الآية ٦ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٦ من سورة الأحزاب

ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَـٰتُهُمْ ۗ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته ، ونصحه لهم ، فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم ، كما قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) [ النساء : 65 ] .

وفي الصحيح : " والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " .

وفي الصحيح أيضا أن عمر ، رضي الله عنه ، قال : يا رسول الله ، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي .

فقال : " لا يا عمر ، حتى أكون أحب إليك من نفسك " .

فقال : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي .

فقال : " الآن يا عمر " .

ولهذا قال تعالى في هذه الآية : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) .

وقال البخاري عندها : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا [ محمد بن ] فليح ، حدثنا أبي ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة .

اقرؤوا إن شئتم : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ، فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا .

فإن ترك دينا أو ضياعا ، فليأتني فأنا مولاه " .

تفرد به البخاري .

ورواه أيضا في " الاستقراض " وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طرق ، عن فليح ، به مثله .

ورواه الإمام أحمد ، من حديث أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري في قوله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، فأيما رجل مات وترك دينا ، فإلي .

ومن ترك مالا فلورثته " .

ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، به نحوه .

وقوله : ( وأزواجه أمهاتهم ) أي : في الحرمة والاحترام ، والإكرام والتوقير والإعظام ، ولكن لا تجوز الخلوة بهن ، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع ، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين ، كما هو منصوص الشافعي في المختصر ، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم .

وهل يقال لمعاوية وأمثاله : خال المؤمنين ؟

فيه قولان للعلماء .

ونص الشافعي على أنه يقال ذلك .

وهل يقال لهن : أمهات المؤمنات ، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبا ؟

فيه قولان : صح عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : لا يقال ذلك .

وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ، رحمه الله .

وقد روي عن أبي بن كعب ، وابن عباس أنهما قرآ : " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم " ، وروي نحو هذا عن معاوية ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن : وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي .

حكاه البغوي وغيره ، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، حدثنا ابن المبارك ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ، ولا يستطب بيمينه " ، وكان يأمر بثلاثة أحجار ، وينهى عن الروث والرمة .

وأخرجه النسائي وابن ماجه ، من حديث ابن عجلان .

والوجه الثاني : أنه لا يقال ذلك ، واحتجوا بقوله : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) : وقوله : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) أي : في حكم الله ( من المؤمنين والمهاجرين ) أي : القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار .

وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم ، كما قال ابن عباس وغيره : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه ، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا قال سعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف والخلف .

وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام ، رضي الله عنه ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي - من ساكني بغداد - عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله ، عز وجل ، فينا خاصة معشر قريش والأنصار : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ، وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة ، قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان ، فواخيناهم ووارثناهم .

فآخى أبو بكر خارجة بن زيد ، وآخى عمر فلانا ، وآخى عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلا من بني زريق ، سعد الزرقي ، ويقول بعض الناس غيره .

قال الزبير : وواخيت أنا كعب بن مالك ، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى ، فوالله يا بني ، لو مات يومئذ عن الدنيا ، ما ورثه غيري ، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا .

وقوله : ( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) أي : ذهب الميراث ، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية .

وقوله : ( كان ذلك في الكتاب مسطورا ) أي : هذا الحكم ، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول ، الذي لا يبدل ، ولا يغير .

قاله مجاهد وغير واحد .

وإن كان قد يقال : قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة ، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي ، وقضائه القدري الشرعي .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) يقول تعالى ذكره: (النَّبيُّ) محمد (أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ) يقول: أحق بالمؤمنين به (مِنْ أنْفُسِهِمْ)، أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم، فيجوز ذلك عليهم.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (النَّبيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسهِمْ) كما أنت أولى بعبدك ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدك جاز.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) قال: هو أب لهم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وأنا أوْلَى النَّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ(النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسهِمْ) وأيُّمَا مُؤمِنٍ تَرَكَ مالا فَلِوَرَثَتِهِ وَعَصَبَتِهِ مَنْ كانُوا، وَإن تَرَكَ دَيْنا أوْ ضياعا فَلْيأْتِني وأنا مَوْلاهُ".

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسن بن عليّ، عن أبي موسى إسرائيل بن موسى، قال: قرأ الحسن هذه الآية ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) قال: قال الحسن: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أنا أوْلى بكُلّ مُؤمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ" قال الحسن: وفي القراءة الأولى (أوْلَى بالمُؤْمنين مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال في بعض القراءة (النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ) وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ".

وقوله: (وأزْوَاجُهُ أمَّهاتُهُمْ) يقول: وحرمة أزواجه حرمة أمهاتهم عليهم، في أنهن يحرم عليهن نكاحهن من بعد وفاته، كما يحرم عليهم نكاح أمهاتهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) يعظِّم بذلك حقهنّ، وفي بعض القراءة: (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وأزْوَاجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) محرّمات عليهم.

وقوله: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ) يقول تعالى ذكره: وأولوا الأرحام الذين ورّثت بعضهم من بعض، هم أولى بميراث بعض من المؤمنين والمهاجرين أن يرث بعضهم بعضا، بالهجرة والإيمان دون الرحم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى ببَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ) لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابيّ المسلم لا يرث من المهاجرين شيئا، فأنـزل الله هذه الآية، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد آخَى بين المهاجرين والأنصار أوّل ما كانت الهجرة، وكانوا يتوارثون على ذلك، وقال الله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قال: إذا لم يأت رحم لهذا يحول دونهم، قال: فكان هذا أوّلا فقال الله: (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) يقول: إلا أن توصوا لهم (كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا) أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، قال: وكان المؤمنون والمهاجرون لا يتوارثون إن كانوا أولي رحم، حتى يهاجروا إلى المدينة، وقرأ قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ...

إلى قوله: وَفَسَادٌ كَبِيرٌ فكانوا لا يتوارثون، حتى إذا كان عام الفتح، انقطعت الهجرة، وكثر الإسلام، وكان لا يقبل من أحد أن يكون على الذي كان عليه النبيّ ومن معه إلا أن يهاجر؛ قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن بعث: " اغْدُوا عَلى اسْمِ اللهِ لا تَغْلُوا وَلا تُوَلُّوا، ادْعُوهُمْ إلى الإسْلامِ، فإنْ أجابُوكُمْ فاقْبَلُوا وَادْعُوهُمْ إلى الهِجْرَةِ، فإنْ هاجَرُوا مَعَكُمْ، فَلَهُمْ ما لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكُمْ، فإنْ أبَوْا وَلَمْ يُهاجِرُوا وَاخْتارُوا دَارَهُمْ فأقِرُّوهُمْ فِيها، فَهُمْ كالأعْرابِ تجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكام الإسْلام، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذَا الفَيْءِ نَصِيبٌ".

قال: فلما جاء الفتح، وانقطعت الهجرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ" وكثر الإسلام، وتوارث الناس على الأرحام حيث كانوا، ونسخ ذلك الذي كان بين المؤمنين والمهاجرين، وكان لهم في الفيء نصيب، وإن أقاموا وأبوا، وكان حقهم في الإسلام واحدًا، المهاجر وغير المهاجر والبدوي وكلّ أحد، حين جاء الفتح.

فمعنى الكلام على هذا التأويل: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين ببعضهم أن يرثوهم بالهجرة، وقد يحتمل ظاهر هذا الكلام أن يكون من صلة الأرحام من المؤمنين والمهاجرين، أولى بالميراث، ممن لم يؤمن، ولم يهاجر.

وقوله: (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا أن توصوا لذوي قرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجَّاج، عن سالم، عن ابن الحنفية (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) قالوا: يوصي لقرابته من أهل الشرك.

قال: ثنا عبدة، قال: قرأت على ابن أبي عروبة، عن قتادة (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) قال: للقرابة من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) قال: إلى أوليائكم من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري ويحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة (إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) قال: وصية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما قوله: (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) فقال: العطاء، فقلت له: المؤمن للكافر بينهما قرابة؟

قال: نعم عطاؤه إياه حباء ووصية له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تمسكوا بالمعروف بينكم بحقّ الإيمان والهجرة والحلف، فتؤتونهم حقهم من النصرة والعقل عنهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) قال: حلفاؤكم الذين والى بينهم النبيّ صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، إمساك بالمعروف والعقل والنصر بينهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن توصوا إلى أوليائكم من المهاجرين وصية.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفا) يقول: إلا أن توصوا لهم.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: معنى ذلك إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم وبينكم من المهاجرين والأنصار، معروفا من الوصية لهم، والنصرة والعقل عنهم، وما أشبه ذلك، لأن كلّ ذلك من المعروف الذي قد حثّ الله عليه عباده.

وإنما اخترت هذا القول، وقلت: هو أولى بالصواب من قيل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك، لأن القريب من المشرك، وإن كان ذا نسب فليس بالمولى، وذلك أن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك، وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا منهم وليا بقوله: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ وغير جائز أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء، ثم يصفهم جلّ ثناؤه بأنهم لهم أولياء.

وموضع " أن " من قوله: (إلا أنْ تَفْعَلُوا) نصب على الاستثناء ومعنى الكلام: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين ليسوا بأولي أرحام منكم معروفا.

وقوله: (كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا) يقول: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، أي في اللوح المحفوظ مسطورا أي مكتوبا، كما قال الراجز: في الصُّحُفِ الأولى التي كانَ سَطَرْ (3) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا) : أي أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: كان ذلك في الكتاب مسطورا: لا يرث المشرك المؤمن.

------------------------ الهوامش: (3) البيت من مشطور الرجز، وهو للعجاج الراجز، من أرجوزته المطولة التي مدح بها عمر بن عبد الله بن معمر، وقد بعثه عبد الملك لحرب أبي فديك الخارجي، فانتصر عليه.

(ديوان العجاج طبع ليبسج سنة 1903 ص 19).

والبيت شاهد على أن معنى سطر: كتب والسطر: الخط والكتابة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا .فيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم هذه الآية أزال الله تعالى بها أحكاما كانت في صدر الإسلام ; منها : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت عليه دين ، فلما فتح الله عليه الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ; فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته أخرجه الصحيحان .

وفيهما أيضا فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه .

قال ابن العربي : فانقلبت الآن الحال بالذنوب ، فإن تركوا مالا ضويق العصبة فيه ، وإن تركوا ضياعا أسلموا إليه ; فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيهه ; ولا عطر بعد عروس .

قال ابن عطية : وقال بعض العلماء العارفين : هو أولى بهم من أنفسهم ; لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك ، وهو يدعوهم إلى النجاة .

قال ابن عطية : ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام : أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش .قلت : هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها ، والحديث الذي ذكر أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه .

وعن جابر مثله ; وقال : وأنتم تفلتون من يدي .

قال العلماء : الحجزة للسراويل ، والمعقد للإزار ; فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه .

وهذا مثل لاجتهاد نبينا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا ، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا ; فهو أولى بنا من أنفسنا ; ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدونا اللعين بنا صرنا أحقر من الفراش [ ص: 115 ] وأذل من الفراش ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !

وقيل : أولى بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولى .

وقيل أولى بهم أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم ; أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه .الثانية : قال بعض أهل العلم : يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ; فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال : فعلي قضاؤه .

والضياع ( بفتح الضاد ) مصدر ضاع ، ثم جعل اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ، ومال لا قيم له .

وسميت الأرض ضيعة لأنها معرضة للضياع ، وتجمع ضياعا بكسر الضاد .الثالثة : وأزواجه أمهاتهم شرف الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين ; أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال ، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات .

وقيل : لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات ، ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني .

وجاز تزويج بناتهن ، ولا يجعلن أخوات للناس .

وسيأتي عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آية التخيير إن شاء الله تعالى .واختلف الناس هل هن أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة ؟

على قولين : فروى الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها : يا أمه ; فقالت لها : لست لك بأم ، إنما أنا أم رجالكم .

قال ابن العربي : وهو الصحيح .قلت : لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء ، والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء ; تعظيما لحقهن على الرجال والنساء .

يدل عليه صدر الآية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة .

ويدل على ذلك حديث أبي هريرة وجابر ; فيكون قوله : وأزواجه أمهاتهم عائدا إلى الجميع .

ثم إن في مصحف أبي بن كعب ( وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ) .

وقرأ ابن عباس : ( من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم ) .

وهذا كله يوهن ما رواه مسروق إن صح من جهة الترجيح ، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في التخصيص ، وبقينا على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم .

والله أعلم .[ ص: 116 ] الرابعة : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين قيل : إنه أراد بالمؤمنين الأنصار ، وبالمهاجرين قريشا .

وفيه قولان : أحدهما : أنه ناسخ للتوارث بالهجرة .

حكى سعيد عن قتادة قال : كان نزل في سورة الأنفال والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا فتوارث المسلمون بالهجرة ; فكان لا يرث الأعرابي المسلم من قريبه المسلم المهاجر شيئا حتى يهاجر ، ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض .

الثاني : أن ذلك ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين ; روى هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم ; فآخى أبو بكر خارجة بن زيد ، وآخيت أنا كعب بن مالك ، فجئت فوجدت السلاح قد أثقله ; فوالله لقد مات عن الدنيا ما ورثه غيري ، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فرجعنا إلى موارثنا .

وثبت عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الزبير وبين كعب بن مالك ، فارتث كعب يوم أحد فجاء الزبير يقوده بزمام راحلته ; فلو مات يومئذ كعب عن الضح والريح لورثه الزبير ، فأنزل الله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله .

فبين الله تعالى أن القرابة أولى من الحلف ، فتركت الوراثة بالحلف وورثوا بالقرابة .

وقد مضى في ( الأنفال ) الكلام في توريث ذوي الأرحام .

وقوله : في كتاب الله يحتمل أن يريد القرآن ، ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ الذي قضى فيه أحوال خلقه .

و من المؤمنين متعلق ب ( أولو ) لا بقوله [ تعالى ] : وأولو الأرحام بالإجماع ; لأن ذلك كان يوجب تخصيصا ببعض المؤمنين ، ولا خلاف في عمومها ، وهذا حل إشكالها ; قاله ابن العربي .

النحاس : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين يجوز أن يتعلق من المؤمنين ب ( أولو ) فيكون التقدير : وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين .

ويجوز أن يكون المعنى أولى من المؤمنين .

وقال المهدوي : وقيل إن معناه : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إلا ما يجوز لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعين أمهات المؤمنين .

والله تعالى أعلم .[ ص: 117 ] الخامسة : واختلف في كونهن كالأمهات في المحرم وإباحة النظر ; على وجهين : أحدهما : هن محرم ، لا يحرم النظر إليهن .

الثاني : أن النظر إليهن محرم ؛ لأن تحريم نكاحهن إنما كان حفظا لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن ، وكان من حفظ حقه تحريم النظر إليهن ; ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابنا لأختها من الرضاعة ، فيصير محرما يستبيح النظر .

وأما اللاتي طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه : أحدها : ثبتت لهن هذه الحرمة تغليبا لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثاني : لا يثبت لهن ذلك ، بل هن كسائر النساء ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت عصمتهن ، وقال : أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة .

الثالث : من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ثبتت حرمتها وحرم نكاحها وإن طلقها ; حفظا لحرمته وحراسة لخلوته .

ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة ; وقد هم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت فقالت : لم هذا !

وما ضرب علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حجابا ولا سميت أم المؤمنين ؟

!

فكف عنها عمر رضي الله عنه .السادسة : قال قوم : لا يجوز أن يسمى النبي صلى الله عليه وسلم أبا لقوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم .

ولكن يقال : مثل الأب للمؤمنين ; كما قال : إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم .

.

الحديث .

خرجه أبو داود .

والصحيح أنه يجوز أن يقال : إنه أب للمؤمنين ، أي في الحرمة ، وقوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم أي في النسب .

وسيأتي .

وقرأ ابن عباس : ( من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه ) .

وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها [ ص: 118 ] وقال : حكمها يا غلام ؟

فقال : إنها في مصحف أبي ; فذهب إليه فسأله فقال له أبي : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ؟

وأغلظ لعمر .

وقد قيل في قول لوط عليه السلام هؤلاء بناتي : إنما أراد المؤمنات ; أي تزوجوهن .

وقد تقدم .السابعة : قال قوم : لا يقال بناته أخوات المؤمنين ، ولا أخوالهن أخوال المؤمنين وخالاتهم .

قال الشافعي رضي الله عنه : تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق وهي أخت عائشة ، ولم يقل هي خالة المؤمنين .

وأطلق قوم هذا وقالوا : معاوية خال المؤمنين ; يعني في الحرمة لا في النسب .الثامنة : قوله تعالى : إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا يريد الإحسان في الحياة ، والوصية عند الموت ; أي أن ذلك جائز ; قاله قتادة والحسن وعطاء .

وقال محمد بن الحنفية ، نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني ; أي يفعل هذا مع الولي والقريب وإن كان كافرا ; فالمشرك ولي في النسب لا في الدين فيوصى له بوصية .

واختلف العلماء هل يجعل الكافر وصيا ; فجوز بعض ومنع بعض .

ورد النظر إلى السلطان في ذلك بعض ; منهم مالك رحمه الله تعالى .

وذهب مجاهد وابن زيد والرماني إلى أن المعنى : إلى أوليائكم من المؤمنين .

ولفظ الآية يعضد هذا المذهب ، وتعميم الولي أيضا حسن .

وولاية النسب لا تدفع الكافر ، وإنما تدفع أن يلقى إليه بالمودة كولي الإسلام .التاسعة : قوله تعالى : كان ذلك في الكتاب مسطورا ( الكتاب ) يحتمل الوجهين المذكورين المتقدمين في ( كتاب الله ) .

و ( مسطورا ) من قولك سطرت الكتاب إذا أثبته أسطارا .

وقال قتادة : أي مكتوبا عند الله عز وجل ألا يرث كافر مسلما .

قال قتادة : وفي بعض القراءة كان ذلك عند الله مكتوبا .

وقال القرظي : كان ذلك في التوراة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى المؤمنين، خبرًا يعرفون به حالة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومرتبته، فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة فقال: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أقرب ما للإنسان، وأولى ما له نفسه، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه عليه الصلاة والسلام، بذل لهم من النصح، والشفقة، والرأفة، ما كان به أرحم الخلق، وأرأفهم، فرسول اللّه، أعظم الخلق مِنَّةً عليهم، من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر، إلا على يديه وبسببه.فلذلك، وجب عليهم إذا تعارض مراد النفس، أو مراد أحد من الناس، مع مراد الرسول، أن يقدم مراد الرسول، وأن لا يعارض قول الرسول، بقول أحد، كائنًا من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على الخلق كلهم، وألا يقولوا حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه.وهو صلى اللّه عليه وسلم، أب للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده.فترتب على هذه الأبوة، أن كان نساؤه أمهاتهم، أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام، لا في الخلوة والمحرمية، وكأن هذا مقدمة، لما سيأتي في قصة زيد بن حارثة، الذي كان قبل يُدْعَى: \"زيد بن محمد\" حتى أنزل اللّه { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } فقطع نسبه، وانتسابه منه، فأخبر في هذه الآية، أن المؤمنين كلهم، أولاد للرسول، فلا مزية لأحد عن أحد وإن انقطع عن أحدهم انتساب الدعوة، فإن النسب الإيماني لم ينقطع عنه، فلا يحزن ولا يأسف.وترتب على أن زوجات الرسول أمهات المؤمنين، أنهن لا يحللن لأحد من بعده، كما الله صرح بذلك: \"وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا\" { وَأُولُو الْأَرْحَامِ } أي: الأقارب، قربوا أو بعدوا { بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } [أي]: في حكمه، فيرث بعضهم بعضًا، ويبر بعضهم بعضًا، فهم أولى من الحلف والنصرة.والأدعياء الذين كانوا من قبل، يرثون بهذه الأسباب، دون ذوي الأرحام، فقطع تعالى، التوارث بذلك، وجعله للأقارب، لطفًا منه وحكمة، فإن الأمر لو استمر على العادة السابقة، لحصل من الفساد والشر، والتحيل لحرمان الأقارب من الميراث، شيء كثير.{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } أي: سواء كان الأقارب مؤمنين مهاجرين وغير مهاجرين، فإن ذوي الأرحام مقدمون في ذلك، وهذه الآية حجة على ولاية ذوي الأرحام، في جميع الولايات، كولاية النكاح، والمال، وغير ذلك.{ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } أي: ليس لهم حق مفروض، وإنما هو بإرادتكم، إن شئتم أن تتبرعوا لهم تبرعًا، وتعطوهم معروفًا منكم، { كَانَ } ذلك الحكم المذكور { فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } أي: قد سطر، وكتب، وقدره اللّه، فلا بد من نفوذه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته عليهم .

وقال ابن عباس وعطاء : يعني إذا دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بهم من طاعتهم أنفسهم .

وقال ابن زيد : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى فيهم ، كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه .

وقيل : هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه .

وقيل : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلى الجهاد فيقول قوم : نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا ، فنزلت الآية .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا أبو عامر ، أخبرنا فليح ، عن هلال بن علي بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة " ، اقرأوا إن شئتم ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته ، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه " .

قوله - عز وجل - : ( وأزواجه أمهاتهم ) وفي حرف أبي : ( وأزواجه وأمهاتهم وهو أب لهم ) وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد ، لا في النظر إليهن والخلوة بهن ، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب ، قال الله تعالى : " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب " ( الأحزاب - 53 ) ، ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لأخوانهن وأخواتهن هم أخوال المؤمنين وخالاتهم .

قال الشافعي : تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر ، وهي أخت أم المؤمنين ، ولم يقل هي خالة المؤمنين .

واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات ؟

قيل : كن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعا .

وقيل كن أمهات المؤمنين دون النساء ، روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها : قالت يا أمه!

فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم فبان بهذا معنى هذه الأمومة وهو تحريم نكاحهن .

قوله - عز وجل - : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) يعني : في الميراث ، قال قتادة : كان المسلمون يتوارثون بالهجرة .

قال الكلبي : آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الناس ، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته ، حتى نزلت هذه الآية : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) في حكم الله ) ( من المؤمنين ) الذين آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ) ( والمهاجرين ) يعني ذوي القرابات ، بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرث بالإيمان والهجرة ، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت بالقرابة .

قوله : ( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) أراد بالمعروف الوصية للذين يتولونه من المعاقدين ، وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه .

وقال مجاهد : أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة .

وقيل : أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة ، يعني : وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض ، أي : لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، أي : إلا أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة ، وهذا قول قتادة وعطاء وعكرمة .

( كان ذلك في الكتاب مسطورا ) أي : كان الذي ذكرت من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا .

وقال القرظي : في التوراة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم» فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه «وأزواجه أمهاتهم» في حرمة نكاحهن عليهم «وأولوا الأرحام» ذوو القرابات «بعضهم أولى ببعض» في الإرث «في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين» أي من الإرث بالإيمان والهجرة الذي كان أول الإسلام فنسخ «إلا» لكن «أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا» بوصية فجائز «كان ذلك» أي نسخ الإرث بالإيمان والهجرة بإرث ذوي الأرحام «في الكتاب مسطورا» وأريد بالكتاب في الموضعين اللوح المحفوظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين، وأقرب لهم من أنفسهم في أمور الدين والدنيا، وحرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على أُمَّته كحرمة أمهاتهم، فلا يجوز نكاح زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده.

وذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالإيمان والهجرة (وكان المسلمون في أول الإسلام يتوارثون بالهجرة والإيمان دون الرحم، ثم نُسخ ذلك بآية المواريث) إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية، كان هذا الحكم المذكور مقدَّرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ، فيجب عليكم العمل به.

وفي الآية وجوب كون النبي صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلى العبد من نفسه، ووجوب كمال الانقياد له، وفيها وجوب احترام أمهات المؤمنين، زوجاته صلى الله عليه وسلم، وأن من سبَّهن فقد باء بالخسران.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم صلى الله عليه وسلم ونحو أزواجه ، وما يجب للأقارب فيها بينهم ، فقال - تعالى - : ( النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ .

.

.

) .أى : النبى صلى الله عليه وسلم أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى فى المحبة والطاعة ، فإذا ما دعاهم إلى أمر ، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، وجب أن يؤثروا ما دعاهم إليه ، على ما تدعوهم إليه أنفسهم ، لأنه صلى الله علي وسلم لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم ، أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم .وفى الحديث الصحيح الذى رواه الإِمام مسلم عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن مثلى ومثل أمتى ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه - أى فى الشئ المستوقد - وأنا آخذ بِحُجزكم - أى : وأنا آخذ بما يمنعكم من السقوط كملابسكم ومعاقد الإِزار - وأنتم تقحمون فيه " أى : وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم - .

قال القرطبى : قال العلماء : الحجزة : السراويل ، والمعقد للإِزار ، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه ، وهذا مثل لاجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم فى نجاتنا ، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التى بين أيدينا ، فهو أولى بنا من أنفسنا .وقال الإِمام ابن كثير .

قد علم الله - تعالى - شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته ، ونصحه لهم : فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم .وفى الصحيح " والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " .وروى البخارى عن هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة .

اقرءوا إن شئتم : ( النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه " .وروى الإِمام أحمد عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا فإلى ، ومن ترك مالا فلورثته " .وقال الآلوسى : وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة فى حق المؤمنين ، يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم ، وحكمه - عليه الصلاة والسلام - عليهم أنفذ من حكمها ، وحقه آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها .وسبب نزول الآية - على ما قيل - ما روى من أنه صلى الله عليه وسلم أراد غزوة تبوك ، فأمر الناس بالخروج : فقال أناس منهم : نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنلزت .

ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم ، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى .ثم بين - سبحانه - منزلة أزواجه صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمؤمنين فقال : ( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) أى : وأزواجه صلى الله عليه وسلم بمنزلة أمهاتكم - أيها المؤمنون - فى الاحترام والإِكرام ، وفى حرمة الزواج بهن .قالوا : وأما ما عدا ذلك كالنظر إليهن ، والخلوة بهن ، وإرثهن .

فهن كالأجنبيات .ثم بين - سبحانه - أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال - تعالى - ( وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً ) .والمراد بأولى الأرحام : الأقارب الذين تربط بينهم رابطة الرحم كالآباء والأبناء والإِخوة ، والأخوات .وقوله : ( فِي كِتَابِ الله ) متعلق بقوله ( أولى ) أو بمحذوف على أنه حال من الضمير فى ( أولى ) .والمراد بالمؤمنين والمهاجرين .

من لا تربط بينهم وبين غيرهم رابطة قرابة .قال ابن كثير : وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله - عز وجل - فينا خاصة معشر قريش والأنصار : ( وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ) وذلك أنا معشر قريش ، لما قدمنا المدينة قدمناه ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان ، فواخيناهم ووارثناهم .

.

حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا .وشبيه بهذه الآية فى وجوب أن يكون التوارث بحسب قرابة الدم ، قوله - تعالى - فى آخر آية من سورة الأنفال : ( والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) والاستثناء فى قوله - سبحانه - : ( إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ) رجح بعضهم أنه استثناء منقطع .

وقوله ( أَن تفعلوا ) مبتدأ ، وخبره محذوف .والمراد بالكتاب فى قوله ( كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً ) القرآن الكريم ، أو اللوح المحفوظ .والمعنى : وأولو الأرحام وهم الأقارب ، بعضهم أولى ببعض فى التوارث فيما بينهم ، وفى تبادل المنافع بعضهم مع بعض ، وهذه الأولية والأحقية ثابتة فى كتاب الله - تعالى - حيث بين لكم فى آيات المواريث التى بسورة النساء ، كيفية تقسيم التركة بين الأقارب ، وهم بهذا البيان أولى فى ميراث الميت من المؤمنين والمهاجرين الذين لا تربطهم بالميت صلة القرابة .هذا هو حكم الشرع فيما يتعلق بالتوارث ، لكن إذا أردتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا إلى غير أقاربكم من المؤمنين معروفا ، كأن توصوا له ببعض المال فلا بأس ، ولا حرج عليكم فى ذلك .وهذا الحكم الذى بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث بين الأقارب ، كان مسطورا ومكتوبا فى اللوح المحفوظ ، وفى آيات القرآن التى سبق نزولها ، فاعملوا بما شرعناه لكم ، واتركوا ما نهيناكم عنه .قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ) هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام ، والتقدير : وأولو الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كل شئ من الإِرث وغيره ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، من صدقة أو وصية ، فإن ذلك جائز .وإما منقطع .

والمعنى : لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به .والإِشارة بقوله : ( كَانَ ذَلِكَ ) تعود إلى ما تقدم ذكره .

أى : كان نسخ الميراث بالهجرة والمخالفة والمعاقدة ، ورده إلى ذوى الأرحام من القرايات ( فِي الكتاب مَسْطُوراً ) أى : فى اللوح المحفوظ ، أو فى القرآن مكتوبا .وبذلك نرى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم ، وما يجب عليهم نحو أزواجه ، وما يجب عليهم نحو أقاربهم فيما يتعلق بالتوارث .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ تقرير لصحة ما صدر منه عليه الصلاة والسلام من التزوج بزينب وكأن هذا جواب عن سؤال وهو أن قائلاً لو قال هب أن الأدعياء ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سماه غيره ابناً إذا كان لدعيه شيء حسن لا يليق بمروءته أن يأخذه منه ويطعن فيه عرفاً فقال الله تعالى: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين ﴾ جواباً عن ذلك السؤال وتقريره هو أن دفع الحاجات على مراتب؛ دفع حاجة الأجانب ثم دفع حاجة الأقارب الذين على حواشي النسب ثم دفع حاجة الأصول والفصول ثم دفع حاجة النفس، والأول عرفاً دون الثاني وكذلك شرعاً فإن العاقلة تتحمل الدية عنهم ولا تتحملها عن الأجانب والثاني دون الثالث أيضاً وهو ظاهر بدليل النفقة والثالث دون الرابع فإن النفس تقدم على الغير وإليه أشار النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول إذا علمت هذا فالإنسان إذا كان معه ما يغطي به إحدى الرجلين أو يدفع به حاجة عن أحد شقي بدنه، فلو أخذ الغطاء من أحدهما وغطى به الآخر لا يكون لأحد أن يقول له لم فعلت فضلاً عن أن يقول بئسما فعلت، اللهم إلا أن يكون أحد العضوين أشرف من الآخر مثل ما إذا وقى الإنسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذي هو معدن حواسه ويترك رجله تبرد فإنه الواجب عقلاً، فمن يعكس الأمر يقال له لم فعلت، وإذا تبين هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمن من نفسه فلو دفع المؤمن حاجة نفسه دون حاجة نبيه يكون مثله مثل من يدهن شعره ويكشف رأسه في برد مفرط قاصداً به تربية شعره ولا يعلم أنه يؤذي رأسه الذي لا نبات لشعره إلا منه، فكذلك دفع حاجة النفس فراغها إلى عبادة الله تعالى ولا علم بكيفية العبادة إلا من الرسول عليه الصلاة والسلام، فلو دفع الإنسان حاجته لا للعبادة فهو ليس دفعاً للحاجة لأن دفع الحاجة ما هو فوق تحصيل المصلحة وهذا ليس فيه مصلحة فضلاً عن أن يكون حاجة وإذا كان للعبادة فترك النبي الذي منه يتعلم كيفية العبادة في الحاجة ودفع حاجة النفس مثل تربية الشعر مع إهمال أمر الرأس، فتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً حرم على الأمة التعرض إليه في الحكمة الواضحة.

ثم قال تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ تقريراً آخر، وذلك لأن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما جعلها الله تعالى في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت الزوجات في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره، فلو قال قائل كيف قال: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ وقال من قبل: ﴿ وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم ﴾ إشارة إلى أن غير من ولدت لا تصير أماً بوجه، ولذلك قال تعالى في موضع آخر: ﴿ إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ  ﴾ فنقول قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿ والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِى السبيل ﴾ جواب عن هذا معناه أن الشرع مثل الحقيقة، ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة.

كما أن امرأتين إذا ادعت كل واحدة ولداً بعينه ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد، وإن تبين أن التي حلفت دون البلوغ أو بكر ببينة لا يحكم لها بالولد، فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع، لا بل في بعض المواضع على الندور تغلب الشريعة الحقيقة، فإن الزاني لا يجعل أباً لولد الزنا.

إذا ثبت هذا فالشارع له الحكم فقول القائل هذه أمي قول يفهم لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة.

وأما قول الشارع (فهو) حق والذي يؤيده هو أن الشارع به الحقائق حقائق فله أن يتصرف فيها، ألا ترى أن الأم ما صارت أماً إلا بخلق الله الولد في رحمها، ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها، فإذا كان هو الذي يجعل الأم الحقيقية أماً فله أن يسمى امرأة أماً ويعطيها حكم الأمومة، والمعقول في جعل أزواجه أمهاتنا هو أن الله تعالى جعل زوجة الأب محرمة على الابن، لأن الزوجة محل الغيرة والتنازع فيها، فإن تزوج الابن بمن كانت تحت الأب يفضي ذلك إلى قطع الرحم والعقوق، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أشرف وأعلى درجة من الأب وأولى بالإرضاء، فإن الأب يربي في الدنيا فحسب، والنبي عليه الصلاة والسلام يربي في الدنيا والآخرة، فوجب أن تكون زوجاته مثل زوجات الآباء، فإن قال قائل: فلم لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى، أو لم يقل إن أزواجه أزواج أبيكم فنقول لحكمة، وهي أن النبي لما بينا أنه إذا أراد زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي عليه الصلاة والسلام، فلو قال أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب لقوله عليه الصلاة والسلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ولذلك فإن المحتاج إلى القوت لا يجب عليه صرفه إلى الأب، ويجب عليه صرفه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إن أزواجه لهم حكم زوجات الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن، وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقية والرضاعية.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً ﴾ إشارة إلى الميراث، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ إشارة إلى الوصية، يعني إن أوصيتم فغير الوارثين أولى، وإن لم توصوا فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم، فإن قيل فعلى هذا أي تعلق للميراث والوصية بما ذكرت نقول تعلق قوي خفي لا يتبين إلا لمن هداه الله بنوره، وهو أن غير النبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته لا يصير له مال الغير، وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته، والنبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لورثته بعد وفاته كأن الله تعالى عوض النبي عليه الصلاة والسلام عن قطع ميراثه بقدرته على تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه يرجع إليهم، حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم ولا يرجع إليهم فقال تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ يعني بينكم التوارث فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم الثاني: هو أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبي عليه الصلاة والسلام أولي بالمؤمنين وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم إذا أراد أحد براً مع صديق فيوصي له بشيء فيصير أولى من قريبه وكأنه بالوصية قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا إلى من أريده، فكذلك الله تعالى جعل لصديقه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره وقوله: ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطوراً ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في القرآن وهو آية المواريث والوصية والثاني: في اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ النبى أولى بالمؤمنين ﴾ في كل شيء من أمور الدين والدنيا ﴿ مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ ولهذا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرفهم عنه، لأنّ كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة والظفر بسعادة الدارين وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم لئلا يتهافتوا فيما يرمي بهم إلى الشقاوة وعذاب النار.

أو هو أولى بهم، على معنى أنه أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، كقوله تعالى: ﴿ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ مؤمنٍ إلاّ أنا أولى بهِ فِي الدنيا والآخرةِ.

اقرؤوا إنْ شئتم ﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فأيما مؤمن هلك وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ» وفي قراءة ابن مسعود: «النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم» .

وقال مجاهد: كل نبيّ فهو أبو أمّته.

ولذلك صار المؤمنون إخوة؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ تشبيه لهنّ بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن: قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ [الأحزاب: 53] وهنّ فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: لسنا أمهات النساء.

تعني أنهنّ إنما كنّ أمّهات الرجال، لكونهنّ محرّمات عليهم كتحريم أمّهاتهم.

والدليل على ذلك: أنّ هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهنّ، وكذلك لم يثبت لهنّ سائر أحكام الأمهات.

كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة، كما كانت تتألف قلوب قوم بإسهام لهم في الصدقات، ثم نسخ ذلك لما دجا الإسلام وعزّ أهله، وجعل التوارث بحق القرابة ﴿ فِى كتاب الله ﴾ في اللوح.

أو فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية.

أو في آية المواريث.

أو فيما فرض الله كقوله: ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء: 24] .

﴿ مِنَ المؤمنين والمهاجرين ﴾ يجوز أن يكون بياناً لأولى الأرحام، أي: الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب.

ويجوز أن يكون لابتداء الغاية.

أي: أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة.

فإن قلت: مم استثنى ﴿ أَن تَفْعَلُواْ ﴾ ؟

قلت: من أعم العام في معنى النفع والإحسان، كما تقول: القريب أولى من الأجنبي إلا في الوصية، تريد: أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك، إلا في الوصية.

والمراد بفعل المعروف: التوصية لأنه لا وصية لوارث وعدى تفعلوا بإلى، لأنه في معنى: تسدوا وتزلوا والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى ما ذكر في الآيتين جميعاً.

وتفسير الكتاب: ما مر آنفاً، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ في الأُمُورِ كُلِّها فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهم ولا يَرْضى مِنهم إلّا بِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاحُهم بِخِلافِ النَّفْسِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْرُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِها وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أتَمَّ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ ناسٌ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا فَنَزَلَتْ» .

وَقُرِئَ «وَهُوَ أبٌ لَهم» أيْ في الدِّينِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أصْلٌ فِيما بِهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً.

﴿ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتُهُنَّ في التَّحْرِيمِ واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ وفِيما عَدا ذَلِكَ فَكالأجْنَبِيّاتِ، ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَسْنا أُمَّهاتِ النِّساءِ.

﴿ وَأُولُو الأرْحامِ ﴾ وذَوُو القَراباتِ.

﴿ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ في التَّوارُثِ وهو نَسْخٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ في الدِّينِ.

﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ في اللَّوْحِ أوْ فِيما أُنْزِلَ، وهو هَذِهِ الآيَةُ أوْ آيَةُ المَوارِيثِ أوْ فِيمَ فَرَضَ اللَّهُ.

﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِأُولِي أيْ أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ.

﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ ما يُقَدِّرُ الأوْلَوِيَّةَ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ والمُرادُ بِفِعْلِ المَعْرُوفِ التَّوْصِيَةُ أوْ مُنْقَطِعٌ ﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ كانَ ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ ثابِتًا في اللَّوْحِ أوِ القُرْآنِ.

وقِيلَ في التَّوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا وحكمه أنفذ عليهم من حكمها فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه أو هو أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع

لهم كقوله بالمؤمنين رءوف رحيم وفي قراءة ابن مسعود النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وقال مجاهد كل نبي أبو أمته ولذلك صار المؤمنون أخوة لأن النبى صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين {وأزواجه أمهاتهم} في تحريم نكاحهن ووجوب تعطيمهن وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن {وأولو الأرحام} وذووالقراباب {بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ} في التوارث وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالفرابة ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بحق القرابة {فِى كتاب الله} في حكمه وقضائه أو في اللوح المحفوظ أو فيما فرض الله {مِنَ المؤمنين والمهاجرين} يجوز أن يكون بياناً لأولي الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضها من الاجانب وأن يكون لا بتداء الغاية أى أولوا الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين أى الانصار بحق الولاية فى الدين من المهاجرين بحق الهجرة {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً} الاستثناء من خلاف الجنس أي لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفاً جائز وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء فيكون ذلك بالوصية لا بالميراث وعدي تَفْعَلُواْ بالى لأنه في معنى تسدوا والمراد بالأولياء المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين {كَانَ ذلك فِى الكتاب مَسْطُورًا} أي التوارث بالأرحام كان مسطوراً فى اللوح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ النَّبِيُّ ﴾ إلَخْ، وهَلُمَّ جَرّا إلى آخِرِ السُّورَةِ تَفْصِيلًا لِقَوْلِ الحَقِّ والِاهْتِداءِ إلى السَّبِيلِ القَوِيمِ انْتَهى، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ إلَيْهِمْ ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أوْ أشَدُّ ولايَةً ونُصْرَةً لَهم مِنها، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْمُرُهم ولا يَرْضى مِنهم إلّا بِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاحُهم بِخِلافِ النَّفْسِ فَإنَّها إمّا أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، وحالُها ظاهِرٌ أوَّلًا، فَقْدَ تَجْهَلُ بَعْضَ المَصالِحِ، وتَخْفى عَلَيْها بَعْضُ المَنافِعِ، وأُطْلِقَتِ الأوْلَوِيَّةُ لِيُفِيدَ الكَلامُ أوْلَوِيَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ الأُمُورِ، ويُعْلَمَ مِن كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِهِمْ مِن كُلٍّ مِنَ النّاسِ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: ««ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمُ: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ»» ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الأنْفُسِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ ، لِأنَّ إفادَةَ الآيَةِ المُدَّعى عَلى الظّاهِرِ ظاهِرَةٌ أيْضًا، وإذا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذِهِ المَثابَةِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ أنْفَذَ مِن حُكْمِها، وحَقُّهُ آثَرَ لَدَيْهِمْ مِن حُقُوقِها، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أقْدَمَ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قِيلَ ما رُوِيَ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ أُناسٌ مِنهُمْ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا، فَنَزَلَتْ».

ووَجْهُ دِلالَتِها عَلى السَّبَبِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا كانَ أوْلى مِن أنْفُسِهِمْ فَهو أوْلى مِنَ الأبَوَيْنِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، ولا حاجَةَ إلى حَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ عَلى خِلافِ المَعْنى المُتَبادِرِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ﴿ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ أيْ مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَةَ أُمَّهاتِهِمْ في تَحْرِيمِ النِّكاحِ، واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ، وأمّا فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ، والخَلْوَةِ بِهِنَّ وإرْثِهِنَّ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهُنَّ كالأجْنَبِيّاتِ، وفَرَّعَ عَلى هَذا القَسْطَلّانِيُّ في المَواهِبِ: أنَّهُ لا يُقالُ لِبَناتِهِنَّ: أخَواتُ المُؤْمِنِينَ في الأصَحِّ، والطَّبَرْسِيُّ وهو شِيعِيٌّ: أنَّهُ لا يُقالُ لِإخْوانِهِنَّ: أخْوالُ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُسِرُّ حَسْوًا بِارْتِغاءٍ، وفي المَواهِبِ: أنَّ في جَوازِ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ وجْهَيْنِ أشْهَرُهُما المَنعُ، ولِكَوْنِ وجْهِ الشَّبَهِ مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِامْرَأةٍ قالَتْ لَها يا أُمَّهْ: (أنا أُمُّ رِجالِكم لا أُمُّ نِسائِكُمْ) أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْها، ولا يُنافِي هَذا اسْتِحْقاقَ التَّعْظِيمِ مِنهُنَّ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكُمْ، والنِّساءِ)، وعَلَيْهِ يَكُونُ ما ذُكِرَ وجْهَ الشَّبَهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرِّجالِ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النِّساءِ فَهو اسْتِحْقاقُ التَّعْظِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أزْواجِهِ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن طَلَّقَها، ومَن لَمْ يُطَلِّقْها، ورَوى ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ، فَيَثْبُتُ الحُكْمُ لِكُلِّهِنَّ، وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ وصَحَّحَهُ في الرَّوْضَةِ، وقِيلَ: لا يَثْبُتُ الحُكْمُ لِمَن فارَقَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَياةِ كالمُسْتَعِيذَةِ، والَّتِي رَأى بِكَشْحِها بَياضًا، وصَحَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، والرّافِعِيُّ في الصَّغِيرِ تَحْرِيمَ المَدْخُولِ بِها فَقَطْ، لِما رُوِيَ أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ نَكَحَ المُسْتَعِيذَةَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهِ، فَأخْبَرَهُ أنَّها لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِها فَكَفَّ، وفي رِوايَةٍ: أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَمَّ بِرَجْمِها، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا؟

وما ضُرِبَ عَلَيَّ حِجابٌ، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا، فَكَفَّ عَنْها، وذَكَرَ في المَواهِبِ: أنَّ في حِلِّ مَنِ اخْتارَتْ مِنهُنَّ الدُّنْيا لِلْأزْواجِ طَرِيقَيْنِ، أحَدُهُما طَرْدُ الخِلافِ، والثّانِي القَطْعُ بِالحِلِّ، واخْتارَ هَذا الإمامُ والغَزالِيُّ، وحُكِيَ القَوْلُ بِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا يَثْبُتُ لَها هَذا الحُكْمُ عَنِ الشِّيعَةِ، وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِهِمْ نَفْيَ الأُمُومَةِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالُوا: لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوَّضَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنْ يُبْقِيَ مَن يَشاءُ مِن أزْواجِهِ، ويُطَلِّقَ مَن يَشاءُ مِنهُنَّ بَعْدَ وفاتِهِ وِكالَةً عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ طَلَّقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عائِشَةَ يَوْمَ الجَمَلِ، فَخَرَجَتْ عَنِ الأزْواجِ، ولَمْ يَبْقَ لَها حُكْمُهُنَّ، وبَعْدَ أنْ كَتَبْتُ هَذا اتَّفَقَ لِي أنْ نَظَرْتُ في كِتابٍ ألَّفَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَحْرانِيُّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ في مَثالِبِ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ حاشى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَرَأيْتُ ما نَصُّهُ: رَوى أبُو مَنصُورٍ أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ الطَّبَرْسِيُّ في كِتابِ الِاحْتِجاجِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ سَألَ القائِمَ المُنْتَظَرَ وهو طِفْلٌ في حَياةِ أبِيهِ، فَقالَ لَهُ: يا مَوْلانا وابْنَ مَوْلانا، رُوِيَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ طَلاقَ نِسائِهِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حَتّى أنَّهُ بَعَثَ في يَوْمِ الجَمَلِ رَسُولًا إلى عائِشَةَ وقالَ: إنَّكِ أدْخَلْتِ الهَلاكَ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ بِالغِشِّ الَّذِي حَصَلَ مِنكِ، وأوْرَدْتِ أوْلادَكِ في مَوْضِعِ الهَلاكِ بِالجَهالَةِ، فَإنِ امْتَنَعْتِ وإلّا طَلَّقْتُكِ، فَأخْبِرْنا يا مَوْلانا عَنْ مَعْنى الطَّلاقِ الَّذِي فَوَّضَ حُكْمَهُ رَسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَظَّمَ شَأْنَ نِساءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَخَصَّهُنَّ بِشَرَفِ الأُمَّهاتِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا أبا الحَسَنِ إنَّ هَذا الشَّرَفَ باقٍ ما دُمْنا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَأيَّتُهُنَّ عَصَتِ اللَّهَ تَعالى بَعْدِي بِالخُرُوجِ عَلَيْكَ فَطَلِّقْها مِنَ الأزْواجِ وأسْقِطْها مِن شَرَفِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ورَوى الطَّبَرْسِيُّ أيْضًا في الِاحْتِجاجِ عَنِ الباقِرِ أنَّهُ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمَلِ وقَدْ رُشِقَ هَوْدَجُ عائِشَةَ بِالنَّبْلِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: واللَّهِ ما أُرانِي إلّا مُطَلِّقُها، فَأنْشَدَ اللَّهَ تَعالى رَجُلًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: يا عَلِيُّ أمْرُ نِسائِي بِيَدِكَ مِن بَعْدِي لَمّا قامَ فَشَهِدَ فَقامَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَشَهِدُوا بِذَلِكَ الحَدِيثِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الأخْبارِ الَّتِي لا تَحْضُرُنِي الآنَ ما هو صَرِيحٌ في وُقُوعِ الطَّلاقِ اهـ، ما قالَهُ البَحْرانِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ.

وهَذا لَعَمْرِي مِنَ السَّفاهَةِ والوَقاحَةِ والجَسارَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكانٍ، وبُطْلانُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ورَكاكَةُ ألْفاظِهِ تُنادِي عَلى كَذِبِهِ بِأعْلى صَوْتٍ، ولا أظُنُّهُ قَوْلًا مُرْضِيًا عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ مِنهُمْ، فَلَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَنِ اخْتَلَقَهُ، وكَذا مَن يَعْتَقِدُهُ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ «النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ في الحَرْفِ الأوَّلِ «النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبُوهُمْ» وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُما «النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ»، وإطْلاقُ الأبِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الأبَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ أيْضًا بَلْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحَقُّ بِالأُبُوَّةِ مِنهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كُلُّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ، ومِن هُنا قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ: هَؤُلاءِ بَناتِي، أنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، ووَجْهُهُ ما ذُكِرَ، ويَلْزَمُ مِن هَذِهِ الأُبُوَّةِ عَلى ما قِيلَ أُخُوَّةُ المُؤْمِنِينَ.

ويُعْلَمُ مِمّا رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الأُبُوَّةَ لَيْسَتْ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا لَيْسَ كَأُمُومَةِ أزْواجِهِ، فَإنَّها عَلى ما في المَواهِبِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ فَلا يَحْرُمُ نِكاحُ أزْواجِ مَن عَداهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بَعْدِهِمْ عَلى أحَدٍ مِن أُمَمِهِمْ، ﴿ وأُولُو الأرْحامِ ﴾ أيْ ذَوُو القَراباتِ الشّامِلُونَ لِلْعَصَباتِ لا ما يُقابِلُهم ﴿ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ، وغَيْرِهِ مِنَ النَّفْعِ المالِيِّ، أوْ في التَّوارُثِ، ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ الآتِي ذِكْرُهُ، ﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ أيْ فِيما كَتَبَهُ في اللَّوْحِ، أوْ فِيما أنْزَلَهُ، وهي آيَةُ المَوارِيثِ أوْ هَذِهِ الآيَةُ، أوْ فِيما كَتَبَهُ سُبْحانَهُ وفَرَضَهُ وقَضاهُ ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ﴾ صِلَةٌ (لِأوْلى)، فَمَدْخُولُ ( مِن ) هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهي ابْتِدائِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو، أيْ أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى في كُلِّ نَفْعٍ، أوْ بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا (لِأُولُو الأرْحامِ)، أيِ الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وكانَ في المَدِينَةِ تَوارُثٌ بِالهِجْرَةِ، وبِالمُوالاةِ في الدِّينِ ذَلِكَ بِآيَةِ آخِرِ الأنْفالِ، أوْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بِالإجْماعِ، وأرادُوا كَشْفَهُ عَنِ النّاسِخِ وإلّا فَهو لا يَكُونُ ناسِخًا كَما لا يَخْفى، ورَفْعُ ( بَعْضُهم ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِيَّةِ وأنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، ( وفي كِتابِ ) مُتَعَلِّقٌ (بِأوْلى)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا والعامِلُ فِيهِ مَعْنى ( أوْلى )، ولا يَجُوزُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ( أُولُو ) لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ، ولِأنَّهُ لا عامِلَ إذًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ إمّا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِّ ما تُقَدَّرُ الأوْلَوِيَّةُ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: القَرِيبُ أوْلى مِنَ الأجْنَبِيِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ في كُلِّ نَفْعٍ مِن مِيراثٍ وصَدَقَةٍ وهَدِيَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ إلّا في الوَصِيَّةِ، فَإنَّها المُرادَةُ بِالمَعْرُوفِ فالأجْنَبِيُّ أحَقُّ بِها مِنَ القَرِيبِ الوارِثِ فَإنَّها لا تَصِحُّ لِوارِثٍ، وإمّا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِما فِيهِ الأوْلَوِيَّةُ هو التَّوارُثُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن خِلافِ الجِنْسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُوَرِّثُوا غَيْرَ أُولِي الأرْحامِ، لَكِنْ فِعْلُكم إلى أوْلِيائِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ الأجانِبِ مَعْرُوفًا وهو أنْ تُوصُوا لِمَن أحْبَبْتُمْ مِنهم بِشَيْءٍ جائِزٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ بِالوَصِيَّةِ لا بِالمِيراثِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْرُوفُ عامًّا لِما عَدا المِيراثَ، والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ انْقِطاعُ الِاسْتِثْناءِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ، ومَكِّيٌّ، وكَذا الطَّبَرْسِيُّ، وجُعِلَ المَصْدَرُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وتَفْسِيرُ الأوْلِياءِ بِمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، فَهو مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى أنَّ ( مِن ) فِيما تَقَدَّمَ لِلِابْتِداءِ لا لِلْبَيانِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَهُ بِالَّذِينِ والى بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ.

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جَوازِ وصِيَّةِ المُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، وأخْرَجُوا عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الأوْلِياءُ القَرابَةُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، والمَعْرُوفُ الوَصِيَّةُ، وحُكِيَ في البَحْرِ عَنْ جَماعَةٍ مِنهُمُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ: أنَّ الأوْلِياءَ يَشْمَلُ القَرِيبَ والأجْنَبِيَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، وأنَّ المَعْرُوفَ أعَمُّ مِنَ الوَصِيَّةِ.

وقَدْ أجازَها لِلْكافِرِ القَرِيبِ، وكَذا الأجْنَبِيُّ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ والإمامِيَّةِ يُجَوِّزُونَها لِبَعْضِ ذَوِي القَرابَةِ الكُفّارِ، وهُمُ الوالِدانِ، والوَلَدُ لا غَيْرُ، والنَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ لا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ والبِرِّ لَهم.

وعُدِّيَ (تَفْعَلُوا) بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإيصالِ والإسْداءِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أنْ تَفْعَلُوا مُسْدِينَ إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا، ﴿ كانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ أعْنِي ( ادْعُوهم لِآبائِهِمْ، والنَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، أوْ إلى ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ ﴾ أوْ إلى ما ذُكِرَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ وفِيهِ بَحْثٌ ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ أيْ في اللَّوْحِ، أوِ القُرْآنِ، وقِيلَ: في التَّوْراةِ ﴿ مَسْطُورًا ﴾ أيْ مُثْبَتًا بِالإسْطارِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ القِراءاتِ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبًا أنْ لا يَرِثَ المُشْرِكُ المُؤْمِنَ فَلا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: ما يرى لهم رأياً فذلك أولى وأحسن لهم من رأيهم.

ويقال: معناه النبي أرحم بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ يعني: كأمهاتهم في الحرمة.

وذكر عن أبي أنه كان يقرأ النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أب لهم وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ قال في رواية الكلبي: إن رسول الله  آخى بين الناس.

فكان يؤاخي بين الرجلين.

فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله.

فمكثوا في ذلك ما شاء الله حتى نزلت هذه الآية: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.

فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ الذين آخى بينهم فصارت المواريث بالقرابات، وروي عن النبيّ  أنه قال: «أَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً فَإلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ» .

فأمر بصرف الميراث إلى العصبة.

ثم قال تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً يعني: إلا أن يوصي له بثلث ماله.

وقال مقاتل: كان المهاجرون والأنصار يرثون بعضهم من بعض بالقرابة، ولا يرث من لم يهاجر إلا أن يوصي للذي لم يهاجر.

ثم نسخ بما في آخر سورة الأنفال.

ثم قال: كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً يعني: هكذا كان مكتوباً في التوراة.

ويقال: في اللوح المحفوظ.

ويقال: في القرآن.

قوله عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وهو الوحي الذي أوحى إليهم أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل، وأن يصدق بعضهم بعضاً.

ويقال: الميثاق الذي أخذ عليهم من ظهورهم.

ويقال: كل نبي أمر بأن يأمر من بعده بأن يخبروا ببعث النبيّ  حتى ينتهي إليه.

ثم قال: وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ في هذا تفضيل رسول الله  ، لأنه قد ذكر جملة الأنبياء- عليهم السلام- ثم خصّه بالذكر قبلهم، وكان آخرهم خروجاً.

ثم ذكر نوحاً لأنه كان أولهم.

ثم ذكر إبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ- صلوات الله عليهم- لأن كل واحد منهم كان على أثر بعض.

فقال: وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثم قال: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني: عهداً وثيقاً أن يعبدوا الله تعالى، ويدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل، وأن يبشروا كل واحد منهم بمن بعده.

ثم قال عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ يعني: أخذ عليهم الميثاق لكي يسأل الصادقين عن صدقهم.

يعني: يسأل المرسلين عن تبليغ الرسالة.

ويسأل الوفيّين عن وفائهم.

وروي في الخبر: أنه يسأل القلم يوم القيامة.

فيقول له: ما فعلت بأمانتي؟

فيقول: يا رب سلمتها إلى اللوح.

ثم جعل القلم يرتعد مخافة أن لا يصدقه اللوح.

فيسأل اللوح بأن القلم قد أدى الأمانة، وأنه قد سلم إلى إسرافيل.

فيقول لإسرافيل: ما فعلت بأمانتي التي سلمها إليك اللوح؟

فيقول: سلمتها إلى جبريل.

فيقول لجبريل-  -: ما فعلت بأمانتي.

فيقول: سلمتها إلى أنبيائك.

فيسأل الأنبياء- عليهم السلام- فيقولون: قد سلمناها إلى خلقك، فذلك قوله تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً يعني: الذين كذبوا الرسل.

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أزالَ الله بهذه الآية أحكاماً كانت في صدر الإسلام، منها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذَكَرَ اللهُ تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أكثرَ من نَفسِهِ، حَسَبَ حديثِ عمر بن الخطاب، ويلزمُ أن يَمْتَثِلَ أوامرَهُ، أحبت نفسُهُ ذلك أو كرهت، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية: «أَنَاْ أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَوْ ضِيَاعاً فإلَيَّ وَعَلَيَّ، أَنا وليّه، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...

» .

ت: ولفظ البخاريِّ من رواية أبي هريرةَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَأَنَا أولى به في الدّنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضِيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهِ» «١» .

قال ابن العربيِّ: في «أحكامه» «٢» : فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه الآية.

انتهى.

قال ع «٣» : وقال بعض العارفين: هو صلى الله عليه وسلّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة.

قال ع «٤» : ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلّم: «فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُون فِيهَا تَقَحَّمَ الفَرَاشِ» .

قال عياض في «الشفا» : قال أهل التفسير في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماضٍ عليهم كما يمضي حكمُ السيد على عبده، وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس.

انتهى.

وشرّف تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلّم بأن جعلهن أمهاتِ المُؤْمِنِينَ في المَبَرَّةِ وحُرْمَةِ النّكاح، وفي مصحف أبيّ بن كعب «٥» :

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: ما كُنّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أقْسَطُ ﴾ أيْ: أعْدَلُ، ﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تَعْرِفُوا آباءَهم ﴿ فَإخْوانُكُمْ ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ، فَلْيَقُلْ أحَدُكُمْ: يا أخِي، ﴿ وَمَوالِيكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بَنُو عَمِّكم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مَوالِيكم ) أوْلِياءَكم في الدِّينِ.

﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ قَبْلَ النَّهْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: في دُعائِكم مَن تَدْعُونَهُ إلى غَيْرِ أبِيهِ وأنْتُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: فِيما سَهَوْتُمْ فِيهِ، قالَهُ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ.

فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ النَّهْيِ.

وعَلى الثّانِي والثّالِثِ: ما تَعَمَّدَتْ في دُعاءِ الرَّجُلِ إلى غَيْرِ أبِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: أحَقُّ، فَلَهُ أنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِما يَشاءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا دَعاهم إلى شَيْءٍ، ودَعَتْهم أنْفُسُهم إلى شَيْءٍ، كانَتْ طاعَتُهُ أوْلى مِن طاعَةِ أنْفُسِهِمْ؛ وهَذا صَحِيحٌ، فَإنَّ أنْفُسَهم تَدْعُوهم إلى ما فِيهِ هَلاكُهُمْ، والرَّسُولُ يَدْعُوهم إلى ما فِيهِ نَجاتُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ أيْ: في تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ عَلى التَّأْبِيدِ، ووُجُوبِ إجْلالِهِنَّ وتَعْظِيمِهِنَّ؛ ولا تَجْرِي عَلَيْهِنَّ أحْكامُ الأُمَّهاتِ في كُلِّ شَيْءٍ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما جازَ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بَناتَهُنَّ، ولَوَرَثْنَ المُسْلِمِينَ، ولَجازَتِ الخَلْوَةُ بِهِنَّ.

وقَدْ رَوى مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يا أُمّاهُ، فَقالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ؛ إنَّما أنا أُمُّ رِجالِكُمْ؛ فَبانَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّ مَعْنى الأُمُومَةِ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ فَقَطْ.

وقالَ مُجاهِدٌ " وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم " وهو أبٌ لَهم.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ فِي آخِرِ (الأنْفالِ) إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَوِي القِراباتِ بَعْضُهم أوْلى بِمِيراثِ بَعْضٍ مِن أنْ يَرِثُوا بِالإيمانِ والهِجْرَةِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ النَّسْخِ ﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ \[وَهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ فِعْلُكم إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا\] جائِزٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَسَخَ التَّوارُثَ بِالحِلْفِ والهِجْرَةِ، أباحَ الوَصِيَّةَ لِلْمُعاقِدِينَ، فَلِلْإنْسانِ أنْ يُوصِيَ لِمَن يَتَوَلّاهُ بِما أحَبَّ مِن ثُلُثِهِ.

فالمَعْرُوفُ ها هُنا: الوَصِيَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي نَسْخَ المِيراثِ بِالهِجْرَةِ ورَدَّهُ إلى ذَوِي الأرْحامِ ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ ﴿ مَسْطُورًا ﴾ أيْ: مَكْتُوبًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ مِن المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعاءِ الأدْعِياءِ إلى آبائِهِمْ لِلصُّلْبِ، فَمَن جُهِلَ ذَلِكَ فِيهِ كانَ مَوْلًى وأخًا في الدِينِ، فَقالَ الناسُ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، وسالِمُ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أبا بَكَرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِينِ ومَوْلاكُمْ، قالَ الراوِيَ عنهُ: ولَوْ عَلِمَ واللهِ أنَّ أباهُ حَمّارٌ لانْتَمى إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ في أبِي بَكَرَةَ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ.

و"أقْسَطُ" مَعْناهُ: أعْدَلُ، وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ".» وقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ الآيَةُ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَمَّنْ وهَمَ ونَسِيَ وأخْطَأ فَجَرى عَلى العادَةِ مِن نِسْبَةِ زَيْدٍ إلى مُحَمَّدٍ  وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُشْبِهُهُ، وأبْقى الجُناحَ في التَعَمُّدِ مَعَ الشَرْطِ أوِ الجَزاءِ المَنصُوصِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ يُرِيدُ: لِما مَضى مِن فِعْلِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ هَمّا صِفَتانِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ تُطْرَدانِ في كُلِّ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَطَؤُهم فِيما كانَ سَلَفَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ ذَلِكَ بِخَطَأٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ، وإنَّما الخَطَأُ هُنا بِمَعْنى النِسْيانِ، وما كانَ مُقابِلَ العَمْدِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الخَطَأُ الَّذِي رَفَعَ اللهُ فِيهِ الجَناحَ أنْ تَعْتَقِدَ في أحَدٍ أنَّهُ ابْنُ فُلانٍ فَتَنْسُبُهُ إلَيْهِ، وهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِابْنِهِ، والعَمْدُ هو أنَّ تَنْسُبَهُ إلى فُلانٍ وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ ابْنُ غَيْرِهِ، والخَطَأُ مَرْفُوعٌ عن هَذِهِ الأُمَّةِ عِقابُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ  : « "وُضِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ والنِسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما أخْشى عَلَيْكُمُ الخَطَأُ، وإنَّما أخْشى العَمْدَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ.

أزالَ اللهُ تَعالى بِها أحْكامًا كانَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، مِنها «أنَّ النَبِيَّ  كانَ لا يُصَلِّي عَلى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دِينٌ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ،» فَجَمْعُ هَذا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْزَمُ أنْ يُحِبَّ النَبِيَّ أكْثَرَ مِن نَفْسِهِ، حَسَبَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَهُ، أحَبَّتْ نَفْسُهُ ذَلِكَ أو كَرِهَتْهُ، «قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، مَن تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ دِينًا أو ضَياعًا فِعَلَيَّ، أنا ولِيُّهُ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ": ﴿ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ ».

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ العارِفِينَ: هو أولى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ أنْفُسَهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ، وهو يَدْعُوهم إلى النَجاةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا آخِذٌ بِحَجْزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيها تَقَحُّمُ الفِراشِ".» وشَرَّفَ تَعالى أزْواجَ النَبِيِّ  بِأنْ جَعْلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ: في حُرْمَةِ النِكاحِ وفي المَبَرَّةِ، وحَجَبَهُنَّ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ بِخِلافِ الأُمَّهاتِ، قالَ مَسْرُوقٌ: قالَتِ امْرَأةٌ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: يا أُمَّهُ، فَقالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، وإنَّما أنا أُمُّ رِجالِكُمْ، وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ"، وسَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ القِراءَةَ فَأنْكَرَها، فَقِيلَ لَهُ: إنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ، فَسَألَهُ فَقَرَّرَها أُبَيُّ وأغْلَظَ لِعُمْرَ، وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَؤُلاءِ بَناتِي": إنَّما أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: تَزَوَّجُوهُنَّ.

ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ مِمّا كانَتِ الشَرِيعَةُ قَرَّرَتْهُ مِنَ التَوارُثِ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، فَإنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ في صَدْرِ الإسْلامِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في صِفَتِهِ، ولَيْسَ لِمَعْرِفَتِهِ الآنَ حُكْمٌ فاخْتَصَرَتْهُ، ورَدَّ اللهُ المَوارِيثَ عَلى الأنْسابِ الصَحِيحَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي كِتابِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أولى" الثانِيَةِ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ والهِجْرَةُ الَّتِي ذَكَرْنا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أولِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ يُرِيدُ الإحْسانَ في الحَياةِ، والصِلَةَ والوَصِيَّةَ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وهَذا كُلُّهُ جائِزٌ أنْ يُفْعَلَ مَعَ الوَلِيِّ عَلى أقْسامِهِ، والقَرِيبُ الكافِرُ يُوصى لَهُ بِوَصِيَّةٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ يَجْعَلُ هو وصِيًّا؟

فَجَوَّزَ بَعْضٌ، ومَنعَ بَعْضٌ، ورَدَّ النَظَرَ في ذَلِكَ إلى السُلْطانِ بَعْضٌ، مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُمّانِيُّ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "إلى أولِيائِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"، ولَفْظُ الآيَةِ يُعَضِّدُ هَذا المَذْهَبَ، وتَعْمِيمُ لِفَظِ "الوَلِيِّ" أيْضًا حَسَنٌ كَما قَدَّمْنا؛ إذْ وِلايَةُ النَسَبِ لا تَدْفَعُ الكافِرَ وإنَّما يَدْفَعُ أنْ يَلْقى إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ كَوَلِيِّ الإسْلامِ، والكِتابِيُّ الَّذِي سَطَّرَ ذَلِكَ فِيهِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا.

و"مَسْطُورًا" مِن قَوْلِكَ: "سَطَّرْتُ الكِتابَ" إذا أثْبَتْهُ أسْطارًا، ومِنهُ قَوْلُ العَجاجِ: فِي الصُحُفِ الأُولى الَّتِي كانَ سَطَرْ قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبًا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ استئناف بياني أن قوله تعالى: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ [الأحزاب: 4] وقوله ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ [الأحزاب: 5] كان قد شمل في أول ما شمله إبطال بنوّة زيد بن حارثة للنبيء صلى الله عليه وسلم فكان بحيث يثير سؤالاً في نفوس الناس عن مدى صلة المؤمنين بنبيئهم صلى الله عليه وسلم وهل هي علاقة الأجانب من المؤمنين بعضهم ببعض سواء فلأجل تعليم المؤمنين حقوق النبي وحرمته جاءت هذه الآية مبينة أن النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم.

والمعنى: أنه أولى بكل مؤمن من أنفس المؤمنين.

و ﴿ مِنْ ﴾ تفضيلية.

ثم الظاهر أن الأنفس مراد بها جمع النفس وهي اللطيفة الإنسانية كقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ [المائدة: 116]، وأن الجمع للتوزيع على كل مؤمن آيل إلى كل فرد من الأنفس، أي: أن النبي أولى بكل مؤمن من نفس ذلك المؤمن، أي: هو أشد ولاية، أي: قرباً لكل مؤمن من قرب نفسه إليه، وهو قرب معنوي يراد به آثار القرب من محبة ونصرة.

ف ﴿ أولى ﴾ اسم تفضيل من الوَلْي وهو القرب، أي: أشد قرباً.

وهذا الاسم يتضمن معنى الأحقية بالشيء فيتعلق به متعلِّقه ببناء المصاحبة والملابسة.

والكلام على تقدير مضاف، أي: أولى بمنافع المؤمنين أو بمصالح المؤمنين، فهذا المضاف حذف لقصد تعميم كل شأن من شؤون المؤمنين الصالحة.

والأنفس: الذوات، أي: هو أحق بالتصرف في شؤونهم من أنفسهم في تصرفهم في شؤونهم.

ومن هذا المعنى ما في الحديث الصحيح من قول عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم «لأنتَ أحبّ إليّ من كل شيء إلاّ من نفسي التي بين جنبَيّ» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه.

فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحبّ إليّ من نفسي».

ويجوز أن يكون المراد بالأنفس مجموع نوعهم كقوله: ﴿ إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164]، ويجوز أن يكون المراد بالأنفس الناس.

والمعنى: أنه أولى بالمؤمنين من ولاية بعضهم لبعض، أي: من ولاية جميعهم لبعضهم على نحو قوله تعالى: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 85]، أي: يقتل بعضكم بعضاً، وقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ [النساء: 29].

والوجه الأول أقوى وأعمّ في اعتبار حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفيد أولويته بمن عدا الأنفس من المؤمنين بدلالة فحوى الخطاب.

وأما الاحتمال الثاني فإنه لا يفيد أنه أولى بكل مؤمن بنفس ذلك المؤمن إلا بدلالة قياس الأدْوَن، ولذلك استثنى عمر بن الخطاب بادئ الأمر نفسه فقال: لأنت أحب إليّ إلا مِن نفسي التي بين جنبيّ.

وعلى كلا الوجهين فالنبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من آبائهم وأبنائهم، وعلى الاحتمال الأول أولى بكل مؤمن من نفسه.

وسننبه عليه عند قوله تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ فكانت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين بعد إبطال التبني سواء على جميع المؤمنين.

وفي الحديث: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ " ولِما علمتَ من أن هذه الولاية راجعة إلى حرمته وكرامته تعلم أنها لا تتعدّى ذلك فيما هو من تصرفات الناس وحقوق بعضهم من بعض، مثل ميراث الميت من المسلمين فإن ميراثه لورثته، وقد بينه قول النبي: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيّما مؤمن ترك مالاً فليرثه ورثته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه.

وهذا ملاك معنى هذه الآية.

﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ عَطَف على حقوق النبي صلى الله عليه وسلم حقوقَ أزواجه على المسلمين لمناسبة جريان ذكر حق النبي عليه الصلاة والسلام فجعَل الله لهن ما للأمهات من تحريم التزوج بهن بقرينة ما تقدم من قوله ﴿ وما جعَل أزواجَكُم اللاء تظّهرون منهنّ أمهاتكم ﴾ [الأحزاب: 4].

وأما ما عدا حكم التزوج من وجوه البر بهن ومواساتهن فذلك راجع إلى تعظيم أسباب النبي صلى الله عليه وسلم وحرماته ولم يزل أصحاب النبي والخلفاء الراشدون يتوخّون حُسن معاملة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ويؤثرونهنّ بالخير والكرامة والتعظيم.

وقال ابن عباس عند حمل جنازة ميمونة: «هذه زوج نبيئكم فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وارفقوا» رواه مسلم.

وكذلك ما عدا حكم الزواج من وجوه المعاملة غير ما يرجع إلى التعظيم.

ولهذه النكتة جيء بالتشبيه البليغ للمبالغة في شبههن بالأمهات للمؤمنين مثل الإرث وتزوج بناتهن، فلا يُحسب أن تركاتهن يرثها جميع المسلمين، ولا أن بناتهن أخوات للمسلمين في حرمة التزوج بهن.

وأما إطلاق وصف خال المؤمنين على الخليفة معاوية لأنه أخو أم حبيبة أم المؤمنين فذلك من قبيل التعظيم كما يقال: بنُو فلان أخوال فلان، إذا كانوا قبيلة أمه.

والمراد بأزواجه اللآتي تزوجهنّ بنكاح فلا يدخل في ذلك ملك اليمين، وقد قال الصحابة يوم قريظة حين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيّي: أهي إحدى ما ملكت يمينه أم هي إحدى أمهات المؤمنين؟

فقالوا: ننظر، فإذا حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وإذا لم يحجبها فهي ما ملكت يمينه، فلما بنى بها ضرب عليها الحجاب، فعلموا أنها إحدى أمهات المؤمنين، ولذلك لم تكن مارية القبطية إحدى أمهات المؤمنين.

ويشترط في اعتبار هذه الأمومة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بنى بالمرأة، فأما التي طلقها قبل البناء مثل الجَونية وهي أسماء بنت النعمان الكِندية فلا تعتبرمن أمهات المؤمنين.

وذكر ابن العربي أن امرأة كان عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت في خلافة عمر فهَمَّ عمر برجمها.

فقالت: لِمَ وما ضرَب عليّ النبي حجاباً ولا دُعيت أمَّ المؤمنين؟

فكفَّ عنها.

وهذه المرأة هي ابنة الجَون الكندية تزوجها الأشعث بن قيس.

وهذا هو الأصح وهو مقتضى مذهب مالك وصححه إمام الحرمين والرافعي من الشافعية.

وعن مقاتل: يحرم تزوج كل امرأة عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يبن بها.

وهو قول الشافعي وصححه في «الروضة»، واللآء طلّقهنُ الرسول عليه الصلاة والسلام بعد البناء بهن فاختلف فيهن على قولين، قيل: تثبت حرمة التزوج بهن حفظاً لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: لا يثبت لهن ذلك، والأول أرجح.

وقد أُكد حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ [الأحزاب: 53]، وبتحريم تزوج إحداهن على المؤمنين بقوله (تعالى): ﴿ ولا أن تنكِحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً ﴾ [الأحزاب: 53].

وسيجيء بيان ذلك عند ذكر هاتين الآيتين في أواخر هذه السورة.

وروي أن ابن مسعود قرأ بعدها: وهو أب لهم.

وروي مثله عن أُبَيّ بن كعب وعن ابن عباس.

وروي عن عكرمة: كان في الحرف الأول «وهو أبوهم».

ومحملها أنها تفسير وإيضاح وإلا فقد أفاد قوله تعالى: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ أكثر من مفاد هذه القراء.

﴿ وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِى كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِى الكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ أعقب نسخ أحكام التبنّي التي منها ميراث المتبنِّي مَن تبناه والعكس بإبطال نظيره وهو المَواخاة التي كانت بين رجال من المهاجرين مع رجال من الأنصار وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا نزل بالمدينة مع من هاجر معه، جعل لكل رجل من المهاجرين رجلاً أخاً له من الأنصار فآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين الزبير وكعب بن مالك، وبين عبد الرحمان بن عوف وسعد بن الربيع، وبين سلمان وأبي الدرداء، وبين عثمان بن مظعون وأبي قتادة الأنصاري؛ فتوارث المتآخون منهم بتلك المؤاخاة زماناً كما يرث الإخوة ثم نسخ ذلك بهذه الآية، كما نسخ التوارث بالتبنّي بآية ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ [الأحزاب: 5]، فبينت هذه الآية أن القرابة هي سبب الإرث إلا الانتساب الجعلي.

فالمراد بأولي الأرحام: الإخوة الحقيقيون.

وعبر عنهم بأولي الأرحام لأن الشقيق مقدم على الأخ للأب في الميراث وهم الغالب، فبينت الآية أن أُولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث من ولاية المتآخين المهاجرين والأنصار فعمَّ هذا جميع أولي الأرحام وخُصص بقوله ﴿ من المؤمنين والمهاجرين ﴾ على أحد وجهين في الآيتين في معنى ﴿ مِن ﴾ وهو بمنزلة العام الوارد على سبب خاص وهو مطلق في الأولوية والمطلق من قبيل المجمل، وإذ لم يكن معه بيان فمحمل إطلاقه محمل العموم، لأن الأولوية حال من أحوال أولي الأرحام وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال، فالمعنى: أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في جميع الولايات إلا ما خصصه أو قيَّده الدليل.

والآية مبيّنة في أن القرابة الحقيقية أرجح من الأخوة الجعلية، وهي مجملة في تفصيل ذلك فيما بين أولي الأرحام، وذلك مفصل في الكتاب والسنة في أحكام المواريث.

وتقدم الكلام على لفظ ﴿ أولوا ﴾ عند قوله تعالى ﴿ واتقون يا أولي الألباب ﴾ في سورة البقرة (197).

ومعنى في كتاب الله} فيما كتبه، أي: فرضه وحكم به.

ويجوز أن يراد به القرآن إشارة إلى ما تضمنته آية المواريث، وقد تقدم نظير هذه الآية في آخر سورة الأنفال.

وتقدم الكلام في توريث ذوي الأرحام إن لم يكن للميت وارث معلوم سهمه.

و ﴿ أولوا الأرحام ﴾ مبتدأ، و ﴿ بعضهم ﴾ مبتدأ ثان و ﴿ أوْلَى ﴾ خبرُ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول، و ﴿ في كتاب الله ﴾ متعلق ب وقوله من المؤمنين والمهاجرين } يجوز أن يتعلق باسم التفضيل وهو ﴿ أولى ﴾ فتكون ﴿ مِن ﴾ تفضيلية.

والمعنى: أولوا الأرحام أولى بإرث ذوي أرحامهم من إرث أصحاب ولاية الإيمان والهجرة بتلك الولاية، أي: الولاية التي بين الأنصار والمهاجرين.

وأريد بالمؤمنين خصوصُ الأنصار بقرينة مقابلته بعطف ﴿ والمهاجرين ﴾ على معنى أصحاب الإيمان الكامل تنويهاً بإيمان الأنصار لأنهم سبقوا بإيمانهم قبل كثير من المهاجرين الذين آمنوا بعدهم فإن الأنصار آمنوا دَفعة واحدة لمّا أبلغهم نقباؤهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إياهم بعد بيعة العقبة الثانية.

قال تعالى: ﴿ والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم ﴾ [الحشر: 9] أي: من قبل كثير من فقراء المهاجرين عدا الذين سبق إيمانهم.

فالمعنى: كل ذي رحم أولى بإرث قريبه من أن يرثه أنصاري إن كان الميت مهاجراً، أو أن يرثه مهاجر إن كان الميت من الأنصار، فيكون هذا ناسخاً للتوارث بالهجرة الذي شرع بآية الأنفال (72): ﴿ والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولاَيَتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾ فتوارث المسلمون بالهجرة فكان الأعرابي المسلم لا يرث قريبه المهاجر، ثم نسخ بآية هذه السورة.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ من المؤمنين ﴾ ظرفاً مستقرّاً في موضع الصفة، أي: وأولوا الأرحام الكائنون من المؤمنين والمهاجرين، بعضهم أولى ببعض، أي: لا يرث ذو الرحم ذا رحمه إلا إذا كانا مؤمنيْن ومهاجرين، فتكون الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة الذي شرع عند قدوم المهاجرين إلى المدينة، فلما نزلت هذه الآية رجعوا إلى مواريثهم فبينت هذه الآية أن القرابة أولى من الحلف والمواخاة، وأيّاً مَّا كان فإن آيات المواريث نسخت هذا كله.

ويجوز أن تكون ﴿ من ﴾ بيانية، أي: وأولوا الأرحام المؤمنون والمهاجرون، أي: فلا يرث أولوا الأرحام الكافرون ولا يرث من لم يهاجر من المؤمنين لقوله تعالى: ﴿ والذين كَفَروا بعضُهم أولياء بعض ﴾ [الأنفال: 73] ثم قال: ﴿ والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾ [الأنفال: 72].

والاستثناء بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً ﴾ منقطع، و ﴿ إلا ﴾ بمعنى (لكنْ) لأن ما بعد وجملة كان ذلك في الكتاب مسطوراً } تذييل لهذه الأحكام وخاتمة لها مؤذنة بانتهاء الغرض من الأحكام التي شُرعت من قوله ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ [الأحزاب: 5] إلى هنا، فالإشارة بقوله ﴿ ذلك ﴾ إلى المذكور من الأحكام المشروعة فكان هذا التذييل أعمّ مما اقتضاه قوله ﴿ بعضهم أوْلَى ببعض في كتاب الله.

﴾ وبهذا الاعتبار لم يكن تكريراً له ولكنه يتضمنه ويتضمن غيره فيفيد تقريره وتوكيده تبعاً وهذا شأن التذييلات.

والتعريف في ﴿ الكِتَاب ﴾ للعهد، أي: كتاب الله، أي: ما كتبه على الناس وفرضه كقوله ﴿ كتابُ الله عليكم ﴾ [النساء: 24]، فاستعير الكتاب للتشريع بجامع ثبوته وضبطه التغيير والتناسي، كما قال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل ين *** قض ما في المهارق الأهواء ومعنى هذا مثل قوله تعالى: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ في سورة الأنفال (75).

فالكتاب: استعارة مكنية وحرف الظرفية ترسيخ للاستعارة.

والمسطور: المكتوب في سطور، وهو ترشيح أيضاً للاستعارة وفيه تخييل للمكنية.

وفعل كان } في قوله ﴿ كان ذلك ﴾ لتقوية ثبوته في الكتاب مسطوراً، لأن ﴿ كان ﴾ إذا لم يقصد بها أن اسمها اتصف بخبرها في الزمن الماضي كانت للتأكيد غالباً مثل ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ [الأحزاب: 4] أي: لم يزل كذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أوْلى بِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِإرْسالِهِ إلَيْهِمْ وفَرْضِ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّانِي: أنَّهُ أوْلى بِهِمْ فِيما رَآهُ لَهُ بِأنْفُسِهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في الحَرْفِ الأوَّلِ: هو أبٌ لَهم.

وَكانَ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا أرادَ غُزاةَ تَبُوكَ أمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ قَوْمٌ مِنهُمْ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ»، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أوْلى بِهِمْ في قَضاءِ دُيُونِهِمْ وإسْعافِهِمْ في نَوائِبِهِمْ عَلى ما رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا أنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَن كانُوا، وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ.

» ﴿ وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ يَعْنِي مَن ماتَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ  مِن أزْواجِهِ هُنَّ كالأُمَّهاتِ في شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْظِيمُ حَقِّهِنَّ.

الثّانِي: تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ.

وَلَيْسَ كالأُمَّهاتِ في النَّفَقَةِ والمِيراثِ.

واخْتُلِفَ في كَوْنِهِنَّ كالأُمَّهاتِ في المَحْرَمِ وإباحَةِ النَّظَرِ عَلى الوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هُنَّ مَحْرَمٌ لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ لِتَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ.

الثّانِي: أنَّ النَّظَرَ إلَيْهِنَّ مُحَرَّمٌ لِأنَّ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ إنَّما كانَ حِفَظًا لِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ  فِيهِنَّ، فَكانَ مِن حِفْظِ حَقِّهِ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ ولِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ إذا أرادَتْ دُخُولَ رَجُلٍ عَلَيْها أمَرَتْ أُخْتَها أسْماءَ أنْ تُرْضِعَهُ لِيَصِيرَ ابْنًا لِأُخْتِها مِنَ الرَّضاعَةِ فَيَصِيرَ مَحْرَمًا يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ.

وَأمّا اللّاتِي طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ  في حَياتِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ في ثُبُوتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ لَهُنَّ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَثْبُتُ لَهُنَّ هَذِهِ الحُرْمَةُ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّانِي: لا يَثْبُتُ لَهُنَّ ذَلِكَ بَلْ هَذِهِ كَسائِرِ النِّساءِ لِأنَّ النَّبِيَّ  قَدْ أثْبَتَ عِصْمَتَهُنَّ وقالَ: أزْواجِي في الدُّنْيا هُنَّ أزْواجِي في الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ مَن دَخَلَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  مِنهُنَّ ثَبَتَتْ حُرْمَتُها ويُحَرَّمُ نِكاحُها وإنْ طَلَّقَها حِفاظًا لِحُرْمَتِهِ وحِراسَةً لِخَلْوَتِهِ، ومَن لَمْ يَدْخُلْ بِها لَمْ يَثْبُتْ لَها هَذِهِ الحُرْمَةُ، وقَدْ هَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها النَّبِيُّ  فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ فَقالَتْ: لِمَ هَذا وما ضَرَبَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ  حِجابًا ولا سُمِّيتُ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمًّا، فَكَفَّ عَنْها.

وَإذا كانَ أزْواجُ النَّبِيِّ  أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرْناهُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِنَّ هَلْ هُنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِناتِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ.

الثّانِي: أنَّ هَذا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالرِّجالِ المُؤْمِنِينَ دُونَ النِّساءِ لِاخْتِصاصِ الحَظْرِ والإباحَةِ بِالرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.

وَقَدْ رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها يا أُمّاهُ فَقالَتْ لَسْتُ بِأُمٍّ لَكِ أنا أُمُّ رِجالِكم.

﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ أرادَ بِالمُؤْمِنِينَ الأنْصارَ، وبِالمُهاجِرِينَ قُرَيْشًا.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا ناسِخٌ لِلتَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ، حَكى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ نَزَلَ في الأنْفالِ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا ﴾ فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ فَكانَ لا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ مِن قَرِيبِهِ المُهاجِرِ المُسْلِمِ شَيْئًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ ناسِخٌ لِلتَّوارُثِ بِالحِلْفِ والمُؤاخاةِ في الدِّينِ رَوى هِشامُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ أُنْزِلَ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ فَآخَيْناهم فَأوْرَثُونا وأوْرَثْناهم، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ وآخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ فَجِئْتُ فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ أثْقَلَهُ فَواللَّهِ لَقَدْ ماتَ ما ورِثَهُ غَيْرِي حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي قَضى أحْوالَ خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ ﴾ يَعْنِي أنَّ التَّوارُثَ بِالأنْسابِ أوْلى مِنَ التَّوارُثِ بِمُؤاخاةِ المُؤْمِنِينَ وبِهِجْرَةِ المُهاجِرِينَ ما لَمْ يَخْتَلِفْ بِالمُتَناسِبِينَ دِينٌ فَإنِ اخْتَلَفَ بَيْنَهُما الدِّينُ فَلا تَوارُثَ بَيْنِهِما رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتِينِ» .

﴿ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ الوَصِيَّةَ لِلْمُشْرِكِ مِن ذَوِي الأرْحامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى الوَصِيَّةَ لِلْحُلَفاءِ الَّذِي آخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ الَّذِينَ آخَيْتُمْ تَأْتُونَ إلَيْهِمْ مَعْرُوفًا، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَنى وصِيَّةَ الرَّجُلِ لِإخْوانِهِ في الدِّينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كانَ التَّوارُثُ بِالهِجْرَةِ والمُؤاخاةِ في الكِتابِ مَسْطُورًا قَبْلَ النَّسْخِ.

والثّانِي: كانَ نَسْخُهُ بِمِيراثِ أُولِي الأرْحامِ في الكِتابِ مَسْطُورًا قَبْلَ التَّوارُثِ.

الثّالِثُ: كانَ أنْ لا يَرِثَ مُسْلِمٌ كافِرًا في الكِتابِ مَسْطُورًا.

وَفي الكِتابُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ.

الثّانِي: في الذِّكْرِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الثّالِثُ: في التَّوْراةِ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَصْنَعُوا مِثْلَهُ في بَنِي لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: في القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً، أو ضياعاً، فليأتني فأنا مولاه» .

وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم سأل هل عليه دين؟

فإن قالوا: نعم.

قال: هل ترك وفاء لدينه؟

فإن قالوا: نعم.

صلى عليه، وإن قالوا: لا.

قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله علينا الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك ديناً فإليّ، ومن ترك مالاً فللوارث» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه.

فأيما رجل مات وترك ديناً فإليّ، ومن ترك مالاً فهو لورثته» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة رضي الله عنه قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً، فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير وقال: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قلت: بلى يا رسول الله.

قال: من كنت مولاه فعلي مولاه» .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ قال: يعظم بذلك حقهن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ يقول: أمهاتهم في الحرمة، لا يحل لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ان طلق، ولا بعد موته.

هي حرام على كل مؤمن مثل حرمة أمه.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمي فقالت: أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم.

وأخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت: أنا أم الرجال منكم والنساء.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ﴾ فقال: يا غلام حكها فقال: هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق بالأسواق.

وأخرج الفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان في الحرف الأول ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: في القراءة الأولى ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ﴾ قال: لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة، والاعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً.

فأنزل الله هذه الآية، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً ﴾ قال: توصون لحلفائكم الذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن علي بن الحنفية رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً ﴾ قال: نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ﴾ قال: القرابه من أهل الشرك ﴿ معروفاً ﴾ قال: وصية ولا ميراث لهم ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطوراً ﴾ قال: وفي بعض القراءات ﴿ كان ذلك عند الله مكتوباً ﴾ أن لا يرث المشرك المؤمن.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة والحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً ﴾ قالا: إلا أن يكون لك ذو قرابة على دينك فتوصي له بالشيء، وهو وليك في النسب، وليس وليك في الدين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يقتضي أن يحبوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن ينصروا دينه أكثر مما ينصرون أنفسهم ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ جعل الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الأمهات؛ في تحريم نكاحهن ووجوب مبرتهن، ولكن أوجب جحبهن عن الرجال.

﴿ وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ ﴾ هذا نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بأخوة الإسلام، وبالهجرة وقد تكلمنا عليها في الأنفال ﴿ فِي كِتَابِ الله ﴾ يحتمل أن يريد القرآن، أو اللوح المحفوظ ﴿ مِنَ المؤمنين ﴾ يحتمل أن يكون بياناً لأولى الأرحام أو يتعلق بأولى: أي أولو الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين، الذين ليسوا بذوي أرحام ﴿ إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ يريد الإحسان إلى الأولياء الذين ليسوا بقرابة، ونفعهم في الحياة والوصية لهم عند الموت فذلك جائز، ومندوب إليه، وإن لم يكونوا قرابة، وأما الميراث فللقرابة خاصة، واختلف هل يعني بالأولياء المؤمنين خاصة، أو المؤمنين والكافرين؟

﴿ فِي الكتاب مَسْطُوراً ﴾ يعني القرآن أو اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.

بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.

الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.

﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.

الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.

التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.

قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟

قلت: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.

أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.

وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.

ومن تشريفات الرسول  أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم  ﴾ ﴿ يا موسى  ﴾ ﴿ يا عيسى  ﴾ ﴿ يا داود  ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله  ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله  ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل  ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد  ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة  ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.

يروى أنه  لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.

وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.

أي اتق الله في نقض العهد.

﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.

﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه  في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه  لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.

وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.

فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.

والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور  ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.

ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.

كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.

وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.

وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.

وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.

والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".

واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله  فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله  هذه الآية.

وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم  ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.

وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.

وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.

وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.

وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.

ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.

ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.

ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.

ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي  بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.

وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله  "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.

ومن كمال عناية الله  بأمة محمد  أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.

ولذلك صار المؤمنون أخوة.

قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.

وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".

وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.

ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.

والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.

قال أهل النظم: كأنه  قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله  كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.

ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.

ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.

وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا  لأفضليته.

وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك  ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.

وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.

قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.

وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً  ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال  "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.

وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي  : حلالها حساب وحرامها عقاب.

فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.

ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين  ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.

قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.

وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.

ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.

وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.

وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.

وحين سمع رسول الله  بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.

ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.

ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.

ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.

والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.

ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.

فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.

﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي  وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله  بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله  ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.

ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله  بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.

والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.

ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.

قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.

عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله  ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.

وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.

وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.

ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.

عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.

ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.

قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.

اي ومعتقلاً رمحاً.

أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.

والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول  وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم  ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.

وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.

وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.

وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.

﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.

قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.

ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.

ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.

ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.

التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان  متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي  فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.

وبعد النبي  سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.

والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.

أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .

يقول بعض أهل التأويل كذلك: إنها نزلت في رجل يقال [له]: أبو معمر، وكان من أحفظ الناس وأوعاهم؛ فقالوا: إن له قلبين: قلب يسمع، وقلب يحفظ ويعي؛ فنزل: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ .

ويقول بعضهم كذلك: إنها نزلت في أبي معمر، وكان يسمى: ذا قلبين؛ لحفظه الحديث، حتى إذا كان يومُ بدر، وهُزم المشركون - وفيهم أبو معمر - يلقاه أبو سفيان بن حرب، وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله؛ فقال: يا أبا معمر، ما فعل الناس؟

قال: انهزموا، فقال: ما بال نعلك في يدك والأخرى في رجلك؟

فقال: ما شعرت إلا أنهما جميعاً في رجلي؛ فعرفوا يومئذ أنْ لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده.

ونحوه قد قيل، ولكن لا ندري ما سبب نزول هذا.

وروي عن ابن عباس: أنه سئل عن هذه الآية؟

فقال: كان نبي الله  يصلي يوماً، فخطر خطرة - أي: وقع في قلبه - فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم؛ فأنزلت هذه الآية.

وهذا يشبه أن يكون سبب نزول الآية، أو أن يكون نزولها في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يصلون مع النبي والمؤمنين، ويرون الموافقة لهم من أنفسهم، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ثم يرجعون إلى أولئك فيقولون: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ونحوه؛ فذكر هذا: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ ، أي: دينين في جوفه: الإيمان والنفاق، أو ﴿ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : قلبا لهذا، وقلبا للآخر.

أو نزلت في المشركين الذين يقرون بالوحدانية لله، وأنّه هو الخالق؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، ويعبدون الأصنام مع هذا؛ فيقول - والله أعلم -: لم يجعل لرجل قلبين في جوفه: قلباً للشرك، وقلباً للإيمان والتوحيد؛ ولكن جعل قلباً واحداً لأحد هذين، أي: قلباً لقبول الشرك، وقلبا لقبول الإيمان.

وبعضهم يقول: هو على التمثيل، أي: كما لم يجعل لرجل واحد قلبين؛ فكذلك لا يكون المظاهر من امرأته: لا تكون امرأته أمه في الحرمة، ولا يكون دعيّ الرجل ابنه، يقول: نزلت في النبي وزيد بن حارثة، كان النبي تبناه، [و]كانوا يسمونه زيد بن محمد، فجاء النهي عن ذلك؛ فقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل.

وبعضهم يقول: تأويل قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .

أي: لم يجعل للرجل نسبين ينسب إليهما.

وأصله عندنا: أن قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : ما ذكرنا، ولم يجعل أزواجكم اللائي تستمتعون بهن بالتشبيه بالأمهات كالأمهات، أي: لم يحل لكم ذلك ولم يبح ولم يشرع.

﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لم يجعل سبب ذلك ولم يشرع، وإن كان قد يكون في النسب الفاسد، نحو الجارية بين اثنين إذا ولدت فادعياه جميعاً، ونحو النكاح الفاسد، والملك الفاسد، لم يجعل كذا، أي: لم يحل ولم يشرع؛؛ كقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ  ﴾ ، أي: لم يشرع ولم يحل ذلك، وإن كان يكون لو فعلوا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ ، أي: لم يشرع ذلك السبب، ولم يحل ذلك في الإسلام ما كان في الجاهلية، لا أنه لا يكون ذلك فيما لم يشرع في الفاسد من السبب، على ما ذكرنا: أن النسب ثبت في النكاح الفاسد، وإن لم يشرع.

والحسن يقول في قوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ قال: كان الرجل يقول: إن نفسا تأمرني بكذا ونفسا تأمرني بكذا؛ فنزل ذلك.

والحكمة فيما لم يجعل لواحد قلبين، وجعل له سمعين وبصرين؛ لأن الإدراك بالسمع والبصر إنما يكون بالمشاهدة، فيخرج ذلك مخرج معاونة بعضهم بعضاً، وما يدرك بالقلب إنما يدرك بالاجتهاد، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء، فيناقض أحدهما صاحبه؛ إذ يجوز أن يرى أحدهما خلاف ما يراه الآخر، وأما السمعان والبصران لا يكون كذلك.

وقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ : جائز أن يكون سبب ذلك ما ذكر من ادعاء مسيلمة الكذاب الرسالة لنفسه وتواطؤ أصحابه على ذلك، يقول - والله أعلم -: ما جعل الله أن يرسل رجلين رسولا إلى خلقه مختلفي الدينين متضادّي الشرائع، يدعو كل واحد إلى دين غير الآخر، وإلى شريعة يضادّ بعضها بعضاً: محمدا رسول الله  ، ومسيلمة الكذاب.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على النهي الذي ذكرنا، أي: لا تشبهوا أزواجكم بظهور الأمهات، ولا تحرموهن على أنفسكم كحرمة الأمهات؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً  ﴾ .

والثاني: أن لم يجعل الله لكم أزواجكم حراماً أبداً كالأمهات، وإن جعلتم أنتم؛ ولكن جعلهن لكم بحيث تصلون إليهن بالاستمتاع على ما تصلون إليهن وتستمتعون بهن، بعد هذا القول؛ يذكر هذا على المنة والنعمة؛ ليتأدى به شكره؛ لما أبقى لهم الاستمتاع بهن بعد هذا، ولم يجعلهن لهم كالأمهات، على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ ، أي: ما جعل أدعياءكم أبناءكم في الحقوق إلى الآباء، وهو ما ذكر في بعض القصة: أنه إذا ادعى الرجل منهم ورثة منهم مع أولاده - وهو شيء كانوا يفعلونه في الجاهلية - دعي إليه ونسب، يقول - والله أعلم -: ما جعل ما كنتم تدعون الأبناء في الجاهلية للعون والنصرة أبناءكم في الإسلام فيما جعلوا.

والثانى: ما جعل أدعياءكم في حق النسبة، كما ذكر أنهم يقولون لزيد بن حارثة: زيد بن محمد.

﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ : إنما هو قول تقولونه بألسنتكم فيما بينكم.

﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ : إنهم ليسوا بأبنائكم.

أو أن قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ ﴾ ، تأويله: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : أعدل عند الله، أي: انسبوهم إليهم إن علمتموهم.

﴿ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: فانسبوهم إلى أبيهم من أسماء مواليكم أو إخوانكم أو ابن عمكم، مثل عبد الله وعبيد الله، وعبد الرحمن، وأشباه ذلك الأسماء وأسماء مواليكم.

أو أن يقول: قوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: سموهم: إخوانا، وذلك أعظم في القلوب وآخَذُ من التسمية بالآباء والنسبة إليهم؛ وذلك أن الحاجة إلى معرفة الآباء والنسبة إليهم إنما تكون عند الكتابة والشهادة وعند الغيبة، فأما عند الحضرة فلا.

وقوله: ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: نزل هذا في شأن زيد بن حارثة، وهو كان مولى رسول الله، وكانوا يسمونه: زيد بن محمد؛ فنهوا عن ذلك، فيقول: فإن لم تعلموا آباءهم فانسبوهم إلى مواليهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ من الولاية، كقوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ليس عليكم جناح بالنسبة إلى غير الآباء إذا كنتم مخطئين غير عارفين للآباء؛ إنما الجناح والحرج عليكم إذا كنتم عامدين لذلك عارفين لهم آباء؛ كأنه أباح التبني والتآخي فيما بينهم، ولم يبح النسبة إلى غير الآباء وإيجاب الحقوق فيما بينهم.

وكذلك روي في بعض الخبر أن النبي  كان يؤاخي بين الرجلين، وإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فكان الزبير أخا عبد الله بن مسعود، فمكثوا بذلك ما شاء الله أن يمكثوا، حتى نزلت الآية.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ ، يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيه، وأنت ترى أنه كذلك.

﴿ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .

يقول: لا تدعوه لغير أبيه متعمداً، فأما الخطأ فإن الله يقول: لا يؤاخذكم به، ولكن ما أردتم به العمد، وهو مثل الأول.

وذكر أن عمر -  - سمع رجلا يقول: اللهم اغفر لي خَطَايَ؛ فقال له عمر: "استغفر الله العمد؛ فأمّا الخطأ فقد تجوز لك عنه"، وكان يقول: "ما أخاف عليكم الخطأ؛ ولكن أخاف عليكم العمد، وما أخاف عليكم العائلة؛ ولكن أخاف عليكم التكاثر، وما أخاف علكيم أن تزدروا أعمالكم؛ ولكن أخاف عليكم أن تستكثروها".

وذكر أن ثلاثاً لا يُمْلك عليها ابن آدم: الخطأ والنسيان والاستكراه، وكذلك روي عن ابن مسعود -  - أنه قال ذلك.

وقال بعضهم: الخطأ - هاهنا - هو ما جرى على اللسان من غير قصد، والعمد ما يجري على قصد، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

لما فعلوا.

وقوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: النبي أولى بهم من بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ إذ لا أحد يقتل نفسه، ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض، ليس أنه يسلم الرجل على نفسه؛ ولكن ما ذكرنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: بعضهم من بعض.

ثم يحتمل هو أولى بهم من أنفسهم من الطاعة له والاحترام له والتعظيم، أي: هو أولى أن يعظم ويحترم ويطاع من غيره.

أو أن يكون أولى بهم في الرحمة والشفقة لهم، أي: أرحم بهم وأشفق من أنفسهم، وهو على ما وصفه من الرحمة والرأفة؛ حيث قال: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وليس أحد من الناس يعز عليه ما يفعله من المآثم.

أو أن يجوز أولى بهم:، أي: أحبّ إليهم من أنفسهم وأولادهم، محبة الاختيار والإيثار، ليس محبّة الميل: ميل القلب؛ لأن ميل القلب يكون بالطبع.

وذكر في الخبر أن نبيّ الله  قال: "ليس بمؤمن حتى أكون أنا أحبّ إليه من نفسه وولده وأهله" أو كلام نحو هذا.

أو أن يكون ﴿ أَوْلَىٰ بِهِمَا  ﴾ في الآخرة بالشفاعة لهم، يشفع فينجون من النار به لا بأعمالهم، والله أعلم.

وذكر في بعض الحروف: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ : وهو حرف أبي وابن مسعود وابن عباس،  م.

قوله: ﴿ وهو أب لهم ﴾ في الرحمة والشفقة، أو فيما يلزم من الطاعة والتعظيم والاحترام ونحوه.

وقوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ : في الحرمة؛ أي: لا يحل لهم أن يتزوجوهن أبداً كالأمهات، ولكن يجب أن يكون ذلك بعد وفاته، فأمّا في حياته إذا طلقهن فيجب أن يحللن لغيره؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 28]، ولو لم يحللن لغيره، لم يكن لما ذكر لهن من التمتيع والتسريح معنى، وهذه الحرمة يجب أن تكون بعد الموت، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ﴾ : إنما شرط هذا بعده؛ ليكن أزواجه في الآخرة.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ ، أي: حرمة أزواجه من بعده ومنزلتهن كمنزلة أمهاتهم؛ يستوجبن ذلك لحرمة رسول الله ومنزلته قبلهم.

وأما الباطنية فإنهم يقولون: في قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ دلالة أنه ليس يريد به أزواج النبي؛ ألا ترى أنه يحل للناس نكاح أولادهن، ولو كن أمهات لم تحل؛ لأنهم يصيرون إخوة وأخوات؛ فإذا حلّ ذلك دل أنه ما ذكرنا، هذا قولهم.

لكن الجواب لذلك ما ذكرنا: أنه جائز أن سمّاهن: أمهات، أي: منزلتهن وحرمتهن كمنزلة الأمهات؛ لحرمة رسول الله ومنزلته؛ وذلك جائز لأنه ذكر الشهداء أحياء عنده، وإن كانوا في الحقيقة موتى؛ لفضل الكرامة لهم والمنزلة عند الله، فعلى ذلك ذِكرُ الأمهات لأزواجه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : في حكم الله؛ كقوله: ﴿ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أي: حكم الله عليكم.

وقال بعضهم: ﴿ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : فيما أنزل من الكتاب، وهو الذي ذكر، وكذلك: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر: المكتوب عليهم: الذي ذكر على أثره.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ : قال بعضهم: إن المواريث في بدء الأمر لم تكن تجري إلا فيما بين المؤمنين المهاجرين من القرابات والأرحام، فإن كان مؤمناً لم يهاجر لم يرث ابنه ولا أباه ولا أخاه المهاجر ولا سائر قراباته إذا مات أحدهما، إلا أن يكونا مؤمنين مهاجرين؛ فعند ذلك يتوارثون؛ فعلى ذلك التأويل يكون تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ ﴾ : الذين لم يهاجروا من المؤمنين أن تُوصوا لهم شيئاً، فيقول قائل هذا التأويل: إن هذا نسخ بالآية التي ذكر في سورة الأنفال، وهو قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 75]، ولم يذكر فيها الهجرة إذا كانوا مسلمين.

وأمّا الكافر فإنه لا يرث المسلم، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ، وقال: "لا يتوارث أهل ملتين" وقال بعضهم: تأويل قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ من الأقربين منهم، أي: أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين الأقرب فالأقرب منهم، ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ من الأبعدين في المواريث أي: الأقرب منهم بعضهم أولى ببعض من الأبعدين.

﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ .

على هذا التأويل يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ ﴾ : الأبعدين ﴿ مَّعْرُوفاً ﴾ : وصية أو شيئاً، فذلك معروف فصارت المواريث للقرابات الأدنى فالأدنى من المؤمنين دون الأبعدين؛ فيكون الآية التي في الأنفال وهذه سواء على هذا التأويل، بل يكون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى أولى بالمواريث من غيرهم.

وبعضهم يقول: إن الآية نزلت ناسخة لما كان منهم من التوارث بالمؤاخاة؛ لأن النبي كان يؤاخي بين رجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته، حتى نسخ ذلك بالآية التي ذكر؛ فعلى ذلك يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ هو أن يصنعوا إلى الذين آخى بينهم النبي معروفاً.

ثم اختلف في أولي الأرحام المذكورين في الآية: قال بعضهم: هم الذين ذكرهم في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر.

وقال بعضهم: ليسوا هم؛ وإنما الذي ذكر في ذلك هم الذين بيّن لهم حدّ مواريثهم، فأمّا غيرهم فإنما هم في قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ فإنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، وكذلك يقول أبو حنيفة - رحمه الله -: إن أولي الأرحام إنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، ليس كالعصبات؛ لأن الابنة لا شك أنها أقرب من ابن العم، ثم يكون النصف للابنة والبقية لابن العم.

وقوله: ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ .

قال بعضهم: في اللوح المحفوظ بأن المؤمنين بعضهم أولى ببعض في المواريث من الذين كانوا يتوارثون.

وقال بعضهم: ﴿ فِي ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: في التوراة مكتوباً: أن يصنع بنو إسرائيل إلى بني لؤي بن يعقوب معروفاً؛ ليعود الغني على الفقير، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

النبي محمد  أحقّ بالمؤمنين من أنفسهم في كل ما دعاهم إليه، ولو كانت أنفسهم تميل إلى غيره، وزوجاته  بمنزلة أمهات لجميع المؤمنين، فيحرم على أي مؤمن أن يتزوج إحداهنّ بعد موته  ، وذوو القرابة بعضهم أحق ببعض في الإرث في حكم الله من أهل الإيمان والهجرة في سبيل الله، الذين كانوا يتوارثون فيما بينهم في صدر الإسلام، ثم نُسِخ توارثهم بعد ذلك، إلا أن تفعلوا -أيها المؤمنون- إلى أوليائكم من غير الورثة معروفًا من إيصاء لهم وإحسان إليهم فلكم ذلك، كان ذلك الحكم في اللوح المحفوظ مسطورًا فيجب العمل به.

من فوائد الآيات لا أحد أكبر من أن يُؤمر بالمعروف ويُنْهى عن المنكر.

رفع المؤاخذة بالخطأ عن هذه الأمة.

وجوب تقديم مراد النبي  على مراد الأنفس.

بيان علو مكانة أزواج النبي  ، وحرمة نكاحهن من بعده؛ لأنهن أمهات للمؤمنين.

<div class="verse-tafsir" id="91.w2aJZ"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله