكير في رجل، وإدخال من الاستغراقية على قلبين تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال: ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة في جوفه.
فإن قلت: أي فائدة في ذكر الجوف؟
قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله: ﴿ القلوب التى فِي الصدور ﴾ [الحج: 46] وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر والتجلي للمدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفاً يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار.
وقرئ: ﴿ اللايئ ﴾ ، بياء وهمزة مكسورتين، و ﴿ اللائي ﴾ بياء ساكنة بعد الهمزة: وتظاهرون: من ظاهر.
وتظاهرون.
من اظاهر، بمعنى تظاهر.
وتظهرون: من اظهر، بمعنى تظهر.
وتظهرون: من ظهر، بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد.
وتظهرون: من ظهر، بلفظ فعل من الظهور.
ومعنى ظاهر من امرأته: قال لها: أنت عليّ كظهر أمي.
ونحوه في العبارة عن اللفظ: لبى المحرم، إذا قال لبيك.
وأفف الرجل: إذا قال: أُف وأخوات لهنّ.
فإن قلت: فما وجه تعديته وأخواته بمن؟
قلت: كان الظهار طلاقاً عند أهل الجاهلية.
فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها: تحرز منها.
وظاهر منها: حاذر منها، وظهر منها: وحش منها.
وظهر منها: خلص منها.
ونظيره: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدّي بمن، وإلا فآلى في أصله الذي هو بمعنى: حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه.
فإن قلت: ما معنى قولهم: أنت عليّ كظهر أمي؟
قلت: أرادوا أن يقولوا: أنت عليّ حرام كبطن أمي.
فكنوا عن البطن بالظهر؛ لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن.
ومنه حديث عمر رضي الله عنه: يجيء به أحدهم على عمود بطنه: أراد على ظهره.
ووجه آخر: وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرّماً عندهم محظوراً.
وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمّه فلم يترك.
فإن قلت: الدعيّ فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يُدعى ولداً فما له جمع على افعلاء، وبابه: ما كان منه بمعنى فاعل، كتقى وأتقياء، وشقيّ وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى.
قلت: إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه اللفظي ﴿ ذلكم ﴾ النسب هو ﴿ قَوْلُكُم بأفواهكم ﴾ هذا ابني لا غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقاً.
والله عز وجل لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدي إلا سبيل الحق.
ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله: ﴿ ادعوهم لأبَائِهِمْ ﴾ وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وفي فصل هذه الجمل ووصلها: من الحسن والفصاحة مالا يغني على عالم بطرق النظم.
وقرأ قتادة: ﴿ وهو الذي يهدي السبيل ﴾ .
وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه: ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان ﴿ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ﴾ لهم آباء تنسبونهم إليهم ﴿ ف ﴾ هم ﴿ فإخوانكم فِي الدين ﴾ وأولياؤكم في الدين فقولوا: هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي: يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه ﴿ مَّا تَعَمَّدَتْ ﴾ في محل الجرّ عطفاً على ما أخطأتم.
ويجوز أن يكون مرتفعاً على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح.
والمعنى: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي.
أو لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بنيّ على سبيل الخطإ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطإ دون العمد على طريق العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أخشَى عليكُم الخطأَ ولكنْ أخشَى عليْكُم العمدَ» وقوله عليه الصلاة والسلام: «وُضع عن أمّتي الخطأُ والنسيانْ وما أكرهُوا عليه» ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده.
فإن قلت: فإذا وجد التبني فما حكمه؟
قلت: إذا كان المتبني مجهول النسب وأصغر سناً من المتبنى ثبت نسبه منه، وإن كان عبداً له عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه لا يعتق.
وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وإن كان عبداً عتق ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ انْسِبُوهم إلَيْهِمْ، وهو إفْرادٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أقْوالِهِ الحَقَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ ( ادْعُوهم ) و ( أقْسَطُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ ومَعْناهُ البالِغُ في الصِّدْقِ.
﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ ﴾ فَتَنْسِبُوهم إلَيْهِمْ.
﴿ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ﴾ أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ.
﴿ وَمَوالِيكُمْ ﴾ وأوْلِياؤُكم فِيهِ فَقُولُوا هَذا أخِي ومَوْلايَ بِهَذا التَّأْوِيلِ.
﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ ولا إثْمَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ بَعْدَهُ عَلى النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ.
﴿ وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم أوْ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّبَنِّيَ لا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنا وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يُوجِبُ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ ويُثْبِتُ النَّسَبَ لِمَجْهُولِهِ الَّذِي يُمْكِنُ إلْحاقُهُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{ادعوهم لآبائهم هو أقسط} أعدل {عند الله} وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل وقيل كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه ولد الرجل ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه وكان ينسب إليه فيقال فلان ابن فلان ثم انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث وصل الجملة الطلبية فصل الخبرية عنها ووصل بيها ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها ثم فصل بالطلبية {فإن لّم تعلموا آباءهم} فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم {فإخوانكم في الدّين ومواليكم} أي فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم فى الدين فقالوا هذا أخى وهذا مولاى ويا أخى ويامولاى يريد الأخوة في الدين والولاية فيه {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي {ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتموه بعد النهي أولا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وسبق اللسان ولكن إذا قلتموه متعمدين وما في موضع الجر عطف على ما الأولى ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ دون العمد على سبيل العموم ثم
الأحزاب (٧ - ٦)
تناول لعمومه خطأ التبني وعمده وإذا وجد التبني فإن كان المتبني مجهول النسب وأصغر سنامنه ثبت نسبه منه وعتق إن كان عبداً له وان كان أكبر سنامنه لم يثبت النسب وعتق عند أبي حنيفة رضى الله عنه وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وعتق إن كان عبداً {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} لا يؤاخذكم بالخطأ ويقبل التوبة من المتعمد
﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ أيِ انْسُبُوهم إلَيْهِمْ وخُصُّوهم بِهِمْ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ إلَخْ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ».
وكانَ مِن أمْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ كانَ في أخْوالِهِ بَنِي مَعْنٍ مِن بَنِي ثَعْلٍ مِن طَيٍّ، فَأُصِيبَ في نَهْبٍ مِن طَيٍّ، فَقُدِمَ بِهِ سُوقُ عُكاظَ، وانْطَلَقَ حَكِيمِ بْنِ حِزامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ إلى عُكاظَ يَتَسَوَّقُ بِها فَأوْصَتْهُ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ أنْ يَبْتاعَ لَها غُلامًا ظَرِيفًا عَرَبِيًّا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قَدِمَ وجَدَ زَيْدًا يُباعُ فِيها، فَأعْجَبَهُ ظُرْفُهُ فابْتاعَهُ فَقَدِمَ بِهِ عَلَيْها، وقالَ لَها: إنِّي قَدِ ابْتَعْتُ لَكِ غُلامًا ظَرِيفًا عَرَبِيًّا، فَإنْ أعْجَبَكِ فَخُذِيهِ وإلّا فَدَعِيهِ، فَإنَّهُ قَدْ أعْجَبَنِي، فَلَمّا رَأتْهُ خَدِيجَةُ أعْجَبَها، فَأخَذَتْهُ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عِنْدَها، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظُرْفُهُ، فاسْتَوْهَبَهُ مِنها، فَقالَتْ: أهَبُهُ لَكَ، فَإنْ أرَدْتَ عِتْقَهُ فالوَلاءُ لِي، فَأبى عَلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأوْهَبَتْهُ لَهُ إنْ شاءَ أعْتَقَ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ، قالَ: فَشَبَّ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ في إبِلٍ لِأبِي طالِبٍ بِأرْضِ الشّامِ فَمَرَّ بِأرْضِ قَوْمِهِ فَعَرَفَهُ عَمُّهُ، فَقامَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن أنْتَ يا غُلامُ؟
قالَ: غُلامٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَ: مِن أنْفُسِهِمْ؟
قالَ: لا، قالَ: فَحُرٌّ أنْتَ أمْ مَمْلُوكٌ؟
قالَ: بَلْ مَمْلُوكٌ، قالَ: لِمَن؟
قالَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ لَهُ: أعَرابِيٌّ أنْتَ أمْ عَجَمِيٌّ؟
قالَ: عَرَبِيٌّ، قالَ: مِمَّنْ أصْلُكَ؟
قالَ: مِن كَلْبٍ، قالَ: مِن أيِّ كَلْبٍ؟
قالَ: مِن بَنِي عَبْدِ وُدٍّ، قالَ: ويْحُكَ ابْنُ مَن أنْتَ؟
قالَ: ابْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ، قالَ: وأيْنَ أُصِبْتَ؟
قالَ: في أخْوالِي، قالَ: ومَن أخْوالُكَ؟
قالَ طَيٌّ، قالَ: ما اسْمُ أُمِّكَ؟
قالَ: سُعْدى، فالتَزَمَهُ وقالَ: ابْنُ حارِثَةَ ودَعا أباهُ، فَقالَ: يا حارِثَةُ هَذا ابْنُكَ، فَأتاهُ حارِثَةُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ عَرَفَهُ، قالَ: كَيْفَ صَنَعَ مَوْلاكَ إلَيْكَ؟
قالَ: يُؤْثِرُنِي عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَرَكِبَ مَعَهُ أبُوهُ، وعَمُّهُ، وأخُوهُ حَتّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَقُوا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ حارِثَةُ: يا مُحَمَّدُ، أنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى، وجِيرانُهُ، وعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ العانِيَ وتُطْعِمُونَ الأسِيرَ، ابْنِي عِنْدَكَ فامْنُنْ عَلَيْنا، وأحْسِنْ إلَيْنا في فِدائِهِ، فَإنَّكَ ابْنُ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وإنّا سَنَرْفَعُ إلَيْكَ في الفِداءِ ما أحْبَبْتَ، فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : أُعْطِيكم خَيْرًا مِن ذَلِكَ، قالُوا: وما هُوَ؟
قالَ: أُخَيِّرُهُ، فَإنِ اخْتارَكم فَخُذُوهُ بِغَيْرِ فِداءٍ، وإنِ اخْتارَنِي فَكُفُّوا عَنْهُ، فَقالَ: جَزاكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، فَقَدْ أحْسَنْتَ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: يا زَيْدُ، أتَعْرِفُ هَؤُلاءِ؟
قالَ: نَعَمْ، هَذا أبِي وعَمِّي وأخِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَهم مَن قَدْ عَرَفْتَهُمْ، فَإنِ اخْتَرْتَهُمْ، فاذْهَبْ مَعَهُمْ، وإنِ اخْتَرْتَنِي فَأنا مَن تَعْلَمُ، قالَ لَهُ زَيْدٌ: ما أنا بِمُخْتارٍ عَلَيْكَ أحَدًا أبَدًا، أنْتَ مَعِي بِمَكانِ الوالِدِ والعَمِّ، قالَ أبُوهُ وعَمُّهُ: أيا زَيْدُ، أتَخْتارُ العُبُودِيَّةَ؟
قالَ: ما أنا بِمُفارِقٍ هَذا الرَّجُلَ، فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِرْصَهُ عَلَيْهِ قالَ: اشْهَدُوا أنَّهُ حُرٌّ، وأنَّهُ ابْنِي يَرِثُنِي وأرِثُهُ.
فَطابَتْ نَفْسُ أبِيهِ وعَمِّهِ لَمّا رَأوْا مِن كَرامَتِهِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يَزَلْ في الجاهِلِيَّةِ يُدْعى زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ فَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ،» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ أباهُ سَمِعَ أنَّهُ بِمَكَّةَ فَأتاهُ هو وعَمُّهُ وأخُوهُ، فَكانَ ما كانَ، ﴿ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ ادْعُوا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ ، ( وأقْسَطُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ، والمُرادُ بِهِ البالِغُ في الصِّدْقِ، فانْدَفَعَ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي ذِكْرَ الصِّدْقِ لا العَدْلِ، أيْ دُعاؤُكم إيّاهم لِآبائِهِمْ بالِغٌ في العَدْلِ والصِّدْقِ، وزائِدٌ فِيهِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ عَلى ما هو الشّائِعُ فِيهِ، والمَعْنى أعْدَلُ مِمّا قالُوهُ، ويَكُونُ جَعْلُهُ ذا عَدْلٍ مَعَ أنَّهُ زُورٌ لا عَدْلَ فِيهِ أصْلًا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ أيْ تَعْرِفُوا ﴿ آباءَهُمْ ﴾ فَتَنْسُبُوهم إلَيْهِمْ، ﴿ فَإخْوانُكُمْ ﴾ أيْ فَهم إخْوانُكم ﴿ فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ ﴾ أيْ وأوْلِياؤُكم فِيهِ، فادْعُوهم بِالأُخُوَّةِ والمَوْلَوِيَّةِ بِتَأْوِيلِهِما بِالأُخُوَّةِ والوَلايَةِ في الدِّينِ، وبِهَذا المَعْنى قِيلَ لِسالِمٍ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ: مَوْلى حُذَيْفَةَ، وكانَ قَدْ تَبَنّاهُ قَبْلُ، وقِيلَ: ( مَوالِيكم ) أيْ بَنُو أعْمامِكُمْ، وقِيلَ: مُعْتِقُوكُمْ، ومُحَرِّرُوكُمْ، وكَأنَّ دُعاءَهم بِذَلِكَ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ، ولِذا لَمْ يُؤْمَرْ بِدُعائِهِمْ بِأسْمائِهِمْ فَقَطْ.
﴿ ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ أيْ إثْمٌ ﴿ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ جاهِلِينَ قَبْلَ النَّهْيِ، ﴿ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أيْ ولَكِنَّ الجُناحَ والإثْمَ فِيما تَعَمَّدْتُمُوهُ بَعْدَ النَّهْيِ عَلى أنَّ (ما) في مَحَلِّ الجَرِّ عَطْفًا عَلى ما مِن ﴿ فِيما أخْطَأْتُمْ ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْطُوفَ المَجْرُورَ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، ولِذا قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ما مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ ذَلِكَ، ولا أخِيهِ: إنَّهُ حُذِفَ المُضافُ مِن جِهَةِ المَعْطُوفِ، وأُبْقِيَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى إعْرابِهِ، والأصْلُ: ولا مِثْلُ أخِيهِ، لِيَكُونَ العَطْفُ عَلى المَرْفُوعِ.
وأُجِيبَ بِالفَرْقِ بَيْنَ (ما) هُنا، والمِثالِ، وأنْ لا فَصْلَ فِيهِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ هو المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ أعْنِي ما تَعَمَّدَتْ عَلى مِثْلِهِ أعْنِي ما أخْطَأْتُمْ، أوْ ولَكِنْ ما تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ الجُناحَ عَلى أنَّ (ما) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ، ونِسْبَةُ التَّعَمُّدِ إلى القُلُوبِ عَلى حَدِّ النِّسْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ ، وكَوْنُ المُرادِ في الأوَّلِ قَبْلَ النَّهْيِ، وفي الثّانِي بَعْدَهُ أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: كِلا الأمْرَيْنِ بَعْدَ النَّهْيِ، والخَطَأُ مُقابِلُ العَمْدِ، والمَعْنى لا إثْمَ عَلَيْكم إذا قُلْتُمْ لِوَلَدِ غَيْرِكم يا بُنَيَّ عَلى سَبِيلِ الخَطَإ، وعَدَمِ التَّعَمُّدِ، كَأنْ سَهَوْتُمْ، أوْ سَبَقَ لِسانُكُمْ، ولَكِنَّ الإثْمَ عَلَيْكم إذا قُلْتُمْ ذَلِكَ مُتَعَمِّدِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ، ولَكِنْ ما تَعَمَّدْتَ وقَصَدْتَ دُعاءَهُ لِغَيْرِ أبِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ إلَخِ، العَفْوُ عَنِ الخَطَإ دُونَ العَمْدِ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ.
لِحَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنِّي لَسْتُ أخافُ عَلَيْكُمُ الخَطَأ ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكُمُ العَمْدَ»» وحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسْيانُ، وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ»» ثُمَّ تَناوَلَ لِعُمُومِهِ خَطَأ التَّبَنِّي وعَمْدَهُ، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرَيِ الخُصُوصِ والعُمُومِ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ تَأْكِيدًا لِامْتِثالِ ما نُدِبُوا إلَيْهِ مَعَ إدْماجِ حُكْمٍ مَقْصُودٍ في نَفْسِهِ، وجَعَلَها بَعْضُهم عَطْفًا مُؤَوَّلًا بِجُمْلَةٍ طَلَبِيَّةٍ عَلى مَعْنى: ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ لَكُمْ، ولا تَدْعُوهم لِأنْفُسِكم مُتَعَمِّدِينَ فَتَأْثَمُوا عَلى تَقْدِيرِ الخُصُوصِ، وجُمْلَةٍ مُسْتَطْرَدَةٍ عَلى تَقْدِيرِ العُمُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ عَنْهُ مَندُوحَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ حُرْمَةُ تَعَمُّدِ دَعْوَةِ الإنْسانِ لِغَيْرِ أبِيهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ فِيما إذا كانَتِ الدَّعْوَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ كَما يَقُولُ الكَبِيرُ لِلصَّغِيرِ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ: يا ابْنِي، وكَثِيرًا ما يَقَعُ ذَلِكَ، فالظّاهِرُ عَدَمُ الحُرْمَةِ.
وفِي حَواشِي الخَفاجِيِّ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ: البُنُوَّةُ وإنْ صَحَّ فِيها التَّأْوِيلُ كالأُخُوَّةِ، لَكِنْ نُهِيَ عَنْها بِالتَّشْبِيهِ بِالكَفَرَةِ والنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ انْتَهى، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهَذا النَّهْيِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ، فَإنَّ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ عَنِ الدَّعْوَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، والأوْلى أنْ يُقالَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ: سَدًّا لِبابِ التَّشْبِيهِ بِالكَفَرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ مِن كَراهَةِ قَوْلِ الشَّخْصِ لِوَلَدِ غَيْرِهِ: يا ابْنِي، حَكاهُ لِي مَن أرْتَضِيهِ عَنْ فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ الكُبْرى، وحُكْمِ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ: هو ابْنِي، إنْ كانَ عَبْدًا لِلْقائِلِ العِتْقُ عَلى كُلِّ حالٍ، ولا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ إلّا إذا كانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ، وكانَ بِحَيْثُ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، ولَمْ يُقِرَّ قَبْلَهُ بِنَسَبٍ مِن غَيْرِهِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: لا عِبْرَةَ بِالتَّبَنِّي فَلا يُفِيدُ العِتْقَ، ولا ثُبُوتَ النَّسَبِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ إذا لَمْ يُعْرَفِ الأبُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: يا أخِي، وأنْ يُقالَ: يا مَوْلايَ، في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُباحٌ مُطْلَقًا حِينَئِذٍ، لَكِنْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِحُرْمَةِ أنْ يُقالَ لِلْفاسِقِ: يا مَوْلايَ لِخَبَرٍ في ذَلِكَ، وقِيلَ: لِما أنَّ فِيهِ تَعْظِيمَهُ وهو حَرامٌ، ومُقْتَضاهُ أنَّ قَوْلَ: يا أخِي إذا كانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ بِأنْ كانَ مِن جَلِيلِ الشَّأْنِ حَرامٌ أيْضًا، فَلَعَلَّ الدُّعاءَ لِغَيْرِ مَعْرُوفِ الأبِ بِما ذُكِرَ مَخْصُوصٌ بِما إذا لَمْ يَكُنْ فاسِقًا، ودَلِيلُ التَّخْصِيصِ هو دَلِيلُ حُرْمَةِ تَعْظِيمِ الفاسِقِ فَتَدَبَّرْ، وكَذا الظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ في أمْرِ الدَّعْوَةِ بَيْنَ كَوْنِ المَدْعُوِّ ذَكَرًا، وكَوْنِهِ أُنْثى، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلى وُقُوعِ التَّبَنِّي لِلْإناثِ في الجاهِلِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ فَيَغْفِرُ لِلْعامِدِ إذا تابَ ﴿ رَحِيمًا ﴾ ولِذا رَفَعَ سُبْحانَهُ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ، ويُعْلَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ انْتِسابُ الشَّخْصِ إلى غَيْرِ أبِيهِ، وعَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهم مِنَ الكَبائِرِ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ، فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ»».
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ أيْضًا: ««مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةِ، والنّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ صَرْفًا ولا عَدْلًا»» وأخْرَجا أيْضًا: ««لَيْسَ مِن رَجُلٍ ادَّعى لِغَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُ إلّا كَفَرَ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وحَدِيثُهُ حَسَنٌ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «كَفَرَ مَن تَبَرَّأ مِن نَسَبٍ، وإنْ دَقَّ، أوِ ادَّعى نَسَبًا لا يُعْرَفُ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، هَذا ومُناسَبَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ، لِما قَبْلَهُ أنَّهُ شُرُوعٌ في ذِكْرِ شَيْءٍ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي أُمِرَ في اتِّباعِهِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ تَعالى وبِالآخَرِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ تَعالى حَقَّ تُقاتِهِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ﴾ ، حَيْثُ جِيءَ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ يُؤْمِنُ بِأحَدِهِما ويَكْفُرُ بِالآخَرِ، وإنَّما هو قَلْبٌ واحِدٌ، فَإمّا أنْ يُؤْمِنَ، وإمّا أنْ يَكْفُرَ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ - بِلا تُطِعْ واتَّبِعْ - والمَعْنى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ اتِّباعَيْنِ مُتَضادَّيْنِ: اتِّباعِ الوَحْيِ والقُرْآنِ، واتِّباعِ أهْلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، فَكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ القَلْبَيْنِ، لِأنَّ الِاتِّباعَ يَصْدُرُ عَنِ الِاعْتِقادِ، وهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَكَما لا يُجْمَعُ قَلْبانِ في جَوْفٍ واحِدٍ لا يُجْمَعُ اعْتِقادانِ مُتَضادّانِ في قَلْبٍ واحِدٍ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُشْعِرٌ بِوَحْدَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، وكَفى بِهِ تَعالى وكِيلًا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وحْدَهُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِ العالَمِ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّ أمْرَ الرَّجُلِ الواحِدِ لا يَنْتَظِمُ ومَعَهُ قَلْبانِ، فَكَيْفَ تَنْتَظِمُ أُمُورُ العالَمِ ولَهُ إلَهانِ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ مَسُوقٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ إطاعَةِ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ بِحِكايَةِ أباطِيلِهِمْ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ ﴾ إلَخْ، ضَرَبَ مَثَلًا لِلظِّهارِ والتَّبَنِّي، أيْ كَما لا يَكُونُ لِرَجُلٍ قَلْبانِ لا تَكُونُ المُظاهَرَةُ أُمًّا والمُتَبَنّى ابْنًا، وجَعَلَ المَذْكُوراتِ الثَّلاثَ بِجُمْلَتِها مَثَلًا فِيما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وارْتَضى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ هَذا أنْسَبُ لِنَظْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ تَعالى نَسَّقَ المَنفِيّاتِ الثَّلاثِ عَنْ تَرْتِيبٍ واحِدٍ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ فَذْلَكَةً لَها، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ثُمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى الكُلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ التَّذْيِيلِ: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ الآيَةَ، شاهِدا صِدْقٍ بِأنَّ الأوَّلَ مَضْرُوبٌ لِلتَّبَنِّي، ثُمَّ إنَّهم ما كانُوا يَجْعَلُونَ الأزْواجَ أُمَّهاتٍ بَلْ كانُوا يَجْعَلُونَ اللَّفْظَ طَلاقًا، فَإدْخالُهُ في قَرْنِ مَسْألَةِ التَّبَنِّي اسْتِطْرادًا هو الوَجْهُ لا أنَّهُ قَوْلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كالأوَّلِ.
وانْتَصَرَ الخَفاجِيُّ لِلْجَماعَةِ فَقالَ: لَوْ كانَ مَثَلًا لِلتَّبَنِّي فَقَطْ لَمْ يُفْصَلْ مِنهُ، وكَوْنُ القَلْبَيْنِ لِرَجُلٍ وجَعْلُ المُتَبَنّى ابْنًا في جَمِيعِ الأحْكامِ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا في شَرْعٍ ظاهِرٍ، وكَذا جَعْلُ الأزْواجِ كالأُمَّهاتِ في الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ مُطْلَقًا مِن مُخْتَرَعاتِهِمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَنِدُوا فِيها إلى مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، فَلا حَقِيقَةَ لَهُ أيْضًا، فَما ادَّعاهُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ، لا سِيَّما مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما رُوِيَ عَنْهُمُ انْتَهى، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، وبَيَّنَ الطِّيبِيُّ نَظْمَ الآياتِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ إلى ها هُنا فَقالَ: إنَّ الِاسْتِهْلالَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ الخِطابَ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّنْبِيهِ عَلى أمْرٍ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ لائِحٌ فِيهِ مَعْنى التَّهَيُّجِ والإلْهابِ، ومِن ثَمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ( ولا تُطِعْ ) كَما يُعْطَفُ الخاصُّ عَلى العامِّ، وأرْدَفَ النَّهْيَ بِالأمْرِ عَلى نَحْوِ قَوْلِكَ: لا تُطِعْ مَن يَخْذُلُكَ واتَّبِعْ ناصِرَكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى بِالطَّرْدِ والعَكْسِ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّوَكُّلِ تَشْجِيعًا عَلى مُخالَفَةِ أعْداءِ الدِّينِ والِالتِجاءِ إلى حَرِيمِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى لِيَكْفِيَهُ شُرُورَهُمْ، ثُمَّ عَقَّبَ سُبْحانَهُ كُلًّا مِن تِلْكَ الأوامِرِ عَلى سَبِيلِ التَّتْمِيمِ والتَّذْيِيلِ بِما يُطابِقُهُ، وعَلَّلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ تَتْمِيمًا لِلِارْتِداعِ أيِ اتَّقِ اللَّهَ فِيما تَأْتِي وتَذَرُ في سِرِّكَ وعَلانِيَتِكَ، لِأنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِالأحْوالِ كُلِّها يَجِبُ أنْ يُحْذَرَ مِن سُخْطِهِ، حَكِيمٌ لا يُحِبُّ مُتابَعَةَ حَبِيبِهِ أعْداءَهُ، وعَلَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ تَتْمِيمًا أيْضًا أيِ اتَّبِعِ الحَقَّ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ الباطِلَةَ، وآراءَهُمُ الزّائِغَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ عَمَلَكَ وعَمَلَهم فَيُكافِئُ كُلًّا ما يَسْتَحِقُّهُ، وذَيَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ تَقْرِيرًا وتَوْكِيدًا عَلى مِنوالِ: فُلانٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحَقُّ أبْلَجُ يَعْنِي: مِن حَقِّ مَن يَكُونُ كافِيًا لِكُلِّ الأُمُورِ أنْ تُفَوِّضَ الأُمُورَ إلَيْهِ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وفَصَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ تَنْبِيهًا عَلى بَعْضٍ مِن أباطِيلِهِمْ وتَمَحُّلاتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم قَوْلُكُمْ ﴾ إلَخْ، فَذْلَكَةٌ لِتِلْكَ الأقْوالِ آذَنَتْ بِأنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يُحْكَمَ عَلَيْها بِالبُطْلانِ، وحَقِيقٌ بِأنْ يُذَمَّ قائِلُها فَضْلًا عَنْ أنْ يُطاعَ، ثُمَّ وصَلَ تَعالى ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ إلَخْ، عَلى هَذِهِ الفَذْلَكَةِ بِجامِعِ التَّضادِّ عَلى مِنوالِ ما سَبَقَ في ( ولا تُطِعِ واتَّبِعْ )، وفَصَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال مقاتل: نزلت في جميل بن معمر، ويكنى أبا معمر.
وكان حافظاً بما يسمع، وأهدى الناس للطريق.
يعني: طريق البلدان وكان مبغضا للنبي .
وكان يقول: إن لي قلبين.
أحدهما أعقل من قلب محمد فنزل: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وكان الناس يظنون أنه صادق في ذلك، حتى كان يوم بدر فانهزم، وهو آخذ بإحدى نعليه في أصبعه، والأخرى في رجله حتى أدركه أبو سفيان بن حرب.
وكان لا يعلم بذلك، حتى أخبر أن إحدى نعليه في أصبعه، والأخرى في رجله.
فعرفوا أنه ليس له قلبان.
ويقال: إن رسول الله سهى في صلاته، فقال المنافقون: لو أن له قلبين أحدهما في صلاته، والآخر مع أصحابه، فنزل ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.
وروى معمر عن قتادة قال: كان رجل لا يسمع شيئاً إلا وعاه.
فقال الناس: ما يعي هذا إلا أن له قلبين.
وكان يسمى ذا القلبين فنزلت هذه الآية.
وروى معمر عن الزهري قال: بلغنا أن ذلك في شأن زيد بن حارثة.
ضَرَبَ الله مَثَلاً يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك، كما لا يكون لرجل آخر من قلبين.
وذكر عن الشافعي أنه احتج على محمد بن الحسن قال: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ يعني: ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام.
يعني: لا يجوز أن يثبت نسب صبي واحد من أبوين.
ولكن هذا التفسير لم يذعن به أحد من المتقدمين.
فلو أراد به على وجه القياس لا يصح.
لأنه ليس بينهما جامع يجمع بينهما.
وذكر عن عمر وعلي- رضي الله تعالى عنهما- أن جارية كانت بين رجلين، جاءت بولد فادعياه.
فقالا: إنه ابنهما يرثهما ويرثانه.
ثم قال عز وجل: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ قرأ عاصم تظاهرون بضم التاء وكسر الهاء والألف.
وقرأ ابن عامر: تظاهرون بنصب التاء والهاء وتشديد الظاء.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تُظْهِرُونَ بنصب التاء والهاء بغير ألف والتشديد.
وقرأ حمزة والكسائي/ تظهرون بنصب التاء والتخفيف مع الألف.
وهذه كلها لغات.
يقال: ظاهر من امرأته، وتظاهر، وتظهر بمعنى واحد.
وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي.
فمن قرأ: تظّاهرون بالتشديد، فالأصل تظهرون، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وشددت.
من قرأ تظاهرون فالأصل يتظاهرون فأدغمت إحدى التاءين.
ومن قرأ بالتخفيف حذف إحدى التاءين، ولم يشدد للتخفيف كقوله: تُسْئَلُونَ والأصل تتساءلون، والآية نزلت في شأن أوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته وذكر حكم الظهار في سورة المجادلة.
ثم قال تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ نزلت في شأن زيد بن حارثة حين تبنّاه النبيّ قال: فكما لا يجوز أن يكون لرجل واحد قلبان، فكذلك لا يجوز أن تكون امرأته أمه، ولا ابن غيره يكون ابنه.
ثم قال: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ يعني: قولكم الذي قلتم زيد بن محمد أنتم قلتموه بألسنتكم وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ يعني: يبيّن الحق، ويأمركم به كي لا تنسبوا إليه غير النسبة وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ يعني: يدلّ على طريق الحق.
يقال: يدلّ على الصواب بأن تدعوهم إلى آبائهم.
وروى أبو بكر بن عياش عن الكلبي قال: كان زيد بن حارثة مملوكاً لخديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة من رسول الله فأعتقه، وتبناه، فكانوا يقولون زيد بن محمد فنزل قوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ يعني: انسبوهم لآبائهم.
فقالوا: زيد بن حارثة هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: أعدل عند الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ يعني: إن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي: قولوا ابن عبد الله وابن عبد الرحمن وَمَوالِيكُمْ يعني: قولوا مولى فلان.
وكان أبو حذيفة أعتق عبداً يقال له: سالم وتبناه، فكانوا يسمونه سالم بن أبي حذيفة.
فلما نزلت هذه الآية سموه سالماً مولى أبي حذيفة.
ثم قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ يعني: أن تنسبوهم إلى غير آبائهم قبل النهي.
ويقال: ما جرى على لسانهم بعد النهي، لأن ألسنتهم قد تعودت بذلك وَلكِنْ الجناح فيما مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ يعني: قصدت قلوبكم بعد النهي.
وروي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمرو عن عبد الله بن عباس عن النبي أنه قال: «تَجَاوَزَ الله عَنْ أمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى ناسياً.
فذكر للنبي فأمره أن ينفث عن يساره ثلاثاً، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
ثم قال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يعني: غفوراً لمن أخطأ ثم رجع رَحِيماً بهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أزالَ الله بهذه الآية أحكاماً كانت في صدر الإسلام، منها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذَكَرَ اللهُ تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أكثرَ من نَفسِهِ، حَسَبَ حديثِ عمر بن الخطاب، ويلزمُ أن يَمْتَثِلَ أوامرَهُ، أحبت نفسُهُ ذلك أو كرهت، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية: «أَنَاْ أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَوْ ضِيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ، أَنا وليّه، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...
» .
ت: ولفظ البخاريِّ من رواية أبي هريرةَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَأَنَا أولى به في الدّنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضِيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهِ» «١» .
قال ابن العربيِّ: في «أحكامه» «٢» : فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه الآية.
انتهى.
قال ع «٣» : وقال بعض العارفين: هو صلى الله عليه وسلّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة.
قال ع «٤» : ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلّم: «فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُون فِيهَا تَقَحَّمَ الفَرَاشِ» .
قال عياض في «الشفا» : قال أهل التفسير في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماضٍ عليهم كما يمضي حكمُ السيد على عبده، وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس.
انتهى.
وشرّف تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلّم بأن جعلهن أمهاتِ المُؤْمِنِينَ في المَبَرَّةِ وحُرْمَةِ النّكاح، وفي مصحف أبيّ بن كعب «٥» :
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: ما كُنّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أقْسَطُ ﴾ أيْ: أعْدَلُ، ﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تَعْرِفُوا آباءَهم ﴿ فَإخْوانُكُمْ ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ، فَلْيَقُلْ أحَدُكُمْ: يا أخِي، ﴿ وَمَوالِيكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بَنُو عَمِّكم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مَوالِيكم ) أوْلِياءَكم في الدِّينِ.
﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ قَبْلَ النَّهْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: في دُعائِكم مَن تَدْعُونَهُ إلى غَيْرِ أبِيهِ وأنْتُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: فِيما سَهَوْتُمْ فِيهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ النَّهْيِ.
وعَلى الثّانِي والثّالِثِ: ما تَعَمَّدَتْ في دُعاءِ الرَّجُلِ إلى غَيْرِ أبِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: أحَقُّ، فَلَهُ أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِما يَشاءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا دَعاهم إلى شَيْءٍ، ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى شَيْءٍ، كانَتْ طاعَتُهُ أوْلى مِن طاعَةِ أنْفُسِهِمْ؛ وهَذا صَحِيحٌ، فَإنَّ أنْفُسَهم تَدْعُوهم إلى ما فِيهِ هَلاكُهُمْ، والرَّسُولُ يَدْعُوهم إلى ما فِيهِ نَجاتُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ أيْ: في تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ عَلى التَّأْبِيدِ، ووُجُوبِ إجْلالِهِنَّ وتَعْظِيمِهِنَّ؛ ولا تَجْرِي عَلَيْهِنَّ أحْكامُ الأُمَّهاتِ في كُلِّ شَيْءٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بَناتَهُنَّ، ولَوَرَثْنَ المُسْلِمِينَ، ولَجازَتِ الخَلْوَةُ بِهِنَّ.
وقَدْ رَوى مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يا أُمّاهُ، فَقالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ؛ إنَّما أنا أُمُّ رِجالِكُمْ؛ فَبانَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّ مَعْنى الأُمُومَةِ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ فَقَطْ.
وقالَ مُجاهِدٌ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " وهو أبٌ لَهم.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ فِي آخِرِ (الأنْفالِ) إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَوِي القِراباتِ بَعْضُهم أوْلى بِمِيراثِ بَعْضٍ مِن أنْ يَرِثُوا بِالإيمانِ والهِجْرَةِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ النَّسْخِ ﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ \[وَهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ فِعْلُكم إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا\] جائِزٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحِلْفِ والهِجْرَةِ، أباحَ الوَصِيَّةَ لِلْمُعاقِدِينَ، فَلِلْإنْسانِ أنْ يُوصِيَ لِمَن يَتَوَلّاهُ بِما أحَبَّ مِن ثُلُثِهِ.
فالمَعْرُوفُ ها هُنا: الوَصِيَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي نَسْخَ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ ورَدَّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ ﴿ مَسْطُورًا ﴾ أيْ: مَكْتُوبًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ مِن المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعاءِ الأدْعِياءِ إلى آبائِهِمْ لِلصُّلْبِ، فَمَن جُهِلَ ذَلِكَ فِيهِ كانَ مَوْلًى وأخًا في الدِينِ، فَقالَ الناسُ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وسالِمُ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أبا بَكَرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِينِ ومَوْلاكُمْ، قالَ الراوِيَ عنهُ: ولَوْ عَلِمَ واللهِ أنَّ أباهُ حَمّارٌ لانْتَمى إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ في أبِي بَكَرَةَ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ.
و"أقْسَطُ" مَعْناهُ: أعْدَلُ، وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ".» وقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ الآيَةُ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَمَّنْ وهَمَ ونَسِيَ وأخْطَأ فَجَرى عَلى العادَةِ مِن نِسْبَةِ زَيْدٍ إلى مُحَمَّدٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُشْبِهُهُ، وأبْقى الجُناحَ في التَعَمُّدِ مَعَ الشَرْطِ أوِ الجَزاءِ المَنصُوصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ يُرِيدُ: لِما مَضى مِن فِعْلِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ هَمّا صِفَتانِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ تُطْرَدانِ في كُلِّ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَطَؤُهم فِيما كانَ سَلَفَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ ذَلِكَ بِخَطَأٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ، وإنَّما الخَطَأُ هُنا بِمَعْنى النِسْيانِ، وما كانَ مُقابِلَ العَمْدِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الخَطَأُ الَّذِي رَفَعَ اللهُ فِيهِ الجَناحَ أنْ تَعْتَقِدَ في أحَدٍ أنَّهُ ابْنُ فُلانٍ فَتَنْسُبُهُ إلَيْهِ، وهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِابْنِهِ، والعَمْدُ هو أنَّ تَنْسُبَهُ إلى فُلانٍ وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ ابْنُ غَيْرِهِ، والخَطَأُ مَرْفُوعٌ عن هَذِهِ الأُمَّةِ عِقابُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : « "وُضِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ والنِسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما أخْشى عَلَيْكُمُ الخَطَأُ، وإنَّما أخْشى العَمْدَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ.
أزالَ اللهُ تَعالى بِها أحْكامًا كانَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، مِنها «أنَّ النَبِيَّ كانَ لا يُصَلِّي عَلى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دِينٌ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ،» فَجَمْعُ هَذا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْزَمُ أنْ يُحِبَّ النَبِيَّ أكْثَرَ مِن نَفْسِهِ، حَسَبَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَهُ، أحَبَّتْ نَفْسُهُ ذَلِكَ أو كَرِهَتْهُ، «قالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، مَن تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ دِينًا أو ضَياعًا فِعَلَيَّ، أنا ولِيُّهُ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ": ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ ».
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ العارِفِينَ: هو أولى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ أنْفُسَهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ، وهو يَدْعُوهم إلى النَجاةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا آخِذٌ بِحَجْزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيها تَقَحُّمُ الفِراشِ".» وشَرَّفَ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ بِأنْ جَعْلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ: في حُرْمَةِ النِكاحِ وفي المَبَرَّةِ، وحَجَبَهُنَّ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ بِخِلافِ الأُمَّهاتِ، قالَ مَسْرُوقٌ: قالَتِ امْرَأةٌ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: يا أُمَّهُ، فَقالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، وإنَّما أنا أُمُّ رِجالِكُمْ، وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ"، وسَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ القِراءَةَ فَأنْكَرَها، فَقِيلَ لَهُ: إنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ، فَسَألَهُ فَقَرَّرَها أُبَيُّ وأغْلَظَ لِعُمْرَ، وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَؤُلاءِ بَناتِي": إنَّما أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: تَزَوَّجُوهُنَّ.
ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ مِمّا كانَتِ الشَرِيعَةُ قَرَّرَتْهُ مِنَ التَوارُثِ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، فَإنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ في صَدْرِ الإسْلامِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في صِفَتِهِ، ولَيْسَ لِمَعْرِفَتِهِ الآنَ حُكْمٌ فاخْتَصَرَتْهُ، ورَدَّ اللهُ المَوارِيثَ عَلى الأنْسابِ الصَحِيحَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أولى" الثانِيَةِ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ والهِجْرَةُ الَّتِي ذَكَرْنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ يُرِيدُ الإحْسانَ في الحَياةِ، والصِلَةَ والوَصِيَّةَ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ جائِزٌ أنْ يُفْعَلَ مَعَ الوَلِيِّ عَلى أقْسامِهِ، والقَرِيبُ الكافِرُ يُوصى لَهُ بِوَصِيَّةٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ يَجْعَلُ هو وصِيًّا؟
فَجَوَّزَ بَعْضٌ، ومَنعَ بَعْضٌ، ورَدَّ النَظَرَ في ذَلِكَ إلى السُلْطانِ بَعْضٌ، مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُمّانِيُّ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "إلى أولِيائِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"، ولَفْظُ الآيَةِ يُعَضِّدُ هَذا المَذْهَبَ، وتَعْمِيمُ لِفَظِ "الوَلِيِّ" أيْضًا حَسَنٌ كَما قَدَّمْنا؛ إذْ وِلايَةُ النَسَبِ لا تَدْفَعُ الكافِرَ وإنَّما يَدْفَعُ أنْ يَلْقى إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ كَوَلِيِّ الإسْلامِ، والكِتابِيُّ الَّذِي سَطَّرَ ذَلِكَ فِيهِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا.
و"مَسْطُورًا" مِن قَوْلِكَ: "سَطَّرْتُ الكِتابَ" إذا أثْبَتْهُ أسْطارًا، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: فِي الصُحُفِ الأُولى الَّتِي كانَ سَطَرْ قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبًا".
<div class="verse-tafsir"
استئناف بالشروع في المقصود من التشريع لإبطال التبنّي وتفصيل لما يحق أن يجريه المسلمون في شأنه.
وهذا الأمر إيجاب أبطل به ادعاء المتبني متبناه ابناً له.
والمراد بالدعاء النسب.
والمراد من دعوتهم بآبائهم ترتب آثار ذلك، وهي أنهم أبناء آبائهم لا أبناء من تبناهم.
واللام في ﴿ لآبائهم ﴾ لام الانتساب، وأصلها لام الاستحقاق.
يقال: فلان لفلان، أي: هو ابنه، أي: ينتسب له، ومنه قولهم: فلان لِرَشْدَةٍ وفلان لِغَيَّةٍ، أي: نسبَه لها، أي: من نكاح أو من زنا، وقال النابغة: لئن كان للقبرين قبر بجلق *** وقبر بصيداء الذي عند حارب أي: من أبناء صاحبي القبرين.
وقال علقمة بن عبد يمدح الملك الحارث: فلست لأنْسِي ولكن لِمَلاك *** تنزل من جو السماء يصوب وفي حديث أبي قتادة: «صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملاً أمَامة ابنة بنته زينبَ ولأبِي العاص بن ربيعة» فكانت اللامُ مغنية عن أن يقول وابنة أبي العاص.
وضمير ﴿ هو أقسط عند الله ﴾ عائد إلى المصدر المفهوم من فعل ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ أي: الدعاء للآباء.
وجملة ﴿ هو أقسط ﴾ استئناف بياني كأنَّ سائلاً قال: لماذا لا ندعوهم للذين تبنوهم؟
فأجيب ببيان أن ذلك القسط فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة، أي: هو قسط كامل وغيره جورٌ على الآباء الحق والأدعياء، لأن فيه إضاعة أنسابهم الحق.
والغرض من هذا الاستئناف تقرير ما دل عليه قوله ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4] لتُعلم عناية الله تعالى بإبطال أحكام الجاهلية في التبنّي، ولتطمئن نفوس المسلمين من المتبنين والأدعياء ومن يتعلق بهم بقبول هذا التشريع الذي يشق عليهم إذ ينزع منهم إلفاً ألفوه.
ولهذا المعنى الدقيق فرع عليه قوله: ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم، ﴾ فجَمَع فيه تأكيداً للتشريع بعدم التساهل في بقاء ما كانوا عليه بعذر أنهم لا يعلمون آباء بعض الأدعياء، وتأنيساً للناس أن يعتاضوا عن ذلك الانتساب المكذوب اتصالاً حقاً لا يفوت به ما في الانتساب القديم من الصلة، ويتجافى به عما فيه من المفسدة فصاروا يدعون سالماً متبنى أبي حذيفة: سالماً مولى أبي حذيفة، وغيرَه، ولم يشذ عن ذلك إلا قول الناس للمقداد بن عمرو: المقداد بن الأسود، نسبة للأسود بن عبد يغوث الذي كان قد تبنّاه في الجاهلية كما تقدم.
قال القرطبي: لما نزلت هذه الآية قال المقدادُ: أنا المقداد بن عمرو، ومع ذلك بقي الإطلاق عليه ولم يسمع فيمن مضى من عصَّى مُطْلِقَ ذلك عليه ولو كان متعمداً اه.
وفي قول القرطبي: ولو كان متعمداً، نظر، إذ لا تمكن معرفة تعمد من يُطلق ذلك عليه.
ولعله جرى على ألسنة الناس المقدادُ بن الأسود فكان داخلاً في قوله تعالى: ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ لأن ما جرى على الألسنة مظنة النسيان، والمؤاخذة بالنسيان مرفوعة.
وارتفاع ﴿ إخوانُكم ﴾ على الإخبار عن مبتدأ محذوف هو ضمير الأدعياء، أي: فهم لا يَعْدُون أن يوصفوا بالإخوان في الإسلام إن لم يكونوا مواليَ أو يوصفوا بالموالي إن كانوا مواليَ بالحلف أو بولاية العتاقة وهذا استقراء تام.
والإخبار بأنهم إخوان وموال كناية عن الإرشاد إلى دعوتهم بأحد هذين الوجهين.
والواو للتقسيم وهي بمعنى (أو) فتصلح لمعنى التخيير، أي: فإن لم تعلموا آباءهم فادعوهم إن شئتم بإخوان وإن شئتم ادعوهم موالي إن كانوا كذلك.
وهذا توسعة على الناس.
و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية، أي: إخوانكم أخوة حَاصِلة بسبب الدّين كما يجمع الظرف محتوياته، أو تجعل ﴿ في ﴾ للتعليل والتسبب، أي: إخوانكم بسبب الإسلام مثل قوله تعالى: ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ [العنكبوت: 10]، أي: لأجل الله لقوله تعالى: ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ [الحجرات: 10].
وليس في دعوتهم بوصف الأخوة ريبة أو التباس مثل الدعوة بالبُنوّة لأن الدعوة بالأخوة في أمثالهم ظاهرة لأن لوصف الأخوة فيهم تأويلاً بإرادة الاتصال الديني بخلاف وصف البنوة فإنما هو ولاء وتحَالف فالحقُّ أن يُدْعَوا بذلك الوصف، وفي ذلك جبر لخواطر الأدعياء من تَبنَّوْهم.
والمراد بالولاء في قوله ﴿ ومواليكم ﴾ ولاء المحَالفة لا ولاء العتق، فالمحالفة مثل الأخوة.
وهذه الآية ناسخة لما كان جارياً بين المسلمين ومن النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة المُتَبَنَّيْن إلى الذين تبنوهم فهو من نسخ السنة الفعلية والتقريرية بالقرآن.
وذلك مراد من قال: إن هذه الآية نسخت حكم التبنّي.
قال في «الكشاف»: «وفي فصل هذه الجمل ووصلها من الحسن والفصاحة ما لا يغْبَى عن عالم بطرق النظم».
وبيّنه الطيبي فقال: يعني في إخلاء العاطف وإثباته من الجمل من مفتتح السورة إلى هنا.
وبيانُه: أن الأوامر والنهي في ﴿ اتق ﴾ [الأحزاب: 1] ﴿ ولاَ تطع ﴾ [الأحزاب: 1] ﴿ واتّبع ﴾ [الأحزاب: 2] ﴿ وتَوكل ﴾ [الأحزاب: 3]، فإن الاستهلال بقوله: ﴿ يا أيها النبي اتق الله ﴾ [الأحزاب: 1] دال على أن الخطاب مشتمل على أمر معْنِيَ شأنه لائح منه الإلهاب، ومن ثم عَطف عليه ﴿ ولا تطع ﴾ كما يعطف الخاص على العام، وأردَف به النهي، ثم أمَر بالتوكل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين، ثم عَقَّب كلا من تلك الأوامر بما يطابقه على سبيل التتميم، وعلل ﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ بقوله ﴿ إن الله كان عليماً حكيماً ﴾ [الأحزاب: 1] تتميماً للارتداع، وعلل قوله ﴿ واتبع ما يوحى إليك ﴾ بقوله ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ [الأحزاب: 2] تتميماً، وذَيل قوله ﴿ وتوكل على الله ﴾ بقوله ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ [الأحزاب: 3] تقريراً وتوكيداً على منوال: فلان ينطق بالحَق والحقُ أبلج، وفصل قوله ﴿ ما جعَل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ [الأحزاب: 4] على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعض من أباطيلهم.
وقوله: ﴿ ذلكم قولكم بأفواهكم ﴾ [الأحزاب: 4] فذلكة لتلك الأحوال آذنت بأنها من البطلان وحقيق بأن يذم قائله.
ووَصل قوله ﴿ والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4] على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في المجمل في ﴿ ولا تطع ﴾ و ﴿ اتبع، ﴾ وفَصل قوله ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾ وقوله ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ [الأحزاب: 6]، وهلم جرّاً إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحق والاهتداء إلى السبيل القويم اه.
﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ الله غَفُوراً رَحِيماً ﴾ عطف على جملة ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ لأن الأمر فيها للوجوب فهو نهي عن ضده لتحريمه كأنه قيل: ولا تدعوهم للذين تبنوهم إلا خطأ.
والجناح: الإثم، وهو صريح في أن الأمر في قوله ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ أمر وجوب.
ومعنى ﴿ فيما أخطأتم به ﴾ ما يجري على الألسنة خارجاً مخرج الغالب فيما اعتادوه أن يقولوا: فلان ابن فلان للدّعي ومتبنيه، ولذلك قابله بقوله ﴿ ولكن ما تعمّدت قلوبكم ﴾ أي: ما تعمدته عقائدكم بالقصد والإرادة إليه.
وبهذا تقرر إبطال حكم التبني وأن لا يقول أحد لِدَعِيِّه: هو ابني، ولا يقول: تبنيت فلاناً، ولو قاله أحد لم يكن لقوله أثر ولا يعتبر وصية وإنما يعتبر قولُ الرجل: أنزلت فلاناً منزلة ابن لي يرث ما يرثه ابني.
وهذا هو المسمى بالتنزيل وهو خارج مخرج الوصية بمناب وارث إذا حمله ثلث الميت.
وأما إذا قال لمن ليس بابنه: هو ابني، على معنى الاستلحاق فيجري على حكمه إن كان المنسوبُ مجهول النسب ولم يكن الناسب مريداً التلطف والتقريب.
وعند أبي حنيفة وأصحابه من قال: هو ابني، وكان أصغر من القائل وكان مجهول النسب سناً ثبت نسبه منه، وإن كان عبده عَتق أيضاً، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب ولكنه يعتق عليه عند أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه فقالا: لا يعتق عليه.
وأما معروف النسب فلا يثبت نسبه بالقائل فإن كان عبداً يعتق عليه لأن إطلاقه ممنوع إلا من جهة النسب فلو قال لعبده: هو أخي، لم يعتق عليه إذا قال: لم أرِدْ به أخوة النسب لأن ذلك يطلق في أخوة الإسلام بنص الآية، وإذا قال أحد لدعيّه: يا بني، على وجه التلطف فهو ملحق بالخطأ ولا ينبغي التساهل فيه إذا كانت فيه ريبة.
وقوله ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ يعود ضمير أمره إلى الأدعياء فلا يشمل الأمرُ دعاء الحفدة أبناء لأنهم أبناء.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحَسن رضي الله عنه: «إنّ ابني هذا سيّد» وقال: «لا تُزْرِموا ابني» أي: لا تقطعوا عليه بوله.
وكذلك لا يشمل ما يقوله أحد لآخر غير دعيٍ له: يا ابني، تلطّفاً وتقرباً، فليس به بأس لأن المدعو بذلك لم يكن دعياً للقائل ولم يزل الناس يدعون لداتهم بالأخ أو الأخت، قال الشاعر: أنتِ أختي وأنت حرمة جاري *** وحرام عليّ خون الجوار ويَدعون من هو أكبر باسم العم كثيراً، قال النمر بن تولب: دعاني الغواني عَمَّهن وخلتُني *** لي اسم فلا أدعى به وهو أول يريد: أنهن كنّ يدعونه: يا أخي.
ووقوع ﴿ جناح ﴾ في سياق النفي ب ﴿ ليس ﴾ يقتضي العموم فيفيد تعميم انتفاء الإثم عن العمل الخطأ بناء على قاعدة عدم تخصيص العام بخصوص سببه الذي ورد لأجله وهو أيضاً معْضود بتصرفات كثيرة في الشريعة، منها قوله تعالى: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسِينا أو أخطأنا ﴾ [البقرة: 286]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أُكرِهُوا عليه».
ويفهم من قوله ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ النهيُ عن أن ينسب أحد إلى غير أبيه بطريق لحن الخطاب.
وفي الحديث: «من انتسب إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يَقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».
ويخرج من النهي قول الرجل لآخر: أنت أبي وأنا ابنك على قصد التعظيم والتقريب وذلك عند انتفاء اللبس، كقول أبي الطيب يُرقق سيف الدولة: إنما أنتَ والد والأبُ القا *** طع أحنَى من واصل الأولاد وجملة ﴿ كان اللَّه غفوراً رحيماً ﴾ [الأحزاب: 24] تعليل نفي الجناح عن الخطأ بأن نفي الجناح من آثار اتصاف الله تعالى بالمغفرة والرحمة بخلقه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ قامَ يَوْمًا يُصَلِّي فَخَطَرَ خَطْرَةً فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ قَلْبًا مَعَكم وقَلْبًا مَعَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ تَكْذِيبًا لَهُمْ;» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ويَكُونُ مَعْناهُ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن جَسَدَيْنِ.
الثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ قالَ: إنَّ في جَوْفِي قَلْبَيْنِ أعْقِلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ وكَذَبَ فَنَزَلَتْ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن عَقْلَيْنِ.
الثّالِثُ: أنَّ جَمِيلَ بْنَ مَعْمَرٍ ويُكَنّى أبا مَعْمَرٍ مِن بَنِي جُمَحٍ كانَ أحْفَظَ النّاسِ لِما يَسْمَعُ وكانَ ذا فَهْمٍ ودَهاءٍ فَقالَتْ قُرَيْشٌ ما يَحْفَظُ جَمِيلٌ ما يَحْفَظُ بِقَلْبٍ واحِدٍ إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وهُزِمُوا أفْلَتَ وفي يَدَيْهِ إحْدى نَعْلَيْهِ والأُخْرى في رِجْلَيْهِ فَلَقِيَهُ أبُو سُفْيانَ بِشاطِئِ البَحْرِ فاسْتَخْبَرَهُ فَأخْبَرَهُ أنَّ قُرَيْشًا قُتِلُوا وسَمّى مَن قُتِلَ مِن أشْرافِهِمْ، قالَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ فَما بالُ نَعْلَيْكَ إحْداهُما في يَدِكَ والأُخْرى في رَجُلِكَ؟
قالَ: ما كُنْتُ أظُنُّها إلّا في رِجْلَيَّ فَظَهَرَ لَهم حالَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن فَهْمَيْنِ.
الرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا كانَ يَقُولُ إنَّ لِي نَفْسَيْنِ نَفْسًا تَأْمُرُنِي ونَفْسًا تَنْهانِي فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن نَفْسَيْنِ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ حِينَ تَبَنّاهُ النَّبِيُّ بَعْدَ أنْ أعْتَقَهُ فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ التَّبَنِّي مُنِعَ مِنِ ادِّعائِهِ ولَدًا ونَزَلَ فِيهِ ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ يَقُولُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ، كَذَلِكَ لا يَكُونُ لِزَيْدٍ أبَوانِ حارِثَةُ ومُحَمَّدٌ ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
وَفِيهِ إثْباتٌ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في نَفْيِ الوَلَدِ عَنْ أبَوَيْنِ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ.
السّادِسُ: مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكُونُ لِرَجُلٍ قَلْبٌ مُؤْمِنٌ مَعَنا وقَلْبٌ كافِرٌ عَلَيْنا لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ والكُفْرُ في قَلْبٍ واحِدٍ ويَكُونُ مَعْناهُ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن دِينَيْنِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهَذا ظِهارٌ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ بِهِ الزَّوْجاتِ ويَجْعَلُونَهُنَّ في التَّحْرِيمِ كالأُمَّهاتِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ بِذَلِكَ أنْ تَصِيرَ مُحَرَّمَةً كالأُمِّ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأُمٍّ وأوْجَبَ عَلَيْهِ بِالظِّهارِ مِنها إذا صارَ فِيهِ عامِدًا كَفّارَةً ذَكَرَها في سُورَةِ المُجادِلَةِ ومَنَعَهُ مِن إصابَتِها حَتّى يُكَفِّرَ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ مِن هَذا الكِتابِ.
﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ أدْعِياءَ النَّبِيِّ.
قالَ مُجاهِدٌ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ ذَلِيلًا فَيَأْتِي ذا القُوَّةِ والشَّرَفِ فَيَقُولُ: أنا ابْنُكَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَإذا قَبِلَهُ واتَّخَذَهُ ابْنًا أصْبَحَ أعَزَّ أهْلِهِ وكانَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مِنهم قَدْ تَبَنّاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلى ما كانَ يَصْنَعُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُلْحِقُوهم بِآبائِهِمْ فَقالَ: ﴿ وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ في الإسْلامِ.
﴿ ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ ﴾ أنَّ امْرَأتَهُ بِالظِّهارِ أُمُّهُ وأنَّ دَعِيَّهُ بِالتَّبَنِّي ابْنُهُ ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ ﴾ في أنَّ الزَّوْجَةَ لا تَصِيرُ في الظِّهارِ أُمًّا والدَّعِيَّ لا يَصِيرُ بِالتَّبَنِّي ابْنًا.
﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ يَعْنِي في إلْحاقِ النَّسَبِ بِالأبِ، وفي الزَّوْجَةِ أنَّها لا تَصِيرُ كالأُمِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ يَعْنِي التَّبَنِّيَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ما كُنّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ فَدَعاهُ النَّبِيُّ إلى حارِثَةَ وعَرِفَ كُلٌّ نَسَبَهُ فَأقَرُّوا بِهِ وأثْبَتُوا نَسَبَهُ.
﴿ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ قَوْلًا وحُكْمًا.
﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فانْسُبُوهم إلى أسْماءِ إخْوانِكم ومُوالِيكم مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَبْدِ الرَّحِيمِ وعَبْدِ العَزِيزِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الثّانِي: قُولُوا أخُونا فُلانٌ ووَلِيُّنا فُلانٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ قالَ: جَلَسَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ فَتَفاخَرُوا بِالآباءِ فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ حَتّى انْتَهَوْا إلى سَلْمانَ فَقالَ أنا سَلْمانُ ابْنُ الإسْلامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَقالَ: صَدَقَ سَلْمانُ وأنا عُمَرُ بْنُ الإسْلامِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ﴾ .
الثّالِثُ: إنَّهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهم أبٌ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ كانُوا إخْوانًا إنْ كانُوا أحْرارًا، ومَوالِيَ إنْ كانُوا عُتَقاءَ كَما فَعَلَ المُسْلِمُونَ فِيمَن عَرَفُوا نَسَبَهُ وفِيمَن لَمْ يَعْرِفُوهُ فَإنَّ المِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو كانَ يُقالُ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، فَرَجَعَ إلى أبِيهِ وسُفْيانُ بْنُ مَعْمَرٍ كانَتْ أُمُّهُ امْرَأةَ مَعْمَرٍ في الجاهِلِيَّةِ فادَّعاهُ ابْنًا ثُمَّ أسْلَمَ سُفْيانُ وشَهِدَ بَدْرًا فَنُسِبَ إلى أبِيهِ ونَسَبِهِ في بَنِي زُرَيْقٍ مِنَ الأنْصارِ.
وَمِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أبٌ سالِمٌ، مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ونُسِبَ إلى ولاءِ أبِي حُذَيْفَةَ.
﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما أخْطَأْتُمْ قَبْلَ النَّهْيِ وما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم بَعْدَ النَّهْيِ في هَذا وغَيْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما أخْطَأْتُمْ بِهِ ما سَهَوْتُمْ عَنْهُ، وما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم ما قَصَدْتُمُوهُ عَنْ عَمْدٍ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.
الثّالِثُ: ما أخْطَأْتُمْ بِهِ أنْ تَدْعُوهُ إلى غَيْرِ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أيْ غَفُورًا عَمّا كانَ في الشِّرْكِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في الإسْلامِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر: «أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد.
حتى نزل القرآن ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت زيد بن حارثة بن شراحيل» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة «أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدراً تبنى سالماً، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورثه من ميراثه حتى أنزل الله في ذلك ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخاً في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سالماً كان يدعى لأبي حذيفة رضي الله عنه، وإن الله قد أنزل في كتابه ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ وكان يدخل عليَّ، وأنا وحدي، ونحن في منزل ضيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارضعي سالماً تحرمي عليه» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان من أمر زيد بن حارثة رضي الله عنه أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيء، فأصيب في غلمة من طيء، فقدم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها، فأوصته عمته خديجة رضي الله عنها أن يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً ان قدر عليه، فلما جاء وجد زيداً يباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه فقدم به عليها وقال لها: إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني، فلما رأته خديجة اعجبها، فأخذته فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ظرفه، فاستوهبه منها فقالت: هو لك فإن أردت عتقه فالولاء لي، فأبى عليها فوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أمسك قال: فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إنه خرج في إبل طالب إلى الشام، فمر بأرض قومه.
فعرفه عمه، فقام إليه فقال: من أنت يا غلام؟
قال: غلام من أهل مكة.
قال: من أنفسهم؟
قال: لا.
فحر أنت أم مملوك؟
قال: بل مملوك قال: لمن؟
قال: لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له: أعربي أنت أم عجمي؟
قال: بل عربي قال: ممن أهلك؟
قال: من كلب قال: من أي كلب؟
قال: من بني عبدود قال: ويحك.
.
!
ابن من أنت؟
قال: ابن حارثة بن شراحيل قال: وأين أصبت؟
قال: في أخوالي قال: ومن أخوالك؟
قال: طي قال: ما اسم أمك؟
قال: سعدي.
فالتزمه وقال ابن حارثة: ودعا أباه وقال: يا حارثة هذا ابنك.
فأتاه حارثة، فلما نظر إليه عرفه قال: كيف صنع مولاك إليك؟
قال: يؤثرني على أهله وولده، ورزقت منه حباً، فلا أصنع إلا ما شئت.
فركب معه وأبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة: يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه، وعند بيته.
تفكون العاني، وتطعمون الأسير.
ابني عبدك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، فإنك ابن سيد قومه فإنا سنرفع لك في الفداء ما أحببت.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيكم خيراً من ذلك قالوا: وما هو؟
قال: أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه قالوا: جزاك الله خيراً فقد أحسنت، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا زيد اتعرف هؤلاء؟
قال: نعم.
هذا أبي وعمي وأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا من قد عرفته، فإن اخترتهم فأذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من تعلم فقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً، أنت مني بمكان الوالد والعم قال له أبوه وعمه: يا زيد تختار العبودية على الربوبية؟
قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال: اشهدوا أنه حر، وإنه ابني يرثني وأرثه، فطابت نفس أبيه وعمه، لما رأوا من كرامته عليه، فلم يزل زيد في الجاهلية يدعى: زيد بن محمد.
حتى نزل القرآن ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ فدعي زيد بن حارثة» .
وأخرج ابن عساكر من طريق زيد بن شيبة عن الحسن بن عثمان رضي الله عنه قال: حدثني عدة من الفقهاء وأهل العلم قالوا: كان عامر بن ربيعة يقال له: عامر بن الخطاب وإليه كان ينسب، فأنزل الله فيه، وفي زيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن عمرو ﴿ ادعوهم لآبائهم..
﴾ .
وأخرج ابن جرير عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: قال الله: ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ فإنا ممن لا يعلم أبوه، وأنا من اخوانكم في الدين.
وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾ أعدل عند الله ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ فإذا لم تعلم من أبوه فإنما هو أخوك في الدين ومولاك.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ قال: إن لم تعرف أباه فأخوك في الدين ومولاك مولى فلان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية يقول: إن لم تعلموا لهم آباء تدعوهم إليهم فانسبوهم اخوانكم في الدين إذ تقول: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأشباههم من الأسماء، وأن يدعى إلى اسم مولاه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ﴾ يقول: أخوك في الدين ومولاك مولى بني فلان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزلت ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ لم يعرفوا لسالم أباً ولكن مولى أبي حذيفة إنما كان حليفاً لهم.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ قال: هذا من قبل النهي في هذا وغيره ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بعد ما أمرتم وبعد النهي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به...
﴾ قال: لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس، ولكن ما أردت به العمد.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله ما أخشى عليك الخطأ، ولكن أخشى عليك العمد» .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لست أخاف عليكم الخطأ، ولكن أخاف عليكم العمد» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: انسبوهم إلى آبائهم الذين ولدوهم (١) ﴿ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ .
قوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين.
قال ابن عباس: يريد من أسلم [منكم] (٢) (٣) ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ أي: بنو عمكم.
وهو قول ابن عباس (٤) (٥) (٦) مهلا بنو عمنا (٧) (٨) (٩) -، وعلى هذا دل كلام مقاتل (١٠) ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ قال مجاهد ومقاتل: يعني فيما قلتموه قبل النهي (١١) وقال قتادة: لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس (١٢) فعلى هذا الخطاب أن يخطئ في نسبه من غير تعمد.
وذكر أبو إسحاق قولًا ثالثًا فقال: ويجوز أن يكون: (ولا جناح عليكم في أن تقولوا بما هي (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لما كان من قولكم (١٥) قوله تعالى: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ قال المفسرون: أي إذا حكم بشيء نفذ (١٦) (١٧) - إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي أولى بهم من طاعة (١٨) (١٩) (٢٠) - أولى بكل مؤمن ومؤمنة من نفسهما، وله أن يتصرف في كل حق من حقوق المؤمنين وينفذ ذلك التصرف شاءوا أو أبوا، حتى لو زوج امرأة استغنى عن رضاها ورضا أوليائها؛ لأنه أحق بها منها بنفسها؛ لقوله: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، وروى ابن جريج عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ قال: هو أبو المؤمن (٢١) أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم" (٢٢) ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرؤه (٢٣) - أب المؤمنين أي: في الحرمة ووجوب الطاعة كما أن أزواجه أمهات المؤمنين.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يقال: هو ابن (٢٤) ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ولكن يقال: هو مثل الأب للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ يقال: هو مثل الأب للمؤمنين كما قال - -: "إنما أنا لكم مثل الوالد" (٢٥) (٢٦) ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ أي في النسب، يعني ليس أحد من رجالكم ولد صلبه.
وقال السدي: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في دينهم (٢٧) وعلى هذا هو أولى بهم من أنفسهم فيما يأمرهم به من أمور دينهم.
وهذه الولاية تختص بأمر الدين كما روي عنه - - قال: "أنا أعلم بأمور آخرتكم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم" (٢٨) - في المصلحة وامتثاله من الدين، غير أن أكثر أوامره في أمور الدين.
وقال المقاتل: إن طاعة النبي أولى من طاعة بعضكم لبعض (٢٩) ﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ (٣٠) ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ يعني: على إخوانكم من المؤمنين، وكقوله ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقد مر.
﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وهذا ما روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمه.
فقالت: لست لك بأم، وإنما أنا أم رجالكم (٣٥) (٣٦) ﴿ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ الآية، فدلت هذه الآية على أنهن لو اخترن الطلاق وطلقهن حل؛ لأنهن إنما ينلن زينة الحياة الدنيا بأن يتزوجن الأغنياء بعد النبي - -.
ومن أصحابنا من فضَّل وقال: كل مطلقة كانت ممسوسة لم يحل نكاحها، وإن كانت غير ممسوسة حل نكاحها، يدل عليه ما روي أن الأشعث بن قيس تزوج بعد رسول الله - - المستعيذة (٣٧) -: أعوذ بالله منك، لما دخل عليها، فقال: "الحقي بأهلك".
ولما بلغ عمر - - أن الأشعث نكحها همَّ برجمه، فأخبر أن رسول الله - - لم يمسها فتركه.
قوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ قال قتادة: وكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئًا فأنزل الله هذه الآية فصارت المواريث بالملك والقرابات (٣٨) - يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله حتى نزلت هذه الآية، فصارت المواريث للأدني فالأدنى من القرابات (٣٩) وذكرنا الكلام في هذا في آخر سورة الأنفال ﴿ فِي كِتَابِ اللَّه ﴾ مذكور هناك (٤٠) ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ﴾ .
قال أبو إسحاق: أي ذو الرحم أولى بذي رحمه منه بالمؤمنين (٤١) (٤٢) ﴿ مِنَ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ صلة أولى كما تقول: أنا أولى منك بهذا الأمر، والمعنى: أولى الأرحام أولى بالميراث من المهاجرين.
وقد ذكر الفراء وجهًا آخر، فقال: وإن شئت جعلت من يراد بها أولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض (٤٣) ﴿ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا استثناء ليس من الأول، المعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفًا جائز (٤٤) واختلفوا في معنى الأولياء هاهنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إلا أن توصوا إلى أوليائكم الذين عاقدتموهم وصية (٤٥) وقال مجاهد: خلفاؤكم الذين والى بينهم النبي - - من المهاجرين والأنصار (٤٦) قال الكلبي: إلا أن يوصي الرجل لأخيه الذي آخى بينهما رسول الله - - بوصية فيجعل ذلك من ثلث الميت (٤٧) وعلى هذا معنى الآية: هو أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة والمعاقدة أباح (٤٨) (٤٩) قال أبو إسحاق: هو أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه إذا لم يكن وارثًا (٥٠) (٥١) قال عطاء: هو إعطاء المسلم الكافر بينهما قرابة وصية له (٥٢) وقال قتادة: أولياؤكم من أهل الشرك وصية ولا ميراث لهم (٥٣) (٥٤) (٥٥) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ ، وعدو الله والمؤمنين لا يكونون أولياء المؤمنين (٥٦) قوله تعالى: ﴿ مَعْرُوفًا ﴾ كلهم قالوا: وصية، وفيه دليل على أن الوصية من باب المعروف لا من باب الواجبات، ولو كان واجبًا لكان أولى [الناس] (٥٧) قوله: ﴿ كَانَ ذَلِكَ ﴾ يعني: التوارث بالهجرة والإيمان الذي كان في ابتداء الإسلام في قول مقاتل (٥٨) (٥٩) وقال قتادة: (كان ذلك) يعني أن المشرك لا يرث المسلم (٦٠) (٦١) وقال الكلبي: كان ذلك يعني الوصية، وأن يعود الفقير على الغني، وهو فعل معروف (٦٢) قوله: ﴿ فِي الْكِتَابِ ﴾ قال ابن عباس: يريد في اللوح المحفوظ (٦٣) (٦٤) قوله: ﴿ مَسْطُورًا ﴾ قال ابن عباس: مكتوبًا (٦٥) (١) "تفسير ابن عباس" ص 350، "الوسيط" 3/ 458.
(٢) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٣) لم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس.
(٤) لم أقف على هذا القول منسوبًا لابن عباس.
(٥) "الكامل" 3/ 1212.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 215.
(٧) في (أ): (عما).
(٨) هكذا ورد في النسخ بنو!
وهو خطأ، والصواب: بني؛ لأنه منادى مضاف.
وهذا صدر بيت وعجزه: لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونًا.
== وهو من البسيط، للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في: "الكامل" 3/ 1212، "الأضداد" ص 48، "الحماسة" 1/ 129، "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 125.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 215.
(١٠) "تفسير مقاتل" 87 ب، وذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 528، ولم ينسبه لأحد.
(١١) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 121، "زاد المسير" 6/ 706، " تفسير مقاتل" 87 ب.
(١٢) المصدرين السابقين.
(١٣) هكذا في جميع النسخ!
والظاهر أنه خطأ، وعبارة الزجاج: في أن تقولوا له: يا بني على غير أن تتعمد أنه تجريه مجرى الولد.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 215.
(١٥) في (ب): (لما كان لقومن قولكم)، وهو خطأ.
(١٦) في (ب): (فقد) (١٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب، "تفسير الطبري" 21/ 122، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 324.
(١٨) في (ب): (طاعتهم أنفسهم).
(١٩) المراجع السابقة.
(٢٠) "تفسير الطبري" 21/ 122، "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب.
(٢١) "تفسير الطبري" 21/ 122.
وذكره الماوردي 4/ 373، وقال: حكاه النقاش، "تفسير مجاهد" ص 415.
(٢٢) انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 38، "تفسير البغوي" 7/ 208.
(٢٣) ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 567، وعزاه للفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في "سننه".
(٢٤) هكذا في جميع النسخ!
وهو خطأ، والصواب: أبو.
(٢٥) هذا جزء من حديث رواه أبو هريرة - -، ونص الحديث: قال رسول الله - -: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه" الحديث أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب.
الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء 1/ 3 رقم الحديث (8)، والنسائي في "سننه" كتاب الطهارة، باب النهى عن الاستطابة بالروث 1/ 38، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة 1/ 114 رقم الحديث (313)، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 247، 250 (٢٦) انظر: "الأم" 5/ 126.
(٢٧) لم أقف عليه.
(٢٨) أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، كتاب الفضائل، باب وجوب ما قاله شرعًا دون ما ذكره - - من معايش الدنيا على سبيل الرأي 4/ 1836 رقم الحديث (6263) عن عائشة ا.
(٢٩) "تفسير مقاتل" 87 ب.
(٣٠) في (أ): (أنفسكم)، وهو خطأ.
(٣١) في (أ): (أمهاته)، وهو خطأ.
(٣٢) في (أ): (المزوج)، وهو خطأ.
(٣٣) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 122، "السمرقندي" 3/ 38، "الثعلبي" 3/ 184 أ.
(٣٤) انظر: "الأم" 5/ 125.
(٣٥) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 375، "تفسير القرطبي" 14/ 123.
وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 675 ونسبه لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".
(٣٦) في (أ) زيادة: (على أنهم لو اخترن)، وهو خطأ.
(٣٧) لم أستطع الوقوف على اسم المستعيذة بعد طول بحث، وذلك لكثرة ما ورد من روايات وأقوال، حصل في أكثر الروايات التي وردت فيها هذه القصة اضطراب، فقيل: هي الكلبية، وقيل: الجونية، ثم الاختلاف في اسمها واسم أبيها جاء على أكثر من سبعة أقوال.
أيضًا قيل: إنها ماتت كمدًا بعد فراق الرسول - - لها، وقيل: بل عاشت وتزوجت، ثم هناك خلاف في من تزوجها وهل تزوجها أو هم ثم لم يفعل، أقوال كثيرة ذكرها ابن حجر في "فتح الباري" 9/ 445 إلى 452، وكذا ذكرها القسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري" 12/ 10 - 14.
(٣٨) "تفسير الثعلبي" 3/ 184 ب، "تفسير الطبري" 21/ 1231.
(٣٩) "تفسير الثعلبي" 3/ 184 ب، "السمرقندي" 3/ 38.
(٤٠) في آخر آية من سورة الأنفال، وهي قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
(٤١) في (ب): (منه من المؤمنين).
(٤٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.
(٤٣) "معاني القرآن" 2/ 336.
(٤٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.
(٤٥) ذكر هذا القول الطبري 21/ 124 ونسبه لابن زيد ثم رجحه.
ولم أعثر على من نسبه لابن عباس.
(٤٦) "تفسير الطبري" 21/ 124، "الماوردي" 4/ 376، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 567 عن مجاهد، وقال: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤٧) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 113.
(٤٨) في (ب): (أبلغ)، وهو خطأ.
(٤٩) "تفسير الطبري" 21/ 124، "الثعلبي" 3/ 184 ب.
(٥٠) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.
(٥١) "الدر المنثور" 6/ 568، وقال: أخرجه عبد الرزاق عن قتادة والحسن، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 112.
(٥٢) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 113، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 325.
(٥٣) "تفسير الطبري" 21/ 124، "تفسير الماوردي" 4/ 376، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 567، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥٤) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 124، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 567، وعزاه لابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية.
(٥٥) في (أ): (الملة)، وهو خطأ.
(٥٦) اختار هذا القول الطبري 21/ 124 ورجحه.
(٥٧) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٥٨) "تفسير مقاتل" 88 أ.
(٥٩) "تفسير الطبري" 21/ 125.
(٦٠) في (ب): (أن المسلم لا يرث المشرك).
(٦١) "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 326، "تفسير القرطبي" 14/ 126.
(٦٢) لم أقف عليه.
(٦٣) "تفسير ابن عباس" ص350، ولم أجد من نسبه لابن عباس من المفسرين حسب علمي.
(٦٤) ذكر هذا القول وعزاه للقرظي: الطبري 14/ 126، البغوي 3/ 508، ولم أجد من نسبه للكلبي.
(٦٥) "تفسير ابن عباس" ص 350.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ادعوهم لآبَآئِهِمْ ﴾ الضمير للأدعياء، أي انسبوهم لآبائهم الذين ولدوهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .
يقول بعض أهل التأويل كذلك: إنها نزلت في رجل يقال [له]: أبو معمر، وكان من أحفظ الناس وأوعاهم؛ فقالوا: إن له قلبين: قلب يسمع، وقلب يحفظ ويعي؛ فنزل: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .
ويقول بعضهم كذلك: إنها نزلت في أبي معمر، وكان يسمى: ذا قلبين؛ لحفظه الحديث، حتى إذا كان يومُ بدر، وهُزم المشركون - وفيهم أبو معمر - يلقاه أبو سفيان بن حرب، وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله؛ فقال: يا أبا معمر، ما فعل الناس؟
قال: انهزموا، فقال: ما بال نعلك في يدك والأخرى في رجلك؟
فقال: ما شعرت إلا أنهما جميعاً في رجلي؛ فعرفوا يومئذ أنْ لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده.
ونحوه قد قيل، ولكن لا ندري ما سبب نزول هذا.
وروي عن ابن عباس: أنه سئل عن هذه الآية؟
فقال: كان نبي الله يصلي يوماً، فخطر خطرة - أي: وقع في قلبه - فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم؛ فأنزلت هذه الآية.
وهذا يشبه أن يكون سبب نزول الآية، أو أن يكون نزولها في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يصلون مع النبي والمؤمنين، ويرون الموافقة لهم من أنفسهم، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، ثم يرجعون إلى أولئك فيقولون: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ونحوه؛ فذكر هذا: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ ، أي: دينين في جوفه: الإيمان والنفاق، أو ﴿ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : قلبا لهذا، وقلبا للآخر.
أو نزلت في المشركين الذين يقرون بالوحدانية لله، وأنّه هو الخالق؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ويعبدون الأصنام مع هذا؛ فيقول - والله أعلم -: لم يجعل لرجل قلبين في جوفه: قلباً للشرك، وقلباً للإيمان والتوحيد؛ ولكن جعل قلباً واحداً لأحد هذين، أي: قلباً لقبول الشرك، وقلبا لقبول الإيمان.
وبعضهم يقول: هو على التمثيل، أي: كما لم يجعل لرجل واحد قلبين؛ فكذلك لا يكون المظاهر من امرأته: لا تكون امرأته أمه في الحرمة، ولا يكون دعيّ الرجل ابنه، يقول: نزلت في النبي وزيد بن حارثة، كان النبي تبناه، [و]كانوا يسمونه زيد بن محمد، فجاء النهي عن ذلك؛ فقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل.
وبعضهم يقول: تأويل قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .
أي: لم يجعل للرجل نسبين ينسب إليهما.
وأصله عندنا: أن قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : ما ذكرنا، ولم يجعل أزواجكم اللائي تستمتعون بهن بالتشبيه بالأمهات كالأمهات، أي: لم يحل لكم ذلك ولم يبح ولم يشرع.
﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لم يجعل سبب ذلك ولم يشرع، وإن كان قد يكون في النسب الفاسد، نحو الجارية بين اثنين إذا ولدت فادعياه جميعاً، ونحو النكاح الفاسد، والملك الفاسد، لم يجعل كذا، أي: لم يحل ولم يشرع؛؛ كقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ﴾ ، أي: لم يشرع ولم يحل ذلك، وإن كان يكون لو فعلوا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ ، أي: لم يشرع ذلك السبب، ولم يحل ذلك في الإسلام ما كان في الجاهلية، لا أنه لا يكون ذلك فيما لم يشرع في الفاسد من السبب، على ما ذكرنا: أن النسب ثبت في النكاح الفاسد، وإن لم يشرع.
والحسن يقول في قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ قال: كان الرجل يقول: إن نفسا تأمرني بكذا ونفسا تأمرني بكذا؛ فنزل ذلك.
والحكمة فيما لم يجعل لواحد قلبين، وجعل له سمعين وبصرين؛ لأن الإدراك بالسمع والبصر إنما يكون بالمشاهدة، فيخرج ذلك مخرج معاونة بعضهم بعضاً، وما يدرك بالقلب إنما يدرك بالاجتهاد، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء، فيناقض أحدهما صاحبه؛ إذ يجوز أن يرى أحدهما خلاف ما يراه الآخر، وأما السمعان والبصران لا يكون كذلك.
وقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : جائز أن يكون سبب ذلك ما ذكر من ادعاء مسيلمة الكذاب الرسالة لنفسه وتواطؤ أصحابه على ذلك، يقول - والله أعلم -: ما جعل الله أن يرسل رجلين رسولا إلى خلقه مختلفي الدينين متضادّي الشرائع، يدعو كل واحد إلى دين غير الآخر، وإلى شريعة يضادّ بعضها بعضاً: محمدا رسول الله ، ومسيلمة الكذاب.
وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على النهي الذي ذكرنا، أي: لا تشبهوا أزواجكم بظهور الأمهات، ولا تحرموهن على أنفسكم كحرمة الأمهات؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً ﴾ .
والثاني: أن لم يجعل الله لكم أزواجكم حراماً أبداً كالأمهات، وإن جعلتم أنتم؛ ولكن جعلهن لكم بحيث تصلون إليهن بالاستمتاع على ما تصلون إليهن وتستمتعون بهن، بعد هذا القول؛ يذكر هذا على المنة والنعمة؛ ليتأدى به شكره؛ لما أبقى لهم الاستمتاع بهن بعد هذا، ولم يجعلهن لهم كالأمهات، على ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، أي: ما جعل أدعياءكم أبناءكم في الحقوق إلى الآباء، وهو ما ذكر في بعض القصة: أنه إذا ادعى الرجل منهم ورثة منهم مع أولاده - وهو شيء كانوا يفعلونه في الجاهلية - دعي إليه ونسب، يقول - والله أعلم -: ما جعل ما كنتم تدعون الأبناء في الجاهلية للعون والنصرة أبناءكم في الإسلام فيما جعلوا.
والثانى: ما جعل أدعياءكم في حق النسبة، كما ذكر أنهم يقولون لزيد بن حارثة: زيد بن محمد.
﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ : إنما هو قول تقولونه بألسنتكم فيما بينكم.
﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ : إنهم ليسوا بأبنائكم.
أو أن قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ ، تأويله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : أعدل عند الله، أي: انسبوهم إليهم إن علمتموهم.
﴿ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: فانسبوهم إلى أبيهم من أسماء مواليكم أو إخوانكم أو ابن عمكم، مثل عبد الله وعبيد الله، وعبد الرحمن، وأشباه ذلك الأسماء وأسماء مواليكم.
أو أن يقول: قوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: سموهم: إخوانا، وذلك أعظم في القلوب وآخَذُ من التسمية بالآباء والنسبة إليهم؛ وذلك أن الحاجة إلى معرفة الآباء والنسبة إليهم إنما تكون عند الكتابة والشهادة وعند الغيبة، فأما عند الحضرة فلا.
وقوله: ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: نزل هذا في شأن زيد بن حارثة، وهو كان مولى رسول الله، وكانوا يسمونه: زيد بن محمد؛ فنهوا عن ذلك، فيقول: فإن لم تعلموا آباءهم فانسبوهم إلى مواليهم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ من الولاية، كقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: ليس عليكم جناح بالنسبة إلى غير الآباء إذا كنتم مخطئين غير عارفين للآباء؛ إنما الجناح والحرج عليكم إذا كنتم عامدين لذلك عارفين لهم آباء؛ كأنه أباح التبني والتآخي فيما بينهم، ولم يبح النسبة إلى غير الآباء وإيجاب الحقوق فيما بينهم.
وكذلك روي في بعض الخبر أن النبي كان يؤاخي بين الرجلين، وإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فكان الزبير أخا عبد الله بن مسعود، فمكثوا بذلك ما شاء الله أن يمكثوا، حتى نزلت الآية.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ ، يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيه، وأنت ترى أنه كذلك.
﴿ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .
يقول: لا تدعوه لغير أبيه متعمداً، فأما الخطأ فإن الله يقول: لا يؤاخذكم به، ولكن ما أردتم به العمد، وهو مثل الأول.
وذكر أن عمر - - سمع رجلا يقول: اللهم اغفر لي خَطَايَ؛ فقال له عمر: "استغفر الله العمد؛ فأمّا الخطأ فقد تجوز لك عنه"، وكان يقول: "ما أخاف عليكم الخطأ؛ ولكن أخاف عليكم العمد، وما أخاف عليكم العائلة؛ ولكن أخاف عليكم التكاثر، وما أخاف علكيم أن تزدروا أعمالكم؛ ولكن أخاف عليكم أن تستكثروها".
وذكر أن ثلاثاً لا يُمْلك عليها ابن آدم: الخطأ والنسيان والاستكراه، وكذلك روي عن ابن مسعود - - أنه قال ذلك.
وقال بعضهم: الخطأ - هاهنا - هو ما جرى على اللسان من غير قصد، والعمد ما يجري على قصد، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
لما فعلوا.
وقوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: النبي أولى بهم من بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ إذ لا أحد يقتل نفسه، ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض، ليس أنه يسلم الرجل على نفسه؛ ولكن ما ذكرنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: بعضهم من بعض.
ثم يحتمل هو أولى بهم من أنفسهم من الطاعة له والاحترام له والتعظيم، أي: هو أولى أن يعظم ويحترم ويطاع من غيره.
أو أن يكون أولى بهم في الرحمة والشفقة لهم، أي: أرحم بهم وأشفق من أنفسهم، وهو على ما وصفه من الرحمة والرأفة؛ حيث قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ وليس أحد من الناس يعز عليه ما يفعله من المآثم.
أو أن يجوز أولى بهم:، أي: أحبّ إليهم من أنفسهم وأولادهم، محبة الاختيار والإيثار، ليس محبّة الميل: ميل القلب؛ لأن ميل القلب يكون بالطبع.
وذكر في الخبر أن نبيّ الله قال: "ليس بمؤمن حتى أكون أنا أحبّ إليه من نفسه وولده وأهله" أو كلام نحو هذا.
أو أن يكون ﴿ أَوْلَىٰ بِهِمَا ﴾ في الآخرة بالشفاعة لهم، يشفع فينجون من النار به لا بأعمالهم، والله أعلم.
وذكر في بعض الحروف: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ : وهو حرف أبي وابن مسعود وابن عباس، م.
قوله: ﴿ وهو أب لهم ﴾ في الرحمة والشفقة، أو فيما يلزم من الطاعة والتعظيم والاحترام ونحوه.
وقوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ : في الحرمة؛ أي: لا يحل لهم أن يتزوجوهن أبداً كالأمهات، ولكن يجب أن يكون ذلك بعد وفاته، فأمّا في حياته إذا طلقهن فيجب أن يحللن لغيره؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا...
﴾ الآية [الأحزاب: 28]، ولو لم يحللن لغيره، لم يكن لما ذكر لهن من التمتيع والتسريح معنى، وهذه الحرمة يجب أن تكون بعد الموت، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ : إنما شرط هذا بعده؛ ليكن أزواجه في الآخرة.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ ، أي: حرمة أزواجه من بعده ومنزلتهن كمنزلة أمهاتهم؛ يستوجبن ذلك لحرمة رسول الله ومنزلته قبلهم.
وأما الباطنية فإنهم يقولون: في قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ دلالة أنه ليس يريد به أزواج النبي؛ ألا ترى أنه يحل للناس نكاح أولادهن، ولو كن أمهات لم تحل؛ لأنهم يصيرون إخوة وأخوات؛ فإذا حلّ ذلك دل أنه ما ذكرنا، هذا قولهم.
لكن الجواب لذلك ما ذكرنا: أنه جائز أن سمّاهن: أمهات، أي: منزلتهن وحرمتهن كمنزلة الأمهات؛ لحرمة رسول الله ومنزلته؛ وذلك جائز لأنه ذكر الشهداء أحياء عنده، وإن كانوا في الحقيقة موتى؛ لفضل الكرامة لهم والمنزلة عند الله، فعلى ذلك ذِكرُ الأمهات لأزواجه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : في حكم الله؛ كقوله: ﴿ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: حكم الله عليكم.
وقال بعضهم: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : فيما أنزل من الكتاب، وهو الذي ذكر، وكذلك: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: المكتوب عليهم: الذي ذكر على أثره.
ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ : قال بعضهم: إن المواريث في بدء الأمر لم تكن تجري إلا فيما بين المؤمنين المهاجرين من القرابات والأرحام، فإن كان مؤمناً لم يهاجر لم يرث ابنه ولا أباه ولا أخاه المهاجر ولا سائر قراباته إذا مات أحدهما، إلا أن يكونا مؤمنين مهاجرين؛ فعند ذلك يتوارثون؛ فعلى ذلك التأويل يكون تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ ﴾ : الذين لم يهاجروا من المؤمنين أن تُوصوا لهم شيئاً، فيقول قائل هذا التأويل: إن هذا نسخ بالآية التي ذكر في سورة الأنفال، وهو قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 75]، ولم يذكر فيها الهجرة إذا كانوا مسلمين.
وأمّا الكافر فإنه لا يرث المسلم، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ، وقال: "لا يتوارث أهل ملتين" وقال بعضهم: تأويل قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ من الأقربين منهم، أي: أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين الأقرب فالأقرب منهم، ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ من الأبعدين في المواريث أي: الأقرب منهم بعضهم أولى ببعض من الأبعدين.
﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ .
على هذا التأويل يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ ﴾ : الأبعدين ﴿ مَّعْرُوفاً ﴾ : وصية أو شيئاً، فذلك معروف فصارت المواريث للقرابات الأدنى فالأدنى من المؤمنين دون الأبعدين؛ فيكون الآية التي في الأنفال وهذه سواء على هذا التأويل، بل يكون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى أولى بالمواريث من غيرهم.
وبعضهم يقول: إن الآية نزلت ناسخة لما كان منهم من التوارث بالمؤاخاة؛ لأن النبي كان يؤاخي بين رجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته، حتى نسخ ذلك بالآية التي ذكر؛ فعلى ذلك يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ هو أن يصنعوا إلى الذين آخى بينهم النبي معروفاً.
ثم اختلف في أولي الأرحام المذكورين في الآية: قال بعضهم: هم الذين ذكرهم في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وقال بعضهم: ليسوا هم؛ وإنما الذي ذكر في ذلك هم الذين بيّن لهم حدّ مواريثهم، فأمّا غيرهم فإنما هم في قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ فإنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، وكذلك يقول أبو حنيفة - رحمه الله -: إن أولي الأرحام إنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، ليس كالعصبات؛ لأن الابنة لا شك أنها أقرب من ابن العم، ثم يكون النصف للابنة والبقية لابن العم.
وقوله: ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ .
قال بعضهم: في اللوح المحفوظ بأن المؤمنين بعضهم أولى ببعض في المواريث من الذين كانوا يتوارثون.
وقال بعضهم: ﴿ فِي ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: في التوراة مكتوباً: أن يصنع بنو إسرائيل إلى بني لؤي بن يعقوب معروفاً؛ ليعود الغني على الفقير، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
انسبوا من تزعمون أنهم أبناؤكم إلى آبائهم الحقيقيين، فنسبتهم إليهم هو العدل عند الله، فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فهم إخوانكم في الدين ومحرَّرُوكم من الرق، فنادُوا أحدهم بيا أخي ويا ابن عمي، ولا إثم عليكم إذا أخطأ أحدكم فنسب دعيًّا إلى مدّعيه، ولكن تأثمون عند تعمد النطق بذلك، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم حيث لم يؤاخذهم بالخطأ.
<div class="verse-tafsir" id="91.9Y2yL"