الآية ٥٢ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥٢ من سورة الأحزاب

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ رَّقِيبًۭا ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 163 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ذكر غير واحد من العلماء - كابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وابن زيد ، وابن جرير ، وغيرهم - أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضا عنهن ، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة ، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم في الآية .

فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان جزاؤهن أن [ الله ] قصره عليهن ، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن ، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن ، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن .

ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية ، وأباح له التزوج ، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة للرسول صلى الله عليه وسلم عليهن .

قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء .

ورواه أيضا من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة .

ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة ، حدثني عمر بن أبي بكر ، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن عبد الله بن وهب بن زمعة ، عن أم سلمة أنها قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء ، إلا ذات محرم ، وذلك قول الله عز وجل : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ) .

فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة ، كآيتي عدة الوفاة في البقرة ، الأولى ناسخة للتي بعدها ، والله أعلم .

وقال آخرون : بل معنى الآية : ( لا يحل لك النساء من بعد ) أي : من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك .

هذا مروي عن أبي بن كعب ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك - في رواية - وأبي رزين - في رواية عنه - وأبي صالح ، والحسن ، وقتادة - في رواية - والسدي ، وغيرهم .

قال ابن جرير : حدثنا يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن داود بن أبي هند ، حدثني محمد بن أبي موسى ، عن زياد - رجل من الأنصار - قال : قلت لأبي بن كعب : أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين ، أما كان له أن يتزوج ؟

فقال : وما يمنعه من ذلك ؟

قال : قلت : قوله : ( لا يحل لك النساء من بعد ) .

فقال : إنما أحل الله له ضربا من النساء ، فقال : ( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ) إلى قوله : ( إن وهبت نفسها للنبي ) ثم قيل له : ( لا يحل لك النساء من بعد ) .

ورواه عبد الله بن أحمد من طرق ، عن داود ، به .

وروى الترمذي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء ، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله : ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ) ، فأحل الله فتياتكم المؤمنات ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) ، وحرم كل ذات دين غير الإسلام ، ثم قال : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) وقال ( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ) إلى قوله : ( خالصة لك من دون المؤمنين ) ، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء .

وقال مجاهد : ( لا يحل لك النساء من بعد ) أي : من بعد ما سمى لك ، لا مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة .

وقال أبو صالح : ( لا يحل لك النساء من بعد ) : أمر ألا يتزوج أعرابية ولا غربية ، ويتزوج بعد من نساء تهامة ، وما شاء من بنات العم والعمة ، والخال والخالة ، إن شاء ثلاثمائة .

وقال عكرمة : ( لا يحل لك النساء من بعد ) أي : التي سمى الله .

واختار ابن جرير ، رحمه الله ، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء ، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا .

وهذا الذي قاله جيد ، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف; فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا ، ولا منافاة ، والله أعلم .

ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها ، وعزم على فراق سودة حتى وهبته يومها لعائشة ، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله : ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) ، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح ، ولكن لا يحتاج إلى ذلك; فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته ، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن ، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال ، والله أعلم .

فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة ، رضي الله عنها ، وهي سبب نزول قوله تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا [ والصلح خير ] ) الآية [ النساء : 128 ] .

وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه ، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن صالح بن صالح بن حي عن سلمة أن ابن كهيل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن عمر; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها .

وهذا إسناد قوي .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو كريب ، حدثنا يونس بن بكير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن ابن عمر قال : دخل عمر على حفصة وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك ؟

لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك ؟

إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي; والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا .

ورجاله على شرط الصحيحين .

وقوله : ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) ، فنهاه عن الزيادة عليهن ، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه .

وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكره هاهنا ، فقال : حدثنا إبراهيم بن نصر ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسحاق بن عبد الله القرشي ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل : بادلني امرأتك وأبادلك بامرأتي : أي : تنزل لي عن امرأتك ، وأنزل لك عن امرأتي .

فأنزل الله : ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) قال : فدخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده عائشة ، فدخل بغير إذن ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فأين الاستئذان ؟

" فقال يا رسول الله ، ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت .

ثم قال : من هذه الحميراء إلى جنبك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه عائشة أم المؤمنين " .

قال : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ؟

قال : " يا عيينة إن الله قد حرم ذلك " .

فلما أن خرج قالت عائشة : من هذا ؟

قال : هذا أحمق مطاع ، وإنه على ما ترين لسيد قومه " .

ثم قال البزار إسحاق بن عبد الله : لين الحديث جدا ، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه ، وبينا العلة فيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ...) الآية إلى (رَقِيبًا) قال: نهي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئًا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ...) إلى قوله (إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) قال: لما خيرهن فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره عليهن؛ فقال: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ) وهن التسع التي اخترن الله ورسوله.

وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بقولنا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...

إلى قوله اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا الكلام إلى أن معناه: لا يحل لك من النساء إلا التي أحللناها لك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن &; 20-298 &; محمد بن أبي موسى، عن زياد، قال لأبي بن كعب: هل كان للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لو مات أزواجه أن يتزوج؟

قال: ما كان يحرم عليه ذلك، فقرأت عليه هذه الآية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ قال: فقال: أحل له ضربًا من النساء، وحرم عليه ما سواهن، أحل له كل امرأة آتى أجرها، وما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته، وكل امرأة وهبت نفسها له إن أراد أن يستنكحها خالصة له من دون المؤمنين.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، عن زياد الأنصاري، قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو مات نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أكان يحل له أن يتزوج؟

قال: وما يحرم ذلك عليه؟

قال: قلت قوله: ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) قال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، قال: ثني محمد بن أبي موسى، عن زياد، رجل من الأنصار، قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفين، أما كان له أن يتزوج؟

فقال: وما يمنعه من ذلك؟

وربما قال داود: وما يحرم عليه ذلك؟

قلت: قوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) فقال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء، فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...

إلى قوله إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ثم قيل له ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عمن ذكره، عن أَبي صالح ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) قال: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة، ويتزوج بعد من نساء تهامة، ومن شاء من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاث مئة .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) هؤلاء التي سمى الله إلا(بَنَاتِ عَمِّكَ ...) &; 20-299 &; الآية.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) يعني من بعد التسمية، يقول: لا يحل لك امرأة إلا ابنة عم أو ابنة عمة أو ابنة خال أو ابنة خالة أو امرأة وهبت نفسها لك، من كان منهن هاجر مع نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وفي حرف ابن مسعود: (والَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) يعني بذلك: كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحل لك النساء من غير المسلمات، فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.

وأولى الأقوال عندي بالصحة قول من قال: معنى ذلكَ: لا يحل لك النساء من بعد بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ...

إلى قوله وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ .

وإنما قلت ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ ) عقيب قوله إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء ولا يحللن لك إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين، فعل الأخرى منهما.

فإذ كان ذلك كذلك ولا دلالة ولا برهان على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنـزيل إحداهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة، لم يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى.

وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن لقول من قال: معنى ذلك: لا يحل &; 20-300 &; من بعد المسلمات يهودية ولا نصرانية ولا كافرة، معنى مفهوم، إذ كان قوله (مِنْ بَعْدُ) إنما معناه: من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذكر إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فتكون الكوافر مخصوصات بالتحريم، صح ما قلنا في ذلك، دون قول من خالف قولنا فيه.

واختلفت القراء في قراءة قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ ) فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة (يَحِلُّ) بالياء، بمعنى: لا يحل لك شيء من النساء بعد.

وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة (لا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ) بالتاء توجيها منه إلى أنه فعل للنساء، والنساء جمع للكثير منهن.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأه بالياء للعلة التي ذكرت لهم، ولإجماع الحجة من القراء على القراءة بها، وشذوذ من خالفهم في ذلك.

وقوله ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة، ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من الكوافر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ) ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من النصارى واليهود والمشركين ( وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أَبي رزين في قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) قال: لا يحل لك أن تتزوج من المشركات إلا من سبيت فملكته يمينك منهن.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبدل بأزواجك اللواتي هن في حبالك أزواجًا غيرهن؛ بأن تطلقهن وتنكح غيرهن.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) يقول: لا يصلح لك أن تطلق شيئًا من أزواجك ليس يعجبك، فلم يكن يصلح ذلك له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبادل من أزواجك غيرك؛ بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) قال: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم؛ يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأته؛ فقال ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت أن تبادل، فأما الحرائر فلا قال: وكان ذلك من أعمالهم في الجاهلية.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا أن تطلق أزواجك فتستبدل بهن غيرهن أزواجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لما قد بينا قبل من أن قول الذي قال معنى &; 20-302 &; قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) لا يحل لك اليهودية أو النصرانية والكافرة، قول لا وجه له.

فإذ كان ذلك كذلك فكذلك قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ) كافرة لا معنى له، إذ كان من المسلمات من قد حرم عليه بقوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) الذي دللنا عليه قبل.

وأما الذي قاله ابن زيد في ذلك أيضًا فقول لا معنى له، لأنه لو كان بمعنى المبادلة لكانت القراءة والتنـزيل: ولا أن تبادل بهن من أزواج، أو ولا أن تُبدل بهن بضم التاء، ولكن القراءة المجمع عليها: ولا أن تَبدل بهن بفتح التاء، بمعنى: ولا أن تستبدل بهن، مع أن الذي ذكر ابن زيد من فعل الجاهلية غير معروف في أمة نعلمه من الأمم: أن يبادل الرجل آخر بامرأته الحرة، فيقال: كان ذلك من فعلهم فنهى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن فعل مثله.

فإن قال قائل: أفلم يكن لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتزوج امرأة على نسائه اللواتي كن عنده، فيكون موجهًا تأويل قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ) إلى ما تأولت، أو قال: وأين ذكر أزواجه اللواتي كن عنده في هذا الموضع، فتكون الهاء من قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ) من ذكرهن وتوهم أن الهاء في ذلك عائدة على النساء، في قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) ؟

قيل: قد كان لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتزوج من شاء من النساء اللواتي كان الله أحلهن له على نسائه اللاتي كن عنده يوم نـزلت هذه الآية، وإنما نهي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بهذه الآية أن يفارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن المستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة، والرضا بالله ورسوله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن على غيره بذلك، ومنع من فراقهن بطلاق، فأما نكاح غيرهن فلم يمنع منه، بل أحل الله له ذلك على ما بين في كتابه.

وقد روي عن عائشة أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يقبض حتى أحل الله له نساء أهل الأرض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل له النساء، تعني: أهل الأرض .

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل له النساء.

حدثنا العباس بن أبي طالب، قال: ثنا معلى، قال: ثنا وهيب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي، عن عائشة قالت: ما توفي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء.

حدثني أَبو زيد عمر بن شبة، قال: ثنا أَبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: أحسب عبيد بن عمير حدثني، قال أَبو زيد وقال أَبو عاصم مرة، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل الله له النساء .

قال: وقال أَبو الزبير: شهدت رجلا يحدثه عطاء.

حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا همام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى حل له النساء.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن الله حرم على نبيه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتي خيرهن فاخترنه، فما وجه الخبر الذي روي عنه أنه طلق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سودة حتى صالحته على ترك طلاقه إياها، ووهبت يومها لعائشة؟

قيل: كان ذلك قبل نـزول هذه الآية.

والدليل على صحة ما قلنا من أن ذلك كان قبل تحريم الله على نبيه طلاقهن، الرواية الواردة أن عمر دخل على حفصة معاقبها حين اعتزل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نساءه ، كان من قيله لها: قد كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم طلقك، فكلمته فراجعك، فوالله لئن طلقك، أو لو كان طلقك لا كلمته فيك.

وذلك لا شك قبل نـزول آية التخيير، لأن آية التخيير إنما نـزلت حين انقضى وقت يمين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على اعتزالهن.

وأما أمر الدلالة على أن أمر سودة كان قبل نـزول هذه الآية، أن الله إنما أمر نبيه بتخيير نسائه بين فراقه والمقام معه على الرضا بأنْ لا قَسْم لهن، وأنه يرجي من يشاء منهن، ويؤوي منهن من يشاء، ويؤثر من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له تعالى ذكره وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ومن المحال أن يكون الصلح بينها وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جرى على تركها يومها لعائشة في حال لا يوم لها منه.

وغير جائز أن يكون كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يوم هو لها حق كان واجبًا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أداؤه إليها، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير لما قد وصفت قبل فيما مضى من كتابنا هذا.

فتأويل الكلام: لا يحل لك يا محمد النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك في الآية قبل، ولا أن تطلق نساءك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسن من أردت أن تبدل به منهن، إلا ما ملكت يمينك.

وأن في قوله (أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ) رفع، لأن معناها: لا يحل لك النساء من بعد، ولا الاستبدال بأزواجك، وإلا في قوله: (إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) استثناء من النساء.

ومعنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك إلا ما ملكت يمينك من الإماء، فإن لك أن تملك من أى أجناس الناس شئت من الإماء.

وقوله (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) يقول: وكان الله على كل شيء؛ ما أحل لك، وحرم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظًا لا يعزب عنه علم شيء من ذلك، ولا يئوده حفظ ذلك كله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) : أي حفيظًا في قول الحسن وقتادة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا .فيه سبع مسائل :الأولى : اختلف العلماء في تأويل قوله : لا يحل لك النساء من بعد على أقوال سبعة :الأول : أنها منسوخة بالسنة ، والناسخ لها حديث عائشة ، قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء .

وقد تقدم .[ ص: 199 ] الثاني : أنها منسوخة بآية أخرى ، روى الطحاوي عن أم سلمة قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء ، إلا ذات محرم ، وذلك قوله عز وجل : ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء .

قال النحاس : وهذا والله أعلم أولى ما قيل في الآية ، وهو وقول عائشة واحد في النسخ .

وقد يجوز أن تكون عائشة أرادت أحل له ذلك بالقرآن .

وهو مع هذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وعلي بن الحسين والضحاك .

وقد عارض بعض فقهاء الكوفيين فقال : محال أن تنسخ هذه الآية ، يعني ترجي من تشاء منهن لا يحل لك النساء من بعد وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون ورجح قول من قال نسخت بالسنة .قال النحاس : وهذه المعاوضة لا تلزم ، وقائلها غالط ؛ لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة ، كما صح عن ابن عباس : أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان .

ويبين لك أن اعتراض هذا المعترض لا يلزم أن قوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج منسوخة على قول أهل التأويل - لا نعلم بينهم خلافا - بالآية التي قبلها والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا .الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم حظر عليه أن يتزوج على نسائه ، لأنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، هذا قول الحسن وابن سيرين وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .

قال النحاس : وهذا القول يجوز أن يكون هكذا ثم نسخ .الرابع : أنه لما حرم عليهن أن يتزوجن بعده حرم عليه أن يتزوج غيرهن ، قاله أبو أمامة بن سهل بن حنيف .الخامس : لا يحل لك النساء من بعد أي من بعد الأصناف التي سميت ، قاله أبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين ، وهو اختيار محمد بن جرير .

ومن قال إن الإباحة كانت له مطلقة قال هنا : لا يحل لك النساء معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات .

وهذا تأويل فيه بعد .وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة أيضا .

وهو القول السادس .

قال مجاهد : لئلا تكون كافرة أما للمؤمنين .

وهذا القول يبعد ، لأنه يقدره : من بعد المسلمات ، ولم يجر للمسلمات ذكر .

وكذلك قدر ولا أن تبدل بهن أي ولا أن تطلق مسلمة لتستبدل بها كتابية .[ ص: 200 ] السابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حلال أن يتزوج من شاء ثم نسخ ذلك .

قال : وكذلك كانت الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم ; قاله محمد بن كعب القرظي .الثانية : قوله تعالى : ولا أن تبدل بهن من أزواج قال ابن زيد : هذا شيء كانت العرب تفعله ، يقول أحدهم : خذ زوجتي وأعطني زوجتك ، روى الدارقطني عن أبي هريرة قال : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل : انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك ، فأنزل الله عز وجل ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن قال : فدخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة ، فدخل بغير إذن ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عيينة فأين الاستئذان ؟

فقال : يا رسول الله ، ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت .

قال : من هذه الحميراء إلى جنبك ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه عائشة أم المؤمنين قال : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق .

فقال : يا عيينة ، إن الله قد حرم ذلك .

قال فلما خرج قالت عائشة : يا رسول الله ، من هذا ؟

قال : أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه .

وقد أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب ، من أنها كانت تبادل بأزواجها .

قال الطبري : وما فعلت العرب قط هذا .

وما روي من حديث عيينة بن حصن من أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة .

.

الحديث ، فليس بتبديل ، ولا أراد ذلك ، وإنما احتقر عائشة لأنها كانت صبية فقال هذا القول .قلت : وما ذكرناه من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة من أن البدل كان في الجاهلية يدل على خلاف ما أنكر من ذلك ، والله أعلم .

قال المبرد : وقرئ لا يحل بالياء والتاء .

فمن قرأ بالتاء فعلى معنى جماعة النساء ، وبالياء من تحت على معنى جميع النساء .

وزعم الفراء قال : اجتمعت القراء على أن القراءة بالياء ، وهذا غلط ، وكيف يقال : اجتمعت القراء وقد قرأ أبو عمرو بالتاء بلا اختلاف عنه .الثالثة : قوله تعالى : ولو أعجبك حسنهن قال ابن عباس : نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس ، أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات عنها جعفر بن أبي طالب حسنها ، فأراد أن يتزوجها ، فنزلت الآية ، وهذا حديث ضعيف قاله ابن العربي .[ ص: 201 ] الرابعة : في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها .

وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما .

وقال عليه السلام لآخر : انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا أخرجه الصحيح .

قال الحميدي وأبو الفرج الجوزي .

يعني صفراء أو زرقاء .

وقيل رمصاء .الخامسة : الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة ، فإنه إذا نظر إليها فلعله يرى منها ما يرغبه في نكاحها .

ومما يدل على أن الأمر على جهة الإرشاد ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل .

فقوله : فإن استطاع فليفعل لا يقال مثله في الواجب .

وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون وغيرهم وأهل الظاهر .

وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم ؛ للأحاديث الصحيحة ، وقوله تعالى : ولو أعجبك حسنهن .

وقال سهل بن أبي حثمة : رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بنت الضحاك على إجار من أجاجير المدينة فقلت له : أتفعل هذا ؟

فقال نعم !

قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها .

الإجار : السطح ، بلغة أهل الشام والحجاز .

قال أبو عبيد : وجمع الإجار أجاجير وأجاجرة .السادسة : اختلف فيما يجوز أن ينظر منها ، فقال مالك : ينظر إلى وجهها وكفيها ، ولا ينظر إلا بإذنها .

وقال الشافعي وأحمد : بإذنها وبغير إذنها إذا كانت مستترة .

وقال الأوزاعي : ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها .

قال داود : ينظر إلى سائر جسدها ، تمسكا بظاهر اللفظ .

وأصول الشريعة ترد عليه في تحريم الاطلاع على العورة .

والله أعلم .السابعة : قوله تعالى : إلا ما ملكت يمينك اختلف العلماء في إحلال الأمة الكافرة للنبي صلى الله عليه وسلم على قولين : تحل لعموم قول : إلا ما ملكت يمينك ، قاله مجاهد وسعيد بن جبير [ ص: 202 ] وعطاء والحكم .

قالوا : قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد أي لا تحل لك النساء من غير المسلمات ، فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك ، أي لا يحل لك أن تتزوج كافرة فتكون أما للمؤمنين ولو أعجبك حسنها ، إلا ما ملكت يمينك ، فإن له أن يتسرى بها .

القول الثاني : لا تحل ، تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة ، وقد قال الله تعالى : ولا تمسكوا بعصم الكوافر فكيف به صلى الله عليه وسلم .

و ( ما ) في قوله : إلا ما ملكت يمينك في موضع رفع بدل من ( النساء ) .

ويجوز أن يكون في موضع نصب على استثناء ، وفيه ضعف .

ويجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : إلا ملك يمينك ، و ( ملك ) بمعنى مملوك ، وهو في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا شكر من اللّه، الذي لم يزل شكورًا، لزوجات رسوله، رضي اللّه عنهن، حيث اخترن اللّه ورسوله، والدار الآخرة، أن رحمهن، وقصر رسوله عليهن فقال: { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } زوجاتك الموجودات { وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } أي: ولا تطلق بعضهن، فتأخذ بدلها.فحصل بهذا، أمنهن من الضرائر، ومن الطلاق، لأن اللّه قضى أنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، لا يكون بينه وبينهن فرقة.{ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } أي: حسن غيرهن، فلا يحللن لك { إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } أي: السراري، فذلك جائز لك، لأن المملوكات، في كراهة الزوجات، لسن بمنزلة الزوجات، في الإضرار للزوجات.

{ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } أي: مراقبًا للأمور، وعالمًا بما إليه تؤول، وقائمًا بتدبيرها على أكمل نظام، وأحسن إحكام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ) قرأ أبو عمرو ويعقوب : " لا تحل " بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء ، " من بعد " : يعني من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن فاخترنك ، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خيرهن فاخترن الله ورسوله شكر الله لهن وحرم عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن ، هذا قول ابن عباس وقتادة .

واختلفوا في أنه هل أبيح له النساء من بعد ؟

قالت عائشة : ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل له النساء سواهن .

وقال أنس : مات على التحريم .

وقال عكرمة ، والضحاك : معنى الآية لا يحل لك النساء إلا اللاتي أحللنا لك وهو قوله : " إنا أحللنا لك أزواجك " الآية ، ثم قال : " لا يحل لك النساء من بعد " ، إلا التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها .

وقيل لأبي بن كعب : لو مات نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - أكان يحل له أن يتزوج ؟

قال : وما يمنعه من ذلك ؟

قيل : قوله - عز وجل - : " لا يحل لك النساء من بعد " ، قال : إنما أحل الله له ضربا من النساء ، فقال : " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك " ، ثم قال : " لا يحل لك النساء من بعد " .

قال أبو صالح : أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية ، ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة والخالة إن شاء ثلاثمائة : وقال مجاهد : معناه لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن ، يقول : ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى ، يقول لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية ، إلا ما ملكت يمينك ، أحل له ما ملكت يمينه من الكتابيات أن يتسرى بهن .

وروي عن الضحاك : يعني ولا أن تبدل بهن ولا أن تبدل بأزواجك اللاتي هن في حيالك أزواجا غيرهن بأن تطلقهن فتنكح غيرهن ، فحرم عليه طلاق النساء اللواتي كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين ، وحرمهن على غيره حين اخترنه ، فأما نكاح غيرهن فلم يمنع عنه .

وقال ابن زيد في قوله : ) ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ) كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم ، يقول الرجل للرجل : بادلني بامرأتك ، وأبادلك بامرأتي ، تنزل لي عن امرأتك ، وأنزل لك عن امرأتي ، فأنزل الله : ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ) يعني لا تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجك وتأخذ زوجته ، إلا ما ملكت يمينك لا بأس أن تبدل بجاريتك ما شئت ، فأما الحرائر فلا .

وروي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : دخل عيينة بن حصن على النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير إذن ، وعنده عائشة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا عيينة فأين الاستئذان " ؟

قال : يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت ، ثم قال : من هذه الحميراء إلى جنبك ؟

فقال : هذه عائشة أم المؤمنين ، فقال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله قد حرم ذلك " ، فلما خرج قالت عائشة : من هذا يا رسول الله ؟

فقال : " هذا أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه " .

قوله - عز وجل - : ( ولو أعجبك حسنهن ) يعني : ليس لك أن تطلق أحدا من نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها .

قال ابن عباس : يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، فلما استشهد جعفر أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخطبها فنهي عن ذلك .

( إلا ما ملكت يمينك ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ملك بعد هؤلاء مارية .

( وكان الله على كل شيء رقيبا ) حافظا .

وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء .

روي عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " .

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أخبرنا محمد بن محمد بن علي بن شريك الشافعي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم ، أخبرنا أبو بكر الجوربذي قال : أخبرنا أحمد بن حرب ، أخبرنا أبو معاوية ، عن عاصم هو ابن سليمان ، عن بكر بن عبد الله ، عن المغيرة بن شعبة قال : خطبت امرأة ، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هل نظرت إليها ؟

" قلت : لا قال : " فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا حامد بن محمد ، أخبرنا بشر بن موسى ، أخبرنا الحميدي ، أخبرنا يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " انظر إليها فإن في أعين نساء الأنصار شيئا " قال الحميدي : يعني الصغر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا تحل» بالتاء وبالياء «لك النساء من بعد» التسع اللاتي اخترنك «ولا أن تبدل» بترك إحدى التاءين في الأصل «بهن من أزواج» بأن تطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت «ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك» من الإماء فتحل لك وقد ملك صلى الله عليه وسلم بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات في حياته «وكان الله على شيءٍ رقيبا» حفيظا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يباح لك النساء من بعد نسائك اللاتي فى عصمتك، واللاتي أبحناهنَّ لك (وهنَّ المذكورات في الآية السابقة رقم [50] من هذه السورة)، ومن كانت في عصمتك من النساء المذكورات لا يحل لك أن تطلِّقها مستقبَلا وتأتي بغيرها بدلا منها، ولو أعجبك جمالها، وأما الزيادة على زوجاتك من غير تطليق إحداهن فلا حرج عليك، وأما ما ملكت يمينك من الإماء، فحلال لك منهن من شئت.

وكان الله على كل شيء رقيبًا، لا يغيب عنه علم شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ .

.

.

) .أى : لا يحل لك ، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع اللائى فى عصمتك اليوم ، لأنهم قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا ، ورضين عن طيب نفس أن يعشن معك وتحت رعايتك ، مهما كان فى حياتك معهن من شظف العيش ، والزهد فى متع الدنيا .وقوله : ( وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) معطوف على ما قبله .أى : لا يحل لك الزواج بعد اليوم بغير من هن فى عصمتك ، كما لا يحل لك - أيضا - أن تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى سواها ، حتى ولو أعجبك جمال من تريد زواجها من غير نسائك اللائى فى عصمتك عند نزول هذه الآية .فالآية الكريمة قدا شتملت على حكمين : أحدهما : حرمة الزواج بغير التسع اللائى كن فى عصمته عند نزولهاز والثانى : حرمة تطليق واحدة منهن ، للزواج بأخرى بدلها .وقوله : ( بَعْدُ ) ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف اليه .

أى : من بعد اليوم .

و ( أَزْوَاجٍ ) مفعول به ، و ( مِنْ ) مزيدة لاستغراق الجنس .

اى : ولا أنت بدل بهن أزواجا أخريات مهما كان شأن هؤلاء الأخريات .وجملة : ( وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) فى موضع الحال من الفاعل وهو الضمير فى ( تَبَدَّلَ ) .

أى : لا يحل لك الزيادة عليهن ، ولا أن تتبدل بهن أزواجا غيرهن فى آية حالة من الأحوال ، حتى ولو فى حال إجابك بغيرهن ويصح أن تكون هذه الجملة شرطية ، وقد حذف جوابها لفهمه من الكلام ، ويكون المعنى : ولو أعجبك حسنهن لا يحل لك نكاحهن .وقوله : ( إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) استثناء من هذا الحكم .

أى : لا يحل لك الزيادة عليهن ، ولا استبدال غيرهن بهن ، ولكن يحل لك ان تضيف اليهن ما شئت من النساء اللائى تملكهن عن طريق السبى .وهذا الذى سرنا عليه من أن الآية الكريمة فى شأن أزواجه صلى الله عليه وسلم هو الذى سار عليه جمهور المفسرين .قال ابن كثير : ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغيرهم - أن هذه الآية الكريمة نزلت مجازاة لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ورضا الله عنهن على حسبن صنيعين ، فى اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة ، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، فلما اخترن رسول الله ، كان جزاؤهن أن قصره عليهن ، وحم عليه أن يتزوج بغيرهن ، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن ، ولو أعجبه حسنهن ، إلا الإِماء والسرائر ، فلا حجر عليه فيهن .ثم إنه - سبحانه - رفع عنه الحجر فى ذلك ، ونسخ حكم هذه الآية ، وأباح له التزوج ، ولكنه لم يقع منه بعد ذلك زواج لغيرهن ، لتكون المنة للرسول صلى الله عليه وسلم عليهن .

روى الإِمام أحمد عن عائشة قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء .ومن العلماء من يرى أن قوله - تعالى - ( مِن بَعْدُ ) المراد به : من بعد من أحللنا لك الزواج بهن ، وهن الأصناف الأربعة اللائى سبق الحديث عنهن فى قوله - تعالى - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ الله عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ .

.

.

) .وهذا الرأى الثانى وإن كان أشمل من سابقه ، إلا أننا نرجح أن الآية الكريمة مسوقة لتكريم أمهات المؤمنين اللائى اخرنا لله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها .هذا ، والنساء التسع اللائى حرم الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم الزيادة عليهن ، والاستبدال بهن ، هن : عائشة بنت أبى بكر ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة بنت أبى سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبى أمية ، وصفية بنت حيى بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت جحش ، وجويرية بنت الحارث .ثم ختم - سبحانه - الاية الكريمة بقوله : ( وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ) .أى : وكان الله - تعالى - وما زال ، مطلعا على كل شئ من أحوالكم - أيها الناس - فاحذروا أن تتجاوزا ما حده الله - تعالى - لكم ، لأن هذا التجاوز يؤدى إلى عدم رضا الله - سبحانه - عنكم .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت ألوانا متعددة من مظاهر تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن توسعته عليه فى شأن أواجه ، وفى شأن ما أحله له من عدم التقيد فى القَسْم بينهن ، وفى تقديم أو تأخير من شاء منهن .

.كما أنها قد كرمت أمهات المؤمنين تكريما عظيما .

لاختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما لم يوجب الله على نبيه القسم وأمره بتخييرهن فاخترن الله ورسوله ذكر لهن ما جازاهن به من تحريم غيرهن على النبي عليه السلام ومنعه من طلاقهن بقوله: ﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ ﴾ قال المفسرون من بعدهن والأولى أن يقال لا يحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما يؤتيهن من الوصل والهجران والنقص والحرمان.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ يفيد حرمة طلاقهن إذ لو كان جائزاً لجاز أن يطلق الكل، وبعدهن إما أن يتزوج بغيرهن أولا يتزوج فإن لم يتزوج يدخل في زمرة العزاب والنكاح فضيلة لا يتركها النبي، وكيف وهو يقول: النكاح سنتي وإن تزوج بغيرهن يكون قد تبدل بهن وهو ممنوع من التبدل.

المسألة الثالثة: من المفسرين من قال بأن الآية ليس فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهن بل المعنى أن لا يحل لك النساء غير اللاتي ذكرنا لك من المؤمنات المهاجرات من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك، وأما غيرهن من الكتابيات فلا يحل لك التزوج بهن وقوله: ﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ منع من شغل الجاهلية فإنهم كانوا يبادلون زوجة بزوجة فينزل أحدهم عن زوجته وبأخذ زوجة صديقه ويعطيه زوجته، وعلى التفسيرين وقع خلاف في مسألتين إحداهما: حرمة طلاق زوجاته والثانية: حرمة تزوجه بالكتابيات فمن فسر على الأول حرم الطلاق ومن فسر على الثاني حرم التزوج بالكتابيات.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ أي حسن النساء قال الزمخشري قوله: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ ﴾ في معنى الحال، ولا يجوز أن يكون ذو الحال قوله: ﴿ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ لغاية التنكير فيه ولكون ذي الحال لا يحسن أن يكون نكرة فإذن هو النبي عليه السلام، يعني لا يحل لك النساء ولا أن تبدل بهن من أزواج وأنت معجب بحسنهن.

المسألة الخامسة: ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه السلام من أنه إذا رأى واحدة فوقعت في قلبه موقعاً كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها، وهذه المسألة حكمية وهي أن النبي عليه السلام وسائر الأنبياء في أول النبوة تشتد عليهم برحاء الوحي ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم لا يمنعهم من ذلك مانع، ففي أول الأمر أحل الله من وقع في قلبه تفريغاً لقلبه وتوسيعاً لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله، ثم لما استأنس بالوحي وبمن على لسانه الوحي نسخ ذلك، إما لقوته عليه السلام للجمع بين الأمرين، وإما أنه بدوام الإنزال لم يبق له مألوف من أمور الدنيا، فلم يبق له التفات إلى غير الله، فلم يبق له حاجة إلى إحلال التزوج بمن وقع بصره عليها.

المسألة السادسة: اختلف العلماء في أن تحريم النساء عليه هل نسخ أم لا؟

فقال الشافعي نسخ وقد قالت عائشة ما مات النبي إلا وأحل له النساء، وعلى هذا فالناسخ قوله تعالى: ﴿ يا أيها النبى إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك  ﴾ إلى أن قال: ﴿ وَبَنَاتِ عَمّكَ ﴾ وقال: ﴿ وامرأة مُّؤْمِنَةً ﴾ على قول من يقول لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد إذ الناسخ غير متواتر إن كان خبراً.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ لم يحرم عليه المملوكات لأن الإيذاء لا يحصل بالمملوكة، ولهذا لم يجز للرجل أن يجمع بين ضرتين في بيت لحصول التسوية بينهما وإمكان المخاصمة، ويجوز أن يجمع الزوجة وجمعاً من المملوكات لعدم التساوي بينهن ولهذا لا قسم لهن على أحد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء رَّقِيباً ﴾ أي حافظاً عالماً بكل شيء قادراً عليه، لأن الحفظ لا يحصل إلا بهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَّ يَحِلُّ ﴾ وقرئ التذكير، لأنّ تأنيث الجمع غير حقيقي، وإذا جاز بغير فصل في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾ [يوسف: 30] كان مع الفصل أجوز ﴿ مِن بَعْدِ ﴾ من بعد التسع، لأنّ التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمّته منهنّ، فلا يحل له أن يتجاوز النصاب ﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهنّ أو بعضهنّ، أراد الله لهنّ كرامة وجزاء على ما اخترن ورضين.

فقصر النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهنّ، وهي التسع اللاتي مات عنهنّ: عائشة بنت أبي بكر، حفصة بنت عمر، أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، سودة بنت زمعة، أمّ سلمة بنت أبي أمية، صفية بنت حيي الخيبرية، ميمونة بنت الحرث الهلالية، زينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحرث المصطلقية، رضي الله عنهنّ.

من في ﴿ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ لتأكيد النفي، وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم.

وقيل معناه: لا تحلّ لك النساء من بعد النساء اللاتي نصّ إحلالهنّ لك من الأجناس الأربعة من الأعرابيات والغرائب، أو من الكتابيات، أو من الإماء بالنكاح، وقيل في تحريم التبدل: هو من البدل الذي كان في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي، فينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

ويحكى: أنّ عيينة بن حصن دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عيينة، أين الاستئذان» ؟

قال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت، ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «هذه عائشة أمّ المؤمنين» قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله قد حرّم ذلك» ، فلما خرج قالت عائشة رضي الله عنها: من هذا يا رسول الله؟

قال: «أحمق مطاع، وإنه- على ما ترين- لسيد قومه» وعن عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ له النساء، يعني: أنّ الآية قد نسخت.

ولا يخلو نسخها إما أن يكون بالسنة، وإما بقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في ﴿ تَبَدَّلُ ﴾ لا من المفعول الذي هو ﴿ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ لأنه موغل في التنكير، وتقديره: مفروضاً إعجابك بهنّ.

وقيل؛ هي أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، والمراد أنها ممن أعجبه حسنهنّ، واستثنى ممن حرم عليه: الإماء ﴿ رَقِيباً ﴾ حافظاً مهيمناً، وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وتخطي حلاله إلى حرامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ﴾ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالتّاءِ.

﴿ مِن بَعْدُ ﴾ مِن بَعْدِ التِّسْعِ وهو في حَقِّهِ كالأرْبَعِ في حَقِّنا، أوْ مِن بَعْدِ اليَوْمِ حَتّى لَوْ ماتَتْ واحِدَةٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكاحُ أُخْرى.

﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ﴾ فَتُطَلِّقَ واحِدَةً وتَنْكِحَ مَكانَها أُخْرى و ( مِن ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ.

﴿ وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ حُسْنُ الأزْواجِ المُسْتَبْدَلَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ ( تَبَدَّلَ ) دُونَ مَفْعُولِهِ وهو ﴿ مِن أزْواجٍ ﴾ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ واخْتُلِفَ في أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ﴾ عَلى المَعْنى الثّانِي فَإنَّهُ وإنْ تَقَدَّمَها قِراءَةٌ فَهو مَسْبُوقٌ بِها نُزُولًا.

وقِيلَ المَعْنى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ اللّاتِي نَصَّ عَلى إحْلالِهِنَّ لَكَ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أزْواجًا مِن أجْناسٍ أُخَرَ.

﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّساءِ لِأنَّهُ يَتَناوَلُ الأزْواجَ والإماءَ، وقِيلَ مُنْقَطِعٌ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ فَتَحْفَظُوا أمْرَكم ولا تَتَخَطَّوْا ما حُدَّ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء} بالتاء أبو عمرو ويعقوب وغيرهما بالتذكير لأن تأنيث الجمع غير وإذا جاز بغير فصل فمع الفصل أجوز {مِن بَعْدِ} من بعد التسع لأن التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الازواج كما أن الاربع تصاب أمته {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} بالطلاق والمعنى ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن كرامة لهن وجزاء على ما اخترن ورضين فقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن وهن التسع التي مات عنهن عائشة حفصة أم حبيبة سودة أم سلمة صفية ميمونة زينب بنت جحش جويرية ومن فى من أزواج لتأكيد النفى وفائدته استغراق جنس الازواج باتحريم {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} في موضع

الحال من الفاعل وهو الضمير من تبَدَّلُ أي تتبدل لا من المفعول الذي هو من أزواج لتوغله في التنكير وتقديره مفروضاً إعجابك بهن وقيل هي أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب فإنها ممن أعجبه حسنهن وعن عائشة وأم سلمة ما مات رسول اللة صلى الله عليه وسلم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء يعني أن الآية نسخت ونسخها إما بالسنة أو بقوله إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} استثنى ممن حرم عليه الإماء ومحل ما رفع بدل من النساء {وَكَانَ الله على كُلّ شَىْءٍ رَّقِيباً} حافظا وهو تحذير عن مجاوزة حدوده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ﴾ بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَمْعِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقَدْ وقَعَ بِفَصْلٍ أيْضًا، والمُرادُ بِالنِّساءِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْواحِدَةِ ولَمْ يُؤْتَ بِمُفْرَدٍ لِأنَّهُ لا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ والمَرْأةُ شامِلَةٌ لِلْجارِيَةِ ولَيْسَتْ بِمُرادَةٍ، واخْتِصاصُ النِّساءِ بِالحَرائِرِ بِحُكْمِ العُرْفِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وسَهْلٌ وأبُو حاتِمٍ يُخَيِّرُ فِيهِما، وأيًّا كانَ ما كانَ فالمُرادُ يَحْرُمُ عَلَيْكَ نِكاحُ النِّساءِ ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ قِيلَ أيْ مِن بَعْدِ التِّسْعِ اللّاتِي في عِصْمَتِكَ اليَوْمَ، أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  أزْواجَهُ اِخْتَرْنَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ التِّسْعِ اللّاتِي اِخْتَرْنَكَ، أيْ لَقَدْ حَرُمَ عَلَيْكَ تَزْوِيجُ غَيْرِهِنَّ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا خَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ  قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ كَما حَبَسَهُنَّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ إلَيْهِ المَحْذُوفِ اِخْتِيارًا أيْ مِن بَعْدِ اِخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ.

وقالَ الإمامُ: هو أوْلى وكَأنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ كَرامَةً لَهُنَّ وشُكْرًا عَلى حُسْنِ صَنِيعِهِنَّ، وجَوَّزَ آخَرُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ اليَوْمِ ومَآلُهُ تَحْرِيمُ مَن عَدا اللّاتِي اِخْتَرْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وحُكِيَ في البَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالَ: لَمّا خُيِّرْنَ فاخْتَرْنَ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ  جازاهُنَّ أنْ حَظَرَ عَلَيْهِ النِّساءَ غَيْرَهُنَّ وتَبْدِيلَهُنَّ ونَسَخَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ ما أباحَهُ لَهُ قَبْلُ مِنَ التَّوْسِعَةِ في جَمِيعِ النِّساءِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المَعْنى مِن بَعْدِ إباحَةِ النِّساءِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ التِّسْعِ عَلى مَعْنى أنَّ هَذا العَدَدَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المَعْدُودِ نِصابُهُ  مِنَ الأزْواجِ كَما أنَّ الأرْبَعَ نِصابُ أُمَّتِهِ مِنهُنَّ، فالمَعْنى لا يَحِلُّ لَكَ الزِّيادَةَ عَلى التِّسْعِ.

﴿ ولا أنْ تَبَدَّلَ ﴾ أصْلُهُ تَتَبَدَّلُ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ أيْ ولا يَحْلُ لَكَ أنْ تَسْتَبْدِلَ ﴿ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ﴾ بِأنْ تُطَلِّقَ واحِدَةً مِنهُنَّ وتَنْكِحَ بَدَلَها أُخْرى، فَفي الآيَةِ حُكْمانِ حُرْمَةُ الزِّيادَةِ وحُرْمَةُ الِاسْتِبْدالِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ يَحِلُّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نِكاحُ اِمْرَأةٍ أُخْرى عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَمُوتَ واحِدَةٌ مِنَ التِّسْعِ، وإذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَحْرِيمُ مَن عَدا اللّاتِي اِخْتَرْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أفادَتِ الآيَةُ أنَّهُ لَوْ ماتَتْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكاحُ أُخْرى، وكَلامُ اِبْنِ عَبّاسٍ السّابِقُ ظاهِرٌ في ذَلِكَ جِدًّا، وكَأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا أنْ تَبَدَّلَ ﴾ إلخ عَلَيْهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ المُحَرَّمَ لَيْسَ إلّا أنْ يَرَعَهُنَّ  بِواحِدَةٍ مِنَ الضَّرائِرِ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ المَعْنى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءَ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ اللّاتِي سَمّى اللَّهُ تَعالى لَكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: يا ﴿ أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ الآيَةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ  ما وراءَ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ كالأعْرابِيّاتِ والغَرائِبِ ويَحِلُّ لَهُ مِنها ما شاءَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ في الخَبَرِ وقالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ وحَرُمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أصْنافِ النِّساءِ، وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في (زَوائِدِ المُسْنَدِ) وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والضِّياءُ في (اَلْمُخْتارَةِ) وغَيْرُهم عَنْ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرَأيْتَ لَوْ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتْنَ أما يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ قالَ: وما يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ فَقالَ: إنَّما أحَلَّ لَهُ ضَرْبًا مِنَ النِّساءِ ووَصَفَ لَهُ صِفَةً فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴾ الخ، ثُمَّ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ قالَ الطِّيبِيُّ: يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنْ تَبَدَّلَ ﴾ إلخ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ مِن تَحْرِيمِ غَيْرِ ما نَصَّ عَلَيْهِ مِنَ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ وكَأنَّ ضَمِيرَ بِهِنَّ لِلْأجْناسِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ الآيَةَ، والمَعْنى لا يَحِلُّ لَكَ أنَّ تَتْرُكَ هَذِهِ الأجْناسَ وتَعْدِلَ عَنْها إلى أجْناسٍ غَيْرِها، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ ما حَكى القَوْلَ المَذْكُورَ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ إلخ فَإنَّ مَعْنى إحْلالِ الأجْناسِ المَذْكُورَةِ إحْلالَ نِكاحِهِنَّ فَيَكُونُ التَّبَدُّلُ بِهِنَّ إحْلالَ نِكاحِ غَيْرِهِنَّ بَدَلَ إحْلالِ نِكاحِهِنَّ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بِالنَّسْخِ الَّذِي هو لَيْسَ مِنَ الوَظائِفِ البَشَرِيَّةِ اِنْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقِيلَ ﴿ ولا أنْ تَبَدَّلَ ﴾ مِنَ البَدَلِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بادِلْنِي بِاِمْرَأتِكَ وأُبادِلْكَ بِاِمْرَأتِي فَيَنْزِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ اِمْرَأتِهِ لِلْآخَرَ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى الآيَةِ وقالُوا ما فَعَلَتِ العَرَبُ ذاكَ قَطُّ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اِسْتِئْذانٍ وعِنْدَهُ عائِشَةُ: مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ؟

فَقالَ: عائِشَةُ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ شِئْتَ نَزَلْتَ لَكَ عَنْ سَيِّدَةِ نِساءِ العَرَبِ جَمالًا ونَسَبًا، فَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ ولا أرادَ ذَلِكَ وإنَّما اِحْتَقَرَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِأنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ صَبِيَّةً، ومِن مَزِيدٍ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ فَيَشْمَلُ النَّهْيُ تَبَدُّلَ الكُلِّ والبَعْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فاعِلُ تَبَدَّلَ والتَّقْدِيرُ مَفْرُوضًا إعْجابُكَ بِهِنَّ، وحاصِلُهُ ولا تَبَدَّلْ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أعْنِي أزْواجًا وعُلِّلَ ذَلِكَ بِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِكَلامِ النُّحاةِ فَإنَّهم جَوَّزُوا الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ إذا وقَعَتْ مَنفِيَّةً لِأنَّها تَسْتَغْرِقُ حِينَئِذٍ فَيَزُولُ إبْهامُها كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ.

وقِيلَ إنَّ التَّنْكِيرَ مانِعٌ مِنَ الحالِيَّةِ هاهُنا لِأنَّ الحالَ تُقاسُ بِالصِّفَةِ والواوُ مانِعَةٌ مِنَ الوَصْفِيَّةِ فَتَمْنَعُ مِنَ الحالِيَّةِ، ومُنِعَ لُزُومُ القِياسِ مَعَ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ وغَيْرَهُ جَوَّزُوا دُخُولَ الواوِ عَلى الصِّفَةِ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِها، وقِيلَ في عَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ إنَّ ذا الحالَ إذا كانَ نَكِرَةً يَجِبُ تَقْدِيمُها ولَمْ تُقَدَّمْ هاهُنا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ في الجُمْلَةِ المَقْرُونَةِ بِالواوِ لِكَوْنِهِ بِصُورَةِ العاطِفِ.

واسْتَظْهَرَ صاحِبُ الكَشْفِ الجَوازَ وذَكَرَ أنَّ المَعْنى في الحالَيْنِ لا يَتَفاوَتُ كَثِيرَ تَفاوُتٍ لِأنَّهُ إذا تَقَيَّدَ الفِعْلُ لَزِمَ تَقَيُّدُ مُتَعَلِّقاتِهِ وإنَّما الِاخْتِلافُ في الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ، وضَمِيرُ (حُسْنُهُنَّ) لِلْأزْواجِ، والمُرادُ بِهِنَّ مَن يَفْرِضْنَ بَدَلًا مِن أزْواجِهِ اللّاتِي في عِصْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَسْمِيَتُهُنَّ أزْواجًا بِاعْتِبارِ ما يَعْرِضُ مالًا وهَذا بِناءً عَلى أنَّ باءَ البَدَلِ في بِهِنَّ داخِلَةٌ عَلى المَتْرُوكِ دُونَ المَأْخُوذِ فَلَوِ اُعْتُبِرَتْ داخِلَةً عَلى المَأْخُوذِ كانَ الضَّمِيرُ لِلنِّساءِ لا لِلْأزْواجِ، ومِمَّنْ أعْجَبَهُ  حُسْنُهُنَّ عَلى ما قِيلَ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الخَثْعَمِيَّةُ اِمْرَأةُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ وفاتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اِبْنِ عَطِيَّةَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلى مَن يُرِيدُ زَواجَها، وفي الأخْبارِ أدِلَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وتَفْصِيلُ الأقْوالِ فِيهِ في كُتُبِ الفُرُوعِ.

واخْتُلِفَ في أنَّ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى عَدَمِ حِلِّ النِّساءِ لَهُ  هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أمْ لا، فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وجَماعَةٍ مِنهُمُ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّها مَنسُوخَةٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أيْضًا وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْها قالَتْ: «لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ إلّا ذاتَ مَحْرَمٍ،» لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ﴾ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ النّاسِخَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُرْجِي ﴾ الخ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَعْنى تُطَلِّقُ مَن تَشاءُ وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ، ووَجْهُ النَّسْخِ بِهِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلى أنَّهُ أُبِيحَ لَهُ  الطَّلاقُ والإمْساكُ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ تَطْلِيقَ مَنكُوحاتِهِ ونِكاحَ مَن يُرِيدُ مِن غَيْرِهِنَّ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالإمْساكِ إمْساكَ مَن سَبَقَ نِكاحُهُ فَقَطْ لِعُمُومِ مَن تَشاءُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( تُؤْوِي ) لَيْسَ مُقَيَّدًا بِ مِنهُنَّ، كَذا قالَ الخَفاجِيُّ: وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ ولا بُدَّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ النَّسْخَ بِذَلِكَ مِنَ القَوْلِ بِتَأخُّرِ نُزُولِهِ عَنْ نُزُولِ الآيَةِ المَنسُوخَةِ إذْ لا يُمْكِنُ النَّسْخُ مَعَ التَّقَدُّمِ، وهو ظاهِرٌ ولا يُعَكِّرُ التَّقَدُّمُ في المُصْحَفِ لِأنَّ تَرْتِيبَهُ لَيْسَ عَلى حَسَبِ النُّزُولِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ النّاسِخَ السُّنَّةُ ويَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّها كانَتْ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ أنَّهُ قالَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنْ تَبَدَّلَ ﴾ إلخ ذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهُنَّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَسْتَبْدِلَ، وقَدْ كانَ يَنْكِحُ بَعْدَ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما شاءَ ونَزَلَتْ وتَحْتَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والظّاهِرُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ كَرامَةً لِلْمُخْتاراتِ وتَطْيِيبًا لِخَواطِرِهِنَّ وشُكْرًا لِحُسْنِ صَنِيعِهِنَّ عَدَمُ النَّسْخِ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِنَ النِّساءِ مُتَّصِلٌ بِناءً عَلى أصْلِ اللُّغَةِ لِتَناوُلِهِ عَلَيْهِ الحَرائِرَ والإماءَ ومُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى العُرْفِ لِاخْتِصاصِهِ فِيهِ بِالحَرائِرِ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ كالصَّرِيحِ فِيهِ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً واقِعَةً عَلى الجِنْسِ فَهو اِسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ مُخْتارٌ فِيهِ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ النِّساءِ ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّهُ اِسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الجِنْسِ الأوَّلِ اِنْتَهى، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّهُ قالَ والتَّقْدِيرُ إلّا مِلْكَ اليَمِينِ ومِلْكٌ بِمَعْنى مَمْلُوكٍ فَإذا كانَ بِمَعْنى مَمْلُوكٍ لَمْ يَصِحَّ الجَزْمُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الجِنْسِ، وأيْضًا لا يَتَحَتَّمُ النَّصْبُ وإنْ فَرَضْنا أنَّهُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ حَقِيقَةً بَلْ أهْلُ الحِجازِ يَنْصِبُونَ وبَنُو تَمِيمٍ يُبَدِّلُونَ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ حِلُّ المَمْلُوكَةِ لَهُ  سَواءٌ كانَتْ مِمّا أفاءَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أمْ لا.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ أيْ راقِبًا أوْ مُراقِبًا، والمُرادُ كانَ حافِظًا ومُطَّلِعًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ فاحْذَرُوا تَجاوُزَ حُدُودِهِ سُبْحانَهُ وتَخَطِّيَ حَلالِهِ إلى حَرامِهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ترجئ بالهمزة.

وقرأ الباقون: بغير الهمز.

كلاهما في اللغة واحد، وأصله من التأخير.

يقول: تؤخر من تشاء منهن ولا تتزوجها وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ يعني: تضم فتتزوجها لخيره في تزويج القرابة.

ويقال: تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء.

وقال قتادة: جعله في حل أن يدع من يشاء منهن، ويضم إليه من يشاء.

يعني: إن شاء جعل لهن قسماً، وإن شاء لم يجعل.

وكان رسول الله  يقسم.

وقال الحسن: كان النبيّ  إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها أو يدعها، وفي ذلك نزل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ.

ثم قال: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يعني: أشرت ممن تركت فَلا جُناحَ عَلَيْكَ يعني: لا إثم عليك ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي: ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن تطمئن قلوبهن وَلا يَحْزَنَّ مخافة الطلاق وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ من النفقة، إذا علمن أنه من الله عز وجل.

وقرئ في الشاذ: كُلُّهُنَّ بالنصب صار نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء.

وتقرأه العامة: أتيتهن كلهن بالضم.

ومعناه: يرضين كلهن بما أعطيتهن.

ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الحب والبغض وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما في قلوبكم حَلِيماً بالتجاوز.

قوله عز وجل: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال مجاهد: أي لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات مِنْ بَعْدُ، يعني: من بعد المسلمات، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ.

يقول: لا تبديل اليهوديات، ولا النصرانيات على المؤمنات.

يقول: لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات والنصرانيات يتسرى بهن.

قال الحسن وابن سيرين: خيّر رسول الله  ، نساءه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فشكر الله لهن على ذلك، فحبسه عليهن.

فقال: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعني: لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج غيرها.

قرأ أبو عمرو: لا تحل بالتاء بلفظ التأنيث.

وقرأ الباقون: بالياء، بمعنى لا يحل لك من النساء شيء.

ويقال: معناه لا تحل لجميع النساء.

فمن قرأ: بالتاء بالتأنيث يعني: جماعة النساء.

ثم قال: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعني: أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها، فنهاه الله تعالى عزّ وجلّ عن ذلك، فتركها وتزوجها أبو بكر-  - بإذن رسول الله  إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من السريات وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً من أمر التزويج رَقِيباً يعني: حفيظاً.

وروى عمرو بن دينار، عن عطاء عن عائشة-  ا- قالت: ما مات رسول الله  حتى حلّ له النساء بعد قوله: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ وذلك أن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبيّ  ، ويدخلون عليه بغير إذن، ويجلسون وينتظرون الغداء، وإذا أكلوا جلسوا طويلاً، ويتحدثون طويلا، فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ يعني: إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ يعني: من غير أن تنتظروا وقته.

ويقال: أصله إدراك الطعام يعني: غير ناظرين إدراكه.

ويقال: إِناهُ يعني: نضج الطعام.

ثم قال: وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا يعني: إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته فَإِذا طَعِمْتُمْ الطعام فَانْتَشِرُوا يعني: تفرقوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ أي: لا تدخلوا مستأنسين للحديث إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يقول لكم تفرقوا وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ يعني: من بيان الحق أن يأمركم بالخروج بعد الطعام.

قال الفقيه أبو الليث: في الآية حفظ الأدب والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفاً لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلاً، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج.

ثم قال: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً يعني: إذا سألتم من نسائه متاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ولا تدخلوا عليهن، واسألوا من خلف الستر.

ويقال: خارج الباب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الريبة.

ثم قال: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ قال: وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال: لئن مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً يعني: ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً في العقوبة.

ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة.

وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها.

ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبيّ  أن يتزوجن بعده.

وروي أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك.

وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان، وأبت أن تتزوجه.

وروي في خبر آخر بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله  إن المرأة منا كان لها زوجان لأيهما تكون في الآخرة؟

فقال: «إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمَا خُلُقاً مَعَهَا» .

ثم قال: «يا أمَّ حَبِيبَةَ إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ ذَهَبَ بالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» .

ثم قال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ يعني: إن تظهروا من أمر التزويج شيئاً أو تسروه وتضمروه فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً من السر والعلانية.

يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم، يجازيكم به.

ثم خصّ الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخّص في ذلك وهو قوله عز وجل: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ يعني: من الدخول عليهن وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الخدم وَاتَّقِينَ اللَّهَ يعني: اخشين الله، وأطعن الله، فلا يراهن غير هؤلاء إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً يعني: عالما بأعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عليه السلام- معَ مَا جَعَلَ الله له من ذلكَ كان يُسَوِّي بينهن في القَسْمِ تَطْيِيباً لنفُوسِهنَّ وأخْذاً بالفَضْلِ، وما خصه الله من الخَلق العظيم- صلى الله عليه وعلى آله- غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تقمّنا لمسرّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)

وقوله تعالى: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قيل كما قدمنا: إنها حظَرَتْ عليه النساءَ إلا التسْعَ وما عُطِفَ عَليهِنَّ على ما تقدم لابن عباس وغيره، قال ابن عباس وقتادة:

جَازَاهُنَّ الله بذلك لما اخترنَ الله وَرسوله «١» ، ومن قال: بأن الإباحَةَ كانتْ له مُطْلَقَةً قَال هنا: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ معناه: لا يحل لك اليهودياتُ ولا النصرانياتُ، ولا ينبغي أن يكنَّ أمهاتِ المؤمنين ورُوِيَ هذَا عَن مجاهدَ «٢» وكذلك قَدَّرَ: ولا أن تبدل اليهودياتِ والنصرانياتِ بالمسلماتِ وهو قول أبي رزين وابن جبير «٣» وفيه بُعْدٌ.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ هذهِ الآيةُ تُضمنتُ قِصَّتَيْنِ: إحداهما: الأدبُ في أمر الطعام والجلوس، والثانية: أمر الحجاب.

قال الجمهور: سببها أن النّبي صلى الله عليه وسلّم لما تزوَّج زَيْنبَ بِنْتَ جَحْشٍ، أَوْ لَمْ عَلَيْها ودَعَا النَّاسَ، فَلَمَّا طَعِمُوا، قَعَدَ نَفَرٌ فِي طَائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، فَثَقُلَ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم مَكَانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، وَمَرَّ على حِجْرِ نِسَائِهِ، ثُمَّ عَادَ فَوَجَدَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ، وَزَيْنَبُ في البيت معهم، فلمّا دخل وراءهم انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأُعْلِمَ أَوْ «١» أَعْلَمْتُهُ بانصرافهم، فَجَاءَ، فَلَمَّا وَصَلَ الحُجْرَةَ، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَدَخَلَ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ «٢» .

قال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب أَدَّبَ الله به الثُّقَلاء، وَقَالَتْ عَائِشَةُ وجماعةٌ:

سبب الحجاب: كلام عمر للنبي صلى الله عليه وسلّم مرارا في أن يحجب نساءه «٣» ، وناظِرِينَ معناه:

منتظرين، وإِناهُ: مصدر «أنى» الشيءَ يَأْنِي أنيْ، إذا فَرَغَ وحَانَ، ولفظُ البخاري: يُقَال:

إناه: إدراكُه أنى يأنى إناءة، انتهى.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ معناه: لا يقع منه تركُ الحق، ولما كان ذلك يقعُ من البشر لِعلةِ الاسْتِحياءِ نَفَى عنه تعالى العلةَ الموجِبةَ لذلكَ في البشر، وعن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ثَلاَثٌ لاَ يحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ لاَ يؤمّ رجل قوما ٧٦ ب فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانهُمْ، وَلاَ يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ/ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانَ، وَلاَ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ حتى يَتَخَفَّفُ» «٤» .

رواه أبو داود

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ الأنْكِحَةِ الَّتِي أحَلَّها لَهُ، فَقالَ: ﴿ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وهُنَّ اللَّواتِي تَزَوَّجْتَهُنَّ بِصَداقٍ ﴿ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: رَدَّ عَلَيْكَ مِنَ الكُفّارِ، كَصَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَةَ، فَإنَّهُ أعْتَقَهُما وتَزَوَّجَهُما ﴿ وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ ﴾ يَعْنِي نِساءَ قُرَيْشٍ ﴿ وَبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ ﴾ يَعْنِي نِساءَ بَنِي زُهْرَةَ ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ إلى المَدِينَةِ.

قالَ القاضِي أبُو يُعْلى: و[ظاهِرُ] هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ تُهاجِرْ مَعَهُ مِنَ النِّساءِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكاحُها.

«وَقالَتْ أمُّ هانِئٍ خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ  فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ بِعُذْرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ قالَتْ: فَلَمْ أكُنْ حِلٌّ لَهُ، لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ؛» وهَذا يَدُلُّ مِن مَذْهَبِها أنَّ تَخْصِيصَهُ بِالمُهاجِراتِ قَدْ أوْجَبَ حَظْرَ مَن لَمْ تُهاجِرْ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّ شَرْطَ الهِجْرَةِ في التَّحْلِيلِ مَنسُوخٌ، ولَمْ يَذْكُرْ ناسِخَهُ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ في ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الهِجْرَةَ شَرْطٌ في إحْلالِ النِّساءِ لَهُ عَلى الإطْلاقِ.

والثّانِي: أنَّهُ شَرْطٌ في إحْلال قَراباتِهِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ دُونَ الأجْنَبِيّاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴾ أيْ: وأحْلَلْنا لَكَ امْرَأةً مُؤْمِنَةً ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها ﴾ لَكَ، ﴿ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها ﴾ أيْ: إنْ آثَرَ نِكاحَها ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ أيْ: خاصَّةً.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ: ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " لَكَ "، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: " لَكَ "، جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِغَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ  كَما جازَ في بَناتِ العَمِّ وبَناتِ العَمّاتِ.

و ﴿ خالِصَةً ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى خالِصَةٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ إذا وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها، لَمْ يَلْزَمْهُ صَداقُها دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: أنَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَها بِلا ولِيٍّ ولا مَهْرٍ دُونَ غَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: خالِصَةَ لَكَ أنْ تَمْلِكَ عَقْدَ نِكاحِها بِلَفْظِ الهِبَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ.

وَفِي المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ لَهُ نَفْسَها أقْوالٌ.

أحَدُها: أمُّ شَرِيكٍ.

والثّانِي: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ.

ولَمْ يَدْخُلْ بِواحِدَةٍ مِنهُما.

وذَكَرُوا أنَّ لَيْلى بِنْتَ الخَطِيمِ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  امْرَأةً وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ.

وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّها زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ.

والأوَّلُ: أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ غَيْرِكَ ﴿ فِي أزْواجِهِمْ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ لا يُجاوِزَ الرَّجُلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأةَ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ وصَداقٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ أيْ: وما أبَحْنا لَهم مِن مِلْكِ اليَمِينِ مَعَ الأرْبَعِ الحَرائِرِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ هَذا فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ المَعْنى: أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُرْجِئُ " مَهْمُوزًا؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَة، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِغَيْرِ هَمْزٍ.

وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ المُتَقَدِّمَةُ، أشْفَقْنَ أنْ يُطَلَّقْنَ، فَقُلْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا مِن مالِكَ ونَفْسِكَ ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.

وَفِي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تُطَّلِقُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ، وتُمْسِكُ مَن تَشاءُ مِن نِسائِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَتْرُكُ نِكاحَ مَن تَشاءُ، وتَنْكِحُ مِن نِساءِ أُمَّتِكَ مَن تَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تَعْزِلُ مَن شِئْتَ مِن أزْواجِكَ فَلا تَأْتِيها بِغَيْرِ طَلاقٍ، وتَأْتِي مَن تَشاءُ فَلا تَعْزِلُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: تَقْبَلُ مَن تَشاءُ مِنَ المُؤْمِناتِ اللَّواتِي يَهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ، وتَتْرُكُ مَن تَشاءُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ.

وَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ مُبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  مُصاحَبَةَ نِسائِهِ كَيْفَ شاءَ مِن غَيْرِ إيجابِ القِسْمَةِ عَلَيْهِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: ما عَلِمْنا رَسُولَ اللَّهِ  أرْجَأ مِنهُنَّ أحَدًا، ولَقَدْ آواهُنَّ كُلَّهُنَّ حَتّى ماتَ.

وقالَ أبُو رَزِينٍ: آوى عائِشَةَ، وأُمَّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وزَيْنَبَ، وكانَ قَسْمُهُ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ فِيهِنَّ سَواءً.

وأرْجَأ سَوْدَةَ، وجُوَيْرِيَةَ، وصَفِيَّةَ، وأُمَّ حَبِيبَةَ، ومَيْمُونَةَ، وكانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ ما شاءَ.

وكانَ أرادَ فِراقَهُنَّ فَقُلْنَ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّما أرْجَأ سَوْدَةَ وحْدَها لِأنَّها وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ، فَتُوُفِّيَ وهو يَقْسِمُ لِثَمانٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُؤْوِي ﴾ أيْ: تَضُمُّ، ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ أنْ تُؤْوِيَ إلَيْكَ امْرَأةً مِمَّنْ عَزَلْتَ مِنَ القِسْمَةِ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: لا مَيْلَ عَلَيْكَ بِلَوْمٍ ولا عَتْبٍ ﴿ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّخْيِيرُ الَّذِي خَيَّرْناكَ في صُحْبَتِهِنَّ أقْرَبُ إلى رِضاهُنَّ.

والمَعْنى: إنَّهُنَّ إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ، كانَ أطْيَبَ لِأنْفُسِهِنَّ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " أنْ تُقِرَّ " بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ " أُعِينَهُنَّ " بِنَصْبِ النُّونِ.

﴿ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ أيْ: بِما أعْطَيْتَهُنَّ مِن تَقْرِيبٍ وتَأْخِيرٍ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ.

والمَعْنى: إنَّما خَيَّرْناكَ تَسْهِيلًا عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ﴾ كُلُّهم قَرَأ: " لا يَحِلُّ " بِالياءِ، غَيْرَ أبِي عَمْرٍو، فَإنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ؛ والتَّأْنِيثُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، إنَّما هو تَأْنِيثُ الجَمْعِ، فالقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن بَعْدِ نِسائِكَ اللَّواتِي خَيَّرْتَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ، وهُنَّ التِّسْعُ، فَصارَ [مَقْصُورًا] عَلَيْهِنَّ مَمْنُوعًا مِن غَيْرِهِنَّ وذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ طَلاقَهُ لِحَفْصَةَ وعَزْمَهُ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ كانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ الَّذِي أحْلَلْنا لَكَ، فَكانَتِ الإباحَةُ بَعْدَ نِسائِهِ مَقْصُورَةً عَلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً لَكَ ﴾ ؛ قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ غَيْرُ المُسْلِماتِ كاليَهُودِيّاتِ والنَّصْرانِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وتَحِلُّ لَك المُسْلِماتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ تُطَلِّقَ زَوْجاتِكَ وتَسْتَبْدِلَ بِهِنَّ سِواهُنَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ تُبَدِّلَ بِالمُسْلِماتِ المُشْرِكاتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنْ تُعْطِيَ الرَّجُلَ زَوْجَتَكَ، وتَأْخُذَ زَوْجَتَهُ، وهَذِهِ كانَتْ عادَةً لِلْجاهِلِيَّةِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ يَعْنِي الإماءَ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا أنْ تَمْلِكَ بِالسَّبْيِ، فَيَحِلُّ لَكَ وطْؤُها وإنْ كانَتْ مِن غَيْرِ الصِّنْفِ الَّذِي أحْلَلْتُهُ لَكَ؛ وإلى هَذا أوْمَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: إلّا أنْ تُصِيبَ يَهُودِيَّةً أوْ نَصْرانِيَّةً فَتَطَأها بِمِلْكِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: إلّا أنْ تُبَدِّلَ أمَتَكَ بِأمَةِ غَيْرِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذِهِ الأقْوالُ جائِزَةٌ، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  نَكَحَ يَهُودِيَّةً ولا نَصْرانِيَّةً بِتَزْوِيجٍ ولا مِلْكِ يَمِينٍ، ولَقَدْ سَبى رَيْحانَةَ القُرَظِيَّةَ فَلَمْ يَدْنُ مِنها حَتّى أسْلَمَتْ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ ﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكِ.

وقالَتْ عائِشَةُ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى أُحِلَّ لَهُ النِّساءُ، قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي نِساءَ جَمِيعِ القَبائِلِ مِنَ المُهاجِراتِ وغَيْرِ المُهاجِراتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ؛ ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أثابَ نِساءَهُ حِينَ اخْتَرْنَهُ بِأنَّ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ يُحِلَّ لَهُ غَيْرَهُنَّ، ولَمْ يُنْسَخْ هَذا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِيْنَ، وأبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّساءِ ها هُنا: الكافِراتُ، ولَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ كافِرَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ ﴿ "تُرْجِي" ﴾ مَعْناهُ: تُؤَخِّرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُرْجِئُ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ: "تُرْجِي" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى.

﴿ "وَتُؤْوِي" ﴾ مَعْناهُ: تَضُمُّ وتُقَرِّبُ، وقالَ المِبْرَدُ: هو مُعَدّى "رَجا يَرْجُو"، تَقُولُ: "رَجا الرَجُلُ وأرْجَيْتُهُ" جَعَلْتُهُ ذا رَجاءٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى فَسَحَ لِنَبِيِّهِ فِيما يَفْعَلُهُ في جِهَةِ النِساءِ، والضَمِيرُ في "مِنهُنَّ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الأصْنافِ حَيْثُ الخِلافُ المَذْكُورُ في ذَلِكَ.

وَهَذا الإرْجاءُ والإيواءُ يَحْتَمِلُ مَعانِي: مِنها في القَسْمِ، أيْ: تُقَرِّبُ مَن شِئْتُ في القِسْمَةِ لَها مِن نَفْسِكَ، وتُؤَخِّرُ عنكَ مَن شِئْتَ، وتُكْثِرُ لِمَن شِئْتَ، وتُقِلُّ لِمَن شِئْتَ، لا حَرَجَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْنَ هُنَّ أنَّ هَذا هو حُكْمُ اللهِ تَعالى لَكَ وقَضاؤُهُ زالَتِ الأنَفَةُ والتَغايُرُ عنهُنَّ ورَضِينَ وقَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَحّاكِ ؛ لِأنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآياتِ إنَّما كانَ تَغايُرًا - وقَعَ بَيْنَ زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَلَيْهِ، فَشَقِيَ بِذَلِكَ، فَفَسَحَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ، وأنَّبَهُنَّ بِهَذِهِ الآياتِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: في طَلاقِ مَن شاءَ مِمَّنْ حَصَلَ في عِصْمَتِهِ، وإمْساكِ مَن شاءَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ هَمَّ بِطَلاقِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، فَكانَ مِمَّنْ أرْجَأ سَوْدَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وصَفِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ ومَيْمُونَةُ، وآوى إلَيْهِ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وحَفْصَةَ وزَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ أجْمَعِينَ.» وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: في تَزْوِيجِ مَن شاءَ مِنَ النِساءِ وتَرْكِ مَن شاءَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: في ضَمِّ مَن شاءَ مِنَ الواهِباتِ وتَأْخِيرِ مَن شاءَ.

وعَلى كُلِّ مَعْنى فالآيَةُ مَعْناها التَوْسِعَةُ عَلَيْهِ -  والإباحَةُ؛ «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَمّا قَرَأ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ قُلْتُ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ.» وذَهَبَ هِبَةُ اللهِ في "الناسِخِ والمَنسُوخِ" لَهُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ ﴾ الآيَةُ ناسِخٌ قَوْلَهُ ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ ﴾ الآيَةُ، وقالَ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ناسِخٌ تَقَدَّمَ المَنسُوخَ سِوى هَذا.

وكَلامُهُ يَضْعُفُ مِن جِهاتٍ.

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: مَن أرَدْتَهُ وطَلَبَتْهُ نَفْسُكَ مِمَّنْ كُنْتُ عَزَلْتَهُ وأخَّرَتْهُ فَلا جَناحَ في رَدِّهِ إلى نَفْسِكَ وإيوائِهِ إلَيْكَ بَعْدَ عُزْلَتِهِ.

ووَجْهٌ ثانٍ وهو أنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا ومُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ( تُرْجِي مَن تَشاءُ وتُؤْوِي مَن تَشاءُ )، فَيَقُولُ بَعْدُ: ﴿ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ فَذَلِكَ سَواءٌ لا جُناحَ عَلَيْكَ في جَمِيعِهِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "مَن لَقِيَكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْقَكَ جَمِيعُهم لَكَ شاكِرِينَ"، وأنْتَ تُرِيدُ: "مَن لَقِيَكَ ومَن لَمْ يَلْقَكَ"، وهَذا المَعْنى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَعْنى القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في الطَلاقِ والإمْساكِ، وفي الواهِباتِ، وبِكُلِّ واحِدٍ قالَتْ فِرْقَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ" ﴾ بِرَفْعِ الأعْيُنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ تُقِرَّ" بِضَمِّ التاءِ مِن "تُقِرَّ" وكَسْرِ القافِ "أعْيُنَهُنَّ" نَصْبًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِما آتَيْتَهُنَّ" ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ ومالِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّهُنَّ" ﴾ بِالرَفْعِ عَلى التَأْكِيدِ لِلضَّمِيرِ في "يَرْضَيْنَ"، ولَمْ يُجَوِّزُ الطَبَرِيُّ غَيْرَها، وقَرَأ جُوَيْرَةُ بْنُ عابِدٍ: "كُلَّهُنَّ" بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ ضَمِيرِ "آتَيْتَهُنَّ"، والمَعْنى أنَّهُنَّ يُسَلِّمْنَ لِلَّهِ ولِحُكْمِهِ، وكُنْ قَبْلَ لا يَتَسامَحْنَ بَيْنَهُنَّ لِلْغَيْرَةِ، ولا يُسَلِّمْنَ لِلنَّبِيِّ  أنَفَةً، نَحا إلى هَذا المَعْنى ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ خَبَرٌ عامٌّ، والإشارَةُ إلى ما في قَلْبِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَحَبَّةِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ في المَعْنى أيْضًا المُؤْمِنُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "حَلِيمًا" ﴾ صِفَةٌ تَقْتَضِي مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى صَفْحًا وتَأْنِيسًا في هَذا المَعْنى؛ إذْ هي خَواطِرُ وفِكْرٌ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ في الأغْلَبِ.

واتَّفَقَتِ الرِواياتُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في القِسْمَةِ حَتّى ماتَ، ولَمْ يَمْتَثِلْ ما أُبِيحَ لَهُ مَعَهُنَّ ضَبَطا لِنَفْسِهِ، وأخْذًا بِالفَضْلِ، غَيْرَ أنَّ سَوْدَةً وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ تَوَصُّلًا لِمَسَرَّةِ رَسُولِ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، قِيلَ كَما قَدَّمْنا: إنَّها خَطَرَتْ عَلَيْهِ النِساءُ إلّا التِسْعَ اللَواتِي كُنَّ عِنْدَهُ، فَكَأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، لَمّا هَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللهِ  شَهْرًا وآلى مِنهُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ وخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ، جازاهُنَّ اللهُ بِأنَّ حَظَرَ عَلَيْهِ النِساءَ غَيْرَهُنَّ، وقَنَّعَهُ بِهِنَّ، وحَظَرَ عَلَيْهِ تَبْدِيلِهِنَّ، ونَسَخَ بِذَلِكَ ما أباحَهُ لَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَوْسِعَةِ في جَمِيعِ النِساءِ.

وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأصْنافِ المُسَمّاهٍ.

ومَن قالَ بِأنَّ الإباحَةَ كانَتْ لَهُ مُطْلَقَةً قالَ هُنا: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ ﴾ مَعْناهُ: لا يَحِلُّ لَكَ اليَهُودِيّاتِ ولا النَصْرانِيّاتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ وإنْ كانَ رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ قَدَّرَ: ولا أنْ تُبَدِّلَ اليَهُودِيّاتِ والنَصْرانِيّاتِ بِالمُسْلِماتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ﴾ يَعْنِي: لا يَحِلُّ لَكَ العَمّاتُ ولا الخالاتُ ونَحْوَهُنَّ، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِأنْ لا يَتَبَدَّلُ بِأزْواجِهِ التِسْعِ، ومُنِعَ أنْ يُطَلِّقَ مِنهُنَّ ويَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ، قالَهُ الضَحّاكُ.

وقِيلَ: بِمَن تَزَوَّجَ وحَصَلَ في عِصْمَتِهِ، أيْ: لا يُبَدِّلُها بِأنْ يَأْخُذَ زَوْجَةَ إنْسانٍ ويُعْطِيَهُ هو زَوْجَتَهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ.

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أنْكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرَهُ في مَعْنى الآيَةِ، وما فَعَلَتِ العَرَبُ هَذا قَطُّ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى النَبِيِّ  وعِنْدَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: "مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : هَذِهِ عائِشَةُ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ شِئْتَ نَزَلْتُ لَكَ عن سَيِّدَةِ العَرَبِ جَمالًا ونَسَبًا"» فَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ ولا أرادَ ذَلِكَ، وإنَّما احْتَقَرَ عائِشَةَ لِأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً فَقالَ هَذا القَوْلَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو - بِخِلافٍ -: "تَحِلُّ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: جَماعَةِ النِساءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، عَلى مَعْنى: جَمِيعِ النِساءِ، وهُما حُسْنانِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ لَفْظِ النِساءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ ، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أسْماءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أعْجَبَ رَسُولَ اللهِ  حُسْنُها حِينَ ماتَ عنها جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، [فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها]،» وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ: ﴿ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَنْظُرَ الرَجُلُ إلى مَن يُرِيدُ زَواجَها، وقَدْ «أرادَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ زَواجَ امْرَأةٍ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّهُ أجْدَرُ أنْ يُؤْدِمَ بَيْنَكُما"،» وقالَ  لِآخَرَ: « "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا"،» قالَ الحَمِيدِيُّ: يَعْنِي: صَفْراءَ، وقالَ سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ: «رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ يُطارِدُ بُيَيْتَةَ بِنْتَ الضَحّاكِ عَلى إجّارٍ مِن أجاجِيرِ المَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا؟

فَقالَ: نَعَمَ: قالَ النَبِيُّ  : "إذا ألْقى اللهُ في قَلْبِ أحَدِكم خُطْبَةَ امْرَأةٍ فَلا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .

"ما" في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ "النِساءُ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفي النَصْبِ ضَعْفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: إلّا مِلْكَ يَمِينِكَ، بِمَعْنى "مَمْلُوكَ"، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الجِنْسِ الأوَّلِ.

و"الرَقِيبُ" فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: راقَبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية في المصحف عقب التي قبلها يدل على أنها كذلك نزلت وأن الكلام متصل بعضه ببعض ومنتظم هذا النظم البديع، على أن حذف ما أضيفت إليه ﴿ بعدُ ﴾ ينادي على أنه حذْفُ معلوم دل عليه الكلام السابق فتأخّرها في النزول عن الآيات التي قبلها وكونها متصلة بها وتتمة لها مما لا ينبغي أن يُتردد فيه، فتقدير المضاف إليه المحذوف لا يخلو: إمّا أن يؤخذ من ذكر الأصناف قبله، أي من بعد الأصناف المذكورة بقوله: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ [الأحزاب: 50] الخ.

وإمّا أن يكون مما يقتضيه الكلام من الزمان، أي من بعد هذا الوقت، والأول الراجح.

و ﴿ بعد ﴾ يجوز أن يكون بمعنى (غير) كقوله تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ [الجاثية: 23] وهو استعمال كثير في اللغة، وعليه فلا ناسخ لهذه الآية من القرآن ولا هي ناسخة لغيرها، ومما يؤيد هذا المعنى التعبير بلفظ الأزواج في قوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ أي غيرهن، وعلى هذا المحمل حمل الآية ابن عباس فقد روى الترمذي عنه قال: «نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات» فقال: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ﴾ فأحل الله المملوكات المؤمنات ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﴾ [الأحزاب: 50].

ومثل هذا مروي عن أُبَيّ بن كعب وعكرمة والضحاك.

ويجوز أن يكون ﴿ بعدُ ﴾ مراداً به الشيء المتأخر عن غيره وذلك حقيقة معنى البعدية فيَتعينُ تقدير لفظ يدل على شيء سابق.

وبناء ﴿ بعدُ ﴾ على الضم يقتضي تقدير مضاف إليه محذوففٍ يدل عليه الكلام السابق على ما درج عليه ابن مالك في الخلاصة وحققه ابن هشام في «شرحه على قطر الندى»، فيجوز أن يكون التقدير: من بعدِ مَن ذكرن على الوجهين في معنى البعدية فيقدر: من غير مَن ذكرن، أو يقدر من بعدِ من ذُكرن، فتنشأ احتمالات أن يكون المراد أصناف من ذكرن أو أعداد من ذُكرن (وكن تسعاً)، أو مَن اخترتهن.

ويجوز أن يقدر المضاف إليه وقتاً، أي بعد اليوم أو الساعة، أي الوقت الذي نزلت فيه الآية فيكون نسخاً لقوله: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله: خالصة لك ﴾ [الأحزاب: 50].

وأما ما رواه الترمذي عن عائشة أنها قالت: «ما مات رسول الله حتى أحل الله له النساء».

وقال حديث حسن.

(وهو مقتض أن هذه الآية منسوخة) فهو يقتضي أن ناسخها من السنة لا من القرآن لأن قولها: ما مات، يؤذن بأن ذلك كان آخر حياته فلا تكون هذه الآية التي نزلت مع سورتها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين ناسخة للإِباحة التي عنتها عائشة ولذلك فالإِباحة إباحة تكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الطحاوي مثل حديث عائشة عن أمّ سلمة.

و ﴿ النساء ﴾ إذا أطلق في مثل هذا المقام غلب في معنى الأزواج، أي الحرائر دون الإماء كما قال النابغة: حذارا على أن لا تُنال مقادتي *** ولا نِسوتي حتى يَمُتْنَ حرائرا أي لا تحل لك الأزواج من بعد مَنْ ذُكِرْن.

وقوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ أصله: تتبدل بتاءين حذفت إحداهما تخفيفاً، يقال: بَدَّل وتبدَّل بمعنى واحد، ومادة البدل تقتضي شيئين: يعطي أحدهما عوضاً عن أخذ الآخر، فالتبديل يتعدى إلى الشيء المأخوذ بنفسه وإلى الشيء المعطَى بالباء أو بحرف ﴿ مِن ﴾ ، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ﴾ في سورة البقرة (108).

والمعنى: أن من حصلتْ في عصمتك من الأصناف المذكورة لا يحلّ لك أن تطلقها، فكنى بالتبدل عن الطلاق لأنه لازمه في العرف الغالب لأن المرءَ لا يطلق إلا وهو يعتاض عن المطلقة امرأة أخرى، وهذه الكناية متعينة هنا لأنه لو أريد صريح التبدل لخالف آخرُ الآية أولَها وسابقتها، فإن الرسول أحلت له الزيادة على النساء اللاتي عنده إذا كانت المزيدة من الأصناف الثلاثة السابقة وحرم عليه ما عداهن، فإذا كانت المستبدَلَة إحدى نساء من الأصناف الثلاثة لم يستقم أن يحرَّم عليه استبدال واحدة منهن بعينها لأن تحريم ذلك ينافي إباحة الأصناف ولا قائل بالنسخ في الآيتين، وإذا كانت المستبدلة من غير الأصناف الثلاثة كان تحريمها عاماً في سائر الأحوال فلا محصول لتحريمها في خصوص حال إبدالها بغيرها فتمحض أن يكون الاستبدال مكنّى به عن الطلاق وملاحظاً فيه نية الاستبدال.

فالمعنى: أن الرسول أبيحت له الزيادة على النساء اللاتي حصلْن في عصمته أو يحصلن من الأصناف الثلاثة ولم يبح له تعويض قديمة بحادثة.

والمعنى: ولا أن تطلق امرأة منهن تريد بطلاقها أن تتبدل بها زوجاً أخرى.

وضمير ﴿ بهن ﴾ عائد إلى ما أضيف إليه ﴿ بعد ﴾ المقدَّر وهن الأصناف الثلاثة.

والمعنى: ولا أن تبدل بامرأة حصلت في عصمتك أو ستحصل امرأة غيرها.

فالباء داخلة على المفارقة.

و ﴿ مِن ﴾ مزيدة على المفعول الثاني ل ﴿ تبدل ﴾ لقصد إفادة العموم.

والتقدير: ولا أن تبَدَّل بهن أزواجاً أُخرَ، فاختص هذا الحكم بالأزواج من الأصناف الثلاثة وبقيت السراري خارجة بقوله: ﴿ إلا ما ملكت يمينك ﴾ .

وأما التي تهَب نفسَها فهي إن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحها فقد انتظمت في سلك الأزواج، فشملها حكمهن، وإن لم يرد أن ينكحها فقد بقيت أجنبية لا تدخل في تلك الأصناف.

وقرأ الجمهور ﴿ لا يحل ﴾ بياء تحتية على اعتبار التذكير لأن فاعله جمع غيرُ صحيح فيجوز فيه اعتبار الأصل.

وقرأه أبو عمرو ويعقوب بفوقية على اعتبار التأنيث بتأويل الجماعة وهما وجهان في الجمع غير السالم.

وجملة ﴿ ولو أعجبك حسنهن ﴾ في موضع الحال والواو واوه، وهي حال من ضمير ﴿ تبدل ﴾ .

و ﴿ لو ﴾ للشرط المقطوع بانتفائه وهي للفرض والتقدير وتسمى وصلية، فتدل على انتفاء ما هو دون المشروط بالأوْلى، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولو افتدى به ﴾ في آل عمران (91).

والمعنى: لا يحلّ لك النساء من بعدُ بزيادة على نسائك وبتعويض إحداهن بجديدة في كل حالة حتى في حالة إعجاب حسنهن إياك.

وفي هذا إيذان بأن الله لما أباح لرسوله الأصناف الثلاثة أراد اللطف له وأن لا يناكد رغبته إذا أعجبته امرأة لكنه حدّد له أصنافاً معينة وفيهن غناء.

وقد عبرت عن هذا المعنى عائشة رضي الله عنها بعبارة شيقة، إذ قالت للنبيء: ما أرى ربَّك إلا يُسارِع في هواك.

وأُكدت هذه المبالغة بالتذييل من قوله: وكان الله على كل شيء رقيباً} أي عالماً بِجَرْي كللِ شيء على نحو ما حدّده أو على خلافه، فهو يجازي على حسب ذلك.

وهذا وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بثواب عظيم على ما حدد له من هذا الحكم.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا ما ملكت يمينك ﴾ منقطع.

والمعنى: لكن ما ملكت يمينك حلالٌ في كل حال.

والمقصود من هذا الاستدراك دفع توهم أن يكون المراد من لفظ ﴿ النساء ﴾ في قوله: ﴿ لا يحل لك النساء ﴾ ما يرادف لفظ الإِناث دون استعماله العرفي بمعنى الأزواج كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَحِلُّ لَكَ نِساءٌ مِن بَعْدِ نِسائِكَ اللّاتِي خَيَّرْتَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: وهُنَّ التِّسْعُ صارَ مَقْصُورًا عَلَيْهِنَّ ومَمْنُوعًا مِن غَيْرِهِنَّ.

الثّانِي: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ الَّذِي أحْلَلْنا لَكَ بِقَوْلِنا: ﴿ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ الآيَةَ.

وَكانَتِ الإباحَةُ بَعْدَ نِسائِهِ مَقْصُورَةً عَلى بَناتِ عَمِّهِ وبَناتِ عَمّاتِهِ وبَناتِ خالِهِ وبَناتِ خالاتِهِ المُهاجِراتِ مَعَهُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن غَيْرِ المُسْلِماتِ كاليَهُودِيّاتِ والنَّصْرانِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، ويَحِلُّ ما سِواهُنَّ مِنَ المُسْلِماتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ولا أنْ تَبَدَّلَ بِالمُسْلِماتِ مُشْرِكاتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا تُطَلِّقْ زَوْجاتِكَ لِتَسْتَبْدِلَ بِهِنَّ مَن أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقِيلَ الَّتِي أعْجَبَهُ حُسْنُها أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بَعْدَ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ عَنْها.

الثّالِثُ: ولا أنْ تُبَدِّلَ بِأزْواجَكَ زَوْجاتِ غَيْرِكَ فَإنَّ العَرَبَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَتَبادَلُونَ بِأزْواجِهِمْ فَيُعْطِي أحَدُهم زَوْجَتَهُ لِرَجُلٍ ويَأْخُذُ بِها مِنهُ زَوْجَتَهُ بَدَلًا مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي والدارمي وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن زياد رضي الله عنه قال: قلت لأبي رضي الله عنه: أرأيت لو أن ازواج النبي صلى الله عليه وسلم متن أما يحل له أن يتزوج؟

قال: وما يمنعه من ذلك!

قلت: قوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ فقال: إنما أحل له ضرباً من النساء، ووصف له صفة، فقال: ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ [ الأحزاب: 50] إلى قوله: ﴿ وامرأة مؤمنة ﴾ ثم قال: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ هذه الصفة.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ﴾ فأحل له الفتيات المؤمنات ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﴾ [ الأحزاب: 50] وحرم كل ذات دين إلا الإِسلام وقال: ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا أزواجك ﴾ [ الأحزاب: 50] إلى قوله: ﴿ خالصة لك من دون المؤمنين ﴾ [ الأحزاب: 50] وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء» .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: كان عكرمة رضي الله عنه يقول ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ هؤلاء التي سمى الله تعالى له إلا بنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك.

وأخرج الفريابي وأبو داود وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ ما بينت لك من هذه الأصناف بنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي فأحل له من هذه الأصناف أن ينكح ما شاء.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ يهوديات ولا نصرانيات لا ينبغي أن يكن أمهات المؤمنين ﴿ إلا ما ملكت يمينك ﴾ قال: هي اليهوديات والنصرانيات لا بأس أن يشتريها.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ قال: يهودية ولا نصرانيه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ قال: «نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج بعد نسائه الأول شيئاً» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ قال: حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: لما خيرهن الله فاخترن الله ورسوله قصره عليهن فقال: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ .

وأخرج ابن سعد عن عكرمة قال: لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ هؤلاء التسع التي اخترنك، فقد حرم عليك تزويج غيرهن.

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله: ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله: ﴿ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ﴾ .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس، مثله.

وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في قوله: ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ قال: حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه، فلم يتزوج بعدهن.

وأخرج ابن سعد عن سليمان بن يسار رضي الله عنه قال: لما تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم الكندية، وبعث في العامريات، ووهبت له أم شريك رضي الله عنها نفسها قالت أزواجه: لئن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم الغرائب ما له فينا من حاجة، فأنزل الله تعالى حبس النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه، وأحل له من بنات العم، والعمة، والخال، والخالة، ممن هاجر ما شاء، وحرم عليه ما سوى ذلك إلا ما ملكت اليمين غير المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أم شريك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ذر رضي الله عنه ﴿ لا تحل لك النساء من بعد ﴾ قال: من المشركات إلا ما سبيت فملكته يمينك.

وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل: تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك من امرأتي؟

فأنزل الله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ﴾ قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة بلا اذن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الاستئذان؟

قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه عائشة أم المؤمنين قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟

قال: يا عيينة: إن الله حرم ذلك.

فلما ضن خرج قالت عائشة رضي الله عنها: من هذا؟

قال: أحمق مطاع، وأنه على ما ترين لسيد في قومه» .

وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ قال: كانوا في الجاهلية يقول الرجل للرجل الآخر وله امرأة جميلة: تبادل امرأتي بامرأتك وأزيدك إلى ما ملكت يمينك؟

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ قال: ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل، وقد كان ينكح بعد ما نزلت هذه الآية ما شاء قال: ونزلت وتحته تسع نسوة، ثم تزوج بعد أم حبيبة رضي الله عنها بنت أبي سفيان، وجويرية بنت الحارث.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن زيد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ قال: قصره الله على نسائه التسع اللاتي مات عنهن قال علي: فاخبرت علي بن الحسين رضي الله عنه فقال: لو شاء تزوج غيرهن، ولفظ عبد بن حميد فقال: بل كان له أيضاً أن يتزوج غيرهن.

وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزلت هذه الآية ﴿ ولا أن تبدل بهن من أزواج ﴾ قال: كان يومئذ يتزوج ما شاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ أي حفيظاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ ﴾ ويقرأ بالتاء وقال أبو إسحاق: من قرأ بالياء فلأن النساء في معنى جميع النساء تدل على التأنيث فيستغنى عن تأنيث (يحل)، ومن قرأ بالتاء فعلى أن المعنى لا يحل (١) (٢) (٣) وقال الفراء: (التاء للنساء والياء بمعنى لا يحل لك شيء من النساء) (٤) (٥) قال ابن عباس: لما خير رسول الله -  - نساءه اخترنه شكر الله تعالى ذلك لهن حيث اخترنه فأنزل الله: ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ﴾ (٦) قال مقاتل: حرم عليه تزويج غير التسعة اللاتي اخترنه، فقال: ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ﴾ أي: من بعد أزواجك التسعة اللاتي عندك (٧) قال ابن عباس: يريد أن تبدل بهذه [العدة] (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ أي: وإن أعجبك لجمالهن (١١) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ قال مقاتل: يعني: الولائد (١٢) (١٣) قال الزجاج: موضع رفع المعنى لا يحل لك إلا ما ملكت يمينك، قال: ويجوز أن يكون نصبًا على معنى: لا يحل لك النساء، ثم استثني ما ملكت يمينك (١٤) قال أبو عبيدة: في هذه الآية حرم عليه النساء غيرهن (١٥)  ا أنها قالت: ما مات رسول الله -  - حتى أحل له النساء (١٦) قال الشافعي: كأنها تعني اللاتي حظرن عليه (١٧) وهذه الآية منسوخة على ما قالت عائشة (١٨) (١٩) قال مقاتل: ثم حذر النبي -  -[إن ركب] (٢٠) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من العمل ﴿ رَقِيبًا ﴾ (٢١) (١) في (ب): (لا تحل).

(٢) في (ب): (جميع).

(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234 (٤) انظر: "معاني القرآن" 2/ 346.

(٥) انظر: "الحجة" 5/ 479.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 28، "الماوردي" 4/ 416، "زاد المسير" 6/ 409.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.

(٨) ما بين المعقوفين طمس في (ب).

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 29، "الماوردي" 4/ 416، "زاد المسير" 6/ 409.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 31، "مجمع البيان" 8/ 575، "زاد المسير" 6/ 410.

(١١) هكذا في النسخ!

ولعل الباء زيادة من النساخ.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.

(١٣) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 425.

(١٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234.

(١٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 352.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 32، "تفسير زاد المسير" 6/ 411، وأخرجه الترمذي في "سننه" كتاب التفسير، تفسير الأحزاب 5/ 35 رقم (3269)، وقال: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم 10/ 3145 عن أم سلمة.

(١٧) "الأم" 5/ 125.

(١٨) انظر: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 385.

(١٩) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 29 - 30، "تفسير المادردي" 4/ 417، "مجمع البيان" 8/ 575، "تفسير زاد المسير" 6/ 410، "تفسير مقاتل" 94 ب.

(٢٠) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مقاتل".

(٢١) انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ ﴾ فيه قولان: أحدهما لا يحل لك النساء غير اللاتي في عصمتك الآن ولا تزيد عليهن، قال ابن عباس لما خيرهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترن الله ورسوله جازاهن الله على ذلك، بأن حرّم غيرهنّ من النساء كرامة لهنّ، والقول الثاني: لا يحل لك النساء غير الأصناف التي سميت، والخلاف هنا يجري على الخلاف في المراد بقوله: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ﴾ : أي لا يحل لك غير من ذكر حسبما تقدم، وقيل: معنى لا يحل لك النساء: لا يحل لك اليهوديات والنصرانيات من بعد المسلمات المذكورات وهذا بعيد، واختلف في حكم هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ﴾ على القول بأن المراد جميع النساء، وقيل: إن هذه الأية ناسخة لتلك على القول بأن المراد من كان في عصمته، وهذا هو الأظهر لما ذكر عن ابن عباس، ولأن التسع في حقه عليه الصلاة والسلام كالأربع في حق أمته ﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ معناه لاي حل لك أن تطلق واحدة منهن وتتزوج غيرها بدلاً منها ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ﴾ في هذا دليل على جواز النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ المعنى أن الله أباح له الإماء، والاستثناء في موضع رفع على البدل من النساء، أو في موضع نصب على الاستثناء من الضمير في حسنهن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.

الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالثاء المثلثة.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي  ، وقد مر أنه  بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.

والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله  "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.

ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله  "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.

ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.

جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.

وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.

ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.

وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.

ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".

وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.

والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي  مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله  جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي  مدع لها.

بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله  ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.

وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.

أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.

ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.

ووصف النبي  بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.

وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.

ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".

ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.

قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.

ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.

في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.

وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.

وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.

وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.

وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.

وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله  أيضاً.

ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.

ثم عاد إلى تعليم النبي  .

وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله  اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.

وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي  كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي  لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.

والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ  من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.

ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾  يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.

والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.

قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال  ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله  من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله  كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.

وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي  .

وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.

والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.

وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.

وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.

وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.

ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.

ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه  بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.

والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.

﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.

يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.

وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.

وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.

وعن الحسن: وكان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.

ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.

ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.

وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.

وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه  شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله  من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.

وإنه  زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.

وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي  وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله  : يا عيينة أين الاستئذان؟

فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.

ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.

قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.

فقال  : إن الله قد حرم ذلك.

فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟

قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.

وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.

قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.

واستثنى ممن حرم عليه الإماء.

وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.

واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له  من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.

وعن عائشة: ما مات رسول الله  حتى أحل له النساء.

تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.

ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله  فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.

وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.

وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.

وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.

ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.

وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا  ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.

يروى أن رسول الله  أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.

فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟

وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله  شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.

ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.

والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.

قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.

والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.

وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.

﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.

وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.

ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.

إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.

ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.

قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.

وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.

ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.

قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.

ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.

ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.

وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي  : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه  شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي  .

واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.

وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟

فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعنه  "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.

ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.

والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم  ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله  ﴿ فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.

وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.

وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.

وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.

ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.

قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً  .

وقيل: في إفك عائشة.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.

ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.

يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.

ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.

وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.

روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.

المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.

وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.

وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.

ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله  عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.

ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.

ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.

ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.

والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.

ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.

قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.

من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.

قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.

وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".

وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.

وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.

ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.

أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.

وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.

والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.

واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.

وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.

فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.

وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".

والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.

فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.

ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله  ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.

فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.

وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.

وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.

وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.

وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.

واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين  ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.

والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.

ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.

فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.

وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).

الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.

وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.

التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.

وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي  كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.

﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.

﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم  ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.

وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.

فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.

ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.

فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.

ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ .

ذكر أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: كان بيني وبين عمتي كلام، فقلت: يوم أتزوج ابنتك فهي طالق ثلاثاً؛ فقال: تزوجها فهي لك حلال؛ أما تقرأ هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ...

﴾ الآية.

فجعل الطلاق بعد النكاح.

وعندنا: أنه إذا حلف: إن تزوجها فهي طالق؛ يكون طلاقاً بعد النكاح، وليس في الآية منع وقوع الطلاق إذا أضافه إلى ما بعد النكاح.

وقوله: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، يحتمل المماسة: الجماع، أي: من قبل أن تجامعوهن.

ويحتمل: من قبل أن تدخلوا بهن المكان الذي تماسّونهن؛ وإلا لو دخل بها المكان الذي يماسها، ثم طلقها يجب كمال الصداق، وإذا لم يجامعها، ولم يدخل المكان الذي يماسها حتى طلقها - وجب نصف الصداق؛ ويدل على ذلك قول الله حيث قال: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ  ﴾ ، والإفضاء ليس هو الجماع نفسه؛ ولكن الدنو منها والمسّ باليد أو شبهه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ .

هذا يدل على أن العدة من حق الزوج عليها؛ حيث قال: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ ، ولا يجوز له أن يجمع بين أختين فيما له من حق؛ فعلى ذلك ليس له أن يجمع بين الأختين في حق العدة التي له قبلها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ .

قال بعضهم: هذه المتعة منسوخة بالآية التي ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: هي التي وهبت نفسها بغير صداق، فإن لم يجب الصداق وجب المتعة.

وعندنا: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلا نصف الصداق، ولا يجب عليه المتعة وجوب حكم، لكن إن فعل ومتعها فهو أفضل وأحسن، وإن كان لم يفرض لها صداقاً حتى طلقها قبل الدخول بها؛ فهي واجبة على قدر عسره ويسره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يمتعها إذا سرحها.

وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يبذل لها الصداق.

وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يقول: لا تؤذوهن بألسنتكم إذا سرحتموهن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: ضمنت أجورهن وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ هو على القبول، تأويله: فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ  ﴾ ليس على نفس الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت أجورهن وضمنت.

والثاني: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ ﴾ هن لك إذا ﴿ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن.

وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجراً؛ فيكون قوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعاً في النكاح؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة "الهبة"؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك - أيضاً - امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة فلا.

وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ذكرنا؛ وهو قوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له بـ"قد..."؛ فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة "الهبة"، ليست تلك في لفظة "التزويج"، يقول مكان قوله: ﴿ وَهَبَتْ ﴾ : "زوجت"؛ دل أن المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة "الهبة".

أو أن يكون قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ في الآخرة، أي: لا تحل لأحد سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأمّا أن يفهم من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بلفظة "الهبة" فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: "وهبت"، وبين أن تقول: "زوجت".

وبعد: فإن كثيراً من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد الله بن مسعود، وابن عباس وغيرهما -  م - لم يفهموا من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ ﴾ بلفظة دون لفظة، حتى روي عن ابن عباس -  - أنه قال في قوله: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ : "هن الموهوبات"، فما بال الشافعي في فهم ذلك ما ذكر؟!

وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة "الهبة" من البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .

أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضاً، ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ﴾ .

ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول الله  ذكراً للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول.

أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ  ﴾ ؛ إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاغ: ما كان بنسب، وما كان بسبب، ثم قال: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ  ﴾ ؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ .

لم يفهم أحد من قوله: ﴿ هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ : الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ بل دخل في قوله: ﴿ مَعَكَ ﴾ من هاجر من قبل ومن بعد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ .

قال بعضهم: ما فرضنا على الناس، ﴿ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، وهن أربع نسوة لا تحل الزيادة على الأربع، ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ ، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة على ذلك وإن كثرن.

وقال بعضهم: كان مما فرض الله ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أي بينا ما يجوز وما لا يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج.

أو ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ : اختلف فيه: عن الحسن قال: كان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها النبي أو يتزوجها، وإذا ترك خطبتها كان لغيره أن يخطبها، ثم إذا خطبها رسول الله، لم يكن لأحد أن يخطبها بعد ذلك، إلا أن يترك خطبتها، أو كلام نحوه؛ فيصرف تأويل الآية إلى ما ذكرنا.

وكذلك يقول قتادة: إن الآية في الخطبة.

وقال بعضهم: هذا في قسمة الأيام بينهن كان يسوي بينهن قسمين، فوسع الله عليه في ذلك، فأحل له، فقال: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: من نسائه، أي: تترك من تشاء منهن، فلا تأتيها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ ، فتأتيها.

﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ ، يقول: ممن اخترت من نسائك أن تأتيها فعلت، فقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ على ترك القسم إذا علمن أن الله قد جعل لك ذلك حلالا، وأنزل فيهن الآية، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، إذا علمن أن الرخصة جاءت من الله -  - له، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن من ترك ذلك.

وقال بعضهم: إن أزواج رسول الله  اللاتي كن تحته خشين أن يطلقهن؛ فقلن: يا رسول الله، اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ولا تطلقنا؛ فنزل: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تعتزل من تشاء منهن أن تعتزل بغير طلاق، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ترد وتضم من تشاء منهن إليك؛ ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ .

وقال بعضهم: الآية في ترك نكاح ما أباح له من القرابات من يشاء منهن، وفي الإقدام على نكاح من يشاء منهن؛ لأنه على أثر ذلك ذكر، يقول: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، يعني: من بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا تزوجها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم إليك من تشاء منهن فتزوجها.

فنقول: خير الله رسوله في نكاح القرابة؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ ﴾ منهن فتزوجها، و ﴿ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: لا حرج عليك في ذلك؛ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ ﴾ ، يقول: أجدر وأحرى وأقرب ﴿ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ ، أي: النساء اللاتي عندك واخترتهن، ﴿ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ إذا علمن ألا تتزوج عليهن، ويرضين بما آتيتهن كلهن من النفقة، وكان في نفقتهن قلة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، ذلك حين خيرهن رسول الله بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة؛ فاخترن رسول الله، يقول - والله أعلم -: إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ عن قلة النفقة والجماع، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ من النفقة وغيره.

﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ﴾ ، من الحب والرضا، ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ .

قال قائلون: من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة؛ لأن الله لما خيرهن بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله والدار الآخرة قصره الله عليهن، فقال: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ أي: من بعد اختيارهن المقام معك.

﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ : فإن كان على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهنّ والمكافآت؛ لما اخترنه على الدنيا وما فيها؛ لئلا يشرك غيرهن في قَسْمِهِنَّ منه.

وروي عن عائشة -  ا - أنها قالت: اشترطنا على رسول الله  لما اخترناه والدار الآخرة: ألا يتزوج علينا، ولا يبدل بنا من أزواج.

ثم استثنى ما ملكت يمينه؛ لأنه لا حظ لهن في القسم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المسلمات: كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات: ألا يتزوج يهودية ولا نصرانية؛ فتكون من أمّهات المؤمنين، ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ أي: لا بأس أن تشتري اليهودية والنصرانية؛ فإن كان على هذا، ففيه حظر الكتابيات لرسول الله لما ذكر خاصّة، وأمّا المؤمنون: فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات؛ بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ ؛ فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المذكورات المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات؛ يقول: لا يحل لك من النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا تبديلهن، ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ﴾ أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة.

أو أن يكون على التحريم نفسه في الحكم، وليس لنا أن نفسّر أي تحريم أراد؟

تحريم الحظر والمنع في الخلق، أو تحريم الحكم؛ لأن ذلك كان لرسول الله  ، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل.

والتبديل بهن يحتمل في التطليق: يطلقهن، فيتزوج غيرهن.

ويحتمل بالموت: إذا متن - أيضاً - لم يحل له أن ينكح غيرهن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تحبس من تشاء منهن ولا تقربها.

وقال القتبي: ﴿ تُرْجِي ﴾ ، أي: تؤخر؛ يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ  ﴾ ، قال بعضهم: احسبه.

وقال بعضهم: أخره.

وقوله: ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم.

وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ﴾ ، أي: حفيظاً، وقيل: شاهداً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يجوز لك -أيها الرسول- أن تتزوج بنساء غير زوجاتك اللاتي هن في عصمتك، ولا يحلّ لك أن تطلقهن، وتطلق بعضهنّ لتأخذ غيرهن من النساء، ولو أعجبك حسن من تريد أن تتزوج بها من النساء غيرهن، لكن يجوز لك أن تَتَسَرَّى بما ملكت يمينك من الإماء دون حصر في عدد محدد، وكان الله على كل شيء حفيظًا.

وهذا الحكم يدل على فضل أمهات المؤمنين، فقد مُنع طلاقهن والزواج عليهن.

<div class="verse-tafsir" id="91.oMXGr"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا  ﴾ .

نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته  ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ  ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).

فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي  ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه  لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.

لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ  ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟

أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟

ومن وجهة أخرى نرى أن النبي  -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ إلخ.

فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.

مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي  ومن يختصه الله بالتأسي به.

لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي  إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

نادى  في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.

على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي  في أمر زينب.

كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ  ﴾ إلخ، فعمد النبي  -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.

لهذا أرغم النبي  زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله  المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ  ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا  ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ .

وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.

واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي  وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي  كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ  ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.

قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي  رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟

حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال  : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!

"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.

سبحان الله!

كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟

فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود  .

وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.

تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.

أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.

وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.

أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه  لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!

إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل