الآية ٥١ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥١ من سورة الأحزاب

۞ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُـْٔوِىٓ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ۖ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًۭا ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 172 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، رضي الله عنها; أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق ؟

فأنزل الله ، عز وجل : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ) ، قالت : إني أرى ربك يسارع في هواك .

وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، فدل هذا على أن المراد بقوله : ( ترجي ) أي : تؤخر ( من تشاء منهن ) أي : من الواهبات [ أنفسهن ] ( وتؤوي إليك من تشاء ) أي : من شئت قبلتها ، ومن شئت رددتها ، ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك ، إن شئت عدت فيها فآويتها; ولهذا قال : ( ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ) .

قال عامر الشعبي في قوله : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ) : كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده ، منهن أم شريك .

وقال آخرون : بل المراد بقوله : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ) أي : من أزواجك ، لا حرج عليك أن تترك القسم لهن ، فتقدم من شئت ، وتؤخر من شئت ، وتجامع من شئت ، وتترك من شئت .

هكذا يروى عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وأبي رزين ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم ، ومع هذا كان صلوات الله وسلامه عليه يقسم لهن; ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه ، صلوات الله وسلامه عليه ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة .

وقال البخاري : حدثنا حبان بن موسى ، حدثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أخبرنا عاصم الأحول ، عن معاذة عن عائشة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ) ، فقلت لها : ما كنت تقولين ؟

فقالت : كنت أقول : إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا .

فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم ، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات ، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللاتي عنده ، أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم .

وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي ، وفيه جمع بين الأحاديث; ولهذا قال تعالى : ( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ) أي : إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم ، فإن شئت قسمت ، وإن شئت لم تقسم ، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت ، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارا منك لا أنه على سبيل الوجوب ، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك في ذلك ، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن .

وقوله : ( والله يعلم ما في قلوبكم ) أي : من الميل إلى بعضهن دون بعض ، مما لا يمكن دفعه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ، ثم يقول : " اللهم هذا فعلي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " .

ورواه أهل السنن الأربعة ، من حديث حماد بن سلمة - وزاد أبو داود بعد قوله : فلا تلمني فيما تملك ولا أملك : يعني القلب .

وإسناده صحيح ، ورجاله كلهم ثقات .

ولهذا عقب ذلك بقوله : ( وكان الله عليما ) أي : بضمائر السرائر ، ( حليما ) أي : يحلم ويغفر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) فقال بعضهم: عنى بقوله: ترجي: تؤخِّر، وبقوله: تُؤْوي: تضمَّ.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) يقول: تؤخر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) قال: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) قال: تردها إليك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، وكان نبي الله يقسم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن أَبي رزين ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: لما أشفقن أن يطلقهن، قلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) فما شاء صنع في القسمة بين النساء، أحل الله له ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أَبي رزين في قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) وكان ممن آوى إليه عليه الصلاة والسلام: عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة؛ فكان قسمه من نفسه لهن سوى &; 20-292 &; قسمه.

وكان ممن أرجى: سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة؛ فكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد أن يفارقهن، فقلن له: اقسم لنا من نفسك ما شئت، ودعنا نكون على حالنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: تطلق وتخلي سبيل من شئت من نسائك، وتمسك من شئت منهن فلا تطلق.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) أمهات المؤمنين ( وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) يعني: نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ويعني بالإرجاء: يقول: من شئت خليت سبيله منهن.

ويعني بالإيواء: يقول: من أحببت أمسكت منهن.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: كان نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها.

وقيل: إن ذلك إنما جعل الله لنبيه حين غار بعضهن على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وطلب بعضهن من النفقة زيادة على الذي كان يعطيها، فأمره الله أن يخيرهن بين الدار الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختار الحياة الدنيا وزينتها، ويمسك من اختار الله ورسوله.

فلما اخترن الله ورسوله قيل لهن: اقررن الآن على الرضا بالله وبرسوله؛ قسم لكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أو لم يقسم، أو قسم لبعضكن ولم يقسم لبعضكن، وفضل بعضكن &; 20-293 &; على بعض في النفقة أو لم يفضل، سوى بينكن أو لم يسو، فإن الأمر في ذلك إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ليس لكم من ذلك شيء، وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما ذكر مع ما جعل الله له من ذلك يسوي بينهن في القسم، إلا امرأة منهن أراد طلاقها فرضيت بترك القسم لها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أَبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أَبي رزين قال: لما أراد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يطلق أزواجه، قلن له: افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره الله فآوى أربعا، وأرجي خمسًا.

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبيدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل حتى أنـزل الله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) فقلت: إن ربك ليسارع في هواك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر؛ يعني العبدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقالت: أما تستحي امرأة أن تعرض نفسها بغير صداق، فنـزلت، أو فأنـزل الله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) فقلت: إني لأرى ربك يسارع لك في هواك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ...) الآية.

قال: كان أزواجه قد تغايرن على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فهجرهن شهرًا، ثم نـزل التخيير من الله له فيهن، فقرأ حتى بلغ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فخيرهن بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرحهن، وبين أن يقمن إن أردن الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ممن وهبت نفسها له، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل فلا جناح عليه ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين إذا علمن أنه من قضائي عليهن إيثار بعضهن على بعض (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ) يرضين، قال (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ) من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيرهن بين أن يرضين بهذا، أو يفارقهن، فاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت، وكان على ذلك صلوات الله عليه، وقد شرط الله له هذا الشرط، ما زال يعدل بينهن حتى لقي الله.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره جعل لنبيه أن يرجي من النساء اللواتي أحلهن له من يشاء، ويؤوي إليه منهن من يشاء، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كن في حباله عندما نـزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهن.

إذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء ممن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو ممن هن في حبالك؛ فلا تقربها.

وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك أو أردت من النساء اللاتي أحللت لك نكاحهن؛ فتقبلها أو تنكحها، وممن هي في حبالك؛ فتجامعها إذا شئت وتتركها إذا شئت بغير قسم.

وقوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك ومن نكحت من نسائك فجامعت ممن لم تنكح، فعزلته عن الجماع، فلا جناح عليك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) قال: جميعا هذه في نسائه؛ إن شاء أتى من شاء منهن، ولا جناح عليه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) قال: ومن ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن استبدلت ممن أرجيت، فخليت سبيله من نسائك، أو ممن مات منهن ممن أحللت لك فلا جناح عليك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) يعني بذلك: النساء اللاتي أحل الله له من بنات العم والعمة والخال والخالة اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ يقول: إن مات من نسائك اللاتي عندك أحد، أو خليت سبيله، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي هن عندك، أو خليت سبيله منهن، ولا يصلح لك أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئًا.

وأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من قال: معنى ذلك: ومن ابتغيت إصابته من نسائك (مِمَّنْ عَزَلَتْ) عن ذلك منهن ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) لدلالة قوله ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ) على صحة ذلك، لأنه لا معنى لأن تقر أعينهن إذا هو صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم استبدل بالميتة أو المطلقة منهن، إلا أن يعني بذلك: ذلك أدنى أن تقر أعين المنكوحة منهن، وذلك مما يدل عليه ظاهر التنـزيل بعيد.

وقوله ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ ) يقول: هذا الذي جعلت لك يا محمد من إذني لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتي جعلت لك إرجاءهن، وتؤوي من تشاء منهن، ووضعي عنك الحرج في ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك، وعزلك عن ذلك من عزلت منهن، أقرب لنسائك أن تقر أعينهن به ولا يحزنَّ، ويرضين بما آتيتهن كلهن من تفضيل من فضلت من قسم، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك على غيره من نسائك، إذا هن علمن أنه من رضاي منك بذلك، وإذني لك به، وإطلاق مني لا من قبلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ذلك، نحوه.

والصواب من القراءة في قوله (بِمَا آتيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) الرفع غير جائز غيره عندنا، وذلك أن كلهن ليس بنعت للهاء في قوله (آتيْتَهُنَّ) ، وإنما معنى الكلام: ويرضين كلهن، فإنما هو توكيد لما في يرضين من ذكر النساء، وإذا جعل توكيدًا للهاء التي في آتيتهن لم يكن له معنى، والقراءة بنصبه غير جائزة لذلك، ولإجماع الحجة من القراء على تخطئة قارئه كذلك.

وقوله ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وضع عنك من ابتغاء من ابتغيت منهن، ممن عزلت تفضلا منه عليك بذلك وتكرمة (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) يقول: وكان الله ذا علم بأعمال عباده، وغير ذلك من الأشياء كلها(حَلِيمًا) يقول: ذا حلم على عباده، أن يعاجل أهل الذنوب منهم بالعقوبة، ولكنه ذو حلم وأناة عنهم ليتوب من تاب منهم، وينيب من ذنوبه من أناب منهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما .فيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ترجي من تشاء قرئ مهموزا وغير مهموز ، وهما لغتان ، يقال : أرجيت الأمر وأرجأته إذا أخرته .

وتئوي تضم ، يقال : آوى إليه .

( ممدودة الألف ) ضم إليه .

وأوى ( مقصورة الألف ) انضم إليه .الثانية : واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، وأصح ما قيل فيها .

التوسعة على النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القسم ، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته .

وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى ، وهو الذي ثبت معناه في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كنت أغار على [ ص: 195 ] اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول : أوتهب المرأة نفسها لرجل ؟

فلما أنزل الله عز وجل ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت قالت : قلت والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .

قال ابن العربي : هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه .

والمعنى المراد : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في أزواجه ، إن شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك .

فخص النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعل الأمر إليه فيه ، لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون أن يفرض ذلك عليه ، تطييبا لنفوسهن ، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي .

وقيل : كان القسم واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية .

قال أبو رزين : كان رسول الله قد هم بطلاق بعض نسائه فقلن له : اقسم لنا ما شئت .

فكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب ، فكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن .

وكان ممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية ، فكان يقسم لهن ما شاء .

وقيل : المراد الواهبات .

روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله : ترجي من تشاء منهن قالت : هذا في الواهبات أنفسهن .

قال الشعبي : هن الواهبات أنفسهن ، تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن وترك منهن .

وقال الزهري : ما علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ أحدا من أزواجه ، بل آواهن كلهن .

وقال ابن عباس وغيره : المعنى في طلاق من شاء ممن حصل في عصمته ، وإمساك من شاء .

وقيل غير هذا .

وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإباحة .

وما اخترناه أصح والله أعلم .الثالثة : ذهب هبة الله في الناسخ والمنسوخ إلى أن قوله : ترجي من تشاء الآية ، ناسخ لقوله : لا يحل لك النساء من بعد الآية .

وقال : ليس في كتاب الله ناسخ تقدم المنسوخ سوى هذا .

وكلامه يضعف من جهات .

وفي ( البقرة ) عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر ، وهو ناسخ للحول وقد تقدم عليه .الرابعة : قوله تعالى : ومن ابتغيت ممن عزلت ( ابتغيت ) طلبت ، والابتغاء الطلب .

و ( عزلت ) أزلت ، والعزلة الإزالة ، أي إن أردت أن تئوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمها إليك فلا بأس عليك في ذلك .

كذلك حكم الإرجاء ، فدل أحد الطرفين على الثاني .[ ص: 196 ] الخامسة : قوله تعالى : فلا جناح عليك أي لا ميل ، يقال : جنحت السفينة أي مالت إلى الأرض .

أي لا ميل عليك باللوم والتوبيخ .السادسة : قوله تعالى : ذلك أدنى أن تقر أعينهن قال قتادة وغيره : أي ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا ، لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرت أعينهن بذلك ورضين ؛ لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيا بما أوتي منه وإن قل .

وإن علم أن له حقا لم يقنعه ما أوتي منه ، واشتدت غيرته عليه وعظم حرصه فيه .

فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه ، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن ، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه وقرئ : ( تقر أعينهن ) بضم التاء ونصب الأعين .

و ( تقر أعينهن ) على البناء للمفعول .

وكان عليه السلام مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن كما قدمناه ويقول : اللهم هذه قدرتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني قلبه ، لإيثاره عائشة رضي الله عنها دون أن يكون يظهر ذلك في شيء من فعله .

وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه ، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة .

قالت عائشة : أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها - يعني في بيت عائشة - فأذن له .

.

الحديث ، خرجه الصحيح .

وفي الصحيح أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد ، يقول : أين أنا اليوم أين أنا غدا استبطاء ليوم عائشة رضي الله عنها .

قالت : فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري ، صلى الله عليه وسلم .السابعة : على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة ، هذا قول عامة العلماء .

وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار .

ولا يسقط حق الزوجة مرضها [ ص: 197 ] ولا حيضها ، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته ، إلا أن يعجز عن الحركة فيقيم حيث غلب عليه المرض ، فإذا صح استأنف القسم .

والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء .

قال عبد الملك : للحرة ليلتان وللأمة ليلة .

وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر ، ولا حظ لهن فيه .الثامنة : ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن ، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة .

واختلف في دخوله لحاجة وضرورة ، فالأكثرون على جوازه ، مالك وغيره .

وفي كتاب ابن حبيب منعه .

وروى ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ، فإذا كان يوم هذه لم يشرب من بيت الأخرى الماء .

قال ابن بكير : وحدثنا مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ماتتا في الطاعون .

فأسهم بينهما أيهما تدلى أولا .التاسعة : قال مالك : ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال ، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب .

وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل .

فأما الحب والبغض فخارجان عن الكسب فلا يتأتى العدل فيهما ، وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم في قسمه اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك .

أخرجه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها .

وفي كتاب أبي داود ( يعني القلب ) ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم وقوله تعالى : والله يعلم ما في قلوبكم .

وهذا هو وجه تخصيصه بالذكر هنا ، تنبيها منه لنا على أنه يعلم ما في قلوبنا من ميل بعضنا إلى بعض من عندنا من النساء دون بعض ، وهو العالم بكل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم السر وأخفى لكنه سمح في ذلك ، إذ لا يستطيع العبد أن يصرف قلبه عن ذلك الميل ، وإلى ذلك يعود قوله : وكان الله غفورا رحيما .

وقد قيل في قوله : ذلك أدنى أن تقر أعينهن وهي :العاشرة : أي ذلك أقرب ألا يحزن إذا لم يجمع إحداهن مع الأخرى ويعاين الأثرة والميل .

وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كانت له امرأتان فمال إلى [ ص: 198 ] إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ويرضين بما آتيتهن كلهن توكيد للضمير ، أي ويرضين كلهن .

وأجاز أبو حاتم والزجاج ويرضين بما آتيتهن كلهن على التوكيد للمضمر الذي في ( آتيتهن ) .

والفراء لا يجيزه ؛ لأن المعنى ليس عليه ، إذ كان المعنى وترضى كل واحدة منهن ، وليس المعنى بما أعطيتهن كلهن .

النحاس : والذي قاله حسن .الحادية عشرة : قوله تعالى : والله يعلم ما في قلوبكم خبر عام ، والإشارة إلى ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص .

وكذلك يدخل في المعنى أيضا المؤمنون .

وفي البخاري عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل ، فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟

فقال : ( عائشة ) فقلت : من الرجال ؟

قال : ( أبوها ) قلت : ثم من ؟

قال : ( عمر بن الخطاب .

.

) فعد رجالا .

وقد تقدم القول في القلب بما فيه كفاية في أول ( البقرة ) ، وفي أول هذه السورة .

يروى أن لقمان الحكيم كان عبدا نجارا قال له سيده : اذبح شاة وائتني بأطيبها بضعتين ، فأتاه باللسان والقلب .

ثم أمره بذبح شاة أخرى فقال له : ألق أخبثها بضعتين ، فألقى اللسان والقلب .

فقال : أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين فأتيتني باللسان والقلب ، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين فألقيت اللسان والقلب ؟

فقال : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا أيضًا من توسعة اللّه على رسوله ورحمته به، أن أباح له ترك القسم بين زوجاته، على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك، فهو تبرع منه، ومع ذلك، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم يجتهد في القسم بينهن في كل شيء، ويقول "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" .فقال هنا: { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } [أي: تؤخر من أردت من زوجاتك فلا تؤويها إليك، ولا تبيت عندها { وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } أي: تضمها وتبيت عندها.{ و } مع ذلك لا يتعين هذا الأمر { مَنِ ابْتَغَيْتَ } أي: أن تؤويها { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ } والمعنى أن الخيرة بيدك في ذلك كله ،وقال كثير من المفسرين: إن هذا خاص بالواهبات، له أن يرجي من يشاء، ويؤوي من يشاء، أي: إن شاء قبل من وهبت نفسها له، وإن شاء لم يقبلها، واللّه أعلم ثم بين الحكمة في ذلك فقال: { ذَلِكَ } أي: التوسعة عليك، وكون الأمر راجعًا إليك وبيدك، وكون ما جاء منك إليهن تبرعًا منك { أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } لعلمهن أنك لم تترك واجبًا، ولم تفرط في حق لازم.{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } أي: ما يعرض لها عند أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، وعند المزاحمة في الحقوق، فلذلك شرع لك التوسعة يا رسول اللّه، لتطمئن قلوب زوجاتك.{ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: واسع العلم، كثير الحلم.

ومن علمه، أن شرع لكم ما هو أصلح لأموركم، وأكثر لأجوركم.

ومن حلمه، أن لم يعاقبكم بما صدر منكم، وما أصرت عليه قلوبكم من الشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ترجي ) أي : تؤخر ( من تشاء منهن وتؤوي ) أي : تضم ( إليك من تشاء ) اختلف المفسرون في معنى الآية : فأشهر الأقاويل أنه في القسم بينهن ، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبا عليه ، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن .

قال أبو رزين ، وابن زيد نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب بعضهن زيادة النفقة ، فهجرهن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرا حتى نزلت آية التخيير ، فأمره الله - عز وجل - أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت الله ورسوله والدار الآخرة ، على أنهن أمهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا ، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ، ويرجي من يشاء ، فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم ، أو قسم لبعضهن دون بعض ، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة ، فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء ، وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط .

واختلفوا في أنه هل أخرج أحدا منهم عن القسم ؟

فقال بعضهم : لم يخرج أحدا ، بل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما جعله الله له من ذلك - يسوي بينهن في القسم إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم ، وجعلت يومها لعائشة .

وقيل : أخرج بعضهن .

روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال : لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقهن ، فقلن : يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا ، فنزلت هذه الآية ، فأرجى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضهن وآوى إليه بعضهن ، وكان ممن آوى إليه عائشة ، وحفصة ، وزينب ، وأم سلمة ، فكان يقسم بينهن سواء ، وأرجى منهن خمسا : أم حبيبة ، وميمونة ، وسودة ، وصفية وجويرية ، فكان يقسم لهن ما شاء .

وقال مجاهد : " ترجي من تشاء منهن " يعني : تعزل من تشاء منهن بغير طلاق ، وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد .

وقال ابن عباس : تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء .

وقال الحسن : تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك .

وقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن سلام ، أخبرنا ابن فضيل ، أخبرنا هشام عن أبيه قال : كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت عائشة : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل ؟

فلما نزلت : ( ترجي من تشاء منهن ) قلت : يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .

قوله - عز وجل - : ( ومن ابتغيت ممن عزلت ) أي : طلبت وأردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن عن القسم ( فلا جناح عليك ) لا إثم عليك ، فأباح الله له ترك القسم لهن حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها ، ويرد إلى فراشه من عزلها تفضيلا له على سائر الرجال ( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ) أي : التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله - عز وجل - ( ويرضين بما آتيتهن ) أعطيتهن ) ( كلهن ) من تقرير وإرجاء وعزل وإيواء ( والله يعلم ما في قلوبكم ) من أمر النساء والميل إلى بعضهن ( وكان الله عليما حليما )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ترجئ» بالهمزة والياء بدله تؤخر «من تشاء منهنَّ» أي أزواجك عن نوبتها «وتؤوي» تضم «إليك من تشاء» منهن فتأتيها «ومن ابتغيت» طلبت «ممن عزلت» من القسمة «فلا جُناح عليك» في طلبها وضمها إليك خُيِّر في ذلك بعد أن كان القسم واجبا عليه «ذلك» التخيير «أدنى» أقرب إلى «أن تقرَّ أعينهنَّ ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن» ما ذكر المخيّر فيه «كلهن» تأكيد للفاعل في يرضين «والله يعلم ما في قلوبكم» من أمر النساء والميل إلى بعضهن، وإنما خيَّرناك فيهن تيسيرا عليك في كل ما أردت «وكان الله عليما» بخلقه «حليما» عن عقابهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

تؤخر مَن تشاء مِن نسائك في القَسْم في المبيت، وتضم إليك مَن تشاء منهن، ومَن طَلَبْتَ ممن أخَّرت قَسْمها، فلا إثم عليك في هذا، ذلك التخيير أقرب إلى أن يفرحن ولا يحزنَّ، ويرضين كلهن بما قسمت لهنَّ، والله يعلم ما في قلوب الرجال مِن مَيْلها إلى بعض النساء دون بعض.

وكان الله عليمًا بما في القلوب، حليمًا لا يعجل بالعقوبة على من عصاه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - عز وجل - ( تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ) شروع فى بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى معاشرته لنسائه ، بعد بيان ما أحله له من النساء .وقوله : ( تُرْجِي ) من الإِرجاء بمعنى التأخير والتنحية ، وقرئ مهموزا وغير مهموز .

تقول : أرجيت الأمر وأرجأته ، إذا أخرته ، ونحيته جانبا حتى يحين موعده المناسب .وقوله : ( وتؤوي ) من الإِيواء بمعنى الضمر والتقريب ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ .

.

) أى : ضمة إليه وقربه منه .والضمير فى قوله ( مِنْهُنَّ ) يعود إلى زوجاته صلى الله عليه وسلم اللائى كن فى عصمته .قال القرطبى ما ملخصه : واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، وأصح ما قيل فيها : التوسعة على النبى صلى الله عليه وسلم فى ترك القَسْم ، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته .وهذا القول هو الذى يناسب ما مضى ، وهو الذى ثبت معناه فى الصحيح ، عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول : أو تهب المرأة نفسها لرجل؟

فلما أنزل الله - تعالى - : ( تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ .

.

.

) .قالت : قلت : والله ما رأى ربك إلا يسارع فى هواك .قال ابن العربى : هذا الذى ثبت فى الصحيح هو الذى ينبغى أن يعول عليه .

والمعنى المراد : هو أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مخيرا فى أزواجه ، إن شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك .

لكنه كان يقسم من جهة نفسه ، تطييبا لنفوس أزواجه .وقيل كان القسم واجبا عليه ثم نسخ الوجوب بهذه الآية .وقيل : الآية فى الطلاق .

أى : تطلق من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء .وقيل : المراد بالآية : الواهبات أنفسهن له صلى الله عليه وسلم .ثم قال القرطبى : وعلى كل معنى ، فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإِباحة ، وما اخترناه أصح والله أعلم .أى : لقد وسعنا عليك - أيها الرسول الكريم - فى معاشرة نسائك ، فأبحنا لك أن تؤخر المبيت عند من شئت منهن ، وأن تضم إليك من شئت منهن ، بدون التقيد بوجوب القسم بينهن ، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل بين الأزواج فى البيوتة وما يشبهها .ومع هذا التكريم من الله - تعالى - لنبيه ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه؟

عدا السيدة سودة ، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة .

.أخرج البخارى عن عائشة رضى الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يستأذن فى يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن .

.فقيل : لها ما كنت تقولين؟

فقالت : كنت أقول : إن كان ذاك إليَّ فإنى لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا .وقوله - تعالى - : ( وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ) .

زيادة فى التوسعة عليه صلى الله عليه وسلم وفى ترك الأمر لإرادته واختياره .أى : أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين نسائك ، وأن تترك القسمة بينهن ، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك فى كل ذلك .

بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك .فالابتغاء بمعنى الطلب ، وعزلت اجتنبت واعتزلت وابتعدت ، و ( مَّنْ ) شرطية ، وجوابها : ( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ) أى : فلا حرج ولا إثم عليك فى عدم القسمة بين أزواجك ، وفى طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها .قال الشوكانى : والحاصل أن الله - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كى يصنع مع زوجاته ما شاء ، من تقديم وتأخير ، وعزل وإمساك ، وضم من أرجأ ، وإرجاء من ضم إليه ، وما شاء فى أمرهن فعل توسعة عليه ، ونفيا للحرج عنه .وإسم الإشارة فى قوله : ( ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ .

.

.

) يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإِرجاء والإِيواء إلى النبى صلى الله عليه وسلم .وأدنى بمعنى أقرب .

( تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ) كناية عن تقبل ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس .

يقال قرت عين فلان ، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته ، مأخوذ من ا لقرار بمعنى الاستقرار والسكون .

.وقوله : ( وَلاَ يَحْزَنَّ ) معطوف على ( أَن تَقَرَّ ) وقوله ( وَيَرْضَيْنَ ) معطوف عليه - أيضا - .والمعنى ، ذلك شرعناه لكل من تفويض الأمر اليك فى شأن أزاجك ، أقرب إلى رضى نفوسهن لما تصنعه معهن ، واقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن ، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو من الله - تعالى - وليس باجتهاد منك ، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء ويت بينهن فى القسم والبيتوتة والمجامعة .

.

أم لم تسو .قال القرطبى : قال قتادة وغيره : أى : ذلك التخيير ذلك خيرناك فى حصبتهن أدنى إلى رضاهن ، إذ كان من عندنا - لا من عندك - ، لأنهن إذا علمت أن الفعل من الله قرت أعينهن بذلك ورضين .

.وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على نفسه فى رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ويقول : " اللهم هذه قدرتى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك " .وقوله - سبحانه - ( والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ) خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ولأزواجه ، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور للتغليب .أى : والله - تعالى - يعلم ما فى قلوبكم من حب وبغض ، ومن ميل إلى شئ ، ومن عدم الميل إلى شئ آخر .قال صاحب الكشاف : وفى هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله - تعالى - من ذلك ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافى بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسولا لله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه .( وَكَانَ الله ) - تعالى - ( عَلِيماً ) بكل ما تظهره القلوب وما تسره ( حَلِيماً ) حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإرشاد والتعليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ .

لما بين أنه أحل له ما ذكرنا من الأزواج بين أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن حتى يجتمع كيف يشاء ولا يجب عليه القسم، وذلك لأن النبي عليه السلام بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع والرجل وإن لم يكن نبياً فالزوجة في ملك نكاحه والنكاح عليها رق، فكيف زوجات النبي عليه السلام بالنسبة إليه، فإذن هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات، والإرجاء التأخير والإيواء الضم ﴿ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها فلا جناح عليك في شيء من ذلك ومن قال بأن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى المفهوم من الآية قال المراد: ﴿ تُرْجِى مَن تَشَاء ﴾ أي تؤخرهن إذا شئت إذ لا يجب القسم في الأول وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن، وإن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ .

يعني إذا لم يجب عليك القسم وأنت لا تترك القسم ﴿ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ لتسويتك بينهن ﴿ ولا يحزن ﴾ بخلاف ما لو وجب عليك ذلك، فليلة تكون عند إحداهن تقول ما جاءني لهوى قلبه إنما جاءني لأمر الله وإيجابه عليه ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ ﴾ من الإرجاء والإيواء إذ ليس لهن عليك شيء حتى لا يرضين.

ثم قال تعالى: ﴿ والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَلِيماً ﴾ .

أي إن أضمرن خلاف ما أظهرن فالله يعلم ضمائر القلوب فإنه عليم، فإن لم يعاتبهن في الحال فلا يغتررن فإنه حليم لا يعجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ مهورهنّ: لأنّ المهر أجر على البضع.

وإيتاؤها: إما إعطاؤها عاجلاً.

وإما فرضها وتسميتها في العقد.

فإن قلت: لم قال: ﴿ الاتي ءَاتيْتَ أُجُورَهنَّ ﴾ و ﴿ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ ﴾ و ﴿ الاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ وما فائدة هذه التخصيصات؟

قلت: قد اختار الله لرسوله الأفضل الأولى، واستحبه بالأطيب الأزكى، كما اختصه بغيرها من الخصائص، وآثره بما سواها من الأثر، وذلك أن تسمية المهر في العقد أولى وأفضل من ترك التسمية، وإن وقع العقد جائزاً؛ وله أن يماسها وعليه مهر المثل إن دخل بها، والمتعة إن لم يدخل بها.

وسوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن يسميه ويؤجله، وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم غيره.

وكذلك الجارية إذا كانت سبية مالكها، وخطبة سيفه ورمحه، ومما غنمه الله من دار الحرب أحلّ وأطيب مما يشتري من شقّ الجلب.

والسبي على ضربين: سبي طيبة، وسبي خبيثة: فسبي الطيبة: ما سبي من أهل الحرب.

وأما من كان له عهد فالمسبي منهم سبي خبيثة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلاّ على الطيب دون الخبيث، كما أنّ رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرائبه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وعن أم هانئ، بنت أبي طالب: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية، فلم أحلّ له؛ لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.

وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها ولا تطلب مهراً من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك، ولذلك نكرها.

واختلف في اتفاق ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منهنّ بالهبة.

وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحرث، وزينب بنت خزيمة أمّ المساكين الأنصارية، وأمّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم- رضي الله عنهنّ.

قرئ: ﴿ إِن وَهَبَتْ ﴾ على الشرط.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ أن ﴾ بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام.

ويجوز أن يكون مصدراً محذوفاً معه الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالساً، بمعنى دوامه جالساً، ووقت هبتها نفسها.

وقرأ ابن مسعود بغير أن.

فإن قلت: ما معنى الشرط الثاني مع الأوّل؟

قلت: هو تقييد له شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة: إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأنّ إرادته هي قبول الهبة وما به تتمّ.

فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ النبى ﴾ ثم رجع إلى الخطاب؟

قلت: للإيذان بأنه مما خصّ به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوّة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوّته، واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّته سواء في الأحكام إلاّ فيما خصّه الدليل، وقال الشافعي: لا يصحّ، وقد خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعاً؛ لأنّ اللفظ تابع للمعنى، والمدعي للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل.

وقال أَبو الحسن الكرخي: إن عقدالنكاح بلفظ الإجارة جائز، لقوله تعالى: ﴿ الاتي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ وقال أبو بكر الرازي: لا يصحّ: لأنّ الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان ﴿ خَالِصَةً ﴾ مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله، أي: خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصاً، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج والقاعد، والعافية والكاذبة.

والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصة برسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التوكيد لها قوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ بعد قوله: ﴿ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ وهي جملة اعتراضية، وقوله: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ متصل بخالصة لك من دون المؤمنين، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية أنّ الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أي حدّ وصفه يجب أن يفرض عليهم ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اختصّه به ففعل؛ ومعنى: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ لئلا يكون عليك ضيق في دينك: حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك: حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات وزدنا لك الواهبة نفسها.

وقرئ: ﴿ خالصة ﴾ بالرفع، أي: ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين ومن جعل خالصة نعتاً للمرأة، فعلى مذهبه: هذه المرأة خالصة لك من دونهم ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ للواقع في الحرج إذا تاب ﴿ رَّحِيماً ﴾ بالتوسعة على عباده.

روي أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هجرهنّ شهراً، ونزل التخيير، فأشفقن أنّ يطلقهنّ، فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت.

وروي: أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أرى ربك يسارع في هواك.

﴿ تُرْجِى ﴾ بهمز وغير همز: تؤخر ﴿ وَتُئْوِى ﴾ تضمّ، يعني: تترك مضاجعة من تشاء منهن.

وتضاجع من تشاء.

أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء.

أو تقسم لأيتهنّ شئت، وتقسم لمن شئت.

أو تترك تزوّج من شئت من نساء أمّتك، وتتزوج من شئت.

وعن الحسن رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك؛ فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم.

وإذا طلق وعزل، فإما أنّ تخلي المعزولة لا يبتغيها، أو يبتغيها.

روي: أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله عنهنّ أرجى خمسة وآوى أربعة.

وروي: أنه كان يسوّي مع ما أطلق له وخير فيه إلاّ سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك ﴿ ذَلِكَ ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً؛ لأنه إذا سوّى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء.

وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهنّ مما تريد ومما لا تريد إلاّ مثل ما للأخرى.

وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله بوحيه- اطمأنت نفوسهن وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا وقرّت العيون، وسلت القلوب ﴿ والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ﴾ فيه وعيدٌ لمن لم ترضَ منهنّ بما دبر الله من ذلك، وفوّض إلى مشيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثٌ على تواطؤ قلوبهنّ والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه.

وقرئ: ﴿ تقرّ أعينهنّ ﴾ ، بضم التاء ونصب الأعين.

وتقرّ أعينهنّ، على البناء للمفعول ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بذات الصدور ﴿ حَلِيماً ﴾ لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر، ﴿ كُلُّهُنَّ ﴾ تأكيد لنون يرضين، وقرأ ابن مسعود: ﴿ ويرضين كلهنّ، بما آتيتهنّ ﴾ ، على التقديم.

وقرأ: ﴿ كلهنّ ﴾ ، تأكيد ل ﴿ هنّ ﴾ في ﴿ ءاتَيْتَهُنَّ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ تُؤَخِّرُها وتَتْرُكُ مُضاجَعَتَها.

﴿ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ﴾ وتَضُمُّ إلَيْكَ مَن تَشاءُ وتُضاجِعُها، أوْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( تُرْجِي ) بِالياءِ والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ ﴾ طَلَبْتَ.

﴿ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ طَلَّقْتَ بِالرَّجْعَةِ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ذَلِكَ التَّفْوِيضُ إلى مَشِيئَتِكَ أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ وقِلَّةِ حُزْنِهِنَّ ورِضاهُنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ حُكْمَ كُلِّهِنَّ فِيهِ سَواءٌ، ثُمَّ إنْ سَوَّيْتَ بَيْنَهُنَّ وجَدْنَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنكَ وإنْ رَجَّحْتَ بَعْضَهُنَّ عَلِمْنَ أنَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَتَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُنَّ، وقُرِئَ «تُقِرَّ» بِضَمِّ التّاءِ و «أعْيُنَهُنَّ» بِالنَّصْبِ و «تُقَرُّ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و «كُلُّهُنَّ» تَأْكِيدُ نُونِ ( يَرْضَيْنَ )، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ تَأْكِيدًا لَهُنَّ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ فاجْتَهِدُوا في إحْسانِهِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِذاتِ الصُّدُورِ.

﴿ حَلِيمًا ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تُرْجِى} بلا همز مدني وحمزة وعلي وخلف وحفص وبهمز غيرهم تؤخر {من تشاء منهن وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء} تضم بمعنى تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء أو لا تقسيم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها ورُوي أنه أرجى منهن جويرية وسودة وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب أرجى خمساً وآوى أربعاً وروي أنه

كان يسوي مع ما أطلق له وخير فيه إلاسودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك {وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} أي ومن دعوت إلى فراشك وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالارجاء فلاضيق عليك في ذلك أي ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها إلى نفسك ومن رفع بالابتداء وخبره فَلاَ جُنَاحَ {ذلك} التفويض إلى مشيئتك {أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن}

الأحزاب (٥٣ - ٥١)

أي أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً لأنهن إذا علمن أن هذا التفويض من عند الله اطمأنت نفوسهن وذهب التغاير وحصل الرضا وقرت العيون كُلُّهُنَّ بالرفع تأكيد لنون يرضين وقرئ ويرضين كلهن بما آتيتهن على التقديم وقرئ شاذا كلهن بالنصب تأكيدا لهن فى آتيتهن {والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ} فيه وعيد لمن لم يرض منهن بمادبر الله من ذلك وفوض إلى مشيئة رسوله {وَكَانَ الله عَلِيماً} بذات الصدور {حَلِيماً} لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقي ويحذر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ لَكَ في هَواكَ فَقَوْلُهُ: مِنَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ صَرِيحٌ في تَعَدُّدِهِنَّ، وأنْكَرَ بَعْضُهم وُقُوعَ الهِبَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنْ وهَبَتْ ﴾ يُشِيرُ إلى عَدَمِ وُقُوعِها وأنَّها أمْرٌ مَفْرُوضٌ، وكَذا تَنْكِيرُ اِمْرَأةً فالمُرادُ الإعْلامُ بِالإحْلالِ في هَذِهِ الصُّورَةِ إنِ اِتَّفَقَتْ وأنْكَرَ بَعْضُهُمُ القَبُولَ.

أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنِ اِبْنِ أبِي عَوْنٍ أنَّ لَيْلى بِنْتَ الحُطَيْمِ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  ووَهَبْنَ نِساءٌ أنْفُسَهُنَّ فَلَمْ نَسْمَعْ أنَّ النَّبِيَّ  قَبِلَ مِنهُنَّ أحَدًا، وما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  اِمْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ،» يَحْتَمِلُ نَفْيَ القَبُولِ ويَحْتَمِلُ نَفْيَ الهِبَةِ، وإيرادُهُ  في المَوْضِعَيْنِ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلتَّكْرِمَةِ والإيذانِ بِأنَّها المَناطُ لِثُبُوتِ الحُكْمِ فَيَخْتَصُّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَسَبَ اِخْتِصاصِها بِهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّ هِبَةَ مَن تَهِبْ لَمْ تَكُنْ حِرْصًا عَلى الرِّجالِ وقَضاءَ الوَطَرِ بَلْ عَلى الفَوْزِ بِشَرَفِ خِدْمَتِهِ  والنُّزُولِ في مَعْدِنِ الفَضْلِ، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ عائِشَةَ: ما في اِمْرَأةٍ وهَبَتْ نَفْسَها لِرَجُلٍ خَيْرٌ، وكَذا اِعْتِراضُها السّابِقُ صادِرٌ مِن شِدَّةِ غَيْرَتِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، ولا بِدَعَ فالمُحِبُّ غَيُورٌ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُحِبِّينَ: أغارُ إذا آنَسْتُ في الحَيِّ أنَّةً حِذارًا وخَوْفًا أنْ تَكُونَ لِحُبِّهِ ونَصْبُ ﴿ خالِصَةً ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ، وفاعِلُهُ في المَصادِرِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ عَرِيزٍ كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ عِزَّتَها، والكَثِيرُ عَلى تَعَلُّقِ ذَلِكَ بِإحْلالِ الواهِبَةِ، أيْ خَلُصَ لَكَ إحْلالُها خالِصَةً أيْ خُلُوصًا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو حالٌ مِن اِمْرَأةً لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ أيْ أحْلَلْناها خالِصَةً لَكَ لا تَحِلُّ لِأحَدٍ غَيْرَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ وهَبَتْ ﴾ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هِبَةً خالِصَةً.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذاكَ خُلُوصٌ لَكَ وخُصُوصٌ، أوْ هي أيْ تِلْكَ المَرْأةُ أوِ الهِبَةُ خالِصَةٌ لَكَ لا تَتَجاوَزُ المُؤْمِنِينَ.

واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِهِ عَلى أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ اللَّفْظَ تابِعٌ لِلْمَعْنى وقَدْ خُصَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَعْنى فَيُخْتَصُّ بِاللَّفْظِ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ أصْحابِنا في ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ بِالهِبَةِ في الآيَةِ تَمْلِيكُ المُتْعَةِ بِلا عِوَضٍ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ لا تَمْلِيكُها بِلَفْظِ وهَبْتُ نَفْسِي، فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَصًّا في التَّمْلِيكِ بِهَذا اللَّفْظِ لَمْ يَصْلُحْ لِأنْ يَكُونَ مَناطًا لِلْخِلافِ في اِنْعِقادِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ إيجابًا وسَلْبًا، ومَعْنى خُلُوصِ الإحْلالِ المَذْكُورِ لَهُ  مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ كَوْنُهُ مُتَحَقِّقًا في حَقِّهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في حَقِّهِمْ إذْ لا بُدَّ في الإحْلالِ لَهم مِن مَهْرِ المِثْلِ.

وظاهِرُ كَلامِ العَلّامَةِ اِبْنِ الهُمامِ اِعْتِبارُ لَفْظِ الهِبَةِ حَيْثُ قالَ في الفَتْحِ: قَدْ ورَدَ النِّكاحُ بِلَفْظِ الهِبَةِ وساقَ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: والأصْلُ عَدَمُ الخُصُوصِيَّةِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ يَرْجِعُ إلى عَدَمِ المَهْرِ بِقَرِينَةِ إعْقابِهِ بِالتَّعْلِيلِ بِنَفْيِ الحَرَجِ فَإنَّ الحَرَجَ لَيْسَ في تَرْكِ لَفْظٍ إلى غَيْرِهِ خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إلى أفْصَحِ العَرَبِ بَلْ في لُزُومِ المالِ، وبِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ المُؤْتى أُجُورَهُنَّ فَصارَ الحاصِلُ أحْلَلْنا لَكَ الأزْواجَ المُؤْتى مُهُورَهُنَّ واَلَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَكَ فَلَمْ تَأْخُذْ مَهْرًا خالِصَةً هَذِهِ الخَصْلَةَ لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، أمّا هم فَقَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ إلخ مِنَ المَهْرِ وغَيْرِهِ.

وأبْدى صَدْرُ الشَّرِيعَةِ جَوازَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِ (أحْلَلْنا) قَيْدًا في إحْلالِ أزْواجِهِ لَهُ  لِإفادَةِ عَدَمِ حِلِّهِنَّ لِغَيْرِهِ  اِنْتَهى.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ قَيْدًا في إحْلالِ الإماءِ أيْضًا لِإفادَةِ عَدَمِ حِلِّ إمائِهِ كَأزْواجِهِ لِأحَدٍ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَعْضٌ آخَرُ كَوْنَهُ قَيْدًا لِإحْلالِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ أيْ خَلُصَ إحْلالُ ما أحْلَلْنا لَكَ مِنَ المَذْكُوراتِ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ خُلُوصَها مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ إحْلالَ الجَمِيعِ عَلى القُيُودِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في حَقِّهِمْ بَلِ المُتَحَقِّقُ فِيهِ إحْلالِ بَعْضِ المَعْدُودِ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ اِعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ، والأوَّلُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ والثّانِي عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ وهو تَعَلُّقُ (خالِصَةً) بِجَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الإحْلالاتِ الأرْبَعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ خالِصَةً ﴾ وهو مُؤَكِّدٌ مَعْنى اِخْتِصاصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما اُخْتُصَّ بِهِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الِاخْتِصاصِ عَنْ عِلْمٍ وأنَّ هَذِهِ الحُظْوَةَ مِمّا يَلِيقُ بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ فَحَسْبُ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ ما يَنْبَغِي مِن حَيْثُ الحِكْمَةُ فَرْضَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في حَقِّ الأزْواجِ والإماءِ وعَلى أيِّ حَدِّ وصْفَةٍ يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَفَرَضَهُ واخْتَصَّكَ سُبْحانَهُ بِالتَّنْزِيهِ واخْتِيارِ ما هو أوْلى وأفْضَلُ في دُنْياكَ حَيْثُ أحَلَّ جَلَّ شَأْنُهُ لَكَ أجْناسَ المَنكُوحاتِ وزادَ لَكَ الواهِبَةَ نَفْسَها مِن غَيْرِ عِوَضٍ لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكَ ضِيقٌ في دِينِكَ، وهو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو تَعَلُّقُ (خالِصَةً) بِالواهِبَةِ خاصَّةً قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا ﴾ وهو الَّذِي اِسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وأمْرُ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ في حالِهِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ المُتَعَلِّقَ خالِصَةً عَلى سائِرِ الأوْجُهِ والتَّعَلُّقِ بِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى ثُبُوتِ الإحْلالِ وحُصُولِهِ لَهُ  لا بِاعْتِبارِ اِخْتِصاصِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ مَدارَ اِنْتِفاءِ الحَرَجِ هو الأوَّلُ لا الثّانِي الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ثُبُوتِهِ لِغَيْرِهِ  .

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ﴿ لِكَيْلا ﴾ إلخ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ بَيَّنّا هَذا البَيانَ وشَرَحْنا هَذا الشَّرْحَ لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ويُظَنُّ بِكَ أنَّكَ قَدْ أثِمْتَ عِنْدَ رَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ، فَلا اِعْتِراضَ عَلى هَذا، ولا يَخْلُو عَنِ اِعْتِراضٍ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ أيْ كَثِيرَ المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ ما يَشاءُ مِمّا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وغَيْرَهُ ﴿ رَحِيمًا ﴾ أيْ وافِرَ الرَّحْمَةِ، ومِن رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ أنْ وسَّعَ الأمْرَ في مَواقِعِ الحَرَجِ.

﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ أيْ تُؤَخِّرُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ وتَتْرُكُ مُضاجَعَتَها ﴿ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ﴾ وتَضُمُّ إلَيْكَ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُضاجِعُها، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: أيْ تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الإرْجاءُ والإيواءُ لِإطْلاقِهِما يَتَناوَلانِ ما في التَّفْسِيرَيْنِ وما ذُكِرَ فِيهِما فَإنَّما هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ مِنهُنَّ ﴾ لِنِساءِ الأُمَّةِ، والمَعْنى تَتْرُكُ نِكاحَ مَن تَشاءُ مِن نِساءِ أُمَّتِكَ فَلا تَنْكِحُ، وتَنْكِحُ مِنهُنَّ مَن تَشاءُ، وقالَ: كانَ  إذا خَطَبَ اِمْرَأةً لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أنْ يَخْطُبَها حَتّى يَتْرُكَها.

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والطَّبَرِيِّ أنَّهُ لِلْواهِباتِ أنْفُسَهُنَّ، أيْ تَقْبَلُ مَن تَشاءُ مِنَ المُؤْمِناتِ اللّاتِي يَهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لَكَ فَتُؤْوِيها إلَيْكَ وتَتْرُكُ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ فَلا تَقْبَلُها، وعَنِ الشَّعْبِيِّ ما يَقْتَضِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ وغَيْرُهُما عَنْهُ قالَ: «كُنَّ نِساءٌ وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ  فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وأرْجَأ بَعْضَهُنَّ فَلَمْ يَقْرُبْنَ حَتّى تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُنْكَحْنَ بَعْدَهُ، مِنهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ﴾ ويَشْهَدُ لِما تَقَدَّمَ مِن رُجُوعِهِ إلى النِّساءِ ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهم عَنْ أبِي رَزِينٍ، قالَ: «هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُطَلِّقَ مِن نِسائِهِ فَلَمّا رَأيْنَ ذَلِكَ أتَيْنَهُ فَقُلْنَ لا تُخْلِ سَبِيلَنا وأنْتَ في حِلٍّ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكَ، اِفْرِضْ لَنا مِن نَفْسِكَ ومالِكَ ما شِئْتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، أرْجَأ مِنهُنَّ نِسْوَةً، وكانَ مِمَّنْ أرْجَأ مَيْمُونَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ وصْفِيَّةُ وسَوْدَةُ، وكانَ مِمَّنْ آوى عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ أجْمَعِينَ».

وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «تُرْجِئُ» بِالهَمْزَةِ وهو عِنْدَ الزَّجّاجِ أجْوَدُ، والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ ومَنِ ابْتَغَيْتَ ﴾ أيْ طَلَبْتَ ﴿ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ أيْ تَجَنَّبْتَ، وحُمِلَ هَذا التَّجَنُّبُ عَلى ما كانَ بِطَلاقٍ، ومَن شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ جَوابُها أيْ مَن طَلَبْتَها مِمَّنْ طَلَّقْتَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إثْمٌ في طَلَبِها، أوْ مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ خَبَرُها أيْ واَلَّتِي طَلَبْتَها لا جُناحَ عَلَيْكَ في طَلَبِها، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إثْمٌ في إرْجاعِ المُطَلَّقَةِ، وقِيلَ مَن مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ مَن تَشاءُ ﴾ الثّانِي، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ المُطَلَّقَةِ، ومَعْنى ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ فَلا إثْمَ عَلَيْكَ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الأرْجاءِ والإيواءِ والِابْتِغاءِ، والمُرادُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلى مَشِيئَتِهِ  .

وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِ ما كانَ بِتَرْكِ مُضاجَعَةٍ بِدُونِ طَلاقٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ لَهُ  تَرْكَ مُضاجَعَةِ مَن شاءَ مِن نِسائِهِ ومُضاجَعَةَ مَن شاءَ مِنهُنَّ أيْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ أرْجَأها وتَرَكَ مُضاجَعَتَها والرُّجُوعَ إلى مُضاجَعَةِ مَن تَرَكَ مُضاجَعَتَها واعْتَزَلَها فَمَن عَزَلَ هي المُرْجَأةُ، وأفادَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ قِسْمَةً جامِعَةً لِما هو الفَرْضُ لِأنَّهُ  إمّا أنْ يُطَلِّقَ وإمّا أنْ يُمْسِكَ وإذا أمْسَكَ ضاجَعَ أوْ تَرَكَ وقَسَّمَ أوْ لَمْ يُقَسِّمْ وإذا طَلَّقَ وعَزَلَ فَإمّا أنْ يُخَلِّيَ المَعْزُولَةَ لا يَبْتَغِيها أوْ يَبْتَغِيها، وانْفِهامُ الطَّلاقِ والإمْساكُ بِأقْسامِهِ بِواسِطَةِ إطْلاقِ الأرْجاءِ والإيواءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي ﴾ وانْفِهامُ اِبْتِغاءِ المَعْزُولَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ومَنِ ابْتَغَيْتَ ﴾ الخ، ومَتى فُهِمَ أنَّ لا جُناحَ في اِبْتِغاءِ المَعْزُولَةِ بِالطَّلاقِ ورَدِّها إلى النِّكاحِ فُهِمَ مِنهُ أنَّ رَفْعَ النِّكاحِ في عَدَمِ رَدِّها مِن طَرِيقِ الأوْلى ولَقَدْ أجادَ فِيما أفادَ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مِن مُبْتَدَأٍ وفي الكَلامِ مَعْطُوفٌ وخَبَرٌ مَحْذُوفانِ، أيْ ومَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ومَن لَمْ تَعْزِلْ سَواءٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وتَعَسُّفُهُ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿ ومَنِ ابْتَغَيْتَ ﴾ إلخ مَن ماتَ مِن نِسائِكَ اللَّواتِي عِنْدَكَ أوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَها فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في أنْ تَسْتَبْدِلَ عِوَضَها مِنَ اللّاتِي أحْلَلْتُ لَكَ فَلا تَزْدادُ عَلى عِدَّةِ نِسائِكَ اللّاتِي عِنْدَكَ كَذا في البَحْرِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ مَن لِلْبَدَلِ كاَلَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ  ﴾ ومَن عَزَلْتَ شامِلًا لِمَن ماتَتْ ومَن طَلَّقْتَ وكِلاهُما بَعِيدٌ، وثانِيهِما أبْعَدُ مِن أوَّلِهِما بِكَثِيرٍ، ومِثْلُهُ اِعْتِبارُ ما اِعْتَبَرَهُ مِنَ القُيُودِ وبِالجُمْلَةِ هو قَوْلٌ تَبْعُدُ نِسْبَتُهُ إلى الحُسْنِ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما في (اَلدُّرِّ المَنثُورِ).

﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ أيْ تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى مَشِيئَتِكَ أقْرَبُ إلى قُرَّةِ عُيُونِهِنَّ وسُرُورِهِنَّ ورِضاهُنَّ جَمِيعًا لِأنَّهُ حُكْمٌ كُلُّهُنَّ فِيهِ سَواءٌ، ثُمَّ إنْ سَوَّيْتَ بَيْنَهُنَّ وجَدْنَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنكَ وإنْ رَجَّحْتَ بَعْضَهُنَّ عَلِمْنَ أنَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَتَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُنَّ، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، والمُرادُ بِما آتَيْتَهُنَّ عَلَيْهِ ما صَنَعْتَ مَعَهُنَّ فَيَتَناوَلُ تَرْكَ المُضاجَعَةِ والقَسَمِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى أنَّهُنَّ إذا عَلِمْنَ أنَّ لَكَ رَدَّهُنَّ إلى فِراشِكَ بَعْدَ ما اِعْتَزَلْتَهُنَّ قَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ ولَمْ يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما تَفْعَلُهُ مِنَ التَّسْوِيَةِ والتَّفْضِيلِ لِأنَّهُنَّ يَعْلَمْنَ أنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ، وظاهِرُهُ جَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ العِلْمَ بِأنَّ لَهُ  الإيواءَ، وأظْهَرُ مِنهُ في ذَلِكَ قَوْلُ الجُبّائِيِّ ذَلِكَ العِلْمُ مِنهُنَّ بِأنَّكَ إذا عَزَلْتَ واحِدَةً كانَ لَكَ أنْ تُؤْوِيَها بَعْدَ ذَلِكَ أدْنى لِسُرُورِهِنَّ وقُرَّةِ أعْيُنِهِنَّ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: كَوْنُ الإشارَةِ إلى التَّفْوِيضِ أنْسَبُ لَفْظًا لِأنَّ ذَلِكَ لِلْبَعِيدِ وكَوْنُها إلى الإيواءِ أنْسَبُ مَعْنًى، لِأنَّ قُرَّةَ عُيُونِهِنَّ بِالذّاتِ إنَّما هي بِالإيواءِ فَلا تَغْفُلْ، والأعْيُنُ جَمْعُ قِلَّةٍ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا جَمْعُ الكَثْرَةِ وكَأنَّ اِخْتِيارَهُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِكَمِّيَّةِ الأزْواجِ، وقَرَأ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ «تُقِرَّ» مِن أقَرَّ وفاعِلُهُ ضَمِيرُهُ  «أعْيُنَهُنَّ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.

وقُرِئَ «تُقَرَّ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وأعْيُنُهُنَّ بِالرَّفْعِ نائِبُ الفاعِلِ، و ﴿ كُلُّهُنَّ ﴾ بِالرَّفْعِ في جَمِيعِ ذَلِكَ وهو تَوْكِيدٌ لِنُونِ ( يَرْضَيْنَ ) .

وقَرَأ أبُو إياسٍ جُوَيَّةُ بْنُ عائِذٍ «كُلَّهُنَّ» بِالنَّصْبِ تَأْكِيدًا لِضَمِيرِهِ في «آتَيْتَهُنَّ» قالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ: وهَذِهِ القِراءَةُ راجِعَةٌ إلى مَعْنى قِراءَةِ العامَّةِ ﴿ كُلُّهُنَّ ﴾ بِضَمِّ اللّامِ، وذَلِكَ أنَّ رِضاهُنَّ كُلِّهِنَّ بِما أُوتِينَ كُلُّهُنَّ عَلى اِنْفِرادِهِنَّ واجْتِماعِهِنَّ، فالمَعْنَيانِ إذَنْ واحِدٌ إلّا أنَّ لِلرَّفْعِ مَعْنًى وذَلِكَ أنَّ فِيهِ إصْراحًا مِنَ اللَّفْظِ بِأنْ يَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ، والإصْراحُ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ إنَّما هو في إتْيانِهِنَّ وإنْ كانَ مَحْصُولُ الحالِ فِيهِما واحِدًا مَعَ التَّأْوِيلِ اِنْتَهى.

وقالَ الطِّيبِيُّ في تَوْكِيدِ الفاعِلِ دُونَ المَفْعُولِ إظْهارٌ لِكَمالِ الرِّضا مِنهُنَّ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإيتاءُ كامِلًا سُوِّيا، وفي تَوْكِيدِ المَفْعُولِ إظْهارُ أنَّهُنَّ مَعَ كَمالِ الإيتاءِ غَيْرُ كامِلاتٍ في الرِّضا والأوَّلُ أبْلَغُ في المَدْحِ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّتْمِيمِ وذَلِكَ أنَّ المُؤَكِّدَ يَرْفَعُ إيهامَ التَّجَوُّزِ عَنِ المُؤَكَّدِ اِنْتَهى فَتَأمَّلْ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ خِطابٌ لَهُ  ولِأزْواجِهِ المُطَهَّراتِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، والمُرادُ بِما في القُلُوبِ عامٌّ ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَكُونُ في قُلُوبِهِنَّ مِنَ الرِّضا بِما دَبَّرَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِنَّ مِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ  ومُقابِلِ ذَلِكَ وما في قَلْبِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ، والكَلامُ بَعَثَ عَلى الِاجْتِهادِ في تَحْسِينِ ما في القُلُوبِ، ولَعَلَّ اِعْتِبارَهُ  في الخِطابِ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِنَّ، وفي الكَشّافِ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَرْضَ مِنهُنَّ بِما دَبَّرَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ وفَوَّضَ سُبْحانَهُ إلى مَشِيئَةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعَثَ عَلى تَواطُؤِ قُلُوبِهِنَّ والتَّصافِي بَيْنَهُنَّ والتَّوافُقِ عَلى طَلَبِ رِضا رَسُولِ اللَّهِ  وطِيبِ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ قائِلٍ بِدُخُولِهِ  في الخِطابِ، وحِينَئِذٍ فَإمّا أنْ يَقُولَ: إنَّهُ عامٌّ لَهُنَّ ولِسائِرِ المُؤْمِنِينَ، وإمّا أنْ يَقُولَ بِأنَّهُ خاصٌّ بِهِنَّ، ولَعَلَّهُ ظاهِرُ كَلامِهِ وعَلَيْهِ لا يُظْهِرُ وجْهُهُ التَّذْكِيرَ، ورُبَّما يُقالُ عَلى الأوَّلِ: إنَّ المَقامَ غَيْرُ ظاهِرٍ في اِقْتِضاءِ دُخُولِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ في الخِطابِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ هاهُنا إلى ما في قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ  مِن مَحَبَّةِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ ويَدْخُلُ في المَعْنى المُؤْمِنُونَ، ورُبَّما يُتَخَيَّلُ أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ والكَلامُ بَعَثَ عَلى تَحْسِينِ ما في القُلُوبِ في شَأْنِ ما دَبَّرَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ  في أمْرِ أزْواجِهِ ونَفْيِ الخَواطِرِ الرَّدِيئَةِ بِأنْ يُظَنَّ أنَّ ذاكَ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ المَحْبُوبِيَّةِ، ولا يُتَوَهَّمُ خِلافُهُ فَإنَّ بَعْضَ المُلْحِدِينَ طَعَنُوا كالنَّصارى في كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَوْنِهِ في أمْرِ النِّساءِ عَلى حالٍ لَمْ يُبَحْ لِأُمَّتِهِ مِن حِلِّ جَمْعِ ما فَوْقَ الأرْبَعِ وعَدَمِ التَّقَيُّدِ بِالقَسَمِ لَهُنَّ مَثَلًا، وزَعَمُوا أنَّ في ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى غَلَبَةِ القُوَّةِ الشَّهْوِيَّةِ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ مُنافٍ لِتَقَدُّسِ النَّفْسِ الَّذِي هو مِن شَأْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَزَمُوا والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى بِنَفْيِ نُبُوَّتِهِ وأنَّ ما فَعَلَهُ  لَمْ يَكُنْ مِنهُ تَعالى بَلْ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ قائِلِي ذَلِكَ عَلى كُفْرِهِمْ جَهَلَةٌ بِمَراتِبِ الكَمالِ صُمٌّ عَنْ سَماعِ آثارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَن سَبَرَ الأخْبارَ عَلِمَ أنَّهُ  أكْمَلَ الأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ لِغايَةِ كَمالِ بَشَرِيَّتِهِ ومِلْكِيَّتِهِ، وآثارُ الكَمالِ الأوَّلِ تَزَوُّجُ ما فَوْقَ الأرْبَعِ والطَّوافُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ، وآثارُ الكَمالِ الثّانِي أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَثِيرًا ما كانَ يَبِيتُ ويُصْبِحُ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ وهو عَلى غايَةٍ مِنَ القُوَّةِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَرْكِ ذَلِكَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اِجْتِماعُ هَذَيْنِ الكَمالَيْنِ حَسَبَ اِجْتِماعِهِما فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِتَكَثُّرِهِ النِّساءَ حِكْمَةٌ دِينِيَّةٌ جَلِيلَةٌ أيْضًا وهي نَشْرُ أحْكامٍ شَرْعِيَّةٍ لا تَكادُ تُعْلَمُ إلّا بِواسِطَتِهِنَّ مَعَ تَشْيِيدِ أمْرِ نُبُوَّتِهِ فَإنَّ النِّساءَ لا يَكَدْنَ يَحْفَظْنَ سِرًّا وهُنَّ أعْلَمُ النّاسِ بِخَفايا أزْواجِهِنَّ فَلَوْ وقَفَ نِساؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ مِنهُ يُخِلُّ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ لَأظْهَرَنَّهُ، وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ إخْفاؤُهُ بَيْنَهُنَّ مَعَ كَثْرَتِهِنَّ‘ وكُلُّ سِرٍّ جاوَزَ الِاثْنَيْنِ شاعَ.

وفي عَدَمِ إيجابِ القَسَمِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ فَيَعْلَمُ كُلَّ ما يُبْدِي ويُخْفِي ﴿ حَلِيمًا ﴾ مُبالِغًا في الحِلْمِ فَلا يُعَجِّلُ سُبْحانَهُ بِمُقابَلَةِ مَن يَفْعَلُ خِلافَ ما يُحِبُّ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُهُ مِن عِتابٍ أوْ عِقابٍ أوْ فَيَصْفَحُ عَمّا يَغْلِبُ عَلى القَلْبِ مِنَ المُيُولِ ونَحْوِها، هَذا وفي البَحْرِ اِتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أزْواجِهِ المُطَهَّراتِ في القِسْمَةِ حَتّى ماتَ ولَمْ يَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِمّا أُبِيحَ لَهُ ضَبْطًا لِنَفْسِهِ وأخْذًا بِالأفْضَلِ غَيْرَ ما جَرى لِسَوْدَةَ فَإنَّها وهَبَتْ لَيْلَتَها لِعائِشَةَ وقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي حَتّى أُحْشَرَ في زُمْرَةِ نِسائِكَ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أرْجَأ مِنهُنَّ شَيْئًا ولا عَزَلَهُ بَعْدَ ما خُيِّرْنَ فاخْتَرْنَهُ.

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْتَأْذِنُ في يَوْمٍ المَرْأةَ مِنّا بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ فَقِيلَ لَها: ما كُنْتِ تَقُولِينَ؟

قالَتْ: كُنْتُ أقُولُ لَهُ إنْ كانَ ذاكَ إلَيَّ فَإنِّي لا أُرِيدُ أنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أحَدًا،» فَتَأمَّلْهُ مَعَ حِكايَةِ الِاتِّفاقِ السّابِقِ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ترجئ بالهمزة.

وقرأ الباقون: بغير الهمز.

كلاهما في اللغة واحد، وأصله من التأخير.

يقول: تؤخر من تشاء منهن ولا تتزوجها وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ يعني: تضم فتتزوجها لخيره في تزويج القرابة.

ويقال: تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء.

وقال قتادة: جعله في حل أن يدع من يشاء منهن، ويضم إليه من يشاء.

يعني: إن شاء جعل لهن قسماً، وإن شاء لم يجعل.

وكان رسول الله  يقسم.

وقال الحسن: كان النبيّ  إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها أو يدعها، وفي ذلك نزل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ.

ثم قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يعني: أشرت ممن تركت فَلا جُناحَ عَلَيْكَ يعني: لا إثم عليك ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي: ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن تطمئن قلوبهن وَلا يَحْزَنَّ مخافة الطلاق وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ من النفقة، إذا علمن أنه من الله عز وجل.

وقرئ في الشاذ: كُلُّهُنَّ بالنصب صار نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء.

وتقرأه العامة: أتيتهن كلهن بالضم.

ومعناه: يرضين كلهن بما أعطيتهن.

ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الحب والبغض وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلوبكم حَلِيماً بالتجاوز.

قوله عز وجل: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال مجاهد: أي لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات مِنْ بَعْدُ، يعني: من بعد المسلمات، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ.

يقول: لا تبديل اليهوديات، ولا النصرانيات على المؤمنات.

يقول: لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات والنصرانيات يتسرى بهن.

قال الحسن وابن سيرين: خيّر رسول الله  ، نساءه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فشكر الله لهن على ذلك، فحبسه عليهن.

فقال: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعني: لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج غيرها.

قرأ أبو عمرو: لا تحل بالتاء بلفظ التأنيث.

وقرأ الباقون: بالياء، بمعنى لا يحل لك من النساء شيء.

ويقال: معناه لا تحل لجميع النساء.

فمن قرأ: بالتاء بالتأنيث يعني: جماعة النساء.

ثم قال: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعني: أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها، فنهاه الله تعالى عزّ وجلّ عن ذلك، فتركها وتزوجها أبو بكر-  - بإذن رسول الله  إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من السريات وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً من أمر التزويج رَقِيباً يعني: حفيظاً.

وروى عمرو بن دينار، عن عطاء عن عائشة-  ا- قالت: ما مات رسول الله  حتى حلّ له النساء بعد قوله: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ وذلك أن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبيّ  ، ويدخلون عليه بغير إذن، ويجلسون وينتظرون الغداء، وإذا أكلوا جلسوا طويلاً، ويتحدثون طويلا، فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ يعني: إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ يعني: من غير أن تنتظروا وقته.

ويقال: أصله إدراك الطعام يعني: غير ناظرين إدراكه.

ويقال: إِناهُ يعني: نضج الطعام.

ثم قال: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يعني: إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته فَإِذا طَعِمْتُمْ الطعام فَانْتَشِرُوا يعني: تفرقوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ أي: لا تدخلوا مستأنسين للحديث إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يقول لكم تفرقوا وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ يعني: من بيان الحق أن يأمركم بالخروج بعد الطعام.

قال الفقيه أبو الليث: في الآية حفظ الأدب والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفاً لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلاً، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج.

ثم قال: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً يعني: إذا سألتم من نسائه متاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ولا تدخلوا عليهن، واسألوا من خلف الستر.

ويقال: خارج الباب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الريبة.

ثم قال: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ قال: وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال: لئن مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً يعني: ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً في العقوبة.

ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة.

وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها.

ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبيّ  أن يتزوجن بعده.

وروي أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك.

وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان، وأبت أن تتزوجه.

وروي في خبر آخر بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله  إن المرأة منا كان لها زوجان لأيهما تكون في الآخرة؟

فقال: «إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمَا خُلُقاً مَعَهَا» .

ثم قال: «يا أمَّ حَبِيبَةَ إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ ذَهَبَ بالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» .

ثم قال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ يعني: إن تظهروا من أمر التزويج شيئاً أو تسروه وتضمروه فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً من السر والعلانية.

يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم، يجازيكم به.

ثم خصّ الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخّص في ذلك وهو قوله عز وجل: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ يعني: من الدخول عليهن وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الخدم وَاتَّقِينَ اللَّهَ يعني: اخشين الله، وأطعن الله، فلا يراهن غير هؤلاء إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً يعني: عالما بأعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ [الأحزاب: ٥٢] فيجيءُ هذا الضميرُ مقطوعاً من الأول عائداً على أزواجه التسع فقط على الخلاف في ذلك، وتأوّل غير ابن زَيْدٍ في قوله: أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ مَنْ فِي عِصْمَتِهِ ممن تَزَوَّجَها بِمَهْرٍ وأنّ ملك اليمين بعد حلال له وأن اللهَ أباحَ له مع المذكُوراتِ بَنَاتِ عَمِّهِ وعماتِه، وخاله، وخالاته، ممن هاجرَ معَه، والواهباتِ خَاصَّةً، فيجيءُ الأمرُ على هذا التأويل أضيق على النبي صلى الله عليه وسلّم، ويؤيدُ هذَا التأويلَ ما قَالَه ابنُ عباس: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلّم يَتَزَوَّجُ في أَيِّ النِّسَاءِ شَاءَ، وَكَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ على نِسَائِهِ، فلما نَزلَتْ هذه الآيةُ، وحُرِّم عَلَيْهِ بِهَا النِّسَاءُ إلاَّ مَنْ سُمِّيَ سُرَّ نِسَاؤه بذلك «١» .

وقوله سبحانه: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ...

الآية، قال السُّهَيْلِيُّ: ذكرَ البخاريُّ عَن عائشَة- رضي الله عنها- أنَّها قَالَتْ: كَانَتْ خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ مِن اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فدَلَّ على أنهن كُنْ غَيْرَ واحدة «٢» ، انتهى: وقوله: خالِصَةً لَكَ أي: هبة النساء أنفسهن خاصةٌ بك دونَ أمَّتِكَ.

قال ع «٣» : ويظهرُ من لفظِ أُبَيِّ بن كَعْبِ أن معنى قوله: «خالصة لك» يُرَادُ بهِ جميعُ هذهِ الإبَاحَة لأن المؤمنين لم يُبَحْ لهم الزيادةُ على أربعٍ «٤» .

وقوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ يريدُ هو كونَ النكاح بالولي والشاهدين، والمهر، والاقتصارَ على أربع قاله قتادة ومجاهد.

وقوله: لِكَيْلا أي: بيّنا هذا البيان.

لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ويظن بك أنك قد أثمت عند ربّك.

وقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ ...

الآية، ترجي معناه: تُؤَخِّرُ وتُؤْوِي

معناه: تَضُمُّ وتُقَرب، ومعنى هذه الآية: أن الله تعالى فَسَحَ لنبيِّه فيما يفعله في جِهَة النساء، والضميرُ في مِنْهُنَّ عائدٌ على مَن تَقَدَّمَ ذكرُه من الأصْنَافِ حَسْبَ الخِلافِ المذكورِ في ذلك، وهذا الإرجاء والإيواء يحتمل معاني منها: أن المعنى في القَسْمِ، أي: تُقرِّبُ مَنْ شِئْتَ فِي القسمةِ لَها مِن نَفْسِكَ وَتُؤَخِّرُ عَنْكَ مِن شِئْتَ وتُكْثِر لمن شئت وتقلّ لمن شئت، ٧ ألا حرجَ عليكَ في ذلك، فإذا عَلِمْنَ هنَّ أنّ هذا هو حكم الله/ لك رَضِينَ وقَرَّت أعينُهن وهذا تأويل مجاهد وقتادةَ والضحاك «١» .

قال ع «٢» : لأن سبب هذه الآية تغاير وقع بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلّم تَأَذَّى بِهِ.

وقَالَ ابن عباس «٣» : المعنَى في طَلاق مَنْ شَاء وإمْسَاك مَن شاء.

وقال الحسنُ بن أبي الحسن «٤» : المعنى في تَزَوُّج من شَاء وترك مَنْ شَاء.

قال ع «٥» : وعلى كلِّ مَعْنًى فالآيةُ معناها: التَوْسِعَة على النبي صلى الله عليه وسلّم والإباحة له وذهب هبة الله في «الناسخ والمنسوخ» له إلى أن قولَه تُرْجِي مَنْ تَشاءُ ...

الآية، ناسخُ لقوله: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢] الآيةَ.

وقوله تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يحتمل معاني: أحدها أن تَكونَ «من» للتبعيض، أي: من أردت وطلبَتْه نفسُك ممن كنتَ قَدْ عزلتَه وأخَّرتَه فلا جناح عليك في رده إلى نفسِكَ وإيوائه إليك، ووجه ثانٍ وهو أن يكونَ مُقَوِّياً ومُؤكِداً لقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ و «تؤوي مَن تَشَاء» فيقول بعدُ ومَن ابتغيتَ ومَنْ عَزَلْتَ فذلكَ سواءٌ لا جناحَ عليك فِي ردِّه إلى نفسِكَ وإيوائه إليك.

وقوله: وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ أي مِنْ نفْسِك، ومالِك، واتفقتِ الرواياتُ على أنه-

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ الأنْكِحَةِ الَّتِي أحَلَّها لَهُ، فَقالَ: ﴿ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وهُنَّ اللَّواتِي تَزَوَّجْتَهُنَّ بِصَداقٍ ﴿ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: رَدَّ عَلَيْكَ مِنَ الكُفّارِ، كَصَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَةَ، فَإنَّهُ أعْتَقَهُما وتَزَوَّجَهُما ﴿ وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ ﴾ يَعْنِي نِساءَ قُرَيْشٍ ﴿ وَبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ ﴾ يَعْنِي نِساءَ بَنِي زُهْرَةَ ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ إلى المَدِينَةِ.

قالَ القاضِي أبُو يُعْلى: و[ظاهِرُ] هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ تُهاجِرْ مَعَهُ مِنَ النِّساءِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكاحُها.

«وَقالَتْ أمُّ هانِئٍ خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ  فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ بِعُذْرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ قالَتْ: فَلَمْ أكُنْ حِلٌّ لَهُ، لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ؛» وهَذا يَدُلُّ مِن مَذْهَبِها أنَّ تَخْصِيصَهُ بِالمُهاجِراتِ قَدْ أوْجَبَ حَظْرَ مَن لَمْ تُهاجِرْ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّ شَرْطَ الهِجْرَةِ في التَّحْلِيلِ مَنسُوخٌ، ولَمْ يَذْكُرْ ناسِخَهُ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ في ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الهِجْرَةَ شَرْطٌ في إحْلالِ النِّساءِ لَهُ عَلى الإطْلاقِ.

والثّانِي: أنَّهُ شَرْطٌ في إحْلال قَراباتِهِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴾ أيْ: وأحْلَلْنا لَكَ امْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها ﴾ لَكَ، ﴿ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها ﴾ أيْ: إنْ آثَرَ نِكاحَها ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ أيْ: خاصَّةً.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ: ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " لَكَ "، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: " لَكَ "، جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِغَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ  كَما جازَ في بَناتِ العَمِّ وبَناتِ العَمّاتِ.

و ﴿ خالِصَةً ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى خالِصَةٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ إذا وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها، لَمْ يَلْزَمْهُ صَداقُها دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: أنَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَها بِلا ولِيٍّ ولا مَهْرٍ دُونَ غَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: خالِصَةَ لَكَ أنْ تَمْلِكَ عَقْدَ نِكاحِها بِلَفْظِ الهِبَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ.

وَفِي المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها أقْوالٌ.

أحَدُها: أمُّ شَرِيكٍ.

والثّانِي: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ.

ولَمْ يَدْخُلْ بِواحِدَةٍ مِنهُما.

وذَكَرُوا أنَّ لَيْلى بِنْتَ الخَطِيمِ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  امْرَأةً وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ.

وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّها زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ.

والأوَّلُ: أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ غَيْرِكَ ﴿ فِي أزْواجِهِمْ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ لا يُجاوِزَ الرَّجُلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأةَ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ وصَداقٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ أيْ: وما أبَحْنا لَهم مِن مِلْكِ اليَمِينِ مَعَ الأرْبَعِ الحَرائِرِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ هَذا فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ المَعْنى: أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُرْجِئُ " مَهْمُوزًا؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَة، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِغَيْرِ هَمْزٍ.

وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ المُتَقَدِّمَةُ، أشْفَقْنَ أنْ يُطَلَّقْنَ، فَقُلْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا مِن مالِكَ ونَفْسِكَ ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.

وَفِي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تُطَّلِقُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَتْرُكُ نِكاحَ مَن تَشاءُ، وتَنْكِحُ مِن نِساءِ أُمَّتِكَ مَن تَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تَعْزِلُ مَن شِئْتَ مِن أزْواجِكَ فَلا تَأْتِيها بِغَيْرِ طَلاقٍ، وتَأْتِي مَن تَشاءُ فَلا تَعْزِلُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: تَقْبَلُ مَن تَشاءُ مِنَ المُؤْمِناتِ اللَّواتِي يَهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ، وتَتْرُكُ مَن تَشاءُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ.

وَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ مُبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  مُصاحَبَةَ نِسائِهِ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ إيجابِ القِسْمَةِ عَلَيْهِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: ما عَلِمْنا رَسُولَ اللَّهِ  أرْجَأ مِنهُنَّ أحَدًا، ولَقَدْ آواهُنَّ كُلَّهُنَّ حَتّى ماتَ.

وقالَ أبُو رَزِينٍ: آوى عائِشَةَ، وأُمَّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وزَيْنَبَ، وكانَ قَسْمُهُ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ فِيهِنَّ سَواءً.

وأرْجَأ سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَةَ، وصَفِيَّةَ، وأُمَّ حَبِيبَةَ، ومَيْمُونَةَ، وكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ.

وكانَ أرادَ فِراقَهُنَّ فَقُلْنَ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّما أرْجَأ سَوْدَةَ وحْدَها لِأنَّها وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ، فَتُوُفِّيَ وهو يَقْسِمُ لِثَمانٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُؤْوِي ﴾ أيْ: تَضُمُّ، ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ أنْ تُؤْوِيَ إلَيْكَ امْرَأةً مِمَّنْ عَزَلْتَ مِنَ القِسْمَةِ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: لا مَيْلَ عَلَيْكَ بِلَوْمٍ ولا عَتْبٍ ﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّخْيِيرُ الَّذِي خَيَّرْناكَ في صُحْبَتِهِنَّ أقْرَبُ إلى رِضاهُنَّ.

والمَعْنى: إنَّهُنَّ إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ، كانَ أطْيَبَ لِأنْفُسِهِنَّ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " أنْ تُقِرَّ " بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ " أُعِينَهُنَّ " بِنَصْبِ النُّونِ.

﴿ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ أيْ: بِما أعْطَيْتَهُنَّ مِن تَقْرِيبٍ وتَأْخِيرٍ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ.

والمَعْنى: إنَّما خَيَّرْناكَ تَسْهِيلًا عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ﴾ كُلُّهم قَرَأ: " لا يَحِلُّ " بِالياءِ، غَيْرَ أبِي عَمْرٍو، فَإنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ؛ والتَّأْنِيثُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، إنَّما هو تَأْنِيثُ الجَمْعِ، فالقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن بَعْدِ نِسائِكَ اللَّواتِي خَيَّرْتَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ، وهُنَّ التِّسْعُ، فَصارَ [مَقْصُورًا] عَلَيْهِنَّ مَمْنُوعًا مِن غَيْرِهِنَّ وذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ طَلاقَهُ لِحَفْصَةَ وعَزْمَهُ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ كانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ الَّذِي أحْلَلْنا لَكَ، فَكانَتِ الإباحَةُ بَعْدَ نِسائِهِ مَقْصُورَةً عَلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ ؛ قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ غَيْرُ المُسْلِماتِ كاليَهُودِيّاتِ والنَّصْرانِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وتَحِلُّ لَك المُسْلِماتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ تُطَلِّقَ زَوْجاتِكَ وتَسْتَبْدِلَ بِهِنَّ سِواهُنَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ تُبَدِّلَ بِالمُسْلِماتِ المُشْرِكاتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنْ تُعْطِيَ الرَّجُلَ زَوْجَتَكَ، وتَأْخُذَ زَوْجَتَهُ، وهَذِهِ كانَتْ عادَةً لِلْجاهِلِيَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الإماءَ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا أنْ تَمْلِكَ بِالسَّبْيِ، فَيَحِلُّ لَكَ وطْؤُها وإنْ كانَتْ مِن غَيْرِ الصِّنْفِ الَّذِي أحْلَلْتُهُ لَكَ؛ وإلى هَذا أوْمَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: إلّا أنْ تُصِيبَ يَهُودِيَّةً أوْ نَصْرانِيَّةً فَتَطَأها بِمِلْكِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: إلّا أنْ تُبَدِّلَ أمَتَكَ بِأمَةِ غَيْرِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذِهِ الأقْوالُ جائِزَةٌ، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  نَكَحَ يَهُودِيَّةً ولا نَصْرانِيَّةً بِتَزْوِيجٍ ولا مِلْكِ يَمِينٍ، ولَقَدْ سَبى رَيْحانَةَ القُرَظِيَّةَ فَلَمْ يَدْنُ مِنها حَتّى أسْلَمَتْ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكِ.

وقالَتْ عائِشَةُ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أُحِلَّ لَهُ النِّساءُ، قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي نِساءَ جَمِيعِ القَبائِلِ مِنَ المُهاجِراتِ وغَيْرِ المُهاجِراتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ؛ ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أثابَ نِساءَهُ حِينَ اخْتَرْنَهُ بِأنَّ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ يُحِلَّ لَهُ غَيْرَهُنَّ، ولَمْ يُنْسَخْ هَذا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِيْنَ، وأبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّساءِ ها هُنا: الكافِراتُ، ولَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ كافِرَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ ﴿ "تُرْجِي" ﴾ مَعْناهُ: تُؤَخِّرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُرْجِئُ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ: "تُرْجِي" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى.

﴿ "وَتُؤْوِي" ﴾ مَعْناهُ: تَضُمُّ وتُقَرِّبُ، وقالَ المِبْرَدُ: هو مُعَدّى "رَجا يَرْجُو"، تَقُولُ: "رَجا الرَجُلُ وأرْجَيْتُهُ" جَعَلْتُهُ ذا رَجاءٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى فَسَحَ لِنَبِيِّهِ فِيما يَفْعَلُهُ في جِهَةِ النِساءِ، والضَمِيرُ في "مِنهُنَّ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الأصْنافِ حَيْثُ الخِلافُ المَذْكُورُ في ذَلِكَ.

وَهَذا الإرْجاءُ والإيواءُ يَحْتَمِلُ مَعانِي: مِنها في القَسْمِ، أيْ: تُقَرِّبُ مَن شِئْتُ في القِسْمَةِ لَها مِن نَفْسِكَ، وتُؤَخِّرُ عنكَ مَن شِئْتَ، وتُكْثِرُ لِمَن شِئْتَ، وتُقِلُّ لِمَن شِئْتَ، لا حَرَجَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْنَ هُنَّ أنَّ هَذا هو حُكْمُ اللهِ تَعالى لَكَ وقَضاؤُهُ زالَتِ الأنَفَةُ والتَغايُرُ عنهُنَّ ورَضِينَ وقَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَحّاكِ ؛ لِأنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآياتِ إنَّما كانَ تَغايُرًا - وقَعَ بَيْنَ زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَلَيْهِ، فَشَقِيَ بِذَلِكَ، فَفَسَحَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ، وأنَّبَهُنَّ بِهَذِهِ الآياتِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: في طَلاقِ مَن شاءَ مِمَّنْ حَصَلَ في عِصْمَتِهِ، وإمْساكِ مَن شاءَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ هَمَّ بِطَلاقِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، فَكانَ مِمَّنْ أرْجَأ سَوْدَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وصَفِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ ومَيْمُونَةُ، وآوى إلَيْهِ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وحَفْصَةَ وزَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ أجْمَعِينَ.» وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: في تَزْوِيجِ مَن شاءَ مِنَ النِساءِ وتَرْكِ مَن شاءَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: في ضَمِّ مَن شاءَ مِنَ الواهِباتِ وتَأْخِيرِ مَن شاءَ.

وعَلى كُلِّ مَعْنى فالآيَةُ مَعْناها التَوْسِعَةُ عَلَيْهِ -  والإباحَةُ؛ «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَمّا قَرَأ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ قُلْتُ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ.» وذَهَبَ هِبَةُ اللهِ في "الناسِخِ والمَنسُوخِ" لَهُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ ﴾ الآيَةُ ناسِخٌ قَوْلَهُ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ ﴾ الآيَةُ، وقالَ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ناسِخٌ تَقَدَّمَ المَنسُوخَ سِوى هَذا.

وكَلامُهُ يَضْعُفُ مِن جِهاتٍ.

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: مَن أرَدْتَهُ وطَلَبَتْهُ نَفْسُكَ مِمَّنْ كُنْتُ عَزَلْتَهُ وأخَّرَتْهُ فَلا جَناحَ في رَدِّهِ إلى نَفْسِكَ وإيوائِهِ إلَيْكَ بَعْدَ عُزْلَتِهِ.

ووَجْهٌ ثانٍ وهو أنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا ومُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ( تُرْجِي مَن تَشاءُ وتُؤْوِي مَن تَشاءُ )، فَيَقُولُ بَعْدُ: ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ فَذَلِكَ سَواءٌ لا جُناحَ عَلَيْكَ في جَمِيعِهِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "مَن لَقِيَكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْقَكَ جَمِيعُهم لَكَ شاكِرِينَ"، وأنْتَ تُرِيدُ: "مَن لَقِيَكَ ومَن لَمْ يَلْقَكَ"، وهَذا المَعْنى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَعْنى القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في الطَلاقِ والإمْساكِ، وفي الواهِباتِ، وبِكُلِّ واحِدٍ قالَتْ فِرْقَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ" ﴾ بِرَفْعِ الأعْيُنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ تُقِرَّ" بِضَمِّ التاءِ مِن "تُقِرَّ" وكَسْرِ القافِ "أعْيُنَهُنَّ" نَصْبًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِما آتَيْتَهُنَّ" ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ ومالِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّهُنَّ" ﴾ بِالرَفْعِ عَلى التَأْكِيدِ لِلضَّمِيرِ في "يَرْضَيْنَ"، ولَمْ يُجَوِّزُ الطَبَرِيُّ غَيْرَها، وقَرَأ جُوَيْرَةُ بْنُ عابِدٍ: "كُلَّهُنَّ" بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ ضَمِيرِ "آتَيْتَهُنَّ"، والمَعْنى أنَّهُنَّ يُسَلِّمْنَ لِلَّهِ ولِحُكْمِهِ، وكُنْ قَبْلَ لا يَتَسامَحْنَ بَيْنَهُنَّ لِلْغَيْرَةِ، ولا يُسَلِّمْنَ لِلنَّبِيِّ  أنَفَةً، نَحا إلى هَذا المَعْنى ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ خَبَرٌ عامٌّ، والإشارَةُ إلى ما في قَلْبِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَحَبَّةِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ في المَعْنى أيْضًا المُؤْمِنُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "حَلِيمًا" ﴾ صِفَةٌ تَقْتَضِي مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى صَفْحًا وتَأْنِيسًا في هَذا المَعْنى؛ إذْ هي خَواطِرُ وفِكْرٌ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ في الأغْلَبِ.

واتَّفَقَتِ الرِواياتُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في القِسْمَةِ حَتّى ماتَ، ولَمْ يَمْتَثِلْ ما أُبِيحَ لَهُ مَعَهُنَّ ضَبَطا لِنَفْسِهِ، وأخْذًا بِالفَضْلِ، غَيْرَ أنَّ سَوْدَةً وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ تَوَصُّلًا لِمَسَرَّةِ رَسُولِ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، قِيلَ كَما قَدَّمْنا: إنَّها خَطَرَتْ عَلَيْهِ النِساءُ إلّا التِسْعَ اللَواتِي كُنَّ عِنْدَهُ، فَكَأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، لَمّا هَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللهِ  شَهْرًا وآلى مِنهُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ وخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ، جازاهُنَّ اللهُ بِأنَّ حَظَرَ عَلَيْهِ النِساءَ غَيْرَهُنَّ، وقَنَّعَهُ بِهِنَّ، وحَظَرَ عَلَيْهِ تَبْدِيلِهِنَّ، ونَسَخَ بِذَلِكَ ما أباحَهُ لَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَوْسِعَةِ في جَمِيعِ النِساءِ.

وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأصْنافِ المُسَمّاهٍ.

ومَن قالَ بِأنَّ الإباحَةَ كانَتْ لَهُ مُطْلَقَةً قالَ هُنا: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ ﴾ مَعْناهُ: لا يَحِلُّ لَكَ اليَهُودِيّاتِ ولا النَصْرانِيّاتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ وإنْ كانَ رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ قَدَّرَ: ولا أنْ تُبَدِّلَ اليَهُودِيّاتِ والنَصْرانِيّاتِ بِالمُسْلِماتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ﴾ يَعْنِي: لا يَحِلُّ لَكَ العَمّاتُ ولا الخالاتُ ونَحْوَهُنَّ، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِأنْ لا يَتَبَدَّلُ بِأزْواجِهِ التِسْعِ، ومُنِعَ أنْ يُطَلِّقَ مِنهُنَّ ويَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ، قالَهُ الضَحّاكُ.

وقِيلَ: بِمَن تَزَوَّجَ وحَصَلَ في عِصْمَتِهِ، أيْ: لا يُبَدِّلُها بِأنْ يَأْخُذَ زَوْجَةَ إنْسانٍ ويُعْطِيَهُ هو زَوْجَتَهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ.

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أنْكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرَهُ في مَعْنى الآيَةِ، وما فَعَلَتِ العَرَبُ هَذا قَطُّ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى النَبِيِّ  وعِنْدَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: "مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : هَذِهِ عائِشَةُ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ شِئْتَ نَزَلْتُ لَكَ عن سَيِّدَةِ العَرَبِ جَمالًا ونَسَبًا"» فَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ ولا أرادَ ذَلِكَ، وإنَّما احْتَقَرَ عائِشَةَ لِأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً فَقالَ هَذا القَوْلَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو - بِخِلافٍ -: "تَحِلُّ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: جَماعَةِ النِساءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، عَلى مَعْنى: جَمِيعِ النِساءِ، وهُما حُسْنانِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ لَفْظِ النِساءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أسْماءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أعْجَبَ رَسُولَ اللهِ  حُسْنُها حِينَ ماتَ عنها جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، [فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها]،» وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ: ﴿ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَنْظُرَ الرَجُلُ إلى مَن يُرِيدُ زَواجَها، وقَدْ «أرادَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ زَواجَ امْرَأةٍ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّهُ أجْدَرُ أنْ يُؤْدِمَ بَيْنَكُما"،» وقالَ  لِآخَرَ: « "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا"،» قالَ الحَمِيدِيُّ: يَعْنِي: صَفْراءَ، وقالَ سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ: «رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ يُطارِدُ بُيَيْتَةَ بِنْتَ الضَحّاكِ عَلى إجّارٍ مِن أجاجِيرِ المَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا؟

فَقالَ: نَعَمَ: قالَ النَبِيُّ  : "إذا ألْقى اللهُ في قَلْبِ أحَدِكم خُطْبَةَ امْرَأةٍ فَلا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .

"ما" في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ "النِساءُ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفي النَصْبِ ضَعْفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: إلّا مِلْكَ يَمِينِكَ، بِمَعْنى "مَمْلُوكَ"، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الجِنْسِ الأوَّلِ.

و"الرَقِيبُ" فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: راقَبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوى إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَلِيماً ﴾ .

استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ إلى قوله: ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ [الأحزاب: 50] فإنه يثير في النفس تطلباً لبيان مدى هذا التحليل.

والجملةُ خبر مستعمل في إنشاء تحليل الإِرجاء والإِيواء لمن يشاء النبي صلى الله عليه وسلم والإِرجاء حقيقته: التأخير إلى وقت مستقبل.

يقال: أرجأت الأمر وأرجيْته مهموزاً ومخففاً، إذا أخرته.

وفعله ينصرف إلى الأحوال لا الذوات، فإذا عدي فعله إلى اسم ذات تعين انصرافه إلى وصف من الأوصاف المناسبة والتي تراد منها، فإذا قلت: أرجأت غريمي، كان المراد: أنك أخرت قضاء دينه إلى وقت يأتي.

والإِيواء: حقيقته جعل الشيء آوياً، أي راجعاً إلى مكانه.

يقال: آوى، إذا رجع إلى حيث فارق، وهو هنا مجاز في مطلق الاستقرار سواء كان بعد إبعاد أم بدونه، وسواء كان بعد سبق استقرار بالمكان أم لم يكن.

ومقابلة الإِرجاء بالإِيواء تقتضي أن الإِرجاء مراد منه ضد الإِيواء أو أن الإِيواء ضد الإِرجاء وبذلك تنشأ احتمالات في المراد من الإِرجاء والإِيواء صريحهما وكنايتهما.

فضمير ﴿ منهن ﴾ عائد إلى النساء المذكورات ممن هن في عصمته ومن أحل الله له نكاحهن غيرهن من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، والواهبات أنفسهن، فتلك أربعة أصناف: الصنف الأول: وهنّ اللاء في عصمة النبي عليه الصّلاة والسّلام فهن متصلن به فإرجاء هذا الصنف ينصرف إلى تأخير الاستمتاع إلى وقت مستقبل يريده، والإِيواء ضده.

فيتعين أن يكون الإِرجاء منصرفاً إلى القَسْم فوسع الله على نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن أباح له أن يسقط حق بعض نسائه في المبيت معهن فصار حق المبيت حقاً له لا لهن بخلاف بقية المسلمين، وعلى هذا جرى قول مجاهد وقتادة وأبي رزين، قاله الطبري.

وقد كانت إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أسقطت عنه حقها في المبيت وهي سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة وكان ذلك قبل نزول هذه الآية، ولما نزلت هذه الآية صار النبي عليه الصلاة والسلام مخيراً في القسم لأزواجه.

وهذا قول الجمهور، قال أبو بكر بن العربي: وهو الذي ينبغي أن يعول عليه.

وهذا تخيير للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يأخذ لنفسه به تكرماً منه على أزواجه.

قال الزهري.

ما علمنا أن رسول الله أرجأ أحداً من أزواجه بل آواهن كلَّهن.

قال أبو بكر بن العربي: وهو المعنى المراد.

وقال أبو رَزين العُقيلي: أرجأ ميمونة وسَودة وجويرية وأم حبيبة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء، أي دون مساواة لبقية أزواجه.

وضعفه ابن العربي.

وفسر الإِرجاء بمعنى التطليق، والإِيواءُ بمعنى الإِبقاء في العصمة، فيكون إذناً له بتطليق من يشاء تطليقها وإطلاق الإِرجاء على التطليق غريب.

وقد ذكروا أقوالاً أخر وأخباراً في سبب النزول لم تصح أسانيدها فهي آراء لا يوثق بها.

ويشمل الإِرجاء الصنف الثاني وهن ما ملكت يمينه وهو حكم أصلي إذ لا يجب للإِماء عدل في المعاشرة ولا في المبيت.

ويشمل الإِرجاء الصنف الثالث وهن: بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته، فالإِرجاء تأخير تزوج مَن يحلّ منهن، والإِيواء العقد على إحداهن، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج واحدة بعد نزول هذه الآية، وذلك إرجاء العمل بالإِذن فيهن إلى غير أجل معين.

وكذلك إرجاء الصنف الرابع اللاء وهَبْن أنفسهن، سواء كان ذلك واقعاً بعد نزول الآية أم كان بعضه بعد نزولها فإرجاؤهن عدم قبول نكاح الواهبة، عُبر عنه بالإِرجاء إبقاء على أَملها أن يقبلها في المستقبل، وإيواؤهن قبول هبتهن.

قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف ﴿ ترجي ﴾ بالياء التحتية في آخره مخَّفف (تُرجئ) المهموز.

وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ﴿ ترجئ ﴾ بالهمز في آخره.

وقال الزجاج: الهمز أجود وأكثر.

والمعنى واحد.

واتفق الرواة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمل مع أزواجه ما أبيح له أخذاً منه بأفضل الأخلاق، فكان يعدل في القسم بين نسائه، إلاّ أن سَودة وهبت يومها لعائشة طلباً لمسرّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قوله: ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ فهذا لبياننِ أن هذا التخيير لا يوجب استمرار ما أخذ به من الطرفين المخيَّرِ بينهما، أي لا يكون عمله بالعزل لازمَ الدوام بمنزلة الظهار والإِيلاء، بل أَذن الله أن يرجع إلى من يعزلها منهن، فصرح هنا بأن الإِرجاء شامل للعزل.

ففي الكلام جملة مقدرة دل عليها قوله: ﴿ ابتغيت ﴾ إذ هو يقتضي أنه ابتغى إبطال عزلها، فمفعول ﴿ ابتغيت ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ وتؤوي إليك من تشاء ﴾ كما هو مقتضى المقابلة بقوله: ﴿ ترجي من تشاء ﴾ ، فإن العزل والإِرجاء مؤداهما واحد.

والمعنى: فإن عزلْتَ بالإِرجاء إحداهن فليس العزل بواجب استمراره بل لك أن تعيدها إن ابتَغَيْتَ العود إليها، أي فليس هذا كتخيير الرجل زوجه فتختار نفسها المقتضي أنها تَبِين منه.

ومتعلق الجُناح محذوف دل عليه قوله: ﴿ ابتغيت ﴾ أي ابتغيت إيواءها فلا جناح عليك من إيوائها.

و ﴿ من ﴾ يجوز أن تكون شرطية وجملة ﴿ فلا جناح عليك ﴾ جواب الشرط.

ويجوز أن تكون موصولة مبتدأ فإن الموصول يعامل معاملة الشرط في كلامهم بكثرة إذا قصد منه العموم فلذلك يقترن خبر الموصول العام بالفاء كثيراً كقوله تعالى: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 203]، وعليه فجملة ﴿ فلا جناح عليك ﴾ خبر المبتدأ اقترن بالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط ومفعول ﴿ عزلت ﴾ محذوف عائد إلى ﴿ مَن ﴾ أي التي ابتغيتها ممن عزلتهن وهو من حذف العائد المنصوب.

﴿ ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ .

الإِشارة إلى شيء مما تقدم وهو أقربه، فيجوز أن تكون الإشارة إلى معنى التفويض المستفاد من قوله: ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الابتغاء المتضمن له فعل ﴿ ابتغيت ﴾ أي فلا جناح عليك في ابتغائهن بعد عزلهن ذلك أدنى لأن تقرَّ أعينهُنّ.

والابتغاء: الرغبة والطلب، والمراد هنا ابتغاء معاشرة مَن عَزلَهن.

فعلى الأول يكون المعنى أن في هذا التفويض جعل الحق في اختيار أحد الأمرين بيد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق حقاً لهن فإذا عين لإِحداهن حالة من الحالين رضيته به لأنه يجعل الله تعالى على حكم قوله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ [الأحزاب: 36] فقرت أعين جميعهن بما عُينت لكل واحدة لأن الذي يعلم أنه لا حق له في شيء كان راضياً بما أوتي منه، وإن علم أنّ له حقاً حسب أن ما يؤتاه أقل من حقه وبالغ في استيفائه.

وهذا التفسير مروي عن قتادة وتبعه الزمخشري وابن العربي والقرطبي وابن عطية، وهذا يلائم قوله: ﴿ ويرضين ﴾ ولا يلائم قوله: ﴿ أن تقر أعينهن ﴾ لأن قرة العين إنما تكون بالأمر المحبوب، وقوله: ﴿ ولا يحزن ﴾ لأن الحزن من الأمر المكدّر ليس باختياري كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " فلا تَلمنِي فيما لا أملك ".

وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: ذلك الابتغاء بعد العزل أقرب لأن تَقَرَّ أعين اللاتي كنت عزلتَهُن.

ففي هذا الوجه ترغيب للنبي صلى الله عليه وسلم في اختيار عدم عزلهن عن القسم وهو المناسب لقوله: ﴿ أن تقر أعينهن ولا يحزن ﴾ كما علمت آنفاً، ولقوله: «ويرضَيْنَ كلُّهن»، ولما فيما ذكر من الحسنات الوافرة التي يرغب النبي صلى الله عليه وسلم في تحصيلها لا محالة وهي إدخال المسرّة على المسلم وحصول الرضى بين المسلمين وهو مما يعزّز الأخوة الإسلامية المرغب فيها.

ونقل قريب من هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد واختاره أبو علي الجبّائي وهو الأرجح لأن قرة العين لا تحصل على مضض ولأن الحط في الحق يوجب الكدر.

ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ إلا به ولم يحفظ عنه أنه آثر إحدى أزواجه بليلة سوى ليلة سودة التي وهبتها لعائشة، استمر ذلك إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وقد جاء في الصحيح أنه كان في مرضه الذي توفي فيه يُطاف به كل يوم على بيوت أزواجه، وكان مبدأ شكواه في بيت ميمونة إلى أن جاءت نوبة ليلة عائشة فأذِنَّ له أزواجُه أن يمرض في بيتها رفقاً به.

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حين قَسَم لَهُن " اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " ولعل ذلك كان قبل نزول التفويض إليه بهذه الآية.

وفي قوله: ﴿ ويرضين بما آتيتهن كلهن ﴾ إشارة إلى أن المراد الرضى الذي يتساوَيْن فيه وإلا لم يكن للتأكيد ب ﴿ كلهن ﴾ نكتة زائدة، فالجمع بين ضميرهن في قوله: ﴿ كلهن ﴾ يومئ إلى رضى متساوٍ بينهن.

وضميرا ﴿ أعينهن ولا يحزن ﴾ عائدان إلى (مَن) في قوله: ﴿ ممن عزلت ﴾ .

وذكر ﴿ ولا يحزن ﴾ بعد ذكر ﴿ أن تقر أعينهن ﴾ مع ما في قُرّة العين من تضمّن معنى انتفاء الحزن بالإيماء إلى ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في ابتغاء بقاء جميع نسائه في مواصلته لأن في عزل بعضهن حزناً للمعزولات وهو بالمؤمنين رؤوف لا يحب أن يُحْزِن أحداً.

و ﴿ كلهن ﴾ توكيد لضمير ﴿ يَرْضَيْنَ ﴾ أو يتنازعه الضمائر كلّها.

والإِيتاء: الإِعطاء وغلب على إعطاء الخير إذا لم يذكر مفعوله الثاني، أو ذكر غير معيّن كقوله: ﴿ فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ [الأعراف: 144]، فإذا ذكر مفعوله الثاني فالغالب أنه ليس بسوء.

ولم أره يستعمل في إعطاء السوء فلا تقول: آتاه سجناً وآتاه ضرباً، إلا في مقام التهكم أو المشاكلة، فما هنا من القبيل الأول، ولهذا يبعد تفسيره بأنهن يرضين بما أذِن الله فيه لرسوله من عزلهن وإرجائهن.

وتوجيهه في «الكشاف» تكلف.

والتذييل بقوله: ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليماً حليماً ﴾ كلام جامع لمعنى الترغيب والتحذير ففيه ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في الإِحسان بأزواجه وإمائه والمتعرضات للتزوج به، وتحذير لهن من إضمار عدم الرضى بما يلقَيْنَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إجراء صفتي ﴿ عليماً حليماً ﴾ على اسم الجلالة إيماء إلى ذلك، فمناسبة صفة العلم لقوله: ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ ظاهرة، ومناسبة صفة الحليم باعتبار أن المقصود ترغيب الرسول صلى الله عليه وسلم في أليق الأحوال بصفة الحليم لأن همه صلى الله عليه وسلم التخلق بخلق الله تعالى وقد أجرى الله عليه صفات من صفاته مثل رؤوف رحيم ومثل شاهد.

وقالت عائشة رضي الله عنها: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

ولهذا لم يأخذ رسول الله بهذا التخيير في النساء اللاتي كنّ في معاشرته، وأخذ به في الواهبات أنفسهن مع الإحسان إليهن بالقول والبذل فإن الله كتب الإحسان على كل شيء.

وأخذ به في ترك التزوج من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته لأن ذلك لا حرج فيه عليهن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: تَتْرُكُ نِكاحَ مَن تَشاءُ وتَنْكِحُ مَن تَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: تَعْزِلُ مَن شِئْتَ مِن أزْواجِكَ فَلا تَأْتِيها، وتَأْتِي مَن شِئْتَ مِن أزْواجِكَ فَلا تَعْزِلُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَدُلُّ عَلى أنَّ القَسْمَ في هَذا التَّأْوِيلِ كانَ ساقِطًا عَنْهُ.

الرّابِعُ: تُؤَخِّرُ مَن تَشاءُ مِن أزْواجِكَ، وتَضُمُّ إلَيْكَ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَرَوى مَنصُورٌ عَنِ ابْنِ رَزِينٍ قالَ: «بَلَغَ بَعْضُ نِسْوَةِ النَّبِيِّ  أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُنَّ، فَأتَيْنَهُ فَقُلْنَ: لا تَخْلِ سَبِيلَنا وأنْتَ في حِلٍّ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكَ، فَأرْجَأ مِنهُنَّ نِسْوَةً وآوى نِسْوَةً فَكانَ مِمَّنْ أرْجَأ جُوَيْرِيَّةُ ومَيْمُونَةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ وصْفِيَّةُ وسَوْدَةُ.

وَكانَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ما تَشاءُ، وكانَ مِمَّنْ آوى عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ وكانَ قَسْمُهُ في مالِهِ ونَفْسِهِ فِيهِنَّ سَواءً.

» ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ أيْ مَنِ ابْتَغَيْتَ فَأوَيْتَهُ إلَيْكَ مِمَّنْ عَزَلْتَ أنْ تُؤَدِّيَهُ إلَيْكَ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في مَنِ ابْتَغَيْتَ، وفي مَن عَزَلْتَ.

قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: فَلا جُناحَ في مَن عَزَلْتَ أنْ تُؤْوِيَهُ إلَيْكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا عَلِمْنَ أنَّهُ لا يُطَلِّقُهُنَّ قَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ ولَمْ يَحْزَنَّ.

الثّانِي: إذا عَلِمْنَ أنَّهُ لا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهِنَّ قَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ ولَمْ يَحْزَنَّ.

قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فِيهِنَّ قَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ ولَمْ يَحْزَنَّ.

قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُنَّ عَلِمْنَ أنَّ لَهُ رَدَّهُنَّ إلى فِراشِهِ إذا اعْتَزَلَهُنَّ قَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ ولَمْ يَحْزَنَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ترجي من تشاء ﴾ يقول: تؤخر.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ترجي من تشاء منهن ﴾ قال: أمهات المؤمنين ﴿ وتؤوي ﴾ يعني نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ويعني بالارجاء يقول: من شئت خليت سبيله منهن، ويعني بالايواء يقول: من أحببت أمسكت منهن.

وقوله: ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ﴾ يعني بذلك النساء اللاتي أحلهن الله له من بنات العمة، والخال، والخالة، وقوله: ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ يقول: إن مات من نسائك التي عندك أحد، أو خليت سبيلها، فقد أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي كن عندك، أو خليت سبيلها، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك، ولا يصلح لك أن تزاد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئاً.

وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة فخشينا أن يطلقهن فقلن: يا رسول الله اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت، ولا تطلقنا فأنزل الله: ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ إلى آخر الآية.

قال: وكان المؤويات خمسة: عائشة.

وحفصة.

وأم سلمة.

وزينب.

وأم حبيبة.

والمرجآت أربعة: جويرية.

وميمونة.

وسودة.

وصفية.

وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوّجها فارجأها فيمن أرجا من نسائه.

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موسعاً عليه في قسم أزواجه، يقسم بينهن كيف شاء، وذلك قوله الله ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ﴾ إذا علمن أن ذلك من الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موسعاً عليه في قسم أزواجه أن يقسم بينهن كيف شاء، فلذلك قال الله: ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ﴾ إذا علمن أن ذلك من الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موسعاً عليه في قسم أزواجه أن يقسم بينهن كيف شاء، فلذلك قال الله: ﴿ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ﴾ إذا علمن أن ذلك من الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي.

أن امرأة من الأنصار وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيمن أرجئ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة، لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوّجها أو يتركها.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير عن الحسن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: كيف تهب نفسها؟

فلما أنزل الله: ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ قلت: ما أرى ربك الا يسارع في هواك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل!

فأنزل الله في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ فقال عائشة رضي الله عنها: أرى ربك يسارع في هواك.

وأخرج ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت ﴿ ترجي من تشاء منهن ﴾ قلت: إن الله يسارع لك فيما تريد.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن الشعبي رضي الله عنه قال: كن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ببعضهن وارجأ بعضهن، فلم يقربن حتى توفي، ولم ينكحن بعده.

منهن أم شريك فذلك قوله: ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي زيد رضي الله عنه قال: همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك أتينه فقلن: لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله: ﴿ ترجي من تشاء منهن ﴾ نسوة.

يقول: تعزل من تشاء فارجأ منهن واوى نسوة، وكان ممن أرجئ ميمونة.

وجويرية.

وأم حبيبة.

وصفية.

وسودة.

وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة.

وحفصة.

وأم سلمة.

وزينب.

فكانت قسمته من نفسه وماله بينهن سواء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ترجي من تشاء ﴾ قال: هذا أمر جعله الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في تأديبه نساءه، لكي يكون ذلك أقر لأعينهن، وأرضى في عيشتهن، ولم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن شيئاً، ولا عزله بعد أن خيرهن فاخترنه.

وأخرج ابن سعد عن ثعلبة بن مالك رضي الله عنه قال: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق بعض نسائه، فجعلنه في حل فنزلت ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ترجي من تشاء منهن ﴾ قال: تعتزل من تشاء منهن لا تأتيه بغير طلاق ﴿ وتؤوي إليك من تشاء ﴾ قال: ترده إليك ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ أن تؤويه إليك إن شئت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ترجي ﴾ قال: تؤخر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يطلق، كان يعتزل.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ ترجي من تشاء منهن ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟

قالت: كنت أقول له: إن ذاك إلي فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله -عز وجل-: ﴿ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ ذكرنا الكلام في [معنى] (١) ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ  ﴾ ، وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في إباحة النبي -  - مصاحبة نسائه ومعاشرتهن كيف شاء من غير حرج عليه في ذلك تخصيصًا له وتفضيلًا، فأبيح له لمن أحب منهن يومًا أو أكثر، ويعظل من شاء منهن فلا يأتيها.

وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد واختيار الفراء والزجاج.

فمعنى قوله: ﴿ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ﴾ قال ابن عباس ترجيها من غير طلاق، ﴿ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ ﴾ وتضم من تشاء تردها إليك (٢) (٣) ﴿ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ فتأتيها (٤) (٥) قال أبو إسحاق: (خيَّر الله -عز وجل- نبيه -  - فكان له أن يؤخِّر من أراد من نِسائه وله أن يردَّ من أحب إلى فراشه، وليس ذلك لغيره من أمته) (٦) (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ أي: إن أردت أن نؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن وأخرتهن من القسمة وتضمها إليك فلا جناح عليك (٩) (١٠) (١١) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان من عندنا، قال الفراء: (إذا علمن أن الله قد أباح ذلك رضين إذا كان من عند الله) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي: من أمر النساء والميل إلى بعضهن، قال صاحب النظم: هذا يدل على أن الله قصد بها التخيير والتيسير (١٥) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بخلقه ﴿ حَلِيمًا ﴾ عن عقابهم.

قاله ابن عباس (١٦) ﴿ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾ قوال سوى ما ذكرنا، وسياق الآية [بعضها و] (١٧) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 25، "الماوردي" 4/ 415، "زاد المسير" 6/ 407.

(٣) انظر: "تفسير مجاهد" ص 519، "تفسير الطبري" 22/ 25، "الماوردي" 4/ 415.

(٤) في (ب): (فتؤتيها).

(٥) لم أقف على من نسبه للكلبي، وقد ذكر الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 574 نحو هذا القول وعزاه لقتادة.

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.

(٧) في (ب): (وصفية وميمونة) تقديم وتأخير.

(٨) انظر: " تفسير الطبري" 26/ 22، وقد ذكر قول ابن زيد لكنه لم يذكر أسماء من آوى ومن عزل.

"تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3145 عن ابن زيد، "مجمع البيان" 8/ 574، ونسب القول لابن رزين، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 407 وعزاه لابن رزين أيضًا، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 635، ونسبه لابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي زيد.

(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.

(١٠) هكذا في النسخ!

ولعل الصواب: لا لوم.

(١١) الكلام هنا موهم والأسلوب فيه اضطراب، والذي يظهر لي والله أعلم أن الكلام من قوله: (ميل) إلى قوله: (ثم إيواء من أرجأت فلا جناح عليك) كلام زائد وقع خطأ من النساخ.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" 2/ 346.

(١٣) في (ب): (إليك).

(١٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.

(١٥) في (ب): (التسير).

(١٦) لم أقف عليه (١٧) هكذا في النسخ!

ولعلها زيادة من النساخ؛ لأنه يخل بنظم الكلام.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ معنى ﴿ تُرْجِي ﴾ تؤخر وتبعد، ومعنى: ﴿ وتؤوي ﴾ تضم وتقرب.

واختلف في المراد بهذا الإرجاء والإيواء، فقيل إن ذلك في القسمة بينهنّ، أي تكثر لمن شئت، وتقلل لمن شئت، وقيل: إنه في الطلاق أي تمسك من شئت وتطلق من شئت؛ وقيل: معناه تتزوج من شئت، وتترك من شئت، والمعنى على كل قول توسعة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإباحة له أن يفعل ما يشاء، وقد اتفق الناقلون على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه: أخذاً منه بأفضل الأخلاق مع إباحة الله له، والضمير في قوله: ﴿ مِنْهُنَّ ﴾ : يعود على أزواجه صلى الله عليه وسلم خاصة أو على كل ما أحل الله له على حسب الخلاف المتقدم ﴿ وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ في معناه قولان: أحدهما من كنت عزلته من نسائك فلا جناح عليك في ردّه بعد عزله، والآخر من ابتغيت ومن عزلت سواء في إباحة ذلك، فمن للتبعيض على القول الأول، وأما على القول الثاني فنحو قولك: من لقيك ومن لم يلقك سواء ﴿ ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ أي إذا علمن أن هذا حكم الله فرّت به أعينهن ورضين به، زال ما كان بهنّ من الغيرة، فإن سبب نزول هذه الآية ما وقع لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من غيرة بعضهن على بعض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.

الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالثاء المثلثة.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي  ، وقد مر أنه  بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.

والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله  "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.

ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله  "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.

ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.

جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.

وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.

ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.

وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.

ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".

وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.

والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي  مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله  جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي  مدع لها.

بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله  ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.

وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.

أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.

ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.

ووصف النبي  بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.

وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.

ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".

ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.

قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.

ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.

في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.

وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.

وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.

وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.

وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.

وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله  أيضاً.

ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.

ثم عاد إلى تعليم النبي  .

وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله  اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.

وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي  كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي  لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.

والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ  من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.

ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾  يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.

والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.

قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال  ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله  من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله  كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.

وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي  .

وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.

والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.

وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.

وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.

وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.

ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.

ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه  بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.

والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.

﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.

يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.

وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.

وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.

وعن الحسن: وكان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.

ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.

ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.

وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.

وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه  شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله  من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.

وإنه  زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.

وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي  وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله  : يا عيينة أين الاستئذان؟

فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.

ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.

قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.

فقال  : إن الله قد حرم ذلك.

فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟

قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.

وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.

قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.

واستثنى ممن حرم عليه الإماء.

وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.

واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له  من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.

وعن عائشة: ما مات رسول الله  حتى أحل له النساء.

تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.

ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله  فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.

وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.

وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.

وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.

ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.

وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا  ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.

يروى أن رسول الله  أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.

فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟

وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله  شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.

ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.

والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.

قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.

والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.

وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.

﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.

وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.

ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.

إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.

ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.

قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.

وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.

ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.

قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.

ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.

ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.

وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي  : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه  شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي  .

واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.

وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟

فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعنه  "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.

ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.

والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم  ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله  ﴿ فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.

وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.

وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.

وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.

ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.

قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً  .

وقيل: في إفك عائشة.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.

ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.

يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.

ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.

وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.

روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.

المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.

وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.

وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.

ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله  عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.

ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.

ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.

ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.

والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.

ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.

قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.

من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.

قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.

وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".

وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.

وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.

ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.

أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.

وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.

والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.

واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.

وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.

فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.

وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".

والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.

فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.

ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله  ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.

فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.

وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.

وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.

وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.

وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.

واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين  ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.

والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.

ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.

فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.

وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).

الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.

وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.

التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.

وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي  كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.

﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.

﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم  ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.

وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.

فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.

ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.

فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.

ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ .

ذكر أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: كان بيني وبين عمتي كلام، فقلت: يوم أتزوج ابنتك فهي طالق ثلاثاً؛ فقال: تزوجها فهي لك حلال؛ أما تقرأ هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ...

﴾ الآية.

فجعل الطلاق بعد النكاح.

وعندنا: أنه إذا حلف: إن تزوجها فهي طالق؛ يكون طلاقاً بعد النكاح، وليس في الآية منع وقوع الطلاق إذا أضافه إلى ما بعد النكاح.

وقوله: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، يحتمل المماسة: الجماع، أي: من قبل أن تجامعوهن.

ويحتمل: من قبل أن تدخلوا بهن المكان الذي تماسّونهن؛ وإلا لو دخل بها المكان الذي يماسها، ثم طلقها يجب كمال الصداق، وإذا لم يجامعها، ولم يدخل المكان الذي يماسها حتى طلقها - وجب نصف الصداق؛ ويدل على ذلك قول الله حيث قال: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ  ﴾ ، والإفضاء ليس هو الجماع نفسه؛ ولكن الدنو منها والمسّ باليد أو شبهه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ .

هذا يدل على أن العدة من حق الزوج عليها؛ حيث قال: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ ، ولا يجوز له أن يجمع بين أختين فيما له من حق؛ فعلى ذلك ليس له أن يجمع بين الأختين في حق العدة التي له قبلها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ .

قال بعضهم: هذه المتعة منسوخة بالآية التي ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: هي التي وهبت نفسها بغير صداق، فإن لم يجب الصداق وجب المتعة.

وعندنا: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلا نصف الصداق، ولا يجب عليه المتعة وجوب حكم، لكن إن فعل ومتعها فهو أفضل وأحسن، وإن كان لم يفرض لها صداقاً حتى طلقها قبل الدخول بها؛ فهي واجبة على قدر عسره ويسره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يمتعها إذا سرحها.

وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يبذل لها الصداق.

وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يقول: لا تؤذوهن بألسنتكم إذا سرحتموهن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: ضمنت أجورهن وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ هو على القبول، تأويله: فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ  ﴾ ليس على نفس الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت أجورهن وضمنت.

والثاني: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ ﴾ هن لك إذا ﴿ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن.

وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجراً؛ فيكون قوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعاً في النكاح؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة "الهبة"؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك - أيضاً - امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة فلا.

وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ذكرنا؛ وهو قوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له بـ"قد..."؛ فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة "الهبة"، ليست تلك في لفظة "التزويج"، يقول مكان قوله: ﴿ وَهَبَتْ ﴾ : "زوجت"؛ دل أن المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة "الهبة".

أو أن يكون قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ في الآخرة، أي: لا تحل لأحد سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأمّا أن يفهم من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بلفظة "الهبة" فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: "وهبت"، وبين أن تقول: "زوجت".

وبعد: فإن كثيراً من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد الله بن مسعود، وابن عباس وغيرهما -  م - لم يفهموا من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ ﴾ بلفظة دون لفظة، حتى روي عن ابن عباس -  - أنه قال في قوله: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ : "هن الموهوبات"، فما بال الشافعي في فهم ذلك ما ذكر؟!

وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة "الهبة" من البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .

أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضاً، ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ﴾ .

ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول الله  ذكراً للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول.

أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ  ﴾ ؛ إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاغ: ما كان بنسب، وما كان بسبب، ثم قال: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ  ﴾ ؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ .

لم يفهم أحد من قوله: ﴿ هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ : الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ بل دخل في قوله: ﴿ مَعَكَ ﴾ من هاجر من قبل ومن بعد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ .

قال بعضهم: ما فرضنا على الناس، ﴿ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، وهن أربع نسوة لا تحل الزيادة على الأربع، ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ ، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة على ذلك وإن كثرن.

وقال بعضهم: كان مما فرض الله ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أي بينا ما يجوز وما لا يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج.

أو ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ : اختلف فيه: عن الحسن قال: كان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها النبي أو يتزوجها، وإذا ترك خطبتها كان لغيره أن يخطبها، ثم إذا خطبها رسول الله، لم يكن لأحد أن يخطبها بعد ذلك، إلا أن يترك خطبتها، أو كلام نحوه؛ فيصرف تأويل الآية إلى ما ذكرنا.

وكذلك يقول قتادة: إن الآية في الخطبة.

وقال بعضهم: هذا في قسمة الأيام بينهن كان يسوي بينهن قسمين، فوسع الله عليه في ذلك، فأحل له، فقال: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: من نسائه، أي: تترك من تشاء منهن، فلا تأتيها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ ، فتأتيها.

﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ ، يقول: ممن اخترت من نسائك أن تأتيها فعلت، فقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ على ترك القسم إذا علمن أن الله قد جعل لك ذلك حلالا، وأنزل فيهن الآية، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، إذا علمن أن الرخصة جاءت من الله -  - له، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن من ترك ذلك.

وقال بعضهم: إن أزواج رسول الله  اللاتي كن تحته خشين أن يطلقهن؛ فقلن: يا رسول الله، اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ولا تطلقنا؛ فنزل: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تعتزل من تشاء منهن أن تعتزل بغير طلاق، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ترد وتضم من تشاء منهن إليك؛ ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ .

وقال بعضهم: الآية في ترك نكاح ما أباح له من القرابات من يشاء منهن، وفي الإقدام على نكاح من يشاء منهن؛ لأنه على أثر ذلك ذكر، يقول: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، يعني: من بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا تزوجها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم إليك من تشاء منهن فتزوجها.

فنقول: خير الله رسوله في نكاح القرابة؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ ﴾ منهن فتزوجها، و ﴿ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: لا حرج عليك في ذلك؛ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ ﴾ ، يقول: أجدر وأحرى وأقرب ﴿ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ ، أي: النساء اللاتي عندك واخترتهن، ﴿ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ إذا علمن ألا تتزوج عليهن، ويرضين بما آتيتهن كلهن من النفقة، وكان في نفقتهن قلة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، ذلك حين خيرهن رسول الله بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة؛ فاخترن رسول الله، يقول - والله أعلم -: إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ عن قلة النفقة والجماع، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ من النفقة وغيره.

﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ﴾ ، من الحب والرضا، ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ .

قال قائلون: من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة؛ لأن الله لما خيرهن بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله والدار الآخرة قصره الله عليهن، فقال: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ أي: من بعد اختيارهن المقام معك.

﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ : فإن كان على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهنّ والمكافآت؛ لما اخترنه على الدنيا وما فيها؛ لئلا يشرك غيرهن في قَسْمِهِنَّ منه.

وروي عن عائشة -  ا - أنها قالت: اشترطنا على رسول الله  لما اخترناه والدار الآخرة: ألا يتزوج علينا، ولا يبدل بنا من أزواج.

ثم استثنى ما ملكت يمينه؛ لأنه لا حظ لهن في القسم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المسلمات: كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات: ألا يتزوج يهودية ولا نصرانية؛ فتكون من أمّهات المؤمنين، ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ أي: لا بأس أن تشتري اليهودية والنصرانية؛ فإن كان على هذا، ففيه حظر الكتابيات لرسول الله لما ذكر خاصّة، وأمّا المؤمنون: فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات؛ بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ ؛ فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المذكورات المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات؛ يقول: لا يحل لك من النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا تبديلهن، ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ﴾ أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة.

أو أن يكون على التحريم نفسه في الحكم، وليس لنا أن نفسّر أي تحريم أراد؟

تحريم الحظر والمنع في الخلق، أو تحريم الحكم؛ لأن ذلك كان لرسول الله  ، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل.

والتبديل بهن يحتمل في التطليق: يطلقهن، فيتزوج غيرهن.

ويحتمل بالموت: إذا متن - أيضاً - لم يحل له أن ينكح غيرهن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تحبس من تشاء منهن ولا تقربها.

وقال القتبي: ﴿ تُرْجِي ﴾ ، أي: تؤخر؛ يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ  ﴾ ، قال بعضهم: احسبه.

وقال بعضهم: أخره.

وقوله: ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم.

وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ﴾ ، أي: حفيظاً، وقيل: شاهداً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تؤخر -أيها الرسول- من تشاء تأخير قَسْمه من نسائك فلا تبيت معها، وتضم إليك من تشاء منهن فتبيت معها، ومن طلبتَ أن تضمها ممن أخرتَهنَّ فلا إثم عليك في ذلك، ذلك التخيير والتوسيع لك أقرب أن تقر به أعين نسائك، وأن يرضين بما أعطيتهنّ جميعهنّ؛ لعلمهن أنك لم تترك واجبًا، ولم تبخل بحق، والله يعلم ما في قلوبكم - أيها الرجال - من الميل إلى بعض النساء دون بعض، وكان الله عليمًا بأعمال عباده، لا يخفى عليه منها شيء، حليمًا لا يعاجلهم بالعقوبة لعلهم يتوبون إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.jjn15"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا  ﴾ .

نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته  ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ  ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).

فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي  ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه  لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.

لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ  ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟

أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟

ومن وجهة أخرى نرى أن النبي  -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ إلخ.

فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.

مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي  ومن يختصه الله بالتأسي به.

لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي  إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

نادى  في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.

على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي  في أمر زينب.

كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ  ﴾ إلخ، فعمد النبي  -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.

لهذا أرغم النبي  زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله  المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ  ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا  ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ .

وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.

واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي  وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي  كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ  ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.

قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي  رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟

حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال  : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!

"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.

سبحان الله!

كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟

فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود  .

وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.

تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.

أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.

وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.

أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه  لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!

إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله