الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٧ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة ، وبقية الأنبياء : أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله ، وإبلاغ رسالته ، والتعاون والتناصر والاتفاق ، كما قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) [ آل عمران : 81 ] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم ، وكذلك هذا .
ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة ، وهم أولو العزم ، وهو من باب عطف الخاص على العام ، وقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية ، وفي قوله : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) [ الشورى : 13 ] ، فذكر الطرفين والوسط ، الفاتح والخاتم ، ومن بينهما على [ هذا ] الترتيب .
فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها ، كما قال : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم [ وموسى وعيسى ابن مريم ] ) ، فبدأ في هذه الآية بالخاتم; لشرفه - صلوات الله [ وسلامه ] عليه - ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله [ وسلامه ] عليهم .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا محمد بن بكار ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثني قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قول الله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) الآية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ، [ فبدئ بي ] قبلهم " سعيد بن بشير فيه ضعف .
وقد رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا وهو أشبه ، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا ، والله أعلم .
وقال أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا حمزة الزيات ، حدثنا علي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : خيار ولد آدم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين .
موقوف ، وحمزة فيه ضعف .
وقد قيل : إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم ، كما قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب قال : ورفع أباهم آدم ، فنظر إليهم - يعني ذريته - وأن فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ، ودون ذلك ، فقال : رب ، لو سويت بين عبادك ؟
فقال : إني أحببت أن أشكر .
وأرى فيهم الأنبياء مثل السرج ، عليهم كالنور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، فهو الذي يقول الله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح [ وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ] ) الآية .
وهذا قول مجاهد أيضا .
وقال ابن عباس : الميثاق الغليظ : العهد .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) يقول تعالى ذكره: كان ذلك في الكتاب مسطورا، إذ كتبنا كلّ ما هو كائن في الكتاب (وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبيِّينَ مِيثاقَهُمْ) كان ذلك أيضا في الكتاب مسطورا، ويعني بالميثاق: العهد، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبل (وَمِنْكَ) يا محمد ( وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) يقول: وأخذنا من جميعهم عهدا مؤكدا أن يصدّق بعضهم بعضا.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ فِي الخَلْقِ، وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ"، ( وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) ميثاق أخذه الله على النبيين، خصوصا أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن يتبع بعضهم بعضا.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: كان قتادة إذا تلا هذه الآية ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في أوّل النبيين في الخلق.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال: في ظهر آدم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) قال: الميثاق الغليظ: العهد.
قوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا .قوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم أي عهدهم على الوفاء بما حملوا ، وأن [ ص: 119 ] يبشر بعضهم ببعض ، ويصدق بعضهم بعضا ; أي كان مسطورا حين كتب الله ما هو كائن ، وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء .
ومنك يا محمد ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وإنما خص هؤلاء الخمسة وإن دخلوا في زمرة النبيين تفضيلا لهم .
وقيل : لأنهم أصحاب الشرائع والكتب ،وأولو العزم من الرسل وأئمة الأمم .
ويحتمل أن يكون هذا تعظيما في قطع الولاية بين المسلمين والكافرين ; أي هذا مما لم تختلف فيه الشرائع ، أي شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
أي كان في ابتداء الإسلام توارث بالهجرة ، والهجرة سبب متأكد في الديانة ، ثم توارثوا بالقرابة مع الإيمان وهو سبب وكيد ; فأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن في دين أحد من الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق ; فلا تداهنوا في الدين ولا تمالئوا الكفار .
ونظيره : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله ولا تتفرقوا فيه .ومن ترك التفرق في الدين ترك موالاة الكفار .
وقيل : أي النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطورا ومأخوذا به المواثيق من الأنبياء .
وأخذنا منهم ميثاقا غليظا أي عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة ، وأن يصدق بعضهم بعضا .
والميثاق هو اليمين بالله تعالى ; فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين .
وقيل : الأول هو الإقرار بالله تعالى ، والثاني في أمر النبوة .
ونظير هذا قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية .
أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعلن محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده .
وقدم محمدا في الذكر لما روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال : كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث .
وقال مجاهد : هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام .
يخبر تعالى أنه أخذ من النبيين عمومًا، ومن أولي العزم -وهم، هؤلاء الخمسة المذكورون- خصوصًا، ميثاقهم الغليظ وعهدهم الثقيل المؤكد، على القيام بدين اللّه والجهاد في سبيله، وأن هذا سبيل، قد مشى الأنبياء المتقدمون، حتى ختموا بسيدهم وأفضلهم، محمد صلى اللّه عليه وسلم، وأمر الناس بالاقتداء بهم.
قوله - عز وجل - : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ) على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض .
قال مقاتل : أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدق بعضهم بعضا وينصحوا لقومهم ( ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل ، وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر لما : أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد الحديثي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ ، أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان الساعدي ، أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال ، أخبرنا أبي ، أخبرنا سعيد - يعني ابن بشير - عن قتادة عن الحسن ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث " .
قال قتادة : وذلك قول الله - عز وجل - : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) فبدأ به - صلى الله عليه وسلم - قبلهم .
( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا .
«و» اذكر «إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم» حين أخرجوا من صلب آدم كالذرّ جمع ذرة وهي أصغر النمل «ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم» بأن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته وذكر الخمسة من عطف الخاص على العام «وأخذنا منهم ميثاقا غليظا» شديدا بالوفاء بما حملوه وهو اليمين بالله تعالى ثم أخذ الميثاق.
واذكر -أيها النبي- حين أخذنا من النبيين العهد المؤكد بتبليغ الرسالة، وأخذنا الميثاق منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم (وهم أولو العزم من الرسل على المشهور)، وأخذنا منهم عهدًا مؤكدًا بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وأن يُصَدِّق بعضهم بعضًا.
ثم ذكر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالعهد الذى أخذه عليه وعلى الأنبياء من قبله ، فقال - تعالى - : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين .
.
.
عَذَاباً أَلِيماً ) .والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخوذ من لفظ وثق ، المتضمن معنى الشد والربط على الشئ بقوة وإحكام .أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أخذنا من جميع النبيين العهد الوثيق ، على أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من هداياتا للناس ، وعلى أن يأمروهم بإخلاص العبادة لنا ، وعلى أن يصدق بعضهم بعضا فى أصول الشرائع ومكارم الأخلاق .
.
كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك ، ومن أنبيائنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم .وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، للتنويه بفضلهم ، فهم وألو العزم من الرسل ، وهم الذين تحلموا فى سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثر ما تحمل غيرهم .وقدم صلى الله عليه وسلم فى قوله ( وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ ) لمزيد فضله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء .قال الآلوسى : ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى سورة الشورى ، أعنى قوله - تعالى - : ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ) إذ للك مقام مقال .
والمقام فى سورة الشورى وصف دين الإِسلام بالأصالة .
والمناسب فيه تقديم نوح ، فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه نوح فى العهد القديم ، وبعث عليه محمد صلى الله عليه وسلم فى العهد الحديث ، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء .وقوله - سبحانه - : ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) معطوف على ما قبله وهو ( أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ) ، لإِفادة تفخيم شأن هذا الميثاق المأخوذ على الأنبياء ، وبيان أنه عهد فى أقصى درجات الأهمية والشدة .أى : وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن ، بالغ الخطورة ، رفيع المقدار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه .
إذ المعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا .والغلظ استعارة فى وصف الأجرام .
: والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه فى بابه .وقيل : المراد بالميثاق الغليظ : اليمين بالله على الوفاء بما حملوا .
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله: ﴿ يا أيها النبى اتق الله ﴾ وأكده بالحكاية التي خشى فيها الناس لكي لا يخشى فيها أحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أكده بوجه آخر وقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين ﴾ كأنه قال اتق الله ولا تخف أحداً واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين في أنهم يبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من الميثاق المأخوذ من النبيين إرسالهم وأمرهم بالتبليغ.
المسألة الثانية: خص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمة فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم كان العرب يقولون بفضله وكانوا يتبعونه في الشعائر بعضها، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان، وعلى هذا لو قال قائل فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الإرشاد للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوح فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنذار ولهذا أهلك قومه وأغرقوا.
المسألة الثالثة: في كثير من المواضع يقول الله: ﴿ عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ ﴿ المسيح ابن مَرْيَمَ ﴾ إشارة إلى أنه لا أب له إذ لو كان لوقع التعريف به، وقوله: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً ﴾ غلظ الميثاق هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال تعالى: ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله فهو ميثاق، فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون ذلك تغليظاً للميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يمكن أن يقال بأن المراد من قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤلون عنها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» وكما أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء جعل الأنبياء قائمين بأمور أمتهم وإرشادهم إلى سبيل الرشاد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ و ﴾ اذكر حين ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين ﴾ جميعاً ﴿ ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم ﴿ وَمِنْكَ ﴾ خصوصاً ﴿ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ﴾ وإنما فعلنا ذلك ﴿ لِّيَسْأَلَ ﴾ الله يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، من جملة من أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴿ عَن صِدْقِهِمْ ﴾ عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين.
أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم.
لأن من قال للصادق: صدقت، كان صادقاً في قوله.
أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم.
وتأويل مسألة الرسل: تبكيت الكافرين بهم، كقوله: ﴿ أأنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [المائدة: 116] .
فإن قلت: لم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نوح فمن بعده قلت هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين: قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه.
فإن قلت: فقد قدم عليه نوح عليه السلام في الآية التي هي أخت هذه الآية، وهي قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ [الشورى: 13] ثم قدم على غيره.
قلت: مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك، وذلك أنّ الله تعالى إنما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
فإن قلت: فما المراد بالميثاق الغليظ؟
قلت: أراد به ذلك الميثاق بعينه.
معناه: وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً.
والغلظ: استعارة من وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه.
وقيل الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأَعَدَّ للكافرين ﴾ ؟
قلت: على أخذنا من النبيين، لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين.
وأعد للكافرين عذاباً أليماً.
أو على ما دل عليه ﴿ لِّيَسْأَلَ الصادقين ﴾ كأنه قال: فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ ومِيثاقُهم عُهُودُهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والدُّعاءِ إلى الدِّينِ القَيِّمِ.
﴿ وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم مَشاهِيرُ أرْبابُ الشَّرائِعِ وقَدَّمَ نَبِيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ.
﴿ وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ، والتَّكْرِيرُ لِبَيانِ هَذا الوَصْفِ تَعْظِيمًا لَهُ.
﴿ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْألَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ تَصْدِيقَهم إيّاهم تَبْكِيتًا لَهم أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فَإنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ، أوِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهم.
﴿ وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا ﴾ عُطِفَ عَلى ( أخَذْنا ) مِن جِهَةِ أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم لِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ كَأنَّهُ قالَ فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ} واذكر حين أخذنا من النبيين ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم {وَمِنْكَ} خصوصاً وقدم رسول الله على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء لأنهم أولو العزم وأصحاب الشرائع فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء قدم عليهم ولولا ذلك لقدم من
الأحزاب (١٠ - ٧)
قدمه زمانه {وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظاً}
وثيقاً وأعاد ذكر الميثاق لانضمام الوصف إليه وإنما فعلنا ذلك
﴿ وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ﴾ مُقَدَّرٌ (بِاذْكُرْ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لا ظَرْفٌ لِفَسادِ المَعْنى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، أوْ عَلى مُقَدَّرٍ كَخُذْ هَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى خَبَرِ كانَ، وهو بَعِيدٌ، وإنْ كانَ قَرِيبًا، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ مُتَضَمِّنًا أحْكامًا شَرْعَها اللَّهُ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ مِمّا كانَ في الإسْلامِ أُبْطِلَتْ ونُسِخَتْ أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِما فِيهِ حَثٌّ عَلى التَّبْلِيغِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ( وإذْ ) إلَخْ، أيْ واذْكُرْ وقْتَ أخْذِنا مِنَ النَّبِيِّينَ كافَّةً عُهُودَهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ، والدُّعاءِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ وقْتُ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالذَّرِّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ عُهُودَهم بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، واتِّباعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَهم بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، ﴿ ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ تَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِمْ في النَّبِيِّينَ انْدِراجًا بَيِّنًا لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن مَشاهِيرِ أرْبابِ الشَّرائِعِ.
واشْتُهِرَ أنَّهم هم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهم خِيارُ ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقْدِيمُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّهُ آخِرُهم بَعْثَةً لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ خَطَرِهِ الجَلِيلِ أوْ لِتَقَدُّمِهِ في الخَلْقِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا: «(بُدِئَ بِي الخَلْقُ، وكُنْتُ آخِرَهم في البَعْثِ)».
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ)» وكَذا في الِاسْتِنْباءِ، فَقَدْ جاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ؟
(قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ).» ولا يَضُرُّ فِيما ذُكِرَ تَقْدِيمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في آيَةِ الشُّورى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ الآيَةَ، إذْ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والمَقامُ هُناكَ وصْفُ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، والمُناسِبُ فِيهِ تَقْدِيمُ نُوحٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ والمَشاهِيرِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ هو المُخاطَبُ والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا المَتْلُوُّ، فَكانَ أحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ، وفِيهِ بَحْثٌ، ﴿ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ أيْ عَهْدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ أوْ وثِيقًا قَوِيًّا، وهَذا هو المِيثاقُ الأوَّلُ، وأخْذُهُ هو أخْذُهُ، والعَطْفُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ ، إثْرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ ، وفي ذَلِكَ مِن تَفْخِيمِ الشَّأْنِ ما فِيهِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ عَزَّ وجَلَّ: وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مِيثاقًا غَلِيظًا مَثَلًا، وقالَ سُبْحانَهُ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ اليَمِينُ بِاللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ بَعْدَ ما أخَذَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ المِيثاقَ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ أكَّدَ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلُوا، فالمِيثاقانِ مُتَغايِرانِ بِالذّاتِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: ما يرى لهم رأياً فذلك أولى وأحسن لهم من رأيهم.
ويقال: معناه النبي أرحم بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ يعني: كأمهاتهم في الحرمة.
وذكر عن أبي أنه كان يقرأ النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أب لهم وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ قال في رواية الكلبي: إن رسول الله آخى بين الناس.
فكان يؤاخي بين الرجلين.
فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله.
فمكثوا في ذلك ما شاء الله حتى نزلت هذه الآية: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.
فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ الذين آخى بينهم فصارت المواريث بالقرابات، وروي عن النبيّ أنه قال: «أَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً فَإلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ» .
فأمر بصرف الميراث إلى العصبة.
ثم قال تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً يعني: إلا أن يوصي له بثلث ماله.
وقال مقاتل: كان المهاجرون والأنصار يرثون بعضهم من بعض بالقرابة، ولا يرث من لم يهاجر إلا أن يوصي للذي لم يهاجر.
ثم نسخ بما في آخر سورة الأنفال.
ثم قال: كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً يعني: هكذا كان مكتوباً في التوراة.
ويقال: في اللوح المحفوظ.
ويقال: في القرآن.
قوله عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وهو الوحي الذي أوحى إليهم أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل، وأن يصدق بعضهم بعضاً.
ويقال: الميثاق الذي أخذ عليهم من ظهورهم.
ويقال: كل نبي أمر بأن يأمر من بعده بأن يخبروا ببعث النبيّ حتى ينتهي إليه.
ثم قال: وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ في هذا تفضيل رسول الله ، لأنه قد ذكر جملة الأنبياء- عليهم السلام- ثم خصّه بالذكر قبلهم، وكان آخرهم خروجاً.
ثم ذكر نوحاً لأنه كان أولهم.
ثم ذكر إبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ- صلوات الله عليهم- لأن كل واحد منهم كان على أثر بعض.
فقال: وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثم قال: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني: عهداً وثيقاً أن يعبدوا الله تعالى، ويدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل، وأن يبشروا كل واحد منهم بمن بعده.
ثم قال عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ يعني: أخذ عليهم الميثاق لكي يسأل الصادقين عن صدقهم.
يعني: يسأل المرسلين عن تبليغ الرسالة.
ويسأل الوفيّين عن وفائهم.
وروي في الخبر: أنه يسأل القلم يوم القيامة.
فيقول له: ما فعلت بأمانتي؟
فيقول: يا رب سلمتها إلى اللوح.
ثم جعل القلم يرتعد مخافة أن لا يصدقه اللوح.
فيسأل اللوح بأن القلم قد أدى الأمانة، وأنه قد سلم إلى إسرافيل.
فيقول لإسرافيل: ما فعلت بأمانتي التي سلمها إليك اللوح؟
فيقول: سلمتها إلى جبريل.
فيقول لجبريل- -: ما فعلت بأمانتي.
فيقول: سلمتها إلى أنبيائك.
فيسأل الأنبياء- عليهم السلام- فيقولون: قد سلمناها إلى خلقك، فذلك قوله تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً يعني: الذين كذبوا الرسل.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
«وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» وقرأ ابن عباس «١» «مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» ووافقه أبيّ ٧١ ب على ذلك.
ثم حكم تعالى: بَأَن أُولى الأرْحَامِ بَعْضُهم أولى ببعض في التوارُث، مما كانت الشريعة قررته من التوارث بأخوه الإسلام، وفِي كِتابِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَن يُرِيْدَ القُرْآن أو اللوح المحفوظ.
وقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق ب أَوْلى الثانية.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً يريدُ الأحسانَ في الحياةِ والصِّلَة والوَصِيَّةِ عند الموتِ و «الكتابُ المسطورُ» : يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا.
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)
وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ المعنى واذكر إذ أخذنا من النبيين، وهذا الميثاق:
قال الزجاج «٢» وغيره: إنه الذي أخذ عليهم وَقْتَ استخراج البَشَرِ من صلب آدم كالذر، بالتبليغ وبجميعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النبوَّة.
وروي نحوُه عَنْ أُبَيِّ بْنُ كعب «٣» .
وقالت فرقة: بل أشار إلى أَخذ الميثاقِ عليهم وَقْتَ بَعْثِهِم وإلقاءِ الرسالة إليهم، وذكر تَعَالَى النبيينَ جملةً، ثم خَصَّصَ أولِي العَزْمِ منهم تشريفاً لهم، واللام في قوله لِيَسْئَلَ يحتمل أن تكون لام كي، أو لام الصيرورة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ...
الآيات إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: ٢٨] نزلتْ في شأنِ غزوة
الخندقِ، وما اتَّصَلَ بها مِن أمر بني قريظة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أجلى بَنِي النَّضِيرِ مِنْ مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَر، فاجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ، وَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وَجَسَّرُوهُمْ على ذَلِكَ، وَأَزْمَعَتْ «١» قُرَيْشُ السَّيْرَ إلَى المَدِينَةِ، وَنَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطَفَانَ، وبَنِي أَسَدٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وتِهَامَةَ، فاستنفروهم إلى ذَلِكَ وَتَحَزَّبُوا وَسَارُوا إلَى المَدِينَةِ، واتصل خبرهم بالنّبيّ صلى الله عليه وسلّم، فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَحَصَّنَهَا، فَوَرَدَتِ الأحْزَابُ، وحَصَرُوا المدينةَ، وذلك في شَوَّال سنة خمسٍ، وقيل: أرْبَعٍ مِن الهجرةِ، وكانت قريظة قَدْ عاهدوا النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وعَاقدوه أَلاَّ يَلْحَقَهُ منهم ضَرَرٌ، فلمَّا تمكَّن ذلك الحِصَارُ، ودَاخَلَهم بَنُو النضيرِ غَدَرُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم وَنَقَضُوا عهده، وضاق الحال على المؤمنين، ونَجَمَ النفاق وساءت ظنون قوم، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم مع ذلك يُبَشِّرُ وَيَعِدُ النَّصْرَ، فألقَى الله عز وجل الرعب في قلوب ٧٢ أالكافرين، وتخاذلوا ويَئِسوا من الظَّفْرِ، وأرسل الله عليهم ريحاً وهي الصَّبَا، وملائكةً/ تُسَدِّدُ الرِّيحَ، وتفعل نحو فعلها، وتُلْقِي الرُّعْبَ في قلوب الكفرةِ، وهي الجنودُ التي لَم تُرَ، فارتَحَلَ الكَفَرَةُ وانقلبوا خائبين.
قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يريد: أهل نَجْدٍ مع عيينة بن حِصْن وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ: يريد أهل مكة وسائر تِهَامَة قاله مجاهد «٢» .
وزاغَتِ الْأَبْصارُ معناه مَالَتْ عن مواضِعَها وذلك فِعْلُ الوالِه الفزِع المُخْتَبِلِ.
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ عبارة عَمّا يَجِدُهُ الهَلِعُ من ثَوَرَانِ نَفْسِه وتفرقها ويجد كأَنَّ حُشْوَتَهُ وَقَلْبَهُ يَصَّعَّدُ عُلُوّاً، وَرَوَى أبو سعيد أن الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا يَوْمَ الخَنْدَق: يَا نَبِيَّ الله، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ قُولُوا: «اللَّهُمَّ، استر عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا» فَقَالُوهَا فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ الكُفَّارِ بِالرِّيحِ فَهَزَمَهُمْ «٣» .
وقوله سبحانه: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ...
الآية: عبارةٌ عن خواطر خطرَتْ للمؤمنين لا يمكن البشر دفعها، وأما المنافقون قنطقوا، ونجم نفاقهم.
وابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ أخَذْنا ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ﴾ أيْ: عَهْدَهُمْ؛ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أخْذُ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ: أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويَدْعُوا إلى عِبادَتِهِ، ويُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصَحُوا لِقَوْمِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَهَذا المِيثاقُ أُخِذَ مِنهم حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ كالذَّرِّ.
قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَمّا أخَذَ مِيثاقَ الخَلْقِ خَصَّ النَّبِيِّينَ بِمِيثاقٍ آخَرَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى فَضْلِهِمْ، لِأنَّهَمَّ أصْحابُ الكُتُبِ والشَّرائِعِ؛ وقَدَّمَ نَبِيِّنا بَيانًا لِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ نَبِيُّنا أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ أيْ: شَدِيدًا عَلى الوَفاءِ بِما حُمِلُوا.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ العَهْدَ الشَّدِيدَ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
لِيَسْألَ الصّادِقِينَ يَقُولُ: أخَذْنا مِيثاقَهم لِكَيْ نَسْألَ الصّادِقِينَ، وهُمُ الأنْبِياءُ ﴿ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ في تَبْلِيغِهِمْ.
ومَعْنى سُؤالِ الأنْبِياءِ- وهو يُعْلَمُ صِدْقَهُمْ- تَبْكِيتُ مُكَذِّبِيهِمْ.
وها هُنا تَمَّ الكَلامُ.
ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَمّا أعَدَّ لِلْكافِرِينَ بِالرُّسُلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ ﴾ وهْمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ أيّامَ الخَنْدَقِ.
الإشارَةُ إلى القِصَّةِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أجْلى بَنِي النَّضِيرِ، سارُوا إلى خَيْبَرَ، فَخَرَجَ نَفَرٌ مِن أشْرافِهِمْ إلى مَكَّةَ فَألَّبُوا قُرَيْشًا ودَعَوْهم إلى الخُرُوجِ لِقِتالِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا مِن عِنْدِهِمْ فَأتَوْا غَطَفانَ وسُلَيْمَ، فَفارَقُوهم عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
وتَجَهَّزَتْ قُرَيْشٌ ومَن تَبِعَهم مِنَ العَرَبِ، فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وخَرَجُوا يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، ووافَتْهم بَنُو سُلَيْمَ بِـ " مَرِّ الظَّهْرانِ "، وخَرَجَتْ بَنُو أسَدٍ، وفِزارَةُ، وأشْجَعُ، وبَنُو مُرَّةَ، فَكانَ جَمِيعُ مَن وافى الخَنْدَقَ مِنَ القَبائِلِ عَشَرَةَ آلافٍ، وهُمُ الأحْزابُ؛ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ خُرُوجُهم مِن مَكَّةَ، أخْبَرَ النّاسَ خَبَرَهُمْ، وشاوَرَهُمْ، فَأشارَ سَلْمانُ بِالخَنْدَقِ، فَأعْجَبَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ، وعَسْكَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ إلى سَفْحِ " سَلْعٍ "، وجَعَلَ سَلْعًا خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ ودَسَّ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْألُهم أنْ يَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ويَكُونُوا مَعَهم عَلَيْهِ، فَأجابُوا، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وعَظُمَ البَلاءُ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَهم مُناوَشَةٌ وقِتالٌ، وحُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتّى خَلَصَ إلَيْهِمُ الكَرْبُ، وكانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ قَدْ أسْلَمَ، فَمَشى بَيْنَ قُرَيْشٍ وقُرَيْظَةَ وغَطَفانَ فَخَذَّلَ بَيْنَهُمْ، فاسْتَوْحَشَ كُلٌّ مِنهم مِن صاحِبِهِ، واعْتَلَّتْ قُرَيْظَةُ بِالسَّبْتِ فَقالُوا: لا نُقاتِلُ فِيهِ، وهَبَّتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكم واللَّهِ لَسْتُمْ بِدارِ مُقامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الخُفُّ والحافِرُ، وأجْدَبَ الجَنابُ، وأخْلَفَتْنا قُرَيْظَةُ، ولَقِينا مِنَ الرِّيحِ ما تَرَوْنَ، فارْتَحِلُوا فَإنِّي مُرْتَحِلٌ؛ فَأصْبَحَتِ العَساكِرُ قَدْ أقْشَعَتْ كُلُّها.» قالَ مُجاهِدٌ: والرِّيحُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ هي الصَّبا، حَتّى أكْفَأتْ قُدُورَهُمْ، ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم.
والجُنُودُ: المَلائِكَةُ، ولَمْ تُقاتِلْ يَوْمَئِذٍ.
وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ جَعَلَتْ تَقْلَعُ أوْتادَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهم وتُكَبِّرُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ تَرَوْها ﴾ وقَرَأ النَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والجَوْنِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " لَمْ يَرَوْها " بِالياءِ ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: [ " يَعْمَلُونَ " ] بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ ﴿ لِيَسْألَ الصادِقِينَ عن صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ "إذْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِسَطْرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ في الكِتابِ، كَأنَّهُ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الأحْكامُ مُسَطَّرَةٌ مُلْقاةٌ إلى الأنْبِياءِ إذْ أخَذْنا عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في التَبْلِيغِ والشَرائِعِ، فَيَكُونُ "إذْ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْيَنُ مِنَ الأوَّلِ: وهَذا المِيثاقُ المُشارُ إلَيْهِ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَبِيِّينَ بِالتَبْلِيغِ وبِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَتَضَمَّنُهُ النُبُوَّةُ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشارَ إلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ بَعْثِهِ، وإلى إلْقاءِ الرِسالَةِ إلَيْهِ وأوامِرِها ومُعْتَقَداتِها.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى النَبِيِّينَ جُمْلَةً، ثُمَّ خَصَّصَ بِالذِكْرِ أفْرادًا مِنهم تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا، إذْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ هم أصْحابُ الكُتُبِ والشَرائِعِ والحُرُوبِ الفاصِلَةِ عَلى التَوْحِيدِ وأُولُو العَزْمِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقُدِّمَ ذِكْرُ مُحَمَّدٌ عَلى مَزِيَّتِهِ في الزَمَنِ تَشْرِيفًا خاصًّا لَهُ أيْضًا، ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "كُنْتُ أوَّلُ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ وآخِرُهم في البَعْثِ".» وكَرَّرَ أخْذَ المِيثاقِ لِمَكانِ الصِفَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها، و"غَلِيظًا" إشْعارٌ بِحُرْمَةٍ هَذا المِيثاقِ وقُوَّتِها، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيَسْألَ" ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أخَذْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ، أيْ: بُعِثَتِ الرُسُلُ وأُخِذَتْ عَلَيْها المَواثِيقُ في التَبْلِيغِ لِكَيْ يَجْعَلَ اللهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ صادِقَةٌ يَسْألُها عن صِدْقِها، عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ والتَقْرِيرِ، كَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي ﴾ ؟
فَتُجِيبُهُ كَأنَّها قَدْ صَدَّقَتِ اللهُ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ، وفُرْقَةٌ كَفَرَتْ فَيَنالُها ما أُعِدَّ لَها مِنَ العَذابِ الألِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَسْألَ" لامُ الصَيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المَواثِيقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا، والأوَّلُ أصْوَبُ.
والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُضادُّ لِلْكَذِبِ في القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ مِن صِدْقِ الأفْعالِ واسْتِقامَتِها، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وصَدَقَنِي السَيْفُ والمالُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ "الصادِقِينَ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرادَ بِهِمُ الرُسُلَ، أيْ: يَسْألُهم عن تَبْلِيغِهِمْ، وقالَ أيْضًا: أرادَ المُؤَدِّينَ المُبَلِّغِينَ عَنِ الرُسُلِ.
وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ ﴾ نَزَلَتْ في شَأْنِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ أجْلى بَنِي النَضِيرِ مِن مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَرَ، فاجْتَمَعَتْ جَماعَةٌ مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ وخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشًا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ، وجَسَّرُوهم عَلى ذَلِكَ، وأزْمَعَتْ قُرَيْشٌ السَيْرَ إلى المَدِينَةِ، ونَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطْفانَ وبَنِي أسَدٍ ومَن أمَّلَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ وتِهامَةَ، فاسْتَنْفَرُوهم إلى ذَلِكَ، فَتَحَزَّبَ الناسُ وسارُوا إلى المَدِينَةِ، واتَّصَلَ الخَبَرُ بِرَسُولِ اللهِ فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ دِيارٍ بِالمَدِينَةِ وحِصْنِهِ، وكانَ أمْرًا لَمْ تَعْهَدْهُ العَرَبُ، وإنَّما كانَ مِن أعْمالِ فارِسٍ والرُومِ، وأشارَ بِهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَوَرَدَ الأحْزابُ، قُرَيْشٌ وكِنانَةُ والأحابِيشُ في نَحْوِ عَشَرَةِ آلافٍ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانُ بْنُ حَرْبٍ، ووَرَدَتْ غَطْفانُ وأهْلُ نَجْدٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنُ بَدْرٍ الفَزارِيُّ، ووَرَدَتْ بَنُو عامِرٍ وغَيْرُهم عَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ إلى غَيْرِ هَؤُلاءِ، فَحَصَرُوا المَدِينَةَ، وذَلِكَ في شَوّالِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقٍ، وقالَ مالِكٌ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ قَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللهِ عَلى الهُدْنَةِ، وعاقَدُوهُ عَلى أنْ لا يَلْحَقُهُ مِنهم ضَرَرٌ، فَلَمّا تَمَكَّنَ هَذا الحِصارُ واثَقَهم بَنُو النَضِيرِ، فَغَدَرُوا رَسُولَ اللهِ ، ونَقَضُوا العَهْدَ، وصارُوا لَهُ حِزْبًا مَعَ الأحْزابِ، فَضاقَ الحالُ عَلى رَسُولِ اللهِ والمُؤْمِنِينَ، وكَثُرَتِ الظُنُونُ ورَسُولُ اللهِ يُبَشِّرُ ويَعِدُ بِالنَصْرِ.
ثُمَّ ألْقى اللهُ تَعالى الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَئِسُوا مِنَ الظَفَرِ بِمَنَعَةِ الخَنْدَقِ، وبِما رَأوا مِن جَلَدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ اسْمَهُ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ - وقِيلَ غَيْرُ هَذا - فاقْتَحَمَ الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ فَقُتِلَ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ حاجِزًا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ الصِبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ عَلى الكُفّارِ، فَطَرَدَتْهُمْ، وهَدَّدَتْ بُيُوتَهُمْ، وأطْفَأتْ نِيرانَهُمْ، وقَطَعَتْ حِبالَهُمْ، وأطِفَأتْ قُدُورَهُمْ، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ، وبَعَثَ اللهُ مَعَ الصِبا مَلائِكَةً تُشَدِّدُ الرِيحَ، وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها، وتُلْقِي الرُعْبَ في قُلُوبِ الكَفَرَةِ حَتّى أزْمَعُوا الرِحْلَةَ بَعْدَ بِضْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً لِلْحَصْرِ، فانْصَرَفُوا خائِبِينَ، فَهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ تُرَ.» وقَرَأ الحَسَنُ: "وَجُنُودًا" بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَعْمَلُونَ بِالتاءِ، فَكَأنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةً لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ لَمْ تَرَوْا جُنُودَهُ وهو بَصِيرٌ بِأعْمالِكُمْ، فَيَتَبَيَّنُ في هَذا القُدْرَةِ والسُلْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا بِالتاءِ، وهُما حَسَنَتانِ، ورُوِيَ عن أبِي عُمْرَةَ: "لَمْ يَرَوْها" مِن تَحْتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "لَمْ تَرَوْها" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ونافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَعْلَمُونَ" بِالتاءِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على قوله ﴿ يا أيها النبي اتق الله ولا تُطِع الكافرين والمنافقين إلى قوله: وكفى بالله وكيلاً ﴾ [الأحزاب: 1 3] فلذلك تضمن الأمر بإقامة الدين على ما أراده الله تعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى نبذ سنن الكافرين الصرحاء والمنافقين من أحكام الهوى والأوهام.
فلما ذكر ذلك وعقب بمثل ثلاثة من أحكام جاهليتهم الضالة بما طال من الكلام إلى هنا ثُني عنان الكلام إلى الإعلام بأن الذي أمره الله به هو من عهود أخذها الله على النبيئين والمرسلين من أول عهود الشرائع.
وتربط هذا الكلام بالكلام الذي عطف هو عليه مناسبة قوله: ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطوراً ﴾ [الأحزاب: 6].
وبهذا الارتباط بين الكلامين لم يُحتج إلى بيان الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيئين، فعُلم أن المعنى: وإذا أخذنا من النبيئين ميثاقهم بتقوى الله وبنبذ طاعة الكافرين والمنافقين وباتباع ما أوحى الله به.
وقوله ﴿ إن الله كان عليماً حكيماً ﴾ [الأحزاب: 1] ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً ﴾ فلما أمر النبي بالاقتصار على تقوى الله وبالإعراض عن دعوى الكافرين والمنافقين، أُعلم بأن ذلك شأن النبيئين من قبله، ولذلك عطف قوله ومنك } عقب ذكر النبيئين تنبيهاً على أن شأن الرسل واحد وأن سنة الله فيهم متحدة، فهذه الآية لها معنى التذييل لآية ﴿ يأيها النبي اتق الله ولا تُطع الكافرين والمنافقين ﴾ [الأحزاب: 1] الآيات الثلاث ولكنها جاءت معطوفة بالواو لبعد ما بينها وما بين الآيات الثلاث المتقدمة.
وقوله ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ الآيتين لهما موقع المقدمة لقصة الأحزاب لأن مما أخذ الله عليه ميثاق النبيئين أن ينصروا الدين الذي يرسله الله به، وأن ينصروا دين الإسلام، قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لَمَا ءاتيناكم من كتاب وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لَتُؤْمِنُنَّ به ولتنصرُنّه ﴾ [آل عمران: 81] فمحمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالنصرة لدينه بمن معه من المسلمين لقوله في هذه الآية: ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً ﴾ وقال في الآية الآتية في الثناء على المؤمنين الذين صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿ ليجزي الله الصادقين بِصدْقِهم ويعذِّب المنافقين ﴾ الآية [الأحزاب: 24].
وقد جاء قوله: ﴿ وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ﴾ جارياً على أسلوب ابتداء كثير من قصص القرآن في افتتاحها ب ﴿ إذْ ﴾ على إضمار (اذكر).
و ﴿ إذْ ﴾ اسم للزمان مجرد عن معنى الظرفية.
فالتقدير: واذكر وقتاً، وبإضافة ﴿ إذ ﴾ إلى الجملة بعده يكون المعنى: اذكر وقتَ أخذِنا ميثاقاً على النبيئين.
وهذا الميثاق مجمل هنا بينته آيات كثيرة.
وجُماعها أن يقولوا الحق ويبلِّغوا ما أمروا به دون ملاينة للكافرين والمنافقين، ولا خشية منهم، ولا مجاراة للأهواء، ولا مشاطرة مع أهل الضلال في الإبقاء على بعض ضلالهم.
وأن الله واثقهم ووعدهم على ذلك بالنصر.
ولما احتوت عليه هذه السورة من الأغراض مزيد التأثر بهذا الميثاق بالنسبة للنبيء صلى الله عليه وسلم وشديد المشابهة بما أخذ من المواثيق على الرسل من قبله.
ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى هنا: ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4] وقوله في ميثاق أهل الكتاب ﴿ ألَمْ يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ في سورة الأعراف (169).
وفي تعقيب أمر الرسول بالتقوى ومخالفة الكافرين والمنافقين والتثبيت على اتّباع ما يوحى إليه، وأمره بالتوكل على الله، وجعلها قبل قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ﴾ [الأحزاب: 9] الخ..
إشارة إلى أن ذلك التأييد الذي أيد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه إذ ردّ عنهم أحزاب الكفار والمنافقين بغيظهم لم ينالوا خيراً ما هو إلا أثر من آثار الميثاق الذي أخذه الله على رسوله حين بعثه.
والميثاق: اسم العهد وتحقيق الوعد، وهو مشتق من وثق، إذا أيقن وتحقق، فهو منقول من اسم آلة مجازاً غلب على المصدر، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ في سورة البقرة (27).
وإضافة ميثاق إلى ضمير النبيئين من إضافة المصدر إلى فاعله على معنى اختصاص الميثاق بهم فيما أُلزموا به وما وعدهم الله على الوفاء به.
ويضاف أيضاً إلى ضمير الجلالة في قوله ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ﴾ [المائدة: 7].
وقوله ﴿ ومنك ومن نوح ﴾ الخ هو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام بهم فإن هؤلاء المذكورين أفضل الرسل، وقد ذُكر ضمير محمد صلى الله عليه وسلم قبلهم إيماء إلى تفضيله على جميعهم، ثم جعل ترتيب ذكر البقية على ترتيبهم في الوجود.
ولهذه النكتة خص ضمير النبي بإدخال حرف (من) عليه بخصوصه، ثم أدخل حرف (مِن) على مجموع الباقين فكان قد خصّ باهتمامين: اهتمام التقديم، واهتمام إظهار اقتران الابتداء بضمير بخصوصه غير مندمج في بقيتهم عليهم السلام.
وسيجيء أن ما في سورة الشورى من تقديم ﴿ ما وصَّى به نوحاً على والذي أوحينا إليك ﴾ [الشورى: 13] طريق آخر هو آثر بالغرض الذي في تلك السورة من قوله تعالى: ﴿ شَرَع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم ﴾ الآية [الشورى: 13].
وجملة ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أعادت مضمون جملة ﴿ وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ﴾ لزيادة تأكيدها، وليبنى عليها وصف الميثاق بالغليظ، أي: عظيماً جليل الشأن في جنسه فإن كل ميثاق له عظَمٌ فلما وصف هذا ب ﴿ غليظاً ﴾ أفاد أن له عظماً خاصاً، وليعلّق به لام التعليل من قوله ﴿ لِيَسْأل الصادقين ﴾ .
وحقيقة الغليظ: القويّ المتين الخلق، قال تعالى: ﴿ فاستغلظ فاستوى على سوقه ﴾ [الفتح: 29].
واستعير الغليظ للعظيم الرفيع في جنسه لأن الغليظ من كل صنف هو أمكنُه في صفات جنسه.
واللام في قوله ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ لام كي، أي: أخذنا منهم ميثاقاً غليظاً لنعظّم جزاءً للذين يُوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنُشدِّد العذاب جزاءً للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفاً.
وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيئين وهي آخر العِلل حصولاً فأشعر ذكرُها بأن لهذا الميثاق عِللاً تحصل قبل أن يُسْأل الصادقون عن صدقهم، وهي ما في الأعمال المأخوذ ميثاقهم عليها من جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك هو ما يُسأل العاملون عن عمله من خير وشرٍ.
وضمير ﴿ يسأل ﴾ عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة.
والمراد بالصادقين أمم الأنبياء الذين بلغهم ما أُخذ على أنبيائهم من الميثاق، ويقابلهم الكافرون الذين كذبوا أنبياءهم أو الذين صدقوهم ثم نقضوا الميثاق من بعد، فيشملهم اسم الكافرين.
والسؤال: كناية عن المؤاخذة لأنها من ثواب جواب السؤال أعني إسداء الثواب للصادقين وعذاب الكافرين، وهذا نظير قوله تعالى ﴿ لا يُسْألُ عمّا يفعل ﴾ [الأنبياء: 23]، أي: لا يتعقب أحد فعله ولا يؤاخذه على ما لا يلائمه، وقول كعب بن زهير: وقيل: إنك منسوب ومسؤول *** وجملة ﴿ وأعد للكافرين ﴾ عطف على جملة ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ وغُيّر فيها الأسلوب للدلالة على تحقيق عذاب الكافرين حتى لا يتوهم أنهم يسألون سؤال من يُسْمَع جوابُهم أو معذرتُهم، ولإفادة أن إعداد عذابهم أمر مضى وتقرر في علم الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِيثاقُهم عَلى قَوْمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِيثاقُ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ أنْ يُبَلِّغُوا الرِّسالَةَ إلَيْهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مِيثاقُ الأنْبِياءِ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ رَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ ﴾ قالَ (كُنْتُ أوَّلَهم في الخَلْقِ وآخِرَهم في البَعْثِ) .» ﴿ وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المِيثاقَ الغَلِيظَ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ.
الثّانِي: يُصَدِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّالِثُ: أنْ يُعْلِنُوا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُعْلِنُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
وَفي ذِكْرِ مَن سَمّى مِنَ الأنْبِياءِ مَعَ دُخُولِهِمْ في ذِكْرِ النَّبِيِّينَ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفْضِيلًا لَهم.
الثّانِي: لِأنَّهم أصْحابُ الشَّرائِعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَمّا أجابَهم بِهِ قَوْمُهم، حَكاهُ النَّقّاشُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: لِيَسْألَ الأفْواهَ الصّادِقَةَ عَنِ القُلُوبِ المُخْلِصَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ قال: في ظهر آدم ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال: أغلظ مما أخذه من الناس ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ قال: المبلغين من الرسل المؤدين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم...
﴾ الآية.
قال: أخذ الله على النبيين خصوصاً أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يتبع بعضهم بعضاً.
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني رضي الله عنه: «أن أعرابياً قال: يا رسول الله ما أول نبوّتك؟
قال: أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ ودعوة أبي إبراهيم قال: ﴿ وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ [ البقرة: 129] وبشارة المسيح ابن مريم، ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها: أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام» .
وأخرج الطيالسي والطبراني وابن مردويه عن أبي العالية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى، وكلتا يدي الرحمن يمين، فأما أصحاب اليمين فاستجابوا إليه فقالوا: لبيك ربنا وسعديك قال: ﴿ ألست بربكم؟
قالوا: بلى ﴾ [ الأعراف: 172] فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم: يا رب لم خلطت بيننا فإن ﴿ لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ﴾ [ المؤمنون: 63] قال: أن يقولوا يوم القيامة ﴿ إنا كنا عن هذا غافلين ﴾ [ الأعراف: 172] ثم ردهم في صلب آدم عليه السلام فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها، فقال قائل: فما العمل إذاً؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعمل كل قوم لمنزلتهم، فقال: ابن الخطاب رضي الله عنه: إذن نجتهد يا رسول الله» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟
قال: وآدم بين الروح والجسد» .
وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال: «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى استنبئت؟
قال: وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق» .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قيل يا رسول الله متى كنت نبيا؟
قال: وآدم بين الروح والجسد» .
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ميسرة الفخر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله متى كنت نبياً؟
قال: وآدم بين الروح والجسد» .
وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوّة؟
قال: بين خلق آدم ونفخ الروح فيه» .
وأخرج أبو نعيم عن الصنابحي قال: «قال عمر رضي الله عنه: متى جعلت نبياً؟
قال: وآدم منجدل في الطين» .
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي الجدعاء رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله متى جعلت نبيا؟
قال: وآدم بين الروح والجسد» .
وأخرج ابن سعد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى كنت نبياً؟
قال: وآدم بين الروح والطين» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ﴾ .
قال: بدئ بي في الخير.
وكنت آخرهم في البعث» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول «كنت أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث» .
وأخرج ابن أبي عاصم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أولهم نوح، ثم الأول فالأول» .
وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم...
﴾ قال «كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث، فبدئ به قبلهم» .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح.
وإبراهيم.
وموسى.
وعيسى.
ومحمد، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ميثاقهم ﴾ عهدهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ قال: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس من عالم إلا وقد أخذ الله ميثاقه يوم أخذ ميثاق النبيين، يدفع عنه مساوي عمله لمحاسن عمله، إلا أنه لا يوحي إليه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب، المعنى: واذكر إذ أخذنا (١) - ذلك الميثاق، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر لقومك ذلك.
قوله: ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ﴾ قال مجاهد: في ظهر آدم (٢) قال الزجاج: وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر) (٣) قال ابن عباس: أخذ الميثاق على النبيين خصوصًا، يصدق بعضهم بعضًا ويتبع بعضهم بعضًا (٤) (٥) وقوله: ﴿ وَمِنْكَ ﴾ أخرجه والأربعة الذين ذكرهم من جملة النبيين؛ تخصيصًا بالذكر، وتفضيلاً على غيرهم؛ لأنهم أصحاب الكتب والشرائع، كقوله: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ .
وقدم النبي - - في الذكر لما روى قتادة عن الحسين (٦) - قال في هذه الآية: "كنت أول المؤمنين في الخلق وآخرهم في البعث".
قال أبو إسحاق: فعلى هذا لا تقديم في هذا الكلام ولا تأخير.
هو على ما نسقه قال: ومذهب أهل اللغة أن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن المذكور أولًا لا يستقيم أن يكون معناه التأخير (٧) قوله تعالى: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ .
قال المفسرون: أي عهدًا شديدًا على الوفاء بما حملوا، وذلك العهد الشديد هو اليمين (٨) (٩) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.
(٢) "تفسير الطبري" 21/ 126، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 327، "تفسير مجاهد" ص 514.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.
(٤) "تفسير ابن عباس" ص 351، مع اختلاف في العبارة، وذكر هذا القول بعبارته الطبري 21/ 125، ونسبه لقتادة.
(٥) " تفسير مقاتل" 88 أ.
(٦) هكذا في جميع النسخ!
والصحيح أنه الحسن كما جاء في كتب السنة، فقد ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 570، وعزاه للحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في "الدلائل" والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة - - وبهذا أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 460.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216 مع اختلاف يسير في العبارة.
(٨) في (ب): (الإيمان).
(٩) انظر: "الوسيط" 3/ 460، "زاد المسير" 6/ 355.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ﴾ هو الميثاق بتبليغ الرسالة والقيام بالشرائع، وقيل: هو الميثاق الذي أخذه حين أخرج بني آدم من صلب آدم كالذر، والأول أرجح لأنه هو المختص بالأنبياء ﴿ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ ﴾ قد دخل هؤلاء في جملة النبيين، ولكنه خصهم بالذكر تشريفاً لهم، وقدم محمداً صلى الله عليه وسلم تفضيلاً له ﴿ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ يعني الميثاق المذكور، وإنما كرره تأكيداً، وليصفه بأنه غليظ أي وثيق ثابت يجب الوفاء به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .
قال بعضهم: خصّ هؤلاء؛ لأن أهل الشرع من الرسل هم هؤلاء؛ كقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً...
﴾ الآية [الشورى: 13]، لكنه قد ذكر في آية أخرى ما يدل أن غير هؤلاء كان لهم أيضاً شرع؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ...
﴾ الآية [النساء: 163].
وجائز أن يكون تخصيص هؤلاء بأخذ الميثاق؛ لأنهم هم أولو العزم من الرسل؛ حيث قال: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أو يكون لا على تخصيص لمن ذكر؛ ولكن على إرادة الكل، والله أعلم.
ثم اختلف في أخذ الميثاق: قال بعضهم: أخذ ميثاقهم على أن يبشر بعضهم ببعض: يبشر نوح بإبراهيم، وإبراهيم بموسى، وموسى بعيسى، وعيسى بمحمد، عليهم الصلاة والسلام.
وقال بعضهم: أخذ ميثاقهم؛ ليصدّق بعضهم بعضا، وأن يدعوا إلى عبادة الله، وأن ينصحوا لقومهم.
وجائز أن يكون ما ذكر من أخذ الميثاق منهم لما ذكر على أثره: ﴿ لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ﴾ : أخذ منهم الميثاق في تبليغ الرسالة إلى قومهم؛ ليسألهم عن صدقهم أنهم قد بلغوا.
﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .
لأن تبليغ الرسالة إلى الفراعنة منهم وأعداء الله صعب شديد، مخاطرة، فيه هلاك النفس وفوات الروح، وهو ما قال: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...
﴾ الآية [المائدة: 67].
وقوله: ﴿ لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ﴾ .
الصدق أكثره إنما ينفع في الإنباء والإخبار، كقوله: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ : وهو ما أخبرهم وأنبأهم من القرآن وغيره.
وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ صدقاً في نبئه، وعدلا في حكمه، ثم صدقه في النبأ، وعدله في الحكم، سميّ القرآن: مرة صدقاً، ومرة عدلا، ومرة حقّاً، فالحق يجمع الأمرين: النبأ والحكم جميعاً، والصدق يكون في النبأ خاصة، والحكم في العدل.
ثم يحتمل سؤاله الصادقين، وهم الرسل، عن صدقهم وجهين: أحدهما: يسألهم عن تبليغ ما أمرهم بالتبليغ إلى قومهم، وعن إنباء ما ولاهم الإنباء أن نبئوا أولئك: هل بلغتم وهل أنبأتم أولئك؟
والثاني: يسألهم عن إجابة أولئك لهم: هل أجابوكم إلى ما دعوتم؟
لأن منهم من أجابهم وصدقهم، ومنهم من لم يجب ولم يصدّق؛ فيخرج السؤال عمن أجاب على التقرير، ومن لم يجب على التنبيه والتوبيخ، وهو يسأل الفريقين جميعاً: الرسل عن التبليغ، والمرسل إليهم: عن الإجابة؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
واذكر أيها الرسول -إذ أخذنا من الأنبياء عهدًا مؤكدًا أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئًا، وأن يُبَلغوا ما أنزل إليهم من الوحي، وأخذناه على وجه الخصوص منك، ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم؛ أخذنا منهم عهدًا مؤكدًا على الوفاء بما ائتُمِنوا عليه من تبليغ رسالات الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.LkExb"