الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥٠ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 225 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٠ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخاطبا نبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن ، وهي الأجور هاهنا .
كما قاله مجاهد وغير واحد ، وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشا وهو نصف أوقية ، فالجميع خمسمائة درهم ، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي ، - رحمه الله - أربعمائة دينار ، وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر ، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها .
وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية ، أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها ، رضي الله عن جميعهن .
وقوله : ( وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ) أي : وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم ، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما .
وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ، عليه السلام ، وكانتا من السراري ، رضي الله عنهما .
وقوله : ( وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ) : هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط; فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا ، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته ، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى ، فأباح بنت العم والعمة ، وبنت الخال والخالة ، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت ، وهذا بشع فظيع .
وإنما قال : ( وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ) فوحد لفظ الذكر لشرفه ، وجمع الإناث لنقصهن كقوله : ( عن اليمين والشمائل ) [ النحل : 48 ] ، ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) [ البقرة : 257 ] ، ( وجعل الظلمات والنور ) [ الأنعام : 1 ] ، وله نظائر كثيرة .
وقوله : ( اللاتي هاجرن معك ) قال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي صالح ، عن أم هانئ قالت : خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذري ، ثم أنزل الله : ( إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك ) إلى قوله : ( اللاتي هاجرن معك ) قالت : فلم أكن أحل له ، ولم أكن ممن هاجر معه ، كنت من الطلقاء .
ورواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن عبيد الله بن موسى ، به .
ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، عنها بنحوه .
ورواه الترمذي في جامعه .
وهكذا قال أبو رزين وقتادة : إن المراد : من هاجر معه إلى المدينة .
وفي رواية عن قتادة : ( اللاتي هاجرن معك ) أي : أسلمن .
وقال الضحاك : قرأ ابن مسعود : " واللاتي هاجرن معك " .
وقوله : ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ) أي : ويحل لك - يأيها النبي - المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك .
وهذه الآية توالى فيها شرطان ، كقوله تعالى إخبارا عن نوح ، عليه السلام ، أنه قال لقومه : ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) [ هود : 34 ] ، وكقول موسى : ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) [ يونس : 84 ] .
وقال هاهنا : ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ) وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله ، إني قد وهبت نفسي لك .
فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال : يا رسول الله ، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل عندك من شيء تصدقها إياه " ؟
فقال : ما عندي إلا إزاري هذا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا " .
فقال : لا أجد شيئا .
فقال : " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " هل معك من القرآن شيء ؟
" قال : نعم; سورة كذا ، وسورة كذا - لسور يسميها - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " زوجتكها بما معك من القرآن " .
أخرجاه من حديث مالك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا مرحوم ، سمعت ثابتا يقول : كنت مع أنس جالسا وعنده ابنة له ، فقال أنس : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله ، هل لك في حاجة ؟
فقالت ابنته : ما كان أقل حياءها .
فقال : " هي خير منك ، رغبت في النبي ، فعرضت عليه نفسها " .
انفرد بإخراجه البخاري ، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [ العطار ] ، عن ثابت البناني ، عن أنس ، به .
وقال أحمد أيضا : حدثنا عبد الله بن بكر ، حدثنا سنان بن ربيعة ، عن الحضرمي ، عن أنس بن مالك : أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، ابنة لي كذا وكذا .
فذكرت من حسنها وجمالها ، فآثرتك بها .
فقال : " قد قبلتها " .
فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تشتك شيئا قط ، فقال : " لا حاجة لي في ابنتك " .
لم يخرجوه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدثنا ابن أبي الوضاح - يعني : محمد بن مسلم - عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم .
وقال ابن وهب ، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه : أن خولة بنت حكيم بن الأوقص ، من بني سليم ، كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن هشام ، عن أبيه : كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت امرأة صالحة .
فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم ، أو هي امرأة أخرى .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا وكيع ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، وعمر بن الحكم ، وعبد الله بن عبيدة قالوا : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة : ست من قريش ، خديجة ، وعائشة ، وحفصة ، وأم حبيبة ، وسودة ، وأم سلمة .
وثلاث من بني عامر بن صعصعة ، وامرأتان من بني هلال بن عامر : ميمونة بنت الحارث ، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وزينب أم المساكين - امرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القرطاء - وهي التي اختارت الدنيا ، وامرأة من بني الجون ، وهي التي استعاذت منه ، وزينب بنت جحش الأسدية ، والسبيتان صفية بنت حيي بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس : ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) قال : هي ميمونة بنت الحارث .
فيه انقطاع : هذا مرسل ، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خزيمة الأنصارية ، وقد ماتت عند النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فالله أعلم .
والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي صلى الله عليه وسلم كثير ، كما قال البخاري ، حدثنا زكريا بن يحيى ، حدثنا أبو أسامة قال : هشام بن عروة حدثنا عن أبيه ، عن عائشة قالت : كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن من النبي صلى الله عليه وسلم وأقول : أتهب امرأة نفسها ؟
فلما أنزل الله : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ) قلت : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن منصور الجعفي ، حدثنا يونس بن بكير ، عن عنبسة بن الأزهر ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له .
ورواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن يونس بن بكير .
أي : إنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له ، وإن كان ذلك مباحا له ومخصوصا به; لأنه مردود إلى مشيئته ، كما قال الله تعالى : ( إن أراد النبي أن يستنكحها ) أي : إن اختار ذلك .
وقوله : ( خالصة لك من دون المؤمنين ) قال عكرمة : أي : لا تحل الموهوبة لغيرك ، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا .
وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما .
أي : إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل ، فإنه متى دخل بها وجب لها عليه بها مهر مثلها ، كما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق لما فوضت ، فحكم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها ، والموت والدخول سواء في تقرير المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فأما هو ، عليه السلام ، فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها; لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود ، كما في قصة زينب بنت جحش ، رضي الله عنها .
ولهذا قال قتادة في قوله : ( خالصة لك من دون المؤمنين ) ، يقول : ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم .
[ وقوله تعالى : ( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم ) ] قال أبي بن كعب ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة وابن جرير في قوله : ( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ) أي : من حصرهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا من الإماء ، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم ، وهم الأمة ، وقد رخصنا لك في ذلك ، فلم نوجب عليك شيئا منه; ( لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما ) .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ) يعني: اللاتي تزوجتهن بصداق مسمى.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ( أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ) قال: صدقاتهن .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ) قال: كان كل امرأة آتاها مهرا فقد أحلها الله له.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ...) إلى قوله (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) فما كان من هذه التسمية ما شاء كثيرا أو قليلا.
وقوله ( أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ) يقول: وأحللنا لك إماءك اللواتي سبيتهن، فملكتهن بالسباء، وصرن لك بفتح الله عليك من الفيء ( وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) فأحل الله له صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، المهاجرات معه منهن دون من لم يهاجر منهن معه.
كما حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أَبي صالح، عن أم هانئ، قالت: خطبني النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فاعتذرت له بعذري، ثم أنـزل الله عليه ( إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ...) إلى قوله ( اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) قالت: فلم أُحل له؛ لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود (وَبَنَاتِ خَالاتِكَ وَالَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) بواو، وذلك وإن كان كذلك في قراءته محتمل أن يكون بمعنى قراءتنا بغير الواو، وذلك أن العرب تدخل الواو في نعت من تقدم ذكره أحيانا، كما قال الشاعر: فـإنَّ رُشَـيدًا وَابْـنَ مَـرَوَانَ لَم يَكُنْ لِيَفْعَـلَ حَـتَّى يَصْـدُرَ الأمْـرُ مَصْدَرًا (1) ورشيد هو ابن مروان، وكان الضحاك بن مزاحم يتأول قراءة عبد الله هذه أنهن نوع غير بنات خالاته وأنهن كل مهاجرة هاجرت مع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
ذكر الخبر عنه بذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في حرف ابن مسعود (وَالَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) يعني بذلك: كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة.
وقوله ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ) يقول: وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي بغير صداق.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ) بغير صداق، فلم يكن يفعل ذلك وأحل له خاصة من دون المؤمنين.
وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) بغير إن، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها إن واحد، وذلك كقول القائل في الكلام: لا بأس أن يطأ جارية مملوكة إن ملكها، وجارية مملوكة ملكها.
وقوله ( إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا ) يقول: إن أراد أن ينكحها فحلال له أن ينحكها وإذا وهبت نفسها له بغير مهر (خَالِصَةً لَكَ) يقول: لا يحل لأحد من أمتك أن يقرب امرأة وهبت نفسها له، وإنما ذلك لك يا محمد خالصة أخلصت لك من دون سائر أمتك.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر، إلا للنبي، كانت له خالصة من دون الناس ويزعمون أنها نـزلت في ميمونة بنت الحارث أنها التي وهبت نفسها للنبي.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...) إلى قوله ( خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: كان كل امرأة آتاها مهرا فقد أحلها الله له إلى أن وهب هؤلاء أنفسهن له، فأحللن له دون المؤمنين بغير مهر خالصة لك من دون المؤمنين إلا امرأة لها زوج.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن صالح بن مسلم، قال: سألت الشعبي عن امرأة وهبت نفسها لرجل، قال: لا يكون لا تحل له، إنما كانت للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
واختلفت القراء في قراءة قوله: ( إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا ) فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار (إِنْ وَهَبَتْ) بكسر الألف على وجه الجزاء، بمعنى: إن تهب .
وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ: (أَنْ وَهَبَتْ) بفتح الألف، بمعنى: وأحللنا له امرأة مؤمنة أن ينكحها؛ لهبتها له نفسها.
والقراءة التي لا أستجيز خلافها في كسر الألف لإجماع الحجة من القراء عليه.
وأما قوله ( خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) ليس ذلك للمؤمنين، وذكر أن لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قبل أن تنـزل عليه هذه الآية أن يتزوج أي النساء شاء، فقصره الله على هؤلاء، فلم يعدهن، وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ورباع.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن محمد بن أَبي موسى، عن زياد رجل من الأنصار، عن أُبَي بن كعب، أن التي أحل الله للنبي من النساء هؤلاء اللاتي ذكر الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ...) إلى قوله (فِي أَزْوَاجِهِمْ) وإنما أحل الله للمؤمنين مثنى وثلاث ورباع.
وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...) إلى آخر الآية، قال: حرم الله عليه ما سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء، لم يحرم ذلك عليه، فكان نساؤه يجدن من ذلك وجدا شديدا أن ينكح في أي الناس أحب؛ فلما أنـزل الله: إني قد حرمت عليك من الناس سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه.
واختلف أهل العلم في التي وهبت نفسها لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من المؤمنات، وهل كانت عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم امرأة كذلك؟
فقال بعضهم: لم يكن عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، فأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال لم يكن عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم امرأة وهبت نفسها.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ) قال: أن تهب.
وأما الذين قالوا: قد كان عنده منهن فإن بعضهم قال: كانت ميمونة بنت الحارث.
وقال بعضهم: هي أم شريك .
وقال بعضهم: زينب بنت خزيمة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ) قال: هي ميمونة بنت الحارث.
وقال بعضهم: زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثني الحكم، قال: كتب عبد الملك إلى أهل المدينة يسألهم، قال: فكتب إليه علي، قال شعبة: وهو ظني علي بن حسين، قال: وقد أخبرني به أبان بن تغلب، عن الحكم، أنه علي بن الحسين الذي كتب إليه، قال: هي امرأة من الأسد يقال لها أم شريك، وهبت نفسها للنبي.
قال: ثنا شعبة، قال: ثني عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، أنها امرأة من الأنصار، وهبت نفسها للنبي، وهي ممن أرجأ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم، كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
قال: ثني سعيد بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وكانت امرأة صالحة.
وقوله: ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم إذا أرادوا نكاحهن مما لم نفرضه عليك، وما خصصناهم به من الحكم في ذلك دونك وهو أنا فرضنا عليهم أنه لا يحل لهم عقد نكاح على حرة مسلمة إلا بولي عصبة وشهود عدول، ولا يحل لهم منهن أكثر من أربع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا مطهر، قال: ثنا علي بن الحسين، قال: ثني أبي، عن مطر، عن قتادة في قول الله ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ ) قال: إن مما فرض الله عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أَبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ ) قال: في الأربع.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ ) قال: كان مما فرض الله عليهم أن لا تزوج امرأة إلا بولي وصداق عند شاهدي عدل، ولا يحل لهم من النساء إلا أربع وما ملكت أيمانهم.
وقوله: ( وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) يقول تعالى ذكره: قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم، لأنه لا يحل لهم منهن أكثر من أربع، وما ملكت أيمانهم، فإن جميعهن إذا كن مؤمنات أو كتابيات، لهم حلال بالسباء والتسري وغير ذلك من أسباب الملك.
وقوله ( لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) يقول تعالى ذكره: إنا أحللنا لك يا محمد أزواجك اللواتي ذكرنا في هذه الآية، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها؛ لكيلا يكون عليك إثم وضيق في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف التي أبحت لك نكاحهن من المسميات في هذه الآية، وكان الله غفورا لك ولأهل الإيمان بك، رحيمًا بك وبهم أن يعاقبهم على سالف ذنب منهم سلف بعد توبتهم منه.
------------------------ الهوامش: (1) البيت من شواهد الفراء: (معاني القرآن، مصورة الجامعة ص 257) قال عند قوله تعالى: (وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك)، وفي قراءة عبد الله، يعني ابن مسعود: (وبنات خالك وبنات خالاتك واللاتي هاجرن معك) فقد تكون المهاجرات هن بنات الخال والخالة وإن كانت فيه الواو، فقال: واللاتي، والعرب تنعت بالواو وبغير الواو، كما قال الشاعر: (فإن رشيدا وابن مروان ...
إلخ ).
وأنت تقول في الكلام: إن زرت أخًا لك وابن عمك القريب لك؛ وإن قلت: والقريب لك.
كان صوابا.
وقد نقله المؤلف عن الفراء.
وأوضحه بقوله في البيت: ورشيد هو ابن مروان.
قوله تعالى : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما .فيه تسع عشرة مسألة :الأولى : روى السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت : خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ، ثم أنزل الله تعالى : إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك قالت : فلم أكن أحل له ; لأني لم أهاجر ، كنت من الطلقاء .
خرجه أبو عيسى وقال : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
قال ابن العربي : وهو ضعيف جدا ولم يأت هذا الحديث من طريق صحيح يحتج بها .الثانية : لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فاخترنه ، حرم عليه التزوج بغيرهن والاستبدال بهن ، مكافأة لهن على فعلهن .
والدليل على ذلك قوله تعالى : لا يحل لك النساء من بعد الآية .
وهل كان يحل له أن يطلق واحدة منهن بعد ذلك ؟
فقيل : لا يحل له ذلك عزاء لهن على اختيارهن له .
وقيل : كان يحل له ذلك كغيره من النساء ولكن لا يتزوج بدلها .
ثم نسخ هذا التحريم فأباح له أن يتزوج بمن شاء عليهن من النساء ، والدليل عليه قوله تعالى : إنا أحللنا لك أزواجك والإحلال يقتضي تقدم حظر .
وزوجاته اللاتي في حياته لم يكن محرمات عليه ، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات فانصرف الإحلال إليهن ، ولأنه قال في سياق الآية وبنات عمك وبنات عماتك الآية .
ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه ولا من [ ص: 188 ] بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته ، فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء .
وهذه الآية وإن كانت مقدمة في التلاوة فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة بها ، كآيتي الوفاة في ( البقرة ) .وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى : إنا أحللنا لك أزواجك فقيل : المراد بها أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها ، قال ابن زيد والضحاك .
فعلى هذا تكون الآية مبيحة جميع النساء حاشا ذوات المحارم .
وقيل : المراد أحللنا لك أزواجك ، أي الكائنات عندك ، لأنهن قد اخترنك على الدنيا والآخرة ، قال الجمهور من العلماء .
وهو الظاهر ؛ لأن قوله : آتيت أجورهن ماض ، ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط .
ويجيء الأمر على هذا التأويل ضيقا على النبي صلى الله عليه وسلم .
ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي الناس شاء ، وكان يشق ذلك على نسائه ، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمي ، سر نساؤه بذلك .قلت : والقول الأول أصح لما ذكرناه ويدل أيضا على صحته ما خرجه الترمذي عن عطاء قال : قالت عائشة رضي الله عنها : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له النساء .
قال : هذا حديث حسن صحيح .الثالثة : قوله تعالى : وما ملكت يمينك أحل الله تعالى السراري لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته مطلقا ، وأحل الأزواج لنبيه عليه الصلاة والسلام مطلقا ، وأحله للخلق بعدد .
وقوله مما أفاء الله عليك أي رده عليك من الكفار .
والغنيمة قد تسمى فيئا ، أي مما أفاء الله عليك من النساء بالمأخوذ على وجه القهر والغلبة .الرابعة : قوله تعالى : وبنات عمك وبنات عماتك أي أحللنا لك ذلك زائدا من الأزواج اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ، على قول الجمهور ، لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها ، لما قال بعد ذلك : وبنات عمك وبنات عماتك لأن ذلك داخل فيما تقدم .قلت : وهذا لا يلزم ، وإنما خص هؤلاء بالذكر تشريفا ، كما قال تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان .
والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : خالاتك اللاتي هاجرن فيه قولان : الأول : لا يحل لك من [ ص: 189 ] قرابتك كبنات عمك العباس وغيره من أولاد عبد المطلب ، وبنات أولاد بنات عبد المطلب ، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زهرة إلا من أسلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله تعالى عنه .
الثاني : لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة ، لقوله تعالى : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ومن لم يهاجر لم يكمل ، ومن لم يكمل لم يصلح للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كمل وشرف وعظم ، صلى الله عليه وسلم .السادسة : قوله تعالى : ( معك ) المعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها ، فمن هاجر حل له ، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن .
يقال : دخل فلان معي وخرج معي ، أي كان عمله كعملي وإن لم يقترن فيه عملكما .
ولو قلت : خرجنا معا لاقتضى ذلك المعنيين جميعا : الاشتراك في الفعل ، والاقتران فيه .السابعة : ذكر الله تبارك وتعالى العم فردا والعمات جمعا .
وكذلك قال : خالك ، وخالاتك والحكمة في ذلك : أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز ، وليس كذلك العمة والخالة .
وهذا عرف لغوي ، فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال ، وهذا دقيق فتأملوه ، قاله ابن العربي .الثامنة : قوله تعالى : وامرأة مؤمنة عطف على ( أحللنا ) المعنى وأحللنا كل امرأة تهب نفسها من غير صداق .
وقد اختلف في هذا المعنى ، فروي عن ابن عباس أنه قال : لم تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين .
فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد .
وقال قوم : كانت عنده موهوبة .قلت : والذي في الصحيحين يقوي هذا القول ويعضده ، روى مسلم عن عائشة [ ص: 190 ] رضي الله عنها أنها قالت : كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول : أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل !
حتى أنزل الله تعالى ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء فقلت : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .
وروى البخاري عن عائشة أنها قالت : كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدل هذا على أنهن كن غير واحدة .
والله تعالى أعلم .
الزمخشري : .
وقيل الموهبات أربع : ميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية ، وأم شريك بنت جابر ، وخولة بنت حكيم .قلت : وفي بعض هذا اختلاف .
قال قتادة : هي ميمونة بنت الحارث .
وقال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار .
وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر الأسدية .
وقال عروة بن الزبير : أم حكيم بنت الأوقص السلمية .التاسعة : وقد اختلف في اسم الواهبة نفسها ، فقيل هي أم شريح الأنصارية ، اسمها غزية .
وقيل غزيلة .
وقيل ليلى بنت حكيم .
وقيل : هي ميمونة بنت الحارث حين خطبها النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاءها الخاطب وهي على بعيرها فقالت : البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقيل : هي أم شريك العامرية ، وكانت عند أبي العكر الأزدي .
وقيل عند الطفيل بن الحارث فولدت له شريكا .
وقيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها ، ولم يثبت ذلك .
والله تعالى أعلم ، ذكره أبو عمر بن عبد البر .
وقال الشعبي وعروة : وهي زينب بنت خزيمة أم المساكين .
والله تعالى أعلم .العاشرة : قرأ جمهور الناس إن وهبت بكسر الألف ، وهذا يقتضي استئناف الأمر ، أي إن وقع فهو حلال له .
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا : لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة ، وقد دللنا على خلافه .
وروى الأئمة من طريق سهل وغيره في الصحاح : أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئت أهب لك نفسي ، فسكت حتى قام رجل فقال : زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة .
فلو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقر على الباطل إذا سمعه ، غير أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظرا بيانا ، فنزلت الآية بالتحليل والتخيير ، فاختار تركها وزوجها من غيره .
ويحتمل أن يكون سكت ناظرا في ذلك حتى قام الرجل لها طالبا .
وقرأ الحسن البصري وأبي بن كعب والشعبي ( أن ) بفتح الألف .
وقرأ [ ص: 191 ] الأعمش ( وامرأة مؤمنة وهبت ) .
قال النحاس : وكسر إن أجمع للمعاني ، لأنه قيل إنهن نساء .
وإذا فتح كان المعنى على واحدة بعينها ؛ لأن الفتح على البدل من امرأة ، أو بمعنى لأن .الحادية عشرة : قوله تعالى : ( مؤمنة ) يدل على أن الكافرة لا تحل له .
قال إمام الحرمين : وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه .
قال ابن العربي : والصحيح عندي تحريمها عليه .
وبهذا يتميز علينا ، فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر ، وما كان جانب النقائص فجانبه عنها أطهر ; فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات ، وقصر هو صلى الله عليه وسلم لجلالته على المؤمنات .
وإذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحرى ألا تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر .الثانية عشرة : قوله تعالى : إن وهبت نفسها دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة ، قد تقدمت في ( النساء ) وغيرها .
وقال الزجاج : معنى إن وهبت نفسها للنبي حلت .
وقرأ الحسن : ( أن وهبت ) بفتح الهمزة .
و ( أن ) في موضع نصب .
قال الزجاج : أي لأن .
وقال غيره : ( أن وهبت ) بدل اشتمال من ( امرأة ) .الثالثة عشرة : قوله تعالى : إن أراد النبي أن يستنكحها أي إذا وهبت المرأة نفسها وقبلها النبي صلى الله عليه وسلم حلت له ، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك .
كما إذا وهبت لرجل شيئا فلا يجب عليه القبول ، بيد أن من مكارم أخلاق نبينا أن يقبل من الواهب هبته .
ويرى الأكارم أن ردها هجنة في العادة ، ووصمة على الواهب وأذية لقلبه ، فبين الله ذلك في حق رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله قرآنا يتلى ، ليرفع عنه الحرج ، ويبطل بطل الناس في عادتهم وقولهم .الرابعة عشرة : قوله تعالى خالصة لك أي هبة النساء أنفسهن خالصة ومزية لا تجوز ، فلا يجوز أن تهب المرأة نفسها لرجل .
ووجه الخاصية أنها لو طلبت فرض المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك .
فأما فيما بيننا فللمفوضة طلب المهر قبل الدخول ، ومهر المثل بعد الدخول .الخامسة عشرة : أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز ، وأن هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح ، إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا : إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز .
قال ابن عطية : فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة ، [ ص: 192 ] وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه ، وقد تقدمت هذه المسألة في ( القصص ) مستوفاة .
والحمد لله .السادسة عشرة : خص الله تعالى رسوله في أحكام الشريعة بمعاني لم يشاركه فيها أحد - في باب الفرض والتحريم والتحليل - مزية على الأمة وهبت له ، ومرتبة خص بها ، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره ، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم ، وحللت له أشياء لم تحلل لهم ، منها متفق عليه ومختلف فيه .فأما ما فرض عليه فتسعة : الأول - التهجد بالليل ، يقال : إن قيام الليل كان واجبا عليه إلى أن مات ، لقوله تعالى : يا أيها المزمل قم الليل الآية .
والمنصوص أنه كان ، واجبا عليه ثم نسخ بقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك وسيأتي .
الثاني : الضحى .
الثالث : الأضحى .
الرابع : الوتر ، وهو يدخل في قسم التهجد .
الخامس : السواك .
السادس : قضاء دين من مات معسرا .
السابع : مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع .
الثامن : تخيير النساء .
التاسع : إذا عمل عملا أثبته .
زاد غيره : وكان يجب عليه إذا رأى منكرا أنكره وأظهره ؛ لأن إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه ، ذكره صاحب البيان .وأما ما حرم عليه فجملته عشرة : الأول : تحريم الزكاة عليه وعلى آله .
الثاني : صدقة التطوع عليه ، وفي آله تفصيل باختلاف .
الثالث : خائنة الأعين ، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر ، أو ينخدع عما يجب .
وقد ذم بعض الكفار عند إذنه ثم ألان له القول عند دخوله .
الرابع : حرم الله عليه إذا لبس لأمته أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه .
الخامس : الأكل متكئا .
السادس : أكل الأطعمة الكريهة الرائحة .
السابع : التبدل بأزواجه ، وسيأتي .
الثامن : نكاح امرأة تكره صحبته .
التاسع : نكاح الحرة الكتابية .
العاشر : نكاح الأمة .وحرم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره تنزيها له وتطهيرا .
فحرم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه ، تأكيدا لحجته وبيانا لمعجزته قال الله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك .
وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات حتى كتب ، والأول هو [ ص: 193 ] المشهور .
وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس ، قال الله تعالى : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم الآية .وأما ما أحل له صلى الله عليه وسلم فجملته ستة عشر : الأول : صفي المغنم .
الثاني : الاستبداد بخمس الخمس أو الخمس .
الثالث : الوصال .
الرابع : الزيادة على أربع نسوة .
الخامس : النكاح بلفظ الهبة .
السادس : النكاح بغير ولي .
السابع : النكاح بغير صداق .
الثامن : نكاحه في حالة الإحرام .
التاسع : سقوط القسم بين الأزواج عنه ، وسيأتي .
العاشر : إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها ، وحل له نكاحها .
قال ابن العربي : هكذا قال إمام الحرمين ، وقد مضى ما للعلماء في قصة زيد من هذا المعنى .
الحادي عشر : أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها .
الثاني عشر : دخول مكة بغير إحرام ، وفي حقنا فيه اختلاف .
الثالث عشر : القتال بمكة .
الرابع عشر : أنه لا يورث .
وإنما ذكر هذا في قسم التحليل لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض زال عنه أكثر ملكه ، ولم يبق له إلا الثلث خالصا ، وبقي ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تقرر بيانه في آية المواريث ، وسورة ( مريم ) بيانه أيضا .
الخامس عشر : بقاء زوجيته من بعد الموت .
السادس عشر : إذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تنكح .
وهذه الأقسام الثلاثة تقدم معظمها مفصلا في مواضعها .
وسيأتي إن شاء الله تعالى .وأبيح له عليه الصلاة والسلام أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان ، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك ، لقوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .
وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه .
وأبيح له أن يحمي لنفسه .
وأكرمه الله بتحليل الغنائم .
وجعلت الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا .
وكان من الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا في المساجد .
ونصر بالرعب ، فكان يخافه العدو من مسيرة شهر .
وبعث إلى كافة الخلق ، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض .
وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة .
وكانت معجزة موسى عليه السلام العصا وانفجار الماء من الصخرة .
وقد انشق القمر للنبي صلى الله عليه وسلم وخرج الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وكانت معجزة عيسى صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص .
وقد سبح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحن الجذع إليه ، وهذا أبلغ .
وفضله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له ، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة ; ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تنسخ إلى يوم القيامة .[ ص: 194 ] السابعة عشرة : أن يستنكحها أي ينكحها ، يقال : نكح واستنكح ، مثل عجب واستعجب ، وعجل واستعجل .
ويجوز أن يرد الاستنكاح بمعنى طلب النكاح ، أو طلب الوطء .
و ( خالصة ) نصب على الحال ، قال الزجاج .
وقيل : حال من ضمير متصل بفعل مضمر دل عليه المضمر ، تقديره : أحللنا لك أزواجك ، وأحللنا لك امرأة مؤمنة أحللناها خالصة ، بلفظ الهبة وبغير صداق وبغير ولي .الثامن عشر : قوله تعالى من دون المؤمنين فائدته أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة عندنا فليس لهم في ذلك دخول لأن تصريف الأحكام إنما يكون فيهم على تقدير الإسلام .قوله تعالى : قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وهو ألا يتزوجوا إلا أربع نسوة بمهر وبينة وولي .
قال معناه أبي بن كعب وقتادة وغيرهما .التاسع عشر : لكيلا يكون عليك حرج أي ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السعة ، أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لكيلا يكون عليك حرج .
ف ( لكيلا ) متعلق بقوله : إنا أحللنا أزواجك أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربك في شيء .
ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال تعالى : وكان الله غفورا رحيما .
يقول تعالى، ممتنًا على رسوله بإحلاله له ما أحل مما يشترك فيه، هو والمؤمنون، وما ينفرد به، ويختص: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } أي: أعطيتهن مهورهن، من الزوجات، وهذا من الأمور المشتركة بينه وبين المؤمنين، [فإن المؤمنين] كذلك يباح لهم ما آتوهن أجورهن، من الأزواج.{ و } كذلك أحللنا لك { مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } أي: الإماء التي ملكت { مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ } من غنيمة الكفار من عبيدهم، والأحرار من لهن زوج منهم، ومن لا زوج لهن، وهذا أيضا مشترك.وكذلك من المشترك، قوله { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ } شمل العم والعمة، والخال والخالة، القريبين والبعيدين، وهذا حصر المحللات.يؤخذ من مفهومه، أن ما عداهن من الأقارب، غير محلل، كما تقدم في سورة النساء، فإنه لا يباح من الأقارب من النساء، غير هؤلاء الأربع، وما عداهن من الفروع مطلقًا، والأصول مطلقًا، وفروع الأب والأم، وإن نزلوا، وفروع من فوقهم لصلبه، فإنه لا يباح.وقوله { اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } قيد لحل هؤلاء للرسول، كما هو الصواب من القولين، في تفسير هذه الآية، وأما غيره عليه الصلاة والسلام، فقد علم أن هذا قيد لغير الصحة.{ و } أحللنا لك { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } بمجرد هبتها نفسها.{ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } أي: هذا تحت الإرادة والرغبة، { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } يعني: إباحة الموهبة وأما المؤمنون، فلا يحل لهم أن يتزوجوا امرأة، بمجرد هبتها نفسها لهم.{ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } أي: قد علمنا ما على المؤمنين، وما يحل لهم، وما لا يحل، من الزوجات وملك اليمين.
وقد علمناهم بذلك، وبينا فرائضه.فما في هذه الآية، مما يخالف ذلك، فإنه خاص لك، لكون اللّه جعله خطابًا للرسول وحده بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ } إلى آخر الآية.وقوله: { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } وأبحنا لك يا أيها النبي ما لم نبح لهم، ووسعنا لك ما لم نوسع على غيرك، { لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } وهذا من زيادة اعتناء اللّه تعالى برسوله صلى اللّه عليه وسلم.{ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: لم يزل متصفًا بالمغفرة والرحمة، وينزل على عباده من مغفرته ورحمته، وجوده وإحسانه، ما اقتضته حكمته، ووجدت منهم أسبابه.
قوله - عز وجل - : ( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ) أي : مهورهن ، ( وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ) رد عليك من الكفار بأن تسبي فتملك مثل صفية وجويرية ، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم ( وبنات عمك وبنات عماتك ) يعني : نساء قريش ( وبنات خالك وبنات خالاتك ) يعني : نساء بني زهرة ( اللاتي هاجرن معك ) إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن معه لم يجز له نكاحها .
وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له ، لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من الطلقاء ، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل .
( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ) أي .
أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق ، فأما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه .
واختلفوا في أنه هل كان يحل للنبي - صلى الله عليه وسلم - نكاح اليهودية والنصرانية بالمهر ؟
فذهب جماعة إلى أنه كان لا يحل له ذلك ، لقوله : " وامرأة مؤمنة " ، وأول بعضهم الهجرة في قوله : " اللاتي هاجرن معك " على الإسلام ، أي : أسلمن معك .
فيدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح غير المسلمة ، وكان النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر ، وكان ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - في النكاح لقوله تعالى : ( خالصة لك من دون المؤمنين ) كالزيادة على الأربع ، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه ولا مشاركة لأحد معه فيه .
واختلف أهل العلم في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة ؟
فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والزهري ، ومجاهد ، وعطاء ، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي .
وذهب قوم إلى أنه ينعقد بلفظ الهبة والتمليك ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وأهل الكوفة .
ومن قال لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج اختلفوا في نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - : فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد بلفظ الهبة ، لقوله تعالى : " خالصة لك من دون المؤمنين " .
وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج كما في حق الأمة لقوله - عز وجل - : ( إن أراد النبي أن يستنكحها ) وكان اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - في ترك المهر لا في لفظ النكاح .
واختلفوا في التي وهبت نفسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهل كانت عنده امرأة منهن ؟
.
فقال عبد الله بن عباس ، ومجاهد : لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة وهبت نفسها منه ، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين ، وقوله : " إن وهبت نفسها " على طريق الشرط والجزاء .
وقال آخرون : بل كانت عنده موهوبة ، واختلفوا فيها فقال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة الهلالية ، يقال لها : أم المساكين .
وقال قتادة : هي ميمونة بنت الحارث .
وقال علي بن الحسين ، والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر من بني أسد .
وقال عروة بن الزبير : هي خولة بنت حكيم من بني سليم .
قوله - عز وجل - : ( قد علمنا ما فرضنا عليهم ) أي : أوجبنا على المؤمنين ( في أزواجهم ) من الأحكام أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر ( وما ملكت أيمانهم ) أي : ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين ( لكيلا يكون عليك حرج ) وهذا يرجع إلى أول الآية أي : أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لك لكي لا يكون عليك حرج وضيق .
( وكان الله غفورا رحيما )
يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن» مهورهن «وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك» من الكفار بالسبي كصفية وجويرية «وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك» بخلاف من لم يهاجرن «وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها» يطلب نكاحها بغير صداق «خالصة لك من دون المؤمنين» النكاح بلفظ الهبة من غير صداق «قد علمنا ما فرضنا عليهم» أي المؤمنين «في أزواجهم» من الأحكام بأن لا يزيدوا على أربع نسوة ولا يتزوجوا إلا بوليٍّ وشهود ومهر «و» في «ما ملكت أيمانهم» من الإماء بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية وأن تستبرأ قبل الوطء «لكيلا» متعلق بما قبل ذلك «يكون عليك حرج» ضيق في النكاح «وكان الله غفورا» فيما يَعسر التحرز عنه «رحيما» بالتوسعة في ذلك.
يا أيها النبي إنَّا أبَحْنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهن مهورهن، وأبَحْنا لك ما مَلَكَتْ يمينك من الإماء، مما أنعم الله به عليك، وأبحنا لك الزواج من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك، وأبحنا لك امرأة مؤمنة مَنَحَتْ نفسها لك من غير مهر، إن كنت تريد الزواج منها خالصة لك، وليس لغيرك أن يتزوج امرأة بالهِبَة.
قد علمنا ما أوجبنا على المؤمنين في أزواجهم وإمائهم بألا يتزوجوا إلا أربع نسوة، وما شاؤوا من الإماء، واشتراط الوليِّ والمهر والشهود عليهم، ولكنا رخصنا لك في ذلك، ووسَّعْنا عليك ما لم يُوسَّع على غيرك؛ لئلا يضيق صدرك في نكاح مَن نكحت مِن هؤلاء الأصناف.
وكان الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، رحيمًا بالتوسعة عليهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله عليه .
وتكريمه له حيث خصه بأمور تتعلق بالنكاح لم يخص بها أحدا غيره .
فقال - تعالى - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ .
.
.
.
على كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ) .والمراد بالأجور فى قوله - سبحانه - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ .
.
.
) المهور التى دفعها صلى الله عليه وسلم لأزاوجه .قال ابن كثير : يقول - تعالى - مخاطبا - نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - بأن قد أحل له من النساء أزواجه اللائى أعطاهن مهورهن ، وهى الأجور ها هنا ، كما قاله مجاهد وغير واحد .وقد كان مهره صلى الله عليه وسلم لنسائه : اثنتى عشرة أوقية ونصف أوقية .
فالجمعي خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشى - رحمه الله - بأربعمائة دينار ، وإلا صفية بنت حيى فإنه اصطفاها من سبى خيبر ، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها .
وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية ، أدى عنها كتابتها إلى ثبات بن قيس وتزوجها .وفى قوله : ( آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ) إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا للمراة دون إبقاء شئ منه ، هو الأكمل والأفضل ، وأن تأخير شئ منه إنما هو مستحدث ، لم يكن معروفا عند السلف الصالح .وأُطْلِق على المهر أجْرٌ لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من الزوجة ، كما يقابل الأجر بالمنفعة .وقوله : ( وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ ) بيان لنوع آخر مما أحله الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم .والمعنى : يأيها النبى إنا أحللنا لك - بفضلنا - على سبيل التكريم والتشريف لك ، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك ، واللاتى أعطيتهن مهورهن - كعائشة وحفصة وغيرهما - ، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها .كما أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائى دخلن فى ملكك عن طريق الغنيمة فى الحرب ، كصفية بنت حيى بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث .ثم بين - سبحانه - نوعا ثالثا أحله - سبحانه - له فقال : ( عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) .أى : وأحللنا لك - أيضا - الزواج بالنساء اللائى تربطك بهن قرابة من جهة الأب ، أو قرابة من جهة الأم .وقوله ( اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) إشارة إلى ما هو أفضل ، وللإِيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر .والمراد بالمعية هنا .
الاشتراك فى الهجرة .
لا المصاحبة فيها ، لما فى قوله - تعالى - حكاية عن ملكة سبأ : ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين ) .قال بعض العلماء : وقد جاء فى الآية الكريمة عدة قيود ، ما أريد بواحد منها غلى التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة .منها : وصف النبى صلى الله عليه وسلم باللاتى آتى أجورهن ، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة ، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شئ .ومنها : أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفئ ، فإن المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب ، لأن المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحالة والنشأة .ومنها : قيد الهجرة فى قوله : ( اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) ، ولا شك أن من هاجرت مع النبى صلى الله عليه وسلم أولى بشرف زوجة النبى صلى الله عليه وسلم ممن عداها .ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من النساء ، أحله لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين ) .
والجملة الكريمة معطوفة على مفعول ( أَحْلَلْنَا ) .وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين ، الثانى منهما قيد للأول ، لن هبتها نفسها له صلى الله عليه وسلم لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها .وقوله ( يَسْتَنكِحَهَا ) بمعنى ينكحها .
يقال : نكح واستنكح ، بمعنى عجل واستعجل : ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح .وقوله : ( خَالِصَةً ) منصوب على الحال من فاعل ( وَهَبَتْ ) أى : حال كونها خالصة لك دون غيرك .
أو نعت لمصدر مقدر .
أى : هبة خالصة .
.
.والمعنى وأحللنا لك كذلك امرأة مؤمنة ، إن ملكتك نفسها بدون نفسها بدون مهر وإن أنت قبلت ذلك عن طيب خاطر منك ، وهذا الإِحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين ، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولى ومهر .وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم ، وأم شريك بنت جابر ، وليلى بنت الحطيم .
.وقد اختلف العلماء فى كونه صلى الله عليه وسلم قد تزوج بواحدة من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا .والأرجح أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بواحدة منهن ، وإنما زوجهن لغيره .
ويشهد لذلك ما رواه الشيخان " عن سهل بن سعد الساعدى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله ، إنى قد وهبت نفسى لك .
فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل عندك من شئ تصدقها إياه؟
فقال : ما عندى إلا إزارى هذا .
فقال صلى الله عليه وسلم : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا .
فقال : لا أجد شيئا : فقال : التمس ولو خاتما من حديد ، فقام الرجل فلم يجد شيئا .
فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : هل معك من القرآن شئ؟
قال نعم .
سورة كذا وسورة كذا - لسور يسميها - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن " .وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإِحلال فى الآية الكريمة : الإِذن العام والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم فى الزواج من هذه الأصناف ، والإِباحة له فى ان يختار منهن من تقتضى الحكمة الزاوج منها ، واختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور تتعلق بالنكاح ، لا تحل لأحد سواه .ولهذا قال - سبحانه - بعد ذلك : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) فإن هذه الجملة الكريمة معترضة ومقررة لمضمون ما قبلها ، من اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور فى النكاح لا تحل لغيره ، كحل زواجه ممن تخبه نفسها بدون مهر ، إن قبل ذلك العرض منها .أى : هذا الذى أحللناه لك - أيها الرسول الكريم - هو خاص بك ، أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه عليهم فى حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه ، فلا يجوز لهم الإِخلال بها ، كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك الله - تعالى - به ، على سبيل التوسعة عليك ، والتكريم لك ، فهم لا يجوز لهم التزوج إلا بعقد وشهود ومهر ، كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة .وعلمنا - أيضا - ما فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم ، من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه ، لا ممن لا يجوز سبيه ، أو كان له عهد مع المسلمين .وقوله : ( لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ) متعلق بقوله : ( أَحْلَلْنَا ) وهو راجع إلى جميع ما ذكر ، فيكون المعنى :أحللنا من آتيت أجورهن من النساء ، والمملوكات ، والأقارب ، والواهبة نفسها لك ، لندفع عنك الضيق والحرج ، ولتتفرغ لتبليغ ما أمرناك بتبليغه .وقيل : إنه متعلق بخالصة ، أو بعاملها ، فيكون المعنى : خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك بدون مهر ، لكى لا يكون عليك حرج فى البحث عنه .وترى بعضه أنه متعلق بمحذوف ، أى : بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك ، حتى تخرج من الحرج ، وحتى يكون ما تفعله هو بوحى منا وليس من عند نفسك .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) أى : وكان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين .
ذكر للنبي عليه السلام ما هو الأولى فإن الزوجة التي أوتيت مهرها أطيب قلباً من التي لم تؤت، والمملوكة التي سباها الرجل بنفسه أطهر من التي اشتراها الرجل لأنها لا يدري كيف حالها، ومن هاجرت من أقارب النبي عليه السلام معه أشرف ممن لم تهاجر، ومن الناس من قال بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولاً، وذلك لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها والنبي عليه السلام ما كان يستوفي ما لا يجب له، والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالا لنا وكيف والنبي عليه السلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع عن المطلوب والظاهر أن الطالب في المرة الأولى، إنما يكون هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبي عليه السلام من المرأة التمكين قبل المهر للزم أن يجب وأن لا يجب وهذا محال ولا كذلك أحدنا، وقال ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿ وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها، وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا ﴾ إشارة إلى أن هبتها نفسها لابد معها من قبول وقوله تعالى: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه معناه إباحة الوطء بالهبة وحصول التزوج بلفظها من خواصك، وقال أبو حنيفة تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبداً، والترجيح يمكن أن يقال بأن على هذا فالتخصيص بالواهبة لا فائدة فيه فإن أزواجه كلهن خالصات له وعلى ما ذكرنا يتبين للتخصيص فائدة وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ معناه أن ما ذكرنا فرضك وحكمك مع نسائك وأما حكم أمتك فعندنا علمه ونبينه لهم وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحد من المؤمنين نفسه على ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام فإن له في النكاح خصائص ليست لغيره وكذلك في السراري.
وقوله تعالى: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ أي تكون في فسحة من الأمر فلا يبقى لك شغل قلب فينزل الروح الأمين بالآيات على قلبك الفارغ وتبلغ رسالات ربك بجدك واجتهادك، وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله غفوراً رَّحِيماً ﴾ يغفر الذنوب جميعاً ويرحم العبيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ مهورهنّ: لأنّ المهر أجر على البضع.
وإيتاؤها: إما إعطاؤها عاجلاً.
وإما فرضها وتسميتها في العقد.
فإن قلت: لم قال: ﴿ الاتي ءَاتيْتَ أُجُورَهنَّ ﴾ و ﴿ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ ﴾ و ﴿ الاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ وما فائدة هذه التخصيصات؟
قلت: قد اختار الله لرسوله الأفضل الأولى، واستحبه بالأطيب الأزكى، كما اختصه بغيرها من الخصائص، وآثره بما سواها من الأثر، وذلك أن تسمية المهر في العقد أولى وأفضل من ترك التسمية، وإن وقع العقد جائزاً؛ وله أن يماسها وعليه مهر المثل إن دخل بها، والمتعة إن لم يدخل بها.
وسوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن يسميه ويؤجله، وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم غيره.
وكذلك الجارية إذا كانت سبية مالكها، وخطبة سيفه ورمحه، ومما غنمه الله من دار الحرب أحلّ وأطيب مما يشتري من شقّ الجلب.
والسبي على ضربين: سبي طيبة، وسبي خبيثة: فسبي الطيبة: ما سبي من أهل الحرب.
وأما من كان له عهد فالمسبي منهم سبي خبيثة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلاّ على الطيب دون الخبيث، كما أنّ رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرائبه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وعن أم هانئ، بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية، فلم أحلّ له؛ لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها ولا تطلب مهراً من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك، ولذلك نكرها.
واختلف في اتفاق ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منهنّ بالهبة.
وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحرث، وزينب بنت خزيمة أمّ المساكين الأنصارية، وأمّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم- رضي الله عنهنّ.
قرئ: ﴿ إِن وَهَبَتْ ﴾ على الشرط.
وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ أن ﴾ بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام.
ويجوز أن يكون مصدراً محذوفاً معه الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالساً، بمعنى دوامه جالساً، ووقت هبتها نفسها.
وقرأ ابن مسعود بغير أن.
فإن قلت: ما معنى الشرط الثاني مع الأوّل؟
قلت: هو تقييد له شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة: إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأنّ إرادته هي قبول الهبة وما به تتمّ.
فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ النبى ﴾ ثم رجع إلى الخطاب؟
قلت: للإيذان بأنه مما خصّ به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوّة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوّته، واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّته سواء في الأحكام إلاّ فيما خصّه الدليل، وقال الشافعي: لا يصحّ، وقد خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعاً؛ لأنّ اللفظ تابع للمعنى، والمدعي للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل.
وقال أَبو الحسن الكرخي: إن عقدالنكاح بلفظ الإجارة جائز، لقوله تعالى: ﴿ الاتي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ وقال أبو بكر الرازي: لا يصحّ: لأنّ الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان ﴿ خَالِصَةً ﴾ مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله، أي: خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصاً، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج والقاعد، والعافية والكاذبة.
والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصة برسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التوكيد لها قوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ بعد قوله: ﴿ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ وهي جملة اعتراضية، وقوله: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ متصل بخالصة لك من دون المؤمنين، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية أنّ الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أي حدّ وصفه يجب أن يفرض عليهم ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اختصّه به ففعل؛ ومعنى: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ لئلا يكون عليك ضيق في دينك: حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك: حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات وزدنا لك الواهبة نفسها.
وقرئ: ﴿ خالصة ﴾ بالرفع، أي: ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين ومن جعل خالصة نعتاً للمرأة، فعلى مذهبه: هذه المرأة خالصة لك من دونهم ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ للواقع في الحرج إذا تاب ﴿ رَّحِيماً ﴾ بالتوسعة على عباده.
روي أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هجرهنّ شهراً، ونزل التخيير، فأشفقن أنّ يطلقهنّ، فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت.
وروي: أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أرى ربك يسارع في هواك.
﴿ تُرْجِى ﴾ بهمز وغير همز: تؤخر ﴿ وَتُئْوِى ﴾ تضمّ، يعني: تترك مضاجعة من تشاء منهن.
وتضاجع من تشاء.
أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء.
أو تقسم لأيتهنّ شئت، وتقسم لمن شئت.
أو تترك تزوّج من شئت من نساء أمّتك، وتتزوج من شئت.
وعن الحسن رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك؛ فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم.
وإذا طلق وعزل، فإما أنّ تخلي المعزولة لا يبتغيها، أو يبتغيها.
روي: أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله عنهنّ أرجى خمسة وآوى أربعة.
وروي: أنه كان يسوّي مع ما أطلق له وخير فيه إلاّ سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك ﴿ ذَلِكَ ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً؛ لأنه إذا سوّى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء.
وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهنّ مما تريد ومما لا تريد إلاّ مثل ما للأخرى.
وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله بوحيه- اطمأنت نفوسهن وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا وقرّت العيون، وسلت القلوب ﴿ والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ﴾ فيه وعيدٌ لمن لم ترضَ منهنّ بما دبر الله من ذلك، وفوّض إلى مشيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثٌ على تواطؤ قلوبهنّ والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه.
وقرئ: ﴿ تقرّ أعينهنّ ﴾ ، بضم التاء ونصب الأعين.
وتقرّ أعينهنّ، على البناء للمفعول ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بذات الصدور ﴿ حَلِيماً ﴾ لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر، ﴿ كُلُّهُنَّ ﴾ تأكيد لنون يرضين، وقرأ ابن مسعود: ﴿ ويرضين كلهنّ، بما آتيتهنّ ﴾ ، على التقديم.
وقرأ: ﴿ كلهنّ ﴾ ، تأكيد ل ﴿ هنّ ﴾ في ﴿ ءاتَيْتَهُنَّ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ مُهُورَهُنَّ لِأنَّ المَهْرَ أجْرٌ عَلى البُضْعِ، وتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ بِإعْطائِها مُعَجَّلَةً لا لِتَوَقُّفِ الحِلِّ عَلَيْهِ بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ لَهُ كَتَقْيِيدِ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مَسْبِيَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها وما جَرى عَلَيْها، وتَقْيِيدُ القَرائِبِ بِكَوْنِها مُهاجِراتٍ مَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ ويُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ الحِلِّ بِذَلِكَ في حَقِّهِ خاصَّةً ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ: «خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمْ أحِلَّ لَهُ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ» .
﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما قَبْلَهُ أوْ عُطِفَ عَلى ما سَبَقَ، ولا يَدْفَعُهُ التَّقْيِيدُ بِأنَّ الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ فَإنَّ المَعْنى بِالإحْلالِ الإعْلامُ بِالحِلِّ أيْ: أعْلَمْناكَ حِلَّ امْرَأةٍ مُؤْمِنَةٍ تَهَبُ لَكَ نَفْسَها ولا تَطْلُبُ مَهْرًا إنِ اتَّفَقَ ولِذَلِكَ نَكَّرَها.
واخْتُلِفَ في اتِّفاقٍ ذَلِكَ والقائِلِ بِهِ ذَكَرَ أرْبَعًا: مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَرْثِ، وزَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيَّةَ، وأُمَّ شَرِيكٍ بِنْتَ جابِرٍ، وخَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ.
وقُرِئَ «أنْ» بِالفَتْحِ أيْ لِأنْ وهَبَتْ أوْ مُدَّةَ أنْ وهَبَتْ كَقَوْلِكَ: اجْلِسْ ما دامَ زَيْدٌ جالِسًا.
﴿ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها ﴾ شَرْطٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ في اسْتِيجابِ الحِلِّ فَإنَّ هِبَتَها نَفْسَها مِنهُ لا تُوجِبُ لَهُ حِلَّها إلّا بِإرادَتِهِ نِكاحَها، فَإنَّها جارِيَةٌ مَجْرى القَبُولِ والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِلَفْظِ النَّبِيِّ مُكَرَّرًا، ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ إيذانٌ بِأنَّهُ مِمّا خُصَّ بِهِ لِشَرَفِ نُبُوَّتِهِ وتَقْرِيرٌ لِاسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ لِأجْلِهِ.
واحْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ اللَّفْظَ تابِعٌ لِلْمَعْنى وقَدْ خُصَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَعْنى فَيَخْتَصُّ بِاللَّفْظِ، والِاسْتِنْكاحُ طَلَبُ النِّكاحِ والرَّغْبَةِ فِيهِ، و ( خالِصَةً ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ خَلُصَ إحْلالُها أوْ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ خُلُوصًا لَكَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( وهَبَتْ ) أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ هِبَةٌ خالِصَةٌ.
﴿ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ ﴾ مِن شَرائِطِ العَقْدِ ووُجُوبِ القَسَمِ والمَهْرِ بِالوَطْءِ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ.
﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ مِن تَوْسِيعِ الأمْرِ فِيها أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ ومُتَعَلِّقِهِ وهو ( خالِصَةً ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ في نَحْوِ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ قَصْدِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِ، بَلْ لِمُعانٍ تَقْتَضِي التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ والتَّضْيِيقَ عَلَيْهِمْ تارَةً وبِالعَكْسِ أُخْرى.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِما يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
﴿ رَحِيمًا ﴾ بِالتَّوْسِعَةِ في مَظانِّ الحَرَجِ.
<div class="verse-tafsir"
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)
{يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أُجُورَهُنَّ} مهورهن إذ المهر أجر على البضع ولهذا قال الكرخي إن النكاح بلفظ الإجارة جائز وقلنا التأبيد من شرط النكاح والتأقيت من شرط الإجازة وبينهما منافاة وإيتاؤها إعطاؤها عاجلاً أو فرضها وتسميتها في العقد {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ} وهي صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما {وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ} ومع ليس القرآن بل لوجودها فحسب كقوله وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان وعن أم هانئ بنت أبى طالب خطبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت فعذرني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أهاجر معه {وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ} وأحللنا لك ما وقع لها ان تهب لك نفسها ولا تطلب مهراً من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك ولذا تكرها قال ابن عباس هو بيان حكم في المستقبل ولم يكن عنده أحد منهن بالهبة وقيل الواهبة نفسها ميمونة بنت الحرث أو زينب بنت خزيمة أو أم شريك بنت جابر أو خولة بنت حكيم وقرأ الحسن أن بالفتح على التعليل بتقدير حذف اللام وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه بغير إن {إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا}
الأحزاب (٥١ - ٥٠)
استنكاحها طلب نكاحها والرغبة فيه وقيل نكح واستنكح بمعنى والشرط الثاني تقييد للشرط الأول شرط في الإحلال هبتها نفسها وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها لأن إرادته هي قبول الهبة وما به تتم وفيه دليل جواز النكاح بلفظ الهبة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل {خَالِصَةٌ} بلا مهر حال من الضمير في
وَهَبَتْ أو مصدر مؤكد أي خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة بمعنى خلوصاً والفاعلة في المصادر غير عزيز كالعافية والكاذبة {لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين} بل يجب المهر لغيرك وإن لم يسمه أو نفاه عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله إِنْ أَرَادَ النبى ثم رجع إلى الخطاب ليؤذن أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة وتكريره أي تكرير النبي تفخيم له {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أزواجهم} أي ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم أو ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق {وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم} بالشراء وغيره من وجوه الملك وقوله {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حرج} ضيق متصل بخالصة لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين وقوله قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم جملة اعتراضية {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} بالتوسعة على عباده
﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ مُهُورَهُنَّ، كَما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وأُطْلِقَ الأجْرُ عَلى المَهْرِ لِأنَّهُ أجْرٌ عَلى الِاسْتِمْتاعِ بِالبِضْعِ وغَيْرِهِ مِمّا يَجُوزُ بِهِ الِاسْتِمْتاعُ وتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ بِإعْطائِها مُعَجَّلَهُ كَما يُفْهَمُ مِن مَعْنى ﴿ آتَيْتَ ﴾ ظاهِرًا لَيْسَ لِتَوَقُّفِ الحَلِّ عَلَيْهِ بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ لَهُ فَإنَّ في التَّعْجِيلِ بَراءَةَ الذِّمَّةِ وطِيبَ النَّفْسِ ولِذا كانَ ( سُنَّةُ ) السَّلَفِ لا يُعْرَفُ مِنهم غَيْرُهُ، وقالَ الإمامُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ بِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطاءُ المَهْرِ أوَّلًا وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ لَها الِامْتِناعُ مِن تَسْلِيمِ نَفْسِها إلى أنْ تَأْخُذَ المَهْرَ، والنَّبِيُّ ما كانَ يَسْتَوْفِي ما لا يَجِبُ لَهُ، والوَطْءُ قَبْلَ إيتاءِ الصَّداقِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وإنْ كانَ حَلالًا، وكَيْفَ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا طَلَبَ شَيْئًا حَرُمَ الِامْتِناعُ فَلَوْ طَلَبَ التَّمْكِينَ قَبْلَ إيتاءِ المَهْرِ لَزِمَ أنْ يَجِبَ وأنْ لا يَجِبَ وهو مُحالٌ ولا كَذَلِكَ أحَدُنا اه، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، وحَمْلُ الإيتاءِ عَلى الإعْطاءِ وما في حُكْمِهِ كالتَّسْمِيَةِ في العَقْدِ، وجَعْلُ التَّقْيِيدِ لِإيثارِ الأفْضَلِ أيْضًا فَإنَّ التَّسْمِيَةَ أوْلى مِن تَرْكِها وإنْ جازَ العَقْدُ بِدُونِها ولَزِمَ مَهْرُ المِثْلِ خِلافُ الظّاهِرِ.
واسْتَدَلَّ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ مِن أصْحابِنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ عَلى أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الإجارَةِ كَما يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ ويَكُونُ لَفْظُ الإجارَةِ مَجازًا عَنْهُ لِأنَّ الثّابِتَ بِكُلٍّ مِنهُما مِلْكُ مَنفَعَةٍ فَوُجِدَ المُشْتَرِكُ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَسْمِيَةِ المَهْرِ أجْرًا صِحَّةُ النِّكاحِ بِلَفْظِ الإجارَةِ وما ذُكِرَ مِنَ التَّجَوُّزِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الإجارَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِمِلْكِ المَنفَعَةِ حَتّى يُتَجَوَّزَ بِها عَنْهُ قالَهُ في (اَلْهِدايَةِ)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الإجارَةَ لا تَنْعَقِدُ إلّا مُؤَقَّتَةً، والنِّكاحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ نَفْيُهُ فَيَتَضادّانِ فَلا يُسْتَعارُ أحَدُهُما لِلْآخَرِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ كانَ المُتَضادّانِ هُما العَرْضَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ لَزِمَكم مِثْلُهُ في البَيْعِ مِن كَوْنِهِ لا يُجامِعُ النِّكاحَ مَعَ جَوازِ العَقْدِ بِهِ عِنْدَ الأصْحابِ، عَلى أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ التَّوْقِيتَ لَيْسَ مَفْهُومَ لَفْظِ الإجارَةِ ولا جُزْءٍ مِنهُ بَلْ شَرْطٍ لِاعْتِبارِهِ فَيَكُونُ خارِجًا عَنْهُ فَهو مُجَرَّدُ تَمْلِيكِ المَنافِعِ بِعِوَضٍ غَيْرَ أنَّهُ إذا وقَعَ مُجَرَّدًا لا يُعْتَبَرُ شَرْعًا عَلى مِثالِ الصَّلاةِ، فَإنَّها الأقْوالُ والأفْعالُ المَعْرُوفَةُ ولَوْ وُجِدَتْ مِن غَيْرِ طَهارَةٍ لا تُعْتَبَرُ، ولا يُقالُ: إنَّ الطَّهارَةَ جُزْءُ مَفْهُومِ الصَّلاةِ هَذا، ومِثْلُ تَقْيِيدِ إحْلالِ الأزْواجِ بِما ذُكِرَ عَلى ما قِيلَ تَقْيِيدُ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مِمَّنْ باشَرَ سِباءَها وشاهِدُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها وما جَرى عَلَيْها لِجَوازِ كَوْنِ السَّبْيِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، ولِذا نَكَحَ بَعْضُ المُتَوَرِّعِينَ الجَوارِيَ بِعَقْدٍ بَعْدَ الشِّراءِ مَعَ القَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ العَقْدِ عَلى الإماءِ، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِمارِيَةَ بِنْتِ شَمْعُونَ القِبْطِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَإنَّها لَمْ تَكُنْ مَسْبِيَّةً بَلْ أهْداها لَهُ أمِيرُ القِبْطِ جُرَيْجُ بْنُ مِينا صاحِبُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ ومِصْرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ هَدايا أهْلِ الحَرْبِ لِلْإمامِ لَها حُكْمُ الفَيْءِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ يُسْتَشْكَلُ بِسُرِّيَّةٍ لَهُ أُخْرى وهي جارِيَةٌ وهَبَتْها لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَ هَجَرَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في شَأْنِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حَيِيٍّ ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرَ فَلَمّا كانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَضِيَ عَنْها ودَخَلَ عَلَيْها، فَقالَتْ ما أدْرِي ما أجْزِيكَ فَوَهَبَتْها لَهُ، وقَدْ عَدُّوها مِن سَرارِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَوابُ المَذْكُورُ لا يَتَسَنّى فِيها، ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَسَرّاها بَيانًا لِلْجَوازِ ولا يَبْعُدُ أنَّهُ كانَ مُتَحَقِّقًا بَدْءَ أمْرِها وما جَرى عَلَيْها بِحَيْثُ كَأنَّهُ باشَرَ سَبْيَها وشاهَدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ مِمّا أفاءَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَلَكَتْها زَيْنَبُ بِبَعْضِ أسْبابِ المِلْكِ ثُمَّ وهَبَتْها لَهُ .
ومَعَ ذَلِكَ قَدْ أطْلَقَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِلَّ المَمْلُوكَةِ بَعْدُ ولَمْ يُقَيِّدْ بِحَسَبِ الظّاهِرِ بِكَوْنِها مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .
ثُمَّ إنَّ هِبَةَ هَذِهِ الجارِيَةِ كانَتْ شَهْرَ وفاتِهِ والآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلُ لِأنَّها نَزَلَتْ إمّا سَنَةَ الأحْزابِ وهي السَّنَةُ الخامِسَةُ مِنَ الهِجْرَةِ وإمّا بُعَيْدِ الفَتْحِ وهو السَّنَةُ الثّامِنَةُ مِنها، وعَلى هَذا يَكُونُ ما وقَعَ مِن أمْرِ مارِيَةَ مُتَقَدِّمًا عَلى نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّها أُهْدِيَتْ لَهُ السَّنَةَ السّابِعَةَ مِنَ الهِجْرَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها أرْسَلَ رُسُلَهُ إلى المُلُوكِ ومِنهم حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ اللَّخْمِيُّ أرْسَلَهُ إلى المُقَوْقِسِ أمِيرِ القِبْطِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فَقَدِمَ مِنهُ بِمارِيَةَ وبِأُخْتِها شِيرِينَ وبِأخٍ أوْ بِابْنِ عَمٍّ لَها خَصِيٍّ يُقالُ لَهُ مابُورُ وبِبَغْلَةٍ تُسَمّى دُلْدُلًا وبِحِمارٍ يُسَمّى يَعْفُورًا أوْ عَفِيرًا وبِألْفِ مِثْقالٍ ذَهَبًا وبِغَيْرِ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، ومِثْلُ ما ذُكِرَ عَلى ما قِيلَ تَقْيِيدُ القَرائِبِ بِكَوْنِها مُهاجِراتٍ مَعَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ فَهُنَّ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِنَّ، والمَعِيَّةُ لِلتَّشْرِيكِ في الهِجْرَةِ لا لِلْمُقارَنَةِ في الزَّمانِ كَ أسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ، قالَ أبُو حَيّانَ: يُقالُ دَخَلَ فُلانٌ مَعِي وخَرَجَ مَعِي أيْ كانَ عَمَلُهُ كَعَمَلِي وإنْ لَمْ يَقْتَرِنا في الزَّمانِ، ولَوْ قُلْتُ: خَرَجْنا مَعًا اِقْتَضى المَعْنَيانِ الِاشْتِراكَ في الفِعْلِ والِاقْتِرانَ في الزَّمانِ وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ قَوْلًا بِأنَّ الهِجْرَةَ شَرْطٌ في إحْلالِ الأزْواجِ عَلى الإطْلاقِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، وقَوْلًا آخَرَ بِأنَّها شَرْطٌ في إحْلالِ قَراباتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُوراتِ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أُمِّ هانِئٍ فاخِتَةَ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ قالَتْ فَلَمْ أكُنْ أحِلُّ لَهُ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ»».
وأُجِيبَ بِأنَّ عَدَمَ الحِلِّ لِفَقْدِ الهِجْرَةِ إنَّما فُهِمَ مِن قَوْلِ أُمِّ هانِئٍ فَلَعَلَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ حَسَبَ فَهْمِها إيّاهُ مِنَ الآيَةِ وهو لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَيْنا إلّا إذا جاءَتْ بِهِ رِوايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ، لا يُقالُ: إنَّهُ أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ قالَ: ««خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّ هانِئٍ بِنْتَ أبِي طالِبٍ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي مُؤْتَمَّةٌ وبَنِيَّ صِغارٌ فَلَمّا أدْرَكَ بَنُوها عَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: أمّا الآنُ فَلا إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيَّ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ » ولَمْ تَكُنْ مِنَ المُهاجِراتِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَفْسَهُ فَهِمَ الحُرْمَةَ وإلّا لَتَزَوَّجَها لِأنّا نَقُولُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ فَهِمَ الحُرْمَةَ، وعَدَمُ التَّزَوُّجِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ خِلافَ الأفْضَلِ، ويَدُلُّ خَبَرُ أُمِّ هانِئٍ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَلا تَغْفُلْ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّ تَحْرِيمَ نِكاحِ غَيْرِ المُهاجِرَةِ عَلَيْهِ كانَ أوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ مَعْنى ﴿ هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ أسْلَمْنَ مَعَكَ، قِيلَ: وعَلى هَذا لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا الكافِراتُ وهو في غايَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأزْواجِكَ اللّاتِي آتَيْتَ مُهُورَهُنَّ نِساؤُهُ اللّاتِي كُنَّ في عِصْمَتِهِ وقَدْ آتاهُنَّ مُهُورَهُنَّ كَعائِشَةَ وحَفْصَةَ وسَوْدَةَ وبِما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ نَحْوَ رَيْحانَةَ، بِناءً عَلى ما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ : لَمّا فَتَحَ قُرَيْظَةَ اِصْطَفاها لِنَفْسِهِ فَكانَتْ عِنْدَهُ حَتّى تُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ وهي في مِلْكِهِ ووافَقَهُ في ذَلِكَ غَيْرُهُ.
أخْرَجَ الواقِدِيُّ بِسَنَدِهِ إلى أيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ بِها إلى بَيْتِ سَلْمى بِنْتِ قَيْسٍ أُمِّ المُنْذِرِ فَكانَتْ عِنْدَها حَتّى حاضَتْ حَيْضَةً ثُمَّ طَهُرَتْ مِن حَيْضِها فَجاءَتْ أُمُّ المُنْذِرِ فَأخْبَرَتْهُ فَجاءَها في مَنزِلِ أُمِّ المُنْذِرِ فَقالَ لَها: إنْ أحْبَبْتِ أنْ أعْتِقَكِ وأتَزَوَّجَكِ فَعَلْتُ وإنْ أحْبَبْتِ أنْ تَكُونِي في مِلْكِي أطَؤُكِ بِالمِلْكِ فَعَلْتُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُحِبُّ أنْ أخِفَّ عَلَيْكَ وأنْ أكُونَ في مِلْكِكَ فَكانَتْ في مِلْكِ رَسُولِ اللَّهِ يَطَؤُها حَتّى ماتَتْ» .
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها، وأخْرَجَ ذَلِكَ الواقِدِيُّ أيْضًا عَنِ اِبْنِ أبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ قالَ: وهَذا الحَدِيثُ أثْبَتُ عِنْدَنا، ورُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ: «لَمّا سُبِيَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عُرِضَ السَّبْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَكُنْتُ فِيمَن عُرِضَ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِي عُزِلْتُ وكانَ لَهُ صَفِيُّ كُلِّ غَنِيمَةٍ فَلَمّا عُزِلْتُ خارَ اللَّهُ تَعالى لِي فَأرْسَلَ بِي إلى مَنزِلِ أُمِّ المُنْذِرِ بِنْتِ قَيْسٍ أيّامًا حَتّى قُتِلَ الأسْرى وفُرِّقَ السَّبْيُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ فَتَجَنَّبْتُ مِنهُ حَياءً فَدَعانِي فَأجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ: إنِ اِخْتَرْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ اِخْتارَكِ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فَقُلْتُ: إنِّي أخْتارُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ فَلَمّا أسْلَمْتُ أعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ وتَزَوَّجَنِي وأصْدَقَنِي اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا كَما كانَ يُصْدِقُ نِساءَهُ وأعْرَسَ بِي في بَيْتِ أُمِّ المُنْذِرِ وكانَ يُقَسِّمُ لِي كَما يُقَسِّمُ لِنِسائِهِ وضَرَبَ عَلَيَّ الحِجابَ،» ولَمْ يَذْكُرِ اِبْنُ الأثِيرِ غَيْرَ القَوْلِ بِإعْتاقِها وتَزَوُّجِها، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها أسْلَمَتْ فَأعْتَقَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَحِقَتْ بِأهْلِها وكانَتْ تَحْتَجِبُ عِنْدَهم وتَقُولُ: لا يَرانِي أحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وحُكِيَ لُحُوقُها بِأهْلِها عَنِ الزُّهْرِيِّ وادَّعى بَعْضُهم بَقاءَها حَيَّةً بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّها تُوُفِّيَتْ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ أيّامَ خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَكَرَ اِبْنُ كَمالٍ في تَفْسِيرِهِ لِبَيانِ المَوْصُولِ صَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَّةَ، والمَذْكُورُ في أكْثَرِ المُعْتَبَراتِ في أمْرِهِما أنَّ صَفِيَّةَ لَمّا جُمِعَ سَبْيُ خَيْبَرَ أخَذَها دَحْيَةُ، وقَدْ قالَ لَهُ : اِذْهَبْ فَخُذْ جارِيَةً ثُمَّ أخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها لا تَصْلُحُ إلّا لَهُ لِكَوْنِها بِنْتَ سَيِّدِ قَوْمِهِ فَقالَ لِدَحْيَةَ: خُذْ غَيْرَها، وأخَذَها رَسُولُ اللَّهِ وأعْتَقَها وتَزَوَّجَها وكانَ صَداقُها نَفْسَها، «وأنَّ جُوَيْرِيَّةَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ وقَعَتْ في سَهْمِ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ الأنْصارِيِّ فَكاتِبَتْهُ عَلى نَفْسِها ثُمَّ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ وكانَ مِن أمْرِي ما لا يَخْفى عَلَيْكَ ووَقَعْتُ في سَهْمِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وإنِّي كاتَبْتُ نَفْسِي فَجِئْتُ أسْألُكَ في كِتابَتِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهَلْ لَكِ إلى ما هو خَيْرٌ: قالَتْ؟
وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: أُؤَدِّي عَنْكِ كِتابَتَكِ وأتَزَوَّجُكِ، قالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ،» وقالَ اِبْنُ هِشامٍ: ويُقالُ اِشْتَراها مِن ثابِتٍ، وأعْتَقَها وتَزَوَّجَها وأصْدَقَها أرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ إحْلالَ ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ حِينَ المِلْكِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِلْكٌ لَهُ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ وطْءٌ بِالفِعْلِ يَدْخُلُ جَمِيعُ ما مَلَكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الجَوارِي حِينَ المِلْكِ ولا يَضُرُّ الإعْتاقُ والتَّزَوُّجُ بَعْدَ ذَلِكَ وحُلَّ الوَطْءُ بِسَبَبِ النِّكاحِ لا المِلْكِ، وإنْ كانَ المُرادُ إحْلالَ ذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ الوَطْءِ بِالفِعْلِ ووَصْفُ المِلْكِ قائِمٌ لا يَصِحُّ بَيانُ المَوْصُولِ إلّا بِمَمْلُوكَةٍ وطِئَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهي مِلْكُهُ كَرَيْحانَةَ في قَوْلٍ وجارِيَةً أصابَها في بَعْضِ السَّبْيِ وعَدُّوها مِن سَرارِيِّهِ ، ولَمْ يَذْكُرِ المُعْظَمُ اِسْمَها وعَدَّ الجَلَبِيُّ مِن سَرارِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جارِيَةً سَمّاها زُلَيْخَةَ القُرَظِيَّةَ فَلَعَلَّها هي الَّتِي لَمْ تُسَمَّ وكَمارِيَةَ القِبْطِيَّةِ والجارِيَةِ الَّتِي وهَبَتْها لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَيْنَبُ، وقَدْ سَمِعْتَ الكَلامَ فِيهِما آنِفًا.
والمُرادُ بِبَناتِ عَمِّهِ وبَناتِ عَمّاتِهِ بَناتُ القُرَشِيِّينَ وبَناتُ القُرَشِيّاتِ فَإنَّهُ يُقالُ لِلْقُرَشِيِّينَ قَرُبُوا أوْ بَعُدُوا أعْمامُهُ ولِلْقُرَشِيّاتِ قَرُبْنَ أوْ بَعُدْنَ عَمّاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ بِبَناتِ خالِهِ وبَناتِ خالاتِهِ بَناتُ بَنِي زُهْرَةَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ في (مَجْمَعِ البَيانِ) ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وإطْلاقُ الأعْمامِ والعَمّاتِ عَلى أقارِبِ الشَّخْصِ مِن جِهَةِ أبِيهِ ذُكُورًا وإناثًا قَرُبُوا أوْ بَعُدُوا والأخْوالِ والخالاتِ عَلى أقارِبِهِ مِن جِهَةِ أُمِّهِ كَذَلِكَ شائِعٌ في العُرْفِ كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ.
واَللّاتِي نَكَحَهُنَّ ودَخَلَ بِهِنَّ مِنَ القُرَشِيّاتِ سِتٌّ وكانَ نِكاحُهُ بَعْضَهُنَّ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ بِيَقِينٍ، ونِكاحُهُ بَعْضَهُنَّ الآخَرَ مُحْتَمَلٌ لِلْقَبْلِيَّةِ والبَعْدِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ السِّيَرِ وسَمِعَ ما قِيلَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، ولَمْ نَقِفْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَكَحَ أحَدًا مِنَ الزُّهْرِيّاتِ أصْلًا، فالمُرادُ بِإحْلالِ نِكاحِ أُولَئِكَ مُجَرَّدُ جَوازِهِ وهو لا يَسْتَدْعِي الوُقُوعَ، وإذا حُمِلَ العَمُّ عَلى أخِي الأبِ والعَمَّةُ عَلى أُخْتِهِ والخالُ عَلى أخِي الأُمِّ والخالَةُ عَلى أُخْتِها اِقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ عَمٌّ وعَمَّةٌ وخالٌ وخالَةٌ كَذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ لَهم بَناتٌ وذَلِكَ مَشْهُورٌ في شَأْنِ العَمِّ والعَمَّةِ وبُناتِهِما فَقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمُ أهْلِ السِّيَرِ عِدَّةَ أعْمامٍ لَهُ وعِدَّةَ بَناتٍ لَهم كالعَبّاسِ ومِن بَناتِهِ أُمُّ حَبِيبَةَ تَزَوَّجَها أسْوَدُ المَخْزُومِيُّ وكانَ قَدْ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ عَلى ما قِيلَ فَوَجَدَ أباها أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ كانَ قَدْ أرْضَعَتْهُما ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أبِي لَهَبٍ، وكَأبِي طالِبٍ ومِن بَناتِهِ أُمُّ هانِئٍ وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ في شَأْنِها، وجُمانَةُ كانَتْ إحْدى المُبايَعاتِ لَهُ وكانَتْ تَحْتَ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ عَمِّها، وكَأبِي لَهَبٍ ومِن بَناتِهِ خالِدَةُ تَزَوَّجَها عُثْمانُ بْنُ أبِي العاصِي الثَّقَفِيُّ ووَلِدَتْ لَهُ، ودُرَّةُ أسْلَمَتْ وهاجَرَتْ وكانَتْ تَحْتَ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلَ ثُمَّ تَحْتَ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وعَزَّةُ تَزَوَّجَها أوْفى بْنُ أُمَيَّةَ، وكالزُّبَيْرِ ومِن بَناتِهِ ضُباعَةُ زَوْجَةُ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ وأُمُّ الحَكَمِ ويُقالُ إنَّها أُخْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الرَّضاعَةِ وكانَ يَزُورُها بِالمَدِينَةِ، وكَحَمْزَةَ ومِن بَناتِهِ أُمامَةُ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ مِن عُمْرَةِ القَضاءِ أتى بِها مِن مَكَّةَ وزَوَّجَها سَلَمَةَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ، ومُقْتَضى قَوْلِ القَسْطَلانِيِّ أنَّ حَمْزَةَ أخُوهُ مِنَ الرَّضاعَةِ أرْضَعَتْهُما ثُوَيْبَةُ بِلَبَنِ اِبْنِها مَسْرُوحٍ أنَّها لا تَحِلُّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ ذَكَرَ هو أيْضًا أنَّها عُرِضَتْ عَلَيْهِ فَقالَ هي اِبْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، وكالحارِثِ ومِن بَناتِهِ أرَوى زَوْجَةُ أبِي وداعَةَ، وكالمُقَوِّمِ ومِن بَناتِهِ مَنِ اِسْمُها أرَوى أيْضًا زَوْجَةُ اِبْنِ عَمِّها أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ.
وذَكَرُوا أيْضًا لَهُ عِدَّةَ عَمّاتٍ وعِدَّةَ بَناتٍ لَهُنَّ، مِنهُنَّ أُمَيْمَةُ ومِن بَناتِها زَيْنَبُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ وهي الَّتِي نَزَلَ فِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها ﴾ وأُمُّ حَبِيبَةَ وكانَتْ زَوْجَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وحَمْنَةُ وكانَتْ عِنْدَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ثُمَّ عِنْدَ طَلْحَةَ أحَدِ العَشَرَةِ، ومِنهُنَّ البَيْضاءُ ومِن بَناتِها أرَوى أُمُّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأُمُّ طَلْحَةَ بِنْتا كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ، ومِنهُنَّ عاتِكَةُ ومِن بَناتِها قَرِيبَةُ بِنْتُ زادٍ الرّاكِبِ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، ومِنهُنَّ صَفِيَّةُ ومِن بَناتِها صَفِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ بْنِ حارِثَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ العَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ.
وأمّا الخالُ والخالَةُ فَلَمْ يَشْتَهِرْ ذِكْرُهُما، نَعَمْ ذُكِرَ في الإصابَةِ «فَرِيعَةُ بِنْتُ وهْبٍ الزُّهْرِيَّةُ رَفَعَها النَّبِيُّ وقالَ: مَن أرادَ أنَّ يَنْظُرَ إلى خالَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ إلى هَذِهِ،» وفِيها أيْضًا فاخِتَةُ بِنْتُ عَمْرٍو الزُّهْرِيَّةُ خالَةُ النَّبِيِّ .
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ الوَقّاصِيِّ عَنِ اِبْنِ المُنْكَدِرِ «عَنْ جابِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وهَبْتُ خالَتِي فاخِتَةَ بِنْتَ عَمْرٍو غُلامًا وأمَرْتُها أنْ لا تَجْعَلَهُ جازِرًا ولا صائِغًا ولا حَجّامًا،» والوَقّاصِيُّ ضَعِيفٌ.
وقالَ في صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: هي شَقِيقَةُ حَمْزَةَ أُمُّهُما هالَةُ خالَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، أيْ هالَةُ بِنْتُ وهْبٍ كَما في المَواهِبِ، ولَمْ نَقِفْ لِهَذِهِ الخالَةِ عَلى بِنْتٍ غَيْرِ صَفِيَّةَ عَمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا لَمْ نَقِفْ عَلى بَناتٍ لِمَن ذَكَرْنا قَبْلَها، ووَقَفْنا عَلى خالٍ واحِدٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو عَبْدُ يَغُوثَ بْنُ وهْبٍ ولَمْ نَقِفْ عَلى بِنْتٍ لَهُ وإنَّما وقَفْنا عَلى اِبْنَيْنِ أحَدُهُما الأرْقَمُ ولَهُ اِبْنٌ يُسَمّى عَبْدُ اللَّهِ وهو صَحابِيٌّ كَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِصاحِبَيْهِ وكانَ عَلى بَيْتِ المالِ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ أثِيرًا عِنْدَهُ حَتّى أنَّ حَفْصَةَ رَوَتْ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَها: لَوْلا أنْ يُنْكِرَ عَلَيَّ قَوْمُكِ لاسْتَخْلَفْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الأرْقَمِ، وقِيلَ: هو اِبْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأرْقَمُ هو عَبْدُ يَغُوثَ، والبُخارِيُّ عَلى ما قُلْنا وقَدْ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ بَعْضُهم فِيهِ: خالُ رَسُولِ اللَّهِ ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَلِعَبْدِ اللَّهِ هَذا أخًا سَمّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأرْقَمِ وأثْبَتَ لَهُ الصُّحْبَةَ وفي ذَلِكَ مَقالٌ، وثانِيهِما الأسْوَدُ وأطْلَقَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اِسْمَ الخالِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ أحَدَ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ فَقَصَدَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إهْلاكَهُ فَقالَ : يا جِبْرِيلُ خالِي فَقالَ: دَعْهُ عَنْكَ، ولَهُ اِبْنٌ هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ وبِنْتٌ هي خالِدَةُ وكانَتْ مِنَ المُهاجِراتِ الصّالِحاتِ وقَدْ أطْلَقَ عَلَيْها أيْضًا اِسْمَ الخالَةِ.
أخْرَجَ المُسْتَغْفَرِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي عُمَيْرٍ الجُرْمِيِّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُرْسَلًا قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ مَنزِلَهُ فَرَأى عِنْدَ عائِشَةَ اِمْرَأةً فَقالَ: مَن هَذِهِ يا عائِشَةُ قالَتْ: هَذِهِ إحْدى خالاتِكَ فَقالَ: إنَّ خالاتِي بِهَذِهِ البَلْدَةِ لَغَرائِبُ فَقالَتْ: هَذِهِ خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قَرَأها مُثْقَلَةً».
وأخْرَجَ مُوسى بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ عائِشَةَ مَوْصُولًا نَحْوَهُ، وفي هَذا الخَبَرِ وما قَبْلَهُ إطْلاقُ الخالِ والخالَةِ عَلى قَرابَةِ الأُمِّ وإنْ لَمْ يَكُنِ الخالُ أخاها والخالَةُ أُخْتَها، وبِذَلِكَ يَتَأيَّدُ ما ذَكَرْناهُ سابِقًا فاحْفَظْ ذاكَ، واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وإيّاكَ أنْ تَظُنَّ الأمْرَ فَرْضِيًّا أوْ أنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ خاصًّا في الظّاهِرِ عامٌّ في الحَقِيقَةِ فَيَكْفِي وُجُودُ بَناتِ خالٍ وبَناتِ خالاتٍ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يَظُنُّ ذَلِكَ مَن يَشْهَدُ العَمُّ بِجَهْلِهِ ويَصْدُقُ الخالَ بِقِلَّةِ عَقْلِهِ.
هَذا وقَدْ كَثُرَ السُّؤالُ عَنْ حِكْمَةِ إفْرادِ العَمِّ والخالِ وجَمْعِ العَمَّةِ والخالَةِ حَتّى أنَّ السُّبْكِيَّ عَلى ما قِيلَ صَنَّفَ جُزْءًا فِيهِ سَمّاهُ (اَلْهِمَّةُ في إفْرادِ العَمِّ وجَمْعِ العَمَّةِ).
قالَ الخَفاجِيُّ: وقَدْ رَأيْتُ لَهم فِيهِ كَلِماتٍ ضَعِيفَةً كَقَوْلِ الرّازِيِّ إنَّ العَمَّ والخالَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ، ولِذا لَمْ يُجْمَعا بِخِلافِ العَمَّةِ والخالَةِ، وقِيلَ لَمْ يُجْمَعا لِيَعُمّا إذا أُضِيفا، والعَمَّةُ والخالَةُ لا يَعُمّانِ لِتاءِ الوَحْدَةِ وهي إنْ لَمْ تَمْنَعِ العُمُومَ حَقِيقَةً تَأْباهُ ظاهِرًا، ولا يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُّورِ: ﴿ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ عَلى الأصْلِ، ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُ مِنهُ ما قِيلَ إنَّ أعْمامَهُ العَبّاسُ وحَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أخَواهُ مِنَ الرِّضاعِ لا تَحِلُّ لَهُ بَناتُهُما، وأبُو طالِبٍ اِبْنَتُهُ أُمُّ هانِئٍ لَمْ تَكُنْ مُهاجِرَةً اه، وما اِدَّعى ضَعْفَهُ فَهو كَما قالَ وما زَعَمَ أنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ إنْ كانَ كَما نَقَلْناهُ بِهَذا المِقْدارِ خالِيًا عَنْ إسْقاطِ شَيْءٍ حَسْبَما وجَدْناهُ في نُسْخَتِنا فَهو مِمّا لا حُسْنَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أحْسَنَ، وإنْ كانَ لَهُ تَتِمَّةٌ فالنَّظَرُ فِيهِ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْها إلَيْكَ وأظُنُّهُ عَلى العِلّاتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ المُعاصِرِينَ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ لا زالَ سَعِيدَ زَمانِهِ سابِقًا بِالفَضْلِ عَلى أقْرانِهِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفْرادُ العَمِّ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الأبِ بَلْ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الأبُ ومِنهُ في قَوْلٍ: ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ ﴾ والأبُ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَكانَ الإفْرادُ أنْسَبَ بِمَن يَنْزِلُ مَنزِلَتَهُ ويَكُونُ جَمْعُ العَمَّةِ عَلى الأصْلِ وإفْرادُ الخالِ لِيَكُونَ عَلى وفْقِ العَمِّ وجَمْعُ الخالَةِ وإنْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ لِتَكُونَ عَلى وفْقِ العَمّاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إفْرادُ المُذَكَّرِ وجَمْعُ المُؤَنَّثِ لِقِلَّةِ الذُّكُورِ وكَثْرَةِ الإناثِ، وقَدْ ورَدَ في الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّساءَ أكْثَرُ مِنَ الرِّجالِ.
وقالَ آخَرُ مِن أُولَئِكَ الأجِلَّةِ لا زالَتْ مَدارِسُ العِلْمِ تَزْهُو بِهِ وتَشْكُرُ فَضْلَهُ: إنَّ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الحُسْنِ اللَّفْظِيِّ فَإنَّ بَيْنَ العَمِّ والعَمّاتِ والخالِ والخالاتِ نَوْعًا مِنَ الجِناسِ ولِأنَّ أعْمامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا عَلى ما ذَكَرَهُ صاحِبُ (ذَخائِرِ العُقْبى) اِثْنَيْ عَشَرَ عَمًّا وعَمّاتُهُ كُنَّ سِتًّا فَلَوْ قِيلَ (أعْمامِكَ) لَتُوُهِّمَ أنَّهم أقَلُّ مِنَ اِثْنَيْ عَشَرَ لِأنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وغايَةُ ما يُصَدَّقُ هو عَلَيْهِ تِسْعَةٌ أوْ عَشَرَةٌ عَلى قَوْلٍ، ولَوْ قِيلَ (عَمَّتِكَ) لَمْ تَتَحَقَّقِ الإشارَةُ إلى قِلَّتِهِنَّ فَلِذا أُفْرِدَ العَمُّ وجُمِعَتِ العَمَّةُ، وقِيلَ (خالِكَ وخالاتِكَ) لِيُوافِقَ ما قَبْلُ.
وأنا أقُولُ: الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي في ذَلِكَ ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ مِن أنَّ ما ذُكِرَ عُرْفٌ لُغَوِيٌّ عَلى مَعْنى أنَّهُ جَرى عُرْفُ اللُّغَوِيِّينَ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى إفْرادِ العَمِّ والخالِ وجَمْعِ العَمَّةِ والخالَةِ، ونَحْنُ قَدْ تَتَبَّعْنا كَثِيرًا مِن أشْعارِ العَرَبِ فَلَمْ نَرَ العَمَّ مُضافًا إلَيْهِ اِبْنٌ أوْ بِنْتٌ بِالإفْرادِ أوِ الجَمْعِ إلّا مُفْرَدًا نَحْوَ قَوْلِهِ: جاءَ شَقِيقٌ عارِضًا رُمْحَهُ إنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحُ وقَوْلِهِ: فَتًى لَيْسَ لِابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ إنْ رَأى ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهو آكِلُهْ وقَوْلِهِ: قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ وقَوْلِهِ: يا بِنْتَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي ∗∗∗ فَلَيْسَ يَخْلُو عَنْكِ يَوْمًا مَضْجَعِي إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، وأمّا اِطِّرادُ إفْرادِ الخالِ وجَمْعِ العَمَّةِ والخالَةِ إذا أُضِيفَ إلَيْها ما ذُكِرَ فَلَسْتُ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ في المَذْكُوراتِ كالأمْرِ في العَمِّ فَلَيْسَ فَوْقَ هَذا الجَوابِ جَوابٌ، والظَّنُّ بِالقاضِي أنَّهُ لَمْ يَحْكم بِما حَكَمَ إلّا عَنْ بَيِّنَةٍ مَعَ أنِّي لا أُطْلِقُ القَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ حُكْمِ القاضِي بِعِلْمِهِ ولا أُفْتِي بِهِ، نَعَمْ لِهَذا القاضِي حَكَمٌ مَشْهُورٌ في أمْرِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولُعِنَ مَن رَضِيَ بِقَتْلِهِ لا يَرْتَضِيهِ إلّا يَزِيدُ زادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ عَذابَهُ الشَّدِيدَ.
وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الأمْرِ في العَمِّ ومَن مَعَهُ كَما قالَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لِإفْرادِ العَمِّ والخالِ الرُّجُوعَ إلى أصْلٍ واحِدٍ مَعَ ما بَيْنَ الذُّكُورِ مِن جِهَةِ العُمُومَةِ والخُئُولَةِ في حَقِّ الشَّخْصِ المُدَلى بِهِما مِنَ التَّناصُرِ والتَّساعُدِ، فَلِذَلِكَ تَرى الشَّخْصَ يُهْرِعُ لِدَفْعِ بَلِيَّتِهِ إلى ذُكُورِ عُمُومَتِهِ وخُؤُولَتِهِ، وذَلِكَ التَّعاضُدُ يَجْعَلُ المُتَعَدِّدَ في حُكْمِ الواحِدِ، ويُقَوِّي هَذا الِاعْتِبارَ هُنالِكَ إضافَةُ الفَرْعِ كالبَنِينَ والبَناتِ إلى ذَلِكَ، ولَعَلَّ في الإفْرادِ مَعَ جَمْعِ المُضافِ المَذْكُورِ إشارَةً إلى أنَّ البَنِينَ والبَناتِ وإنْ كانُوا بَنِينَ وبَناتٍ لِمُتَعَدِّدِينَ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّهم في حُكْمِ البَنِينَ والبَناتِ لِواحِدٍ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأعْمامِ والأخْوالِ لِمَزِيدِ شَفَقَتِهِ عَلى أبْناءِ وبَناتِ كُلٍّ كَأنَّهُ أبٌ لِأبْناءِ وبَناتِ كُلٍّ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يُوجَدُ في العَمّاتِ والخالاتِ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ جَمْعُ العَمِّ والخالِ في آيَةِ النُّورِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى نُورٍ يَهْتَدِي بِهِ إذا أشْكَلَتِ الأُمُورُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الحِكْمَةِ هاهُنا خاصَّةً: إنَّهُ لَمّا كانَ المُفْرَدُ أصْلًا والمَجْمُوعُ فَرْعَهُ والمُذَكَّرُ أصْلًا والمُؤَنَّثُ فَرْعَهُ أُتِيَ بِالعَمِّ والخالِ المُذَكَّرَيْنِ مُفْرَدَيْنِ وبِالعَمَّةِ والخالَةِ المُؤَنَّثَيْنِ مَجْمُوعَيْنِ فاجْتَمَعَ في الأوَّلَيْنِ أصْلانِ وفي الأخِيرَيْنِ فَرْعانِ بِحُكْمِ شَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، وإنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ، وما ألْطَفَ هَذا الِاجْتِماعَ في مِنَصَّةِ مَقامِ النِّكاحِ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى الكَفاءَةِ، وأنَّ المُناسِبَ ضَمُّ الجِنْسِ إلى جِنْسِهِ كَما يَقْتَضِيهِ بَعْضُ الآياتِ وهو لَعَمْرِي ألْطَفُ مِن جَمْعِ المُذَكَّرِ وإفْرادِ المُؤَنَّثِ لِيَجْتَمِعَ في كُلِّ أصْلٍ وفَرْعٍ فَيُوافِقُ ما في النِّكاحِ مِنَ اِجْتِماعِ ذَكَرٍ هو أصْلٌ وأُنْثى هي فَرْعٌ لِخُلُوِّهِ عَنِ الإشارَةِ إلى ذَلِكَ الضَّمِّ المُناسِبِ المُسْتَحْسَنِ عِنْدَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ صائِبٍ عَلى أنَّ في جَمْعِ أصْلَيْنِ في العَمِّ مُوافَقَةٌ لِما في النِّكاحِ مِن جَمْعِ الزَّوْجَيْنِ الَّذِينَ هُما أصْلانِ لِما يَتَوَلَّدُ مِنهُما، وإذا اُعْتُبِرَ جَمْعُهُما في الخالِ الَّذِي قَرابَتُهُ مِن جِهَةِ الأُمِّ الَّتِي لا تُعْتَبَرُ في النَّسَبِ وافَقَ الجُمْلَةَ ما في النِّكاحِ مِنَ اِجْتِماعِ أصْلٍ وفَرْعٍ فَلا يَفُوتُ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ.
وأيْضًا في الِانْتِقالِ مِنَ الإفْرادِ إلى الجَمْعِ في جانِبَيِ العُمُومَةِ والخُئُولَةِ إشارَةٌ إلى ما في النِّكاحِ مِنَ اِنْتِقالِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ مِن حالِ الِانْفِرادِ إلى حالِ الِاجْتِماعِ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ، هَذا ما عِنْدِي وهو زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَحْمِلُ الفَرْكَ ومَعَ هَذا قِسْهُ إلى ما سَمِعْتَ عَنْ ساداتِنا المُعاصِرِينَ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ أحْلَلْنا عِنْدَ جَمْعٍ ولَيْسَ مَعْنى ﴿ أحْلَلْنا ﴾ إنْشاءُ حَلالِ النّاجِزِ ولا الإخْبارُ عَنْ إحْلالِ ماضٍ بَلْ إعْلامٌ بِمُطْلَقِ الإحْلالِ المُنْتَظِمِ لِما سَبَقَ ولَحِقَ فَلا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ الشَّرْطُ، وهَذا كَما تَقُولُ أبَحْتُ لَكَ أنْ تُكَلِّمَ فُلانًا إنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ، ولِما فِيهِ مِنَ البَحْثِ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما قَبْلُ، أيْ ويَحِلُّ لَكَ اِمْرَأةً أوْ وأحْلَلْنا لَكَ اِمْرَأةً وهو مُسْتَقْبَلٌ لِمَكانِ الشَّرْطِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ واِمْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ أحْلَلْناها لَكَ أيْضًا.
﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ أيْ مَلَّكَتْهُ المُتْعَةَ بِها بِأيِّ عِبارَةٍ كانَتْ بِلا مَهْرٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وعِيسى وسَلامٌ «أنْ وهَبَتْ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ لِأنْ وهَبَتْ، وقِيلَ: أيُّ وقْتٍ أنْ وهَبَتْ أوْ مُدَّةَ أنْ وهَبَتْ فَتَكُونُ أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنصُوبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وأكْثَرُ النُّحاةِ لا يُجِيزُونَهُ في غَيْرِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ كَ آتِيكَ خُفُوقَ النَّجْمِ وغَيْرِ ما المَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن ( اِمْرَأةً ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «إذْ وهَبَتْ» وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وقِيلَ: هي مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ .
﴿ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها ﴾ أيْ يَتَمَلَّكَ المُتْعَةَ بِها بِأيِّ عِبارَةٍ كانَتْ بِلا مَهْرٍ، وهَذا شَرْطٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ في اِسْتِيجابِ الحِلِّ، فَهِبَتُها نَفْسَها مِنهُ لا يُوجِبُ لَهُ حِلَّها إلّا بِإرادَتِهِ نِكاحَها، وهَذِهِ الإرادَةُ جارِيَةٌ مَجْرى قَبُولِ الهِبَةِ، وقالَ اِبْنُ كَمالٍ: الإرادَةُ المَذْكُورَةُ عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ ولا وجْهَ لِحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَنْكِحَها ﴾ يُغْنِي عَنِ الإرادَةِ بِمَعْناهُ الوَضْعِيِّ وهو يُشِيرُ إلى أنَّ السِّينَ لِلطَّلَبِ، وكَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ عَلى هَذا حَيْثُ قالَ: إرادَةُ طَلَبِ النِّكاحِ كِنايَةٌ عَنِ القَبُولِ.
وقِيلَ: اِسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ فالِاسْتِنْكاحُ بِمَعْنى النِّكاحِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ التَّكْرارُ وفِيهِ نَظَرٌ، واسْتَظْهَرَ صاحِبُ هَذا القِيلِ حَمْلَ الإرادَةِ عَلى الإرادَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الهِبَةِ بِناءً عَلى أنَّ التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ هَذا الشَّرْطِ فَقَدْ قالُوا: إذا اِجْتَمَعَ شَرْطانِ فالثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ مُتَأخِّرٌ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمٌ في الوُقُوعِ وهو بِمَنزِلَةِ الحالِ، ومِن هُنا قالَ الفُقَهاءُ: لَوْ قالَ: إنْ رَكِبْتِ إنْ أكَلْتِ فَأنْتِ طالِقٌ، لا تُطَلَّقُ ما لَمْ يَتَقَدَّمِ الأكْلُ عَلى الرُّكُوبِ لِيَتَحَقَّقَ تَقْيِيدُ الحالِيَّةِ.
واسْتَشْكَلَ السَّمِينُ هَذِهِ القاعِدَةَ بِما هُنا بِناءً عَلى أنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ الشَّرْطَ بِمَنزِلَةِ القَبُولِ لِاقْتِضاءِ الواقِعِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَهُ عَلى عُلَماءِ عَصْرِهِ فَلَمْ يَجِدُوا مُخَلِّصًا مِنهُ إلّا بِأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةٍ بَلْ مَخْصُوصَةٍ بِما لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى تَأخُّرِ الثّانِي كَما في نَحْوِ إنْ تَزَوَّجْتُكِ إنْ طَلَّقْتُكِ فَعَبْدِي حُرُّ، فَإنَّ الطَّلاقَ لا يَتَقَدَّمُ التَّزَوُّجَ وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن جَعَلَ الشَّرْطَ الثّانِيَ هُنا مُقَدَّمًا لَمْ يُصِبْ، ورَأيْتُ في الفَنِّ السّابِعِ مِنَ (اَلْأشْباهِ والنَّظائِرِ النَّحْوِيَّةِ) لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَلامًا لِابْنِ هِشامٍ ذَكَرَ فِيهِ أنَّ جَعْلَ الآيَةِ كالمِثالِ ونَظْمَهُما في سِلْكِ مَسْألَةِ اِعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ، مِنهُمُ اِبْنُ مالِكٍ وذَهَبَ هو إلى أنَّ المِثالَ مِن مَسْألَةِ الِاعْتِراضِ المَذْكُورِ دُونَ الآيَةِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِما اِحْتَجَّ، ثُمَّ ذَكَرَ الخِلافَ في صِحَّةِ تَرْكِيبِ ما وقَعَ فِيهِ الِاعْتِراضُ كالمِثالِ وأنَّ الجُمْهُورَ عَلى جَوازِهِ وهو الصَّحِيحُ وأنَّ المُجِيزِينَ اِخْتَلَفُوا في تَحْقِيقِ ما يَقَعُ بِهِ مَضْمُونُ الجَوابِ الواقِعِ بَعْدَ الشَّرْطَيْنِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما يَقَعُ بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: حُصُولُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ، والآخَرُ: كَوْنُ الشَّرْطِ الثّانِي واقِعًا قَبْلَ وُقُوعِ الأوَّلِ، فَفي المِثالِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ إلّا بِوُقُوعِ الرُّكُوبِ والأكْلِ مِن تَقَدُّمِ وُقُوعِ الأكْلِ عَلى الرُّكُوبِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.
وثانِيها: أنَّهُ يَقَعُ بِحُصُولِ الشَّرْطَيْنِ مُطْلَقًا وذَكَرَ أنَّهُ حَكاهُ لَهُ بَعْضُ العُلَماءِ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ وأنَّهُ رَآهُ مَحْكِيًّا عَنْ غَيْرِهِ بَعْدُ.
وثالِثُها: أنَّهُ يَقَعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطَيْنِ عَلى التَّرْتِيبِ فَإنَّما تُطَلَّقُ في المِثالِ إذا رَكِبَتْ أوَّلًا ثُمَّ أكَلَتْ، وأبْطَلَ كُلًّا مِنَ المَذْهَبَيْنِ الأخِيرَيْنِ وذَكَرَ في تَوْجِيهِ التَّرْكِيبِ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ مَذْهَبَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابَ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ ولِإغْناءِ ذَلِكَ عَنْهُ وقِيامِهِ مَقامَهُ لَزِمَ في وُقُوعِ المُعَلَّقِ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الثّانِي واقِعًا قَبْلَ الأوَّلِ ضَرُورَةَ أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ مِن تَأخُّرِهِ عَنِ الشَّرْطِ فَكَذا الأمْرُ في القائِمِ مَقامَ الشَّرْطِ.
والثّانِي: مَذْهَبُ اِبْنِ مالِكٍ، أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لِلْأوَّلِ والثّانِيَ لا جَوابَ لَهُ لا مَذْكُورَ ولا مُقَدَّرَ لِأنَّهُ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ تَقْيِيدَهُ بِحالٍ واقِعَةٍ مَوْقِعَهُ، فالمَعْنى في المِثالِ: إنْ رَكِبْتِ آكِلَةً فَأنْتِ طالِقٌ، وفِيهِ أنَّهُ خارِجٌ عَنِ القِياسِ وأنَّهُ لا يَطَّرِدُ في إنْ قُمْتِ إنْ قَعَدْتِ فَأنْتِ طالِقٌ وأنَّ الشَّرْطَ بَعِيدٌ عَنْ مَذْهَبِ الحالِ لِمَكانِ الِاسْتِقْبالِ.
وبِالجُمْلَةِ قَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ وهي مَسْألَةٌ شَهِيرَةٌ ذَكَرَها الأُصُولِيُّونَ وغَيْرُهم وفِيما ذَكَرْنا فِيها اِكْتِفاءٌ بِأقَلِّ اللّازِمِ هاهُنا، فَتَأمَّلْ.
وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى وُقُوعِ الهِبَةِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ الواهِبَةِ، فَعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ هي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وفي المَواهِبِ يُقالُ: إنَّ مَيْمُونَةَ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ وذَلِكَ أنَّ خُطْبَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اِنْتَهَتْ إلَيْها وهي عَلى بَعِيرِها فَقالَتِ: البَعِيرُ وما عَلَيْهِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ، وكانَ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وبَنى عَلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَرَفٍ عَلى عَشَرَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ إرادَةُ النِّكاحِ سابِقَةً عَلى الهِبَةِ فَيُضَعَّفُ بِهِ قَوْلُ السَّمِينِ.
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ هي أُمُّ شَرِيكٍ غَزِيَّةُ بِنْتُ جابِرِ بْنِ حَكِيمٍ الدَّوْسِيَّةُ، قالَ في (اَلصَّفْوَةِ): والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها هي الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فَلَمْ يَقْبَلْها فَلَمْ تَتَزَوَّجْ حَتّى ماتَتْ، وفي (اَلدُّرِّ المَنثُورِ) عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبِلَها.
وعَنْ عُرْوَةَ والشَّعْبِيِّ هي زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ مِنَ الأنْصارِ كانَتْ تُدْعى في الجاهِلِيَّةِ أُمَّ المَساكِينِ لِإطْعامِها إيّاهم وكانَ ذَلِكَ في سَنَةِ ثَلاثٍ ولَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ إلّا قَلِيلًا حَتّى تُوُفِّيَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتِ: الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وقَدْ أرْجَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَزَوَّجَها عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ بِإذْنِهِ .
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ تَعَدُّدُ الواهِباتِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ فَقالَتْ عائِشَةُ: أما تَسْتَحِي المَرْأةُ أنْ تَهِبَ نَفْسَها لِلرَّجُلِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: <div class="verse-tafsir"
وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ قرأ حمزة والكسائي تماسوهن وقرأ الباقون تَمَسُّوهُنَّ مثل الاختلاف الذي ذكرنا في سورة البقرة فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يعني: ليس للأزواج عليهن عدة تَعْتَدُّونَها وإنما خصّ المؤمنات، لأن نكاح المؤمنات كان مباحاً في ذلك الوقت.
فلما أحلّ الله تعالى نكاح الكتابيات، صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا عدة عليها بالإجماع.
وإن طلقها بعد ما خلا بها، ولم يدخل بها فقد روي عن ابن مسعود وابن عباس- ما- أنهما قالا: لا عدة عليها.
وقال عمر وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم- م- أن عليها العدة، وهو أحوط الوجهين، أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضاً، ولم يكن أحدهما مريضاً، ولا محرماً ولا صائماً صوم فرض، يجب على الزوج المهر كاملاً، وعليها العدة احتياطاً.
وأما إذا كانت المرأة حائضاً أو مريضة أو محرمة أو صائمة عن فرض أو الرجل مريض أو صائم عن فرض أو محرم فطلقها بعد الخلوة قبل الدخول، فعليه نصف المهر، وعليها العدة احتياطاً.
ثم قال: فَمَتِّعُوهُنَّ يعني: متعة الطلاق ثلاثة أثواب وهي مستحبة غير واجبة وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا يعني: خلوا سبيلهن تخلية حسنة وهو أن يعطيها حقها.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ يعني: نساءك اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ يعني: أعطيت مهورهن، لأن غيره كان له أكثر من أربع نسوة أمره أن يترك ما زاد على الأربع، وقد أحلّ للنبي إمساك التسع ولم يأمره بالفرقة.
وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ يعني: أحللنا لك من الإماء مثل مارية القبطية مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ من الغنيمة يعني: أعطاك الله كقوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [الحشر: 7] .
ثم قال: وَبَناتِ عَمِّكَ يعني: أحللنا لك نكاح بنات عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ يعني: هاجرن معه من مكة إلى المدينة أو قبله أو بعده.
ثم قال: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً يعني: أحللنا لك امرأة مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ وقرأ الحسن إِنْ وَهَبَتْ بنصب الألف ومعناه إذا وهبت ويكون ذلك الفعل خاصة لامرأة واحدة.
وقراءة العامة إن بالكسر فيكون معناه لكل امرأة إن فعلت ذلك في المستقبل.
قال مقاتل: وذلك أن أم شريك وهبت نفسها للنبي بغير مهر كذا قال الكلبي.
وروى معمر عن الزهري في قوله: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ قال: بلغنا أن ميمونة وهبت نفسها للنبي ووهبت سودة يومها لعائشة- ا- وروى وكيع عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي وعمرو بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قال: تزوج النبيّ ثلاث عشر امرأة.
ستة من قريش.
خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية.
وثلاثاً من بني عامر، وامرأتين من بني هلال ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي .
وزينب أم المساكين، وامرأة من بني بكر وهي التي اختارت الدنيا.
وامرأة من بني الحزن من كندة وهي التي استعاذت منه.
وقال يحيى بن أبي كثير تزوج أربعة عشر.
خديجة وسودة وعائشة.
تزوج هؤلاء الثلاث بمكة.
وتزوج بالمدينة زينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وجويرية من بني المصطلق.
وميمونة بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش وكانت امرأة زيد بن حارثة، وعالية بنت ظبيان، وحفصة، وأم حبيبة، والكندية، وامرأة من كلب.
وروى الزهري عن عروة قال: لما دخلت الكندية على النبيّ قالت: أعوذ بالله منك.
فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» .
ثم قال عز وجل: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها يعني: أن يتزوجها بغير صداق خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: خالصا للنبي بغير مهر، ولا يحل لغيره.
وقال الزهري: الهبة كانت للنبي خاصة، ولا تحل لأحد أن تهب له امرأة نفسها بغير صداق.
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي .
واختلف الناس في جواز النكاح.
قال أهل المدينة باطل.
وقال أهل العراق: النكاح جائز، ولها مهر مثلها.
وروي عن علي بن أبي طالب- - أنه أجاز ذلك.
وروى هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة- ا- أن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي ، وكانت من المهاجرات الأول.
وقال القتبي: العرب تخبر عن غائب، ثم ترجع إلى الشاهد فتخاطبه، كما قال هاهنا: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ بلفظ الغائب ثم قال: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم قال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ يعني: ما أوجبنا عليهم فِي أَزْواجِهِمْ يعني: في أن لا يتزوجوا إلا بالمهر.
ويقال: إلا أربعاً وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ويقال: يعني إلا ما لا وقت فيهن لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ في الهبة بغير مهر.
وفي الآية ومعناه: أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي لكي لا يكون عليك حرج.
ثم قال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً يعني: غفوراً فيما تزوج قبل النهي رَحِيماً في تحليل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قال ع: قال لنا أبي- رحمه الله-: هذه الآيةُ من أرجى آية عندي في كتاب الله- عز وجل-.
قال أبو بكر بن الخطيب: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثم ذكر سنده إلى ابن عباس قال:
٧٥ ب قال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: أنزلت عليّ آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ/ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً قال:
شاهداً: على أمتك، ومبشراً: بالجنة، ونذيراً: من النار، وداعياً: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، بإذنه: بأمره، وسراجاً منيراً: بالقرآن.
انتهى من «تاريخ «١» بغداد» له، من ترجمة «محمد بن نصر» .
وقوله تعالى: وَدَعْ أَذاهُمْ يحتمل أن يريدَ أن يأمره تعالى بترك أن يؤذِيهم هو ويعاقبهم، فالمصدر على هذا مضافٌ إلى المفعول، ويُحْتَمَلُ أن يريدَ: أعْرِض عَن أقوالهم وما يؤذونك به، فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل وهذا تأويل مجاهد «٢» ، وباقي الآية بيّن.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ...
الآية، ذهب ابن زيد والضحاكُ في تفسير هذه الآية إلى: أن الله تعالى أحل لنبيه أن يتزوجَ كل امرأة يؤتيها مَهْرَها، وأباح له كلَّ النساء بهذا الوجه، وإنما خَصَّصَ هؤلاءِ بالذكر تشريفا لهن فالآيةُ على هذا التأويلِ فيها إباحةٌ مُطلقةُ في جميع النساء، حاشى ذوات المحارم المذكور حُكْمُهُنَّ «٣» في غير هذه الآية.
ثم قال بعد هذا تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي: من هذه الأصناف كلها، ثم تجرى الضمائرُ بعد ذلك على العُموم إلى قوله تعالى:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ الأنْكِحَةِ الَّتِي أحَلَّها لَهُ، فَقالَ: ﴿ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وهُنَّ اللَّواتِي تَزَوَّجْتَهُنَّ بِصَداقٍ ﴿ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: رَدَّ عَلَيْكَ مِنَ الكُفّارِ، كَصَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَةَ، فَإنَّهُ أعْتَقَهُما وتَزَوَّجَهُما ﴿ وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ ﴾ يَعْنِي نِساءَ قُرَيْشٍ ﴿ وَبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ ﴾ يَعْنِي نِساءَ بَنِي زُهْرَةَ ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ إلى المَدِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو يُعْلى: و[ظاهِرُ] هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ تُهاجِرْ مَعَهُ مِنَ النِّساءِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكاحُها.
«وَقالَتْ أمُّ هانِئٍ خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ بِعُذْرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ قالَتْ: فَلَمْ أكُنْ حِلٌّ لَهُ، لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ؛» وهَذا يَدُلُّ مِن مَذْهَبِها أنَّ تَخْصِيصَهُ بِالمُهاجِراتِ قَدْ أوْجَبَ حَظْرَ مَن لَمْ تُهاجِرْ.
وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّ شَرْطَ الهِجْرَةِ في التَّحْلِيلِ مَنسُوخٌ، ولَمْ يَذْكُرْ ناسِخَهُ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ في ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الهِجْرَةَ شَرْطٌ في إحْلالِ النِّساءِ لَهُ عَلى الإطْلاقِ.
والثّانِي: أنَّهُ شَرْطٌ في إحْلال قَراباتِهِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴾ أيْ: وأحْلَلْنا لَكَ امْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها ﴾ لَكَ، ﴿ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها ﴾ أيْ: إنْ آثَرَ نِكاحَها ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ أيْ: خاصَّةً.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ: ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " لَكَ "، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: " لَكَ "، جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِغَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ كَما جازَ في بَناتِ العَمِّ وبَناتِ العَمّاتِ.
و ﴿ خالِصَةً ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى خالِصَةٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ إذا وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها، لَمْ يَلْزَمْهُ صَداقُها دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّانِي: أنَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَها بِلا ولِيٍّ ولا مَهْرٍ دُونَ غَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: خالِصَةَ لَكَ أنْ تَمْلِكَ عَقْدَ نِكاحِها بِلَفْظِ الهِبَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ.
وَفِي المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها أقْوالٌ.
أحَدُها: أمُّ شَرِيكٍ.
والثّانِي: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ.
ولَمْ يَدْخُلْ بِواحِدَةٍ مِنهُما.
وذَكَرُوا أنَّ لَيْلى بِنْتَ الخَطِيمِ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ امْرَأةً وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ.
وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّها زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ.
والأوَّلُ: أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ غَيْرِكَ ﴿ فِي أزْواجِهِمْ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ لا يُجاوِزَ الرَّجُلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأةَ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ وصَداقٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ أيْ: وما أبَحْنا لَهم مِن مِلْكِ اليَمِينِ مَعَ الأرْبَعِ الحَرائِرِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ هَذا فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ المَعْنى: أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُرْجِئُ " مَهْمُوزًا؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَة، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ المُتَقَدِّمَةُ، أشْفَقْنَ أنْ يُطَلَّقْنَ، فَقُلْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا مِن مالِكَ ونَفْسِكَ ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.
وَفِي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تُطَّلِقُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَتْرُكُ نِكاحَ مَن تَشاءُ، وتَنْكِحُ مِن نِساءِ أُمَّتِكَ مَن تَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: تَعْزِلُ مَن شِئْتَ مِن أزْواجِكَ فَلا تَأْتِيها بِغَيْرِ طَلاقٍ، وتَأْتِي مَن تَشاءُ فَلا تَعْزِلُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: تَقْبَلُ مَن تَشاءُ مِنَ المُؤْمِناتِ اللَّواتِي يَهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ، وتَتْرُكُ مَن تَشاءُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ.
وَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ مُبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ مُصاحَبَةَ نِسائِهِ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ إيجابِ القِسْمَةِ عَلَيْهِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: ما عَلِمْنا رَسُولَ اللَّهِ أرْجَأ مِنهُنَّ أحَدًا، ولَقَدْ آواهُنَّ كُلَّهُنَّ حَتّى ماتَ.
وقالَ أبُو رَزِينٍ: آوى عائِشَةَ، وأُمَّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وزَيْنَبَ، وكانَ قَسْمُهُ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ فِيهِنَّ سَواءً.
وأرْجَأ سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَةَ، وصَفِيَّةَ، وأُمَّ حَبِيبَةَ، ومَيْمُونَةَ، وكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ.
وكانَ أرادَ فِراقَهُنَّ فَقُلْنَ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّما أرْجَأ سَوْدَةَ وحْدَها لِأنَّها وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ، فَتُوُفِّيَ وهو يَقْسِمُ لِثَمانٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُؤْوِي ﴾ أيْ: تَضُمُّ، ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ أنْ تُؤْوِيَ إلَيْكَ امْرَأةً مِمَّنْ عَزَلْتَ مِنَ القِسْمَةِ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: لا مَيْلَ عَلَيْكَ بِلَوْمٍ ولا عَتْبٍ ﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّخْيِيرُ الَّذِي خَيَّرْناكَ في صُحْبَتِهِنَّ أقْرَبُ إلى رِضاهُنَّ.
والمَعْنى: إنَّهُنَّ إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ، كانَ أطْيَبَ لِأنْفُسِهِنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " أنْ تُقِرَّ " بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ " أُعِينَهُنَّ " بِنَصْبِ النُّونِ.
﴿ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ أيْ: بِما أعْطَيْتَهُنَّ مِن تَقْرِيبٍ وتَأْخِيرٍ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ.
والمَعْنى: إنَّما خَيَّرْناكَ تَسْهِيلًا عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ﴾ كُلُّهم قَرَأ: " لا يَحِلُّ " بِالياءِ، غَيْرَ أبِي عَمْرٍو، فَإنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ؛ والتَّأْنِيثُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، إنَّما هو تَأْنِيثُ الجَمْعِ، فالقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِن بَعْدِ نِسائِكَ اللَّواتِي خَيَّرْتَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ، وهُنَّ التِّسْعُ، فَصارَ [مَقْصُورًا] عَلَيْهِنَّ مَمْنُوعًا مِن غَيْرِهِنَّ وذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ طَلاقَهُ لِحَفْصَةَ وعَزْمَهُ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ كانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ.
والثّانِي: مِن بَعْدِ الَّذِي أحْلَلْنا لَكَ، فَكانَتِ الإباحَةُ بَعْدَ نِسائِهِ مَقْصُورَةً عَلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ ؛ قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ غَيْرُ المُسْلِماتِ كاليَهُودِيّاتِ والنَّصْرانِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وتَحِلُّ لَك المُسْلِماتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ تُطَلِّقَ زَوْجاتِكَ وتَسْتَبْدِلَ بِهِنَّ سِواهُنَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّ تُبَدِّلَ بِالمُسْلِماتِ المُشْرِكاتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: أنْ تُعْطِيَ الرَّجُلَ زَوْجَتَكَ، وتَأْخُذَ زَوْجَتَهُ، وهَذِهِ كانَتْ عادَةً لِلْجاهِلِيَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الإماءَ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إلّا أنْ تَمْلِكَ بِالسَّبْيِ، فَيَحِلُّ لَكَ وطْؤُها وإنْ كانَتْ مِن غَيْرِ الصِّنْفِ الَّذِي أحْلَلْتُهُ لَكَ؛ وإلى هَذا أوْمَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في آخَرِينَ.
والثّانِي: إلّا أنْ تُصِيبَ يَهُودِيَّةً أوْ نَصْرانِيَّةً فَتَطَأها بِمِلْكِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: إلّا أنْ تُبَدِّلَ أمَتَكَ بِأمَةِ غَيْرِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذِهِ الأقْوالُ جائِزَةٌ، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَكَحَ يَهُودِيَّةً ولا نَصْرانِيَّةً بِتَزْوِيجٍ ولا مِلْكِ يَمِينٍ، ولَقَدْ سَبى رَيْحانَةَ القُرَظِيَّةَ فَلَمْ يَدْنُ مِنها حَتّى أسْلَمَتْ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكِ.
وقالَتْ عائِشَةُ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى أُحِلَّ لَهُ النِّساءُ، قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي نِساءَ جَمِيعِ القَبائِلِ مِنَ المُهاجِراتِ وغَيْرِ المُهاجِراتِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ؛ ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أثابَ نِساءَهُ حِينَ اخْتَرْنَهُ بِأنَّ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ يُحِلَّ لَهُ غَيْرَهُنَّ، ولَمْ يُنْسَخْ هَذا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِيْنَ، وأبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّساءِ ها هُنا: الكافِراتُ، ولَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ كافِرَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "اللاتِي" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "اللايِيِ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ.
وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَحاكُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى أنَّ المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أحَلَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ كُلَّ امْرَأةٍ يُؤْتِيها مَهْرَها، وأباحَ لَهُ تَعالى كُلَّ النِساءِ بِهَذا الوَجْهِ، وأباحَ لَهُ مِلْكَ اليَمِينِ، وبَناتَ العَمِّ والعَمَّةَ والخالَ والخالَةَ مِمَّنْ هاجَرَ مَعَهُ، وخَصَّصَ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا؛ مِنهُنَّ إذْ قَدْ تَناوَلَهُنَّ - عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ - قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا ﴾ ، وأباحَ لَهُ الواهِباتِ خاصَّةً لَهُ، فَهَذِهِ - عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ - إباحَةٌ مُطْلَقَةٌ في جَمِيعِ النِساءِ حاشى ذَواتِ المَحارِمِ، لا سِيَّما - عَلى ما ذَكَرَهُ الضَحّاكُ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَبَناتُ خالاتِكَ واللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ".
ثُمَّ قالَ - بَعْدَ هَذا - ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، ثُمَّ تَجْرِي الضَمائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ﴾ فَيَجِيءُ هَذا الضَمِيرُ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ عائِدًا عَلى أزْواجِهِ التِسْعِ فَقَطْ، عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ.
وتَأوَّلَ غَيْرَ ابْنِ زَيْدٍ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي ﴾ أنَّ الإشارَةَ إلى حَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومَن في عِصْمَتِهِ مِمَّنْ تَزَوَّجْنَ بِمَهْرٍ، وأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ بَعْدَ حَلالٍ لَهُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أباحَ لَهُ مَعَ المَذْكُوراتِ بَناتِ عَمِّهِ وعَمّاتِهِ وخالِهِ وخالاتِهِ مِمَّنْ هاجَرَ مَعَهُ، والواهِباتُ خاصَّةً لَهُ ، فَيَجِيءُ الأمْرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أضْيَقَ عَلى النَبِيِّ ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: « "كانَ رَسُولُ اللهِ يَتَزَوَّجُ في أيِّ الناسِ شاءَ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى نِسائِهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحُرِّمَ عَلَيْهِ الناسُ إلّا مَن سُمِّيَ سُرَّ نِساؤُهُ بِذَلِكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ إنَّما تَعَلُّقُهُ في النادِرِ مِنَ الأمْرِ، وبَناتُ العَمِّ والعَمّاتِ والخالِ والخالاتِ يَسِيرُ، ومَن يُمْكِنُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ مَحْصُورٌ عِنْدَ نِسائِهِ، لا سِيَّما وقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ شَرْطَ الهِجْرَةِ، وكَذا الواهِبَةُ مِنَ النِساءِ قَلِيلٌ، فَلِذَلِكَ سُرَّ أزْواجُهُ بِانْحِصارِ الأمْرِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ﴾ إشارَةٌ إلى أزْواجِهِ اللَواتِي تَقَدَّمَ النَصُّ عَلَيْهِنَّ بِالتَحْلِيلِ، فَيَأْتِي الكَلامُ مُنَسَّقًا مُطَّرَدًا أكْثَرَ مِنَ اطِّرادِهِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ.
والأُجُورُ: المُهُورُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ ﴾ أيْ رَدُّهُ إلَيْكَ في الغَنائِمِ، يُرِيدُ: أو عَلى أُمَّتِكَ لِأنَّهُ فَيْءٌ عَلَيْهِ.
ومِلْكُ اليَمِينِ أصْلُهُ الفَيْءُ مِنَ الغَنائِمِ، أو ما تَناسَلَ مِمَّنْ سُبِيَ، والشِراءُ مِنَ الحَرْبِيِّينَ كالسِباءِ، ويُباحُ السِباءُ مِنَ الحَرْبِيِّينِ، ولا يَجُوزُ سَبْيُ مَن لَهُ عَهْدٌ ولا تَمَلُّكُهُ، ويُسَمّى سَبْيُ الخِبْثَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَناتِ عَمِّكَ ﴾ رُوِيَ «عن أُمِّ هانِئِ بِنْتِ أبِي طالِبٍ أنَّها قالَتْ: "خَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ، فاعْتَذَرَتْ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَحَرَّمَنِي عَلَيْهِ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، وإنَّما كُنْتُ مِنَ الطُلَقاءِ".» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "إنْ وهَبَتْ" ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ، وهَذا يَقْتَضِي اسْتِئْنافَ الأمْرِ، أيْ: إنْ وقَعَ فَهو حَلالٌ لَهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: « "لَمْ تَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ امْرَأةٌ إلّا بِعَقْدِ نِكاحٍ أو مِلْكِ يَمِينٍ.
فَأمّا بِالهِبَةِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنهُنَّ أحَدٌ".» وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والثَقَفِيُّ، والشَعْبِيُّ: "أنْ وهَبَتْ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَهي إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنَ الواهِباتِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، وكَسْرُ الألِفِ يَجْرِي مَعَ تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَتْحُها يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الآخَرِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ قالَ: الإشارَةُ إلى مَن وهَبَ نَفْسَهُ لِلنَّبِيِّ مِنَ النِساءِ عَلى الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: هي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي أمُّ شُرَيْكٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ وعُرْوَةُ: هي زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ أُمُّ المَساكِينِ، وقالَ أيْضًا عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ الأوقَصِ السِلْمِيُّ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وامْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ وهَبَتْ"، دُونَ "إنْ".
وَقَوْلُهُ: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ أيْ: هِبَةُ النِساءِ أنْفُسُهُنَّ خاصَّةٌ ومِزِيَّةٌ "لا تَجُوزُ"، فَلا يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَرْأةُ نَفْسَها لِرَجُلٍ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ؛ إلّا ما رُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، وأبِي يُوسُفَ أنَّهم قالُوا: إذا وهَبَتْ وأشْهَدَ هو عَلى نَفْسِهِ بِمَهْرٍ فَذَلِكَ جائِزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلَيْسَ في قَوْلِهِمْ إلّا تَجْوِيزَ العِبارَةِ وبِلَفْظَةِ الهِبَةِ، وإلّا فالأفْعالُ الَّتِي اشْتَرَطُوها هي أفْعالُ النِكاحِ بِعَيْنِهِ، ويَظْهَرُ مِن لَفْظِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ هَذِهِ الإباحَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَصَرُوا عَلى مَثْنى وثُلاثٍ ورُباعٍ.
وقَوْلُهُ: "قَدْ عَلِمْنا" الآيَةُ، يُرِيدُ: فَرَضْنا الوَلِيَّ والشاهِدَ والمَهْرَ والِاقْتِصارَ عَلى أرْبَعٍ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَثْنى وثُلاثٌ ورُباعٌ.
وقَوْلُهُ: "لِئَلّا يَكُونُ" أيْ: بَيَّنّا هَذا البَيانَ، وشَرَحْنا هَذا الشَرْحَ لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ويُظَنُّ بِكَ أنَّكَ قَدْ أثِمْتُ عِنْدَ رَبِّكِ في شَيْءٍ، ثُمَّ آنَسَ الجَمِيعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِغُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها النبى إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ وبنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأَةً مُّؤمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِىِّ إنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ ﴾ .
نداء رابع خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في شأن خاص به هو بيان ما أحلّ له من الزوجات والسراري وما يزيد عليه وما لا يزيد مما بعضه تقرير لتشريع له سابق وبعضه تشريع له للمستقبل، ومما بعضه يتساوى فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع الأمة وبعضه خاص به أكرمه الله بخصوصيته مما هو توسعة عليه، أو مما روعي في تخصيصه به علوّ درجته.
ولعل المناسبة لورودها عقب الآيات التي قبلها أنه لما خاض المنافقون في تزوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنتتِ جحش وقالوا: تزوج من كانت حليلة متبنّاه، أراد الله أن يجمع في هذه الآية مَن يحل للنبيء تزوجهن حتى لا يقع الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون.
ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله: ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيء ﴾ الآية، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ما لم يكن مشروعاً لتكون جامعة للأحوال، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال.
فأما تقرير ما هو مشروع فذلك من قوله تعالى: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن ﴾ إلى قوله: ﴿ وبنات خالاتك ﴾ ، وأما تشريع ما لم يكن مشروعاً فذلك من قوله: ﴿ التي هاجرن معك ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ [الأحزاب: 52].
فقوله تعالى: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ خبر مُراد به التشريع.
ودخول حرف (إنّ) عليه لا ينافي إرادة التشريع إذ موقع (إنَّ) هنا مجرد الاهتمام، والاهتمام يناسب كلاّ من قصد الإِخبار وقصدِ الإِنشاء، ولذلك عُطفت على مفعول ﴿ أحللنا ﴾ معطوفات قيدت بأوصاف لم يكن شرعها معلوماً من قبل وذلك في قوله: ﴿ وبنات عمك ﴾ وما عطف عليه باعتبار تقييدهن بوصف ﴿ الاتي هاجرن معك ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ﴾ باعتبار تقييدها بوصف الإِيمان وتقييدها ب«إن وهبت نفسها للنبي وأراد النبي أن يستنكحها».
هذا تفسير الآية على ما درج عليه المفسرون على اختلاف قليل بين أقوالهم.
وعندي: أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبي صلى الله عليه وسلم وتؤخذ من الامتنان الإِباحة ويؤخذ من ظاهر قوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ [الأحزاب: 52] الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية، ولتكون هذه الآية تمهيداً لقوله تعالى: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ الخ.
وسيجيء ما لنا في معنى قوله: ﴿ من بعدُ ﴾ وما لنا في موضع قوله ﴿ إن أراد النبي أن يستنكحها ﴾ .
ومعنى ﴿ أحللنا لك ﴾ الإِباحة له، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد المحلّلات له ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ .
وإضافة أزواج إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم تفيد أنّهن الأزواج اللاتي في عصمته، فيكون الكلام إخباراً لتقرير تشريع سابق ومسوقاً مساق الامتنان، ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ [الأحزاب: 52].
وهذا هو الوجه عندي في تفسير هذه الآية.
وحكى ابن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله: ﴿ أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ﴾ أن الله أحلّ له أن يتزوج كل امرأة يُصدقها مهرها فأباح له كل النساء، وهذا بعيد عن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره.
وعن التعبير ب ﴿ آتيت أجورهن ﴾ بصيغة المضيّ.
واختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ فقال قوم: هذه ناسخة لقوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ ولو تقدمت عليها في التلاوة.
وقال آخرون: هي منسوخة بقوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ .
و ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ صفة ل ﴿ أزواجك ﴾ ، أي وهن النسوة اللاتي تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة، فالماضي في قوله: ﴿ آتيت أجورهن ﴾ مستعمل في حقيقته.
وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن: عائشة، وحفصة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وفيهن من لسن كذلك وهنّ: جويرية من بني المصطلق، وميمونة بنت الحارث من بني هلال، وزينب أم المساكين من بني هلال، وكانت يومئذٍ متوفاة، وصفية بنت حيي الإِسرائيلية.
وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهنّ ثلاثة أصناف: «الصنف الأول»: ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، أي مما أعطاه الله من الفيء، وهو ما ناله المسلمون من العدوّ بغير قتال ولكن تركَه العدو، أو مما أعطي للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل مارية القبطية أمّ ابنه إبراهيم فقد أفاءها الله عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر، وإنما وهبها إليه هدية لمكان نبوءته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا قصد المسالمة من جهة الجوار، إذ لم تكن له مع الرسول صلى الله عليه وسلم سابق صحبة ولا معرفة، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتسرّ غير مارية القبطية.
وقيل: إنه تسرى جارية أخرى وهبتها له زوجه زينبُ ابنة جحش ولم يثبت.
وقيل أيضاً: إنه تسرى ريحانَة من سبي قريظة اصطفاها لنفسه ولا تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد ب ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة.
وهذا الحكم يشركه فيه كثير من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئاً من الفيء، كما قال تعالى: ﴿ ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [الحشر: 7] فمن أعطاه الأمير من هؤلاء الأصناف أمة من الفيء حلّت له.
وقوله: ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن المراد به مارية القبطية، أو هي وريحانة إن ثبت أنّه تسراها.
«الصنف الثاني»: نساء من قريب قرابته صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه أو من جهة أمه مؤمنات مهاجرات.
وأغنى قوله: ﴿ هاجرن معك ﴾ عن وصف الإِيمان لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإِيمان، فأباح الله للنبيء عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف، فليس له أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة.
وعندي: أن الوصفين ببنات عمه وعمّاته وبناتتِ خاله وخالاته، وبأنهن هاجَرْن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن.
وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريماً لشأن القرابة والهجرة التي هي بمنزلة القرابة لقوله تعالى: ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ﴾ [الأنفال: 72].
وحكم الهجرة انقضى بفتح مكة.
وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم والتعميم لأمته، فالمرأة التي تستوفي هذا الوصف يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام ولأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة تزوجُ أمثالها، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها، وهو الذي درج عليه الجمهور، ويؤيده خبر روي عن أمّ هاني بنت أبي طالب.
وقال أبو يوسف: يجوز لرجال أمته نكاح أمثالها.
وباعتبار عدم تقييد نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بعدد يكون هذا الإطلاق خاصاً به دون أمته إذ لا يجوز لغيره تزوج أكثر من أربع.
وبنات عمّ النبي صلى الله عليه وسلم هن بنات إخوة أبيه مثل: بنات العباس وبنات أبي طالب وبنات أبي لهب.
وأما بنات حمزة فإنهن بنات أخ من الرضاعة لا يحللن له، وبناتُ عماته هن بنات عبد المطلب مثل زينب بنت جحش التي هي بنت أميمة بنت عبد المطلب.
وبناتُ خاله هنّ بنات عبد مناف بن زُهرة وهن أخوال النبي صلى الله عليه وسلم عبد يغوث بن وهب أخو آمنة، ولم يذكروا أن له بنات، كما أني لم أقف على ذكر خالة لرسول الله فيما رأيت من كتب الأنساب والسير.
وقد ذكر في «الإصابة» فريعة بنتَ وهب وذكروا هالة بنت وهب الزهرية إلا أنها لكونها زوجةَ عبد المطلب وابنتها صفية عمة رسول الله فقد دخلت من قبل في بنات عمه.
وإنما أُفرد لفظ (عم) وجُمع لفظ (عمات) لأن العم في استعمال كلام العرب يطلق على أخي الأب ويطلق على أخي الجد وأخي جد الأب وهكذا فهم يقولون: هؤلاء بنو عم أو بنات عم، إذا كانوا لعم واحد أو لعدة أعمام، ويفهم المراد من القرائن.
قال الراجز أنشده الأخفش: ما بَرئتْ من ريبة وذمّ *** في حربنا إلا بناتُ العمّ وقال رؤبة بن العجاج: قالت بنات العم يا سلمى وإنْ *** كان فقيراً مُعدماً قالت وإنْ فأما لفظ (العمة) فإنه لا يراد به الجنس في كلامهم، فإذا قالوا: هؤلاء بنو عمةٍ، أرادوا أنهم بنو عمةٍ معيّنة، فجيء في الآية: ﴿ عماتك ﴾ جمعاً لئلا يفهم منه بنات عمة معينة.
وكذلك القول في إفراد لفظ (الخال) من قوله: ﴿ بنات خالك ﴾ وجمع الخالة في قوله: ﴿ وبنات خالاتك ﴾ .
وقال قوم: المراد ببنات العم وبنات العمات: نساء قريش، والمراد ببنات الخال: النساء الزهريات، وهو اختلاف نظري محض لا ينبني عليه عمل لأن النبي قد عُرفت أزواجه.
وقوله: ﴿ اللاني هاجرن معك ﴾ صفة عائدة إلى ﴿ بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ﴾ كشأن الصفة الواردة بعد مفردات، وهو شرط تشريع لم يكن مشروطاً من قبل.
والمعية في قوله: ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ معية المقارنة في الوصف المأخوذ من فعل ﴿ هاجرن ﴾ فليس يلزم أن يكنَّ قد خرجْنَ مصاحبات له في طريقه إلى الهجرة.
«الصنف الثالث»: امرأة تَهب نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم أي تجعل نفسها هبة له دون مهر، وكذلك كان النساء قبل الإسلام يفعلن مع عظماء العرب، فأباح الله للنبيء أن يتخذها زوجة له بدون مهر إذا شاء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فهذا حقيقة لفظ ﴿ وهبت ﴾ ، فالمراد من الهبة: تزويج نفسها بدون عوض، أي بدون مهر، وليست هذه من الهبة التي تستعمل في صيغ النكاح إذا قارنها ذكر صداق لأن ذلك اللفظ مجاز في النكاح بقرينة ذكر الصداق ويصح عقد النكاح به عندنا وعند الحنفية خلافاً للشافعي.
فقوله: ﴿ وامرأة ﴾ عطف على ﴿ أزواجك ﴾ .
والتقدير: وأحللنا لك امرأة مؤمنة.
والتنكير في ﴿ امرأة ﴾ للنوعية: والمعنى: ونُعلمك أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة بقيد أن تهب نفسها لك وأن تريد أن تتزوجها فقوله: ﴿ للنبيء ﴾ في الموضعين إظهار في مقام الإِضمار.
والمعنى: إن وهبتْ نفسها لك وأردتَ أن تنكحها.
وهذا تخصيص من عموم قوله: ﴿ وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ﴾ فإذا وهبت امرأة نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم وأراد نكاحها جاز له ذلك بدون ذينك الشرطين ولأجل هذا وصفت ﴿ امرأة ﴾ ب ﴿ مؤمنة ﴾ ليعلم عدم اشتراط ما عدا الإيمان.
وقد عُدّت زينب بنت خُزيمة الهلالية وكانت تدعى في الجاهلية أمَّ المساكين في اللاتي وهبن أنفسهن، ولم تلبث عنده زينب هذه إلا قليلاً فتوفيت وكان تزوجها سنة ثلاث من الهجرة فليست مما شملته الآية.
ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج غيرها ممن وهبت نفسها إليه وهن: أم شريك بنت جابر الدوسية واسمها عزية، وخولة بنت حكيم عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسها فقالت عائشة: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل، وامرأة أخرى عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم روى ثابت البناني عن أنس قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله فعرضت عليه نفسها فقالت: يا رسول الله ألك حاجة بي؟
فقالت ابنةُ أنس وهي تسمع إلى رواية أبيها: ما أقل حياءها وَاسَوأتاه واسوأتاه.
فقال أنس: هي خير منك رغبت في النبي فعرضت عليه نفسها».
وعن سهل بن سعد أن امرأة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبها.
فقال رجل: «يا رسول الله زوجنيها، إلى أن قال له، ملّكناكها بما معك من القرآن» فهذا الصنف حكمه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه نكاح مخالف لسنة النكاح لأنه بدون مهر وبدون ولي.
وقد ورد أن النسوة اللاتي وهبن أنفسهن للنبيء صلى الله عليه وسلم أربع هن: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية الملقبة أمّ المساكين، وأم شريك بنت جابر الأسدية أو العامرية، وخولة بنت حكيم بنت الأوقص السَلَمية.
فأما الأوليان فتزوجهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما من أمهات المؤمنين والأخريان لم يتزوجهما.
ومعنى ﴿ وهبت نفسها للنبيء ﴾ أنها ملّكته نفسها تمليكاً شبيهاً بملك اليمين ولهذا عطفت على ﴿ ما ملكت يمينك ﴾ ، وأردفت بقوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ أي خاصة لك أن تتخذها زوجة بتلك الهبة، أي دون مهر وليس لبقية المؤمنين ذلك.
ولهذا لما وقع في حديث سهل بن سعد المتقدم أن امرأة وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم وعلم الرجل الحاضر أن النبي عليه الصلاة والسلام لا حاجة له بها سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يُزوجه إياها علماً منه بأن تلك الهبة لا مهر معها ولم يكن للرجل ما يصدقها إياه، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك فقال له ما عندك؟
قال: ما عندي شيء.
قال: اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد فذهب ثم رجع فقال: لا والله ولا خاتَماً من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه.
قال سهل: ولم يكن له رداء، فقال النبي: " وما تصنع بإزارك إن لبستَه لم يكن عليها منه شيء وإن لبستْه لم يكن عليك منه شيء ثم قال له ماذا معك من القرآن؟
فقال: معي سورة كذا وسورة كذا لسُور يُعدّدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ملكناكها بما معك من القرآن ".
وفي قوله: ﴿ إن وهبت نفسها للنبي ﴾ إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: إن وهبت نفسها لك.
والغرض من هذا الإِظهار ما في لفظ ﴿ النبي ﴾ من تزكية فعل المرأة التي تهب نفسها بأنها راغبة لكرامة النبوءة.
وقوله: ﴿ إن أراد النبي أن يستنكحها ﴾ جملة معترضة بين جملة ﴿ إن وهبت ﴾ وبين ﴿ خالصة ﴾ وليس مسوقاً للتقييد إذ لا حاجة إلى ذكر إرادته نكاحها فإن هذا معلوم من معنى الإِباحة، وإنما جيء بهذا الشرط لدفع توهم أن يكون قبوله هبتها نفسها له واجباً عليه كما كان عرف أهل الجاهلية.
وجوابه محذوف دل عليه ما قبله، والتقدير: إن أراد أن يستنكحها فهي حلال له، فهذا شرط مستقل وليس شرطاً في الشرط الذي قبله.
والعدول عن الإِضمار في قوله: ﴿ إن أراد النبي ﴾ بأن يقال: إن أراد أن يستنكحها لما في إظهار لفظ ﴿ النبي ﴾ من التفخيم والتكريم.
وفائدة الاحتراز بهذا الشرط الثاني إبطال عادة العرب في الجاهلية وهي أنهم كانوا إذا وهبت المرأة نفسها للرجل تعين عليه نكاحها ولم يجز له ردُّها، فأبطل الله هذا الالتزام بتخيير النبي عليه الصلاة والسلام في قبول هِبة المرأة نفسها له وعدمه، وليرفع التعيير عن المرأة الواهبة بأن الرد مأذون به.
والسين والتاء في ﴿ يستنكحها ﴾ ليستا للطلب بل هما لتأكيد الفعل كقول النابغة: وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوةً *** أبا جابر فاستنكحوا أم جابر أي بنو حُنّ قتلوا أبا جابر الطائي فصارت أم جابر المزوجة بأبي جابر زوجة بني حُنّ، أي زوجة رجل منهم.
وهي مثل السين والتاء في قوله تعالى: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ [آل عمران: 195].
فتبيَّن من جعل جملة ﴿ إن أراد النبي أن يستنكحها ﴾ معترضة أن هذه الآية لا يصح التمثيل بها لمسألة اعتراض الشرط على الشرط كما وقع في رسالة الشيخ تقي الدين السبكي المجعولة لاعتراض الشرط على الشرط، وتبعه السيوطي في الفن السابع من كتاب «الأشباه والنظائر النحوية»، ويلوح من كلام صاحب «الكشاف» استشعار عدم صلاحية الآية لاعتبار الشرط في الشرط فأخذ يتكلف لتصوير ذلك.
وانتصب ﴿ خالصة ﴾ على الحال من ﴿ امرأة ﴾ ، أي خالصة لك تلك المرأة، أي هذا الصنف من النساء، والخلوص معنيٌّ به عدم المشاركة، أي مشاركةِ بقية الأمة في هذا الحكم إذ مادة الخلوص تجمع معاني التجرّد عن المخالطة.
فقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ لبيان حال من ضمير الخطاب في قوله: ﴿ لك ﴾ ما في الخلوص من الإجمال في نسبته.
وقد دل وصف ﴿ امرأة ﴾ بأنها ﴿ مؤمنة ﴾ أن المرأة غير المؤمنة لا تحل للنبيء عليه الصلاة والسلام بهبة نفسها.
ودل ذلك بدلالة لحن الخطاب أنه لا يحلّ للنبيء صلى الله عليه وسلم تزوج الكتابيات بَلْهَ المشركات، وحكى إمام الحرمين في ذلك خلافاً.
قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه.
وبهذا يتميز علينا؛ فإن ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر وإذا كان لا تحل له من لم تُهاجر لنقصانها فضلَ الهجرة فأحرى أن لا تحلّ له الكتابية الحرة.
﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فى أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ ﴾ .
جملة معترضة بين جملة ﴿ من دون المؤمنين ﴾ وبين قوله: ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أو هي حال سببي من المؤمنين، أي حال كونهم قد علمنا ما نَفرض عليهم.
والمعنى: أن المؤمنين مستمر ما شُرع لهم من قبلُ في أحكام الأزواج وما ملكتْ أيمانهم، فلا يَشملهم ما عُيّن لك من الأحكام الخاصة المشروعة فيما تقدم آنفاً، أي قد علمنا أن ما فرضناه عليهم في ذلك هو الَّلائق بحال عموم الأمة دون ما فرضناه لك خاصة.
و ﴿ ما فرضنا عليهم ﴾ موصول وصلته، وتعدية ﴿ فرضنا ﴾ بحرف (على) المقتضي للتكليف والإِيجاب للإِشارة إلى أن من شرائع أزواجهم وما ملكَتْ أيمانهم ما يَوَدُّون أن يخفف عنهم مثل عدد الزوجات وإيجاب المهور والنفقات، فإذا سمعوا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من التوسعة في تلك الأحكام وَدّوا أن يلحقوا به في ذلك، فسجل الله عليهم أنهم باقون على ما سبق شرعه لهم في ذلك، والإخبار بأن الله قد علم ذلك كناية عن بقاء تلك الأحكام لأن معناه أنّا لم نغفل عن ذلك، أي لم نبطله بل عن علم خصصنا نبيئنا بما خصصناه به في ذلك الشأن، فلا يشمل ما أحللناه له بقيةَ المؤمنين.
وظرفية ﴿ في ﴾ مجازية لأن المظروف هو الأحكام الشرعية لا ذَوات الأزواج وذواتُ ما ملكته الأيمان.
﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ الله غَفُوراً رَحِيماً ﴾ .
تعليل لما شرعه الله تعالى في حق نبيئه صلى الله عليه وسلم في الآيات السابقة من التوسعة بالازدياد من عدد الأزواج وتزوج الواهبات أنفسهن دون مهر، وجَعل قبول هبتها موكولاً لإِرادته، وبما أبقى له من مساواته أمته فيما عدا ذلك من الإباحة فلم يضيّق عليه، وهذا تعليم وامتنان.
والحرج: الضيق، والمراد هنا أدنى الحرج، وهو ما في التكليف من بعض الحرج الذي لا تخلو عنه التكاليف، وأما الحرج القوي فمنفي عنه وعن أمته.
ومراتب الحرج متفاوتة، ومناط ما يُنفى عن الأمة منها وما لا ينفى، وتقديراتُ أحوال انتفاء بعضها للضرورة هو ميزان التكليف الشرعي فالله أعلم بمراتبها وأعلم بمقدار تحرج عباده وذلك مبين في مسائل العزيمة والرخصة من علم الأصول، وقد حرر ملاّكه شهاب الدين القرافي في الفرق الرابع عشر من كتابه «أنواء البروق».
وقد أشبعنا القول في تحقيق ذلك في كتابنا المسمى «مقاصد الشريعة الإسلامية».
وأعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك في الأخذ بهذه التوسعات التي رفع الله بها قدره مسلك الكُمّل من عباده وهو أكملهم فلم ينتفع لنفسه بشيء منها فكان عبداً شكوراً كما قال في حديث استغفاره ربه في اليوم استغفاراً كثيراً.
والتذييل بجملة ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ تذييل لما شرعه من الأحكام للنبيء صلى الله عليه وسلم لا للجملة المعترضة، أي أن ما أردناه من نفي الحرج عنك هو من متعلقات صفتي الغفران والرحمة اللتين هما من تعلقات الإِرادة والعلم فهما ناشئتان عن صفات الذات، فلذلك جعل اتصاف الله بهما أمراً متمكّناً بما دلّ عليه فعل ﴿ كان ﴾ المشير إلى السابقية والرسوخ كما علمته في مواضع كثيرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ يَعْنِي صَداقَهُنَّ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أُحِلَّ لَهُ لِهَذِهِ الآيَةِ أزْواجُهُ الأُوَلُ اللّاتِي كُنَّ مَعَهُ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَأمّا إحْلالُ غَيْرِهِنَّ فَلا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ الثّانِي: أنَّهُ أحَلَّ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سائِرَ النِّساءِ ونَسَخَ بِهِ قَوْلَهُ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ الثّالِثُ: أنَّهُ أحَلَّ بِها مَن سَمّاهُ فِيها مِنَ النِّساءِ دُونَ مَن لَمْ يُسَمِّهُ مِن قَوْلِهِ.
﴿ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الإماءَ.
﴿ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الغَنِيمَةِ فَكانَ مِنَ الإماءِ مارِيَةُ أُمُّ ابْنِهِ إبْراهِيمَ.
وَمِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَفِيَّةُ وجُوَيْرِيَّةُ أعْتَقَهُما وتَزَوَّجَ بِهِما.
﴿ وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ ﴾ قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ثُمَّ قالَ: ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُسْلِماتِ.
الثّانِي: المُهاجِراتُ إلى المَدِينَةِ.
رَوى أبُو صالِحٍ «عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وأرادَ النَّبِيُّ أنْ يَتَزَوَّجَنِي فَنُهِيَ عَنِّي لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ» واخْتُلِفَ في الهِجْرَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها شَرْطٌ في إحْلالِ النِّساءِ لِرَسُولِ اللَّهِ مِن غَرِيبَةٍ وقَرِيبَةٍ حَتّى لا يَجُوزَ أنْ يَنْكِحَ إلّا بِمُهاجِرَةٍ.
الثّانِي: أنَّها شَرْطٌ في إحْلالِ بَناتِ عَمِّهِ وعَمّاتِهِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ.
وَلَيْسَتْ شَرْطًا في إحْلالِ الأجْنَبِيّاتِ.
﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ هَلْ كانَ عِنْدَ النَّبِيِّ امْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ امْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ إنْ وُهِبَتْ بِالكَسْرِ مَحْمُولٌ عَلى المُسْتَقْبَلِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَتْ عِنْدَهُ امْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِالفَتْحِ أنَّهُ في امْرَأةٍ بِعَيْنِها مَتى وهَبَتْ نَفْسَها حَلَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَها، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ أنَّهُ في كُلِّ امْرَأةٍ وهَبَتْ نَفْسَها أنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَنْحِكَها.
واخْتُلِفَ في الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ جابِرِ بْنِ ضَبابٍ، وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
الثّانِي: أنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
الثّالِثُ: أنَّها مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ أُمُّ المَساكِينِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ.
قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
﴿ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها خالِصَةٌ لَهُ إذا وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها أنْ يَنْكِحَها بِغَيْرِ أمْرِ ولِيٍّ ولا مَهْرٍ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها خالِصَةٌ لَهُ إذا وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها أنْ لا يَلْزَمَهُ لَها صَداقٌ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الثّالِثُ: أنَّها خالِصَةٌ لَهُ أنْ يَمْلِكَ عَقْدَ نِكاحِها بِلَفْظِ الهِبَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَرَضْنا ألّا تَتَزَوَّجَ امْرَأةٌ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ.
الثّانِي: فَرَضْنا ألّا يَتَجاوَزَ الرَّجُلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّالِثُ: فَرَضْنا عَلَيْهِمْ لَهُنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِنَّ والقَسْمَ بَيْنَهُنَّ.
قالَهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ.
﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ يَعْنِي أنْ يَحْلِلْنَ لَهُ مِن غَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ ولا قَسْمٍ مُسْتَحَقٍّ ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: إلى قَوْلِهِ: ﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن سعد وابن راهويه وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ إلى قوله: ﴿ هاجرن معك ﴾ قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عن أم هانئ رضي الله عنها قالت نزلت فيَّ هذه الآية ﴿ وبنات عماتك اللاتي هاجرن معك ﴾ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، فنهى عني إذ لم أهاجر.
وأخرج ابن سعد عن أبي صالح مولى أم هانئ قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله إني مؤتمة، وبني صغار، فلما أدرك بنوها عرضت عليه نفسها فقال: الآن فلا.
إن الله تعالى أنزل عليَّ ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ إلى ﴿ هاجرن معك ﴾ ولم تكن من المهاجرات» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ إلى قوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ قال: فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء، لم يحرم ذلك عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل الله عليه.
إني قد حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ قال: هن أزواجه الأول اللاتي كن قبل أن تنزل هذه الآية في قوله: ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال: صدقاتهن ﴿ وما ملكت يمينك ﴾ قال: هي الاماء التي أفاء الله عليه.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال: رخص له في بنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، أن يتزوّج منهن، ولا يتزوج من غيرهن، ورخص له في امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن وهبت نفسها للنبي ﴾ قال: بغير صداق أحل له ذلك، ولم يكن ذلك أحل له إلا ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ قال: خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي في السنن عن عائشة رضي الله عنها قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، خولة بنت حكيم.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه: أن خولة بنت حكيم بن الأقوص كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وامرأة مؤمنة...
﴾ قال: نزلت في أم شريك الدوسية.
وأخرج ابن سعد عن منير بن عبدالله الدوسي؛ أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت جميلة فقبلها، فقالت عائشة رضي الله عنها: ما في امرأة حين وهبت نفسها لرجل خير قالت أم شريك رضي الله عنها: فأنا تلك فسماها الله تعالى ﴿ مؤمنة ﴾ فقال: ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﴾ فلما نزلت هذه الآية قالت عائشة رضي الله عنها: إن الله يسارع لك في هواك.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبدالله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة: ست من قريش خديجة.
وعائشة.
وحفصة.
وأم حبيبة.
وسودة.
وأم سلمة، وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال.
ميمونة بنت الحرث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
وزينب أم المساكين، وهي التي اختارت الدنيا.
وامرأة من بني الحارث، وهي التي استعاذت منه.
وزينب بنت جحش الأسدية.
والسبيتين صفية بنت حيي.
وجويرية بنت الحارث الخزاعية.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن علي بن الحسين رضي الله عنه في قوله: ﴿ وامرأة مؤمنة ﴾ هي أم شريك الأزدية التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي عون: ان ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ووهبن نساء أنفسهن، فلم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحداً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الشعبي: إنها امرأة من الأنصار وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي ممن أرجا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لا تحل الهبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري وإبراهيم النخعي رضي الله عنهما في قوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ قالا: لا تحل الهبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس رضي الله عنه قال: لا يحل لأحد أن يهب ابنته بغير مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول والزهري قالا: لم تحل الموهوبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: لا يحل لرجل أن يهب ابنته بغير صداق، قد جعل الله ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون المؤمنين.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه في امرأة وهبت نفسها لرجل قال: لا يصلح إلا بالصداق، لم يكن ذلك إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله هل لك في حاجة؟
فقالت ابنة أنس: ما كان أقل حياءها فقال هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، فعرضت نفسها عليه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال: كنا نتحدث أن أم شريك رضي الله عنهما كانت ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﴾ قال: هي ميمونة بنت الحرث.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: وهبت ميمونة بنت الحرث نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج مالك وعبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي: «ان امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوهبت نفسها له، فصمت فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة قال ما عندك تعطيها؟
قال: ما عندي إلا ازاري قال: ان أعطيتها ازارك جلست لا ازار لك، فالتمس شيئاً قال: ما أجد شيئاً فقال: قد زوّجناكها بما معك من القرآن» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إن وهبت نفسها للنبي ﴾ قال: فعلت ولم يفعل.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ قال: لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو ان امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ يقول: ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير ولي، ولا مهر، إلا للنبي صلى الله عليه وسلم كانت خاصة له صلى الله عليه وسلم من دون الناس، يزعمون أنها نزلت في ميمونة بنت الحارث؛ هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم...
﴾ قال: فرض الله أن لا تنكح امرأة إلا بولي، وصداق، وشهداء، ولا ينكح الرجل إلا أربعاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ﴾ قال: لا يجاوز الرجل أربع نسوة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ﴾ قال: فرض عليهم أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ﴾ قال: فرض عليهم أن لا نكاح إلا بولي، وشاهدين، ومهر.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ قال: جعله الله تعالى في حل من ذلك، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقسم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أنه قيل له: ان أبا موسى نهى حين فتح تستر أن لا توطأ الحبالى، ولا يشارك المشركون في أولادهم، فإن الماء يزيد في الولد أشيء قاله برأيه، أو شيء رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، أو حائل حتى تستبرأ.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من وطئ حبلى» .
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني وأبو داود وابن منيع والبغوي والباوردي وابن قانع والبيهقي والضياء عن أبي مورق مولى نجيب قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري نحو المغرب، ففتحنا قرية يقال لها: جربة.
فقام فينا خطيباً فقال: إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام فينا يوم خيبر قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: لما فتح تستر أصاب أبو موسى سبايا، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: أن لا يقع أحد على امرأة حبلى حتى تضع، ولا تشاركوا المشركين في أولادهم، فإن الماء تمام الولد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ الحامل حتى تضع، والحائل حتى تستبرأ بحيضة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً في غزوة غزاها: لا يطأ الرجل حاملاً حتى تضع، ولا حائلاً حتى تحيض» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر أن لا توطأ الحبالى حتى يضعن» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ذكر الله تعالى في هذه الآية أنواع النسوة والأنكحة التي أحلها (١) - مما يختص به ومما سواه الأمة (٢) وقوله: ﴿ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ قال المفسرون: يعني: مهورهن، والمعنى: أحللنا لك أزواجك اللاتي تزوجتهن بصداق (٣) ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يعني: الولائد: وهي مارية (٤) (٥) ﴿ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ أي: رجعه ورده إليك من الكفار بأن سبيته وملكته.
﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ ﴾ يعني: القرشيات (٦) ﴿ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ يعني نساء بني زهرة.
وهذا مما تساويه الأمة فيه إلا العدد في الحرائر دون الإماء.
قوله تعالى: ﴿ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ قال مقاتل: إلى المدينة فإن كانت (٧) (٨) (٩) - فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله عليه: ﴿ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ﴾ .
إلى قوله: ﴿ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ \[قال مقاتل\] (١٠) (١١) (١٢) قال صاحب النظم: نزلت هذه الآية قبل تحليل غير المهاجرات.
وقوله: ﴿ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً ﴾ عطف على ما سبق من المحللات قال ابن عباس: يريد مصدقة بتوحيد الله (١٣) - لأنه لو قيل: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهم في الكلام دليل أنه يجوز ذلك لغير النبي - - كما جاز في قوله: ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ ﴾ ؛ لأن بنات العم وبنات الخال يحللن للناس (١٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا ﴾ أي آثر نكاحها وأراد ذلك.
﴿ خَالِصَةً لَكَ ﴾ قال الفراء: (نصب على القطع يعني: هذه الخصلة يعني: النية في النكاح خالصة لك ورخصة) (١٥) وقال الزجاج: (خالصة منصوب على الحال، المعنى: إنا جعلنا لك هؤلاء وأحللنا لك من وهبت نفسها خالصة لك) (١٦) ﴿ خَالِصَةً لَكَ ﴾ أي: خاصة لك وخاصة أيضًا مصدر مثل خالصة أي خصوصًا لك ذلك من بين أمتك وهو قوله: ﴿ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وقال أبو عبيدة: (رجع عن الغائبة إلى المخاطبة والعرب تفعل ذلك كقول عنترة: سقت مزارها سفين ..
..
البيت) (١٧) قال الأزهري: الهبة كانت للنبي - - خاصة، ولا يحل لأحد أن تهب نفسها بغير شهود ولا ولي إلا للنبي - -.
وقال ابن عباس: لا يحل هذا لغيرك وهو لك حلال (١٨) قال المفسرون: هذا من خصائصه في النكاح وكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة من غير ولي ولا شهود، ولا ينعقد لأحد نكاح بلفظ الهبة (١٩) (٢٠) (٢١) - موهوبة أم لا؟
فمذهب ابن عباس في رواية عكرمة ومجاهد أنه لم يكن عند النبي - - امرأة إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وهذا شيء أباحه الله له، فإذا استباحه حل له (٢٢) وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، ثم اختلفوا، فقال عطاء عن ابن عباس: هي أم شريك العامرية (٢٣) (٢٤) وقال عروة: هي: خولة بنت حكيم (٢٥) وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال مقاتل: ثم أخبر الله عن المؤمنين فقال: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ ﴾ ألا يتزوجوا إلا أربع نسوة بمهر وبينة وهذا قول جميع المفسرين (٢٩) (٣٠) قوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: (ذلك اليمين لا يكون إلا ما يجوز سبيه) (٣١) وقال صاحب النظم: انتظمت هذه الآية مجاوزة الأربع للنبي - - والهبة، وكان له أن يصطفي من النبي من شاء نبه الله بهذا على من خصه به (٣٢) قوله -عز وجل-: ﴿ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ .
فيه تقديم، والمعنى: خالصة لك من دون المؤمنين كي لا يكون عليك، [أي: أحللنا لك ما ذكرنا لكي لا يكون عليك] (٣٣) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ في التزويج بغير مهر للنبي - - ﴿ رَحِيمًا ﴾ به في تحليل ذلك.
قاله مقاتل (٣٤) (١) في (ب): (أحلتها).
(٢) الأسلوب هنا فيه اضطراب، ولعل الصواب: دون ما سواه من الأمة.
(٣) انظر: "الطبري" 22/ 20 - 21، "الماوردي" 4/ 413، "زاد المسير" 6/ 403.
(٤) هي: مارية القطية مولاة رسول الله - - وأم ولده إبراهيم، أهداها للنبي - - المقوقس القبطي صاحب مصر، توفيت ا في خلافة عمر بن الخطاب سنة 16 هـ وصلى عليها عمر ودفنت بالبقيع.
انظر: "الاستيعاب" 4/ 396، "الإصابة" 4/ 391، "أسد الغابة" 5/ 5439.
(٥) هي: سرية رسول الله - واسمها: ريحانة بنت شمعون بن زيد بن قساعة من بني قريظة قتل زوجها في بني قريظة وكانت مع السبي، نفر لها رسول الله - - حينما عرض عليه النبي وأرسلها إلى بيت أم المنذر بنت قبس ثم دخل عليها وخيرها فاختارت الله ورسوله فأعتقها وتزوجها، ماتت ا سنة 10 هـ حينما رجع رسول الله - - من حجة الوداع.
انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 302، "أسد الغابة" 5/ 460.
(٦) في (ب): (القريشيات).
(٧) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب كما في "تفسير مقاتل" 94 أ: فإن كانت لم تهاجر.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.
(٩) هي: أم هانئ فاختة وقيل فاطمة وقيل هند والأول أشهر، بنت أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، ابنة عم النبي - - وأخت علي بن أبي طالب، أسلمت عام الفتح وهرب زوجها واسمه هبيرة بن أبي وهب إلى نجران، فلما انقضت عدتها خطبها النبي - - فقالت يا رسول الله؛ لأنت أحب إلى من سمعي ومن بصري وحق الزوج عظيم وأنا أضيع حق الزوج.
انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 479، "الإصابة" 4/ 479، "أسد الغابة" 5/ 624.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 22/ 20 - 21 ورواه الترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب 5/ 33 رقم الحديث (3266) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 420 وصححه ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 628 وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي.
(١٢) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 404، "مجمع البيان" 8/ 571.
(١٣) ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 571 غير منسوب لأحد.
(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" 2/ 345 مع اختلاف في العبارة.
(١٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.
(١٧) "مجاز القرآن" 2/ 139.
وهكذا ورد في النسخ!
وفي "مجاز القرآن" وكذا في بقية المراجع جاء البيت هكذا: == شطت مزار العاشقين فأصبحت ...
عسرا على طلابها ابنة مخرم وهو من الكامل، وهو لعنترة في "ديوانه" ص 19، "شعراء النصرانية" 6/ 809، "الكامل" 1/ 399، 2/ 729، "لسان العرب" 4/ 314 (زأر)، 336 (زور)، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 334 (شطط).
ومعى البيت: يقول: نزلت الحبيبة أرض أعدائي فأصبح طلبها عسيرًا علي.
وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب انظر: "جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام" 2/ 484.
(١٨) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 424، وذكر الطبري نحوه 22/ 21 ونسبه لمجاهد.
(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23 - 24، "تفسير الماوردي" 4/ 415، "تفسير زاد المسير" 6/ 405.
(٢٠) انظر: "الأم" 5/ 33، "المغني" 9/ 345.
(٢١) يروى هذا كما في "المغني" 9/ 345 عن ابن سيرين والقاسم بن والحسن محمد بن صالح وأبي يوسف.
(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "تفسير الماوردي" 4/ 414، "مجمع البيان" 8/ 571.
(٢٣) هي: أم شريك، واختلف في اسمها فقيل: غزيلة بالتصغير، ويقال عزية بتشديد الياء بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر، اختلف في نسبتها، فقيل: قرشية وقيل: عامرية وقيل: أنصارية.
يقول ابن حجر في "الإصابة": ويمكن الجمع بين الأقوال بأن يقال: هي قرشية تزوجت في دوس فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار فنسبت إلهم.
يقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي - -.
انظر: "الاستيعاب" 4/ 445، "الإصابة" 4/ 446، "أسد الغابة" 5/ 594.
(٢٤) انظر: "مجمع البيان" 8/ 571، ونسب القول لعلي بن الحسين والضحاك ومقاتل، وانظر أيضًا: "تفسير زاد المسير" 6/ 405 ولم ينسبه لأحد.
وذكره "الماوردي" أيضًا 4/ 414 ونسبه لعروة بن الزبير، وانظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.
(٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "مجمع البيان" 8/ 571، وذكره "الماوردي" 4/ 414، و"ابن الجوزي" 6/ 405 غير منسوب لأحد.
(٢٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 406 ونسبه لابن عباس.
(٢٧) هي: زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية زوج النبي - -، يقال لها: أم المساكين لكثرة إطعامها الطعام لهم، تزوجها رسول الله - - أدخل بها بعدما دخل بحفصة ا ثم لم تلبث فلنب عند رسول الله - - سوى شهرين أو ثلاثة حتى ماتت ا، ولم أجد عند من ترجموا لها من ذكر أنها وهبت نفسها للنبي - - والله أعلم.
انظر: "الاستيعاب" 4/ 305، "الإصابة" 4/ 309 "أسد الغابة" 5/ 466.
(٢٨) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 406.
(٢٩) انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.
(٣٠) انظر: "الطبري" 22/ 23 - 24، "الماوردي" 4/ 415، "زاد المسير" 6/ 406.
(٣١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.
(٣٢) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: على ما خصه به.
(٣٣) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).
(٣٤) انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ في معناها قولان أحدهما أن المراد أزواجه اللاتي في عصمته حينئذ، كعائشة وغيرها، وكان أعطاهن مهورهن، والآخر أن المراد جميع النساء، فأباح الله له أن يتزوج كل امرأة يعطى مهرها، وهذا أوسع من الأول ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ أباح الله له مع الأزاج السراري بملك اليمين ويعني بقوله: ﴿ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ ﴾ : الغنائم ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ﴾ يعني قرابته من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكان له عليه الصلاة والسلام أعمام وعمات إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه عليه الصلاة والسلام أخ ولا أخت، وإنما يعني بخاله وخالاته عشيرة أمه وهم بنو زهرة، ولذلك كانوا يقولون نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قال: إن المراد بقوله: ﴿ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ﴾ : من كانت في عصمته: فهو عطف عليهن، وإباحة لأن يتزوج قرابته زيادة على من كان في عصمته، ومن قال: إن المراد جميع النساء، فهو تجريد منهن على وجه التشريف بعد دخول هؤلاء في العموم ﴿ اللاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ تخصيص تحرز به ممن لم يهاجر، كالطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة ﴿ وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﴾ أباح الله له صلى الله عليه وسلم من وهبت له نفسها من النساء، واختلف هل وقع ذلك أم لا؟
فقال ابن عباس: لم تكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بنكاح أو ملك يمين، لا بهبة نفسها، ويؤيد هذا قراءة الجمهور إن هبت بكسر الهمزة إي إن وقع، وقيل: قد وقع ذلك، وهو على هذا القول قرئ ﴿ إِن وَهَبَتْ ﴾ بفتح الهمزة، واختلف على هذا القول فيمن هي التي وهبت نفسها فقيل: ميمونة بنت الحارث، وقيل زينب بنت خزيمة أم المساكين، وقيل: أم شريك الأنصارية، وقيل أم شريك العامرية.
﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ أي هبة المرأة نفسها مزية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وانظر كف رجع من الغيبة إلى الخطاب ليخص المخاطب وحده، وقيل: إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم، من النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم، لأن سائر المؤمنين قُصروا على أربع نسوة، وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك، ومذهب مالك أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد بخلاف أبي حنيفة، وإعراب: ﴿ خَالِصَةً ﴾ مصدر أو حال أو صفة لامرأة ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ ﴾ يعني أحكام النكاح من الصداق والوليّ والاقتصار على أربع وغير ذلك ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ يتعلق بالآية التي قبله أي: بينا أحكام النكاح لئلا يكون عليك حرج، أو لئلا يظن بك إنك فعلت ما لا يجوز، وقال الزمخشري: يتعلق بقوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ .
ذكر أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: كان بيني وبين عمتي كلام، فقلت: يوم أتزوج ابنتك فهي طالق ثلاثاً؛ فقال: تزوجها فهي لك حلال؛ أما تقرأ هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ...
﴾ الآية.
فجعل الطلاق بعد النكاح.
وعندنا: أنه إذا حلف: إن تزوجها فهي طالق؛ يكون طلاقاً بعد النكاح، وليس في الآية منع وقوع الطلاق إذا أضافه إلى ما بعد النكاح.
وقوله: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، يحتمل المماسة: الجماع، أي: من قبل أن تجامعوهن.
ويحتمل: من قبل أن تدخلوا بهن المكان الذي تماسّونهن؛ وإلا لو دخل بها المكان الذي يماسها، ثم طلقها يجب كمال الصداق، وإذا لم يجامعها، ولم يدخل المكان الذي يماسها حتى طلقها - وجب نصف الصداق؛ ويدل على ذلك قول الله حيث قال: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، والإفضاء ليس هو الجماع نفسه؛ ولكن الدنو منها والمسّ باليد أو شبهه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ .
هذا يدل على أن العدة من حق الزوج عليها؛ حيث قال: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ ، ولا يجوز له أن يجمع بين أختين فيما له من حق؛ فعلى ذلك ليس له أن يجمع بين الأختين في حق العدة التي له قبلها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ .
قال بعضهم: هذه المتعة منسوخة بالآية التي ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: هي التي وهبت نفسها بغير صداق، فإن لم يجب الصداق وجب المتعة.
وعندنا: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلا نصف الصداق، ولا يجب عليه المتعة وجوب حكم، لكن إن فعل ومتعها فهو أفضل وأحسن، وإن كان لم يفرض لها صداقاً حتى طلقها قبل الدخول بها؛ فهي واجبة على قدر عسره ويسره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يمتعها إذا سرحها.
وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يبذل لها الصداق.
وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يقول: لا تؤذوهن بألسنتكم إذا سرحتموهن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: ضمنت أجورهن وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ هو على القبول، تأويله: فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ ﴾ ليس على نفس الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت أجورهن وضمنت.
والثاني: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ ﴾ هن لك إذا ﴿ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن.
وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجراً؛ فيكون قوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعاً في النكاح؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة "الهبة"؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك - أيضاً - امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة فلا.
وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ذكرنا؛ وهو قوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له بـ"قد..."؛ فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة "الهبة"، ليست تلك في لفظة "التزويج"، يقول مكان قوله: ﴿ وَهَبَتْ ﴾ : "زوجت"؛ دل أن المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة "الهبة".
أو أن يكون قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ في الآخرة، أي: لا تحل لأحد سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأمّا أن يفهم من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بلفظة "الهبة" فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: "وهبت"، وبين أن تقول: "زوجت".
وبعد: فإن كثيراً من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد الله بن مسعود، وابن عباس وغيرهما - م - لم يفهموا من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ ﴾ بلفظة دون لفظة، حتى روي عن ابن عباس - - أنه قال في قوله: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ : "هن الموهوبات"، فما بال الشافعي في فهم ذلك ما ذكر؟!
وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة "الهبة" من البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .
أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضاً، ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ﴾ .
ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول الله ذكراً للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول.
أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ ؛ إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاغ: ما كان بنسب، وما كان بسبب، ثم قال: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ ؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ .
لم يفهم أحد من قوله: ﴿ هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ : الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ بل دخل في قوله: ﴿ مَعَكَ ﴾ من هاجر من قبل ومن بعد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ .
قال بعضهم: ما فرضنا على الناس، ﴿ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، وهن أربع نسوة لا تحل الزيادة على الأربع، ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ ، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة على ذلك وإن كثرن.
وقال بعضهم: كان مما فرض الله ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أي بينا ما يجوز وما لا يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج.
أو ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ : اختلف فيه: عن الحسن قال: كان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها النبي أو يتزوجها، وإذا ترك خطبتها كان لغيره أن يخطبها، ثم إذا خطبها رسول الله، لم يكن لأحد أن يخطبها بعد ذلك، إلا أن يترك خطبتها، أو كلام نحوه؛ فيصرف تأويل الآية إلى ما ذكرنا.
وكذلك يقول قتادة: إن الآية في الخطبة.
وقال بعضهم: هذا في قسمة الأيام بينهن كان يسوي بينهن قسمين، فوسع الله عليه في ذلك، فأحل له، فقال: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: من نسائه، أي: تترك من تشاء منهن، فلا تأتيها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ ، فتأتيها.
﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ ، يقول: ممن اخترت من نسائك أن تأتيها فعلت، فقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ على ترك القسم إذا علمن أن الله قد جعل لك ذلك حلالا، وأنزل فيهن الآية، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، إذا علمن أن الرخصة جاءت من الله - - له، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن من ترك ذلك.
وقال بعضهم: إن أزواج رسول الله اللاتي كن تحته خشين أن يطلقهن؛ فقلن: يا رسول الله، اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ولا تطلقنا؛ فنزل: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تعتزل من تشاء منهن أن تعتزل بغير طلاق، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ترد وتضم من تشاء منهن إليك؛ ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ .
وقال بعضهم: الآية في ترك نكاح ما أباح له من القرابات من يشاء منهن، وفي الإقدام على نكاح من يشاء منهن؛ لأنه على أثر ذلك ذكر، يقول: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، يعني: من بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا تزوجها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم إليك من تشاء منهن فتزوجها.
فنقول: خير الله رسوله في نكاح القرابة؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ ﴾ منهن فتزوجها، و ﴿ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: لا حرج عليك في ذلك؛ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ ﴾ ، يقول: أجدر وأحرى وأقرب ﴿ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ ، أي: النساء اللاتي عندك واخترتهن، ﴿ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ إذا علمن ألا تتزوج عليهن، ويرضين بما آتيتهن كلهن من النفقة، وكان في نفقتهن قلة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، ذلك حين خيرهن رسول الله بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة؛ فاخترن رسول الله، يقول - والله أعلم -: إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ عن قلة النفقة والجماع، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ من النفقة وغيره.
﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ﴾ ، من الحب والرضا، ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾ .
وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ .
قال قائلون: من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة؛ لأن الله لما خيرهن بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله والدار الآخرة قصره الله عليهن، فقال: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ أي: من بعد اختيارهن المقام معك.
﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ : فإن كان على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهنّ والمكافآت؛ لما اخترنه على الدنيا وما فيها؛ لئلا يشرك غيرهن في قَسْمِهِنَّ منه.
وروي عن عائشة - ا - أنها قالت: اشترطنا على رسول الله لما اخترناه والدار الآخرة: ألا يتزوج علينا، ولا يبدل بنا من أزواج.
ثم استثنى ما ملكت يمينه؛ لأنه لا حظ لهن في القسم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المسلمات: كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات: ألا يتزوج يهودية ولا نصرانية؛ فتكون من أمّهات المؤمنين، ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ أي: لا بأس أن تشتري اليهودية والنصرانية؛ فإن كان على هذا، ففيه حظر الكتابيات لرسول الله لما ذكر خاصّة، وأمّا المؤمنون: فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات؛ بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ؛ فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المذكورات المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات؛ يقول: لا يحل لك من النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا تبديلهن، ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ﴾ أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة.
أو أن يكون على التحريم نفسه في الحكم، وليس لنا أن نفسّر أي تحريم أراد؟
تحريم الحظر والمنع في الخلق، أو تحريم الحكم؛ لأن ذلك كان لرسول الله ، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل.
والتبديل بهن يحتمل في التطليق: يطلقهن، فيتزوج غيرهن.
ويحتمل بالموت: إذا متن - أيضاً - لم يحل له أن ينكح غيرهن، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تحبس من تشاء منهن ولا تقربها.
وقال القتبي: ﴿ تُرْجِي ﴾ ، أي: تؤخر؛ يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ ، قال بعضهم: احسبه.
وقال بعضهم: أخره.
وقوله: ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ﴾ ، أي: حفيظاً، وقيل: شاهداً.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها النبي، إنا أبحنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهنّ مهورهنّ، وأحللنا لك ما ملكتَ من الإماء مما أفاء الله به عليك من السبايا، وأحللنا لك نكاح بنات عمك، ونكاح بنات عماتك، ونكاح بنات خالك، ونكاح بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك من مكة إلى المدينة، وأحللنا لك أن تنكح امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك من غير مهر إن أردت أن تنكحها، ونكاح الهبة خاص به لا يجوز لغيره من الأمة، قد علمنا ما أوجبناه على المؤمنين في شأن زوجاتهم حيث لا يجوز لهم أن يتجاوزوا أربع نسوة، وما شرعناه لهم في شأن إمائهم حيث إن لهم أن يستمتعوا بمن شاؤوا منهنّ دون تقييد بعدد، وأبحنا لك ما أبحنا مما ذُكِر مما لم نبحه لغيرك؛ لئلا يكون عليك ضيق ومشقة، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده، رحيمًا بهم.
من فوائد الآيات الصبر على الأذى من صفات الداعية الناجح.
يُنْدَب للزوج أن يعطي مطلقته قبل الدخول بها بعض المال جبرًا لخاطرها.
خصوصية النبي بجواز نكاح الهبة، وإن لم يحدث منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.8bJBg"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.