الآية ٧٣ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٧٣ من سورة الأحزاب

لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا ٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 124 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٣ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) أي : إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات ، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ، ( والمشركين والمشركات ) ، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ، عز وجل ، ومخالفة رسله ، ( ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ) أي : وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله ، وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته ( وكان الله غفورا رحيما ) .

[ آخر تفسير سورة " الأحزاب " ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) يقول تعالى ذكره: وحمل الإنسان الأمانة كيما يعذب الله المنافقين فيها الذين يظهرون أنهم يؤدون فرائض الله مؤمنين بها وهم مستسرون الكفر بها والمنافقات والمشركين بالله في عبادتهم إياه الآلهة والأوثان ( وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) يرجع بهم إلى طاعته وأداء الأمانات التي ألزمهم إياها حتى يؤدوها(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) لذنوب المؤمنين والمؤمنات بستره عليها وتركه عقابهم عليها(رَحِيمًا) أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال: ثني أَبي قال ثنا أَبو الأشهب عن الحسن أنه كان يقرأ هذه الآية إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ ...

حتى ينتهي ( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ) فيقول: اللذان خاناها اللذان ظلماها: المنافق والمشرك.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة ( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ) هذان اللذان خاناها( وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) هذان اللذان أدَّياها(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .

آخر سورة الأحزاب، ولله الحمد والمنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات اللام في ( ليعذب ) متعلقة ب ( حمل ) أي حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع ; فهي لام التعليل ; لأن العذاب نتيجة حمل الأمانة .

وقيل ب ( عرضنا ) ; أي عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافقين ليعذبهم الله ، وإيمان المؤمن ليثيبه الله .

ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات قراءة الحسن بالرفع ، يقطعه من الأول ; أي يتوب الله عليهم بكل حال .

وكان الله غفورا رحيما خبر بعد خبر ل ( كان ) .

ويجوز أن يكون نعتا لغفور ، ويجوز أن يكون حالا من المضمر .

والله أعلم بالصواب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فذكر اللّه تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب فقال: { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .

فله الحمد تعالى، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على تمام مغفرة اللّه، وسعة رحمته، وعموم جوده، مع أن المحكوم عليهم، كثير منهم، لم يستحق المغفرة والرحمة، لنفاقه وشركه.تم تفسير سورة الأحزاب.بحمد اللّه وعونه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) قال : مقاتل : ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق ( ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ) يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة .

وقال ابن قتيبة : أي : عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله ، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه ، أي : يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليعذب الله» اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم «المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات» المضيعين الأمانة «ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات» المؤدين الأمانة «وكان الله غفورا» للمؤمنين «رحيما» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(وحمل الإنسان الأمانة) ليعذب الله المنافقين الذين يُظهرون الإسلام ويُخفون الكفر، والمنافقات، والمشركين في عبادة الله غيره، والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بستر ذنوبهم وترك عقابهم.

وكان الله غفورًا للتائبين من عباده، رحيمًا بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واللام فى قوله - سبحانه - : ( لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات .

.

.

) متعلقة بقوله : ( وَحَمَلَهَا الإنسان .

.

) .أى : وحملها الإِنسان ليعذب اله - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات ( وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات ) أى : ويقبل الله - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات ، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم .( وَكَانَ الله ) - تعالى - ما زال ( غَفُوراً رَّحِيماً ) أى : واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .أما بعد : فهذا تفسير لسورة ( الأحزاب ) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .

.والحمد الله الذى بنعمته تتم الصحالحات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي حملها الإنسان ليقع تعذيب المنافق والمشرك، فإن قال قائل لم قدم التعذيب على التوبة نقول لما سمى التكليف أمانة والأمانة من حكمها اللازم أن الخائن يضمن وليس من حكمها اللازم أن الأمين الباذل جهده يستفيد أجرة فكان التعذيب على الخيانة كاللازم والأجر على الحفظ إحسان والعدل قبل الإحسان وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لم عطف المشرك على المنافق، ولم يعد اسمه تعالى فلم يقل ويعذب الله المشركين وعند التوبة أعاد اسمه وقال: ﴿ ويتوب الله ﴾ ولو قال ويتوب على المؤمنين كان المعنى حاصلاً؟

نقول أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف ويجب هناك ذلك الفاعل فقال: ﴿ وَيَتُوبَ الله ﴾ ويحقق هذا قراءة من قرأ (ويتوب الله) بالرفع.

المسألة الثانية: ذكر الله في الإنسان وصفين الظلوم والجهول وذكر من أوصافه وصفين فقال: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ أي كان غفوراً للظلوم ورحيماً على الجهول، وذلك لأن الله تعالى وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعاً إلا الظلم العظيم الذي هو الشرك كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وأما الوعد فقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وأما الرحمة على الجهل فلأن الجهل محل الرحمة ولذلك يعتذر المسيء بقوله ما علمت.

وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى أعلم عبده بأنه غفور رحيم، وبصره بنفسه فرآه ظلوماً جهولاً ثم عرض عليه الأمانة فقبلها مع ظلمه وجهله لعلمه فيما يجبرها من الغفران والرحمة، والله أعلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ قاصداً إلى الحق والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل.

يقال: سدّد السهم نحو الرمية: إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد، والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول، والبعث على أن يسد قولهم في كل باب؛ لأنّ حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله.

والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة: من تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيآتكم وتكفيرها.

وقيل: إصلاح الأعمال التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها، بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان؛ ليترادف عليهم النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه.

لما قال: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وعلق بالطاعة الفوز العظيم، أتبعه قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة ﴾ وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظم أمرها وفخم شأنها، وفيه وجهان، أحدهما: أنّ هذه الأجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله عزّ وعلا انقياد مثلها- وهو ما يتأتى من الجمادات- وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها.

حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً وتكويناً وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة، كما قال: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [فصلت: 11] وأما الإنسان فلم تكن حاله- فيما يصحّ منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف- مثل حال تلك الجمادات فيما يصحّ منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع، والمراد بالأمانة: الطاعة؛ لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء.

وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها: مجاز.

وأما حمل الأمانة فمن قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها؛ لأنّ الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملاً لها.

ونحوه قولهم، لا يملك مولى لمولى نصراً.

يريدون: أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها، ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل، ومنه قول القائل: أَخُوكَ الَّذِي لاَ تَمْلِكُ الْحِسَّ نَفسُه ** وَتَرْفَضُّ عِنْدَ الْمُحْفِظَاتِ الْكَتَائِفُ أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده، بل يبذل ذلك ويسمح به.

ومنه قولهم أبغض حق أخيك؟

لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه، فمعنى، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، فأبين إلاّ أن يؤدينها وأبى الإنسان إلاّ أن يكون محتملاً لها لا يؤديها.

ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها.

والثاني: أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله: أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشدّه: أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب.

وما جاء القرآن إلاّ على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟

لقال: أسوي العوج، وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات.

وتصوّر مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها.

فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى؛ لأنه مثلت حاله- في تميله وترجحه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما- بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه.

وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال، وما مقال هذا إلاّ أن تشبه شيئاً والمشبه به غير معقول.

قلت: الممثل به في الآية وفي قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب.

وفي نظائره مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات: مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

واللام في ﴿ لّيُعَذّبَ ﴾ لام التعليل على طريق المجاز: لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في ضربته للتأديب نتيجة الضرب.

وقرأ الأعمش: ﴿ ويتوب ﴾ ؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدئ: ﴿ ويتوب الله ﴾ .

ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها، لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعاً من عذاب الغادر، والله أعلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب القبر» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحَمْلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ نَتِيجَتُهُ كالتَّأْدِيبِ لِلضَّرْبِ في ضَرْبَتِهِ تَأْدِيبًا، وذِكْرُ التَّوْبَةِ في الوَعْدِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كَوْنُهم ظَلُومًا جَهُولًا في جِبِلَّتِهِمْ لا يُخَلِّيهِمْ عَنْ فُرُطاتٍ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ حَيْثُ تابَ عَنْ فُرُطاتِهِمْ وأثابَ بِالفَوْزِ عَلى طاعاتِهِمْ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الأحْزابِ وعَلَّمَها أهْلَهُ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ أُعْطِيَ الأمانَ مِن عَذابِ القَبْرِ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

واللام في {لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات}

للتعليل لأن التعذيب هنا نظير التأديب في قولك ضربته للتأديب فلا تقف على جَهُولاً {وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات} وقرأ الأعمش وَيَتُوبُ الله بالرفع ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل ويبتدئ وَيَتُوبَ الله ومعنى المشهورة ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها لأنه إذا تيب على الوافي كان نوعاً من عذاب الغادر أو للعاقبة أي حملها الإنسان فآل الآمر إلى تعذيب الأشقياء وقبول توبة السعداء {وَكَانَ الله غَفُوراً} للتائبين {رَّحِيماً} بعباده المؤمنين والله الموفق للصواب

سبأ (٣ - ١)

سورة سبأ

سورة سبأ مكية وهي أربع وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ أيْ حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ أفْرادِهِ الَّذِينَ لَمْ يُراعُوها ولَمْ يُقابِلُوها بِالطّاعَةِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ فَإنَّ التَّعْذِيبَ وإنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضًا مِنَ الحَمْلِ لَكِنْ لَمّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ أفْرادِهِ تَرَتُّبَ الأغْراضِ عَلى الأفْعالِ المُعَلَّقَةِ بِها أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الغَرَضِ أيْ كانَ عاقِبَةُ حَمْلِ الإنْسانِ لَها أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ مِن أفْرادِهِ لِخِيانَتِهِمُ الأمانَةَ وخُرُوجِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وإلى الفَرِيقِ الثّانِي أُشِيرَ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ كانَ عاقِبَةُ حَمْلِهِ لَها أنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَؤُلاءِ مِن أفْرادِهِ، أيْ يَقْبَلُ تَوْبَتَهم لِعَدَمِ خَلْعِهِمْ رِبْقَةَ الطّاعَةِ عَنْ رِقابِهِمْ بِالمَرَّةِ وتَلافِيهِمْ لِما فَرَطَ مِنهم مَن فُرُطاتٍ قَلَّما يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ بِحُكْمِ جِبِلَّتِهِ وتَدارُكِهِمْ لَها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ والِالتِفاتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ أوَّلًا لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ ثانِيًا لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ تَوْفِيَةً لِكُلٍّ مِن مَقامَيِ الوَعِيدِ والوَعْدِ حَقَّهُ، كَذا قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.

ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ فَقِيلَ الأمانَةُ الطّاعَةُ لِأنَّها لازِمَةُ الوُجُودِ كَما أنَّ الأمانَةَ لازِمَةُ الأداءِ، والكَلامُ تَقْرِيرُ الوَعْدِ الكَرِيمِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ بِجَعْلِ تَعْظِيمِ شَأْنِ الطّاعَةِ ذَرِيعَةً إلى ذَلِكَ بِأنَّ مَن قامَ بِحُقُوقِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ وراعاهُ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَفُوزَ بِخَيْرِ الدّارِينَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَعْلَ الأمانَةِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَكُونَ مِن جِهَتِهِ تَعالى عِبارَةً عَنِ الطّاعَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ التّابِعَةِ لِلتَّكْلِيفِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّقْرِيبِ، وأنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلى التَّقْرِيرِ بِالوَجْهِ الَّذِي قُرِّرَ يَأْباهُ وصْفُ الإنْسانِ بِالظُّلْمِ والجَهْلِ أوَّلًا، وتَعْلِيلُ الحَمْلِ بِتَعْذِيبِ فَرِيقٍ والتَّوْبَةِ عَلى فَرِيقٍ ثانِيًا، وقَدْ يُقالُ: مُرادُ ذَلِكَ القائِلِ أنَّ الأمانَةَ هي الطّاعَةُ مِن حَيْثُ أمَرَهُ عَزَّ وجَلَّ بِها وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ﴾ إلخ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يُراعِ حَقَّها فَتَأمَّلْ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأمانَةَ الفَرائِضُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وهو غَيْرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِناءً عَلى أنَّ التَّكْلِيفاتِ الشَّرْعِيَّةَ مُرادٌ بِها المَعْنى المَصْدَرِيُّ دُونَ اِسْمِ المَفْعُولِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ إذا دَخَلَ وقْتُ الصَّلاةِ اِصْفَرَّ وجْهُهُ الشَّرِيفُ وتَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ دَخَلَ عَلَيَّ وقْتُ أمانَةٍ عَرَضَها اللَّهُ تَعالى عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وقَدْ حَمَلْتُها أنا مَعَ ضَعْفِي فَلا أدْرِي كَيْفَ أُؤَدِّيها.

وحَكى السَّفِيرِيُّ أنَّها الغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وقِيلَ الصَّلاةُ والصِّيامُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««اَلْأمانَةُ ثَلاثٌ الصَّلاةُ والصِّيامُ والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ»».

وفي رِوايَةٍ عَنِ السُّدِّيِّ والضَّحّاكِ أنَّها أماناتُ النّاسِ المَعْرُوفَةُ والوَفاءُ بِالعُهُودِ.

وقِيلَ هي أنْ لا تَغُشَّ مُؤْمِنًا ولا مُعاهَدًا في شَيْءٍ قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ.

وقِيلَ: هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ لِأنَّها المَدارُ الأعْظَمُ لِلتَّكْلِيفاتِ الشَّرْعِيَّةِ.

وقِيلَ: هي الأعْضاءُ والقُوى، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا في الوَرَعِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الإنْسانِ فَرْجُهُ ثُمَّ قالَ هَذِهِ أمانَتِي عِنْدَكَ فَلا تَضَعْها إلّا في حَقِّها فالفَرْجُ أمانَةٌ والسَّمْعُ أمانَةٌ والبَصَرُ أمانَةٌ».

ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الأمانَةِ في الآيَةِ بِالأعْضاءِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، والخَبَرُ المَذْكُورُ إنْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ بَلْ دُونَهُ بِكَثِيرٍ أنَّها حُرُوفُ التَّهَجِّي ولا يَكادُ يَقُولُ بِهِ إلّا أطْفالُ المَكاتِبِ، وأقْرَبُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ لِلْقَبُولِ القَوْلُ بِأنَّها الفَرائِضُ أيْ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ، وتَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنها بِالذِّكْرِ في خَبَرانِ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الأمانَةُ في الآيَةِ لا غَيْرُهُ، وكَمْ يَخُصُّ بَعْضَ أفْرادِ العامِّ بِالذِّكْرِ لِنُكْتَةٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّها كُلُّ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا، ويَعُمُّ هَذا المَعْنى جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، وفِيها أقْوالٌ أُخَرُ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

واخْتَلَفَتْ كَلِماتُ الذّاهِبِينَ إلى أنَّها الفَرائِضُ في تَحْقِيقِ ما بَعْدُ فَقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى أهْلِ السَّماواتِ الخ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ وكَذا العَرْضُ والإباءُ وذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَهْمًا وتَمْيِيزًا فَخُيِّرَتْ في الحَمْلِ فَأبَتْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ قالَ: إنِّي فارِضٌ فَرِيضَةً وخالِقٌ جَنَّةً ونارًا وثَوابًا لِمَن أطاعَنِي وعِقابًا لِمَن عَصانِي، فَقالَتِ السَّماواتُ خَلَقْتَنِي فَسُخِّرْتُ في الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والسَّحابِ والرِّيحِ فَأنا مُسَخَّرَةٌ عَلى ما خَلَقْتَنِي لا أتَحَمَّلُ فَرِيضَةً ولا أبْغِي ثَوابًا ولا عِقابًا ونَحْوَ ذَلِكَ قالَتِ الأرْضُ والجِبالُ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ الإباءَ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْلِيفٌ بَلْ تَخْيِيرٌ، وأمّا كَوْنُها اِسْتَحْقَرَتْ أنْفُسَها عَنْ أنْ تَكُونَ مَحَلَّ الأمانَةِ فَلا يَنْفِي عَنْهُنَّ العِصْيانَ بِالإباءِ لَوْ كانَ هُناكَ تَكْلِيفٌ بِالحَمْلِ، وقِيلَ: لا حَذْفَ والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا.

وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ المُرادَ بِحَمْلِها اِلْتِزامُ القِيامِ بِها وبِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في حَمْلِهِ إيّاها هَلْ كانَ بَعْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ أوْ بِدُونِهِ فَقِيلَ كانَ بَعْدَ العَرْضِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ: ««أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَضَ الأمانَةَ عَلى السَّماءِ الدُّنْيا فَأبَتْ ثُمَّ الَّتِي تَلِيها فَأبَتْ حَتّى فَرَغَ مِنها ثُمَّ الأرْضِينَ ثُمَّ الجِبالِ ثُمَّ عَرَضَها عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ نَعَمْ بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي»» الخَبَرَ.

وقِيلَ: بِدُونِهِ، قالَ اِبْنُ الجَوْزِيِّ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ مُثِّلَتْ لَهُ الأمانَةُ بِصَخْرَةٍ ثُمَّ قالَ لِلسَّماواتِ اِحْمِلِي هَذِهِ فَأبَتْ وقالَتْ: إلَهِي لا طاقَةَ لِي بِها، وقالَ سُبْحانَهُ لِلْأرْضِ: اِحْمِلِيها، فَقالَتْ: لا طاقَةَ بِها لِي، وقالَ تَعالى لِلْجِبالِ: اِحْمِلِيها، فَقالَتْ: لا طاقَةَ لِي بِها، فَأقْبَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَرَّكَها بِيَدِهِ وقالَ لَوْ شِئْتَ لَحَمَلْتُها فَحَمَلَها حَتّى بَلَغَتْ حَقْوَيْهِ ثُمَّ وضَعَها عَلى عاتِقِهِ، فَلَمّا أهْوى لِيَضَعَها نُودِيَ مِن جانِبِ العِزِّ يا آدَمُ مَكانَكَ لا تَضَعْها فَهَذِهِ الأمانَةُ قَدْ بَقِيَتْ في عُنُقِكَ وعُنُقِ أوْلادِكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَكم عَلَيْها ثَوابٌ في حَمْلِها وعِقابٌ في تَرْكِها، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ وفي أنَّ العَرْضَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ كانَ بِمَسْمَعٍ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ الأنْبارِيِّ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْضَ عَلَيْهِنَّ قَبْلَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ عَرَضَ عَلَيْهِنَّ الأمانَةَ فَلَمْ يَقْبَلْنَها فَلَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَضَها عَلَيْهِ فَقالَ: يا رَبِّ، وما هِيَ؟

قالَ سُبْحانَهُ: هي إنْ أحْسَنْتَ أجَرْتُكَ وإنْ أسَأْتَ عَذَّبْتُكَ، قالَ: فَقَدْ تَحَمَّلْتُ يا رَبِّ، فَما كانَ بَيْنَ أنْ تَحَمَّلَها إلى أنْ أُخْرِجَ إلّا قَدْرُ ما بَيْنَ الظَّهْرِ والعَصْرِ.

وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ العَرْضَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَعْدَ إعْطاءِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ كانَ بِمَسْمَعٍ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ بَعْدَ أنْ سَمِعَ الإباءَ حَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى الحَمْلِ، ورُبَّما يُفْضِي بِكَ هَذا إلى اِخْتِيارِ القَوْلِ بِأنَّهُ حَمَلَ الأمانَةَ بِدُونِ عَرْضِها عَلَيْهِ كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ وبِهِ يَتَأكَّدُ وصْفُهُ بِما وُصِفَ، لَكِنِّي لا أظُنُّكَ تَقُولُ بِصِحَّةِ حَدِيثِ تَمَثُّلِ الأمانَةِ بِصَخْرَةٍ، وإنْ قُلْتَ بِصِحَّةِ تَمَثُّلِ المَعانِي بِصُوَرِ الأجْسامِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ ذَبْحِ المَوْتِ وغَيْرِهِ، وأنا لا أمِيلُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ أوَّلَ أفْرادِ الجِنْسِ ومَبْدَأ سِلْسِلَتِها لِمَكانِ ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ فَإنَّهُ يَبْعُدُ غايَةَ البُعْدِ وصَفُ صَفِيِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِنَصِّ ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ  ﴾ بِمَزِيدِ الظُّلْمِ والجَهْلِ، وكَوْنُ المَعْنى كانَ ظَلُومًا جَهُولًا بِزَعْمِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَوْلٌ بارِدٌ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى كانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ حَيْثُ حَمَلَها عَلى ضَعْفِهِ ما أبَتِ الأجْسامُ القَوِيَّةُ حَمْلَهُ جَهُولًا بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ أوْ بِعاقِبَةِ ما تَحَمَّلَ لا يُزِيلُ البُعْدَ، ولا أسْتَحْسِنُ كَوْنَ المُرادِ كانَ مِن شَأْنِهِ لَوْ خَلّى ونَفْسَهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ: الظُّلْمُ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ فَإنْ تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ إلّا عَلى القَوْلِ بِإرادَةِ الجِنْسِ، وإخْراجُ الكَلامِ مَخْرَجَ الِاسْتِخْدامِ عَلى نَحْوِ ما قالُوا في عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ بِعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وقِيلَ المُرادُ بِالأمانَةِ مُطْلَقُ الِانْقِيادِ الشّامِلِ لِلطَّبِيعِيِّ والِاخْتِيارِيِّ، وبِعَرْضِها اِسْتِدْعاؤُهُ الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ الفِعْلِ مِنَ المُخْتارِ وإرادَةَ صُدُورِهِ مِن غَيْرِهِ، وبِحَمْلِها الخِيانَةُ فِيها والِامْتِناعُ عَنْ أدائِها ومِنهُ قَوْلُهم حامِلُ الأمانَةِ ومُحْتَمِلُها لِمَن لا يُؤَدِّيها فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ وأنْشَدُوا: إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أخْرَجَتْكَ الوَدائِعُ فَيَكُونُ الإباءُ اِمْتِناعًا مِنَ الخِيانَةِ وإتْيانًا بِالمُرادِ، فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْرامَ مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها أبَيْنَ الخِيانَةَ لِأمانَتِنا وأتَيْنَ بِما أمَرْناهُنَّ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ وخانَها الإنْسانُ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِما أمَرْناهُ بِهِ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا ولا يُخْفى بُعْدُهُ ولَمْ نَرَ في المَأْثُورِ ما يُؤَيِّدُهُ، نَعَمْ إنَّ العَوامَّ يَقُولُونَ: إنَّ الأرْضَ لا تَخُونُ الأمانَةَ حَتّى أنَّهم جَرَتْ عادَتُهم في بِلادِنا أنَّهم إذا أرادُوا دَفْنَ مَيِّتٍ في مَكانٍ ولَمْ يَتَيَسَّرْ لَهم وضَعُوهُ في قَبْرٍ وقالُوا حِينَ الوَضْعِ مُخاطَبِينَ الأرْضَ: هَذا أمانَةٌ عِنْدَكِ كَذا شَهْرًا أوْ كَذا سَنَةً وحَثَوُا التُّرابَ عَلَيْهِ وانْصَرَفُوا، فَإذا نَبَشُوا القَبْرَ قَبْلَ مُضِيِّ المُدَّةِ وجَدُوهُ كَما وضَعُوهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ فَيُخْرِجُونَهُ ويَدْفِنُونَهُ حَيْثُ أرادُوا، وإذا بَقِيَ حَتّى تَمْضِيَ المُدَّةُ الَّتِي عَيَّنُوها وجَدُوهُ مُتَغَيِّرًا، وهَذا أمْرٌ تَواتَرَ نَقْلُهُ لَنا وهو مِمّا يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ إلّا أنَّهُ قالَ: عَرْضُ الأمانَةِ وضْعُ شَواهِدِ الوَحْدانِيَّةِ في المَصْنُوعاتِ، ونَقَلَهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ البَيْتَ المارَّ آنِفًا لَكِنَّهُ تَعَقَّبَهُ بِأنَّ الحَمْلَ فِيهِ لَيْسَ نَصًّا في الخِيانَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالأمانَةِ العَقْلُ أوِ التَّكْلِيفُ وبِعَرْضِها عَلَيْهِنَّ اِعْتِبارُها بِالإضافَةِ إلى اِسْتِعْدادِهِنَّ وبِإبائِهِنَّ الإباءُ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي هو عَدَمُ اللِّياقَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها وبِحَمْلِ الإنْسانِ قابِلِيَّتُهُ واسْتِعْدادُهُ لَها، وكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ الدّاعِيَةِ لِلظُّلْمِ والشَّهْوِيَّةِ الدّاعِيَةِ لِلْجَهْلِ بِعَواقِبِ الأُمُورِ، قِيلَ وعَلَيْهِ يَنْتَظِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ مَعَ ما قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ عِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ حَمْلِ العَقْلِ عَلَيْهِ بِمَعْنى إيداعِهِ فِيهِ لِأجْلِ إصْلاحِ ما فِيهِ مِنَ القُوَّتَيْنِ المُحْتاجَتَيْنِ إلى سُلْطانِ العَقْلِ الحاكِمِ عَلَيْهِما فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَمَّلْناهُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ القُوى المُحْتاجَةِ لِقَهْرِهِ وضَبْطِهِ، وكَذا إذا أُرِيدَ التَّكْلِيفُ فَإنَّ مُعْظَمَ المَقْصُودِ مِنهُ تَعْدِيلُ تِلْكَ القُوى وكَسْرُ سُورَتِها، ومِن هُنا قِيلَ إنَّهُ أقْرَبُ لِلتَّحْقِيقِ، وقِيلَ الأمانَةُ تَجَلِّياتُهُ عَزَّ وجَلَّ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ تَعالى العُلْيا، وعَرْضُها عَلَيْهِنَّ وإباؤُهُنَّ وحَمْلُ الإنْسانِ كالمَذْكُورِ آنِفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحَمْلِ مُشارٌ بِهِ إلى قُوَّةِ اِسْتِعْدادِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيُعَذِّبَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَرْضِ عَلى مَعْنى عَرَضْنا ذَلِكَ لِتَظْهَرَ تَجَلِّياتُنا الجَلالِيَّةُ والجَمالِيَّةُ، ويُشِيرَ إلى هَذا قَوْلُ العَلّامَةِ الطِّيبِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ لِيَكُونَ مَظاهِرَ أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا، فَحامِلُ مَعْنى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ مِن حَيْثُ كَوْنُها عاجِزَةً عَنْ حَمْلِ سائِرِ الصِّفاتِ لِعَدَمِ اِسْتِعْدادِها لِقَبُولِها، ولِذَلِكَ أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ لِقُوَّةِ اِسْتِعْدادِهِ واقْتِدارِهِ لِكَوْنِهِ ظَلُومًا جَهُولًا فاخْتُصَّ لِذَلِكَ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ بِقَبُولِ تَجْلِي القَهّارِيَّةِ والتَّوّابِيَّةِ والمَغْفِرَةِ وشارَكَها بِقَبُولِ تَجَلِّي الرَّحْمَةِ، ولَهُ النَّصِيبُ الأوْفَرُ مِنها لِقُوَّةِ اِسْتِعْدادِهِ واقْتِدارِهِ، وهو مَشْرَبُ صُوفِيٌّ كَما لا يَخْفى.

وأنا أخْتارُ كَوْنَ الأمانَةِ كُلَّ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ويُطْلَبُ حِفْظُهُ ورِعايَتُهُ ولَها أفْرادٌ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في جَلالَةِ القَدْرِ وإنَّ عَرْضَها عَلى تِلْكَ الأجْرامِ كانَ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لَهُنَّ في حَمْلِها لا الإلْزامِ، وأنَّهُنَّ خُوطِبْنَ في ذَلِكَ وعَقَلْنَ الخِطابَ واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الكائِناتِ الحَياةَ والعِلْمَ كَما خَلَقَهُما سُبْحانَهُ في ذَوِي الألْبابِ بَلْ ذَهَبَ الفَلاسِفَةُ إلى القَوْلِ بِثُبُوتِ النُّفُوسِ والحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْأفْلاكِ بَلْ قالَ بَعْضُهم نَحْوَ ذَلِكَ في الكَواكِبِ وأثْبَتَ الحَرَكَةَ الإرادِيَّةَ ونَفى القَواسِرَ هُناكَ وأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْحَمْلِ.

ووَصْفُ الجِنْسِ بِصِيغَتَيِ المُبالِغَةِ لِكَثْرَةِ الأفْرادِ المُتَّصِفَةِ بِالظُّلْمِ والجَهْلِ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُونا فِيها عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ، بَلْ لا يَخْلُو فَرْدٌ مِنَ الأفْرادِ عَنِ الِاتِّصافِ بِظُلْمٍ ما وجَهْلٍ ما، ولا يَجِبُ في وصْفِ الجِنْسِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ تَحَقُّقُ تِلْكَ الصِّفَةِ في الأفْرادِ كُلًّا أوْ بَعْضًا عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ، نَعَمْ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَهو زِيادَةُ خَيْرٍ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ أكْثَرَ أفْرادِ الإنْسانِ في غايَةِ الظُّلْمِ ونِهايَةِ الجَهْلِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِظَلُومٍ جَهُولٍ مِن شَأْنِهِ الظُّلْمُ والجَهْلُ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ ﴾ إلخ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿ عَرَضْنا ﴾ عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ لَهُ.

وفِي الكَلامِ اِلْتِفاتٌ لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِصِفَتَيِ الظُّلْمِ والجَهْلِ، وقِيلَ: لِأنَّ الأمانَةَ مِن حُكْمِها اللّازِمِ أنَّ خائِنَها يُضْمَنُ ولَيْسَ مِن حُكْمِها أنَّ حافِظَها يُؤْجَرُ، ومُقابَلَةُ التَّعْذِيبِ بِالتَّوْبَةِ دُونَ الإثابَةِ أوِ الرَّحْمَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مَن يَصْدُرُ مِنهُ ما يَصِحُّ أنْ يُعَذَّبَ عَلَيْهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يُعَذَّبُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا يُعَذَّبُ عَلى كُلِّ ظُلْمٍ وجَهْلٍ وفي هَذا مِن إدْخالِ السُّرُورِ عَلى المُؤْمِنِينَ والكَآبَةِ عَلى أضْدادِهِمْ ما فِيهِ، وأيْضًا أنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ وقِيلَ لَمْ يُعْتَبَرْ بِالإثابَةِ لِأنَّها عُلِمَتْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ فَعَبَّرَ بِما ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ الفَضْلِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِأنَّ التَّذْيِيلَ مُتَكَفِّلٌ بِإفادَةِ رَحْمَتِهِمْ وإثابَتِهِمْ.

وقَرَأ الحَسَنُ كَما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ «ويَتُوبُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أيْ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ حَيْثُ تابَ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وغَفَرَ لَهم فُرُطاتِهِمْ وأثابَهم بِالفَوْزِ العَظِيمِ عَلى طاعاتِهِمْ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا ويَغْفِرَ لَنا ويُثِيبَنا بِالفَوْزِ العَظِيمِ، إنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلخ فِيهِ إشارَةٌ إلى عَظْمِ شَأْنِ التَّقْوى وكَذا شَأْنُ كُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ يَتَعَلَّقانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي مَحَبَّةُ أعْداءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ وهُما كالمُتَلازِمَيْنِ.

﴿ ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ ﴾ لِأنَّ مَوْقِعَهُ في البَدَنِ مَوْقِعَ الرَّئِيسِ في المَمْلَكَةِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي وحْدَةَ الرَّئِيسِ، وفي الخَبَرِ إذا بُويِعَ خَلِيفَتانِ فاقْتُلُوا أحَدَهُما.

وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِتُشْعِرَ وحْدَتُهُ في بَدَنِ الإنْسانِ الَّذِي هو العالَمُ الأصْغَرُ المُنْطَوِي فِيهِ العالَمُ الأكْبَرُ بِوَحْدَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الوُجُودِ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ لِلْقَلْبِ عِنْدَهم كَما قالَ الصَّدْرَ القُونَوِيُّ إطْلاقَيْنِ الأوَّلُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّحْمِ الصَّنَوْبَرِيِّ الشَّكْلِ المَعْرُوفِ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، والثّانِي إطْلاقُهُ عَلى الحَقِيقَةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الأوْصافِ والشُّؤُونِ الرَّبّانِيَّةِ وبَيْنَ الخَصائِصِ والأحْوالِ الكَوْنِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ مِنها والطَّبِيعَةِ وهي تَنْشَأُ مِن بَيْنِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الواقِعَةِ بَيْنَ الصِّفاتِ والحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذانِ الأصْلانِ مِنَ الأخْلاقِ والصِّفاتِ اللّازِمَةِ وما يَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِهِما بَعْدَ الِارْتِياضِ والتَّزْكِيَةِ، وظُهُورُ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ ظُهُورُ السَّوادِ بَيْنَ العَفْصِ والزّاجِ والماءِ، وهَذا هو القَلْبُ الَّذِي أخْبَرَ عَنْهُ الحَقُّ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ««ما وسِعَنِي أرْضِي ولا سَمائِي ووَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ الوادِعِ»،» وهو مَحَلُّ نَظَرِ الحَقِّ ومِنَصَّةُ تَجَلِّيهِ ومَهْبِطُ أمْرِهِ ومَنزِلُ تَدَلِّيهِ، واللَّحْمُ الصَّنَوْبَرِيُّ أحْقَرُ مِن حَيْثُ صُورَتُهُ أنْ يَكُونَ مَحَلَّ سِرِّهِ جَلَّ وعَلا فَضْلًا عَنْ أنْ يَسَعَهُ سُبْحانَهُ ويَكُونَ مَطْمَحَ نَظَرِهِ الأعْلى ومُسْتَواهُ، وادَّعَوْا أنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ الصَّنَوْبَرِيَّ الشَّكْلِ بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ بِاعْتِبارِ تَسْمِيَةِ الصِّفَةِ والحامِلِ بِاسْمِ المَوْصُوفِ والمَحْمُولِ.

﴿ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ ﴾ فِيهِ أنَّ الحَقائِقَ لا تَنْقَلِبُ وأنَّ في القَرابَةِ النِّسْبِيَّةِ خَواصَّ لا تَكُونُ في القَرابَةِ السَّبَبِيَّةِ، فَأيْنَ الأزْواجُ مِنَ الأُمَّهاتِ والأدْعِياءُ مِنَ الأبْناءِ، فالأُمَّهاتُ أُصُولٌ ولا كَذَلِكَ الأزْواجُ، والأبْناءُ فُرُوعٌ ولا كَذَلِكَ الأدْعِياءُ، ومِن هُنا قِيلَ: الوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ، وقَدْ أوْرَدَهُ الشَّمْسُ الفَنارِيُّ في (مِصْباحِ الأُنْسِ) حَدِيثًا بِصِيغَةِ الجَزْمِ مِن غَيْرِ عَزْوٍ ولا سَنَدٍ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ، وهو إشارَةٌ إلى الأوْصافِ والأخْلاقِ والكِمالاتُ الَّتِي يُحَصِّلُها الوَلَدُ بِالسَّرايَةِ مِن والِدِهِ لا بِواسِطَةِ تَوَجُّهِ القَلْبِ إلى حَضْرَةِ الغَيْبِ الإلَهِيِّ وعالَمِ المَعانِي، فَإنَّهُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ قَدْ تَحْصُلُ لِلْوَلَدِ أوْصافٌ وأخْلاقٌ عَلى خِلافِ حالِ والِدِهِ، ومِنهُ يَظْهَرُ سِرُّ ( يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ) [اَلْأنْعامِ: 95، يُونُسَ: 31، الرُّومِ: 19] .

﴿ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لِلدِّينِ نَوْعًا مِنَ الأُبُوَّةِ ولِهَذا قَدْ يَقَعُ بِهِ التَّوارُثُ.

﴿ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحِبُّ لَهم فَوْقَ ما يُحِبُّونَ لَها ويَسْلُكُ بِهِمُ المَسْلَكَ الَّذِي يُوصِلُهم إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ.

﴿ وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ﴾ أيْ في الأزَلِ إذْ كانُوا أعْيانًا ثابِتَةً أوْ يَوْمَ المِيثاقِ إذْ صارَ لَهم نَوْعُ تَعَيُّنٍ.

﴿ لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ سُؤالَ تَشْرِيفٍ لا تَعْنِيفٍ، والصِّدْقُ عَلى ما قالُوا أنْ لا يَكُونَ في أحْوالِكَ شَوْبٌ ولا في أعْمالِكَ عَيْبٌ ولا في اِعْتِقادِكَ رَيْبٌ، ومِن أماراتِهِ وُجُودُ الإخْلاصِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ المَخْلُوقِ، وتَصْفِيَةُ الأحْوالِ مِن غَيْرِ مُداخَلَةِ إعْجابٍ، وسَلامَةُ القَوْلِ مِنَ المَعارِيضِ، والتَّباعُدُ عَنِ التَّلْبِيسِ فِيما بَيْنَ النّاسِ، وإدامَةُ التَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، بَلِ الخُرُوجُ مِنَ الوُجُودِ المَجازِيِّ شَوْقًا إلى الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ ﴾ إلخ طَبَّقَ بَعْضُهم ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِن قِصَّةِ الأحْزابِ عَلى ما في الأنْفُسِ ولا يَخْفى حالُهُ، ومِن غَرِيبِ ما رَأيْتُ أنَّ الشَّيْخَ مُحْيِي الدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ قَسَّمَ الأوْلِياءَ إلى أقْسامٍ وجَعَلَ مِنهم قِسْمًا يُقالُ لَهُمُ اليَثْرِبِيُّونَ وقالَ: هم قَوْمٌ مِنَ الأوْلِياءِ لا مُقامَ لَهم كَما لِسائِرِ الأوْلِياءِ وجَعَلَ قَوْلُ المُنافِقِينَ ﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ ﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ، وكَمْ قَوْلٌ غَرِيبٌ لِهَذا الشَّيْخِ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهِ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْمَلُ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ وأحْظى النّاسِ بِإشْراقِ أنْوارِ أخْلاقِهِ عَلَيْهِ الَّذِينَ يَرْجُونَ اللَّهَ تَعالى واليَوْمَ الآخِرَ ويَذْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ كَثِيرًا لِصِقالَةِ قُلُوبِهِمْ وقُوَّةِ اِسْتِعْدادِها لِإشْراقِ الأنْوارِ وظُهُورِ الآثارِ.

﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ ﴾ أيْ رِجالٌ كامِلُونَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أيْ مُتَصَرِّفُونَ في المَوْجُوداتِ تَصَرُّفَ الذُّكُورِ في الإناثِ كَلامٌ بَشِعٌ تَنْقَبِضُ مِنهُ - كَكَثِيرٍ مِن كَلامِ المُتَصَوِّفَةِ - قُلُوبُ المُقْتَفِينَ لِلسَّلَفِ الصّالِحِ.

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ إلخ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَبَّ الدُّنْيا وزِينَتِها يَكُونُ سَبَبًا لِمُفارَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ  والبُعْدِ عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ وأنَّ مَحَبَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْأجْرِ العَظِيمِ.

﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ ﴾ إلخ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ قُبْحِ المَعاصِي وحُسْنِ الطّاعاتِ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ ومِثْلُ ذَلِكَ تَفاوُتِها بِاعْتِبارِ الأماكِنِ والأزْمانِ ﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ﴾ إشارَةٌ إلى مَقامِ التَّسْلِيمِ وأنَّهُ اللّائِقُ بِالمُؤْمِنِينَ وهَذا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ عَلى الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ بَلَغَهُ شَيْءٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنْ رَسُولِهِ  أنْ يَخْتارَ لِنَفْسِهِ خِلافَهُ لِإشْعارِ ذَلِكَ بِاتِّهامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَعَلَّ الإشارَةَ في الآياتِ بَعْدُ ظاهِرَةٌ لِمَن لَهُ أدْنى اِلْتِفاتٌ.

بَيْدَ أنَّهم أطالُوا الكَلامَ في الأمانَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ الآيَةَ، فَلْنَذْكُرْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ فَنَقُولُ: قالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ في (بُلْغَةِ الغَوّاصِ): إنَّ الأمانَةَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها هي السِّعَةُ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يُوجَدْ في السَّماواتِ والأرْضِ قَبُولٌ لِما قَبِلَهُ الإنْسانُ بِهَذا التَّأْلِيفِ الصُّورِيِّ إذْ هو ثَمَرَةُ العالَمِ فَهو يَرى نَفْسَهُ في العالَمِ ويَرى رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِالعالَمِ الَّذِي هو نَفْسُهُ مِن حَيْثُ هو كُلُّ العالَمِ، فَلِذَلِكَ اِتَّسَعَ لِما لَمْ يَسَعْهُ العالَمُ ولِذَلِكَ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالسِّعَةِ حَيْثُ أخْبَرَ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّهُ لَمْ يَسَعْهُ سَماواتُهُ ولا أرْضُهُ ووَسِعَهُ قَلْبُ المُؤْمِنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ، اِنْتَهى.

وكَأنَّهُ أرادَ بِكَوْنِهِ وسِعَ الحَقَّ سُبْحانَهُ كَوْنَهُ مَظْهَرًا جامِعًا لِلْأسْماءِ والصِّفاتِ عَلى وجْهٍ لا يُنافِي تَنْزِيهَ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْناهُ في التَّفْسِيرِ وقُلْنا إنَّهُ مَشْرَبٌ صُوفِيٌّ كَما لا يَخْفى.

وقالَ آخَرُ: هي عِبارَةٌ عَنِ الفَيْضِ الإلَهِيِّ بِلا واسِطَةٍ، وحَمْلُهُ خاصٌّ بِالإنْسانِ لِأنَّ نِسْبَتَهُ مَعَ المَخْلُوقاتِ كَنِسْبَةِ القَلْبِ مَعَ الشَّخْصِ فالعالَمُ شَخْصٌ وقَلْبُهُ الإنْسانُ فَكَما أنَّ القَلْبَ حامِلٌ لِلرُّوحِ بِلا واسِطَةٍ وتَسْرِي مِنهُ بِواسِطَةِ العُرُوقِ والشَّرايِينِ ونَحْوِها إلى سائِرِ البَدَنِ كَذَلِكَ الإنْسانُ حامِلٌ لِلْفَيْضِ الإلَهِيِّ بِلا واسِطَةٍ ويَسْرِي مِنهُ إلى ظاهِرِ الكَوْنِ وباطِنِهِ بِواسِطَةِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِن أعْمالِ البَدَنِ والرُّوحِ فَظاهِرُ العالَمِ وباطِنُهُ مَعْمُورانِ بِظاهِرِ الإنْسانِ وباطِنِهِ، وهَذا سِرُّ الخِلافَةِ.

ومَعْنى كَوْنِهِ ظَلُومًا أنَّهُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ حَيْثُ اِسْتَعَدَّ لِأنْ يَحْمِلَ أمْرًا عَظِيمًا، وكَوْنِهِ جَهُولًا أنَّهُ جاهِلٌ بِها حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَها ولَمْ يُدْرِكْ مِنها سِوى الصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ المُتَّصِفَةِ بِالصِّفاتِ البَهِيمِيَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والنِّكاحِ، وهاتانِ الصِّفَتانِ في حَقِّ حامِلِي الأمانَةِ ومُؤَدِّي حَقِّها مِن حَيْثُ إنَّهُما صارَتا سَبَبًا لِحَمْلِ الأمانَةِ صِفَتا مَدْحٍ وفي حَقِّ الخائِنِينَ صِفَتا ذَمٍّ، والشَّيْءُ قَدْ يَكُونُ ذَمًّا في حَقِّ شَخْصٍ ومَدْحًا في حَقِّ آخَرَ، واَللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ ومِنهُ الِاسْتِمْدادُ في فَهْمِ كَلامِهِ العَزِيزِ الجَلِيلِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى -  - يعني: لا تؤذوا رسول الله  كما آذى بنو إسرائيل موسى-  - قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرني الثقة، بإسناده عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي  أنه قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وكان موسى-  - يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاّ أنَّهُ آدَرُ (١)  - فأخبر أنه لم يقتله أحد، وأنه مات بأجله فذلك قوله تعالى: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً يعني: مكيناً وكان له جاه عنده منزلة وكرامة.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: أطيعوا الله واخشوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: عدلاً صواباً فيما بينكم وهو قولهم ابن فلان فأمرهم أن ينسبوهم إلى آبائهم.

ويقال: قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: لا إله إِلاَّ الله.

ويقال: قولاً مخلصاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ يعني: يقبل أعمالكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في السر والعلانية فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً يعني: نجى بالخير وأصاب نصيبا وافرا.

قوله عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ قال مجاهد: لما خلق الله عز وجل آدم-  - عرض عليه الأمانة فحملها، فما كان بين أن حملها، وبين أن أخرج من الجنة، إلا كما بين الظهر والعصر.

وروي عن ابن عباس-  - أنه قال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ يعني: الفرائض على السموات والارض والجبال.

فقال لهن: يأخذن بما فيها.

فقلنا: وما فيه يا رب؟

قال: إن أحسنتن جوزيتن.

وإن أسأتن عوقبتن.

فقلن: يا رب إن تعرضها علينا فلا نريد، وإن أمرتنا بها فنحن نجتهد.

وعرضت على الإنسان يعني: آدم-  - فقبلها وحملها.

وقال بعضهم: هذا على وجه المثل إن لم تظهر الخيانة في الأمانة إلا من الإنسان.

فلم تظهر من السموات والأرض والجبال كما قال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21] فكأنه يقول: لو عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال لأبين حملها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ يعني: آدم وذريته إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا بالقبول.

وروي عن الحسن أنه قال: عرض على السموات عرض تخيير لا عرض إيجاب.

فلذلك لم تعصِ بترك قبولها ويقال: عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ يعني: على ملائكة السموات والأرض والجبال.

كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يعني: أهل القرية.

وقال السدي: لما أراد أن يحج، عرض الأمانة يعني: أمر ولده شِيث وقابيل وهابيل فعرض على قابيل الكخداذبية والائتمار، والقيام في شغل الدنيا، والعيش حتى يرجع هو من الحج إلى وطنه.

فقبله ثم خانه، فقتل أخاه.

وإنما كان عرض آدم بأمر الله تعالى فلذلك قال: عَرَضْنَا.

وقال بعضهم: أن الله عزَّ وجلَّ لما استخلف آدم على ذريته، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والوحوش والطير، عهد إليه عهداً أمره فيه، ونهاه فقبله.

ولم يزل عاملاً به إلى أن حضرته الوفاة.

فسأل ربه أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده الأمانة.

أن يعرض على السموات والأرض بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع، ومن العقاب إن عصى فَأَبَيْنَ أن يقبلنها شفقاً من عذاب الله.

فأمره أن يعرض على الأرض والجبال فكلاهما أبيا، ثم أمره أن يعرض على ولده فقبل بالشرط إنه كان ظلوماً جهولاً لعاقبة ما تقلده يعني: المتقبل الذي تقبله منه.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال: الْأَمانَةَ ثلاث في الصلاة والصيام والجنابة.

ثم قال عز وجل: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ يعني: عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ بما خانوا الأمانة وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بما أوفوا الأمانة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وكان صلة في الكلام يعني والله غفور لذنوب المؤمنين، رحيم بهم.

وروى سفيان عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال أبي بن كعب: كانت سورة الأحزاب لتقارب سورة البقرة أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم.

قلت: يا أبا المنذر وما آية الرجم؟

فقال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله العزيز الحكيم، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم.

(١) الآدر: من أصابه فتق في إحدى خصية من خصييه.

أو من كانت خصيته عظيمة بلا فتق.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى: هم قومُ مِن بَنِي إسرائيل.

قال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة:

الإشارةُ إلى ما تضمّنه حديث النبي صلى الله عليه وسلّم «من أَنَّ بَنِي إسرائيل كَانُوا يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، وَكَانَ موسى عليه السلام رَجُلاً سِتِّيراً حَيِّياً، لاَ يَكَادُ يرى مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا يَمْنَعُ موسى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاَّ أَنَّهُ آدَرُ أَوْ بِهِ بَرَصٌ، فَذَهَبَ يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَلَجَّ موسى فِي إثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، فَمَرَّ بِهِمْ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا بموسى مِنْ بَأْسٍ» .

الحديثُ «١» خرَّجه البُخَاريُّ وغيره، وقيل في إذَايتهم غيرُ هذا.

فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا والوجيهُ: المكرَّمُ الوجهِ، والقولُ السَّدِيدُ: يَعُمُّ جَميعَ الخيراتِ.

وقال عكرمة: أراد «لا إله إلا الله» »

وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية، ذهب الجمهور: إلى أن الأمانةَ كلُّ شيء يُؤتمن الإنسانُ عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا فالشرعُ/ كلّه أمانة ومعنى الآية: إنا عرضْنَا على هذه المخلوقاتِ العظام أن تحمل الأوامر ٧٧ ب والنَّواهي ولهَا الثوابُ إن أحْسَنَتْ، والعقابُ إن أساءت، فأبتْ هذه المخلوقاتُ وأشفقت، فيحتمل أن يكونَ هذا بِإدراكٍ يَخْلُقُه اللهُ لَهَا، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ هذا العَرْضُ على مَنْ فِيها من الملائِكةِ، وحَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ، أي: التزَمَ القِيامَ بِحَقِّهَا، وهو في ذلك ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ بقدر مَا دخَل فيه وهذا هو تأويل ابنِ عباس وابن جبير.

قال ابن عباس وأصحابه:

والْإِنْسانُ آدم تَحمَّلَ الأَمانةَ فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتَّى وَقَعَ فِي أمرِ الشَّجرةِ «٣» .

وقال بعضُهم:

الْإِنْسانُ: النَّوعُ كلّه فعلى تأويلِ الجمهور يكونُ قولُهما في الآية الأخرى أَتَيْنا طائِعِينَ إجابةً لأَمْرٍ أُمِرْت بِهِ وتَكُونُ هذه الآيةُ إبايَةً وإشفاقاً مِنْ أَمْرٍ عُرِضَ عَلَيْهَا وخُيِّرَتْ فِيه.

وقوله تعالى: لِيُعَذِّبَ: اللامُ لامُ العَاقِبَة، وكذا قَال أبو حيان: اللام في لِيُعَذِّبَ: للصَّيْرُورَةِ لأَنَّه لَمْ يَحْمِلْ الأَمَانَةَ ليُعَذَّبَ، ولكنْ آلَ أمره إلى ذلك.

ص: أبو البقاء: اللام تتَعلق ب: حَمَلَهَا وقرأ «١» الأعمش: «ويتوبُ» بالرفع على الاسْتِئْنَافِ، واللهِ أعلم.

انتهى.

وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفَرائِضُ، عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، إنْ أدَّتْها أثابَها، وإنْ ضَيَّعَتْها عَذَّبَها، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ؛ وعَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عُرِضَتِ الأمانَةُ عَلى آدَمَ فَقِيلَ لَهُ: تَأْخُذُها بِما فِيها، إنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ، وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، فَقالَ: قَبِلْتُ، فَما كانَ إلّا كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها الفَرائِضُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها الأمانَةُ الَّتِي يَأْتَمِنُ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا عَلَيْها.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ آدَمَ لَمّا أرادَ الحَجَّ قالَ لِلسَّماءِ: احْفَظِي ولَدِي بِالأمانَةِ، فَأبَتْ، وقالَ لِلْأرْضِ، فَأبَتْ، وقالَ لِلْجِبالِ، فَأبَتْ، فَقالَ لِقابِيلَ، فَقالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وتَجِيْءُ وتَجِدُ أهْلَكَ كَما يَسُرُّكَ، فَلَمّا انْطَلَقَ آدَمُ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ، فَرَجَعَ آدَمُ فَوَجَدَ ابْنَهُ قَدْ قَتَلَ أخاهُ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ وهو ابْنُ آدَمَ، فَما قامَ بِها.

وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ ٍ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ آدَمَ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ: يا رَبِّ، مَن أسْتَخْلِفُ مِن بَعْدِي؟

فَقِيلَ لَهُ: اعْرِضْ خِلافَتَكَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، فَعَرَضَها، فَكُلٌّ أباها غَيْرَ ولَدِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِعَرْضِ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى رَكَّبَ العَقْلَ في هَذِهِ الأعْيانِ، وأفْهَمَهُنَّ خِطابَهُ، وأنْطَقَهُنَّ بِالجَوابِ حِينَ عَرَضَها عَلَيْهِنَّ، ولَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ: " أُبَيِّنُ " المُخالَفَةَ، وَلَكِنْ أبَيْنَ لِلْخَشْيَةِ والمَخافَةِ، لِأنَّ العَرْضَ كانَ تَخْيِيرًا لا إلْزامًا، ﴿ وَأشْفَقْنَ ﴾ بِمَعْنى خِفْنَ ﴿ مِنها ﴾ أنْ لا يُؤَدِّيْنَها فَيَلْحَقَهُنَّ العِقابُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ وأهْلِ الجِبالِ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي المُرادِ بِالإنْسانِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: آدَمُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: قابِيلُ في قَوْلِ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الكافِرُ والمُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ، غِرًّا بِأمْرِ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ، جَهُولًا بِعاقِبَةِ أمْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: ظَلُومًا بِمَعْصِيَةِ رَبِّهِ، جَهُولًا بِعِقابِ الأمانَة، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَذَكَرَ الزَّجّاجُ في الآيَةِ وجْهًا يُخالِفُ أكْثَرَ الأقْوالِ، وذَكَرَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِلتَّفْسِيرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ائْتَمَنَ بَنِي آدَمَ عَلى ما افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ مِن طاعَتِهِ، وائْتَمَنَ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى طاعَتِهِ والخُضُوعِ لَهُ، فَأمّا السَّماواتُ والأرْضُ فَقالَتا: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ ، وأعْلَمَنا أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ والجِبالَ والمَلائِكَةَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، فَعَرَّفَنا اللَّهُ تَعالى أنَّ السَّمَواتِ والأرْضَ لَمْ تَحْتَمِلِ الأمانَةَ، لِأنَّها أدَّتْها، وأداؤُها: طاعَةُ اللَّهِ وتَرْكُ مَعْصِيَتِهِ، وكُلُّ مَن خانَ الأمانَةَ فَقَدِ احْتَمَلَها، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن أثِمَ فَقَدِ احْتَمَلَ الإثْمَ، وكَذَلِكَ قالالحَسَنُ: ﴿ وَحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ أيِ: الكافِرُ والمُنافِقُ حَمَلاها، أيْ: خانا ولَمْ يُطِيعا؛ فَأمّا مَن أطاعَ، فَلا يُقالُ: كانَ ظَلُومًا جَهُولًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ إنْ وقَعَ مِنهم تَقْصِيرٌ في الطّاعاتِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ ﴿ لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الأمانَةِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أماناتُ المالِ كالوَدائِعِ ونَحْوِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ إلى أنَّها كُلُّ شَيْءٍ يُؤْتَمَنُ الإنْسانُ عَلَيْهِ، مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وشَأْنِ دِينٍ ودُنْيا، فالشَرْعُ كُلُّهُ أمانَةٌ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مِنَ الأمانَةِ أنْ تُؤْتَمَنَ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها، وقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ أنْ تَحْمِلَ الأوامِرَ والنَواهِيَ، وتَقْتَضِي الثَوابَ إنْ أحْسَنَتْ والعِقابَ إنْ أساءَتْ، فَأبَتْ هَذِهِ المَخْلُوقاتُ وأشْفَقَتْ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا بِإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللهُ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا العَرْضُ عَلى مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ، ورُوِيَ أنَّها قالَتْ: رَبِّ ذَرْنِي مُسَخَّرَةً لِما شِئْتَ أنْتَ، طائِعَةً فِيهِ، ولا تَكِلْنِي إلى نَظَرِي وعَمَلِي، ولا أُرِيدُ ثَوابًا، وحَمَلَ الإنْسانُ الأمانَةَ: أيِ: التَزَمَ القِيامَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ، جَهُولٌ بِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ الحَسَنُ: "وَحَمَلَها" مَعْناهُ خانَ فِيها، والآيَةُ في الكافِرِ والمُنافِقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُصاةِ عَلى قَدْرِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: الإنْسانُ: آدَمُ، تَحَمَّلَ الأمانَةَ، فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتّى عَصى المَعْصِيَةَ الَّتِي أخْرَجَتْهُ مِنَ الجَنَّةِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ لَهُ: يا آدَمُ، إنِّي عَرَضْتُ الأمانَةَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، وأشْفَقْنَ مِنها، أفَتَحْمِلُها أنْتَ بِما فِيها؟

قالَ: وما فِيها؟

قالَ: إنْ أحْسَنْتَ أُجِرْتَ، وإنْ أسَأْتَ عُوقِبْتَ، قالَ: نَعَمْ قَدْ حَمَلْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَما مَرَّ لَهُ ما بَيْنَ الأُولى والعَصْرِ حَتّى عَصى رَبَّهُ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: الإنْسانُ ابْنُ آدَمَ، قابِيلُ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، وكانَ قَدْ تَحَمَّلَ لِأبِيهِ الأمانَةَ أنْ يَحْفَظَ الأهْلَ بَعْدَهُ، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ سافَرَ إلى مَكَّةَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الإنْسانُ: النَوْعُ كُلُّهُ، وهَذا حَسَنٌ مَعَ عُمُومِ الأمانَةِ.

وقالَ الزَجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ في نَواهِينا وأوامِرِنا عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، فَقُمْنَ بِأمْرِها، وأطَعْنَ فِيما كَلَّفْناها، وتَأبَّيْنَ مِن حَمْلِ المَذَمَّةِ في مَعْصِيَتِنا، وحَمَلَ الإنْسانُ المَذَمَّةَ فِيما كَلَّفْناهُ مِن أوامِرِنا وشَرْعِنا، والإنْسانُ - عَلى تَأْوِيلِهِ - الكافِرُ والعاصِي.

وتَسْتَقِيمُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ إجابَةً لِأمْرٍ أُمِرَتْ بِهِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إبايَةً وإشْفاقًا مِن أمْرِ عُرِضَ عَلَيْها وخُيِّرَتْ فِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ اللهَ عَرَضَ الأمانَةَ عَلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ فَأبَتْ.

فَلَمّا عَرَضَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: أنا أحْمِلُها بَيْنَ أُذُنِي وعاتِقِي، فَقالَ اللهُ: إنِّي سَأُعِينُكَ، قَدْ جَعَلْتُ لِبَصَرِكَ حِجابًا فَأغْلِقْهُ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ، ولِفَرْجِكَ لِباسًا فَلا تَكْشِفْهُ إلاَّ عَلى ما أحْلَلْتُ لَكَ.» ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أشْياءُ تَرَكْتُها اخْتِصارًا لِعَدَمِ صِحَّتِها.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المَجازِ، أيْ: إنّا إذا قايَسْنا ثِقَلَ الأمانَةِ بِقُوَّةِ السَمَواتِ والأرْضِ والجِبالِ رَأيْنا أنَّها لا تُطِيقُها، وأنَّها لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأبَتْها وأشْفَقَتْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ بِالآيَةِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الحِمْلَ عَلى البَعِيرِ فَأباهُ، وأنْتَ تُرِيدُ بِذَلِكَ: قايَسْتُ قُوَّتَهُ بِثِقَلِ الحِمْلِ فَرَأيْتُ أنَّها تَقْصُرُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللهُ ﴾ اللامُ لامُ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَمْ يَحْمِلْ لِيَقَعَ العَذابُ، لَكِنْ حَمَلَ فَصارَ الأمْرُ وآلَ إلى أنْ يُعَذَّبَ مَن نافَقَ ومَن أشْرَكَ، وأنْ يَتُوبَ عَلى مَن آمَنَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتُوبَ" نَصْبًا، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "لِيُعَذِّبَ"، ﴾ ورَفَعَها الحَسَنُ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْزابِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

متعلق بقوله: ﴿ وحملها الإنسان ﴾ [الأحزاب: 72] لأن المنافقين والمشركين والمؤمنين من اصناف الإِنسان.

وهذه اللام للتعليل المجازي المسماة لامَ العاقبة.

وقد تقدم القول فيها غير مرة إحداها قوله تعالى: ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ في آل عمران [178].

والشاهد الشائع فيها هو قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8] وعادة النحاة وعلماء البيان يقولون: إنها في معنى فاء التفريع: وإذ قد كان هذا عاقبة لحمل الإِنسان الأمانة وكان فيما تعلق به لام التعليل إجمال تعين أن هذا يفيد بياناً لما أُجمل في قوله: ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ [الأحزاب: 72] كما قدمناه آنفاً، اي فكان الإِنسان فريقين: فريقاً ظالماً جاهلاً، وفريقاً راشداً عالماً.

والمعنى: فعذب الله المنافقين والمشركين على عدم الوفاء بالأمانة التي تحملوها في اصل الفطرة وبحسب الشريعة، وتاب على المؤمنين فغفر لهم من ذنوبهم لأنهم وفوا بالأمانة التي تحملوها.

وهذا مثل قوله فيما مر: ﴿ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ﴾ [الأحزاب: 24] أي كما تاب على المؤمنين بأن يندموا على ما فرط من نفاقهم فيخلصوا الإِيمان فيتوب الله عليهم وقد تحقق ذلك في كثير منهم.

وإظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿ ويتوب الله ﴾ وكان الظاهر إضماره لزيادة العناية بتلك التوبة لما في الإِظهار في مقام الإِضمار من العناية.

وذكر المنافقات والمشركات والمؤمنات مع المنافقين والمشركين والمؤمنين في حين الاستغناء عن ذلك بصيغة الجمع التي شاع في كلام العرب شموله للنساء نحو قولهم: حل ببني فلان مرض يريدون وبنسائهم.

فذِكْرُ النساء في الآية إشارة إلى أن لهن شأناً كان في حوادث غزوة الخندق من إعانة لرجالهن على كيد المسلمين وبعكس ذلك حال نساء المسلمين.

وجملة ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ بشارة للمؤمنين والمؤمنات بأن الله عاملهم بالغفران وما تقتضيه صفة الرحمة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الأمانَةَ هي ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن طاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: أنَّها القَوانِينُ والأحْكامُ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ عَلى العِبادِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: هي ائْتِمانُ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى الفُرُوجِ، قالَهُ أُبَيٌّ.

وَقِيلَ إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن آدَمَ الفَرْجُ فَقالَ: (يا آدَمُ هَذِهِ أمانَةٌ خَبَّأْتُها عِنْدَكَ فَلا تَلْبِسْها إلّا بِحَقٍ فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ) .

الرّابِعُ: أنَّها الأماناتُ الَّتِي يَأْتَمِنُ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلَيْها وأوَّلُها ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ حِينَ أرادَ التَّوَجُّهَ إلى أمْرِ رَبِّهِ فَخانَ قابِيلُ الأمانَةَ في قَتْلِ أخِيهِ هابِيلَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الأمانَةَ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والخَلْقِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُونَها فَأظْهَرُوها إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

وَفي عَرْضِ هَذِهِ الأمانَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ عَرْضَها هو الأمْرُ بِما يَجِبُ مِن حِفْظِها وعِظَمِ المَأْثَمِ في تَضْيِيعِها.

قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

الثّانِي: الأمانَةُ عُورِضَتْ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَكانَتْ أثْقَلَ مِنها لِتَغْلِيظِ حُكْمِها فَلَمْ تَسْتَقِلَّ بِها وضَعُفَتْ عَنْ حَمْلِها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ عَرَضَ حَمْلَها لِيَكُونَ الدُّخُولَ فِيها بَعْدَ العِلْمِ بِها.

واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها عُرِضَتْ عَلى أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ وأهْلِ الجِبالِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها عَجْزًا وأشْفَقْنَ مِنها خَوْفًا.

الثّانِي: أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها حَذَرًا وأشْفَقْنَ مِنها تَقْصِيرًا.

﴿ وَحَمَلَها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ آدَمُ ثُمَّ انْتَقَلَتْ مِنهُ إلى ولَدِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

رُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الأمانَةَ لَمّا عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ قالَتْ: وما فِيها؟

قِيلَ لَها: إنْ أحْسَنْتَ جُزِيتَ وإنْ أسَأْتَ عُوقِبْتَفَقالَتْ: لا.

قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ قالَ: وما هِيَ؟

قالَ: (إنْ أحْسَنْتَ آجَرْتُكَ وإنْ أسَأْتَ عَذَّبْتُكَ ) قالَ تَحَمَّلْتُها يا رَبِّ.

قالَ مُجاهِدٌ: فَما كانَ بَيْنَ أنْ تَحَمَّلَها إلى أنْ خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ إلّا قَدْرُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.

﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ، جَهُولًا بِرَبِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ظَلُومًا في خَطِيئَتِهِ، جَهُولًا فِيما حَمَّلَ ولَدَهُ مِن بَعْدِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ظَلُومًا لِحَقِّها، قالَهُ قَتادَةُ.

جَهُولًا بِعاقِبَةِ أمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِالشِّرْكِ والنِّفاقِ وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

الثّانِي: بِخِيانَتِهِما الأمانَةَ.

قالَ الحَسَنُ: هُما اللَّذانِ ظَلَماها، واللَّذانِ خاناها: المُنافِقُ، والمُشْرِكُ.

﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ يَتَجاوَزُ عَنْهُ بِأداءِ الأمانَةِ والوَفاءِ بِالمِيثاقِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لِمَن تابَ مِن شِرْكِهِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ بِالهِدايَةِ إلى طاعَتِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة...

﴾ الآية.

قال: الامانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدُّوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك واشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها.

وهو قوله: ﴿ وحملها الإِنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ يعني غراً بأمر الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ﴾ قال: الأمانة: ما أمروا به ونهوا عنه.

وفي قوله: ﴿ وحملها الإِنسان ﴾ قال: آدم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم قال: إن الله عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت، ثم التي تليها حتى فرغ منها، ثم الأرض، ثم الجبال، ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال: نعم.

بين أذني وعاتقي قال الله «فثلاث آمرك بهن فإنهن لك عون.

إني جعلت لك بصراً، وجعلت لك شفرتين، ففضهما عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك لساناً بين لحيين، فكفه عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك فرجاً وواريته، فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن جريج رضي الله عنه في الآية قال: بلغني أن الله تعالى لما خلق السموات والأرض والجبال قال: «إني فارض فريضة، وخالق جنة وناراً، وثواباً لمن أطاعني وعقاباً لمن عصاني فقالت السماء: خلقتني فسخرت فيَّ الشمس والقمر، والنجوم والسحاب والريح والغيوم، فانا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الأرض، خلقتني وسخرتني فجرت فيَّ الأنهار، فأخرجت مني الثمار، وخلقتني لما شئت، فأنا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الجبال: خلقتني رواسي الأرض، فأنا على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، فلما خلق الله آدم عرض عليه، فحمله ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ ظلمه نفسه في خطيئته ﴿ جهولاً ﴾ بعاقبة ما تحمل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: لما خلق الله السموات والأرض والجبال، عرض الأمانة عليهن فلم يقبلوها، فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه قال: يا رب وما هي؟

قال: هي إن أحسنت أجرتك، وإن أسأت عذبتك، قال: فقد تحملت يا رب قال: فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ قال: عرضت على آدم عليه السلام فقيل: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلتها بما فيها، فما كان إلا قدر ما بين الظهر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أشوع في الآية قال عرض عليهن العمل، وجعل لهن الثواب، فضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، فقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عرض العمل على محمد بن كعب فأبى، فقال له عمر رضي الله عنه: أتعصي؟

فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تعالى حين عرض ﴿ الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ﴾ ، هل كان ذلك منها معصية؟

قال: لا.

فتركه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله قال لآدم عليه السلام «إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها؟

قال: أي رب وما فيها؟

قال: إن حملتها أجرت، وإن ضيعتها عذبت، قال: قد حملتها بما فيها قال: فما عبر في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه إبليس من الجنة» قيل للضحاك: وما الأمانة؟

قال: هي الفرائض، وحق على كل مؤمن أن لا يَغُشَّ مؤمناً، ولا معاهداً، في شيء قليل ولا كثير، فمن فعل فقد خان أمانته، ومن انتقص من الفرائض شيئاً فقد خان أمانته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ﴾ قال: يعني به الدين، والفرائض، والحدود، ﴿ فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ﴾ قيل لهن: أن تحملنها، وتؤدين حقها.

فقلنا: لا نطيق ذلك ﴿ وحملها الإِنسان ﴾ قيل له: أتحملها؟

قال: نعم.

قيل: أتؤدي حقها؟

فقال: أطيق ذلك قال الله: ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ أي ظلوماً بها، جهولاً عن حقها ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ قال: هذان اللذان خاناها ﴿ ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: هذان اللذان أدياها ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ قال: الفرائض.

وأخرج الفريابي عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنَّا عرضنا الأمانة ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأمانة ثلاث: الصلاة، والصيام، والغسل من الجنابة» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الورع والحكيم الترمذي عن عبدالله بن عمرو قال: أول ما خلق الله من الإِنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانتي عندك فلا تضيعها إلا في حقها.

فالفرج أمانة، والسمع أمانة، والبصر أمانة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: من تضييع الأمانة: النظر في الحجرات والدور.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الا ومن الأمانة، الا ومن الخيانة، أن يحدث الرجل أخاه بالحديث فيقول: اكتم عني.

فيفشيه» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها» .

وأخرج الطبراني وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وأبو يعلى والبيهقي والضياء عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حدث الرجل بالحديث، ثم التفت فهي أمانة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ليعذب الله المنافقين...

﴾ قال: هما اللذان ظلماها واللذان خاناها: المنافق والمشرك.

وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول الله، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولن يدع الله شيئاً من أمره مما يأتون، ومما يجتنبون، وهي الحجج عليهم إلا بينت لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب لعالم يعلمها، وجاهل يعرفها وينكرها، ولا يحملها حتى وصل إليّ وإلى أمتي، فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً» والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ﴾ قال المقاتلان: ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل ونقضوا الميثاق الذي أقروا به حين أخرجهم من ظهر آدم ﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ بأدائهم الأمانة ووفائهم بالعهد والميثاق (١) وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا قوله: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ ﴾ فقالا: هؤلاء الذين خانوهما وهم الذين ظلموها (٢) ﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ هؤلاء أدوها.

وقال ابن قتيبة: أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشارك (٣) (٤) ﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ غفورًا للمؤمنين رحيمًا بهم قاله ابن عباس ومقاتل (٥) والله تعالى أعلم بالصواب.

سورة سبأ (١) انظر: "تفسير مقاتل" 96/ ب، "تفسير الماوردي" 4/ 430.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 58، "مجمع البيان" 8/ 587، "تفسير هود" 3/ 386.

(٣) هكذا في النسخ وهو عند ابن قتيبة: المشرك.

(٤) انظر: "مشكل القرآن" ص 82.

(٥) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 427 بهامش المصحف، "تفسير مقاتل" 96/ ب.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال ﴾ الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال: غسل الجنابة، والصحيح العموم في التكاليف، وعرضها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكاً فعرض عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها، وامتنعت من حملها، والثاني أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة، وأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضرب من المجاز كقولك: عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله ﴿ وَحَمَلَهَا الإنسان ﴾ أي التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدة ذلك، وصعوبته على الأجرام التي هي أعظم منه، ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول، والإنسان هنا جنس، وقيل: يعني آدم، وقيل: الذي قتل أخاه ﴿ لِّيُعَذِّبَ ﴾ اللام للصيرورة، فإن حمل الأمانة: كان سبب تعذيب المنافقين والمشركين، ورحمة للمؤمنين.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.

الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالثاء المثلثة.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي  ، وقد مر أنه  بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.

والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله  "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.

ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله  "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.

ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.

جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.

وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.

ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.

وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.

ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".

وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.

والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي  مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله  جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي  مدع لها.

بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله  ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.

وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.

أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.

ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.

ووصف النبي  بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.

وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.

ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".

ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.

قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.

ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.

في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.

وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.

وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.

وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.

وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.

وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله  أيضاً.

ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.

ثم عاد إلى تعليم النبي  .

وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله  اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.

وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي  كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي  لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.

والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ  من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.

ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾  يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.

والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.

قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال  ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله  من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله  كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.

وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي  .

وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.

والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.

وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.

وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.

وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.

ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.

ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه  بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.

والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.

﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.

يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.

وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.

وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.

وعن الحسن: وكان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.

ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.

ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.

وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.

وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه  شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله  من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.

وإنه  زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.

وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي  وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله  : يا عيينة أين الاستئذان؟

فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.

ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.

قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.

فقال  : إن الله قد حرم ذلك.

فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟

قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.

وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.

قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.

واستثنى ممن حرم عليه الإماء.

وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.

واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له  من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.

وعن عائشة: ما مات رسول الله  حتى أحل له النساء.

تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.

ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله  فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.

وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.

وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.

وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.

ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.

وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا  ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.

يروى أن رسول الله  أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.

فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟

وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله  شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.

ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.

والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.

قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.

والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.

وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.

﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.

وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.

ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.

إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.

ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.

قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.

وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.

ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.

قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.

ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.

ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.

وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي  : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه  شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي  .

واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.

وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟

فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعنه  "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.

ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.

والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم  ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله  ﴿ فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.

وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.

وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.

وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.

ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.

قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً  .

وقيل: في إفك عائشة.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.

ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.

يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.

ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.

وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.

روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.

المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.

وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.

وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.

ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله  عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.

ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.

ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.

ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.

والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.

ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.

قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.

من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.

قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.

وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".

وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.

وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.

ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.

أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.

وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.

والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.

واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.

وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.

فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.

وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".

والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.

فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.

ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله  ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.

فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.

وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.

وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.

وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.

وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.

واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين  ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.

والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.

ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.

فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.

وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).

الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.

وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.

التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.

وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي  كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.

﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.

﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم  ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.

وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.

فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.

ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.

فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.

ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ .

يقول عامة أهل التأويل: إن موسى كان لا يغتسل فيما يراه أحد؛ فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر، ويروون على ذلك عن نبي الله  أنه قال: "إن بني إسرائيل طعنوا نبي الله موسى بذلك، فذهب ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على حجر، فسعى الحجر بثوبه؛ فجعل موسى يعدو في إثره ويقول: [ثوبي] حجر - أي: يا حجر ثوبي - حتى مرّ به على ملأ بني إسرائيل؛ فعلموا أنه ليس به شيء، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ " ، وكان موسى يتأذى بما كانوا يطعنون؛ فعلى ذلك رسول الله كان يتأذى؛ إذا قالوا: زيد بن محمد؛ فأمروا أن يدعوه لأبيه، يقول: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ زيد بن حارثة، لكن هذا التأويل بعيد؛ لأن موسى كان يدعوهم إلى ستر العورة، لا يحتمل أن يطمعوا هم منه الاغتسال معهم، وأن يكشف عورته لهم، أو ينظر إلى عورة أحد، هذا وخش من القول أو يسلط حجراً، فيذهب بثيابه حتى يراه الناس متجرداً، والله أعلم.

وقال بعضهم: آذوه؛ لأنه كان خرج بهارون إلى بعض الجبال؛ فمات هارون هناك، فرجع موسى إليهم وحده؛ فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته حسداً؛ فقال موسى: "ويلكم، أيقتل الرجل أخاه"؛ فآذوه، فذلك قوله: ﴿ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ ؛ فجاءت به الملائكة فوضعته بينهم، فقال لهم: لم يقتلني أحد؛ إنما جاء أجلي فمت، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ .

هذا يشبه أن يكون - وغيره - كأنه أقرب وأشبه، وهو ما كان قوم كل رسول نسبوا رسولهم إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانياً، وأنه كذاب مفتر، ونحوه، على علم منهم أنه رسول الله، ولا شك أنهم كانوا يتأذون بذلك جدّاً؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ  ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا في الأول؛ لأنهم لو كانوا علموا أنه ليس به ما ذكروا - لم يؤذوه؛ فدل أن أذاهم إياه فيما ذكرنا، وفي أمثال ذلك، وكذلك ما نهى قوم رسول الله من الأذى له؛ لما نسبوه مرة إلى الجنون، وإلى السحر ثانياً، وإلى الافتراء والكذب على الله ثالثاً، لا فيما ذكر أولئك.

﴿ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً ﴾ .

أي: مكيناً في القدر والمنزلة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: اتقوا الشرك في حادث الوقت، ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: ائتوا بالتوحيد في حادث الوقت؛ لأنه إنما خاطب به المؤمنين: ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .

أي: بالتوحيد؛ لأنه بالتوحيد تصلح الأعمال وتذكر، وبه يغفر ما كان من الذنوب، وبه يكون الفوز العظيم، وبالله التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الخيانة فيما بينكم وبين الخلق، أي: لا تخونوا الخلق.

﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: صدقا وصوابا؛ أي: لا تكذبوا، ولا تقولوا فحشاً ونحوه.

ويحتمل ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تعصوه، واعملوا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، ومروا الناس، وانهوا عن المنكر ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ﴾ قد تكلف أهل التأويل تفسير هذه الأمانة المذكورة في الآية.

قال بعضهم: هي كلمة الشهادة والتوحيد.

ومنهم من قال: هي جميع الفرائض التي افترض الله على عباده.

ومنهم من قال: هي الصلاة، والصيام، والحج، وأمثاله، وجميع ما أمروا به ونهوا عنه.

لكن التكلف والاشتغال بالتكلم في ماهية هذه الأمانة المذكورة المعروضة على من ذكر - فضل، لا يجب أن يتكلف تفسيرها: أنها كذا،لأنها مبهمة، لا تعلم إلا بالخبر الوارد عن الله -  - أنها كذا، وأن يجعل ذلك من المكتوم، ولا يشتغل بالتفسير، والله أعلم بذلك.

ثم اختلف فيما ذكر من عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وما ذكر من إبائها عن احتمالها والإشفاق: فقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ومن ذكر؛ أي: خلقنا خلقة ما ذكر من السماوات والأرض والجبال خلقة لا تحتمل حمل ما ذكر من الأمانة؛ ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ إباء خلقة؛ أي: لم يخلق خلقتها بحيث تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ أي: خلقنا خلقة الإنسان خلقة تحتمل ذلك؛ إلى هذا يذهب بعضهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ عَرَضْنَا ﴾ حقيقة العرض، إلا أنه على التخيير بين أن تقبل وتتحمل وتفي بذلك فيكون لها الثواب، أو لا تفي فيكون لها العقاب في الآخرة، وبين ألا تتحمل ولا تقبل؛ فتكون كسائر الموات تفنى بفناء الدنيا: لا ثواب لها في الآخرة ولا عقاب، وإلا لم يحتمل أن يعرض عليهن ما ذكر عرض لزوم وإيجاب، ثم يأبين ذلك ويشفقن منها، وقد وصفهن الله بالطاعة له والخضوع في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ وقال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ...

﴾ الآية [الحشر: 21]، وقال في آية ﴿ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ وكذا، ونحوه، ولكن إن كان على حقيقة العرض فهو على التخيير الذي ذكرنا، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ ، فكان له الثواب إن قام بها، وعليه العقاب إن لم يقم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ﴾ ، أي: عرض على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال، فلم يحملوها، إلا الإنسان منهم فإنه حملها.

﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ قال الحسن: ظلوماً لنفسه، جهولا لأمر ربه.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ ، أي: أبين أن يعصين الله وأشفقن منه؛ أي: لم يعصوا قط ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ أي: عصى الإنسان ربه؛ فيجعل الحمل كناية عن العصيان والوزر، يقول: لأنه ما ذكر في القرآن الحمل إلا في الوزر والخطايا؛ كقوله: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ  ﴾ ، ونحوه كثير.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ إلى أي تأويل من هذه التأويلات التي ذكرنا صرف هذا إليه - استقام، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  ما - قال: ﴿ ٱلأَمَانَةَ ﴾ : العبادة: قال الله -  - للسماوات والأرض والجبال: تأخذن العبادة بما فيها،قلن: يا ربّ، وما فيها؟

قال: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ ، أي: خفن، وعرضت على الإنسان فقبلها، وهو قول الله لبني آدم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ أما خيانتهم الله ورسوله فمعصيتهما، وأمّا خيانة الأمانة فتركهم ما افترض الله عليهم من العبادة.

وقتادة: يقول: أما والله ما بهن معصية، ولكن قيل لهنّ: أتحملنها وتؤدين حقها؟

قلن: لا نطيق ذلك، فقيل للإنسان - وهو آدم - أتحملها وتؤدي حقها؟

قال: نعم ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ عن حقها.

وفي حرف أبيّ وابن مسعود وحفصة ﴿ فَأبَيْنَ ﴾ أي: فلم يطقنها.

وقال أبو معاذ: الإباء في كلام العرب على وجهين: أحدهما: هذا، وهو العجز.

والآخر: قوله: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ  ﴾ أي: عصى وترك الأمر.

والحسن يقول: عرضت الأمانة على السماوات وما ذكر، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها، قلن: يا رب، وما فيها؟

قيل لهن: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً ﴾ لنفسه ﴿ جَهُولاً ﴾ بربه، وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: كان ظلوماً لنفسه في ركوبه المعصية، جهولا بعاقبة ما تحمل.

والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً أنه لا تفسّر الأمانة أنها ما هي؟

وكيف كان ذلك العرض على من ذكر من السماوات والأرض والجبال، وإباؤهن، وإشفاقهن؟

والله أعلم ما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ...

﴾ \[على\] من ذكر؛ أي: ليعذب من علم أنه لا يقوم بوفائها ويضيعها - أعني: الأمانة التي احتملها - وإنما ضيعها من ذكر من المنافقين والمشركين، ويثيب من لم يضيعها وقام بوفائها، وهم المؤمنون.

قال أبو عوسجة: السداد: الاستقامة؛ تقول: سددك الله، وأرشدك.

وقال أبو عبيدة: السديد: القصد.

وكذلك قال القتبي، والقصد كأنه العدل، والله أعلم.

وصلى الله على محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حملها الإنسان بقدر من الله؛ ليعذب الله المنافقين من الرجال والمنافقات من النساء، والمشركين من الرجال والمشركات من النساء؛ على نفاقهم وشركهم بالله، وليتوب الله على المؤمنين والمؤمنات الذين أحسنوا حمل أمانة التكاليف، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده رحيمًا بهم.

من فوائد الآيات اختصاص الله بعلم الساعة.

تحميل الأتباع كُبَرَاءَهُم مسؤوليةَ إضلالهم لا يعفيهم هم من المسؤولية.

شدة التحريم لإيذاء الأنبياء بالقول أو الفعل.

عظم الأمانة التي تحمّلها الإنسان.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا  ﴾ .

نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته  ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ  ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).

فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي  ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه  لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.

لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ  ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟

أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟

ومن وجهة أخرى نرى أن النبي  -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ إلخ.

فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.

مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي  ومن يختصه الله بالتأسي به.

لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي  إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

نادى  في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.

على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي  في أمر زينب.

كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ  ﴾ إلخ، فعمد النبي  -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.

لهذا أرغم النبي  زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله  المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ  ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا  ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ .

وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.

واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي  وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي  كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ  ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.

قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي  رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟

حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال  : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!

"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.

سبحان الله!

كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟

فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود  .

وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.

تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.

أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.

وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.

أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه  لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!

إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر