الآية ٥٧ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٥٧ من سورة يس

لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لهم فيها فاكهة ) أي : من جميع أنواعها ، ( ولهم ما يدعون ) أي : مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار ، حدثنا محمد بن مهاجر ، عن الضحاك المعافري ، عن سليمان بن موسى ، حدثني كريب ; أنه سمع أسامة بن زيد يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا هل مشمر إلى الجنة ؟

فإن الجنة لا خطر لها هي - ورب الكعبة - نور كلها يتلألأ وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ، ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ، ومقام في أبد ، في دار سلامة ، وفاكهة خضرة وحبرة ونعمة ، ومحلة عالية بهية " .

قالوا : نعم يا رسول الله ، نحن المشمرون لها .

قال : " قولوا : إن شاء الله " .

قال القوم : إن شاء الله .

وكذا رواه ابن ماجه في " كتاب الزهد " من سننه ، من حديث الوليد بن مسلم ، عن محمد بن مهاجر ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ) يقول لهؤلاء الذين ذكرهم تبارك وتعالى من أهل الجنة في الجنة فاكهة ( وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ) يقول: ولهم فيها ما يتَمنُّون.

وذُكر عن العرب أنها تقول: دع عليّ ما شئت أي: تمنّ عليّ ما شئت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

" لهم فيها فاكهة " ابتداء وخبر .

" ولهم ما يدعون " الدال الثانية مبدلة من تاء ، لأنه يفتعلون من دعا أي : من دعا بشيء أعطيه .

قاله أبو عبيدة ، فمعنى يدعون : يتمنون من الدعاء .

وقيل : المعنى أن من ادعى منهم شيئا فهو له ، لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدعيه .

وقال يحيى بن سلام : يدعون : يشتهون .

ابن عباس : يسألون .

والمعنى متقارب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ } كثيرة، من جميع أنواع الثمار اللذيذة، من عنب وتين ورمان، وغيرها، { وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } أي: يطلبون، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون ) يتمنون ويشتهون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لهم فيها فاكهة ولهم» فيها «ما يدَّعون» يتمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لهم في الجنة أنواع الفواكه اللذيذة، ولهم كل ما يطلبون من أنواع النعيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( لَهُمْ فِيهَا ) أى فى الجنة ( فَاكِهَةٌ ) كثيرة متنوعة ( وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) أى : ولهم فوق ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما يتمنونه من أمنيات .فقوله : ( يَدَّعُونَ ) يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب ، كما يصح أن يكون من الادعاء بمعنى التمنى .يقال : ادعُ علىَّ ما شئتَ أى : تمن علىَّ ما شئت .

ويقال : فلان فى خير ما يدَّعِى ، أى : فى خير ما يتمنى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله: ﴿ فِي شُغُلٍ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدهما: في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب، وقوله: ﴿ فاكهون ﴾ يكون متمماً لبيان سلامتهم فالله لو قال: في شغل جاز أن يقال هم في شغل عظم من التفكر في اليوم وأهواله، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله، يقول أنا مشغول عن هذا بأهم منه، فقال: ﴿ فاكهون ﴾ أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.

وثانيها: أن يكون ذلك بياناً لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل يكون معناه هم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق، بل هو ملذ محبوب.

وثالثها: في شغل عما توقعوه فإنهم تصوروا في الدنيا أموراً وقالوا نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا، فرأوا ما لم يخطر ببالهم فاشتغلوا به، وفيه وجوه: غير هذه ضعيفة أحدها: قيل افتضاض الأبكار وهذا ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الإنسان قد يترجح في نظره الآن مداعبة الكواعب فيقول في الجنة ألتذ بها، ثم إن الله ربما يأتيه ما يشغله عنها.

وثانيها قيل في ضرب الأوتار وهو من قبيل ما ذكرناه توهم.

وثالثها في التزاور.

ورابعها: في ضيافة الله وهو قريب مما قلنا لأن ضيافة الله تكون بألذ ما يمكن وحينئذ تشغله تلك عما توهمه في دنياه وقوله: ﴿ فاكهون ﴾ خبر إن، و ﴿ فِي شُغُلٍ ﴾ بيان ما فكاهتهم فيه يقال زيد على عمله مقبل، وفي بيته جالس فلا يكون الجار والمجرور خبراً ولو نصبت جالساً لكان الجار والمجرور خبراً.

وكذلك لو قال في شغل فاكهين لكان معناه أصحاب الجنة مشغولون فاكهين على الحال وقرئ بالنصب والفاكه الملتذ المتنعم به ومنه الفاكهة لأنها لا تكون في السعة إلا للذة فلا تؤكل لدفع ألم الجوع، وفيه معنى لطيف.

وهو أنه أشار بقوله: ﴿ فِي شُغُلٍ ﴾ عن عدمهم الألم فلا ألم عندهم، ثم بين بقوله: ﴿ فاكهون ﴾ عن وجدانهم اللذة وعادم الألم قد لا يكون واجداً للذة.

فبين أنهم على أتم حال ثم بين الكمال بقوله: ﴿ هُمْ وأزواجهم ﴾ وذلك لأن من يكون في لذة قد تتنغص عليه بسبب تفكره في حال من يهمه أمره فقال: ﴿ هُمْ وأزواجهم ﴾ أيضاً فلا يبقى لهم تعلق قلب، وأما من في النار من أقاربهم وإخوانهم فيكونون هم عنهم في شغل، ولا يكون منهم عندهم ألم ولا يشتهون حضورهم والأزواج يحتمل وجهين: أحدهما: أشكالهم في الإحسان وأمثالهم في الإيمان كما قال تعالى: ﴿ مِن شَكْلِهِ أزواج  ﴾ ، وثانيهما: الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل كما في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ أزواجا  ﴾ فإن المراد ليس هو الإشكال، وقوله: ﴿ فِي ظلال ﴾ جمع ظل وظلل جمع ظلة والمراد به الوقاية عن مكان الألم، فإن الجالس تحت كن لا يخشى المطر ولا حر الشمس فيكون به مستعداً لدفع الألم، فكذلك لهم من ظل الله ما يقيهم الأسواء، كما قال تعالى: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ  ﴾ وقال: ﴿ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً  ﴾ إشارة إلى عدم الآلام وفيه لطيفة أيضاً وهي أن حال المكلف، إما أن يكون اختلالها بسبب ما فيه من الشغل، وإن كان في مكان عال كالقاعد في حر الشمس في البستان المتنزه أو يكون بسبب المكان، وإن كان الشغل مطلوباً كملاعبة الكواعب في المكان المكشوف، وإما أن يكون بسبب المأكل كالمتفرج في البستان إذا أعوزه الطعام، وإما بسبب فقد الحبيب، وإلى هذا يشير أهل القلب في شرائط السماع بقولهم: الزمان والمكان والإخوان قال تعالى: ﴿ فِي شُغُلٍ فاكهون ﴾ إشارة إلى أنهم ليسوا في تعب وقال: ﴿ هُمْ وأزواجهم ﴾ إشارة إلى عدم الوحدة الموحشة وقال: ﴿ فِي ظلال عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ ﴾ إشارة إلى المكان وقال: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: ﴿ مُتَّكِئُونَ ﴾ إشارة إلى أدل وضع على القوة والفراغة فإن القائم قد يقوم لشغل والقاعد قد يقعد لهم.

وأما المتكئ فلا يتكئ إلا عند الفراغ والقدرة لأن المريض لا يقدر على الإتكاء، وإنما يكون مضطجعاً أو مستلقياً والأرائك جمع أريكة.

وهي السرير الذي عليه الفرش وهو تحت الحجلات فيكون مرئياً هو وما فوقه وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة ﴾ إشارة إلى أن لا جوع هناك، وليس الأكل لدفع ألم الجوع، وإنما مأكولهم فاكهة، ولو كان لحماً طرياً، لا يقال قوله تعالى: ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ يدل على التغاير وصدق الشهوة وهو الجوع لأنا نقول قوله: ﴿ مّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ يؤكد معنى عدم الألم لأن أكل الشيء قد يكون للتداوي من غير شهوة فقال مما يشتهون لأن لحم الطير في الدنيا يؤكل في حالتين إحداهما: حالة التنعم والثانية: حالة ضعف المعدة وحينئذ لا يأكل لحم طير يشتهيه، وإنما يأكل ما يوافقه ويأمره به الطبيب، وأما أنه يدل على التغاير، فنقول مسلم ذلك لأن الخاص يخالف العام، على أن ذلك لا يقدح في غرضنا، لأنا نقول إنما اختار من أنواع المأكول الفاكهة في هذا الموضع لأنها أدل على التنعم والتلذذ وعدم الجوع والتنكير لبيان الكمال، وقد ذكرناه مراراً وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة ﴾ ولم يقل يأكلون، إشارة إلى كون زمام الاختيار بيدهم وكونهم مالكين وقادرين وقوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ فيه وجوه: أحدها لهم فيها ما يدعون لأنفسهم أي دعاؤهم مستجاب، وحينئذ يكون هذا افتعالاً بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحيل، وعلى هذا فليس معناه أنهم يدعون لأنفسهم دعاء فيستجاب دعاؤهم بعد الطلب بل معناه ولهم ما يدعون لأنفسهم أي ذلك لهم فلا حاجة لهم إلى الدعاء والطلب، كما أن الملك إذا طلب منه مملوكه شيئاً يقول لك ذلك فيفهم منه تارة أن طلبك مجاب وأن هذا أمر هين بأن تعطي ما طلبت، ويفهم تارة منه الرد وبيان أن ذلك لك حاصل فلم تطلبه فقال تعالى: ولهم ما يدعون ويطلبون فلا طلب لهم وتقريره هو أن يكون ما يدعون بمعنى ما يصح أن يطلب ويدعى يعني كل ما يصح أن يطلب فهوحاصل لهم قبل الطلب، أونقول المراد الطلب والإجابة وذلك لأن الطلب من الله أيضاً فيه لذة فلو قطع الله الأسباب بينهم وبينه لما كان يطيب لهم فأبقى أشياء يعطيهم إياها عند الطلب ليكون لهم عند الطلب لذة وعند العطاء، فإن كون المملوك بحيث يتمكن من أن يخاطب الملك في حوائجه منصب عظيم، والملك الجبار قد يدفع حوائج المماليك بأسرها قصداً منه لئلا يخاطب الثاني: ما يدعون ما يتداعون وحينئذ يكون افتعالا بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى التقاتل، ومعناه ما ذكرناه أن كل ما يصح أن يدعو أحد صاحبه إليه أو يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل لهم الثالث: ما يتمنونه الرابع: بمعنى الدعوى ومعناه حينئذ أنهم كانوا يدعون في الدنيا أن لهم الله وهو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم.

فقال لهم في الجنة ما يدعون به في الدنيا، فتكون الحكاية محكية في الدنيا، كأنه يقول في يومنا هذا لكن أيها المؤمنون غداً ما تدعون اليوم، لا يقال بأن قوله: ﴿ إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فاكهون * هُمْ وأزواجهم فِي ظلال ﴾ يدل على أن القول يوم القيامة لأنا نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿ هُمْ ﴾ مبتدأ ﴿ وأزواجهم ﴾ عطف عليهم فيحتمل أن يكون هذا الكلام في يومنا هذا يخبرنا أن المؤمن وأزواجه في ظلال غداً وله ما يدعيه والجواب الثاني: وهو أولى هو أن نقول: معناه لهم ما يدعون أي ما كانوا يدعون.

لا يقال بأنه إضمار حيث لا ضرورة وإنه غير جائز لأنا نقول على ما ذكرنا يبقى الادعاء مستعملا في معناه المشهور لأن الدعاء هو الإتيان بالدعوى وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ هو في دار الآخرة وهو كالتفسير لقوله: ﴿ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ ولأن قوله: ﴿ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ مذكور بين جمل كلها في الآخرة فما يدعون أيضاً ينبغي أن يكون في الآخرة وفي الآخرة لا يبقى دعوى وبينة لظهور الأمور والفصل بين أهل الثبور والحبور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ قرئت منصوبة ومرفوعة ﴿ فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً......

إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِي شُغُلٍ ﴾ حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم.

وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره ﴿ فِى شُغُلٍ ﴾ في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم، ووقع في تلك الملاذ التي أعدّها الله للمرتضين من عباده، ثواباً لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم، وذلك بعد الوله والصبابة، والتفصي من مشاق التكليف ومضايق التقوى والخشية، وتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار وجواز الصراط.

ومعاينة ما لقى العصاة من العذاب، وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار.

وعنه: في ضرب الأوتار.

وعن ابن كيسان: في التزاور.

وقيل: في ضيافة الله.

وعن الحسن: شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه.

وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم: لئلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم.

قرئ: ﴿ في شغل ﴾ بضمتين وضمة وسكون، وفتحتين، وفتحة وسكون.

والفاكه والفكه: المتنعم والمتلذذ: ومنه الفاكهة؛ لأنها مما يتلذذ به.

وكذلك الفكاهة، وهي المزاحة.

وقرئ: ﴿ فاكهون ﴾ وفكهون، بكسر الكاف وضمها، كقولهم: رجل حدث وحدث، ونطس ونطس.

وقرئ: ﴿ فاكهين ﴾ وفكهين، على أنه حال والظرف مستقر ﴿ هُمْ ﴾ يحتمل أن يكون مبتدأ وأن يكون تأكيداً للضمير في ﴿ فِى شُغُلٍ ﴾ وفي ﴿ فاكهون ﴾ على أنّ أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال.

وقرئ: ﴿ في ظلل ﴾ ، والأريكة: السرير في الحجلة.

وقيل: الفراش فيها.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ متكين ﴾ ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ يفتعلون من الدعاء، أي: يدعون به لأنفسهم، كقولك: اشتوى واجتمل، إذا شوى وجمل لنفسه.

قال لبيد: فَاشْتَوَى لَيْلَةَ رِيحٍ وَاجْتَمَلْ ويجوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك: ارتموه، وتراموه.

وقيل: يتمنون، من قولهم: ادّع عليّ ما شئت، بمعنى تمنه عليّ، وفلان في خير ما أدّعى، أي في خير ما تمنّى.

قال الزجاج: وهو من الدعاء، أي: ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم.

و ﴿ سلام ﴾ بدل مما يدعون، كأنه قال لهم: سلام يقال لهم ﴿ قَوْلاً مّن ﴾ جهة ﴿ رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ والمعنى: أنّ الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم وذلك متمناهم، ولهم ذلك لا يمنعونه.

قال ابن عباس: فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين.

وقيل: ﴿ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ ، مبتدأ وخبره سلام، بمعنى: ولهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه.

و ﴿ قَوْلاً ﴾ مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سلام ﴾ أي: عدة من رب رحيم.

والأوجه: أن ينتصب على الاختصاص، وهو من مجازه.

وقرئ: ﴿ سلم ﴾ وهو بمعنى السلام في المعنيين.

وعن ابن مسعود: سلاماً نصب على الحال، أي لهم مرادهم خالصاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ ما يَدَّعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ يَفْتَعِلُونَ مِنَ الدُّعاءِ كاشْتَوى واجْتَمَلَ إذا شَوى وجَمَّلَ لِنَفْسِهِ، أوْ ما يَتَداعُونَهُ كَقَوْلِكَ ارْتَمُوهُ بِمَعْنى تَرامَوْهُ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ مِن قَوْلِهِمُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ بِمَعْنى تَمَنَّهُ عَلَيَّ، أوْ ما يَدَّعُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الجَنَّةِ ودَرَجاتِها و ( ما ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، و ( لَهم ) خَبَرُها وقَوْلُهُ: ( سَلامٌ ) بَدَلٌ مِنها أوْ صِفَةٌ أُخْرى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَها أوْ خَبَرُها مَحْذُوفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ ولَهم سَلامٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أوِ الحالِ أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا.

﴿ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ أيْ يَقُولُ اللَّهُ أوْ يُقالُ لَهم قَوْلًا كائِنًا مِن جِهَتِهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ تَعْظِيمًا لَهم وذَلِكَ مَطْلُوبُهم ومُتَمَنّاهم، ويُحْتَمَلُ نَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} يفتعلون من الدعاء أي كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم أو يتمنون من قولهم ادع علي ما شئت أي تمنه عليَّ عن الفراء هو من الدعوى ولا يدعون مالا يستحقون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ﴾ بَيانٌ لِما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ وما يَتَلَذَّذُونَ بِهِ مِنَ المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ ما لَهم فِيها مِن مَجالِسِ الأُنْسِ ومَحافِلِ القُدْسِ تَكْمِيلًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ والبَهْجَةِ كَذا قِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنِ اشْتَغالِهِمْ بِالأُنْسِ واتِّكائِهِمْ عَلى الأرائِكِ عَدَمُ تَعاطِيهِمْ أسْبابَ المَأْكَلِ والمَشْرِبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ في أمْرِ مَأْكَلِهِمْ؟

فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ﴾ وهو مُشِيرٌ إلى أنَّ لَهم مِنَ المَأْكَلِ ما لَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأُفِيدَ أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا جُوعَ هُناكَ ولَيْسَ الأكْلُ لِدَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، وإنَّما مَأْكُولُهم فاكِهَةٌ ولَوْ كانَ لَحْمًا، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ فاكِهَةٌ جَلِيلَةُ الشَّأْنِ، وِفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ﴾ دُونَ يَأْكُلُونَ فِيها فاكِهَةً إشارَةٌ إلى كَوْنِ زِمامِ الِاخْتِيارِ بِأيْدِيهِمْ وكَوْنِهِمْ مالِكِينَ قادِرِينَ فَإنْ شاؤُوا أكَلُوا وإنْ شاؤُوا أمْسَكُوا.

﴿ ولَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ أيْ ما يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ أيْ لَهم كُلُّ ما يَطْلُبُهُ أحَدٌ لِنَفْسِهِ لا أنَّهم يَطْلُبُونَ، فَإنَّهُ حاصِلٌ كَما إذا سَألَكَ أحَدٌ فَقُلْتَ: لِكَ ذَلِكَ تَعْنِي فَلِمَ تَطْلُبُ؟

أوْ لَهم ما يَطْلُبُونَ بِالفِعْلِ عَلى أنَّ هُناكَ طَلَبًا وإجابَةً؛ لِأنَّ الغِبْطَةَ بِالإجابَةِ تُوجِبُ اللَّذَّةَ بِالطَّلَبِ فَإنَّهُ مَرْتَبَةٌ سَنِيَّةٌ لا سِيَّما والمَطْلُوبُ مِنهُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى المَلِكُ الجَلِيلُ جِلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ، فَيَدْعُونَ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ، وأصْلُهُ يَدْتَعِيُونَ عَلى وزْنِ يَفْتَعِلُونَ سُكِّنْتِ الياءُ بَعْدَ أنْ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى ما قَبْلَها وحُذِفَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، وقِيلَ: بَلْ ضُمَّتِ العَيْنُ لِأجْلِ واوِ الجَمْعِ ولَمْ يُلْقَ حَرَكَةُ الياءِ عَلَيْها وإنَّما حُذِفَتِ اسْتِثْقالًا ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَصارَ يَدْتَعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتْ، وافْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ الثُّلاثِيِّ كَثِيرٌ ومِنهُ اشْتَوى بِمَعْنى شَوى واجْتَمَلَ بِمَعْنى جَمَلَ أيْ أذابَ الشَّحْمَ.

قالَ لَبِيدٌ: فاشْتَوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ (ولَهُمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهي مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهو إمّا ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ أوْ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ فالمَصْدَرُ حِينْئِذٍ مُبْتَدَأٌ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ ما عَلى (فاكِهَةٌ) لِئَلّا يُتَوَهَّمَ كَوْنُها عِبارَةً عَنْ تَوابِعِ الفاكِهَةِ ومُتَمِّماتِها.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (يَدَّعُونَ) مِنَ الِافْتِعالِ بِمَعْنى التَّفاعُلِ كارْتَمَوْهُ بِمَعْنى تَرامَوْهُ أيْ لَهم ما يَتَداعَوْنَ، والمَعْنى كُلُّ ما يَصِحُّ أنْ يَطْلُبَهُ أحَدٌ مِن صاحِبِهِ فَهو حاصِلٌ لَهم أوْ ما يَطْلُبَهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالفِعْلِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّحابِّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الِافْتِعالِ عَلى ما سَمِعْتِ أوَّلًا إلّا أنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى التَّمَنِّي.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ، وتَقُولُ: فُلانٌ في خَيْرِ ما ادَّعى أيْ تَمَنّى أيْ لَهم ما يَتَمَنَّوْنَ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعاءِ أيْ كُلُّ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ، قِيلَ: افْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ فَيَدَّعُونَ بِمَعْنى يَدْعُونَ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ أيْ لَهم ما كانَ يَدْعُونَ بِهِ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - في الدُّنْيا مِنَ الجَنَّةِ ودَرَجاتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ قال الكلبي: يعني: في الآخرة.

وقال مقاتل: في بيت المقدس لحسابهم.

ثم قال: فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً يعني يوم القيامة لا تنقص نفس مؤمنة، ولا كافرة، من أعمالهم شيئاً وَلا تُجْزَوْنَ يعني: ولا تثابون إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير أو شر.

ثم قال: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ يعني: يوم القيامة في شغل مما هم فيه.

أي: عن الذي هم فيه فاكهون.

يعني: ناعمين.

قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو فِي شُغُلٍ بجزم الغين.

وقرأ الباقون: بالضم.

وهما لغتان.

يقال: شغْل وشغُل مثل عُذْر وعذُر وعمْر وعمُر.

قرأ أبو جعفر المدني: فكهون بغير ألف، وقراءة العامة فاكِهُونَ بالألف.

فمن قرأ بغير ألف يعني: يتفكهون.

قال أبو عبيد: يقال: للرجل إذا كان يتفكه بالطعام، أو بالشراب، أو بالفاكهة، أو بأعراض الناس، إن فلاناً يتفكه.

ومنه يقال للمزاحة فكاهة.

ومن قرأ بالألف يعني: ذوي فاكهة.

وقال الفراء: فاكهة وفكهة لغتان، كما يقال حذر وحاذر.

وروي في التفسير فاكِهُونَ يعني: ناعمون.

وفكهون معجبون.

وقال الكلبي ومقاتل في قوله: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الآية يعني: شغلوا بالنعيم في افتضاض الأبكار العذارى عن أهل النار، فلا يذكرونهم يعني: معجبين بما هم فيه من النعم والكرامة.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عن عكرمة في قوله: فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ قال في افتضاض الأبكار.

وروى زيد بن أرقم عن رسول الله  قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالجمَاعِ» ، فقال رجل من أهل الكتاب: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة.

فقال الرسول: «يَفِيضُ مِنْ جَسَدِ أحَدِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ المِسْكِ الأذْفَرِ فَيَضْمُرُ بذلكَ بَطْنُهُ» .

ثم قال تعالى: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ قرأ حمزة والكسائي فِي ظُلَلٍ وقرأ الباقون فِي ظِلالٍ فمن قرأ فِي ظُلَلٍ فهو جمع الظلة.

يقال: ظلة وظلل مثل حلة وحلل.

ومن قرأ بكسر الظاء فهو جمع الظل يعني: هم في ظلال العرش والشجر ويقال معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد.

يعني: إن أهل الجنة هُمْ وَأَزْواجُهُمْ الحور العين في القصور عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ يعني: على السرر عليها الحجال.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الأرائك سرر في الحجال.

وقال الكلبي: لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقا فليست بأريكة مُتَّكِؤُنَ أي: ناعمون.

وإنما سمي هذا لأن الناعم يكون متكئاً.

ثم قال: لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ يعني: لهم في الجنة من أنواع الفاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ يعني: ما يتمنون مما يشتهوا من الخير، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ يعني: يرسل إليهم ربهم بالتحية والسلام.

والعرب تقول: ادّعي ما شئت، يَدَّعُونَ يتمنّون.

فقوله عز وجل: سَلامٌ قَوْلًا يعني: يقال لهم سلام كأنهم يتلقونه بالسلام مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ويقال: وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سَلامٌ يعني: لهم ما يشاءون خالصاً.

ثم قال: قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)

وقوله تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ قال ابن عباس وغيره: هو افْتِضَاضُ الأبكار «١» .

وقال ابن عباس أيضاً: هو سماع الأوتارِ «٢» .

وقال مجاهد: معناهُ: نعيمٌ قَدْ شَغَلَهُمْ «٣» .

قال ع «٤» : وهذا هو القول الصحيح وتعيينُ شَيْءٍ دونَ شَيْءٍ لا قياسَ له.

وقوله سبحانه: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ جاءَ في «صحيح البخاري» وغيره عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّه، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا في اللَّه، اجتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَال: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» «٥» انتهى.

وهذا الظِّلُّ المذكورُ في الحديث هو في المَحْشَرِ.

قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : وظِلاَلُ الآخِرَةِ، ما فيها مُباحٌ بل كلُّها قد تملكت بالأَعْمَالِ التي عملها العاملون الذين هَدَاهُم اللَّه تعالى فليسَ هناك لصعلوكِ الأَعْمَالِ ظلٌّ، انتهى وهو كما قال، فشَمِّرْ عَنْ سَاقِ الجِدِّ إن أردت الفوز أيّها الأخ والسلام.

والْأَرائِكِ: السررُ المفروشةُ، قيل: ومِنْ شَرْطِها أنْ تَكُونَ عليها حجلة وإلّا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقَوْالٍ.

أحَدُها: في اليَهُودِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: في الزَّنادِقَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينَ النَّصِيبَ الَّذِي زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، فَقالُوا: ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ ﴾ .

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ العاصِ بْنِ وائِلٍ إذا سَألَهُ مِسْكِينٌ، قالَ: اذْهَبْ إلى رَبِّكَ فَهو أوْلى بِكَ مِنِّي، ويَقُولُ: قَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ، أُطْعِمُهُ أنا؟!

ومَعْنى الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَرْزُقَهم لَرَزَقَهُمْ، فَنَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيهِمْ فَلا نُطْعِمُهُمْ؛ وهَذا خَطَأٌ مِنهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى بَعْضَ الخَلْقِ وأفْقَرَ بَعْضًا، لِيَبْلُوَ الغَنِيَّ بِالفَقِيرِ فِيما فَرَضَ لَهُ في مالِهِ مِنَ الزَّكاةِ، والمُؤْمِنُ لا يَعْتَرِضُ عَلى المَشِيئَةِ، وإنَّما يُوافِقُ الأمْرَ.

وقِيلَ: إنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنُونَ: إنَّكم في خَطَإٍ مِنَ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ لِلْكُفّارِ لَمّا رَدُّوهُ مِن جَوانِبِ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ ؟

يَعْنُونَ القِيامَةَ؛ والمَعْنى: مَتى إنْجازُ هَذا الوَعْدِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ؟

يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ.

﴿ ما يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ وهي النَّفْخَةُ الأُولى.

و ﴿ يَخِصِّمُونَ ﴾ بِمَعْنى يَخْتَصُّونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يَخْصِمُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو اخْتِلاسُ حَرَكَةِ الخاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يَخِصِّمُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ.

وعَنْ عاصِمٍ كَسَرَ الياءَ والخاءَ.

وقَرَأ نافِعٌ بِسُكُونِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ، أيْ: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يَخْتَصِمُونَ" بِزِيادَةِ تاءٍ؛ والمَعْنى أنَّ السّاعَةَ تَأْتِيهِمْ أغْفَلَ ما كانُوا عَنْها وهم مُتَشاغِلُونَ في مُتَصَرَّفاتِهِمْ وبَيْعِهِمْ وشِرائِهِمْ، ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أعْجَلُوا عَنِ الوَصِيَّةِ فَماتُوا، ﴿ وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ: لا يَعُودُونَ مِنَ الأسْواقِ إلى مَنازِلِهِمْ؛ فَهَذا وصْفُ ما يُلْقُونَ في النَّفْخَةِ الأُولى.

ثُمَّ ذَكَرَ ما يُلْقُونَ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ ﴾ يَعْنِي القُبُورَ، ﴿ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٩٦] .

﴿ قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "مِن بَعْثِنا" بِكَسْرِ المِيمِ والثّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالُوا هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَفْعَ عَنْهُمُ العَذابَ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.

قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَنامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ البَعْثِ، فَإذا بُعِثُوا قالُوا هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ ﴾ في قائِلِي هَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى.

قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ الآَيَةِ لِلْكافِرِينَ، وآَخِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الكافِرِينَ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ المُرْسَلُونَ أنَّنا نُبْعَثُ ونُجازى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: "مِن مَرْقَدِنا" هو وقْفُ التَّمامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "هَذا" مِن نَعْتِ "مَرْقَدِنا" عَلى مَعْنى: مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا الَّذِي كُنّا راقِدِينَ فِيهِ؟

ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "ما وعَدَ الرَّحْمَنُ" أحَدُ إضْمارَيْنِ، إمّا "هَذا"، وإمّا "حَقٌّ"، فَيَكُونُ المَعْنى: حَقٌّ ما وعَدَ الرَّحْمَنَ.

ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ ﴾ يَعْنِي في الآَخِرَةِ ﴿ فِي شُغُلٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "فِي شُغْلٍ" بَإسْكانِ الغَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فِي شُغُلٍ" بِضَمِّ الشِّينِ والغَيْنِ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَجاءٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "فِي شَغَلٍ" بِفَتْحِ الشِّينِ والغَيْنِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةَ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والنَّخْعِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فِي شَغْلٍ" بِفَتْحِ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ شَغْلَهُمُ افْتِضاضُ العَذارى، رَواهُ شَقِيقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودَ، ومُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ضَرَبُ الأوْتارِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ، ولا يَثْبُتُ هَذا القَوْلُ.

والثّالِثُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ الحَسَنُ: شُغُلُهُمْ: نَعِيمُهم عَمّا فِيهِ أهْلُ النّارِ مِنَ العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكِهُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وقَتادَةُ، وأبُو الجَوْزاءِ، والنَّخْعِيُّ، وأبُو جَعْفَرَ: "فَكِهُونَ" .

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا.

فَأمًّا "فاكِهُونَ" فَفِيهِ أرْبَعُةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَرِحُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُعْجَبُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: ناعِمُونَ، قالَهُ أبُو مالِكٍ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: ذَوُو فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ لِابْنِ تامِرٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَأمّا "فَكِهُونَ" فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الفَكِهَ: الَّذِي يَتَفَكَّهُ، تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ يَتَفَكَّهُ بِالطَّعامِ أوْ بِالفاكِهَةِ أوْ بِأعْراضِ النّاسِ: إنَّ فُلانًا لَفَكِهٌ بِكَذا، ومِنهُ يُقالُ لِلْمُزاحِ: فُكاهَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّ فَكِهِينَ بِمَعْنى فَرِحِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فاكِهِينَ وفَكِهِينَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: حاذِرٌ وحَذِرٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: فاكِهُونَ وفَكِهُونَ بِمَعْنى فَرِحِينَ.

وقالَ أبُو زَيْدٍ: الفَكِهُ: الطَّيِّبُ النَّفْسَ الضَّحُوكُ، يُقالُ: رَجُلٌ فاكِهٌ وفَكِهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم وأزْواجُهُمْ ﴾ يَعْنِي حَلائِلَهم ﴿ فِي ظِلالٍ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: "فِي ظُلَلٍ" .

قالَ الفَرّاءُ: الظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ، والظُّلَلُ جَمَعُ ظُلَّةٍ، وقَدْ تَكُونُ الظِّلالُ جَمْعَ ظُلَّةٍ أيْضًا، كَما يُقالُ: خُلَّةُ وخُلَلٌ؛ فَإذا كَثُرَتْ فَهي الخِلالُ والخَلالُ والقِلالُ.

قالَ مُقاتِلٌ: والظِّلالُ: أكْنانُ القُصُورِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والمَعْنى أنَّهم لا يُضَحُّونَ.

فَأمّا الأرائِكَ، فَقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ [الكَهْفِ: ٣١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما يَتَمَنَّوْنَ، ومِنهُ يَقُولُ النّاسُ: هو في خَيْرٍ ما ادَّعى، أيْ: ما تَمَنّى، والعَرَبُ تَقُولُ: ادْعُ ما شِئْتَ، أيْ: تَمَنَّ ما شِئْتَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعاءِ؛ والمَعْنى: كُلُّ ما يَدْعُو بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"؛ المَعْنى: لَهم ما يَتَمَنَّوْنَ سَلامٌ، أيْ: هَذا مُنى أهْلِ الجَنَّةِ أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

و ﴿ قَوْلا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: سَلامٌ يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلًا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "سَلامٌ" رُفِعَ عَلى "لَهُمْ"؛ فالمَعْنى: لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم فِيها سَلامٌ، وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الكَلامِ: لَهم ما يَدَّعُونَ مُسْلَّمٌ خالِصٌ، ونَصَبَ القَوْلَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: قالَهُ قَوْلًا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ نَصْبًا مِن قَوْلِهِ: ولَهم ما يَدَّعُونَ قَوْلًا، كَقَوْلِكَ: عِدَّةٌ مِنَ اللَّهِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَحْدَرِيُّ: "سَلامًا قَوْلًا" بِنَصْبِهِما جَمِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ ﴾ ﴿ هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ ﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ ﴿ وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ وحالَةِ الكُفّارِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ: "فِي شُغْلٍ" بِضَمِّ الشِينِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "فِي شُغُلٍ" ﴾ بِالضَمِّ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والكُوفَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا بِالفَتْحِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ هُبَيْرَةٍ عَلى المِنبَرِ بِفَتْحِ الشِينِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وهي كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذا الشُغْلِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ: افْتِضاضُ الأبْكارِ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَماعُ الأوتارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ نَعِيمٌ قَدْ شَغَلَهُمْ، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وتَعْيِينُ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ لا قِياسَ لَهُ، ولَمّا كانَ النَعِيمُ كُلُّهُ نَوْعًا واحِدًا مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ وحْدَهُ فَقالَ: "فِي شُغُلٍ"، ولَوِ اخْتَلَفَ لَقالَ: في أشْغالٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: لَوْ عَلِمَ أهْلُ الجَنَّةِ عَمَّنْ شُغِلُوا ما هَنَّأهم ما شُغِلُوا بِهِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ عن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثَرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ"،» فَقالَ: لِأنَّهم شُغِلُوا بِالنَعِيمِ عَنِ المُنْعِمِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فاكِهُونَ" ﴾ ومَعْناهُ: أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ: تامِرٌ ولابِنٌ وشاحِمٌ ولاحِمٌ، وقَرَأ أبُو رَجاءَ، ومُجاهِدٌ، ونافِعٌ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرٍ: "فَكِهُونَ" ومَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ: الفُكاهَةِ، أيْ: لا هَمَّ لَهُمْ، وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وفِرْقَةٌ: "فاكِهِينَ"، جَعَلَتِ الخَبَرَ في الظَرْفِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: "فِي شُغُلٍ"، ونَصْبُ "فاكِهِينَ" عَلى الحالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ ﴾ "هُمْ" ابْتِداءٌ، "وَأزْواجُهُمْ" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، "فِي ظِلالِ"خَبَرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "هُمْ" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "فاكِهُونَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "فِي ظِلالٍ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: مُسْتَظِلِّينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وهو جَمْعُ "ظِلٍّ"؛ إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الإسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ (ظُلَّةٍ)، قالَ أبُو عَلِيٌّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: ظِلالٌ: جَمْعُ ظِلَّةٍ بِكَسْرِ الظاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ لُغَةٌ في ظُلَّةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فِي ظُلَلٍ"، وهي جُمَعُ ظُلَّةٍ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ وطَلْحَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ وهي زِينَةٌ.

و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَفْرُوشَةُ، قالَ بَعْضُ الناسِ: مِن شُرُوطِها أنْ تَكُونَ عَلَيْها حَجَلَةٌ وإلّا فَلَيْسَتْ بِأرِيكَةٍ، وبِذَلِكَ قَيَّدَها ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأرِيكَةُ: السَرِيرُ كانَ عَلَيْهِ حَجَلَةً أو لَمْ تَكُنْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَدَّعُونَ ﴾ بِمَنزِلَةِ: ما يَتَمَنَّوْنَ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ: "ادَّعِ عَلَيَّ ما شِئْتَ"، بِمَعْنى: تَمَنَّ عَلَيَّ، وتَقُولُ: "فُلانٌ فِيما ادَّعى"، أيْ: فِيما دَعى بِهِ؛ لِأنَّهُ افْتَعَلَ، مِن دَعا يَدْعُو، وأصْلُ هَذا الفِعْلِ: يَدْتَعِيُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى العَيْنِ قَبْلَها، وحُذِفَتِ الياءُ لِاجْتِماعِها مَعَ الواوِ الساكِنَةِ، فَبَقِيَ يَدْتَعُونَ، وقُلِبَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتْ في الأُخْرى، وخُصَّتِ الدالُ بِالبَقاءِ دُونَ التاءِ لِأنَّها حِرَفُ جَلَدٍ والتاءُ حَرْفُ هَمْسٍ، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: إنَّ مَنِ ادَّعى شَيْئًا فَهو لَهُ: لِأنَّهُ قَدْ هُذِّبَتْ طِباعُهم فَلا يَدَّعُونَ إلّا ما يَحْسُنُ مِنهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ "سَلامٌ"، ﴾ قِيلَ: هي صِفَةٌ لـ"ما"، أيْ: مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ، وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، وقِيلَ: خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والغَنَوِيُّ: "سَلامًا" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "سِلْمٌ" وهو بِمَعْنى (سَلامٌ).

و"قَوْلًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْتازُوا اليَوْمَ ﴾ الآيَةُ، فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرِهِ: ويَقُولُ لِلْكَفَرَةِ، وهَذِهِ مُعادِلَةٌ لِقَوْلِهِ لِأصْحابِ الجَنَّةِ: "سَلامٌ".

و"امْتازُوا" مَعْناهُ: انْفَصِلُوا وانْحازُوا؛ لِأنَّ العالَمَ في المَوْقِفِ إنَّما هم مُخْتَلِطُونَ.

ثُمَّ خاطَبَهم بِما يُمَيَّزُونَ بِهِ تَوْبِيخًا لَهم وتَوْقِيفًا عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهم عَهْدَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أعْهَدْ" ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ الهُذَلِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "ألَمِ إعْهَدْ" بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ "اعْهِدْ" بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ وعَهَدَ.

و"عِبادَةُ الشَيْطانِ": طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لِأعْوانِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "وَأنُ اعْبُدُونِي" بِضَمِّ النُونِ مِن "أنْ"، وأتْبَعُوا بِها ضَمَّةَ الباءِ والدالِ وواوَ الجَماعَةِ أيْضًا.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "وَأنِ اعْبُدُونِي" بِكَسْرِ النُونِ عَلى أصْلِ الكَسْرِ لِلِالتِقاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرائِعِ، فَمَعْنى هَذا أنَّ اللهَ عَهِدَ إلى بَنِي آدَمَ وقْتَ إخْراجِ نِسَمِهِمْ مِن ظَهْرِهِ: أنْ لا يَعْبُدُوا الشَيْطانَ وأنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ الشَرائِعُ مَوْجُودَةٌ، وبُعِثَآدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى ذُرِّيَّتِهِ، ولَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن شَرِيعَةٍ إلى خَتْمِ الرِسالَةِ بِمُحَمَّدٍ  .

و"الصِراطُ" الطَرِيقُ، ويُقالُ: إنَّها دَخِيلَةٌ في كَلامِ العَرَبِ وعَرَّبَتْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا من الكلام الذي يُلْقى من الملائكة، والجملة مستأنفة، وهذا مما يقال لمن حق عليهم العذاب إعلاماً لهم بنزول مرتبتهم عن مراتب أهل الجنة إعلاناً بالحقائق لأن ذلك عالم الحقائق وإدخالاً للندامة عليهم على ما فرطوا فيه من طلب الفوز في الآخرة.

وهذا يؤذن بأن أهل الجنة عجل بهم إلى النعيم قبل أن يبعث إلى النار أهلها، وأن أهل الجنة غير حاضرين ذلك المحضر.

وتعريف ﴿ اليَوْمَ ﴾ للعهد كما تقدم.

وفائدة ذكر الظرف وهو ﴿ اليَوْمَ ﴾ التنويه بذلك اليوم بأنه يوم الفضل على المؤمنين المتقين.

والشغل: مصدر شغله، إذا ألهاه.

يقال: شغله بكذا عن كذا فاشتغل به.

والظرفية مجازية؛ جعل تلبسهم بالشغل كأنهم مظروفون فيه، أي أحاط بهم شغل عن مشاهدة موقف أهل العذاب صرفهم الله عن منظر المزعجات لأن مشاهدتها لا تخلو من انقباض النفوس، ولكون هذا هو المقصود عدل عن ذكر ما يشغلهم إذ لا غرض في ذكره، فقوله: ﴿ في شُغُلٍ ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ و ﴿ فاكِهُونَ ﴾ خبر ثان.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ﴿ شُغْلٍ ﴾ بضم فسكون.

وقرأه الباقون بضمتين وهما لغتان فيه.

والفاكِه: ذو الفُكاهة بضم الفاء، وهي المزاح بالكلام المُسِرّ والمضحك، وهي اسم مصدر: فكِه بكسر الكاف، إذا مَزح وسُرّ.

وعن بعض أهل اللغة: أنه لم يسمع له فعل من الثلاثي، وكأنه يعني قلة استعماله، وأما الأفعال غير الثلاثية من هذه المادة فقد جاء في المثل: لا تُفاكه أَمَهْ ولا تَبُل على أكمه، وقال تعالى: ﴿ فظلتم تفكهون ﴾ [الواقعة: 65].

وقرأ الجمهور ﴿ فاكِهُونَ ﴾ بصيغة اسم الفاعل.

وقرأه أبو جعفر بدون ألف بصيغة مثال المبالغة.

وجملة ﴿ هُمْ وأزْواجُهُمْ في ظِلالٍ ﴾ إلى آخرها واقعة موقع البيان لجملة ﴿ إنَّ أصحابَ الجَنَّةِ ﴾ الخ.

والمراد بأزواجهم: الأزواج اللاتي أُعِدّت لهم في الجنة.

ومنهن من كُنَّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ غير ممنوعات من الجنة قال تعالى: ﴿ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ [الرعد: 23].

والظلال قرأه الجمهور بوزن فِعال بكسر أوله على أنه جمع ظلّ، أي ظلّ الجنات.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ ظُلَل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام جمع (ظُلة) وهي ما يظل كالقِباب.

وجمع الظلال على القراءتين لأجل مقابلته بالجمع وهم أصحاب الجنة، فكلّ منهم في ظل أو في ظلة.

و ﴿ الأرائك ﴾ : جمع أريكة، والأريكة: اسم لمجموع السرير والحَجَلة، فإذا كان السرير في الحَجَلة سمي الجميع أريكة.

وهذا من الكلمات الدالة على شيء مركب من شيئين مثل المائدة اسم للخِوان الذي عليه طعام.

والاتكاء: هيئة بين الاضطجاع والجلوس وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس والكتف على الفراش.

وهو افتعال من وكأ المهموز، إذا اعتمد، أبدلت واوه تاء كما أبدلت في تُجاه وتُراث، وأخذ منه فعل اتكأ لأن المتّكئ يشد قعدته ويرسخها بضرب من الاضطجاع.

والاسم منه التُّكَأة بوزن هُمَزة، وهو جلوس المتطلب للراحة والإِطالة وهو جلسة أهل الرفاهية، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأعتدت لهن متكأ ﴾ في سورة يوسف (31).

وكان المترفهون من الأمم المتحضرة يأكلون متّكئين كان ذلك عادة سادة الفرس والروم ومن يتشبه بهم من العرب ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «أمَّا أنا فلا آكل متكئاً» وذلك لأن الاتكاء يعين على امتداد المعدة فتقبل زيادة الطعام ولذلك كان الاتكاء في الطعام مكروهاً للإِفراط في الرفاهية.

وأما الاتكاء في غير حال الأكل فقد اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه كما في حديث ضِمام بن ثعلبة وافِد بني سعد بن بكر: أنه دخل المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: «هو ذلك الأزهر المتكئ».

والفاكهة: ما يؤكل للتلذذ لا للشبع كالثمار والنقول وإنما خصت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا ولأنها استجلبها ذكر الاتكاء لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه.

ثم عَمم ما أعد لهم بقوله: ﴿ ولهم ما يدَّعُونَ ﴾ و ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ يجوز أن يكون متصرفاً من الدعاء أو من الادعاء، أي ما يَدْعون إليه أو ما يدَّعون في أنفسهم أنه لهم بإلهام إلهي.

وصيغ له وزن الافتعال للمبالغة، فوزن ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ يفتعلون.

أصله يدتَعيُون نقلت حركة الياء إلى العين طلباً للتخفيف لأن الضم على الياء ثقيل بعد حذف حركة العين فبقيت الياء ساكنة وبعدها واو الجماعة لأنه مفيد معنَى الإِسنادِ إلى الجمع.

وهذا الافتعال لك أن تجعله من (دعا)، والافتعال هنا يجعل فعل (دعا) قاصراً فينبغي تعليق مجرور به.

والتقدير: ما يدعون لأنفسهم، كقول لبيد: فاشتوى ليلة ريح واجتمل *** اشتوى إذا شوى لنفسه واجتمل إذا جمل لنفسه، أي جمع الجميل وهو الشحم المذاب وهو الإِهالة.

وإن جعلته من الادعاء فمعناه: أنهم يدعون ذلك حقاً لهم، أي تتحدث أنفسهم بذلك فيؤول إلى معنى: ويتمنون في أنفسهم دون احتياج إلى أن يسألوا بالقول فلذلك قيل معنى ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ يتمنون.

يقال: ادع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ، وفلان في خير ما ادّعى، أي في خير ما يتمنى، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ﴾ في سورة فصِّلت (31).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في افْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: في ضَرْبِ الأوْتارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُسافِعُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ.

الثّالِثُ: في نِعْمَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: في شُغُلٍ مِمّا يَلْقى أهْلُ النّارِ، قالَهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ وأبانُ بْنُ تَغْلَبَ.

وَرُوِيَ بِضَمِّ الغَيْنِ وقُرِئَ بِتَسْكِينِها وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشُّغُلَ بِالضَّمِّ المَحْبُوبُ.

الثّانِي: الشُّغْلُ بِالإسْكانِ يَعْنِي المَرْوَةَ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ بِالإسْكانِ في أهْلِ الجَنَّةِ ولا يُقْرَأ بِالضَّمِّ في أهْلِ النّارِ.

﴿ فاكِهُونَ ﴾ ويُقْرَأُ: فَكِهُونَ، بِغَيْرِ ألِفٍ.

وَفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها سَواءٌ ومَعْناهُما واحِدٌ يُقالُ: فاكِهٌ وفَكِهٌ كَما يُقالُ: حاذِرٌ وحَذِرٌ قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما في اللُّغَةِ مُخْتَلِفٌ فالفَكِهُ الَّذِي يَتَفَكَّهُ بِأعْراضِ النّاسِ.

والفاكِهُ ذُو الفاكِهَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ وأنْشَدَ: فَكِهٌ إلى جَنْبِ الخِوانِ إذا عَدَتُ نَكْباءُ تَقْلَعُ ثابِتَ الأطْنابِ وَفِيهِ هاهُنا أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَرِحُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ناعِمُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مُعْجَبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: ذُو فاكِهَةٍ كَما يُقالُ شاحِمٌ لاحِمٌ أيْ ذُو شَحْمٍ ولَحْمٍ، وكَما قالَ الشّاعِرُ: وغَرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ∗∗∗ لابِنٌ بِالصَّيْفِ تامِرُ أيْ: ذُو لَبَنٍ وتَمْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وأزْواجُهم في الدُّنْيا مِمَّنْ وافَقَهم عَلى إيمانِهِمْ.

الثّانِي: أزْواجُهُمُ اللّاتِي زَوَّجَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِنَّ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ.

﴿ فِي ظِلالٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في ظِلالِ النَّعِيمِ.

الثّانِي: في ظِلالِ تَسَتُّرِهِمْ مِن نَظَرِ العُيُونِ إلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما يَشْتَهُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: ما يَسْألُونَ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: ما يَتَمَنَّوْنَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الرّابِعُ: ما يَدَّعُونَهُ فَيَأْتِيهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعاءِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ما يَدَّعُونَ أنَّهُ لَهم فَهو لَهم لا يُدْفَعُونَ عَنْهُ، وهم مَصْرُوفُونَ عَنْ دَعْوى ما لا يَسْتَحِقُّونَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إكْرامًا لَهم، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَبْشِيرُ اللَّهِ تَعالى لَهم بِسَلامَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة بسند جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الشراب من شراب الجنة، فيجيء إليه الابريق، فيقع في يده، فيشرب، فيعود إلى مكانه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ﴾ قال أبو عبيدة: ما يتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت، أي: تمن (١) (٢) (٣) قال ابن عباس: يريد ما يتمنون وما يشتهون (٤) (٥) وقال الكلبي: يسألون، من التحف والتمني (٦) (٧) (١) "مجاز القرآن" 2/ 164.

(٢) "تفسير غريب القرآن" ص 367.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.

(٤) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 372.

(٥) "تفسير مقاتل" 108 أ.

(٦) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر الماوردي 5/ 26 نحوه عن أبي عبيدة.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ ﴾ قرأ نافع وغيره ﴿ شُغُلٍ ﴾ بسكون الغين وقرأ عاصم وآخرون بضم الغين، عام في الاشتغال باللذات ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ قرئ بالألف ومعناه أصحاب فاكهة، وبغير ألف وهو في الفكاهة بمعنى الراحة والسرور ﴿ فِي ظِلاَلٍ ﴾ جمع ظل، وبالضم جمع ظلة، ﴿ عَلَى الأرآئك ﴾ جمع أريكة وهي السرير ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ أي ما يتمنون، وقيل: معناه أن ما يدعومن به يأتيهم ﴿ سَلاَمٌ ﴾ مبتدأ، وقيل بدل مما يدعون ﴿ قَوْلاً ﴾ مصدر مؤكد، والمعنى: أن السلام عليهم قول من الله بواسطة الملك أو بغير واسطة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخصمون ﴾ بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله "يختصمون" أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو باشمام الفتحة قليلاً وقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثياً.

الباقون: بكسر الخاء للاتباع وتشديد الصاد.

وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد.

﴿ شغل ﴾ بضمتين: عاصم وخلف وابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ فكهون ﴾ وبابه بغير ألف: يزيد.

﴿ ظل ﴾ بضم الظاء وفتح اللام: حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة.

الآخرون: ﴿ ظلال ﴾ جمع ظل ﴿ جبلاً ﴾ بضم الجيم وسكون الباء.

ابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد.

والباقون: بضمتين والتخفيف ﴿ ننكسه ﴾ مشدداً: حمزة وعاصم غير مفضل.

الآخرون: بالتخفيف من النكس.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ يقدر ﴾ على صيغة المضارع: يعقوب ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي.

الوقوف: ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أطعمه ﴾ لا كذلك لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم.

وجوز جار الله أن يكون قوله ﴿ إن أنتم ﴾ قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز.

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يخصمون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ مرقدنا ﴾ ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي وفيه وجوه أخر نذكرها في التفسير ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاكهون ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ هم ﴾ تأكيد الضمير ﴿ أزواجهم ﴾ عطف عليه و ﴿ في ظلال ﴾ ظرف ﴿ فاكهون ﴾ ، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ﴿ متكئون ﴾ ﴿ يدعون ﴾ ه ج لأنه من المحتمل أن يكون ﴿ سلام ﴾ خبر محذوف اي عليهم سلام يقول قولاً، وأن يكون ﴿ سلام ﴾ بدل ﴿ ما يدعون ﴾ اي لهم ما يتمنون وهو سلام ﴿ سلام ﴾ ط ج لحق الحذف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج لأن التقدير فإنه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اعبدوني ﴾ ج ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في الخلق ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه له ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مالكون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ مشارب ﴾ ه ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ج ﴿ نصرهم ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ قولهم ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه خلقه} ط ﴿ رميم ﴾ ه ﴿ مرة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ بدل ﴿ توقدون ﴾ ه ﴿ مثلهم ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفاً من تبعته وطمعاً في منفعته وإليه الإشارة بقوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده الآيات يقيناً فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذاً بطريقة الاحتياط، ونظير الآية ما مرّ في أوّل سورة سبأ ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض  ﴾ وعن مجاهد: أراد ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.

وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة.

وقيل: ما بين أيديكم الآخرة فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها.

أو ما بين أيديكم من أمر محمد  فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد لى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله.

أو ما بين أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله ﴿ وإن نشأ نغرقهم ﴾ ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ وجواب "إذا" محذوف وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض عند كل آية.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وما تأتيهم ﴾ متعلقاً بما قبله وهو قوله ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ﴾ .

﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها.

وقوله ﴿ الم يروا ﴾ إلى قوله ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ اعتراض.

ثم أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟

وفي قوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ إشارة إلى أن الله  قادر على إغناء الفقير وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير.

فالسعيد من عرف حق التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة للثواب في المآل.

وقوله ﴿ قال الذين كفروا ﴾ دون أن يقول "قالوا" تسجيل عليهم بالكفر.

وقوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا.

وقوله ﴿ أنطعم ﴾ دون "أننفق" إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى.

وقوله ﴿ من لو يشاء الله أطعمه ﴾ كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا الذم وقد بين الله خطأهم بقوله ﴿ مما رزقكم الله ﴾ فإن من في خزائنه مال وله في يد الغير مال فإنه مخير إن اراد أعطى زيداً مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته عليّ.

وقوله ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعدّاهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا الاستكشاف عن الغرض والغاية.

ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على التقاء والإنفاق قائلين ﴿ إن كنتم ﴾ أيها المدّعون للرسالة ﴿ صادقين ﴾ فأخبرونا متى يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله  بقوله ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة ﴾ كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئاً.

وتنكير صيحة للتهويل ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ثانية، وفي قوله ﴿ تأخذهم ﴾ أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله ﴿ وهم يخصمون ﴾ أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك يصعقون.

وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون.

ثم بالغ في شدّة الأخذ بقوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ وفي قوله ﴿ لا يستطيعون ﴾ دون أن يقول "فلا يوصون" مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات وردّ المظالم، وقد تحصل التوصية بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.

وفي قوله ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ بيان لشدّة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى الوصية أحوج.

وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون.

ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث القبور والنسلان العدو.

وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الإماتة والإحياء؟

نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد التزلزل وأنه قد يصير سبباً لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع المتفرقة أخرى.

ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو أعطى للأكثر حكم الكل.

وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشدّ ألماً وأكثر ندماً.

وقوله ﴿ ينسلون ﴾ لا ينافي قوله في موضع آخر ﴿ فإذا هم قيام ينظرون  ﴾ فلعل ذلك في أول الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم.

ويمكن أن يقال: إن هيئة الانتظار ليست بمنافاة للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه.

وفي "إذا" المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها تقع في زمان النفخ.

ثم بين أنهم قبل النسلان ﴿ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ كأنهم شكوا في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياماً فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين الأمرين: البعث والمرقد.

عن مجاهد: للكفار.

هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه المنزلة على لسان رسله الصادقين.

والظاهر أن ﴿ هذا ﴾ مبتدأ ﴿ وما وعد الرحمن ﴾ إلى آخره خبره، و"ما" مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالمصدر.

ويجوز أن يكون "ما" موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي صدقوا فيه.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة للمرقد و ﴿ ما وعد ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون حق عليكم.

وقيل: إن قوله ﴿ هذا ما وعد الرحمن ﴾ من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ماسمعوا من الرسل فأجابوا به انفسهم، أو أجاب بعضهم بعضاً، ثم عظم شأن الصيحة بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلاً ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ الآية.

وقد مر نظيره.

ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلاً ﴿ فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون ﴾ أيها الكافرون ﴿ إلا ما كنتم تعملون ﴾ وفيه إشارة إلى أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم.

أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.

وقوله ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ إشارة إلى عدم الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفاً بحرف.

أي لا يترك شيئاً.

ويجوز أن يراد الجنس أيّ لا تجزون إلا جنس العمل حسناً أو سيئاً.

ثم فصل حال المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويراً للموعود وترغيباً فيه فقال ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات.

وقوله ﴿ فاكهون ﴾ مؤكد لذلك المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.

وثانيها أنه بيان لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب.

وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أموراً يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها.

وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار.

وقيل: التزاور.

وقيل: ضيافة الله.

وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم.

والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا للضرورة.

والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل.

وقيل: أراد اشكالهم في الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله ﴿ وآخر من شكله أزواج  ﴾ قال أهل العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء كقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً  ﴾ وقوله ﴿ على الأرائك متكئون ﴾ دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ.

وقوله ﴿ لهم فيها فاكهة ﴾ إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة.

وقوله ﴿ ولهم ما يدّعون ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم.

قال الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.

وقال جار الله: هو للاتخاذ اي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: يشتوي.

أي اتخذ لنفسه شواء.

أو هو بمعنى التداعي.

وعلى الوجهين إما أن يراد كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب.

وقيل: معناه يتمنون من قولهم: ادّع عليّ ما شئت أي تمنه عليّ.

وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدّعون في الدنيا أن الله هو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله ﴿ سلام ﴾ يقال لهم ﴿ قولاً من رب رحيم ﴾ أي من جهته بواسطة الملائكة.

وقيل: اراد لهم ما يدّعون سالم خالص لا شوب فيه.

و ﴿ قولاً ﴾ اي عدة وعلى هذا يكون قوله ﴿ لهم ﴾ للبيان و ﴿ ما يدعون سلام ﴾ مبتدأ وخبر كقولك: لزيد الشرف متوفر.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ قولاً ﴾ نصباً على التمييز لأن السلام من الملك قد يكون قولاً وقد يكون إشارة.

وقال أهل البيان قوله ﴿ وامتازوا ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون.

أو قلنا لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ أو تميزوا في أنفسكم غيظاً وحنقاً فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم كقوله في صفة جهنم ﴿ تكاد تميز من الغيظ  ﴾ أو افترقوا خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يُرى.

وعن قتادة: أراد اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم.

أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك.

وقال صاحب المفتاح: قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله ﴿ فاليوم لا تظلم ﴾ بعد قوله ﴿ إن كانت إلا صيحة ﴾ وقد جاء في التفاسير أن قوله ﴿ إن أصحاب الجنة ﴾ إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون.

ثم كان لسائل أن يقول: إن الإنسان خلق ظلوماً جهولاً والجهل عذر فبين الله  أن الأعذار زائلة قائلاً ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ والآية إلى قوله ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾ شبه اعتراض، فيه توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ وقيل: هو المذكور في قوله ﴿ وإذ خذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ وقيل: هو المبين على لسان الرسل.

ومعنى ﴿ لا تعبدوا ﴾ لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من مخالفته الشيطان وعبادة الرحمن.

قال أهل المعاني: التنوين في قوله ﴿ صراط ﴾ للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع اي هذا بعض الطرق المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار.

وفي ذكر الصراط ههنا إشارة إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب آمن.

ثم بين لهم عدواة الشيطان بقوله ﴿ ولقد أضل منكم جبلاً ﴾ وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله الله على كذا أي طبعه عليه.

عن علي  أنه قرأ ﴿ جيلاً ﴾ بياء منقوطة من تحت بنقطتين.

ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ وقوله ﴿ اصلوها ﴾ أمر إهانة وتنكيل نحو ذق.

وفي قوله ﴿ اليوم ﴾ إشارة إلى أن اللذات قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب.

روى أهل التفسير أنهم يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.

وفي الحديث "يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهداً إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل" قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله  إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق اللسان وهو فاعل لما يشاء.

قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤس.

وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن وأسبابه.

ثم إنه  أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول.

وأيضاً إنه أسند التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي غالباً كقوله ﴿ وما عملته أيديهم ﴾ ﴿ فبما كسبت ايديكم  ﴾ فهي كالعاملة، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره.

وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعاً.

وههنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم  ﴾ ثم إذا ختم على أفواههم أيضاً في الآخرة لزم أن يكون قولهم بسائر أعضائهم.

هذا وقد ذكرنا مراراً أنه  كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر عقيبه تمسك القدرية وبالعكس.

وكان للقدرية أن تتمسك بقوله ﴿ يكسبون ﴾ ﴿ يكفرون ﴾ حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ﴿ ولو نشاء لطمسنا ﴾ ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوّة العقلية كسلب القوّة الجسمية.

فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوّة جسومهم بالمسخ حتى لا يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية حتى لم يفهموا دليلاً ولم يتفكروا في آية.

والطمس محو أثر شق العين.

قال جار الله ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض.

والمعنى لو شاء لمسح أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، والاستباق مضمن معنى الابتدار.

فالمراد لو شاء لأعماهم حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا.

أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه لعجزوا ولم يقدروا إلى على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا من المقاصد والجهات دون غيرها.

عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير.

وقيل: حجارة.

عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم.

والمكان والمكانة واحد أراد مسخاً مجمداً بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم.

وإنما قدم الطمس على المسخ تدرّجاً من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارت عقلية أو حسية غير البصر.

وأما الممسوخ على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلاً.

ولمثل ما قلنا قدم المضيّ على الرجوع فإن سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره اصلاً، فنفى أوّلاً استطاعة الصعب ثم نفى استطاعة الأهون أيضاً لأجل المبالغة.

وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار وذلك في قوله ﴿ ألم أعهد إليكم ﴾ شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيراً ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيراً فقال الله  ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ كقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه أن النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن الأزمان.

وعن بعضهم: طوى العصران ما نشراه مني *** فأبلى جدّتي نشر وطيّ أراني كل يوم في انتقـــــاص *** ولا يبقى على النقصان شيّ وقال آخر: أرى الأيام تتركني وتمضي *** وأوشك أنها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني *** وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الذي قد قال قبلي *** إذا ما مر يوم مر بعضي وحيث بين أصل الوحداينة والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله ﴿ وأن اعبدوني ﴾ وقوله ﴿ هذه جهنم ﴾ إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ وإنما لم يقل وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادّعوا أنه ساحر كاهن لأنه ما تحدّاهم إلا بالقرآن.

وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية.

قال جار الله معنى قوله ﴿ وما ينبغي له ﴾ أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي للخط.

وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله  من كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له.

قال: وما روي أنه  .

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب وقال: هل أنت إلا إصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد.

وقيل: أراد نفي الشعر عن القرآن فقال ﴿ وما علمناه ﴾ بتعليم القرآن ﴿ الشعر وما ينبغي ﴾ القرآن أن يكون شعراً وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيراً دون التصديق وهو التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجاً وتزييناً فجلَّ رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما إلى سبيل ربه.

وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين باسئر أصناف الكلام حيث قيل ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ونظيره قوله ههنا ﴿ إن هو إلا ذكر ﴾ أي موعظة ﴿ وقرآن مبين ﴾ ذو البيان أو الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل.

أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن النتيجة إذا كانت في نفسها حقة.

فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام الخصم الألدّ وإلزامه بمقدّمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما روي أنه  كان يقرأ قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد هكذا: ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.

ولا ريب أنه كان يتأتى له رواية الشعر إن لم يتأت له فرصة، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق وغزاه.

ويروى أنه  حين قال: هل أنت إلا إصبع دميت *** انقطع الوحي أياماً حتى قالت الكفار إن محمداً قد ودعه ربه وقلاه، وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية.

ولمثل ما قلنا لم يروَ عنه كلام منظوم وإن كان حقاً وصدقاً كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق.

وقد أشار إلى نحو ذلك بقوله  "إن من الشعر لحكمة" وقد مر في تفسير قوله  في آخر الشعراء ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ وذلك أن الشاعر يقصد لفظاً فيوافقه معنى حكمي.

وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف مّا، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟

ثم بين كون القرآن منزلاً على هذا الوجه بقوله ﴿ لتنذر ﴾ يا محمد أو لينذر هو أي القرآن ﴿ من كان حياً ﴾ عاقلاً متأملاً.

ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى الإيمان.

أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ وقوله ﴿ ويحق القول ﴾ كقوله في أول السورة ﴿ لقد حق القول ﴾ وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: لتنذر من كان حياً ويحق القول على من كان ميتاً لأن الكافر في عداد الموتى.

ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ﴾ أي من جملة ما عملته ﴿ أيدينا ﴾ فاستعار عمل الأيدي لتفرده بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وقوله ﴿ فهم لها مالكون ﴾ إشارة إلى اتمام الإنعام في خلق الأنعام.

وقوله ﴿ وذللناها لهم ﴾ إشارة إلى ما فوق التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخراً، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: يصرف الصبيّ بكل وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا غير لديه ولا نكير والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة.

ومن زعم أن الملك بمعنى الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر.

يلزمه التكرار.

ثم فصل بعض منافعها بقوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، والتاء للمبالغة.

وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول.

والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب اي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو الشرب كالألبان والأسمان.

وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله ﴿ أفلا يشكرون ﴾ زاد في توبيخهم بقوله ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم.

وفي قوله ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقوّوا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدّون يخدمونهم ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم.

وثانيهما اتخذوهم لينصرونهم عند الله بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ تأكيداً لعدم الاستطاعة فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ولم يجمع أنصاره.

ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسلياً رسوله بقوله ﴿ فلا يحزنك قولهم ﴾ باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء في والتهديد.

ثم علل عدم الحزن بقوله ﴿ إنا نعلم ما يسرون ﴾ من النفاق وسائر العقائل الفاسدة ﴿ وما يعلنون ﴾ من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ويعلنون من العناد وجوّز جار الله فتح "أن" على تقدير لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلاً من ﴿ قولهم ﴾ والمكسورة مفعولاً لـ ﴿ ـقولهم ﴾ ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ ثم اردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلاً آخر على التوحيد مأخوذاً من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذاً من الآفاق.

وفي قوله ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق معرب عما في ضميره كقوله ﴿ أو من يُنَشَّؤُاْ في الحلية وهو في الخصام غير مبين  ﴾ فقوله ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله ﴿ فإذا هوخصيم مبين ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح.

وثانيهما قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث فقال للهم أبيّ بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه.

وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟

فقال  : نعم ويبعثك ويدخلك جهنم.

قال أهل البيان: سمى قولهم ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ مثلاً لأن إنكار قدرة الله  على إحياء الموتى قصة عجيبة.

وفيه تشبيه الخالق اللقادر العليم بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال.

والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة.

ولم تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن الموت والحياة يتعاقبان عليها.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب.

وتأوّلوا الآية بأن المراد بإحياء العظام ردّها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حيّ حساس.

واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم ﴾ فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول فإن الذي قدر على جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعاً فيه الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر.

ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف يصح إعادة المعدوم عقلاً؟

أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟

أو كقولهم إن إنسانأً إذا نشأ مغتذياً بلحم إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته.

فأجاب الله  عن الأول بقوله ﴿ يحييها الذي أنشأها أوّل مرة ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً فإنه يعيده وإن لم يكن شيئاً.

وعن الباقيتين بقوله ﴿ وهو بكل خلق عليم ﴾ فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول.

ثم شبه خلق الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في جوهر رطب طريّ بإنشاء الشجر الخضر الذي تنقدح منه النار.

قالت العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر علىالعفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل.

وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ منه كذينقات القصارين.

قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى  فإنه قد رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها.

ثم أكد قدرته الكاملة على خلق الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس.

ثم أثبت ما نفاه مستفهماً للتقرير بقوله ﴿ بل وهو الخلاق ﴾ الكثير الخلق الكامل فيه ﴿ العليم ﴾ بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية.

ثم بين أن إيجاده ليس متوقفاً إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل "البقرة" وغيرها.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء.

وأجيب بأن الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا.

ثم ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال.

فقوله ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ إشارة إلى المبدأ.

وقوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتجية للمقدمات السابقة في السورة.

عن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه الآية.

روي أنه  قال: "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس" فذكر الإمام الغزالي  أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن.

وقال غيره: إن الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر مكررة في هذه السورة.

وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل بالأكان.

فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلباً، ولهذا ورد في الأخبار أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك.

الـتأويل: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم ﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿ وما خلفكم ﴾ من نعيم الجنة ولذاتها ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ﴿ ونفخ في الصور ﴾ إشارة إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفى من أجداث أوصاف البشرية ﴿ إلى ربهم ينسلون ﴾ يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ﴾ شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة.

وللمجالسة اقوام آخرون وهم الفارغون من الالتفات إلى الكونين.

قال الله  ﴿ فإذا فرغت  ﴾ أي من تعلقات الكونين ﴿ فانصب  ﴾ لطلب الوصال.

ويحكى أن الآية قرئت في مجلس الشبلي  فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا أنهم عم شغلوا لهلكوا.

ويحتمل أن يقال: إنهم اليوم أي في الدنيا ف شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رايت رب العزة في منامي فقال لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد.

أو يقال: إنه خطاب للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون باستيفاء اللذات وليس العصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وتشهد أرجلهم ﴾ في بعض الأخبار المروية أن عبداً لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق  : تكلمي يا شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي.

فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا عتيق الله بشعرة.

﴿ ومن نعمره ننكسه ﴾ إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه.

وفي قوله ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ إشارة إلى أن العلوم والصنائع كلها من الله  وبتعليمه وإلهامه.

﴿ من الشجر الأخضر ﴾ وهو شجرة البشرية نار المحبة ﴿ توقدون ﴾ مصباح قلوبكم.

وإنما قال النبي  "إن قلب القرآن يس" لأن ذكره  رمز إليه في أول السورة وفي آخرها.

أما الأول فقد مر في تفسير لفظ ﴿ يس ﴾ وأما الثاني فلأن قوله ﴿ فسبحان ﴾ إلى آخره يدل على المبدأ والمعاد تصريحاً، وعلى الرسالة ضمناً، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ذي قلب، وإنه  كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على ﴿ يس ﴾ أنه قلب القرآن والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ .

قد ذكرنا القول في الصور في غير موضع، واختلافهم في ذلك: قال قائلون: الصور: هو شبه القرن ينفخ فيه، وعلى ذلك روي عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي  عن الصور فقال: "قرن ينفخ فيه" ، فإن ثبت فقد كفينا مؤنة الاشتغال بغيره.

وقال قائلون: هو على التمثيل لا على التحقيق، لكنه ذكر النفخ؛ لسرعة أمرها وقيامها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذاً ولا أخف من النفخ، فهو عبارة عن سرعتها ونفاذها؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ ، وهو قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ينفخ في الصور ثلاثاً بين كل نفخة مهلة كذا كذا سنة، يقولون: في النفخة الأولى يصعق فيها كل شيء مما خلق الله؛ كقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، ثم ينفخ ثانياً فيحيون بها ويخرجون من قبورهم، وهو قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ ، وينفخ ثالثاً، فيجتمعون عند ربهم، وهو قوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ ، والله أعلم بذلك.

والنسل: هو سرعة الخروج، أي: يسرعون، قال أبو عوسجة: النسل: هو المشي ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ أي: يمشون، لكنه مشي مع سرعة، وهما واحد.

وقوله: ﴿ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ .

من الناس من ينكر عذاب القبر بهذه الآية يقول: المرقد: موضع الراحة، والراقد هو الذي يكون في راحة، فلو كان لهم عذاب، أو كانوا في عذاب، لم يكونوا في رقدة ولا راحة، دل أنه لا يكون.

ومنهم من يقول: يكون في القبر عذاب، إلا أنهم لما عاينوا عذاب الآخرة، صار عذاب القبر لهم كالرقاد عند عذاب الآخرة.

ومنهم من يقول: ينامون نومة قبل البعث، ثم يبعثون، ومثل هذا.

وجائز أن يكون النفس التي تخرج عند النوم تلك النفس في حال الموت، فتجد تلك ألم ذلك كما تجد النفس التي تخرج من النائم ألم عذاب يصيبه، وتجد لذة أيضاً إذا كانت لذة، وترى في النوم أهوالا وأفزاعاً وذلك معروف؛ فعلى ذلك هؤلاء الكفرة يعذبون بما ذكرنا، فإذا بعثوا قالوا عند ذلك: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ، والمرقد: هو الموضع الذي ينام فيه.

أو أن يكونوا في عذاب - أعني: في القبور - لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوا أهوالها، هان ذلك العذاب الذي كان لهم في القبر وسهل عند عذاب الآخرة؛ فصار ذلك كالرقاد لهم عند عذاب الآخرة فقالوا عند ذلك: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هذا قول الملائكة لهم عن قولهم: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ .

وقال بعضهم: قول المؤمنين لهم عند قولهم الذي قالوا.

وجائز أن يكون ذلك أيضاً قول أولئك الكفرة، يقرون بالبعث عند معاينتهم البعث، يقولون: هذا الذي وعد لنا المرسلون، وقد صدقوا في ذلك، ونحن كذبناهم فيه، لكن لا ينفعهم تصديقهم إياهم بذلك في ذلك الوقت، وهو كإيمانهم عند معاينتهم بأس الله، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هؤلاء، لكن لا ينفعهم.

وقوله: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .

يحتمل على حقيقة الصيحة، يجعل الله  الصيحة علماً للإحياء والبعث لا أن تكون الصيحة سبباً للإحياء والبعث.

ويتحمل لا على حقيقة الصيحة ولكن على قدر الصيحة؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ما كانت إلا قدر صيحة واحدة - أي: البعث - لكنه ذكر الصيحة؛ لأن الصيحة أسرع شيء وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ ذكر هذا؛ لأنه أخف شيء على الخلق، وأهونه عليهم؛ فيعبر به عنه ويكني بما ذكر، ليعلموا خفة ذلك على الله، وسهولته وهوانه، وأنه ليس يثقل عليه شيء.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ .

ذكر أن قوله -  -: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ في البعث، فإذا كان ذلك في البعث فعند ذلك إحضارهم عند الله، وأما الأول فإنما هو في الهلاك والموت.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ .

الظلم في اللغة: هو وضع الشيء في غير موضعه كأنه يقول - والله أعلم -: اليوم لا توضع نفس في غير موضعها، ولكن توضع على ما وضعها في الدنيا.

أو يكون الظلم عبارة عن النقصان، كأنه يقول - والله أعلم -: فاليوم لا تنقص نفس عما استوجبت وتوفى؛ كقوله: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم تنقص منه.

أو يقول: فاليوم لا يُحمل على نفس ذنب غيرها، ولا يوضع وزر غيرها، بل يَجْزي [الله] كل نفس جزاء عملها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ .

يخبر - والله أعلم -: عن شغل أهل الجنة أنهم وإن كانوا مشغولين في النعيم فإن ذلك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء، وكذلك جميع الخلائق أنهم إذا شغلوا في شيء حجبوا عن غيره ومنعوا، فأما الله -  - فيتعالى عن أن يشغله شيء أو يحجبه شيء عن شيء.

ثم الاشتغال في الدنيا مما يضر أهلها ويؤذي، فأخبر أن شغل أهل الجنة مما لا يضرهم ولا يؤذي؛ حيث قال: ﴿ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ ، قيل: ناعمون بما هم فيه، وقيل: معجبون في ذلك.

وقال القتبي: ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ : يتفكهون، ويقال للمزاح: فكاهة، وفاكهون: أراد ذوي فكاهة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ : من المفاكهة، وفكهون من السرور، والمفاكهة: الممازحة.

ثم قال بعضهم: شغلهم في افتضاض العذارى، وقيل: شغلهم في كل نعيم وفي كل كرامة على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ ﴾ .

يخبر أن أهل الجنة وإن كانوا لا يحجبون عن شيء، ولا يمنعون شيئاً، فإنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يقع عليهم بصر غيرهم فينتقض ذلك، وهو كما ذكر: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ يخبر أنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يطلع عليهم غيرهم، والله أعلم.

و ﴿ ظِلاَلٍ ﴾ جمع ظلة.

وقوله: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ .

الاتكاء على الأرائك إنما هو للراحة، فيخبر - والله أعلم - عن غاية راحتهم ونهاية كرامتهم، وإلا ليس في الاتكاء على الأرائك فضل كرامة ومنزلة، ولكن يذكر عن راحتهم وتنعمهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، واحدها: أريكة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسائد.

وعن الحسن قال: الأريكة: الحجلة، وهي بلغة أهل اليمن يسمون الحجلة: أريكة.

﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ .

قيل: الفاكهة هي التي تؤكل على الشهوة لا على الحاجة، يخبر - والله أعلم - أن أهل الجنة إنما يأكلون ما يأكلون على الشهوة لا على الحاجة.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ .

قيل: ما يتمنون، وقيل: ما يسألون.

وجائز أن يكون ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ من الدعوى، أي: يعطون جميع ما يدعون لأنفسهم ليس كالدنيا.

وقال أبو معاذ: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ أي: ما يشتهون ويتمنون في الجنة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يردون إليهم - أعني: الملائكة - سلام الله بحق التبليغ إليهم سلام الله نحو ما يبلغ بعضهم بعضاً سلام بعض: أقرئ فلاناً مني السلام؛ فعلى ذلك يقولون: إن الله قد أقرأ عليكم السلام.

والثاني: أن يسلم عليهم الملائكة بأمر ربهم، يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم.

والثالث: أن يكون القول من الله وعدا بالسلامة لهم فيها من كل آفة وبلاء يكون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ  ﴾ ، ونحوه.

وفي حرف أبيّ وابن مسعود: ﴿ سلاماً قولا ﴾ بالنصب، فهو - والله أعلم - كأنهما يجعلان تمام الكلام في قوله: ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ ثم يقطع ﴿ سلاماً قولا ﴾ منه، وأمّا قراءة هؤلاء برفع السلام، فمعناها - والله أعلم -: ولهم ما يدعون سلاماً، ثم الكلام قطع ﴿ قَوْلاً ﴾ منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لهم فى الجنة أنواع من الفواكه الطيبة من العنب والتين والرمان، ولهم كل ما يطلبون من الملاذ وأنواع النعيم، فما طلبوه من ذلك حاصل لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Al8XM"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد