الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة يس
تفسيرُ سورةِ يس كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 57 دقيقة قراءة﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ قرئ: ﴿ يس ﴾ بالفتح كأين وكيف.
أو بالنصب على: اتل يس وبالكسر على الأصل كجير وبالرفع على هذه يس أو بالضم كحيث.
وفخمت الألف وأميلت.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: معناه يا إنسان في لغة طيئ والله أعلم بصحته وإن صح فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره كما قالوا في القسم: م الله في أيمن الله ﴿ الحكيم ﴾ ذي الحكمة.
أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي.
أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به ﴿ على صراط مستقيم ﴾ خبر بعد خبر أو صلة للمرسلين.
فإن قلت: أي حاجة إليه خبرا كان أو صلة وقد علم المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟
قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة فجمع بين الوصفين في نظام واحد كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت وأيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة لا يكتنه وصفه وقرئ: ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وبالنصب على أعني وبالجر على البدل من القرآن ﴿ قوما ما أنذر آباؤهم ﴾ قوما غير منذر آباؤهم على الوصف ونحوه قوله تعالى: ﴿ لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 46] ، ﴿ وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ﴾ [سبأ: 44] ، وقد فسر ﴿ مآ أنذر أباؤهم ﴾ على إثبات الإنذار.
ووجه ذلك أن تجعل ما مصدرية لتنذر قوما إنذار آبائهم أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني لتنذر قوما ما أنذره آباؤهم من العذاب كقوله تعالى: ﴿ إنا أنذرناكم عذابا قريبا ﴾ [النبأ: 40] ، فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله: ﴿ فهم غفلون ﴾ على التفسيرين؟
قلت: هو على الأول متعلق بالنفي أي: لم ينفروا فهم غافلون على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم على الثاني بقوله: ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ لتنذر كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل.
أو فهو غافل.
فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي الأخر؟
قلت: لا مناقضة: لأن الآي في نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم.
فإن قلت: في أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر فما تصنع به.
قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد ﴿ لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ ﴿ القول ﴾ قوله تعالى: ﴿ لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13] ، يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.
﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ﴾ ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين: في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فهى إلى الأذقان ﴾ ؟
قلت: معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرا من الحلقة إلى الذقن.
فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقمحا.
والمقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره.
يقال: قمح البعير فهو قامح: إذا روي فرفع رأسه ومنه شهرا قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما وهما الكانونان.
ومنه: اقتمحت السويق.
فإن قلت: فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق- وبذلك يسمى جامعة- كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدي؟
قلت: الوجه ما ذكرت لك والدليل عليه قوله: ﴿ فهم مقمحون ﴾ ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله: ﴿ فهى إلى الأذقان ﴾ ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج.
فإن قلت: فقد قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ في أيديهم ﴾ وابن مسعود: ﴿ في أيمانهم ﴾ فهل تجوز على هاتين القراءتين أن يجعل الضمير للأيدي أو للأيمان؟
قلت: يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للأغلال وسداد المعنى عليه كما ذكرت.
وقرئ: ﴿ سدا ﴾ بالفتح والضم.
وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح وما كان من خلق الله فالبضم ﴿ فأغشيناهم ﴾ فأغشينا أبصارهم أي: غطيناها وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي وعن مجاهد: فأغشيناهم: فألبسنا أبصارهم غشاوة.
وقرئ: بالعين من العشا.
وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك: أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي اخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله عينيه.
﴿ وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون غنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ فإن قلت: قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار ثم قفاه بقوله: ﴿ إنما تنذر ﴾ وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيا.
قلت: هو كما قلت ولكن لما كان ذلك نفيا للإيمان مع وجود الإنذار وكان معناه أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة وهي الإيمان قفي بقوله: ﴿ إنما تنذر ﴾ على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر: وهو القرآن أو الوعظ الخاشون ربهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نُحْىِ الموتى ﴾ نبعثهم بعد مماتهم.
وعن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان ﴿ وَنَكْتُبُ مَا ﴾ أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس حبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك.
أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صدّ عن ذكر الله: من ألحان وملاهٍ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ يُنَبَّؤُاْ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة: 13] أي: قدّم من أعماله، وأخّر من آثاره.
وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.
وعن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتانا في ديارنا وقال: «يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد» ، فقلنا: نعم، بعد علينا المسجد والبقاع حوله خالية، فقال: «عليكم دياركم.
فإنما تكتب آثاركم» قال: فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح.
والإمام: اللوح.
وقرئ: ﴿ ويُكتَبُ ما قدّموا وآثارهم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ وكل شيء ﴾ بالرفع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واضرب لَهُمْ مَّثَلاً ﴾ ومثل لهم مثلاً، من قولهم: عندي من هذا الضرب كذا، أي: من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد، أي على مثال واحد.
والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية، أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية.
والمثل الثاني بيان للأوّل.
وانتصاب إذ بأنه بدل من أصحاب القرية.
والقرية أنطاكية.
و ﴿ المرسلون ﴾ رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان.
أرسل إليهم اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب ياس، فسألهما فأخبراه، فقال: أمعكما آية؟
فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه، فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر، فشفي على أيديهما خلق كثير، ورقى حديثهما إلى الملك وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟
قالا: نعم من أوجدك وآلهتك، فقال: حتى انظر في أمركما، فتبعهما الناس وضربوهما.
وقيل: حبسا.
ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون؛ فدخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به، فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟
فقال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك، فدعاهما، فقال شمعون: من أرسلكما؟
قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال: صفاه وأوجزا.
قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال: وما آيتكما؟
قالا: ما يتمنّى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين، فدعوا الله حتى انشق له بصر، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما، فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك حتى يضع مثل هذا فيكون لك وله الشرف.
قال: ليس لي عنك سر، إنّ إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضرّ ولا ينفع، وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم، ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومن هم؟
قال شمعون: وهذان، فتعجب الملك.
فلما رأى شمعون أنّ قوله قد أثّر فيه نصحه فآمن وآمن معه قوم، ومن لن يؤمن صاح عليهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا ﴿ فَعَزَّزْنَا ﴾ فقوّينا.
يقال: المطر يعزز الأرض إذا لبدها وشدّها، وتعزز لحم الناقة.
وقرئ: بالتخفيف من عزه يعزه: إذا غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا ﴿ بِثَالِثٍ ﴾ وهو شمعون.
فإن قلت: لم ترك ذكر المفعول به؟
قلت: لأنّ الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عزّ الحق وذلّ الباطل، وإذا كان الكلام منصباً إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح.
ونظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق، الغرض المسوق إليه: قولك بالحق فلذلك رفضت ذكر المحكوم وله المحكوم عليه ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ .
إنما رفع بشر هنا ونصب في قوله: ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ [يوسف: 31] لأنّ إلاّ تنقض النفي، فلا يبقى لما المشبهة بليس شبه، فلا يبقى له عمل.
فإن قلت: لم قيل: ﴿ إنا إليكم مرسلون ﴾ أوّلاً، و ﴿ إِنّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾ آخراً؟
قلت: لأنّ الأوّل ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ ﴾ جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قولهم: شهد الله، وعلم الله.
وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم: ﴿ وَمَا عَلَيْنآ إِلاَّ البلاغ المبين (17) ﴾ أي الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته؛ وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي ولم يحضر البينة كان قبيحاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾ تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منهم نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا ببركة هذا وبشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ﴾ [الأعراف: 131] .
وعن مشركي مكة: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ [النساء: 78] .
وقيل: حبس عنهم القطر فقالوا ذلك.
وعن قتادة: إن أصابنا شيء كان من أجلكم ﴿ وطائركم معكم ﴾ وقرئ: ﴿ طيركم ﴾ أي سبب شؤمكم معكم وهو كفرهم، أو أسباب شؤمكم معكم، وهي كفرهم ومعاصيهم.
وقرأ الحسن ﴿ أطيركم ﴾ أي تطيركم.
وقرئ: ﴿ أئن ذكرتم ﴾ بمهزة الاستفهام وحرف الشرط.
و(ءائن) بألف بينهما، بمعنى: أتطيرون إن ذكرتم؟
وقرئ: ﴿ أأن ذكرتم ﴾ بهمزة الاستفهام وأن الناصبة، يعني: أتطيرتم لأن ذكرتم؟
وقرئ: أن، وإن بغير استفهام لمعنى الإخبار، أي تطيرتم لأن ذكرتم، أو إن ذكرتم تطيرتم.
وقرئ: ﴿ أين ذكرتم ﴾ : على التخفيف، أي شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم، وإذا شئم المكان بذكرهم كان بحلولهم فيه أشأم ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ في العصيان: ومن ثم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَجُلٌ يسعى ﴾ هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن من بنبي أحدَ إلا بعد ظهوره.
وقيل: كان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرةَ، فقالوا: أو أنت تخالف ديننا، فوثبوا عليه فقتلوه.
وقيل: توطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره.
وقيل: رجموه وهو يقول: اللهمّ اهد قومي؛ وقبره في سوق أنطاكية، فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل عليه السلام.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سُبّاق الأمم ثلاثة: لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب ياس، ومؤمن آل فرعون» ، ﴿ مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي: لا تخسرون معهم شيئاً من ديناكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه، ولقد وضع قوله: ﴿ وَمَا لِىَ لآ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى ﴾ مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: ﴿ ءَامَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون ﴾ يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه: أنّ العبادة لا تصحّ إلاّ لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا على عبادته عبادة أشياء إن أرادكم هو بضرّ وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم ولم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده؛ ولم يقدروا على إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم في هذا الاستحباب لواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذي عقل وتمييز.
وقيل: لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم: ﴿ إنى ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون (25) ﴾ أي اسمعوا إيماني تشهدوا لي به.
وقرئ: ﴿ إن يردني الرحمن بضرّ ﴾ بمعنى: أن يوردني ضرّاً، أي يجعلني مورداً للضرّ.
<div class="verse-tafsir"
أي لما قتل ﴿ قِيلَ ﴾ له ﴿ ادخل الجنة ﴾ وعن قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق أراد قوله تعالى: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ ﴾ [آل عمران: 169] وقيل: معناه البشرى بدخول الجنة وأنه من أهلها.
فإن قلت: كيف مخرج هذا القول في علم البيان؟
قلت: مخرجه مخرج الاستئناف، لأنّ هذا من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، كأنّ قائلاً قال: كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في نصرة دينه والتسخي لوجهه بروحه؟
فقيل: قيل ادخل الجنة ولم يقل قيل له، لاْنصباب الغرض إلى المقول وعظمه، لا إلى القول له مع كونه معلوماً، وكذلك ﴿ قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ ﴾ مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم، وإنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بها سبباً لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والعمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة.
وفي حديث مرفوع: «نصح قومه حياً وميتاً» وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه.
ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام.
ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزاً ولم تعقبه إلا سعادة، لأنّ في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور.
والأوّل أوجه.
وقرئ: ﴿ المكرمين ﴾ .
فإن قلت: (ما) في قوله تعالى: ﴿ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى ﴾ أي الماآت هي؟
قلت: المصدرية أو الموصولة؛ أي: بالذي غفره لي من الذنوب.
ويحتمل أن تكون استفهامية؛ يعني بأي شيء غفر لي ربي؛ يريد به ما كان منه معهم من المصابرة لإعزاز الدين حتى قتل، إلا أنّ قولك: ﴿ بم غفر لي ﴾ بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزاً؛ يقال: قد علمت بما صنعت هذا، أي: بأي شيء صنعت وبم صنعت.
<div class="verse-tafsir"
المعنى: أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من جنود السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت: وما معنى قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴾ ؟
قلت: معناه: وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ومِنْهُمْ وَمِنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ﴾ [العنكبوت: 40] .
فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟
قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ [الأحزاب: 9] ، ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9] ، ﴿ بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾ [آل عمران: 124] ، ﴿ بِخَمْسَةِ ءالاف مّنَ الملئكة مُسَوّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125] ؟
قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه، ولكن الله فضَّل محمداً صلى الله عليه وسلم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فضلاً عن حبيب النجار، وأولاهُ من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحداً؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنوداً من السماء وكأنه أشار بقوله: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا ﴾ ﴿ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلاّ مثلك، وما كنا نفعله بغيرك ﴿ إن كانت إلاّ صيحة واحدة ﴾ إن كانت الأخذة أو العقوبة إلاّ صيحة واحدة.
وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامة، أي: ما وقعت إلاّ صيحة، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل؛ لأنّ المعنى: ما وقع شيء إلاّ صيحة، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن: ﴿ فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم ﴾ وبيت ذي الرمّة: وَمَا بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وقرأ ابن مسعود ﴿ إلا زقية واحدة ﴾ من زقا الطائر يزقو ويزقي، إذا صاح.
ومنه المثل: أثقل من الزواقي ﴿ خامدون ﴾ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رماداً، كما قال لبيد: وَمَا الْمَرْءُ إلاَّ كَالشَّهَابِ وَضَوْئِهِ ** يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ياحسرة عَلَى العباد ﴾ نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل.
والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، ويتلهف على حالهم المتلهفون.
أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين.
ويجوز أن يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة فى معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحنوها به، وفرط إنكاره له وتعجيبه منه، وقراءة من قرأ: ﴿ يا حسرتاه ﴾ تعضد هذا الوجه لأن المعنى: يا حسرتي.
وقرئ: ﴿ يا حسرة العباد ﴾ ، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم؛ من حيث أنها موجهة إليهم.
ويا حسرة على العباد: على إجراء الوصل مجرى الوقف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ألم يعلموا، وهو معلق عن العمل في ﴿ كَمْ ﴾ لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للاستفهام أو للخبر؛ لأنّ أصلها الاستفهام، إلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك: ألم يروا إن زيداً لمنطلق، وإن لم يعمل في لفظه.
و ﴿ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ بدل من ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ على المعنى، لا على اللفظ، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.
وعن الحسن: كسر إنّ على الاستئناف.
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ ألم يروا من أهلكنا ﴾ والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال، وهذا مما يردّ قول أهل الرجعة.
ويحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: إن قوماً يزعمون أنّ علياً مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذن: نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه.
﴿ لَمَّا ﴾ قرئ: (لما) بالتخفيف، على أن (ما) صلة للتأكيد، وإن: مخففة من الثقيلة، وهي متلقاة باللام لا محالة.
و(لمّا) بالتشديد، بمعنى: إلاّ، كالتي في مسألة الكتاب.
نشدتك بالله لما فعلت، وإن نافية، والتنوين في ﴿ كُلٌّ ﴾ هو الذي يقع عوضاً من المضاف إليه، كقولك: مررت بكل قائماً.
والمعنى أن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.
وقيل: محضرون معذبون.
فإن قلت: كيف أخبر عن كل بجميع ومعناهما واحد؟
قلت: ليس بواحد؟
لأنّ كلاً يفيد معنى الإحاطة، وأن لا ينفلت منهم أحد، والجميع: معناه الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم.
والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال حي جميع، وجاؤا جميعاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءة بالميتة على الخفة أشيع، لسلسها على اللسان.
و ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية، وكذلك نسلخ، ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل، لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض وليل بأعيانهما، فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال، ونحوه: وَلَقَدْ امُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي وقوله: ﴿ فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط ووقع الضرّ، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء.
وقرئ: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف والتثقيل، والفجر والتفجير، كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى.
وقرئ: ﴿ ثمره ﴾ بفتحتين وضمتين وضمة وسكون، والضمير لله تعالى: والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر (و) من ﴿ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ﴾ من الغرس والسقي والآبار، وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم، وأصله من ثمرنا كما قال: وجعلنا، وفجرنا؛ فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات.
ويجوز أن يرجع إلى النخيل، وتترك الأعناب غير مرجوع إليها، لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره.
ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات، كما قال رؤبة: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ ** كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ فقيل له، فقال: أردت كأن ذاك: ولك أن تجعل ﴿ مَا ﴾ نافية على أنّ الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه.
وقرئ على الوجه الأوّل، وما عملت من غير راجع، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير ﴿ الأزواج ﴾ الأجناس والأصناف ﴿ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقاً إلى العلم به، لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأعلمهم بما لا يعلمون، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسمهم.
وفي الحديث: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه» فأعلمنا بوجوده وإعداده ولم يعلمنا به ما هو، ونحوه: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17] وفي الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه ومما جهلوه ما دلّ على عظم قدرته واتساع ملكه.
<div class="verse-tafsir"
سلخ جلد الشاة: إذا كشطه عنها وأزاله.
ومنه: سلخ الحية لخرشائها، فاستعير لإزالة الضوء أوكشفه عن مكان الليل وملقى ظله ﴿ مُّظْلِمُونَ ﴾ داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا، كما تقول: أعتمنا وأدجينا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ﴾ لحدّ لها مؤقت مقدّر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدّها ومستقرّها؛ لأنها لا تعدوه أو لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب.
وقيل: مستقرّها أجلها الذي أقرّ الله عليه أمرها في جريها، فاستقرّت عليه وهو آخر السنة.
وقيل: الوقت الذي تستقرّ فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة.
وقرئ: ﴿ تجري إلى مستقر لها ﴾ وقرأ ابن مسعود: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ أي: لا تزال تجري لا تستقرّ.
وقرئ: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ على أنّ لا بمعنى ليس ﴿ ذَلِكَ ﴾ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علماً بكل معلوم.
قرئ: ﴿ والقمرُ ﴾ رفع على الابتداء، أو عطفاً على الليل، يريد: ومن آياته القمر، ونصباً بفعل يفسره قدرناه، ولا بدّ في ﴿ قدرناه مَنَازِلَ ﴾ .
من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل والمعنى: قدرنا مسيره منازل وهي ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كلّ ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، على تقدير مستوٍ لا يتفاوت، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوّا، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا.
فإذا كان في آخر منازله دقّ واستقوس، و ﴿ عَادَ كالعرجون القديم ﴾ وهو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة.
وقال الزجاج: هو (فعلون) من الانعراج وهو الانعطاف.
وقرئ: ﴿ العرجون ﴾ بوزن الفرجون؛ وهما لغتان، كالبزيون والبزيون، والقديم المحول، وإذا قدم دق فانحنى واصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه.
وقيل: أقل مدّة الموصوف بالقدم الحول، فلو أنّ رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حرّ.
أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول أو أكثر.
وقرئ: ﴿ سابق النهار ﴾ .
على الأصل، والمعنى: أنّ الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسماً من الزمان، وضرب له حدّاً معلوماً، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس: أي لا يتسهل لها ولا يصحّ ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله ﴿ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار يعني آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويُطلع الشمس من مغربها فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟
قلت: لأنّ الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطئ سيرها عن سير القمر، ﴿ والقمر ﴾ خليقاً بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره ﴿ وَكُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والمعنى: وكلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أولادهم ومن يهمهم حمله.
وقيل: اسم الذرية يقع على النساء، لأنهنّ مزارعها وفي الحديث: أنه نهى عن قتل الذراري يعني النساء.
﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ من مثل الفلك ﴿ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ من الإبل وهي سفائن البر وقيل ﴿ الفلك المشحون ﴾ سفينة نوح، ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنّه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح.
و ﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق ﴿ فلا صَرِيخَ ﴾ لا مغيث.
أو لا إغاثة.
يقال: أتاهم الصريخ ﴿ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ ﴾ لا ينجون من الموت بالغرق ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً ﴾ إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق.
ولقد أحسن من قال: وَلَمْ أَسْلَمْ لِكَيْ أَبْقَى وَلَكِنْ ** سَلِمْتُ مِنَ الْحِمَامِ إلَى الْحِمَام وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ نغرقهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض ﴾ [سبأ: 9] وعن مجاهد: ما تقدّم من ذنوبكم وما تأخر.
وعن قتادة: ما بين أيديكم من الوقائع التي خلت، يعني من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، وما خلفكم من أمر الساعة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ لتكونوا على رجاء رحمه الله.
وجواب إذا محذوف مدلول عليه بقوله: ﴿ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ فكأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا.
ثم قال: ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة.
<div class="verse-tafsir"
كانت الزناذقة منهم يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون: لو شاء الله لأغنى فلاناً، ولو شاء لأعزّه، ولو شاء لكان كذا؛ فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله.
ومعناه: أنطعم المقول فيه هذا القول بينكم، وذلك أنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله؛ لأنهم معطلة لا يؤمنون بالصانع، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن؟
وقيل: كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادراً على إطعامه ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك.
نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله، يعنون قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً ﴾ [الأنعام: 136] ، فحرموهم وقالوا: لو شاء الله لأطعمكم.
﴿ إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ قول الله لهم.
أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يخصمون ﴾ بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء وكسرها، وإتباع الياء الخاء في الكسر، ويختصمون على الأصل.
ويخصمون، من خصمه.
والمعنى: أنها تبغتهم وهم في أمنهم وغفلتهم عنها، لا يخطرونها ببالهم مشتغلين بخصوماتهم في متاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ويتشاجرون.
ومعنى يخصمون: يخصم بعضهم بعضاً.
وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أن يوصوا في شيء من أمورهم ﴿ تَوْصِيَةً ﴾ ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم وأهاليهم، بل يموتون حيث تفجؤهم الصيحة.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ الصور ﴾ بسكون الواو وهو القرن، أو جمع صورة، وحرّكها بعضهم، و ﴿ الأجداث ﴾ القبور.
وقرئ: بالفاء ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ يعدون بكسر السين وضمها، وهي النفخة الثانية.
وقرئ: ﴿ يا ويلتنا ﴾ عن ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ من أهبنا ﴾ من هب من نومه إذا انتبه، وأهبه غيره وقرئ: ﴿ من هبنا ﴾ بمعنى أهبنا: وعن بعضهم: أراد هب بنا، فحذف الجار وأوصل الفعل: وقرئ: ﴿ من بعثنا ﴾ ومن هبنا، على من الجارة والمصدر، و ﴿ هَذَا ﴾ مبتدأ، و ﴿ مَا وَعَدَ ﴾ خبره، وما مصدرية أو موصولة.
ويجوز أن يكون هذا صفة للمرقد، وما وعد: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا وعد الرحمن، أي: مبتدأ محذوف الخبر، أي ما وعد ﴿ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ﴾ حق.
وعن مجاهد: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا: من بعثنا، وأما ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن ﴾ فكلام الملائكة.
عن ابن عباس.
وعن الحسن: كلام المتقين.
وقيل: كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضاً.
فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية: كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: ﴿ وَصَدَقَ المرسلون ﴾ إذا جعلتها موصولة؟
قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدّقه المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث في القتال.
ومنه صدقني سن بكره.
فإن قلت: ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ ؟
سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك جواباً؟
قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل؛ إلا أنه جيء به على طريقة: سيئت بها قلوبهم، ونعيت إليهم أحوالهم، وذكروا كفرهم وتكذيبهم، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزّلة على ألسنة رسله الصادقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ قرئت منصوبة ومرفوعة ﴿ فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً......
إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِي شُغُلٍ ﴾ حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم.
وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره ﴿ فِى شُغُلٍ ﴾ في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم، ووقع في تلك الملاذ التي أعدّها الله للمرتضين من عباده، ثواباً لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم، وذلك بعد الوله والصبابة، والتفصي من مشاق التكليف ومضايق التقوى والخشية، وتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار وجواز الصراط.
ومعاينة ما لقى العصاة من العذاب، وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار.
وعنه: في ضرب الأوتار.
وعن ابن كيسان: في التزاور.
وقيل: في ضيافة الله.
وعن الحسن: شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه.
وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم: لئلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم.
قرئ: ﴿ في شغل ﴾ بضمتين وضمة وسكون، وفتحتين، وفتحة وسكون.
والفاكه والفكه: المتنعم والمتلذذ: ومنه الفاكهة؛ لأنها مما يتلذذ به.
وكذلك الفكاهة، وهي المزاحة.
وقرئ: ﴿ فاكهون ﴾ وفكهون، بكسر الكاف وضمها، كقولهم: رجل حدث وحدث، ونطس ونطس.
وقرئ: ﴿ فاكهين ﴾ وفكهين، على أنه حال والظرف مستقر ﴿ هُمْ ﴾ يحتمل أن يكون مبتدأ وأن يكون تأكيداً للضمير في ﴿ فِى شُغُلٍ ﴾ وفي ﴿ فاكهون ﴾ على أنّ أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال.
وقرئ: ﴿ في ظلل ﴾ ، والأريكة: السرير في الحجلة.
وقيل: الفراش فيها.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ متكين ﴾ ﴿ يَدَّعُونَ ﴾ يفتعلون من الدعاء، أي: يدعون به لأنفسهم، كقولك: اشتوى واجتمل، إذا شوى وجمل لنفسه.
قال لبيد: فَاشْتَوَى لَيْلَةَ رِيحٍ وَاجْتَمَلْ ويجوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك: ارتموه، وتراموه.
وقيل: يتمنون، من قولهم: ادّع عليّ ما شئت، بمعنى تمنه عليّ، وفلان في خير ما أدّعى، أي في خير ما تمنّى.
قال الزجاج: وهو من الدعاء، أي: ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم.
و ﴿ سلام ﴾ بدل مما يدعون، كأنه قال لهم: سلام يقال لهم ﴿ قَوْلاً مّن ﴾ جهة ﴿ رَّبّ رَّحِيمٍ ﴾ والمعنى: أنّ الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم وذلك متمناهم، ولهم ذلك لا يمنعونه.
قال ابن عباس: فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين.
وقيل: ﴿ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ ، مبتدأ وخبره سلام، بمعنى: ولهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه.
و ﴿ قَوْلاً ﴾ مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سلام ﴾ أي: عدة من رب رحيم.
والأوجه: أن ينتصب على الاختصاص، وهو من مجازه.
وقرئ: ﴿ سلم ﴾ وهو بمعنى السلام في المعنيين.
وعن ابن مسعود: سلاماً نصب على الحال، أي لهم مرادهم خالصاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وامتازوا ﴾ وانفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ ﴾ ..
الآية [الروم: 14] .
يقال: مازه فانماز وامتاز.
وعن قتادة: اعتزلوا عن كل خير.
وعن الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه، لا يرى ولا يرى.
ومعناه: أنّ بعضهم يمتاز من بعض.
<div class="verse-tafsir"
العهد: الوصية، وعهد إليه: إذا وصاه.
وعهد الله إليهم: ما ركز فيهم من أدلة العقل وأنزل عليهم من دلائل السمع.
وعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم.
وقرئ: ﴿ إعهد ﴾ بكسر الهمزة.
وباب (فعل) كله يجوز في حروف مضارعته الكسر، إلا في الياء.
وأعهد، بكسر الهاء.
وقد جوز الزجاج أن يكون من باب نعم ينعم وضرب يضرب.
وأحهد: بالحاء.
وأحد: وهي لغة تميم.
ومنه قولهم: دحا محا ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن، إذ لا صراط أقوم منه، ونحو التنكير فيه ما في قول كثيِّرُ: لَئِنْ كَانَ يُهْدَى بَرْدُ أَنْيَابِهَا الْعُلى ** لأَفْقَرَ مِنِّي إنَّنِي لَفَقِيرُ أراد: إنني لفقير بليغ الفقر، حقيق بأن أوصف به لكمال شرائطه فيّ، وإلا لم يستقم معنى البيت، وكذلك قوله: ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه.
ويجوز أن يراد: هذا بعض الصرط المستقيمة، توبيخاً لهم على العدول عنه، والتفادي عن سلوكه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى الضلالة والتهلكة، كأنه قيل: أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق: أن يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السالك، كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده: هذا فيما أظنّ قول نافع غير ضار، توبيخاً له عن الإعراض عن نصائحه.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ جبلا ﴾ بضمتين، وضمة وسكون، وضمتين وتشديدة، وكسرتين، وكسرة وسكون، وكسرتين وتشديدة.
وهذه اللغات في معنى الخلق.
وقرئ: ﴿ جبلا ﴾ جمع جبلة، كفطر وخلق، وفي قراءة علي رضي الله عنه: واحد الأجيال (جيلا).
<div class="verse-tafsir"
يروى أنهم يجحدون ويخاصمون؛ فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم.
وفي الحديث: «يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز عليّ شاهداً إلا من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعداً لكنّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» ، وقرئ: ﴿ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم ﴾ .
وقرئ: ﴿ ولتكلمنا أيديهم وتشهد ﴾ بلام كي والنصب على معنى: ولذلك نختم على أفواههم: وقرئ: ﴿ ولتكلمنا أيديهم ولتشهد ﴾ بلام الأمر والجزم على أنّ الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة.
<div class="verse-tafsir"
الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾ لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل.
والأصل: فاستبقوا إلى الصراط.
أو يضمن معنى ابتدروا.
أو يجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه.
أو ينتصب على الظرف.
والمعنى: أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي تردّدوا إليها كثيراً- كما كانوا يستبقون إليه ساعين في متصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم- لم يقدروا، وتعايى عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فضلاً عن غيره.
أو لو شاء لأعماهم، فلوا أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف- كما كان ذلك هجيراهم- لم يستطيعوا.
أو لو شاء لأعماهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقاً، يعني أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق والمسالك، كما ترى العميان يهتدون فيما ألفوا وضروا به من المقاصد دون غيرها ﴿ على مكانتهم ﴾ وقرئ: ﴿ على مكاناتهم ﴾ والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام.
أي: لمسخناهم مسخاً يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضيّ ولا رجوع واختلف في المسخ، فعن ابن عباس: لمسخناهم قردة وخنازير.
وقيل: حجارة.
عن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم.
وقرئ: ﴿ مضياً ﴾ بالحركات الثلاث، فالمضيّ والمضي كالعتيّ والعتي.
والمضيّ كالصبيّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ننكسه في الخلق ﴾ نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال ويرتقي من درجة إلى درجة، إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته، ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص، حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبيّ في ضعف جسده وقلة عقله وخلّوه من العلم، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله.
قال عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ [الحج: 5] ، ﴿ ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين ﴾ [التين: 5] وهذه دلالة على أنّ من ينقلهم من الشباب إلى الهرم ومن القوّة إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز ومن العلم إلى الجهل بعد ما نقلهم خلاف هذا النقل وعكسه- قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويفعل بهم ما شاء وأراد: وقرئ: بكسر الكاف ﴿ وننكِسه ﴾ و ﴿ ننكسه ﴾ من التنكيس والإنكاس ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ بالياء والتاء.
<div class="verse-tafsir"
كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: شاعر، وروى أنّ القائل: عقبة بن أبي معيط، فقيل: ﴿ وَمَا علمناه الشعر ﴾ أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أنّ القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء.
وأين هو عن الشعر، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى، يدل على معنى، فأين الوزن؟
وأين التقفية؟
وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟
وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟
فإذاً لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللهمّ إلا أنّ هذا لفظه عربي، كما أنّ ذاك كذلك ﴿ وَمَا يَنبَغِى لَهُ ﴾ وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل، كما جعلناه أمّياً لا يتهدّى للخط ولا يحسنه، لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض.
وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن كان لا يتأتى له.
فإن قلت: فقوله: «أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وقوله: «هَلْ أَنْتَ إلاَّ أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة، من غير صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه إن جاء موزوناً، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعراً ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعراً، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿ إنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ﴾ يعني: ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجنّ، كما قال: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ [التكوير: 27] وما هو إلا قرآن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟
﴿ لّيُنذِرَ ﴾ القرآن أو الرسول وقرئ: ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء.
ولينذر: من نذر به إذا علمه ﴿ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ أي عاقلاً متأملاً، لأن الغافل كالميت.
أو معلوماً منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان ﴿ وَيَحِقَّ القول ﴾ وتجب كلمة العذاب ﴿ عَلَى الكافرين ﴾ الذي لا يتأملون ولا يتوقع منهم الإيمان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ﴾ مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا، وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة والحكمة فيها، التي لا يصحّ أن يقدر عليها إلا هو.
وعمل الأيدي: استعارة من عمل من يعملون بالأيدي ﴿ فَهُمْ لَهَا مالكون ﴾ أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك، مختصون بالانتفاع فيها لا يزاحمون.
أو فهم لها ضابطون قاهرون، من قوله: أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَحَ وَلاَ ** أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إنْ نَفَرَا أي لا أضبطه، وهو من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله وتسخيره لها، كما قال القائل: يُصَرِّفُهُ الصَّبِيُّ بِكُلِّ وَجْهٍ ** وَيَحْبِسُهُ عَلَى الْخَسْفِ الْجَرِيرُ وَتَضْرِبُهُ الْوَلِيدَةُ بِالْهَرَاوَى ** فَلاَ غِيَرٌ لَدَيْهِ وَلاَ نَكِيرُ ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله: ﴿ سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ [الزخرف: 13] .
وقرئ: ﴿ ركوبهم ﴾ وركوبتهم.
وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة.
وقيل: الركوبة جمع.
وقرئ: ﴿ ركوبهم ﴾ أي ذو ركوبهم.
أو فمن منافعها ركوبهم ﴿ منافع ﴾ من الجلود والأوبار والأصواف وغير ذلك ﴿ ومشارب ﴾ من اللبن، ذكرها مجملة، وقد فصلها في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا ﴾ [النحل: 80] الآية، والمشارب: جمع مشرب وهو موضع الشرب، أو الشرب.
<div class="verse-tafsir"
اتخذوا الآلهة طمعاً في أن يتقوّوا بهم ويتعضدوا بمكانهم، والأمر على عكس ما قدّروا حيث هم جند لآلهتهم معدّون ﴿ مُحْضَرُونَ ﴾ يخدمونهم ويذبون عنهم، ويغضبون لهم؛ والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهموا، حيث هم يوم القيامة جند معدّون لهم محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلون وقوداً للنار.
وقرئ: ﴿ فلا يحزنك ﴾ بفتح الياء وضمها، من حزنه أحزنه.
والمعنى: فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وإنا مجاوزهم عليه، فحقّ مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهمّ ولا يرهقه الحزن.
فإن قلت: ما تقول فيمن يقول: إن قرأ قارئ: ﴿ أنا نعلم ﴾ بالفتح: انتقضت صلاته، وإن اعتقد ما يعطيه من المعنى: كفر؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون على حذف لام التعليل، وهو كثير في القرآن وفي الشعر، وفي كل كلام وقياس مطرد، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء.
وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الحمد والنعمة لك» ، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي، وكلاهما تعليل.
والثاني: أن يكون بدلاً من ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ كأنه قيل: فلا يحزنك، أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون.
وهذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالماً وعدم تعلقه لا يدوران على كسر إن وفتحها، وأنما يدوران على تقديرك، فتفصل إن فتحت بأن تقدّر معنى التعليل ولا تقدّر البدل، كما أن تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدّر معنى المفعولية، ثم إن قدّرته كاسراً أو فاتحاً على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل، فما فيه إلا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على كون الله عالماً بسرهم وعلانيتهم، وليس النهي عن ذلك مما يوجب شيئاً، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين ﴾ [القصص: 86] ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ [القصص: 87] ، ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ [القصص: 88] .
<div class="verse-tafsir"
قبح الله عزّ وجلّ إنكارهم البعث تقبيحاً لا ترى أعجب منه وأبلغ، ودلّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسّة وتغلغله في القحة، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شيء وأمهنه، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله ودناءة أوّله لمخاصمة الجبار، وشرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به، وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها، وروى: أن جماعة من كفار قريش منهم أبيّ بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبيّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد، إنّ الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزّى لأصيرنّ إليه ولأخصمنه، وأخذ عظماً بالياً فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ، قال صلى الله عليه وسلم: «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» وقيل: معنى قوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً رجل مميز منطيق قادر على الخصام، مبين: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى: ﴿ أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18] .
فإن قلت: لم سمى قوله: ﴿ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ مثلاً؟
قلت: لما دلّ عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
أو لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل: من يحيي العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادراً عليه، كان تعجيزاً لله وتشبيهاً له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه.
والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟
ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها.
وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعر والعصب، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حيّ حساس ﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها.
ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي يوري بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم: في كل شجر نار.
واستمجد المرخ والعفار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان، يفطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب.
قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين.
قرئ: ﴿ الأخضر ﴾ على اللفظ.
وقرئ: ﴿ الخضراء ﴾ على المعنى: ونحوه قوله تعالى: ﴿ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون فشاربون عَلَيْهِ مِنَ الحميم ﴾ [الواقعة: 54] .
من قدر على خلق السموات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ [غافر: 57] .
وقرئ: ﴿ يقدر ﴾ وقوله: ﴿ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السموات والأرض أو أن يعيدهم؛ لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به ﴿ وَهُوَ الخلاق ﴾ الكثير المخلوقات ﴿ العليم ﴾ الكثير المعلومات.
وقرئ: ﴿ الخالق ﴾ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ ﴾ إنما شأنه ﴿ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً ﴾ إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن ﴾ أن يكونه من غير توقف ﴿ فَيَكُونُ ﴾ فيحدث، أي: فهو كائن موجود لا محالة.
فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ؟
قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل، لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع.
فإن قلت: فما وجه القراءتين في فيكون؟
قلت: أما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها، وهي أمره أن يقول له كن.
وأما النصب فللعطف على يقول، والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئاً مما تقدر عليه، من المباشرة بمحال القدرة، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب إنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟
﴿ فسبحان ﴾ تنزيه له مما وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْء ﴾ هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته.
وقرئ: ﴿ ملكة كل شيء ﴾ وملك كل شيء.
والمعنى واحد ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ بضم التاء وفتحها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كنت لا أعلم ما روي في فضائل ياس وقراءتها كيف خصت، بذلك، فإذا أنه لهذه الآية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكل شيء قلباً، وإن قلب القرآن ياس، من قرأ ياس يريد بها وجه الله، غفر الله تعالى له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة ياس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له، ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ ياس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن في القرآن سورة يشفع لقارئها ويغفر لمستمعها ألا وهي سورة ياس» .