الآية ٧٢ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٧٢ من سورة الأحزاب

إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 161 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : يعني بالأمانة : الطاعة ، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم ، فلم يطقنها ، فقال لآدم : إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها ، فهل أنت آخذ بما فيها ؟

قال : يا رب ، وما فيها ؟

قال : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت .

فأخذها آدم فتحملها ، فذلك قوله : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، الأمانة : الفرائض ، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال ، إن أدوها أثابهم .

وإن ضيعوها عذبهم ، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ، ولكن تعظيما لدين الله ألا يقوموا بها ، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها ، وهو قوله : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) يعني : غرا بأمر الله .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) قال : عرضت على آدم فقال : خذها بما فيها ، فإن أطعت غفرت لك ، وإن عصيت عذبتك .

قال : قبلت ، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم ، حتى أصاب الخطيئة .

وقد روى الضحاك ، عن ابن عباس ، قريبا من هذا .

وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه ، والله أعلم .

وهكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، والحسن البصري ، وغير واحد : [ ألا ] إن الأمانة هي الفرائض .

وقال آخرون : هي الطاعة .

وقال الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق [ قال ] : قال أبي بن كعب : من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها .

وقال قتادة : الأمانة : الدين والفرائض والحدود .

وقال بعضهم : الغسل من الجنابة .

وقال مالك ، عن زيد بن أسلم قال : الأمانة ثلاثة : الصلاة ، والصوم ، والاغتسال من الجنابة .

وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف ، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ، وهو أنه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عوقب ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه ، إلا من وفق الله ، وبالله المستعان .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [ البصري ] ، حدثنا حماد بن واقد - يعني : أبا عمر الصفار - سمعت أبا معمر - يعني : عون بن معمر - يحدث عن الحسن - يعني : البصري - أنه تلا هذه الآية : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) قال : عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم ، وحملة العرش العظيم ، فقيل لها : هل تحملين الأمانة وما فيها ؟

قالت : وما فيها ؟

قال : قيل لها : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت .

قالت : لا .

ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد ، التي شدت بالأوتاد ، وذللت بالمهاد ، قال : فقيل لها : هل تحملين الأمانة وما فيها ؟

قالت : وما فيها ؟

قال : قيل لها : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت .

قالت : لا .

ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب ، قال : قيل لها : هل تحملين الأمانة وما فيها ؟

قالت : وما فيها ؟

قال : قيل لها : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت .

قالت : لا .

وقال مقاتل بن حيان : إن الله حين خلق خلقه ، جمع بين الإنس والجن ، والسماوات والأرض والجبال ، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة ، فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة ، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة .

.

.

؟

فقلن : يا رب ، إنا لا نستطيع هذا الأمر ، وليست بنا قوة ، ولكنا لك مطيعين .

ثم عرض الأمانة على الأرضين ، فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني ، وأعطيكن الفضل والكرامة ؟

فقلن : لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق ، ولكنا لك سامعين مطيعين ، لا نعصيك في شيء تأمرنا به .

ثم قرب آدم فقال له : أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها ؟

فقال عند ذلك آدم : ما لي عندك ؟

قال : يا آدم ، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة ، فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة .

وإن عصيت ولم ترعها حق رعايتها وأسأت ، فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار .

قال : رضيت [ يا ] رب .

وتحملها ، فقال الله عز وجل : قد حملتكها .

فذلك قوله : ( وحملها الإنسان ( .

رواه ابن أبي حاتم .

وعن مجاهد أنه قال : عرضها على السماوات فقالت : يا رب ، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر ، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة .

قال : وعرضها على الأرض فقالت : يا رب ، غرست في الأشجار ، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر ، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة .

وقالت الجبال مثل ذلك ، قال الله تعالى : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) في عاقبة أمره .

وهكذا قال ابن جريج .

وعن ابن أشوع أنه قال : لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ، ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن ، وقلن : ربنا .

لا طاقة لنا بالعمل ، ولا نريد الثواب .

ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم في هذه الآية : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) [ الآية ] ، فقال الإنسان : بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى : إني معينك عليها ، أي : معينك على عينيك بطبقتين ، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق .

ومعينك على لسانك بطبقتين ، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق .

ومعينك على فرجك بلباس ، فلا تكشفه إلى ما أكره .

ثم روي عن أبي حازم نحو هذا .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله ، عز وجل : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) قال : إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ، ويجعل لهن ثوابا وعقابا ، ويستأمنهن على الدين .

فقلن : لا نحن مسخرات لأمرك ، لا نريد ثوابا ولا عقابا .

قال : وعرضها الله على آدم فقال : بين أذني وعاتقي .

قال ابن زيد : فقال الله تعالى له : أما إذ تحملت هذا فسأعينك ، أجعل لبصرك حجابا ، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه ، وأجعل للسانك بابا وغلقا ، فإذا خشيت فأغلق ، وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك .

وقال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية ، حدثنا عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء ، فأرسلوا به ، فمنهم رسول الله ، ومنهم نبي ، ومنهم نبي رسول ، ونزل القرآن وهو كلام الله ، ونزلت العربية والعجمية ، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم ، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم ، إلا بينه لهم .

فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح ، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس ، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب ، فعالم يعمل ، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها ، حتى وصل إلي وإلى أمتي ، ولا يهلك على الله إلا هالك ، ولا يغفله إلا تارك .

فالحذر أيها الناس ، وإياكم والوسواس الخناس ، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا .

هذا حديث غريب جدا ، وله شواهد من وجوه أخرى .

ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي ، أخبرنا أبو العوام القطان ، حدثنا قتادة ، وأبان بن أبي عياش ، عن خليد العصري ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة : من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن ، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - وكان يقول ، وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن - [ وصام رمضان ، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا ] ، وأدى الأمانة " .

قالوا : يا أبا الدرداء ، وما أداء الأمانة ؟

قال : الغسل من الجنابة ، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره .

وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري ، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ، عن أبي العوام عمران بن داور القطان ، به .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا تميم بن المنتصر ، أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال : يكفر كل شيء - إلا الأمانة ، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له : أد أمانتك .

فيقول : أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟

فيقال له : أد أمانتك .

فيقول : أنى يا رب ، وقد ذهبت الدنيا ؟

فيقال له : أد أمانتك .

فيقول : أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟

فيقول : اذهبوا به إلى أمه الهاوية .

فيذهب به إلى الهاوية ، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها ، فيجدها هنالك كهيئتها ، فيحملها فيضعها على عاتقه ، فيصعد بها إلى شفير جهنم ، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت فهوى في أثرها أبد الآبدين " .

وقال : والأمانة في الصوم ، والأمانة في الوضوء ، والأمانة في الحديث ، وأشد ذلك الودائع .

فلقيت البراء فقلت : ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله ؟

فقال : صدق .

قال شريك : وحدثنا عياش العامري ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

ولم يذكر : " الأمانة في الصلاة وفي كل شيء " .

إسناده جيد ، ولم يخرجوه .

ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا " أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة " .

ثم حدثنا عن رفع الأمانة ، فقال : " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر [ الوكت ، فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر ] المجل كجمر دحرجته [ على رجلك ، تراه منتبرا وليس فيه شيء " .

قال : ثم أخذ حصى فدحرجه ] على رجله ، قال : " فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، حتى يقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ، حتى يقال للرجل : ما أجلده وأظرفه وأعقله .

وما في قلبه حبة من خردل من إيمان .

ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت ، إن كان مسلما ليردنه علي دينه ، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه ، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا " .

وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن عبد الله بن عمرو ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة طعمة " .

هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص .

وقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب : حدثني يحيى بن أيوب العلاف المصري ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن ابن حجيرة ، عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة طعمة " .

فزاد في الإسناد : " ابن حجيرة " ، وجعله من مسند ابن عمر .

وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة ، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد : حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن خناس بن سحيم - أو قال : جبلة بن سحيم - قال : أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي : لا والأمانة .

فجعل زياد يبكي ويبكي ، فظننت أني أتيت أمرا عظيما ، فقلت له : أكان يكره هذا ؟

قال : نعم .

كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي .

وقد ورد في ذلك حديث مرفوع ، قال أبو داود : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف بالأمانة فليس منا " ، تفرد به أبو داود ، رحمه الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (72) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: معناه: إن الله عرض طاعته وفرائضه على السموات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت، فأبت حملها شفقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا) لنفسه (َجُهولا) بالذي فيه الحظ له.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم عن أَبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) قال: الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على العباد.

قال: ثنا هشيم عن العوام عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس في قوله ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا ) قال: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على عباده.

قال: ثنا هشيم قال أخبرنا العوام بن حوشب وجويبر (1) كلاهما عن الضحاك عن ابن عباس في قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ ...) إلى قوله: (جَهُولا) قال: الأمانة الفرائض.

قال جويبر في حديثه: فلما عرضت على آدم قال: أي رب وما الأمانة؟

قال: قيل: إن أديتها جزيت، وإن ضيعتها عوقبت، قال: أي رب حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية، فأخرج منها.

حدثنا ابن بشار قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن أَبي بشر عن سعيد عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ) قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها فإن أطعت غفرت لك وإن عصيت عذبتك، قال: قد قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة.

حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ ) إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: ( وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ) غرًّا بأمر الله.

حدثني محمد بن سعد قال: ثني أَبى قال: ثني عمي قال: ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس قوله (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ) : الطاعة عرضها عليها قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم: يا آدم إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟

فقال: يا رب: وما فيها؟

قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله ( وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ) .

حدثنا ابن بشار قال: ثنا أَبو أحمد الزبيري قال: ثنا سفيان عن رجل عن الضحاك بن مزاحم في قوله ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ) قال: آدم قيل له خذها بحقها قال وما حقها؟

قيل: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فما لبث ما بين الظهر والعصر حتى أخرج منها.

حُدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ ) فلم يطقن حملها فهل أنت يا آدم آخذها بما فيها؟

قال آدم وما فيها يا رب؟

قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فقال: تحملتها، فقال الله تبارك وتعالى: قد حملتكها، فما مكث آدم إلا مقدار ما بين الأولى إلى العصر حتى أخرجه إبليس لعنه الله من الجنة، والأمانة الطاعة.

حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال ثنا بقية قال ثني عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمرو وكان من أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّ الأمَانَةَ وَالْوَفَاءَ نـزلا عَلَى ابنِ آدَمَ مَعَ الأنْبِيَاءِ، فَأُرْسِلُوا بِهِ؛ فَمِنهُمْ رَسُولَ اللهِ وَمِنْهُمْ نَبِي وَمِنْهُمْ نَبِي رَسُولٌ، نـزل القرآن وهو كلام الله ونـزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينة لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح.

ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب؛ فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها حتى وصل إليَّ وإلى أمتي فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر &; 20-339 &; أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، وإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا ".

حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال ثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي قال ثنا العوام العطار قال ثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري عن أَبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس؛ على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها " وكان يقول: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا وأدى الأمانة، قالوا: يا أبا الدرداء وما الأمانة؟

قال: الغسل من الجنابة فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن الأعمش عن أَبي الضحى عن مسروق عن أُبي بن كعب، قال: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها.

حدثني يونس قال: ثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين، فقلن: لا نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وعرضها الله على آدم، فقال: بين أذني وعاتقي" .

قال ابن زيد فقال الله له: أما إذ تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا إذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرْخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا، فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.

حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ ) يعني به: الدين والفرائض والحدود ( فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) قيل لهن: احملنها تؤدين حقها؟

فقلن: لا نطيق ذلك ( وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ) قيل له: أتحملها؟

قال: نعم، قيل: أتؤدي حقها؟

قال: نعم، قال الله: إنه كان ظلومًا جهولا عن حقها.

وقال آخرون: بل عنى بالأمانة في هذا الموضع: أمانات الناس.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا تميم بن المنتصر قال: ثنا إسحاق عن شريك عن الأعمش عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، أو قال: يكفر كل شيء إلا الأمانة؛ يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أي رب وقد ذهبت الدنيا، ثلاثًا.

فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيذهب به إليها، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت، فهوى في أثرها أبد الآبدين ".

قالوا: والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟

فقال: صدق.

قال شريك وثني عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه، لم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن أَبي هلال عن أَبي حازم قال: إن الله عرض الأمانة على سماء الدنيا فأبت ثم التي تليها حتى فرغ منها، ثم الأرضين ثم الجبال، ثم عرضها على آدم فقال: نعم بين أذني وعاتقي.

فثلاث آمرك بهن فإنهن لك عون: إني جعلت لك لسانًا بين لحيين فكفه عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك فرجًا وواريته فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك (2) .

وقال آخرون: بل ذلك إنما عنى به ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وخيانة قابيل أباه في قتله أخاه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أَبي مالك وعن أَبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له اثنان، يقال لهما: قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوجها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما، أي بمكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟

قال: اللهم لا قال: إن لي بيتا بمكة فأته، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، فقال للجبال فأبت، فقال لقابيل فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم وقربا قربانًا وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحق بها منك؛ هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي، فلما قربا، قرب هابيل جَذَعَة سمينة وقرب هابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها، فنـزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال هابيل إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ...

إلى قوله فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال، وأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنمه في جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، وتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن؛ فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه فلما رآه قال: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فهو قول الله تبارك وتعالى فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه فذلك حين يقول ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ ...) إلى آخر الآية.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات لما وصفنا.

وبنحو قولنا قال أهل التأويل في معنى قول الله (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) .

* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى قال ثنا عمرو قال ثنا أسباط عن السدي (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) يعني قابيل حين حمل أمانة آدم لم يحفظ له أهله.

حدثنا ابن بشار قال ثنا أَبو أحمد الزبيري قال ثنا سفيان عن رجل عن الضحاك في قوله (وَحَملَهَا الإنْسَانُ) قال آدم (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) قال: ظلومًا لنفسه جهولا فيما احتمل فيما بينه وبين ربه.

حدثنا علي قال ثنا أَبو صالح قال ثني معاوية، عن علي عن ابن عباس (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) غر بأمر الله.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (إِنَّه كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) قال: ظلومًا لها يعني الأمانة جهولا عن حقها.

------------------------ الهوامش: (1) في الأصل: وجبير.

وسيأتي في الحديث نفسه أنه جويبر.

(2) ترك الثالثة والذي في الدر: إني جعلت لك بصرا، وجعلت لك شفرتين، فعضمها عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك لسانك ...

إلخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولالما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين ، أمر بالتزام أوامره .

والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور .

روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله : حدثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد الله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال وما فيها يا رب قال إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها ) .

فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد .

وقد اختلف في تفاصيل بعضها على أقوال ; فقال ابن مسعود : هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها .

وروي عنه أنها في كل الفرائض ، وأشدها أمانة المال .

وقال أبي بن كعب : من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها .

وقال أبو الدرداء : غسل الجنابة أمانة ، وأن الله تعالى لم يأمن [ ص: 230 ] ابن آدم على شيء من دينه غيرها .

وفي حديث مرفوع الأمانة الصلاة إن شئت قلت قد صليت وإن شئت قلت لم أصل .

وكذلك الصيام وغسل الجنابة .

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها ، فلا تلبسها إلا بحق .

فإن حفظتها حفظتك ، فالفرج أمانة ، والأذن أمانة ، والعين أمانة ، واللسان أمانة ، والبطن أمانة ، واليد أمانة ، والرجل أمانة ، ولا إيمان لمن لا أمانة له .

وقال السدي : هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله ، وخيانته إياه في قتل أخيه .

وذلك أن الله تعالى قال له : ( يا آدم ، هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ) قال : ( اللهم لا ) قال : ( فإن لي بيتا بمكة فأته ) فقال للسماء : احفظي ولدي بالأمانة ؟

فأبت ، وقال للأرض : احفظي ولدي بالأمانة فأبت ، وقال للجبال كذلك فأبت .

فقال لقابيل : احفظ ولدي بالأمانة ، فقال نعم ، تذهب وترجع فتجد ولدك كما يسرك .

فرجع فوجده قد قتل أخاه ، فذلك قوله تبارك وتعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها .

الآية .

وروى معمر عن الحسن أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال ، قالت : وما فيها ؟

قيل لها : إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت .

فقالت لا .

قال مجاهد : فلما خلق الله تعالى آدم عرضها عليه ، قال : وما هي ؟

قال : إن أحسنت أجرتك وإن أسأت عذبتك .

قال : فقد تحملتها يا رب .

قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر .وروى علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال قال : الأمانة الفرائض ، عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال ، إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم .

فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ، ولكن تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به .

ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها .

قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير .

وقيل : لما حضرت آدم صلى الله عليه وسلم الوفاة أمر أن يعرض الأمانة على الخلق ، فعرضها فلم يقبلها إلا بنوه .

وقيل : هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السماوات والأرض والجبال والخلق ، من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها ، إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها ; قاله بعض المتكلمين .

ومعنى عرضنا أظهرنا ، كما تقول : عرضت الجارية على البيع .

والمعنى إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السماوات وأهل الأرض من الملائكة والإنس [ ص: 231 ] والجن فأبين أن يحملنها أي أن يحملن وزرها ، كما قال جل وعز : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم .

وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا .

وحملها الإنسان قال الحسن : المراد الكافر والمنافق .

إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بربه .

فيكون على هذا الجواب مجازا ، مثل : واسأل القرية .

وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السماوات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب ، أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها ، وأشفقت وقالت : لا أبتغي ثوابا ولا عقابا ، وكل يقول : هذا أمر لا نطيقه ، ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخرن له ، قال الحسن وغيره .

قال العلماء : معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب ، فلا بد من تقدير الحياة على القول الأخير .

وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام .

والعرض على الإنسان إلزام .

وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل ، أي أن السماوات والأرض على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب ، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل .

وهذا كقوله : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل - ثم قال : - وتلك الأمثال نضربها للناس .قال القفال : فإذا تقرر في أنه تعالى يضرب الأمثال ، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل ، وجب حمله عليه .

وقال قوم : إن الآية من المجاز ، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت ، فعبر عن هذا المعنى بقوله .

إنا عرضنا الأمانة الآية .

وهذا كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل ، فرأيت أنها تقصر عنه .

وقيل : عرضنا بمعنى عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ، ورجحت الأمانة بثقلها عليها .

وقيل : إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، إنما كان من آدم عليه السلام .

وذلك أن الله تعالى لما استخلفه على ذريته ، وسلطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش ، وعهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه وحرم وأحل ، فقبله ولم يزل عاملا به .

فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده ، ويقلده من الأمانة ما تقلده ، فأمره أن يعرض ذلك على السماوات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى ، فأبين أن يقبلنه شفقا من عذاب الله .

ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها فأبياه .

ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط ، ولم يهب منه ما تهيبت السماوات والأرض [ ص: 232 ] والجبال .

إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تقلد لربه .

قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة !

فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها بخلاف ما قال ، وإن نظرنا إلى ظاهره وجدناه بخلاف ما قال ، وإن نظرنا إلى باطنه وجدناه بعيدا مما قال !

وذلك أنه ردد ذكر الأمانة ولم يذكر ما الأمانة ، إلا أنه يومئ في مقالته إلى أنه سلطه على جميع ما في الأرض ، وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه ، وزعم أنه أمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال ; فما تصنع السماوات والأرض والجبال بالحلال والحرام ؟

وما التسليط على الأنعام والطير والوحش !

وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده .

وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال حتى ظهر الإباء منهم ، ثم ذكر أن الإنسان حملها ، أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك ، فسماه ظلوما أي لنفسه ، جهولا بما فيها .وأما الآثار التي هي بخلاف ما ذكر ، فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة ، ثم وضعها حيث شاء ، ثم دعا لها السماوات والأرض والجبال ليحملنها ، وقال لهن : إن هذه الأمانة ، ولها ثواب وعليها عقاب ; قالوا : يا رب ، لا طاقة لنا بها ; وأقبل الإنسان من قبل أن يدعى فقال للسماوات والأرض والجبال : ما وقوفكم ؟

قالوا : دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقنا منها ولم نطقها ; قال : فحركها بيده وقال : والله لو شئت أن أحملها لحملتها ; فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه ، ثم وضعها وقال : والله لو شئت أن أزداد لازددت ; قالوا : دونك !

فحملها حتى بلغ بها حقويه ، ثم وضعها وقال : والله لو شئت أن أزداد لازددت ; قالوا : دونك ، فحملها حتى وضعها على عاتقه ، فلما أهوى ليضعها ، قالوا : مكانك !

إن هذه الأمانة ، ولها ثواب وعليها عقاب ، وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقنا منها ، وحملتها أنت من غير أن تدعى لها ، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم القيامة ، إنك كنت ظلوما جهولا .

وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها .

وحملها الإنسان أي التزم القيام بحقها ، وهو في ذلك ظلوم لنفسه .

وقال قتادة : للأمانة ، جهول بقدر ما دخل فيه .

وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير .

وقال الحسن : جهول بربه .

قال : ومعنى ( حملها ) خان فيها .

وقال الزجاج : والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل .

وقال ابن عباس وأصحابه والضحاك وغيره : الإنسان آدم ، تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية [ ص: 233 ] التي أخرجته من الجنة .

وعن ابن عباس أن الله تعالى قال له : أتحمل هذه الأمانة بما فيها .

قال وما فيها ؟

قال : إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت .

قال : أنا أحملها بما فيها بين أذني وعاتقي .

فقال الله تعالى له : إني سأعينك ، قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك ، ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك .

وقال قوم : الإنسان النوع كله .

وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أولا .

وقال السدي : الإنسان قابيل .

فالله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعظم تعالى شأن الأمانة، التي ائتمن اللّه عليها المكلفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، [ولم تؤديها] فعليك العقاب.{ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أي: خوفًا أن لا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها اللّه على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل.

فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام:منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) الآية .

أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده ، عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم ، وهذا قول ابن عباس .

وقال ابن مسعود : الأمانة : أداء الصلوات ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وصدق الحديث ، وقضاء الدين ، والعدل في المكيال والميزان ، وأشد من هذا كله الودائع .

وقال مجاهد : الأمانة : الفرائض ، وقضاء الدين .

وقال أبو العالية : ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم : هو الصوم ، والغسل من الجنابة ، وما يخفى من الشرائع .

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال : هذه أمانة استودعتكها ، فالفرج أمانة ، والأذن أمانة ، والعين أمانة ، واليد أمانة ، والرجل أمانة ، ولا إيمان لمن لا أمانة له .

وقال بعضهم : هي أمانات الناس والوفاء بالعهود ، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير ، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السماوات والأرض والجبال ، هذا قول ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف ، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها ؟

قلن : وما فيها ؟

قال : إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ، فقلن : لا يا ربنا ، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا ، وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة ، وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها ، والجمادات كلها خاضعة لله - عز وجل - مطيعة ساجدة له كما قال جل ذكره للسماوات والأرض : " ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " ( فصلت - 11 ) ، وقال للحجارة : " وإن منها لما يهبط من خشية الله " ( البقرة - 74 ) ، وقال تعالى : " ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب " ( الحج - 18 ) الآية .

وقال بعض أهل العلم : ركب الله - عز وجل - فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن .

وقال بعضهم : المراد من العرض على السماوات والأرض هو العرض على أهل السماوات والأرض ، عرضها على من فيها من الملائكة .

وقيل : على أهلها كلها دون أعيانها ، كقوله تعالى : " واسأل القرية " ( يوسف - 82 ) ، أي : أهل القرية .

والأول أصح وهو قول العلماء .

( فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) أي : خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب ( وحملها الإنسان ) يعني : آدم عليه السلام ، فقال الله لآدم : إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها ؟

قال : يا رب وما فيها ؟

قال إن أحسنت جوزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فتحملها آدم ، وقال : بين أذني وعاتقي ، قال الله تعالى : أما إذا تحملت فسأعينك ، اجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه ، واجعل للسانك لحيين غلقا فإذا غشيت فأغلق ، واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك .

قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال : مثلت الأمانة كصخرة ملقاة ، ودعيت السماوات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها ، وقالوا : لا نطيق حملها ، وجاء آدم من غير أن يدعى ، وحرك الصخرة ، وقال : لو أمرت بحملها لحملتها ، فقلن له : احملها ، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها ، وقال والله لو أردت أن أزداد لزدت ، فقلن له : احملها فحملها إلى حقوه ، ثم وضعها ، وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت ، فقلن له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه ، فأراد أن يضعها فقال الله : مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة .

( إنه كان ظلوما جهولا ) قال ابن عباس : ظلوما لنفسه جهولا بأمر الله وما احتمل من الأمانة .

وقال الكلبي : ظلوما حين عصى ربه ، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة .

وقال مقاتل : ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل .

وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني ، في قوله وحملها الإنسان قولان ، فقالوا : إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السماوات والأرض والجبال على شيء ، فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا في الطاعة والقيام بالفرائض ، والأمانة في حق السماوات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقهن له .

وقيل : قوله : ( فأبين أن يحملنها ) أي : أدين الأمانة ، يقال : فلان لم يتحمل الأمانة أي : لم يخن فيها وحملها الإنسان أي : خان فيها ، يقال : فلان حمل الأمانة أي : أثم فيها بالخيانة .

قال الله تعالى : " وليحملن أثقالهم " ( العنكبوت - 13 ) ، إنه كان ظلوما جهولا .

حكي عن الحسن على هذا التأويل : أنه قال وحملها الإنسان يعني الكافر والمنافق ، حملا الأمانة أي : خانا .

وقول السلف ما ذكرنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا عرضنا الأمانة» الصلوات وغيرهما مما في فعلها من الثواب وتركها من العقاب «على السماوات والأرض والجبال» بأن خلق فيهما فهما ونطقا «فأبين أن يحملنها وأشفقن» خفن «منها وحملها الإنسان» آدم بعد عرضها عليه «إنه كان ظلوما» لنفسه بما حمله «جهولا» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا عرضنا الأمانة -التي ائتمن الله عليها المكلَّفين من امتثال الأوامر واجتناب النواهي- على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وخفن أن لا يقمن بأدائها، وحملها الإنسان والتزم بها على ضعفه، إنه كان شديد الظلم والجهل لنفسه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التى حملها الإِنسان فقال : ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان .

.

) .وأرجح الأقوال وأجمعها فى المراد بالأمانة هنا : أنها التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله - تعالى - بها عباده ، من إخلاص فى العبادة ، ومن أداء للطاعات ، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه .وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة ، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها ، وائتمننا عليها ، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها ، وأداءها بدون إخلال بشئ منها .والمراد بالإِنسان : آدم - عليه السلام - أو جنس الإِنسان .والمراد بحمله إياها : تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهى مع ثقلتها وضخامتها .وللعلماء فى تفسير هذه الآية اتجاهات ، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته ، وأن الله - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة ، على السماوات والأرض والجبال ( فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ) لثقلها وضخامتها ( وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) أى : وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب الله وسخطه بسبب التقصير فى أداء ما كلفن بأدائه .( وَحَمَلَهَا الإنسان ) أى : وقبل الإِنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه ، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها ، وأشفقن منها .( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) أى : إنه كان مفرطا فى ظلمه لنفسه ، ومبالغة فى الجهل ، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم الله - تعالى - بأدائه .

وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون - ، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه ، وخان الأمانة التى التزم بأدائها .فالضمير فى قوله ( إِنَّهُ ) يعود على بعض أفراد جنس الإِنسان ، وهم الذين لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التى التزموا بحملها .قال الآلوسى : ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) أى : بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة ، دون من عداهم من الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة ، دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ويكفى فى صدق الحكم على الجنس بشئ ، وجوده فى بعض أفراده ، فضلا عن وجوده فى غالبها .

.وقال بعض العلماء : ورجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلى معروف فى اللغة التى نزل بها القرآن .وقد جاء فعلا فى آية من كتاب الله ، وهى قوله - تعالى - : ( وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ .

.

.

)لأن الضمير فى قوله : ( وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ) راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلى ، كما هو ظاهر .وهذه المسألة هى المعروفة عند علماء العربية بمسألة : عندى درهم ونصفه .

أى : ونصف درهم آخر .وأصحاب هذا الاتجاه يقولون : لا مانع إطلاقا من أن يخلق الله - تعالى - إدراكا ونطقا للسموات والأرض والجبال ، ولكن هذا الإِدراك والنطق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .ومما يشهد لذلك قوله - تعالى - : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) قال الجمل : وكان هذا العرض عليهن - أى على السماوات والأرض والجبال تخييرا لا إلزاما ، ولو ألزمهن لم يمتنعن عن حملها .

والجمادات كلها خاضعة لله - تعالى - مطيعة لأمره ، ساجدة له .قال بعض أهل العلم : ركب الله - تعالى - فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة ، حتى عقلن الخطاب ، وأجبن بما أجبن .ويرى بعضهم أن العرض فى الآية الكريمة من قبيل ضرب المثل ، أو من قبيل المجاز .قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : لما بين - تعالى - فى هذه السورة من الأكحام ما بين ، أم بالتزام أوامره ، والأمانة تعم جميع وظائف الدين ، على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور .

.ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة .وقال القفال وغيره : العرض فى هذه الآية ضرب مثل ، أى : أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها ، لثقل عليها تقلد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب .أى : أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد حمله الإِنسان وهو ظلوم جهول لو عقل .

وهذا كقوله : ( لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله .

.

.

) وقال قوم : إن الآية من المجاز : أى : أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت ، فَعُبِّر عن هذا بعرض الأمانة .

كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد : قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه .

.وقيل : ( عَرَضْنَا ) يعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال ، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة .

ورجحت الأمانة بثقلها عليها .

.

.ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول ، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه ، فلا داعى لصرفه عن ذلك .ومما لا شك أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها أن تخلق فى السماوات والأرض ولاجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي عليه السلام بأحسن الآداب، بين أن التكليف الذي وجهه الله إلى الإنسان أمر عظيم فقال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة ﴾ أي التكليف وهو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السموات ولا في الأرض لأن الأرض والجبل والسماء كلها على ما خلقت عليه؛ الجبل لا يطلب منه السير والأرض لا يطلب منها الصعود ولا من السماء الهبوط ولا في الملائكة لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن أشياء لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا فيسبحون الليل والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الأمانة وجوه كثيرة منها من قال هو التكليف وسمي أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة، ومن وفر فله الكرامة.

ومنهم من قال هو قول لا إله إلا الله وهو بعيد فإن السموات والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو، ومنهم من قال الأعضاء فالعين أمانة ينبغي أن يحفظها والأذن كذلك واليد كذلك، والرجل والفرج واللسان، ومنهم من قال معرفة الله بما فيها، والله أعلم.

المسألة الثانية: في العرض وجوه منهم من قال المراد العرض ومنهم من قال الحشر ومنهم من قال المقابلة أي قابلنا الأمانة على السموات فرجحت الأمانة على أهل السموات والأرض.

المسألة الثالثة: في السموات والأرض وجهان: أحدهما: أن المراد هي بأعيانها، والثاني: المراد أهلوها، ففيه إضمار تقديره: إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: ﴿ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين  ﴾ من وجهين: أحدهما: أن هناك السجود كان فرضاً، وهاهنا الأمانة كانت عرضاً وثانيهما: أن الإباء كان هناك استكباراً وهاهنا استصغاراً استصغرن أنفسهن، بدليل قوله: ﴿ وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ .

المسألة الخامسة: ما سبب الإشفاق؟

نقول الأمانة لا تقبل لوجوه: أحدها: أن يكون عزيزاً صعب الحفظ كالأواني من الجواهر التي تكون عزيزة سريعة الانكسار، فإن العاقل يمتنع عن قبولها ولو كانت من الذهب والفضة لقبلها ولو كانت من الزجاج لقبلها، في الأول لأمانه من هلاكها، وفي الثاني لكونها غير عزيزة الوجود والتكليف كذلك والثاني: أن يكون الوقت زمان شهب وغارة فلا يقبل العاقل في ذلك الوقت الودائع، والأمر كان كذلك لأن الشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين إذ الغرض كان بعد خروج آدم من الجنة الثالث: مراعاة الأمانة والإتيان بما يجب كإيداع الحيوانات التي تحتاج إلى العلف والسقي وموضع مخصوص يكون برسمها، فإن العاقل يمتنع من قبولها بخلاف متاع يوضع في صندوق أو في زاوية بيت والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية.

المسألة السادسة: كيف حملها الإنسان ولم تحملها هذه الأشياء؟

فيه جوابان: أحدهما: بسبب جهله بما فيها وعلمهن، ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ .

والثاني: أن الأشياء نظرت إلى أنفسهن فرأين ضعفهن فامتنعن، والإنسان نظر إلى جانب المكلف، وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها، وقال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

المسألة السابعة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن المراد منه آدم ظلم نفسه بالمخالفة ولم يعلم ما يعاقب عليه من الإخراج من الجنة ثانيها: المراد الإنسان يظلم بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب ثالثها: إنه كان ظلوماً جهولا، أي كان من شأنه الظلم والجهل يقال فرس شموس ودابة جموح وماء طهور أي من شأنه ذلك، فكذلك الإنسان من شأنه الظلم والجهل فلما أودع الأمانة بقي بعضهم على ما كان عليه وبعضهم ترك الظلم كما قال تعالى: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ  ﴾ وترك الجهل كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا  ﴾ وقال في حق المؤمنين عامة: ﴿ وَالراسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ رابعها: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ في ظن الملائكة حيث قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا  ﴾ وبين علمه عندهم حيث قال تعالى: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء  ﴾ وقال بعضهم في تفسير الآية إن المخلوق على قسمين مدرك وغير مدرك، والمدرك منه من يدرك الكلي والجزئي مثل الآدمي، ومنه من يدرك الجزئي كالبهائم ثم تدرك الشعير الذي تأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل والبراهين، ومنه من يدرك الكلي ولا يدرك الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل، قالوا وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات والتكليف لم يكن إلا على مدرك الأمرين إذ له لذات بأمور جزئية، فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية هي مثل لذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته، وأما غيره فإن كان مكلفاً يكون مكلفاً لا بمعنى الأمر بما فيه عليهم كلفة ومشقة بل بمعنى الخطاب فإن المخاطب يسمى مكلفاً لما أن المكلف مخاطب فسمي المخاطب مكلفاً وفي الآية لطائف الأولى: الأمانة كان عرضها على آدم فقبلها فكان أميناً عليها والقول قول الأمين فهو فائز، بقي أولاده أخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن، ولهذا وارث المودع لا يكون القول قوله ولم يكن له بد من تجديد عهد وائتمان، فالمؤمن اتخذ عند الله عهداً فصار أميناً من الله فصار القول قوله فكان له ما كان لآدم من الفوز.

ولهذا قال تعالى: ﴿ وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات  ﴾ أي كما تاب على آدم في قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ والكافر صار آخذاً للأمانة من المؤتمن فبقي في ضمانه، ثم إن المؤمن إذا أصاب الأمانة في يده شيء بقضاء الله وقدره كان ذلك من غير تقصير منه والأمين لا يضمن ما فات بغير تقصير، والكافر إذا أصاب الأمانة في يده شيء ضمن وإن كان بقضاء الله وقدره، لأنه يضمن ما فات وإن لم يكن بتقصير اللطيفة الثانية: خص الأشياء الثلاثة بالذكر لأنها أشد الأمور وأحملها للأثقال، وأما السموات فلقوله تعالى: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً  ﴾ والأرض والجبال لا تخفى شدتها وصلابتها، ثم إن هذه الأشياء لما كانت لها شدة وصلابة عرض الله تعالى الأمانة عليها واكتفى بشدتهن وقوتهن فامتنعن، لأنهن وإن كن أقوياء إلا أن أمانة الله تعالى فوق قوتهن، وحملها الإنسان مع ضعفه الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً  ﴾ ولكن وعده بالإعانة على حفظ الأمانة بقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ  ﴾ فإن قيل فالذي يعينه الله تعالى كيف يعذب فلم يعذب الكافر؟

نقول قال الله تعالى: أنا أعين من يستعين بي ويتوكل علي والكافر لم يرجع إلى الله تعالى فتركه مع نفسه فيبقى في عهدة الأمانة اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَحَمَلَهَا الإنسان ﴾ إشارة إلى أن فيه مشقة بخلاف ما لو قال فأبين أن يقبلنها وقبلها الإنسان، ومن قال لغيره افعل هذا الفعل فإن لم يكن في الفعل تعب يقابل بأجرة فإذا فعله لا يستحق أجرة فقال تعالى: ﴿ وَحَمَلَهَا ﴾ إشارة إلى أنه مما يستحق الأجر عليه أي على مجرد حمل الأمانة، وإما على رعايتها حق الرعاية فيستحق الزيادة فإن قيل فالكل حملوها، غاية ما في الباب أن الكافر لم يأت بشيء زائد على الحمل فينبغي أن يستحق الأجر على الحمل فنقول الفعل إذا كان على وفق الإذن من المالك الآمر يستحق الفاعل الأجرة، ألا ترى أنه لو قال احمل هذا إلى الضيعة التي على الشمال فحمل ونقلها إلى الضيعة التي على الجنوب لا يستحق الأجرة ويلزمه ردها إلى الموضع الذي كان فيه كذلك الكافر حملها على غير وجه الإذن فغرم وزالت حسناته التي عملها بسببه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ قاصداً إلى الحق والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل.

يقال: سدّد السهم نحو الرمية: إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد، والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول، والبعث على أن يسد قولهم في كل باب؛ لأنّ حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله.

والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة: من تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيآتكم وتكفيرها.

وقيل: إصلاح الأعمال التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها، بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان؛ ليترادف عليهم النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه.

لما قال: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وعلق بالطاعة الفوز العظيم، أتبعه قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة ﴾ وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظم أمرها وفخم شأنها، وفيه وجهان، أحدهما: أنّ هذه الأجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله عزّ وعلا انقياد مثلها- وهو ما يتأتى من الجمادات- وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها.

حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً وتكويناً وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة، كما قال: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [فصلت: 11] وأما الإنسان فلم تكن حاله- فيما يصحّ منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف- مثل حال تلك الجمادات فيما يصحّ منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع، والمراد بالأمانة: الطاعة؛ لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء.

وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها: مجاز.

وأما حمل الأمانة فمن قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها؛ لأنّ الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملاً لها.

ونحوه قولهم، لا يملك مولى لمولى نصراً.

يريدون: أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها، ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل، ومنه قول القائل: أَخُوكَ الَّذِي لاَ تَمْلِكُ الْحِسَّ نَفسُه ** وَتَرْفَضُّ عِنْدَ الْمُحْفِظَاتِ الْكَتَائِفُ أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده، بل يبذل ذلك ويسمح به.

ومنه قولهم أبغض حق أخيك؟

لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه، فمعنى، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، فأبين إلاّ أن يؤدينها وأبى الإنسان إلاّ أن يكون محتملاً لها لا يؤديها.

ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها.

والثاني: أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله: أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشدّه: أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب.

وما جاء القرآن إلاّ على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟

لقال: أسوي العوج، وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات.

وتصوّر مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها.

فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى؛ لأنه مثلت حاله- في تميله وترجحه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما- بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه.

وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال، وما مقال هذا إلاّ أن تشبه شيئاً والمشبه به غير معقول.

قلت: الممثل به في الآية وفي قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب.

وفي نظائره مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات: مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

واللام في ﴿ لّيُعَذّبَ ﴾ لام التعليل على طريق المجاز: لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في ضربته للتأديب نتيجة الضرب.

وقرأ الأعمش: ﴿ ويتوب ﴾ ؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدئ: ﴿ ويتوب الله ﴾ .

ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها، لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعاً من عذاب الغادر، والله أعلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب القبر» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعْدِ السّابِقِ بِتَعْظِيمِ الطّاعَةِ، وسَمّاها أمانَةً مِن حَيْثُ إنَّها واجِبَةُ الأداءِ، والمَعْنى أنَّها لِعَظَمَةِ شَأْنِها بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَتْ عَلى هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ وكانَتْ ذاتَ شُعُورٍ وإدْراكٍ لَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، ﴿ وَأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ مَعَ ضَعْفِ بِنْيَتِهِ ورَخاوَةِ قُوَّتِهِ لا جَرَمَ فازَ الرّاعِي لَها والقائِمُ بِحُقُوقِها بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.

﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا ﴾ حَيْثُ لَمْ يَفِ بِها ولَمْ يُراعِ حَقَّها.

﴿ جَهُولا ﴾ بِكُنْهِ عاقِبَتِها، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ.

وقِيلَ المُرادُ بِـ ( الأمانَةَ ) الطّاعَةُ الَّتِي تَعُمُّ الطَّبِيعِيَّةَ والِاخْتِيارِيَّةَ، وبِعَرْضِها اسْتِدْعاؤُها الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ الفِعْلِ مِنَ المُخْتارِ وإرادَةَ صُدُورِهِ مِن غَيْرِهِ، وبِحَمْلِها الخِيانَةُ فِيها والِامْتِناعُ عَنْ أدائِها ومِنهُ قَوْلُهم حامِلُ الأمانَةِ ومُحْتَمِلُها لِمَن لا يُؤَدِّيها فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، فَيَكُونُ الإباءُ عَنْهُ إتْيانًا بِما يُمْكِنُ أنْ يَتَأتّى مِنهُ والظُّلْمُ والجَهالَةُ الخِيانَةَ والتَّقْصِيرَ.

وقِيلَ إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ خَلَقَ فِيها فَهْمًا وقالَ لَها: إنِّي فَرَضْتُ فَرِيضَةً وخَلَقْتُ جَنَّةً لِمَن أطاعَنِي فِيها، ونارًا لِمَن عَصانِي، فَقُلْنَ نَحْنُ مُسَخَّراتٌ عَلى ما خَلَقْتَنا لا نَحْتَمِلُ فَرِيضَةً ولا نَبْتَغِي ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَمّا خَلَقَ آدَمَ عَرْضَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ، وكانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ بِتَحَمُّلِهِ ما يَشُقُّ عَلَيْها جَهُولًا بِوَخامَةِ عاقِبَتِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ( الأمانَةَ ) العَقْلُ أوِ التَّكْلِيفُ، وبِعَرْضِها عَلَيْهِنَّ اعْتِبارُها بِالإضافَةِ إلى اسْتِعْدادِهِنَّ، وبِإبائِهِنَّ الإباءَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي هو عَدَمُ اللِّياقَةِ والِاسْتِعْدادِ، وبِحَمْلِ الإنْسانِ قابِلِيَّتُهُ واسْتِعْدادُهُ لَها وكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحَمْلِ عَلَيْهِ فَإنَّ مِن فَوائِدِ العَقْلِ أنْ يَكُونَ مُهَيْمِنًا عَلى القُوَّتَيْنِ حافِظًا لَهُما عَنِ التَّعَدِّي ومُجاوَزَةِ الحَدِّ، ومُعْظَمُ مَقْصُودِ التَّكْلِيفِ تَعْدِيلُهُما وكَسْرُ سَوْرَتِهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال} وهو يريد بالأمانة

الطاعة لله ويحمل الأمانة الخيانة يقال فلان حامل للأمانة ومحتمل لها أى لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته إذ الأمانة كانها راكبة

الأحزاب (٧٣ - ٧٢)

للمؤتمن عليها وهو حاملها ولهذا يقال ركبته الديون ولي عليه حق فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حامل لها يعنى أن هذه الاجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله انقياد مثلها وهو ما يتأتى من الجمادات وأطاعت له الطاعة التي تليق بها حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته أيجادا وتكوينا وتسوية على هيآت مختلفة وأشكال متنوعة كما قال ثُمَّ استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض أثتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين وأخبر أن الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب يسجدون لله وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله وأما الإنسان فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعة ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع وهذا معنى قوله {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} أي أبين الخيانة فيها وأن لا يؤدينها {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} وخفن من الخيانة فيها {وَحَمَلَهَا الإنسان} أي خان فيها وأبى أن لا يؤديها {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} لكونه تاركاً لأداء الأمانة {جَهُولاً} لإخطائه ما يسعده مع تمكه منه وهو أداؤها قال الزجاج الكافر والمنافق حملا الأمانة أي خانا ولم يطيعا ومن أطاع من الأنبياء والمؤمنين فلا يقال كان ظلوماً جهولاً وقيل معنى الآية أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأفواه فأبى حمله وأشفق منه وحمله الإنسان على ضعفه إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ثم خان بضمانه فيها ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب وما جاء القرآن إلا على أساليبهم من ذلك قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوي العوج

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها ﴾ لَمّا بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ عِظَمَ شَأْنِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  بِبَيانِ مَآلِ الخارِجِينَ عَنْها مِنَ العَذابِ الألِيمِ ومَنالِ المُراعِينَ لَها مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ عَقَّبَ ذَلِكَ عِظَمَ شَأْنِ ما يُوجِبُها مِنَ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الطّاعَةِ وتَرْكِها صَدَرَ عَنْهم بَعْدَ القَبُولِ والِالتِزامِ مِن غَيْرِ جَبْرٍ هُناكَ ولا إبْرامٍ، وعَبَّرَ عَنْها بِالأمانَةِ وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالأمْنِ والأمانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حُقُوقٌ مَرْعِيَّةٌ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى المُكَلَّفِينَ وائْتَمَنَهم عَلَيْها وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ تَلَقِّيَها بِحُسْنِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ وأمَرَهم بِمُراعاتِها والمُحافَظَةِ عَلَيْها وأدائِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها، وعَبَّرَ عَنِ اِعْتِبارِها بِالنِّسْبَةِ إلى اِسْتِعْدادِ ما ذَكَرَ مِنَ السَّماواتِ وغَيْرِها مِن حَيْثُ الخُصُوصِيّاتُ بِالعَرْضِ عَلَيْهِنَّ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِها والرَّغْبَةِ في قَبُولِهِنَّ لَها، وعَنْ عَدَمِ اِسْتِعْدادِهِنَّ لِقَبُولِها ومُنافاتِها لِما هُنَّ عَلَيْهِ بِالإباءِ والإشْفاقِ مِنها لِتَهْوِيلِ أمْرِها وتَرْبِيَةِ فَخامَتِها وعَنْ قَبُولِها بِالحَمْلِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الصُّعُوبَةِ المُعْتَبَرَةِ فِيها بِجَعْلِها مِن قَبِيلِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الأمانَةَ في عِظَمِ الشَّأْنِ بِحَيْثُ لَوْ كُلِّفَتْ هاتِيكَ الأجْرامُ العِظامُ الَّتِي هي مَثَلٌ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُراعاتَها وكانَتْ ذاتَ شُعُورٍ وإدْراكٍ لَأبَيْنَ قَبُولَها وخِفْنَ مِنها لَكِنَّ صَرْفَ الكَلامِ عَنْ سُنَنِهِ بِتَصْوِيرِ المَفْرُوضِ بِصُورَةِ المُحَقَّقِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ المَعْنى المَقْصُودِ وتَوْضِيحِهِ.

﴿ وحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ نَحْوَ: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ  ﴾ و ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى  ﴾ وحَمْلُهُ إيّاها إمّا بِاعْتِبارِها بِالإضافَةِ إلى اِسْتِعْدادِهِ أوْ بِتَكْلِيفِهِ إيّاها يَوْمَ المِيثاقِ أيْ تَكَلَّفَها والتَزَمَها مَعَ ما فِيهِ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ ورَخاوَةِ القُوَّةِ، وهو إمّا عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِها بِمُوجِبِ اِسْتِعْدادِهِ الفِطْرِيِّ أوْ عَنِ القَبُولِ القَوْلِيِّ يَوْمَ المِيثاقِ، وتَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ أيْضًا وكَذا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كُلْفَةً عَلَيْهِمْ لِما أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُخالِفُ طِباعَهم لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ اِعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنِ الحَمْلِ وغايَتِهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحَمَّلَ، والتَّأْكِيدُ لِمَظِنَّةِ التَّرَدُّدِ أيْ إنَّهُ كانَ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ مُبالِغًا في الجَهْلِ أيْ بِحَسَبِ غالِبِ أفْرادِهِ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِ فِطْرَتِهِمُ السَّلِيمَةِ أوْ قَبُولِهِمِ السّابِقِ دُونَ مَن عَداهم مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى تَبْدِيلًا، ويَكْفِي في صِدْقِ الحُكْمِ عَلى الجِنْسِ بِشَيْءٍ وُجُودُهُ في بَعْضِ أفْرادِهِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ في غالِبِها، وإلى الفَرِيقِ الأوَّلِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى -  - يعني: لا تؤذوا رسول الله  كما آذى بنو إسرائيل موسى-  - قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرني الثقة، بإسناده عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي  أنه قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وكان موسى-  - يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاّ أنَّهُ آدَرُ (١)  - فأخبر أنه لم يقتله أحد، وأنه مات بأجله فذلك قوله تعالى: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً يعني: مكيناً وكان له جاه عنده منزلة وكرامة.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: أطيعوا الله واخشوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: عدلاً صواباً فيما بينكم وهو قولهم ابن فلان فأمرهم أن ينسبوهم إلى آبائهم.

ويقال: قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: لا إله إِلاَّ الله.

ويقال: قولاً مخلصاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ يعني: يقبل أعمالكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في السر والعلانية فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً يعني: نجى بالخير وأصاب نصيبا وافرا.

قوله عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ قال مجاهد: لما خلق الله عز وجل آدم-  - عرض عليه الأمانة فحملها، فما كان بين أن حملها، وبين أن أخرج من الجنة، إلا كما بين الظهر والعصر.

وروي عن ابن عباس-  - أنه قال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ يعني: الفرائض على السموات والارض والجبال.

فقال لهن: يأخذن بما فيها.

فقلنا: وما فيه يا رب؟

قال: إن أحسنتن جوزيتن.

وإن أسأتن عوقبتن.

فقلن: يا رب إن تعرضها علينا فلا نريد، وإن أمرتنا بها فنحن نجتهد.

وعرضت على الإنسان يعني: آدم-  - فقبلها وحملها.

وقال بعضهم: هذا على وجه المثل إن لم تظهر الخيانة في الأمانة إلا من الإنسان.

فلم تظهر من السموات والأرض والجبال كما قال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21] فكأنه يقول: لو عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال لأبين حملها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ يعني: آدم وذريته إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا بالقبول.

وروي عن الحسن أنه قال: عرض على السموات عرض تخيير لا عرض إيجاب.

فلذلك لم تعصِ بترك قبولها ويقال: عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ يعني: على ملائكة السموات والأرض والجبال.

كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يعني: أهل القرية.

وقال السدي: لما أراد أن يحج، عرض الأمانة يعني: أمر ولده شِيث وقابيل وهابيل فعرض على قابيل الكخداذبية والائتمار، والقيام في شغل الدنيا، والعيش حتى يرجع هو من الحج إلى وطنه.

فقبله ثم خانه، فقتل أخاه.

وإنما كان عرض آدم بأمر الله تعالى فلذلك قال: عَرَضْنَا.

وقال بعضهم: أن الله عزَّ وجلَّ لما استخلف آدم على ذريته، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والوحوش والطير، عهد إليه عهداً أمره فيه، ونهاه فقبله.

ولم يزل عاملاً به إلى أن حضرته الوفاة.

فسأل ربه أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده الأمانة.

أن يعرض على السموات والأرض بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع، ومن العقاب إن عصى فَأَبَيْنَ أن يقبلنها شفقاً من عذاب الله.

فأمره أن يعرض على الأرض والجبال فكلاهما أبيا، ثم أمره أن يعرض على ولده فقبل بالشرط إنه كان ظلوماً جهولاً لعاقبة ما تقلده يعني: المتقبل الذي تقبله منه.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال: الْأَمانَةَ ثلاث في الصلاة والصيام والجنابة.

ثم قال عز وجل: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ يعني: عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ بما خانوا الأمانة وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بما أوفوا الأمانة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وكان صلة في الكلام يعني والله غفور لذنوب المؤمنين، رحيم بهم.

وروى سفيان عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال أبي بن كعب: كانت سورة الأحزاب لتقارب سورة البقرة أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم.

قلت: يا أبا المنذر وما آية الرجم؟

فقال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله العزيز الحكيم، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم.

(١) الآدر: من أصابه فتق في إحدى خصية من خصييه.

أو من كانت خصيته عظيمة بلا فتق.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى: هم قومُ مِن بَنِي إسرائيل.

قال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة:

الإشارةُ إلى ما تضمّنه حديث النبي صلى الله عليه وسلّم «من أَنَّ بَنِي إسرائيل كَانُوا يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، وَكَانَ موسى عليه السلام رَجُلاً سِتِّيراً حَيِّياً، لاَ يَكَادُ يرى مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا يَمْنَعُ موسى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاَّ أَنَّهُ آدَرُ أَوْ بِهِ بَرَصٌ، فَذَهَبَ يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَلَجَّ موسى فِي إثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، فَمَرَّ بِهِمْ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا بموسى مِنْ بَأْسٍ» .

الحديثُ «١» خرَّجه البُخَاريُّ وغيره، وقيل في إذَايتهم غيرُ هذا.

فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا والوجيهُ: المكرَّمُ الوجهِ، والقولُ السَّدِيدُ: يَعُمُّ جَميعَ الخيراتِ.

وقال عكرمة: أراد «لا إله إلا الله» »

وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية، ذهب الجمهور: إلى أن الأمانةَ كلُّ شيء يُؤتمن الإنسانُ عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا فالشرعُ/ كلّه أمانة ومعنى الآية: إنا عرضْنَا على هذه المخلوقاتِ العظام أن تحمل الأوامر ٧٧ ب والنَّواهي ولهَا الثوابُ إن أحْسَنَتْ، والعقابُ إن أساءت، فأبتْ هذه المخلوقاتُ وأشفقت، فيحتمل أن يكونَ هذا بِإدراكٍ يَخْلُقُه اللهُ لَهَا، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ هذا العَرْضُ على مَنْ فِيها من الملائِكةِ، وحَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ، أي: التزَمَ القِيامَ بِحَقِّهَا، وهو في ذلك ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ بقدر مَا دخَل فيه وهذا هو تأويل ابنِ عباس وابن جبير.

قال ابن عباس وأصحابه:

والْإِنْسانُ آدم تَحمَّلَ الأَمانةَ فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتَّى وَقَعَ فِي أمرِ الشَّجرةِ «٣» .

وقال بعضُهم:

الْإِنْسانُ: النَّوعُ كلّه فعلى تأويلِ الجمهور يكونُ قولُهما في الآية الأخرى أَتَيْنا طائِعِينَ إجابةً لأَمْرٍ أُمِرْت بِهِ وتَكُونُ هذه الآيةُ إبايَةً وإشفاقاً مِنْ أَمْرٍ عُرِضَ عَلَيْهَا وخُيِّرَتْ فِيه.

وقوله تعالى: لِيُعَذِّبَ: اللامُ لامُ العَاقِبَة، وكذا قَال أبو حيان: اللام في لِيُعَذِّبَ: للصَّيْرُورَةِ لأَنَّه لَمْ يَحْمِلْ الأَمَانَةَ ليُعَذَّبَ، ولكنْ آلَ أمره إلى ذلك.

ص: أبو البقاء: اللام تتَعلق ب: حَمَلَهَا وقرأ «١» الأعمش: «ويتوبُ» بالرفع على الاسْتِئْنَافِ، واللهِ أعلم.

انتهى.

وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفَرائِضُ، عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، إنْ أدَّتْها أثابَها، وإنْ ضَيَّعَتْها عَذَّبَها، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ؛ وعَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عُرِضَتِ الأمانَةُ عَلى آدَمَ فَقِيلَ لَهُ: تَأْخُذُها بِما فِيها، إنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ، وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، فَقالَ: قَبِلْتُ، فَما كانَ إلّا كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها الفَرائِضُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها الأمانَةُ الَّتِي يَأْتَمِنُ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا عَلَيْها.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ آدَمَ لَمّا أرادَ الحَجَّ قالَ لِلسَّماءِ: احْفَظِي ولَدِي بِالأمانَةِ، فَأبَتْ، وقالَ لِلْأرْضِ، فَأبَتْ، وقالَ لِلْجِبالِ، فَأبَتْ، فَقالَ لِقابِيلَ، فَقالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وتَجِيْءُ وتَجِدُ أهْلَكَ كَما يَسُرُّكَ، فَلَمّا انْطَلَقَ آدَمُ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ، فَرَجَعَ آدَمُ فَوَجَدَ ابْنَهُ قَدْ قَتَلَ أخاهُ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ وهو ابْنُ آدَمَ، فَما قامَ بِها.

وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ ٍ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ آدَمَ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ: يا رَبِّ، مَن أسْتَخْلِفُ مِن بَعْدِي؟

فَقِيلَ لَهُ: اعْرِضْ خِلافَتَكَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، فَعَرَضَها، فَكُلٌّ أباها غَيْرَ ولَدِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِعَرْضِ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى رَكَّبَ العَقْلَ في هَذِهِ الأعْيانِ، وأفْهَمَهُنَّ خِطابَهُ، وأنْطَقَهُنَّ بِالجَوابِ حِينَ عَرَضَها عَلَيْهِنَّ، ولَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ: " أُبَيِّنُ " المُخالَفَةَ، وَلَكِنْ أبَيْنَ لِلْخَشْيَةِ والمَخافَةِ، لِأنَّ العَرْضَ كانَ تَخْيِيرًا لا إلْزامًا، ﴿ وَأشْفَقْنَ ﴾ بِمَعْنى خِفْنَ ﴿ مِنها ﴾ أنْ لا يُؤَدِّيْنَها فَيَلْحَقَهُنَّ العِقابُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ وأهْلِ الجِبالِ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي المُرادِ بِالإنْسانِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: آدَمُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: قابِيلُ في قَوْلِ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الكافِرُ والمُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ، غِرًّا بِأمْرِ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ، جَهُولًا بِعاقِبَةِ أمْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: ظَلُومًا بِمَعْصِيَةِ رَبِّهِ، جَهُولًا بِعِقابِ الأمانَة، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَذَكَرَ الزَّجّاجُ في الآيَةِ وجْهًا يُخالِفُ أكْثَرَ الأقْوالِ، وذَكَرَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِلتَّفْسِيرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ائْتَمَنَ بَنِي آدَمَ عَلى ما افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ مِن طاعَتِهِ، وائْتَمَنَ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى طاعَتِهِ والخُضُوعِ لَهُ، فَأمّا السَّماواتُ والأرْضُ فَقالَتا: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ ، وأعْلَمَنا أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ والجِبالَ والمَلائِكَةَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، فَعَرَّفَنا اللَّهُ تَعالى أنَّ السَّمَواتِ والأرْضَ لَمْ تَحْتَمِلِ الأمانَةَ، لِأنَّها أدَّتْها، وأداؤُها: طاعَةُ اللَّهِ وتَرْكُ مَعْصِيَتِهِ، وكُلُّ مَن خانَ الأمانَةَ فَقَدِ احْتَمَلَها، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن أثِمَ فَقَدِ احْتَمَلَ الإثْمَ، وكَذَلِكَ قالالحَسَنُ: ﴿ وَحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ أيِ: الكافِرُ والمُنافِقُ حَمَلاها، أيْ: خانا ولَمْ يُطِيعا؛ فَأمّا مَن أطاعَ، فَلا يُقالُ: كانَ ظَلُومًا جَهُولًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ إنْ وقَعَ مِنهم تَقْصِيرٌ في الطّاعاتِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ ﴿ لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الأمانَةِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أماناتُ المالِ كالوَدائِعِ ونَحْوِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ إلى أنَّها كُلُّ شَيْءٍ يُؤْتَمَنُ الإنْسانُ عَلَيْهِ، مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا، فالشَرْعُ كُلُّهُ أمانَةٌ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مِنَ الأمانَةِ أنْ تُؤْتَمَنَ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها، وقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ أنْ تَحْمِلَ الأوامِرَ والنَواهِيَ، وتَقْتَضِي الثَوابَ إنْ أحْسَنَتْ والعِقابَ إنْ أساءَتْ، فَأبَتْ هَذِهِ المَخْلُوقاتُ وأشْفَقَتْ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا بِإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللهُ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا العَرْضُ عَلى مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ، ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: رَبِّ ذَرْنِي مُسَخَّرَةً لِما شِئْتَ أنْتَ، طائِعَةً فِيهِ، ولا تَكِلْنِي إلى نَظَرِي وعَمَلِي، ولا أُرِيدُ ثَوابًا، وحَمَلَ الإنْسانُ الأمانَةَ: أيِ: التَزَمَ القِيامَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ، جَهُولٌ بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ الحَسَنُ: "وَحَمَلَها" مَعْناهُ خانَ فِيها، والآيَةُ في الكافِرِ والمُنافِقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُصاةِ عَلى قَدْرِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: الإنْسانُ: آدَمُ، تَحَمَّلَ الأمانَةَ، فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتّى عَصى المَعْصِيَةَ الَّتِي أخْرَجَتْهُ مِنَ الجَنَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ لَهُ: يا آدَمُ، إنِّي عَرَضْتُ الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، وأشْفَقْنَ مِنها، أفَتَحْمِلُها أنْتَ بِما فِيها؟

قالَ: وما فِيها؟

قالَ: إنْ أحْسَنْتَ أُجِرْتَ، وإنْ أسَأْتَ عُوقِبْتَ، قالَ: نَعَمْ قَدْ حَمَلْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَما مَرَّ لَهُ ما بَيْنَ الأُولى والعَصْرِ حَتّى عَصى رَبَّهُ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: الإنْسانُ ابْنُ آدَمَ، قابِيلُ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، وكانَ قَدْ تَحَمَّلَ لِأبِيهِ الأمانَةَ أنْ يَحْفَظَ الأهْلَ بَعْدَهُ، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ سافَرَ إلى مَكَّةَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الإنْسانُ: النَوْعُ كُلُّهُ، وهَذا حَسَنٌ مَعَ عُمُومِ الأمانَةِ.

وقالَ الزَجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ في نَواهِينا وأوامِرِنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، فَقُمْنَ بِأمْرِها، وأطَعْنَ فِيما كَلَّفْناها، وتَأبَّيْنَ مِن حَمْلِ المَذَمَّةِ في مَعْصِيَتِنا، وحَمَلَ الإنْسانُ المَذَمَّةَ فِيما كَلَّفْناهُ مِن أوامِرِنا وشَرْعِنا، والإنْسانُ - عَلى تَأْوِيلِهِ - الكافِرُ والعاصِي.

وتَسْتَقِيمُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ إجابَةً لِأمْرٍ أُمِرَتْ بِهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إبايَةً وإشْفاقًا مِن أمْرِ عُرِضَ عَلَيْها وخُيِّرَتْ فِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ عَرَضَ الأمانَةَ عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ فَأبَتْ.

فَلَمّا عَرَضَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: أنا أحْمِلُها بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي، فَقالَ اللهُ: إنِّي سَأُعِينُكَ، قَدْ جَعَلْتُ لِبَصَرِكَ حِجابًا فَأغْلِقْهُ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ، ولِفَرْجِكَ لِباسًا فَلا تَكْشِفْهُ إلاَّ عَلى ما أحْلَلْتُ لَكَ.» ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أشْياءُ تَرَكْتُها اخْتِصارًا لِعَدَمِ صِحَّتِها.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المَجازِ، أيْ: إنّا إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانَةِ بِقُوَّةِ السَمَواتِ والأرْضِ والجِبالِ رَأيْنا أنَّها لا تُطِيقُها، وأنَّها لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأبَتْها وأشْفَقَتْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ بِالآيَةِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الحِمْلَ عَلى البَعِيرِ فَأباهُ، وأنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ: قايَسْتُ قُوَّتَهُ بِثِقَلِ الحِمْلِ فَرَأيْتُ أنَّها تَقْصُرُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللهُ ﴾ اللامُ لامُ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَمْ يَحْمِلْ لِيَقَعَ العَذابُ، لَكِنْ حَمَلَ فَصارَ الأمْرُ وآلَ إلى أنْ يُعَذَّبَ مَن نافَقَ ومَن أشْرَكَ، وأنْ يَتُوبَ عَلى مَن آمَنَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتُوبَ" نَصْبًا، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "لِيُعَذِّبَ"، ﴾ ورَفَعَها الحَسَنُ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي أفاد الإنباء على سنة عظيمة من سنن الله تعالى في تكوين العالم وما فيه وبخاصة الإِنسان ليرقب الناس في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع ربهم ومعاملاتهم بعضهم مع بعض بمقدار جريهم على هذه السنة ورعيهم تطبيقها فيكون عرضهم أعمالهم على معيارها مشعراً لهم بمصيرهم ومبيناً سبب تفضيل بعضهم على بعض واصطفاء بعضهم من بين بعض.

وموقع هذه الآية عقب ما قبلها، وفي آخر هذه السورة يقتضي أن لمضمونها ارتباطاً بمضمون ما قبلها، ويصلح عوناً لاكتشاف دقيق معناها وإزالة ستور الرمز عن المراد منها، ولو بتقليل الاحتمال، والمصير إلى المآل.

والافتتاح بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو تنزيله لغرابة شأنه منزلة ما قد ينكره السامع.

وافتتاح الآية بمادة العَرض، وصَوغها في صيغة الماضي، وجعل متعلقها السماوات والأرض والجبال والإنسان يُومِئ إلى أن متعلق هذا العَرض كان في صعيد واحد فيقتضي أنه عرْض أَزَلي في مبدأ التكوين عند تعلق القدرة الربانية بإيجاد الموجودات الأرضية وإيداعها فُصُولها المقوّمة لمواهيها وخصائصها ومميزاتها الملائكة لوفائها بما خلقت لأجله كما حمل قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ [الأعراف: 172] الآية.

واختتام الآية بالعلّة من قوله: ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات ﴾ [الأحزاب: 73] إلى نهاية السورة يقتضي أن للأمانة المذكورة في هذه الآية مزيد اختصاص بالعبرة في أحوال المنافقين والمشركين من بين نوع الإِنسان في رعي الأمانة وإضاعتها.

فحقيق بنا أن نقول: إن هذا العَرض كان في مبدإ تكوين العالم ونوعِ الإنسان لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإِنسان علم أن المراد بالإِنسان نوعه لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لمَا كان في تحمل ذلك الفرد الأمانة ارتباطٌ بتعذيب المنافقين والمشركين، ولَمَا كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانةَ حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى.

فتعريف ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس، أي نوع الإِنسان.

والعرض: حقيقته إحضار شيء لآخر ليختاره أوة يقبله ومنه عَرْضُ الحوض على الناقة، أي عرضه عليها أن تشرب منه، وعرضُ المجنَّدين على الأمير لقبول من تأهل منهم.

وفي حديث ابن عمر: «عُرِضَتُ على رسول الله وأنا ابن أربع فردني وعُرِضتُ عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني».

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك يعرضون على ربهم ﴾ في سورة هود [18]، وقوله: ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ في سورة الكهف [48].

فقوله: ﴿ عرضنا ﴾ هنا استعارة تمثيلية لوضع شيء في شيء لأنه أهل له دون بقية الشياء، وعدم وضعه في بقية الشياء لعدم تأهلها لذلك الشيء، فشبهت حالة صرف تحميل الأمانة عن السموات والأرض والجبال ووضعها في الإِنسان بحالة من يعرض شيئاً على أناس فيرفضه بعضهم ويقبله واحد منهم على طريقة التمثيلية، أو تمثيل لتعلق علم الله على أناس فيرفضه بعضهم ويقبله واحد منهم على طريقة التمثيلية، أو تمثيل لتعلق علم الله تعالى بعدم صلاحية السماوات والأرض والجبال الإِناطة ما عبر عنه بالأمانة بها وصلاحيةِ الإِنسان لذلك، فشبهت حالة تعلق علم الله بمخالفة قابلية السماوات والأرض والجبال بحمل الأمانة لقابلية الإِنسان ذلك بعرض شيء على اشياء لاستظهار مقدار صلاحية أحد تلك الأشياء للتلبس بالشيء المعروض عليها.

وفائدة هذا التمثيل تعظيم أمر هذه الأمانة إذ بلغت أن لا يطيق تحملها ما هو أعظم ما يبصره الناس من أجناس الموجودات.

فتخصيص ﴿ السماوات والأرض ﴾ بالذكر من بين الموجودات لأنهما أعظم المعروف للناس من الموجودات، وعطف الجبالر على ﴿ الأرض ﴾ وهي منها لأن الجبال أعظم الأجزاء المعروفة من ظاهر الأرض وهي التي تشاهد الأبصارُ عظمتها إذ الأبصار لا ترى الكرة الأرضية كما قال تعالى: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ﴾ [الحشر: 21].

وقرينة الاستعارة حالية وهي عدم صحة تعلق العرض والإِباء بالسماوات والأرض والجبال لانتفاء إدراكها فأنّى لها أن نختار وترفض، وكذلك الإنسان باعتبار كون المراد منه جنسه وماهيته لأن الماهية لا تفاوض ولا تختار كما يقال: الطبيعة عمياء، أي لا اختيار لها، أي للجبلة وإنما تصدر عنها آثارها قسراً.

ولذلك فأفعال ﴿ عَرضنا، أبَيْن، يحملنها، وأشفقن منها، وحملها ﴾ أجزاء للمركب التمثيلي.

وهذه الأجزاء صالحة لأن يكون كل منها استعارة مفردة بأن يشبه إبداع الأمانة في الإنسان وصرفها عن غيره بالعرض، ويشبه عدم مُصَحح مَواهي السماوات والأرض والجبال لإِيداع الأمانة فيها بالإِباء، ويشبه الإِيداع بالتحميل والحمل، ويشبه عدم التلاؤم بين مواهي السماوات والأرض والجبال بالعجز عن قبول تلك الكائنات إياها وهو المعبر عنه بالإِشفاق، ويشبه التلاؤم ومُصحِّح القبول لإِيداع وصف الأمانة في الإِنسان بالحمل للثقْل.

ومثل هذه الاستعارات كثير في الكلام البليغ.

وصلوحية المركب التمثيلي للانحلال بأجزائه إلى استعارات معدود من كمال بلاغة ذلك التمثيل.

وقد عُدّت هذه الآية من مشكلات القرآن وتردد المفسرون في تأويلها تردداً دلّ على الحيرة في تقويم معناها.

ومرجع ذلك إلى تقويم معنى العَرض على السماوات والرض والجبال، وإلى معرفة معنى الأمانة، ومعرفة معنى الإِباء والإِشفاق.

فأما العرض فقد استبانت معانيه بما علمت من طريقة التمثيل.

وأما الأمانة فهي ما يؤتمن عليه ويطالب بحفظه والوفاء دون إضاعة ولا إجحاف، وقد اختلف فيها المفسرون على عشرين قولاً وبعضها متداخل في بعض، ولنبتدئ بالإٍِلمام بها ثم نعطف إلى تمحيصها وبيانها.

فقيل: الأمانة الطاعة، وقيل: الصلاة، وقيل: مجموع الصلاة والصوم والاغتسال، وقيل: جميع الفرائض، وقيل: الانقياد إلى الدين، وقيل: حفظ الفرج، وقيل: الأمانة التوحيد، أو دلائل الوحداينة، أو تجليات الله بأسمائه، وقيل: ما يؤتمن عليه، ومنه الوفاء بالعهد، ومنه انتفاء الغش في العمل، وقيل: الأمانة العقل، وقيل: الخلافة، أي خلافة الله في الأرض التي أودعها الإِنسان كما قال تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إِني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] الاية.

وهذه الأقوال ترجع إلى أصناف: صنف الطاعات والشرائع، وصنف العقائد، وصنف ضد الخيانة، وصنف العقل، وصنف خلافة الأرض.

ويجب أن يطرح منها صنف الشرائع لأنها ليست لازمة لفطرة الإِنسان فطالما خلت أمم عن التكليف بالشرائع وهم أهل الفِتَر فتسقط ستة أقوال وهي ما في الصنف الأول.

ويبقى سائر الأصناف لأنها مرتكزة في طبع الإِنسان وفطرته.

فيجوز أن تكون الأمانة أمانة الإِيمان، اي توحيد الله، وهي العهد الذي أخذه الله على جنس بني آدم وهو الذي في قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ ربك بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ﴾ وتقدم في سورة الأعراف [172].

فالمعنى: أن الله أودع في نفوس الناس دلائل الوحدانية فهي ملازمة للفكر البشري فكأنها عهْد عَهِد الله لهم به وكأنه أمانة ائتمنهم عليها لأنه أودعها في الجبلة مُلازِمة لها، وهذه الأمانة لم تودع في السماوات والأرض والجبال لأن هذه الأمانة من قبيل المعارف والمعارف من العلم الذي لا يتصف به إلا من قامت به صفة الحياة لأنها مصححة الإِدراك لمن قامت به، ويناسب هذا المحمل قولُه: ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ [الأحزاب: 73]، فإن هذين الفريقين خالون من الإِيمان بوحدانية الله.

ويجوز أن تكون الأمانة هي العقل وتسميته أمانة تعظيم لشأنه ولأن الأشياء النفيسة تودع عند من يحتفظ بها.

والمعنى: أن الحكمة اقتضت أن يكون الإنسان مستودَع العقل من بين الموجودات العظيمة لأن خلقته مُلائمة لأن يكون عاقلاً فإن العقل يبعث على التغير والانتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى غيره، فلو جعل ذلك في سماء من السماوات أو في الأرض أو في جبل من الجبال أو جميعها لكان سبباً في اضطراب العوالم واندكاكها.

وأقرب الموجودات التي تحمل العقل أنواع الحيوان ما عدا الإِنسان فلو أودع فيها العقل لما سمحت هيئات أجسامها بمطاوعة ما يأمرها العقل به.

فلنفرض أن العقل يسول للفرس أن لا ينتظر علفه أو سومه وأن يخرج إلى حناط يشتري منه علفاً، فإِنه لا يستطيع إفصاحاً ويضيع في الإِفهام ثم لا يتمكن من تسليم العوض بيده إلى فرس غيره.

وكذلك غذا كانت معاملته مع أحد من نوع الإنسان.

ومناسبة قوله: ﴿ ليعذب الله المنافقين ﴾ [الأحزاب: 73] الاية لهذا المحمل نظير مناسبته للمحمل الأول.

ويجوز أن تكون الأمانة ما يؤتمن عليه، وذلك أن الإِنسان مدني بالطبع مخالط لبني جنسه فهو لا يخلو عن ائتمان أو أمانة فكان الإنسان متحملاً لصفة الأمانة بفطرتِه والناس متفاوتون في الوفاء لما ائتمنوا عليه كما في الحديث: «إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة» أي إذا انقرضت الأمانة كان انقرائها علامة على اختلال الفطرة، فكان في جملة الاختلالات المنذرة بدنو الساعة مثل تكوير الشمس وانكدار النجوم ودكّ الجبال.

والذي بَيَّن هذا المعنى قولُ حذيفة: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جِذر قلوب الرجال ثم عَلِموا من القرآن ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومةَ فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل اثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المَجْل كجمر دَحرَجْتَه على رِجْلك فنفط فتراه منتبرً وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من غيمان» أي من أمانة لأن الإِيمان من الأمانة لأنه عهد الله.

ومعنى عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال يندرج في معنى تفسير الأمانة بالعقل، لأن الأمانة بهذا المعنى من الأخلاق التي يجمعها العقل ويصرّفها، وحينئذٍ فتخصيصها بالذكر للتنبيه على أهميتها في أخلاق العقل.

والقول في حَمل معنى الأانة على خلافة الله تعالى في الأرض مثل القول في العقل لأن تلك الخلافة ما هيّأ الإِنسان لها إلا العقلُ كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] ثم قوله: ﴿ وعلم آدم السماء كلها ﴾ [البقرة: 31] فالخلافة في الأرض هي القيام بحفظ عمرانها ووضع الموجودات فيها في مواضعها، واستعمالها فيما استعدّت إليه غرائزها.

وبقية الأمور التي فسر بها بعض المفسرين الأمانة يعتبر تفسيرها من قبيل ذكر الأمثلة الجزئية للمعاني الكلية.

والمتبادر من هذه المحامل أن يكون المراد بالأمانة حقيقتها المعلومة وهي الحفاظ على ما عُهد به ورعْيهُ والحذارُ من الإِخلال به سهواً أو تقصيراً فيسمى تفريطاً وإضاعة، أو عمداص فيسمى خيانة وخيساً لأن هذا المحمل هو المناسب لورود هذه الآية في ختام السورة التي ابتدئت بوصف خيانة المنافقين واليهود وإخلالهم بالعهود وتلونهم مع النبيء صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ﴾ [الأحزاب: 15] وقال: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ [الأحزاب: 23].

وهذا المحمل يتضمن أيضاً أقرب المحامل بعده وهو أن يكون هو العقل لأن قبول الأخلاق فرع عنه.

وجملة ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ محلها اعتراض بين جملة ﴿ وحملها الإنسان ﴾ والمتعلق بفعلها وهو ﴿ ليعذب الله المنافقين ﴾ [الأحزاب: 73] الخ.

ومعناها استئناف بياني لأن السامع خبرَ أن الإِنسان تحمل الأمانة يترقب معرفة ما كان من حسن قيام الإِنسان بما حُمِّله وتحمّله وليست الجملة تعليلية لأن تحمل الأمانة لم يكن باختيار الإِنسان فكيف يعلل بأن حمله الأمانة من أجل ظلمه وجهله.

فمعنى ﴿ كان ظلوماً جهولاً ﴾ أنه قصّر في الوفاء بحق ما تحمله تقصيراً: بعضُه عن عمْد وهو المعبر عنه بوصف ظلوم، وبعضه عن تفريط في الأخذ باسباب الوفاء وهو المعبر عنه بكونه جهولاً، فظلوم مبالغة في الظلم وكذلك جهول مبالغة في الجهل.

والظلم: الاعتداء على حق الغير واريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة.

والجهل: انتفاء العلم بما يتعين علمه، والمراد به هنا انتفاء علم الإِنسان بمواقع الصواب فيما تحمل به، فقوله: ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ مؤذن بكلام محذوف يدل هو عليه إذ التقدير: وحملها الإِنسان فلم يف بها إنه كان ظلوماً جهولاً، فكأنه قيل: فكان ظلوماً جهولاً، أي ظلوماً، اي في عدم الوفاء بالأمانة لأنه اجحاف بصاحب الحق في الأمانة أيّاً كان، وجهولاً في عدم تقديره قدر إضاعة الأمانة من المؤاخذة المتفاوتة المراتب في التبعية بها، ولولا هذا التقدير لم يلتئم الكلام لأن الإِنسان لم يحمل الأمانة باختياره بل فُطَر على تحملها.

ويجوز أن يراد ﴿ ظلوماً جهولاً ﴾ في فطرته، اي في طبع الظلم، والجهل فهو معرض لهما ما لم يعصمه وازع الدين، فكان من ظلمه وجهله أن أضاع كثير من الناس الأمانة التي حملها.

ولك أن تجعل ضمير ﴿ إنه ﴾ عائداً على الإِنسان وتجعل عمومه مخصوصاً بالإِنسان الكافر تخصيصاً بالعقل لظهور أن الظلوم الجهول هو الكافر.

أو تجعل في ضمير ﴿ إنه ﴾ استخداماً بأن يعود إلى الإنسان مراداً به الكافر وقد أطلق لفظ الإِنسان في مواضع كثيرة من القرآن مراداً به الكافرُ كما في قوله تعالى: ﴿ ويقول الإِنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً ﴾ [مريم: 66] الآية قوله: ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ [الانفطار: 6] الآيات.

وفي ذكر فعل ﴿ كان ﴾ إشارة إلى أن ظلمه وجهله وصفان متأصلان فيه لأنهما الغالبان على أفراده الملازمان لها كثرة أو قلة.

فصيغتا المبلاغة منظور فيهما إلى الكثرة والشدة في أكثر أفراد النوع الإِنسان والحكم الذي يسلط على الأنواع والأجناس والقبائل يراعى فيه الغالب وخاصة في مقام التحذير والترهيب.

وهذا الإِجمال يبينه قوله عقبه: ﴿ ليعذب الله المنافقين ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ﴾ [الأحزاب: 73] فقد جاء تفصيله بذكر فريقين: أحدهما: مضيع للأمانة والآخر مراعٍ لها.

ولذلك أثنى الله على الذين وَفّوا بالعهود والأمانات فقال في هذه السورة ﴿ وكان عهد الله مسئولاً ﴾ [الأحزاب: 15] وقال فيها: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ [الأحزاب: 23] وقال: ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صاق الوعد ﴾ [مريم: 54] وقال في ضد ذلك: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ [البقرة: 26، 27].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الأمانَةَ هي ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن طاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: أنَّها القَوانِينُ والأحْكامُ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ عَلى العِبادِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: هي ائْتِمانُ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى الفُرُوجِ، قالَهُ أُبَيٌّ.

وَقِيلَ إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن آدَمَ الفَرْجُ فَقالَ: (يا آدَمُ هَذِهِ أمانَةٌ خَبَّأْتُها عِنْدَكَ فَلا تَلْبِسْها إلّا بِحَقٍ فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ) .

الرّابِعُ: أنَّها الأماناتُ الَّتِي يَأْتَمِنُ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلَيْها وأوَّلُها ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ حِينَ أرادَ التَّوَجُّهَ إلى أمْرِ رَبِّهِ فَخانَ قابِيلُ الأمانَةَ في قَتْلِ أخِيهِ هابِيلَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الأمانَةَ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والخَلْقِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُونَها فَأظْهَرُوها إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

وَفي عَرْضِ هَذِهِ الأمانَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ عَرْضَها هو الأمْرُ بِما يَجِبُ مِن حِفْظِها وعِظَمِ المَأْثَمِ في تَضْيِيعِها.

قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

الثّانِي: الأمانَةُ عُورِضَتْ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَكانَتْ أثْقَلَ مِنها لِتَغْلِيظِ حُكْمِها فَلَمْ تَسْتَقِلَّ بِها وضَعُفَتْ عَنْ حَمْلِها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ عَرَضَ حَمْلَها لِيَكُونَ الدُّخُولَ فِيها بَعْدَ العِلْمِ بِها.

واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها عُرِضَتْ عَلى أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ وأهْلِ الجِبالِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها عَجْزًا وأشْفَقْنَ مِنها خَوْفًا.

الثّانِي: أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها حَذَرًا وأشْفَقْنَ مِنها تَقْصِيرًا.

﴿ وَحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ آدَمُ ثُمَّ انْتَقَلَتْ مِنهُ إلى ولَدِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

رُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الأمانَةَ لَمّا عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ قالَتْ: وما فِيها؟

قِيلَ لَها: إنْ أحْسَنْتَ جُزِيتَ وإنْ أسَأْتَ عُوقِبْتَفَقالَتْ: لا.

قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ قالَ: وما هِيَ؟

قالَ: (إنْ أحْسَنْتَ آجَرْتُكَ وإنْ أسَأْتَ عَذَّبْتُكَ ) قالَ تَحَمَّلْتُها يا رَبِّ.

قالَ مُجاهِدٌ: فَما كانَ بَيْنَ أنْ تَحَمَّلَها إلى أنْ خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ إلّا قَدْرُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.

﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ، جَهُولًا بِرَبِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ظَلُومًا في خَطِيئَتِهِ، جَهُولًا فِيما حَمَّلَ ولَدَهُ مِن بَعْدِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ظَلُومًا لِحَقِّها، قالَهُ قَتادَةُ.

جَهُولًا بِعاقِبَةِ أمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِالشِّرْكِ والنِّفاقِ وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

الثّانِي: بِخِيانَتِهِما الأمانَةَ.

قالَ الحَسَنُ: هُما اللَّذانِ ظَلَماها، واللَّذانِ خاناها: المُنافِقُ، والمُشْرِكُ.

﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ يَتَجاوَزُ عَنْهُ بِأداءِ الأمانَةِ والوَفاءِ بِالمِيثاقِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لِمَن تابَ مِن شِرْكِهِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ بِالهِدايَةِ إلى طاعَتِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة...

﴾ الآية.

قال: الامانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدُّوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك واشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها.

وهو قوله: ﴿ وحملها الإِنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ يعني غراً بأمر الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ﴾ قال: الأمانة: ما أمروا به ونهوا عنه.

وفي قوله: ﴿ وحملها الإِنسان ﴾ قال: آدم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم قال: إن الله عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت، ثم التي تليها حتى فرغ منها، ثم الأرض، ثم الجبال، ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال: نعم.

بين أذني وعاتقي قال الله «فثلاث آمرك بهن فإنهن لك عون.

إني جعلت لك بصراً، وجعلت لك شفرتين، ففضهما عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك لساناً بين لحيين، فكفه عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك فرجاً وواريته، فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن جريج رضي الله عنه في الآية قال: بلغني أن الله تعالى لما خلق السموات والأرض والجبال قال: «إني فارض فريضة، وخالق جنة وناراً، وثواباً لمن أطاعني وعقاباً لمن عصاني فقالت السماء: خلقتني فسخرت فيَّ الشمس والقمر، والنجوم والسحاب والريح والغيوم، فانا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الأرض، خلقتني وسخرتني فجرت فيَّ الأنهار، فأخرجت مني الثمار، وخلقتني لما شئت، فأنا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الجبال: خلقتني رواسي الأرض، فأنا على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، فلما خلق الله آدم عرض عليه، فحمله ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ ظلمه نفسه في خطيئته ﴿ جهولاً ﴾ بعاقبة ما تحمل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: لما خلق الله السموات والأرض والجبال، عرض الأمانة عليهن فلم يقبلوها، فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه قال: يا رب وما هي؟

قال: هي إن أحسنت أجرتك، وإن أسأت عذبتك، قال: فقد تحملت يا رب قال: فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ قال: عرضت على آدم عليه السلام فقيل: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلتها بما فيها، فما كان إلا قدر ما بين الظهر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أشوع في الآية قال عرض عليهن العمل، وجعل لهن الثواب، فضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، فقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عرض العمل على محمد بن كعب فأبى، فقال له عمر رضي الله عنه: أتعصي؟

فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تعالى حين عرض ﴿ الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ﴾ ، هل كان ذلك منها معصية؟

قال: لا.

فتركه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله قال لآدم عليه السلام «إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها؟

قال: أي رب وما فيها؟

قال: إن حملتها أجرت، وإن ضيعتها عذبت، قال: قد حملتها بما فيها قال: فما عبر في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه إبليس من الجنة» قيل للضحاك: وما الأمانة؟

قال: هي الفرائض، وحق على كل مؤمن أن لا يَغُشَّ مؤمناً، ولا معاهداً، في شيء قليل ولا كثير، فمن فعل فقد خان أمانته، ومن انتقص من الفرائض شيئاً فقد خان أمانته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ﴾ قال: يعني به الدين، والفرائض، والحدود، ﴿ فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ﴾ قيل لهن: أن تحملنها، وتؤدين حقها.

فقلنا: لا نطيق ذلك ﴿ وحملها الإِنسان ﴾ قيل له: أتحملها؟

قال: نعم.

قيل: أتؤدي حقها؟

فقال: أطيق ذلك قال الله: ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ أي ظلوماً بها، جهولاً عن حقها ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ قال: هذان اللذان خاناها ﴿ ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: هذان اللذان أدياها ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ قال: الفرائض.

وأخرج الفريابي عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنَّا عرضنا الأمانة ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأمانة ثلاث: الصلاة، والصيام، والغسل من الجنابة» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الورع والحكيم الترمذي عن عبدالله بن عمرو قال: أول ما خلق الله من الإِنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانتي عندك فلا تضيعها إلا في حقها.

فالفرج أمانة، والسمع أمانة، والبصر أمانة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: من تضييع الأمانة: النظر في الحجرات والدور.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الا ومن الأمانة، الا ومن الخيانة، أن يحدث الرجل أخاه بالحديث فيقول: اكتم عني.

فيفشيه» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها» .

وأخرج الطبراني وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وأبو يعلى والبيهقي والضياء عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حدث الرجل بالحديث، ثم التفت فهي أمانة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ليعذب الله المنافقين...

﴾ قال: هما اللذان ظلماها واللذان خاناها: المنافق والمشرك.

وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول الله، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولن يدع الله شيئاً من أمره مما يأتون، ومما يجتنبون، وهي الحجج عليهم إلا بينت لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب لعالم يعلمها، وجاهل يعرفها وينكرها، ولا يحملها حتى وصل إليّ وإلى أمتي، فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً» والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ﴾ (١) (٢) وقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة (٣) وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه (٤) وقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة (٥) (٦) (٧) وروى زيد بن أسلم عن النبي -  - أنه قال: "الأمانة ثلاثة: الصلاة والصيام والغسل من الجنابة" (٨) وروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟

قلن: وما فيها؟

قلن (٩) (١٠) (١١) ﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ .

وقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا (١٢) وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟

قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون.

وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به.

ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين (١٣) (١٤) ﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا ﴾ أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا.

قوله تعالى: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] (١٥) (١٦) (١٧) وقال في رو اية عطاء: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ يريد آدم -  -، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي (١٨) وقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟

فقال آدم: وما لي عندك؟

قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك.

قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ (١٩) وقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية (٢٠) ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ ، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها (٢١) (٢٢) وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها (٢٣) هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته.

قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل (٢٤) وقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ﴿ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] (٢٥) ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ ﴾ (٢٦) قال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو إسحاق قال: ومما يؤيد قوله (٢٧) إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ...

وتحمل أخرى أفرحتك الودائع) (٢٨) (٢٩) أراد بقوله: وتحمل أخرى أي: تخونها فلا تؤدها يدلك على ذلك قوله أفرحتك الودائع أي: أثقل ظهرك الأمانات التي تخونها ولا تؤديها، قال أبو علي: وحملها الإنسان أي: لم يؤدها؛ لأن حمل الحامل الشيء إمساك له وخلاف لأدائه وكأنه لم يؤد الأمانة (٣٠) (١) قوله: (والجبال) ساقط من (ب) وهو خطأ.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54.

"تفسير الماوردي" 4/ 428، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "مجمع البيان" 8/ 584.

(٣) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428.

(٤) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428، "مجمع البيان" 8/ 584، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 668، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.

(٦) في (ب): (الذي).

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 57، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "تفسير زاد المسير" 6/ 428، "تفسير القرطبي" 14/ 254.

(٨) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 102، وفي "تفسير البغوي" 6/ 380 عنه الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع.

وقد رجح الطبري رحمه الله في "تفسيره" 22/ 57 أن المراد بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ ﴾ بعض معاني الأمانات.

(٩) كذا في النسخ وهي في "الوسيط" قبل لهن.

(١٠) في (ب): (وإن أسأتن جوزيتن عقوبتين)، وهو خطأ.

(١١) لم أقف عليه وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3160 نحو هذا القول عن مجاهد.

(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3159 عن ابن جريح.

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، وما بعدها، "تفسير الماوردي" 4/ 429، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "مجمع البيان" 8/ 586، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.

(١٤) هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه خطأ، والصواب هو كما في "الوسيط" 3/ 484 أفهمهن خطابه.

(١٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).

(١٦) في (ب): (عوقبتم).

(١٧) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.

(١٨) ذكره الطبري نحوه عن ابن زيد الطبري 22/ 55، ولم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.

(١٩) ذكره ابن أبي حاتم 10/ 3160 عن مجاهد، وابن كثير 5/ 524 وعزاه لابن أبي حاتم.

(٢٠) لم أقف عليه.

وقد ذكر القرطبي في "تفسيره" 14/ 253 نحو هذا القول عن ابن عباس.

(٢١) لم أقف عليه وانظر: المصدر السابق.

(٢٢) لم أقف على قول ابن حبان، وانظر: قول ابن سليمان في "تفسيره" 96 ب.

(٢٣) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 430.

(٢٤) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 56 - 57، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.

(٢٥) ما بين المعقوفين طمس في جميع النسخ والتصويب من "معاني القرآن وإعرابه".

(٢٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 238 باختصار واختلاف في العبارة.

(٢٧) في (أ): قلبه.

وهو خطأ.

(٢٨) "تهذيب اللغة" 5/ 93.

(٢٩) البيت من الطويل وهو لبيهس العذري في "لسان العرب" 2/ 541 (فرح)، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 258، "تاج العروس" 17/ 13 (فرح).

وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 5/ 93، "المخصص" 12/ 314.

(٣٠) "الحجة" 5/ 246.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال ﴾ الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال: غسل الجنابة، والصحيح العموم في التكاليف، وعرضها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكاً فعرض عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها، وامتنعت من حملها، والثاني أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة، وأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضرب من المجاز كقولك: عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله ﴿ وَحَمَلَهَا الإنسان ﴾ أي التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدة ذلك، وصعوبته على الأجرام التي هي أعظم منه، ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول، والإنسان هنا جنس، وقيل: يعني آدم، وقيل: الذي قتل أخاه ﴿ لِّيُعَذِّبَ ﴾ اللام للصيرورة، فإن حمل الأمانة: كان سبب تعذيب المنافقين والمشركين، ورحمة للمؤمنين.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.

الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالثاء المثلثة.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي  ، وقد مر أنه  بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.

والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله  "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.

ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله  "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.

ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.

جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.

وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.

ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.

وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.

ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".

وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.

والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي  مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله  جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي  مدع لها.

بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله  ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.

وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.

أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.

ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.

ووصف النبي  بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.

وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.

ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".

ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.

قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.

ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.

في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.

وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.

وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.

وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.

وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.

وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله  أيضاً.

ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.

ثم عاد إلى تعليم النبي  .

وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله  اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.

وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي  كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي  لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.

والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ  من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.

ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾  يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.

والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.

قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال  ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله  من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله  كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.

وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي  .

وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.

والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.

وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.

وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.

وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.

ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.

ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه  بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.

والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.

﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.

يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.

وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.

وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.

وعن الحسن: وكان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.

ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.

ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.

وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.

وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه  شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله  من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.

وإنه  زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.

وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي  وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله  : يا عيينة أين الاستئذان؟

فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.

ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.

قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.

فقال  : إن الله قد حرم ذلك.

فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟

قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.

وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.

قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.

واستثنى ممن حرم عليه الإماء.

وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.

واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له  من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.

وعن عائشة: ما مات رسول الله  حتى أحل له النساء.

تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.

ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله  فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.

وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.

وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.

وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.

ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.

وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا  ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.

يروى أن رسول الله  أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.

فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟

وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله  شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.

ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.

والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.

قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.

والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.

وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.

﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.

وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.

ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.

إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.

ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.

قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.

وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.

ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.

قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.

ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.

ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.

وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي  : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه  شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي  .

واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.

وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟

فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعنه  "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.

ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.

والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم  ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله  ﴿ فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.

وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.

وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.

وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.

ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.

قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً  .

وقيل: في إفك عائشة.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.

ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.

يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.

ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.

وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.

روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.

المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.

وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.

وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.

ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله  عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.

ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.

ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.

ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.

والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.

ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.

قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.

من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.

قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.

وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".

وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.

وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.

ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.

أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.

وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.

والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.

واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.

وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.

فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.

وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".

والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.

فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.

ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله  ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.

فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.

وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.

وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.

وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.

وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.

واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين  ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.

والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.

ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.

فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.

وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).

الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.

وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.

التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.

وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي  كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.

﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.

﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم  ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.

وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.

فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.

ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.

فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.

ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ .

يقول عامة أهل التأويل: إن موسى كان لا يغتسل فيما يراه أحد؛ فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر، ويروون على ذلك عن نبي الله  أنه قال: "إن بني إسرائيل طعنوا نبي الله موسى بذلك، فذهب ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على حجر، فسعى الحجر بثوبه؛ فجعل موسى يعدو في إثره ويقول: [ثوبي] حجر - أي: يا حجر ثوبي - حتى مرّ به على ملأ بني إسرائيل؛ فعلموا أنه ليس به شيء، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ " ، وكان موسى يتأذى بما كانوا يطعنون؛ فعلى ذلك رسول الله كان يتأذى؛ إذا قالوا: زيد بن محمد؛ فأمروا أن يدعوه لأبيه، يقول: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ زيد بن حارثة، لكن هذا التأويل بعيد؛ لأن موسى كان يدعوهم إلى ستر العورة، لا يحتمل أن يطمعوا هم منه الاغتسال معهم، وأن يكشف عورته لهم، أو ينظر إلى عورة أحد، هذا وخش من القول أو يسلط حجراً، فيذهب بثيابه حتى يراه الناس متجرداً، والله أعلم.

وقال بعضهم: آذوه؛ لأنه كان خرج بهارون إلى بعض الجبال؛ فمات هارون هناك، فرجع موسى إليهم وحده؛ فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته حسداً؛ فقال موسى: "ويلكم، أيقتل الرجل أخاه"؛ فآذوه، فذلك قوله: ﴿ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ ؛ فجاءت به الملائكة فوضعته بينهم، فقال لهم: لم يقتلني أحد؛ إنما جاء أجلي فمت، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ .

هذا يشبه أن يكون - وغيره - كأنه أقرب وأشبه، وهو ما كان قوم كل رسول نسبوا رسولهم إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانياً، وأنه كذاب مفتر، ونحوه، على علم منهم أنه رسول الله، ولا شك أنهم كانوا يتأذون بذلك جدّاً؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ  ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا في الأول؛ لأنهم لو كانوا علموا أنه ليس به ما ذكروا - لم يؤذوه؛ فدل أن أذاهم إياه فيما ذكرنا، وفي أمثال ذلك، وكذلك ما نهى قوم رسول الله من الأذى له؛ لما نسبوه مرة إلى الجنون، وإلى السحر ثانياً، وإلى الافتراء والكذب على الله ثالثاً، لا فيما ذكر أولئك.

﴿ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً ﴾ .

أي: مكيناً في القدر والمنزلة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: اتقوا الشرك في حادث الوقت، ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: ائتوا بالتوحيد في حادث الوقت؛ لأنه إنما خاطب به المؤمنين: ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .

أي: بالتوحيد؛ لأنه بالتوحيد تصلح الأعمال وتذكر، وبه يغفر ما كان من الذنوب، وبه يكون الفوز العظيم، وبالله التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الخيانة فيما بينكم وبين الخلق، أي: لا تخونوا الخلق.

﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: صدقا وصوابا؛ أي: لا تكذبوا، ولا تقولوا فحشاً ونحوه.

ويحتمل ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تعصوه، واعملوا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، ومروا الناس، وانهوا عن المنكر ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ﴾ قد تكلف أهل التأويل تفسير هذه الأمانة المذكورة في الآية.

قال بعضهم: هي كلمة الشهادة والتوحيد.

ومنهم من قال: هي جميع الفرائض التي افترض الله على عباده.

ومنهم من قال: هي الصلاة، والصيام، والحج، وأمثاله، وجميع ما أمروا به ونهوا عنه.

لكن التكلف والاشتغال بالتكلم في ماهية هذه الأمانة المذكورة المعروضة على من ذكر - فضل، لا يجب أن يتكلف تفسيرها: أنها كذا،لأنها مبهمة، لا تعلم إلا بالخبر الوارد عن الله -  - أنها كذا، وأن يجعل ذلك من المكتوم، ولا يشتغل بالتفسير، والله أعلم بذلك.

ثم اختلف فيما ذكر من عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وما ذكر من إبائها عن احتمالها والإشفاق: فقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ومن ذكر؛ أي: خلقنا خلقة ما ذكر من السماوات والأرض والجبال خلقة لا تحتمل حمل ما ذكر من الأمانة؛ ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ إباء خلقة؛ أي: لم يخلق خلقتها بحيث تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ أي: خلقنا خلقة الإنسان خلقة تحتمل ذلك؛ إلى هذا يذهب بعضهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ عَرَضْنَا ﴾ حقيقة العرض، إلا أنه على التخيير بين أن تقبل وتتحمل وتفي بذلك فيكون لها الثواب، أو لا تفي فيكون لها العقاب في الآخرة، وبين ألا تتحمل ولا تقبل؛ فتكون كسائر الموات تفنى بفناء الدنيا: لا ثواب لها في الآخرة ولا عقاب، وإلا لم يحتمل أن يعرض عليهن ما ذكر عرض لزوم وإيجاب، ثم يأبين ذلك ويشفقن منها، وقد وصفهن الله بالطاعة له والخضوع في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ وقال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ...

﴾ الآية [الحشر: 21]، وقال في آية ﴿ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ وكذا، ونحوه، ولكن إن كان على حقيقة العرض فهو على التخيير الذي ذكرنا، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ ، فكان له الثواب إن قام بها، وعليه العقاب إن لم يقم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ﴾ ، أي: عرض على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال، فلم يحملوها، إلا الإنسان منهم فإنه حملها.

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ قال الحسن: ظلوماً لنفسه، جهولا لأمر ربه.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ ، أي: أبين أن يعصين الله وأشفقن منه؛ أي: لم يعصوا قط ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ أي: عصى الإنسان ربه؛ فيجعل الحمل كناية عن العصيان والوزر، يقول: لأنه ما ذكر في القرآن الحمل إلا في الوزر والخطايا؛ كقوله: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ  ﴾ ، ونحوه كثير.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ إلى أي تأويل من هذه التأويلات التي ذكرنا صرف هذا إليه - استقام، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  ما - قال: ﴿ ٱلأَمَانَةَ ﴾ : العبادة: قال الله -  - للسماوات والأرض والجبال: تأخذن العبادة بما فيها،قلن: يا ربّ، وما فيها؟

قال: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ ، أي: خفن، وعرضت على الإنسان فقبلها، وهو قول الله لبني آدم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ أما خيانتهم الله ورسوله فمعصيتهما، وأمّا خيانة الأمانة فتركهم ما افترض الله عليهم من العبادة.

وقتادة: يقول: أما والله ما بهن معصية، ولكن قيل لهنّ: أتحملنها وتؤدين حقها؟

قلن: لا نطيق ذلك، فقيل للإنسان - وهو آدم - أتحملها وتؤدي حقها؟

قال: نعم ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ عن حقها.

وفي حرف أبيّ وابن مسعود وحفصة ﴿ فَأبَيْنَ ﴾ أي: فلم يطقنها.

وقال أبو معاذ: الإباء في كلام العرب على وجهين: أحدهما: هذا، وهو العجز.

والآخر: قوله: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ  ﴾ أي: عصى وترك الأمر.

والحسن يقول: عرضت الأمانة على السماوات وما ذكر، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها، قلن: يا رب، وما فيها؟

قيل لهن: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً ﴾ لنفسه ﴿ جَهُولاً ﴾ بربه، وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: كان ظلوماً لنفسه في ركوبه المعصية، جهولا بعاقبة ما تحمل.

والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً أنه لا تفسّر الأمانة أنها ما هي؟

وكيف كان ذلك العرض على من ذكر من السماوات والأرض والجبال، وإباؤهن، وإشفاقهن؟

والله أعلم ما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ...

﴾ \[على\] من ذكر؛ أي: ليعذب من علم أنه لا يقوم بوفائها ويضيعها - أعني: الأمانة التي احتملها - وإنما ضيعها من ذكر من المنافقين والمشركين، ويثيب من لم يضيعها وقام بوفائها، وهم المؤمنون.

قال أبو عوسجة: السداد: الاستقامة؛ تقول: سددك الله، وأرشدك.

وقال أبو عبيدة: السديد: القصد.

وكذلك قال القتبي، والقصد كأنه العدل، والله أعلم.

وصلى الله على محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا عرضنا التكاليف الشرعية، وما يحفظ من أموال وأسرار، على السماوات وعلى الأرض وعلى الجبال، فامتنعن من حملها، وخفن من عاقبته، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا لنفسه، جهولًا بعاقبة حملها.

<div class="verse-tafsir" id="91.L39ny"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا  ﴾ .

نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته  ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ  ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).

فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي  ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه  لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.

لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ  ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟

أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟

ومن وجهة أخرى نرى أن النبي  -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ إلخ.

فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.

مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي  ومن يختصه الله بالتأسي به.

لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي  إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

نادى  في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.

على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي  في أمر زينب.

كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ  ﴾ إلخ، فعمد النبي  -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.

لهذا أرغم النبي  زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله  المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ  ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا  ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ .

وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.

واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي  وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي  كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ  ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.

قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي  رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟

حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال  : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!

"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.

سبحان الله!

كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟

فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود  .

وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.

تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.

أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.

وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.

أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه  لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!

إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده