تفسير الكشاف سورة الصافات

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الصافات

تفسيرُ سورةِ الصافات كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 76 دقيقة قراءة

تفسير سورة الصافات كاملةً (جار الله الزمخشري)

وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا ١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا ٢ فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا ٣ إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ ٤ رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ ٥

أقسم الله سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة، من قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون ﴾ [الصافات: 165] أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله ﴿ فالزجرات ﴾ السحاب سوقاً ﴿ فالتاليات ﴾ لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها.

وقيل: ﴿ والصافات ﴾ : الطير، من قوله تعالى: ﴿ والطير صافات ﴾ [النور: 41] والزاجرات: كل ما زجر عن معاصي الله.

والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات فالزجرات بالمواعظ والنصائح فالتاليات آيات الله والدراسات شرائعه أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك لا تشغلها عنه تلك الشواغل، كما يحكى عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟

قلت: إما أن تدلّ على ترتب معانيها في الوجود، كقوله: يَا لَهْفَ زيابة لِلْحَرْثِ الصَّا ** بِحِ فَالغَانِمِ فَالآيِبِ كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب.

وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل.

وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك، كقوله: (رحم الله المحلقين فالمقصرين) فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟

قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على أن ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته، فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه، بيان ذلك: إنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة وجعلتهم جامعين لها، فعطفها بالفاء، يفيد ترتباً لها في الفضل: إما إن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة.

وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل، أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلاً، أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات: الطير، وبالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية.

وبالتاليات: كل نفس تتلو الذكر؛ فإن الموصوفات مختلفة.

وقرئ: بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال ﴿ رَّبُّ السماوات ﴾ خبر بعد خبر.

أو خبر مبتدأ محذوف.

و ﴿ المشارق ﴾ ثلثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب: تشرق الشمس كل يوم في مشرق وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين.

فإن قلت: فماذا أراد بقوله: ﴿ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين ﴾ [الرحمن: 17] ؟

قلت: أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ٦ وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّارِدٍۢ ٧

﴿ الدنيا ﴾ القربى منكم.

والزينة: مصدر كالنسبة، واسم لما يزان به الشيء، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة، ويحتملهما قوله: ﴿ بِزِينَةٍ الكواكب ﴾ فإن أردت المصدر، فعلى إضافته إلى الفاعل، أي: بأن زانتها الكواكب، وأصله: بزينة الكواكب: أو على إضافته إلى المفعول، أي: بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، وأصله ﴿ بِزِينَةٍ الكواكب ﴾ وهي قراءة أبي بكر والأعمش وابن وثاب، وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان: أن تقع الكواكب بياناً للزينة، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، وأن يراد ما زينت به الكواكب.

وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: بزينة الكواكب: بضوء الكواكب: ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة، كشكل الثريا وبنات نعش والجوزاء، وغير ذلك، ومطالعها ومسايرها.

وقرئ: على هذا المعنى: ﴿ بزينة الكواكب ﴾ بتنوين زينة وجرّ الكواكب على الإبدال.

ويجوز في نصب الكواكب: أن يكون بدلاً من محل بزينة ﴿ وَحِفْظاً ﴾ مما حمل على المعنى؛ لأنّ المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ [الملك: 5] ويجوز أن يقدر الفعل المعلل كأنه قيل: وحفظاً ﴿ مِن كُلّ شيطان ﴾ زيناها بالكواكب، وقيل: وحفظناها حفظاً.

والمارد: الخارج من الطاعة المتملس منها.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ ٨ دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ ٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ ١٠

الضمير في ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان، لأنه في معنى الشياطين.

وقرئ بالتخفيف والتشديد، وأصله: يتسمعون.

والتسميع: تطلب السماع.

يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم يتسمعون ولا يسمعون، وبهذا ينصر التخفيف على التشديد.

فإن قلت: لا يسمعون كيف اتصل بما قبله؟

قلت: لا يخلو من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لكل شيطان، أو استئنافاً فلا تصحّ الصفة؛ لأنّ الحفظ من شياطين لا يسمعون ولا يتسمعون لا معنى له، وكذلك الاستئناف؛ لأنّ سائلاً لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون: لم يستقم، فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ اقتصاصاً، لما عليه حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة.

أو يتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة؛ فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب.

فإن قلت: هل يصحّ قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها، كما في قول القائل: أَلاَ أَيُّهَا ذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغى قلت: كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب.

فإن قلت: أي فرق بين سمعت فلاناً يتحدّث، وسمعت إليه يتحدّث، وسمعت حديثه، وإلى حديثه؟

قلت: المعدى بنفسه يفيد الإدراك والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك والملأ الأعلى: الملائكة؛ لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن: هم الملأ الأسفل؛ لأنهم سكان الأرض.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم الكتبة من الملائكة.

وعنه: أشراف الملائكة ﴿ مِن كُلّ جَانِبٍ ﴾ من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للاستراق ﴿ دُحُوراً ﴾ مفعول له، أي: ويقذفون للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأنّ القذف والطرد متقاربان في المعنى، فكأنه قيل: يدحرون أو قذفاً.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بفتح الدال على: قذفاً دحوراً طروداً.

أو على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع.

والواصب: الدائم، وصب الأمر وصوباً، يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب، وقد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع ﴿ مَنْ ﴾ في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون، أي: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ﴿ خَطِفَ الخطفة ﴾ وقرئ: ﴿ خطف ﴾ بكسر الخاء والطاء وتشديدها، وخطف بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما: اختطف.

وقرئ: ﴿ فأتبعه ﴾ ﴿ وفاتبعه ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ ١١

الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها، فلذلك قيل: ﴿ فاستفتهم ﴾ أي استخبرهم ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ ولم يقل: فقرّرهم والضمير لمشركي مكة.

قيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وكني بذلك لشدّة بطشه وقوّته ﴿ أَم مَّنْ خَلَقْنَا ﴾ يريد: ما ذكر من خلائقه: من الملائكة، والسموات والأرض، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب، والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم، فقال: من خلقنا، والدليل عليه قوله بعد عدّ هذه الأشياء: ﴿ فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا ﴾ بالفاء المعقبة.

وقوله: ﴿ أَم مَّنْ خَلَقْنَا ﴾ مطلقاً من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدّمه، كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه، فاستفتهم أهم أشدّ خلقاً أم الذي خلقناه من ذلك، ويقطع به قراءة من قرأ: ﴿ أم من عددنا ﴾ بالتخفيف والتشديد.

و ﴿ أشدّ خلقاً ﴾ : يحتمل أقوى خلقاً من قولهم: شديد الخلق.

وفي خلقه شدّة، وأصعب خلقاً وأشقّه، على معنى الردّ لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى، وأنّ من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون.

وخلقهم ﴿ مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة لأنّ ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوّة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا: ﴿ أئذا كنا تراباً ﴾ [الرعد: 5] .

وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث.

وقيل: من خلقنا من الأمم الماضية، وليس هذا القول بملائم.

وقرئ: ﴿ لازب ﴾ و ﴿ لاتب ﴾ ، والمعنى واحد، والثاقب: الشديد الإضاءة.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ١٢ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ ١٤

﴿ بل عجبت ﴾ من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة (و) هم ﴿ يسخرون ﴾ منك ومن تعجبك وما تريهم من آثار قدرة الله، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث وقرئ: بضم التاء، أي: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها، فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله، وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة عليه.

فإن قلت: كيف يجوز العجب على الله تعالى، وإنما هو روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء، والله تعالى لا يجوز عليه الروعة؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام، والثاني: أن يتخيل العجب ويفرض.

وقد جاء في الحديث: «عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم» وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول: إنّ الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم، فقال إبراهيم النخعي: إنّ شريحاً كان يعجبه علمه وعبد الله أعلم، يريد عبد الله بن مسعود، وكان يقرأ بالضم.

وقيل: معناه: قل يا محمد بل عجبت.

﴿ وَإِذَا ذُكّرُواْ ﴾ ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً ﴾ من آيات الله البينة كانشقاق القمر ونحوه ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ يبالغون في السخرية، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ١٥ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ١٧ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ١٨ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ١٩

﴿ أَوَ ءابَاؤُنَا ﴾ معطوف على محل ﴿ إِن ﴾ واسمها.

أو على الضمير في مبعوثون، والذي جوّز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام.

والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل.

وقرئ: ﴿ أو آباؤنا ﴾ ﴿ قُلْ نَعَمْ ﴾ وقرئ: ﴿ نعم ﴾ بكسر العين وهما لغتان.

وقرئ: ﴿ قال نعم ﴾ أي: الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: نعم تبعثون ﴿ وَأَنتُمْ داخرون ﴾ صاغرون ﴿ فَإِنَّمَا ﴾ جواب شرط مقدّر تقديره: إذا كان ذلك فما ﴿ هِىَ ﴾ إلا ﴿ زَجْرَةٌ واحدة ﴾ وهي لا ترجع إلى شيء، إنما هي مبهمة موضحها خبرها.

ويجوز: فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية.

والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبل أو الغنم: إذا صاح عليها فريعت لصوته.

ومنه قوله: زَجْرَ أَبِي عُرْوَةَ السِّبَاعَ إذَا ** أَشْفَقَ أَنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يريد تصويته بها ﴿ فَإِذَا هُم ﴾ أحياء بصراء ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ٢٠ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١

يحتمل أن يكون ﴿ هذا يَوْمُ الدين ﴾ إلى قوله: ﴿ احشروا ﴾ من كلام الكفرة بعضهم مع بعض وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون ﴿ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين ﴾ كلام الكفرة.

و ﴿ هذا يَوْمُ الفصل ﴾ من كلام الملائكة جواباً لهم.

ويوم الدين: اليوم الذي ندان فيه، أي: نجازى بأعمالنا.

ويوم الفصل: يوم القضاء، والفرق بين فرق الهدى والضلالة.

<div class="verse-tafsir"

۞ ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ٢٣ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ٢٦

﴿ احشروا ﴾ خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم مع بعض ﴿ وأزواجهم ﴾ وضرباءهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة: أهل الزنا مع أهل الزنا، وأهل السرقة مع أهل السرقة.

وقيل: قرناؤهم من الشياطين.

وقيل: نساؤهم اللاتي على دينهم ﴿ فاهدوهم ﴾ فعرّفوهم طريق النار حتى يسلكوها.

هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجر عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين ﴿ بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله عن عجز، فكلهم مستسلم غير منتصر.

وقرئ: ﴿ لا تتناصرون ﴾ ولا تناصرون، بالإدغام.

<div class="verse-tafsir"

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ ٣٠ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١ فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ ٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ٣٤ إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ٣٥

اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما وكانوا يتيمنون بها، فيها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور، ويتشاءمون بالشمال، ولذلك سموها: الشؤمى، كما سموا أختها اليمنى، وتيمنوا بالسانح، وتطيروا بالبارح، وكان الأعسر معيباً عندهم، وعضدت الشريعة ذلك، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، وأراذلها بالشمال.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيئات؛ ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن يؤتاه بشماله: استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل: أتاه عن اليمين، أي: من قبل الخير وناحيته، فصدّه عنه وأضلّه.

وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين: أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق.

ومن أتاه من جهة الشمال: أتاه من قبل الشهوات.

ومن أتاه من بين يديه: أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب.

ومن أتاه من خلفه: خوّفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده؛ فلم يصل رحماً ولم يؤد زكاة.

فإن قلت: قولهم: أتاه من جهة الخير وناحيته، مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازاً عن المجاز؟

قلت: من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، وهذا من ذاك؛ ولك أن تجعلها مستعارة للقوّة والقهر؛ لأنّ اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش.

والمعنى: أنكم كنتم تأتوننا عن القوّة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه.

وهذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم، والغواة لشياطينهم ﴿ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر.

غير ملجئين إليه ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ ﴾ من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم ﴿ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً ﴾ مختارين الطغيان ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا ﴾ فلزمنا ﴿ قَوْلُ رَبّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ﴾ يعني: وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة، ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم؛ لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم.

ونحوه قول القائل: لَقَدْ زَعَمَتْ هَوَازِنُ قَلَّ مَالِي ولو حكى قولها لقال: قل مالك.

ومنه قول المحلف للحالف: احلف لأخرجنّ، ولتخرجنّ: الهمزة لحكاية لفظ الحالف، والتاء لإقبال المحلف على المحلف ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي دعوة محصلة للبغية، لقبولكم لها واستحبابكم الغيّ على الرشد ﴿ إِنَّا كُنَّا غاوين ﴾ فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا ﴿ فَإِنَّهُمْ ﴾ فإن الأتباع والمتبوعين جميعاً ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ يوم القيامة مشتركون في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية ﴿ إِنَّا ﴾ مثل ذلك الفعل ﴿ نَفْعَلُ ﴾ بكل مجرم، يعني أنّ سبب العقوبة هو الإجرام، فمن ارتكبه استوجبها ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا ﴾ سمعوا بكلمة التوحيد نفروا أو استكبروا عنها وأبوا إلا الشرك.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ ٣٦ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣٧ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٣٩

﴿ لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ بَلْ جَاء بالحق ﴾ رد على المشركين ﴿ وَصَدَّقَ المرسلين ﴾ كقوله: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [البقرة: 97] وقرئ: ﴿ لذائقوا العذاب ﴾ ، بالنصب على تقدير النون، كقوله: وَلاَ ذَاكِراً اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً بتقدير التنوين.

وقرئ: على الأصل ﴿ لذائقون العذاب ﴾ ﴿ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ إلا مثل ما عملتم جزاء سيئاً بعمل سيئ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٤٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ ٤١ فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ ٤٢ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ ٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ ٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ٤٧ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ ٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ ٤٩

﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله ﴾ ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع.

فسر الرزق المعلوم بالفواكه: وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوّت لحفظ الصحة، يعني أن رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ.

ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر.

وقيل: معلوم الوقت، كقوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ [مريم: 62] وعن قتادة: الرزق المعلوم الجنة وقوله ﴿ فِي جنات ﴾ يأباه وقوله: ﴿ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ هو الذي يقوله وعن العلماء في حدّ الثواب على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوي الهمم، كما أنّ من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هوان أهل النار وصغارهم.

التقابل: أتم للسرور وآنس.

وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.

ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتسمى الخمر نفسها كأساً، قال: وَكَاسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس ﴿ مّن مَّعِينٍ ﴾ من شراب معين.

أو من نهر معين، وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون: وصف بما يوصف به الماء، لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿ وأنهار مّنْ خَمْرٍ ﴾ [محمد: 15] ﴿ بَيْضَاء ﴾ صفة للكأس ﴿ لَذَّةٍ ﴾ إمّا أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها: أو هي تأنيث اللذة، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ.

ووزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال: وَلَذٌ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ** بِأَرْضِ الْعِدَا مِنْ خَشْيَةِ الْحَدَثَانِ يريد النوم.

الغول: من غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وأفسده.

ومنه: الغول الذي في تكاذيب العرب.

وفي أمثالهم: الغضب غول الحلم، و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ على البناء للمفعول، من نزف الشاربُ إذا ذهب عقله.

ويقال للسكران: نزيف ومنزوف.

ويقال للمطعون: نزف فَمات إذا خرج دمه كله.

ونزحت الركية حتى نزفتها: إذا لم تترك فيها ماء.

وفي أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطاً.

وقرئ: ﴿ ينزفون ﴾ أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه.

قال: لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُمُو أَوْ صَحَوْتُمُو ** لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُو آلَ أَبجرَا ومعناه: صار ذا نزف.

ونظيره: أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل وكببته، وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب.

وفي قراءة طلحة بن مصرف: وينزفون: بضم الزاي، من نزف ينزف كقرب يقرب، إذا سكر.

والمعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك، ولا هم يسكرون، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر ﴿ قاصرات الطرف ﴾ قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، لا يمددن طرفاً إلى غيرهم، كقوله تعالى: ﴿ عُرُباً ﴾ [الواقعة: 37] والعين: النجل العيون شبهنّ ببيض النعام المكنون في الأداحي، وبها تشبه العرب النساء وتسميهنّ بيضات الخدور.

<div class="verse-tafsir"

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ ٥١ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ٥٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ٥٥ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ٥٧

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ؟

قلت: على يطاف عليهم.

والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب قال: وَمَا بَقِيَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ إلاَّ ** أَحَادِيثُ الْكِرَامِ عَلَى الْمُدَامِ فيقبل بعضهم على بعض ﴿ يَتَسَاءلُونَ ﴾ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جيء به ماضياً على عادة الله في أخباره.

قرئ: ﴿ من المصدّقين ﴾ من التصديق.

ومن المصدَّقين مشدّد الصاد، من التصدّق، وقيل: نزلت في رجل تصدّق بماله لوجه الله، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه؛ فقال: وأين مالك؟

قال: تصدقت به ليعوضني الله به في الآخرة خيراً منه، فقال: أئنك لمن المصدّقين بيوم الدين.

أو من المتصدّقين لطلب الثواب.

والله لا أعطيك شيئاً ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ لمجزيون، من الدين وهو الجزاء.

أو لمسوسون مربوبون.

يقال: دانه ساسه.

ومنه الحديث: «العاقل من دان نفسه» ﴿ قَالَ ﴾ يعني ذلك القائل: ﴿ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ إلى النار لأريكم ذلك القرين.

قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار.

وقيل: القائل هو الله عزّ وجلّ.

وقيل: بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار.

وقرئ: ﴿ مطلعون ﴾ فاطلع.

وفأطلع بالتشديد، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب: ومطلعون فاطلع وفأطلع بالتحفيف على لفظ الماضي والمضارع والمنصوب يقال طلع علينا فلان، واطلع وأطلع بمعنى واحد، والمعنى: هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضاً.

أو عرض عليه الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك.

وإن جعلت الإطلاع من أطلعه غيره، فالمعنى: أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم، وهو من آداب المجالسة.

أن لا يستبد بشيء دون جلسائه، فكأنهم مطلعوه.

وقيل: الخطاب على هذا للملائكة.

وقرئ: ﴿ مطلعون ﴾ بكسر النون، أراد: مطلعون إياي؛ فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله: هُمُ الْفَاعِلُونَ الْخَيْرَ وَالآمِرُونَهُ أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كأنه قال: تطلعون، وهو ضعيف لا يقع إلاّ في الشعر ﴿ فِى سَوَآءِ الجحيم ﴾ في وسطها، يقال: تعبت حتى انقطع سوائي، وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائي (إن) مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على ﴿ كاد ﴾ كما تدخل على (كان) ﴿ إِن كَانَ لَيُضِلُّنَا ﴾ واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والإرداء: الإهلاك.

وفي قراءة عبد الله: لتغوينّ ﴿ نِعْمَةُ رَبّى ﴾ هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، والبراءة من قرين السوء.

أو إنعام الله بالثواب وكونه من أهل الجنة ﴿ مِنَ المحضرين ﴾ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩

الذي عطفت عليه الفاء محذوف، معناه: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا معذبين.

وقرئ: ﴿ بمائتين ﴾ والمعنى أنّ هذه حال المؤمنين وصفتهم وما قضى الله به لهم للعلم بأعمالهم أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم يتمنون فيه الموت كل ساعة، وقيل لبعض الحكماء: ما شرّ من الموت؟

قال: الذي يتمنى فيه الموت.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٦٠ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ ٦١

يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله واغتباطاً بحاله وبمسمع من قرينه، ليكون توبيخاً له يزيد به تعذباً، وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزاجراً.

ويجوز أن يكون قولهم جميعاً، وكذلك قوله ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم ﴾ أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه.

وقيل: هو من قول الله عزّ وجلّ تقريراً لقولهم وتصديقاً له.

وقرئ: ﴿ لهو الرزق العظيم ﴾ وهو ما رزوقوه من السعادة.

<div class="verse-tafsir"

أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢ إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ ٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ ٦٥ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ ٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ٦٨ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ٧٠

تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال: ﴿ أذلك ﴾ الرزق ﴿ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ أي خير حاصلاً ﴿ أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ وأصل النزل: الفضل والريع في الطعام، يقال: طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والغمّ، وانتصاب نزلاً على التمييز، ولك أن تجعله حالاً، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحاً أم رطباً؟

يعني أنّ الرزق المعلوم نزل أهل الجنة.

وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلاً.

والنزل: ما يقام للنازل بالمكان من الرزق.

ومنه أنزال الجند لأرزاقهم، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن.

ومعنى الأوّل: أَنّ للرزق المعلوم نزلاً، ولشجر الزقوم نزلاً، فأيهما خير نزلاً.

ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم قيل لهم ذلك توبيخاً على سوء اختيارهم ﴿ فِتْنَةً للظالمين ﴾ محنة وعذاباً لهم في الآخرة.

أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر، فكذبوا.

وقرئ: ﴿ نابتة ﴾ ﴿ فِى أَصْلِ الجحيم ﴾ قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها: والطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها: إما استعارة لفظية، أو معنوية، وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهية وقبح المنظر؛ لأنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شرّ محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوّره المصورون: جاؤا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله؛ كما أنهم اعتقدوا في المَلَكِ أنه خير محض لا شرّ فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة.

قال الله تعالى: ﴿ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [يوسف: 31] وهذا تشبيه تخييلي.

وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جداً.

وقيل: إنّ شجراً يقال له الأستن خشناً منتناً مراً منكر الصورة، يسمى ثمره: رؤوس الشياطين.

وما سمت العرب هذا الثمر رؤوس الشياطين إلاّ قصداً إلى أحد التشبيهين، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلاً ثالثاً يشبه به ﴿ مِنْهَا ﴾ من الشجرة، أي من طلعها ﴿ فَمَالِئُونَ ﴾ بطونهم، لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها، ليكون باباً من العذاب؛ فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شراباً من غساق أو صديد، شوبه: أي مزاجه ﴿ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم، كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تسنيم ﴾ [المطففين: 27] وقرئ: ﴿ لشوبا ﴾ بالضم، وهو اسم ما يشاب به، والأوّل تسمية بالمصدر.

فإن قلت: ما معنى حرف التراخي في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً ﴾ وفي قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ ؟

قلت: في الأوّل وجهان، أحدهما: أنهم يملؤن البطون من شجرة الزقوم، وهو حارّ يحرق بطونهم ويعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ما ملئ تعذيباً بذلك العطش، ثم يسقون ما هو أحرّ وهو الشراب المشوب بالحميم.

والثاني: أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع، فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه.

ومعنى الثاني: أنهم يذهب بهم عن مقارّهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يتملؤا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التر اخي في ذلك بين، وقرئ: ﴿ ثم إن منقلبهم ﴾ ثم إن مصيرهم، ثم إن منفذهم إلى الجحيم: علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين، واتباعهم إياهم على الضلال، وترك اتباع الدليل، والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يحثون حثاً.

وقيل: إسراع فيه شبه بالرعدة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٧١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ٧٣ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٧٤

﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ ﴾ قبل قومك قريش.

﴿ مُّنذِرِينَ ﴾ أنبياء حذروهم العواقب.

﴿ المنذرين ﴾ الذين أنذروا وحذروا، أي أهلكوا جميعاً ﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله ﴾ الذين آمنوا منهم وأخلصوا دينهم لله، أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ٧٥ وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ٧٦ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ٧٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ٧٨ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ٨٢

لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين، أتبع ذلك ذكر نوح ودعائه حين آيس من قومه، واللام الداخلة على نعم جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: فوالله لنعم المجيبون نحن.

والجمع دليل العظمة والكبرياء.

والمعنى: إنا أجبناه أحسن الإجابة، وأوصلها إلى مراده وبغيته من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بأبلغ ما يكون ﴿ هُمُ الباقين ﴾ هم الذين بقوا وحدهم وقد فني غيرهم، فقد روى أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ولده.

أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة.

قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح.

وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام، وحام، ويافث.

فسام أبو العرب، وفارس، والروم، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين ﴾ من الأمم هذه الكلمة، وهي: ﴿ سلام على نُوحٍ ﴾ يعني يسلمون عليه تسليماً، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت: ﴿ سُورَةٌ أنزلناها ﴾ [النور: 1] فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ فِى العالمين ﴾ ؟

قلت: معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعاً، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم.

علل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسناً، ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً، ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ٨٣ إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ ٨٤ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ٨٥ أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٧

﴿ مِن شِيعَتِهِ ﴾ ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما.

أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين.

ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من أهل دينه وعلى سنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلاّ نبيان: هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

فإن قلت: بم تعلق الظرف؟

قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم، أو بمحذوف وهو: اذكر ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ من جميع آفات القلوب.

وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها.

فإن قلت: ما معنى المجيء بقلبه ربه؟

قلت: معناه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلاً لذلك ﴿ أَئِفْكاً ﴾ مفعول له، تقديره: أتريدون آلهة من دون الله إفكاً، وإنما قدّم المفعول على الفعل للعناية، وقدّم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهمّ عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم.

ويجوز أن يكون إفكاً مفعولاً به، يعني: أتريدون به إفكاً.

ثم فسر الإفك بقوله: ﴿ آلِهَةً ﴾ مّنَ ﴿ دُونِ الله ﴾ على أنها إفك في أنفسها.

ويجوز أن يكون حالاً، بمعنى: أتريدون آلهة من دون الله آفكين ﴿ فَمَا ظَنُّكُم ﴾ بمن هو الحقيق بالعبادة، لأنّ من كان رباً للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام: والمعنى: أنه لا يقدر في وهم ولا ظنّ ما يصدّعن عن عبادته.

أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له أنداداً.

أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟.

<div class="verse-tafsir"

فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ٨٩ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ٩٠

﴿ فِى النجوم ﴾ في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها، وعن بعض الملوك أنه سئل عن مشتهاه فقال: حبيب أنظر إليه ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه.

كان القوم نجامين، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم ﴿ فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل.

فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟

قلت: قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية، وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين.

والصحيح: أن الكذب حرام إلاّ إذا عرّض وورّى، والذي قاله إبراهيم عليه السلام: معراض من الكلام، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم.

ومنه المثل: كفى بالسلامة داء.

وقول لبيد: فَدَعَوْتُ رَبِّي بالسَّلاَمَةِ جَاهِدا ** لِيُصِحَّنِي فَإذَا السَّلاَمَةُ دَاءُ وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه.

وقيل: أراد: إني سقيم النفس لكفركم.

<div class="verse-tafsir"

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ٩٣

﴿ فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ ﴾ فذهب إليها في خفية، من روغة الثعلب، إلى آلهتهم: إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله تعالى: ﴿ أين شركائي ﴾ [النحل: 27] ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ﴾ فأقبل عليهم مستخفياً، كأنه قال: فضربهم ﴿ ضَرْباً ﴾ لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم.

أو فراغ عليهم يضربهم ضرباً.

أو فراغ عليهم ضرباً بمعنى ضارباً.

وقرئ: ﴿ صفقا ﴾ و ﴿ سفقا ﴾ ، ومعناهما: الضرب.

ومعنى ضرباً ﴿ باليمين ﴾ ضرباً شديداً قوياً؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدّهما.

وقيل: بالقوّة والمتانة، وقيل: بسبب الحلف، وهو قوله: ﴿ تالله لأَكِيدَنَّ أصنامكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ٩٤

﴿ يَزِفُّونَ ﴾ يسرعون، من زفيف النعام.

ويزفون: من أزفّ، إذا دخل في الزفيف.

أو من أزفه، إذا حمله على الزفيف، أي: يزفّ بعضهم بعضاً.

ويزفون، على البناء للمفعول، أي: يحملون على الزفيف.

ويزفون، من وزف يزف إذا أسرع.

ويزفون: من زفاه إذا حداه كأنّ بعضهم يزفو بعضاً لتسارعهم إليه، فإن قلت: بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا بِئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبراهيم ﴾ [الأنبياء: 59- 60] كالتناقض حيث ذكر هاهنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به، وذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر، حتى قيل لهم: سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر؛ ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها، وفي الآخر: أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر.

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفراً منهم دون جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية من عيدهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك، وسألوا: من فعل هذا بها؟

ثم لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، ولكن على سبيل التورية التعريض بقولهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم ﴾ لبعض الصوارف.

والثاني: أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر.

وقولهم: ﴿ قالوا: فأتوا به على أعين الناس ﴾ [الأنبياء: 61].

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ٩٦

﴿ والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ يعني خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام، كقوله: ﴿ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السموات والأرض الذى فطَرَهُنَّ ﴾ [الأنبياء: 56] أي فطر الأصنام.

فإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد مخلوقاً لله معمولاً لهم، حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعاً؟

قلت: هذا كما يقال: عمل النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها الله، وعاملوا أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه.

فإن قلت: فما أنكرت أن تكون ما مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم، كما تقول المجبرة؟

قلت؛ أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الآية يأباه إباء جلياً، وينبو عنه نبوّاً ظاهراً، وذلك أن الله عزّ وجلّ قد احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعاً خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصوّر نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم، ولم يكن محتجاً عليهم ولا كان لكلامك طباق.

وشيء آخر: وهو أن قوله: ﴿ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ترجمة عن قوله: ﴿ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ و(ما) في ﴿ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلاّ متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن.

فإن قلت: اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم.

قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلاّ الإذعان للحق، وذلك أنك جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضاً فأنك قاطع بذلك الصلة بين ما تعملون وما تنحتون، حتى تخالف بين المرادين بهما؛ فتزيد بما تنحتون: الأعيان التي هي الأصنام، وبما تعملون: المعاني التي هي الأعمال؛ وفي ذلك فك النظم وتبتيره؛ كما إذا جعلتها مصدرية.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ٩٨

﴿ الجحيم ﴾ النار الشديدة الوقود، وقيل: كل نار على نار وجمر فوق جمر، فهي جحيم.

والمعنى: أن الله تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعاً، وأذلهم بين يديه: أرادوا أن يغلبوه بالحجة فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم به الحجر، وقهرهم فمالوا إلى المكر، فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ٩٩ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٠٠ فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ ١٠١

أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام؛ كما قال: ﴿ إني مهاجر إلى ربي ﴾ [العنكبوت: 26] ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ ؟

سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفقني، كما قال موسى عليه السلام: ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62] كأن الله وعده وقال له: سأهديك، فأجرى كلامه على سنن موعد ربه.

أو بناء على عادة الله تعالى معه في هدايته وإرشاده.

أو أظهر بذلك توكله وتفويضه أمره إلى الله.

ولو قصد الرجاء والطمع لقال، كما قال موسى عليه السلام: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ [القصص: 22] .

﴿ هَبْ لِى مِنَ الصالحين ﴾ هب لي بعض الصالحين، يريد الولد، لأنّ لفظ الهبة غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هارون نَبِيّاً ﴾ [مريم: 53] قال عزّ وجلّ: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ ﴾ [الأنعام: 84] ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى ﴾ [الأنبياء: 90] وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي الله عنهم- حين هنأه بولده عليّ أبي الأملاك-: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب.

ولذلك وقعت التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب وموهب، وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليماً، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ، ثم استسلم لذلك.

وقيل: ما نعت الله الأنبياء عليهم السلام بأقل مما نعتهم بالحلم وذلك لعزة وجوده ولقد نفت الله.

به إبراهيم في قوله: ﴿ إِنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114] ، ﴿ إِنَّ إبراهيم لحليم أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ [هود: 75] لأنّ الحادثة شهدت بحلمهما جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٠٢

فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه.

فإن قلت: ﴿ مَعَهُ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ، أو بالسعي، أو بمحذوف، فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معاً حدّ السعي، ولا بالسعي لأنّ صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بياناً، كأنه لما قال: فلما بلغ السعي أي الحدّ الذي يقدر فيه على السعي قيل: مع من؟

فقال مع أبيه.

والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس به، وأعطفهم عليه، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله، لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة.

والمراد: أنه على غضاضة سنة وتقلبه في حدّ الطفولة، كان فيه من رصانة الحلم وفسحة الصدر ما جسره على احتمال تلك البلية العظيمة والإجابة بذلك الجواب الحكيم: أتي في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة، فلهذا قال: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ فذكر تأويل الرؤيا، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة: رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة، وقيل: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إنّ الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روَّى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أو من الشيطان؟

فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فمن ثم سمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره فسمي يوم النحر.

وقيل: إنّ الملائكة حين بشّرته بغلام حليم قال: هو إذن ذبيح الله.

فلما ولد وبلغ حدّ السعي معه قيل له: أوف بنذرك ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ من الرأي على وجه المشاورة.

وقرئ: ﴿ ماذا ترى ﴾ ، أي: ماذا تبصر من رأيك وتبديه.

وماذا ترى، على البناء للمفعول: أي: ماذا تريك نفسك من الرأي ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ أي ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ أوأمرك على إضافة المصدر إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمراً.

وقرئ: ﴿ ما تؤمر به ﴾ فإن قلت: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟

قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبت قدمه ويصبره إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، وليعلمه حتى يراجع نفسه فيوطنها ويهون عليها، ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله، لأنّ المغافصة بالذبح مما يستمسج وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك.

فإن قلت: لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟

قلت: كما أرى يوسف عليه السلام سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحي إلى أبيه، وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخول المسجد الحرام في المنام، وما سوى ذلك من منامات الأنبياء، وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدوقين؛ لأنّ الحال إما حال يقظة أو حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد أحدهما.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ١٠٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٠٨ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١١

يقال: سلم لأمر الله وأسلم، واستسلم بمعنى واحد.

وقد قرئ بهنّ جميعاً إذا انقاد له، وخضع، وأصلها من قولك: سلم هذا لفلان إذا خلص له.

ومعناه: سلم من أن ينازع فيه، وقولهم: سلم لأمر الله، وأسلم له منقولان منه، وحقيقة معناهما: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى: استسلم: استخلص نفسه لله.

وعن قتادة في ﴿ أَسْلَمَا ﴾ أسلم هذا ابنه وهذا نفسه ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ صرعه على شقه، فوقع أحد جنبيه على الأرض تواضعاً على مباشرة الأمر بصبر وجلد، ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان.

وروى أن ذلك كان عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن: في الموضع المشرف على مسجد منى.

وعن الضحاك: في المنحر الذي ينحر فيه اليوم.

فإن قلت: أين جواب لما؟

قلت: هو محذوف تقديره: فلما أسلما وتله للجبين ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما، وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما، من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب، وقوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرج بعد الشدّة، والظفر بالبغية بعد اليأس ﴿ البلاء المبين ﴾ الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم.

أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها.

الذبح: اسم ما يذبح.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو الكبش الذي قرّبه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل.

وعن الحسن: فدى بوعل أهبط عليه من ثبير.

وعن ابن عباس: لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة وذبح الناس أبناءهم ﴿ عظِيمٌ ﴾ ضخم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي.

وقوله عليه السلام: «استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» وقيل: لأنه وقع فداء عن ولد إبراهيم.

وروى أنه هرب من إبراهيم عليه السلام عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي، وروى أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده.

وروى أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلاّ الله والله أكبر، فقال إبراهيم عليه السلام: الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة: وحكي في قصة الذبيح أنه حين أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسط شعب ثبير أخبره بما أمر.

فقال له اشدد رباطي لا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي حتى تجهز عليّ، ليكون أهون فإنّ الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن تردّ قميصي على أمي، فافعل، فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله، ثم أقبل عليه يقلبه وقد ربطه، وهما يبكيان، ثم وضع السكين على حلقه فلم تعمل.

لأنّ الله ضرب صفيحة من نحاس على حلقه، فقال له: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله، ففعل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فنظر فإذا جبريل عليه السلام معه كبش أقرن أملح، فكبر جبريل والكبش، وإبراهيم وابنه، وأتى المنحر من منى فذبحه.

وقيل: لما وصل موضع السجود منه إلى الأرض جاء الفرج.

وقد استشهد أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده: أنه يلزمه ذبح شاة، فإن قلت: من كان الذبيح من ولديه؟

قلت: قد اختلف فيه؛ فعن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين: أنه إسماعيل.

والحجة فيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين» وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين، فتبسم، فسئل عن ذلك فقال: إنّ عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله: لئن سهل الله له أمرها ليذبحنّ أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل، وعن محمد بن كعب القرظي قال: كان مجتهد بني إسرائيل يقول إذا دعا: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، فقال موسى عليه السلام: يا رب، ما لمجتهد بني إسرائيل إذا دعا قال: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، وأنا بين أظهرهم فقد أسمعتني كلامك واصطفيتني برسالتك؟

قال: يا موسى، لم يحبني أحد حبّ إبراهيم قط، ولا خير بيني وبين شيء قط إلا اختارني.

وأمّا إسماعيل فإنه جاد بدم نفسه.

وأمّا إسرائيل، فإنه لم ييأس من روحي في شدّة نزلت به قط، ويدل عليه أنّ الله تعالى لما أتمّ قصة الذبيح قال: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً ﴾ [الصافات: 112] وعن محمد بن كعب أنه قال لعمر بن عبد العزيز: هو إسماعيل، فقال عمر: إنّ هذا شيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى يهودي قد أسلم فسأله، فقال: إن اليهود لتعلم أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت.

وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة، وأنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة، ومما يدلّ عليه أنّ الله تعالى وصفه بالصبر دون أخيه إسحاق في قوله: ﴿ وإسماعيل واليسع وَذَا الكفل كُلٌّ مّنَ الصابرين ﴾ [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد ﴾ [مريم: 54] لأنه وعد أباه الصبر من نفسه على الذبح فوفى به، ولأنّ الله بشّره بإسحاق وولده يعقوب في قوله: ﴿ فَضَحِكَتْ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ [هود: 71] فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفاً للموعد في يعقوب، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين: أنه إسحاق.

والحجة فيه أن الله تعالى أخبر عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولداً، ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به.

ويدلّ عليه كتاب يعقوب إلى يوسف: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.

فإن قلت: قد أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح، وقيل له: ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ ، وإنما كان يصدقها لو صحّ منه الذبح، ولم يصحّ قلت: قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح: من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم عليه السلام، ألا ترى أنه لا يسمى عاصياً ولا مفرطاً، بل يسمى مطيعاً ومجتهداً، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل، ولا قبل أوان الفعل في شيء، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه.

فإن قلت: الله تعالى هو المفتدى منه: لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فادياً حتى قال: ﴿ وفديناه ﴾ ؟

قلت: الفادي هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والله عزّ وجلّ وهب له الكبش ليفدى به وإنما قال: ﴿ وفديناه ﴾ إسناداً للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته.

فإن قلت: فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح.

فما معنى الفداء، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟

قلت: قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فرى الأوداج وإنهار الدم، فوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل، ولكن في نفس الكبش بدلاً منه.

فإن قلت: فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة، وقد استغنى عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟

قلت: الفائدة في ذلك أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه.

فإن قلت: لم قيل هاهنا ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ وفي غيرها من القصص: إنا كذلك؟

قلت: قد سبقه في هذه القصة: ﴿ إنا كذلك ﴾ ، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية.

<div class="verse-tafsir"

وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٢ وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ ١١٣

﴿ نَبِيّاً ﴾ حال مقدرة، كقوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] .

فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله: (فادخلوها خالدين) وذلك أنّ المدخول موجود مع وجود الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيماً، وليس كذلك المبشر به، فإنه معدوم وقت وجود البشارة، وعدم المبشر به فإنه معدوم وقت وجود البشارة وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة؛ لأنّ الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوّة أيضاً بوجوده، بل تراخت عنه مدّة متطاولة، فكيف يجعل نبياً حالاً مقدّرة، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به؛ فالخلود وإن يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم؛ لأنّ المعنى مقدّرين الخلود، وليس كذلك النبوّة؛ فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدّرة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم إسحاق.

قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال: أنه لابد من تقدير مضاف محذوف، وذلك قولك: وبشرناه بوجود إسحاق نبياً، أي بأن يوجد مقدّرة نبوّته؛ فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة، وبذلك يرجع، نظير قوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ؛ لأنّ كل نبي لابد أن يكون من الصالحين.

وعن قتادة: بشره الله بنبوّة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه، وهذا جواب من يقول الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه لقوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ قالوا: ولا يجوز أن يبشره الله بمولده ونبوّته معاً؛ لأن الامتحان بذبحه لا يصحّ مع علمه بأنه سيكون نبياً ﴿ وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق ﴾ وقرئ: ﴿ وبَرَّكْنا ﴾ أي: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، كقوله: ﴿ وَآتَيْنَاه أَجْرَهُ فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِي الأَخِرَةِ لَمِنَ الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه.

وقوله: ﴿ وظالم لّنَفْسِهِ ﴾ نظيره: ﴿ قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى؟

قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ [البقرة: 124] وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر.

وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأنّ المرء يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله أو فرعه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١١٤ وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ١١٥ وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ١١٦ وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ١١٧ وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ١١٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١١٩ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٢١ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٢٢

﴿ مِنَ الكرب العظيم ﴾ من الغرق.

أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم ﴿ ونصرناهم ﴾ الضمير لهما ولقومهما في قوله: ﴿ ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا ﴾ .

﴿ الكتاب المستبين ﴾ البيلغ في بيانه وهو التوراة، كما قال: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 44] وقال: ومن جوز أن تكون التوراة عربية أن تشتق من روى الزند (فوعلة) منه، على أنّ التاء مبدلة من واو ﴿ الصراط المستقيم ﴾ صراط أهل الإسلام، وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ١٢٥ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٢٧ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٢٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٢٩ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ١٣٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣١ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣٢

قرئ: ﴿ إلياس ﴾ بكسر الهمزة، والياس: على لفظ الوصل.

وقيل: هو إدريس النبي.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ وإنّ إدريس ﴾ ، في موضع إلياس.

وقرئ: ﴿ إدراس ﴾ ، وقيل: هو إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى ﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلاً ﴾ أتعبدون بعلاً، وهو علم لصنم كان لهم كمناة وهبل.

وقيل: كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعاً، وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف- بعل- ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك.

وقيل: البعل: الرب؛ بلغة اليمن، يقال: من بعل هذه الدار، أي: من ربها؟

والمعنى: أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله ﴿ الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءابَائِكُمُ ﴾ قرئ: بالرفع على الابتداء، وبالنصب على البدل، وكان حمزة إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع: وقرئ: ﴿ على إلياسين ﴾ وإدريسين.

وإدراسين.

وإدرسين، على أنها لغات في إلياس وإدريس.

ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى.

وقرئ: ﴿ على الياسين ﴾ بالوصل، على أنه جمع يراد به إلياس وقومه، كقولهم: الخبيبون والمهلبون.

فإن قلت: فهلا حملت على هذا الياسين على القطع وأخواته؟

قلت: لو كان جمعاً لعرف بالألف واللام.

وأما من قرأ: ﴿ على آل ياسين ﴾ فعلى أنّ ياسين اسم أبي إلياس، أضيف إليه الآل.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ١٣٦ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨

﴿ مُّصْبِحِينَ ﴾ داخلين في الصباح، يعني: تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشام ليلاً ونهاراً، فما فيكم عقول تعتبرون بها.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٣٩ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ١٤١ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ١٤٢ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤٤ ۞ فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌۭ ١٤٥ وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ ١٤٦ وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ١٤٨

قرئ: ﴿ يونس ﴾ بضم النون وكسرها.

وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه: إباقا على طريقة المجاز.

والمساهمة: المقارعة.

ويقال: استهم القوم، إذا اقترعوا.

والمدحض: المغلوب المقروع.

وحقيقته: المزلق عن مقام الظفر والغلبة.

روى: أنه حين ركب في السفينة وقفت، فقالوا: هاهنا عبد أبق من سيده، وفيما يزعم البحارون أنّ السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس فقال: أنا الآبق، وزجّ بنفسه في الماء ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ داخل في الملامة.

يقال: رب لائم مليم، أي يلوم غيره وهو أحقّ منه باللوم.

وقرئ: ﴿ مليم ﴾ بفتح الميم، من ليم فهو مليم، كما جاء: مشيب في مشوب، مبنياً على شيب.

ونحوه: مدعي، بناء على دعى ﴿ مِنَ المسبحين ﴾ من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس.

وقيل: هو قوله في بطن الحوت ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ [الأنبياء: 87] وقيل: من المصلين.

وعن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة.

وعن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

قال: وكان يقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متكأً.

وهذا ترغيب من الله عزّ وجلّ في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله، وإقباله على عبادته، وجمع همه لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة، لينفعه ذلك عنده تعالى في المضايق والشدائد ﴿ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ ﴾ الظاهر لبثه فيه حياً إلى يوم البعث.

وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة.

وروي أنه حين ابتلعه أوحى الله إلى الحوت: إني جعلت بطنك له سجناً، ولم أجعله لك طعاماً.

واختلف في مقدار لبثه، فعن الكلبي: أربعون يوماً، وعن الضحاك: عشرون يوماً.

وعن عطاء سبعة.

وعن بعضهم: ثلاثة.

وعن الحسن: لم يلبث إلاّ قليلاً، ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه.

وروي: أنّ الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظه سالماً لم يتغير منه شيء، فأسلموا: وروي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل.

والعراء: المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ اعتلّ مما حلّ به، وروي: أنه عاد بدنه كبدن الصبيِّ حين يولد.

واليقطين: كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق كشجر البطيخ والقثاء والحنظل، وهو (يفعيل) من قطن بالمكان إذا قام به.

وقيل هو: الدباء.

وفائدة الدباء: أن الذباب لا يجتمع عنده- وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع.

قال: «أجل هي شجرة أخي يونس» وقيل: هي التين، وقيل: شجرة الموز، تغطى بورقها.

واستظلّ بأغصانها، وأفطر على ثمارها.

وقيل: كان يستظلّ بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه، فيشرب من لبنها.

وروي: أنه مرّ زمان على الشجرة فيبست، فبكى جزعاً، فأوحى الله إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف في يد الكافر، فإن قلت: ما معنى ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً ﴾ ؟

قلت: أنبتناها فوقه مظلة له؛ كما يطنب البيت على الإنسان ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ ﴾ المراد به ما سبق من إرساله إلى قومه وهم أهل نينوى.

وقيل: هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه إلى الأولين.

أو إلى غيرهم.

وقيل: أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى، لأنّ النبيّ إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم مقيماً فيهم، وقال لهم: إن الله باعث إليكم نبياً ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ في مرأى الناظر؛ أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر؛ والغرض: الوصف بالكثرة ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى أجل مسمى وقرئ: ﴿ ويزيدون ﴾ بالواو.

وحتى حين.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ١٤٩ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ ١٥٠ أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١٥٢ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ١٥٤ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥ أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥٦ فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٥٧

﴿ فاستفتهم ﴾ معطوف على مثله في أوّل السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة: أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أوّلاً، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، حيث جعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم الشديدة لهنّ، ووأدهم، واستنكافهم من ذكرهنّ.

ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر، أحدها: التجسيم، لأن الولادة مختصة بالأجسام والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم، كما قال: ﴿ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [الزخرف: 17] ، ﴿ أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18] والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه وأقربهم إليه، حيث أنثوهم ولو قيل لأقلهم وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء، للبس لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه وذلك في أهاجيهم بين مكشوف، فكرّر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرّات ودلّ على فظاعتها في آيات: ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ [مريم: 88- 89]، ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ [الأنبياء: 26]، ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ [البقرة: 116] ، ﴿ بَدِيعُ السموات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ [الأنعام: 101] ، ﴿ ألا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله ﴾ [الصافات: 151- 152]، ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا ﴾ [الزخرف: 15]، ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ بَنَاتٍ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [النحل: 57] ، ﴿ أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون ﴾ [الطور: 39] ، ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ [النحل: 62] ، ﴿ أَصْطَفَى البنات على البنين ﴾ [الصافات: 153] ، ﴿ أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين ﴾ [الزخرف: 16] ، ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ [الزخرف: 19] .

﴿ أم خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون ﴾ فإن قلت: لم قال: ﴿ وَهُمْ شاهدون ﴾ فخصّ علم المشاهدة؟

قلت: ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل لهم، وكذلك قوله: ﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ﴾ [الزخرف: 19] ونحوه قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ [الكهف: 51] وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم.

ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر.

ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يقولون ذلك، كالقائل قولاً عن ثلج صدر وطمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم قد شاهدوا خلقهم.

وقرئ: ﴿ ولد الله ﴾ أي الملائكة ولده.

والولد (فعل) بمعنى مفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث.

تقول: هذه ولدي، وهؤلاء ولدي.

فإن قلت: ﴿ أَصْطَفَى البنات ﴾ بفتح الهمزة: استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد، فكيف صحّت قراءة أبي جعفر بكسر الهمزة على الإثبات؟

قلت: جعله من كلام الكفرة بدلاً عن قولهم: ﴿ وَلَدَ الله ﴾ وقد قرأ بها حمزة والأعمش رضي الله عنهما.

وهذه القراءة- وإن كان هذا محملها- فهي ضعيفة، والذي أضعفها: أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها، وذلك قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ .

﴿ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ؟

فمن جعلها للإثبات، فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين.

وقرئ: ﴿ تذكرون ﴾ من ذكر ﴿ أَمْ لَكُمْ سلطان ﴾ أي حجة نزلت عليكم من السماء وخبر بأن الملائكة بنات الله ﴿ فَأْتُواْ بكتابكم ﴾ الذي أنزل عليكم في ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ [الروم: 35] وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم، وإنكار فظيع، واستبعاد لأقاويلهم شديد؛ وما الأساليب التي وردت عليها إلاّ ناطقة بتسفيه أحلام قريش، وتجهيل نفوسها، واستركاك عقولها، مع استهزاء وتهكم وتعجيب، من أن يخطر مخطر مثل ذلك على بالٍ ويحدّث به نفساً؛ فضلاً أن يجعله معتقداً ويتظاهر به مذهباً.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٥٨ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٦٠

﴿ وَجَعَلُواْ ﴾ بين الله وبين الجنة وأراد الملائكة ﴿ نَسَباً ﴾ وهو زعمهم أنهم بناته، والمعنى: جعلوا بما قالوا: نسبة بين الله وبينهم، وأثبتوا له بذلك جنسية جامعة له وللملائكة.

فإن قلت: لم سمي الملائكة جنة؟

قلت: قالوا: الجنس واحد، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شراً كله فهو شيطان، ومن طهر منهم ونسك وكان خيراً كله فهو ملك؛ فذكرهم في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعاً منهم وتقصيراً بهم.

وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم.

وفيه إشارة إلى أن من صفته الاجتنان والاستتار، وهو من صفات الأجرام لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك.

ومثاله: أن تسوّي بين الملك وبين بعض خواصه ومقرّبيه، فيقول لك: أتسوّى بيني وبين عبدي.

وإذا ذكره في غير هذا المقام وقرّه وكناه.

والضمير في ﴿ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ للكفرة.

والمعنى: أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة، وقد علم الملائكة أنهم في ذلك كاذبون مفترون، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون، والمراد المبالغة في التكذيب.

حيث أضيف إلى علم الذين ادّعوا لهم تلك النسبة.

وقيل: قالوا إنّ الله صاهر الجن فخرجت الملائكة.

وقيل: قالوا: إن الله والشيطان أخوان.

وعن الحسن: أشركوا الجن في طاعة الله.

ويجوز إذا فسر الجنة بالشياطين: أن يكون الضمير في ﴿ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ لهم، والمعنى أن الشياطين عالمون بأنّ الله يحضرهم النار ويعذّبهم، ولو كانوا مناسبين له أو شركاء في وجوب الطاعة لما عذّبهم ﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ﴾ استثناء منقطع من المحضرين: معناه ولكن المخلصين ناجون.

وسبحان الله: اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه.

ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في يصفون، أي: يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به.

<div class="verse-tafsir"

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ١٦١ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ ١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ١٦٣

والضمير في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لله عزّ وجلّ ومعناه: فإنكم ومعبودكم ما أنتم وهم جميعاً بفاتنين على الله إلاّ أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟

قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهزائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه وخيبها عليه.

ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ بمعنى مع، مثلها في قولهم: كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته، وأنّ كل رجل وضيعته؛ جاز أن يسكت على قوله: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ لأن قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ سادّ مسدّ الخبر؛ لأن معناه: فإنكم مع ما تعبدون.

والمعنى: فإنكم مع آلهتكم، أي: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها، ثم قال: ما أنتم عليه، أي: على ما تعبدون ﴿ بفاتنين ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ ﴾ ضال مثلكم.

أو يكون في أسلوب قوله: فَإنَّكَ وَالْكِتَابُ إلَى عَلِيٍّ ** كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأَدِيمُ وقرأ الحسن ﴿ صال الجحيم ﴾ بضم اللام.

وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون جمعاً وسقوط واوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف.

فإن قلت: كيف استقام الجمع مع قوله: ﴿ مَنْ هُوَ ﴾ ؟

قلت: من موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه كما حمل في مواضع من التنزيل على لفظ من ومعناه في آية واحدة.

والثاني: أن يكون أصله صائل على القلب، ثم يقال صال في صائل، كقولهم شاك في شائك.

والثالث: أن تحذف لام صال تخفيفاً ويجري الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة، وأصلها بالية من بالي، كعافية من عافى.

ونظيره قراءة من قرأ: ﴿ وَجَنَى الجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ [الرحمن: 54] ، ﴿ وَلَهُ الجوار المُنْشَآتِ ﴾ [الرحمن: 24] بإجراء الإعراب على العين.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ ١٦٤ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ١٦٦

﴿ وَمَا مِنَّا ﴾ أحد ﴿ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، كقوله: أَنَا ابْنُ جَلاَ وَطَلاَّعُ الثَّنَايَا بِكَفَّيْ كَانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ مقام معلوم: في العبادة، والانتهاء إلى أمر الله مقصور عليه لا يتجاوزه، كما روى: فمنهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه ﴿ لَنَحْنُ الصافون ﴾ نصف أقدامنا في الصلاة، أو أجنحتنا في الهواء.

منتظرين ما نؤمر.

وقيل: نصف أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين.

وقيل: إنّ المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية.

وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين ﴿ المسبحون ﴾ أي المنزهون أو المصلون.

والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله: ﴿ سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الصافات: 159] من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة ﴾ [الصافات: 158] كأنه قيل: ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزّة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤهم منه، وقالوا للكفرة فإذا صحّ ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه وتضلّوه، إلاّ من كان مثلكم ممن علم الله- لكفرهم، لا لتقديره وإرادته، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- أنهم من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لربّ العزّة ويجمعنا وإياه جنسية واحدة؟

وما نحن إلاّ عبيد أذلاء بين يديه، لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفراً، خشوعاً لعظمته وتواضعاً لجلاله، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته وأجنحتنا، مذعنين خاضعين مسبحين ممجدين، وكما يجب على العباد لربهم.

وقيل: هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: وما من المسلمين أحد إلاّ له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله، من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79] ثم ذكر أعمالهم وأنهم هم الذين يصطفون في الصلاة يسبحون الله وينزهونه مما يضيف إليه من لا يعرفه مما لا يجوز عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ١٦٧ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٦٩ فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٧٠

هم مشركو قريش كانوا يقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً ﴾ أي كتاباً ﴿ مِّنَ ﴾ كتب ﴿ الأولين ﴾ الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب، فكفروا به.

ونحوه ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ [فاطر: 42] فسوف يعلمون مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام.

و(إن) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.

وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادّين فيه، فكم بين أوّل أمرهم وآخره.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ١٧٣

الكلمة: قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون (173) ﴾ وإنما سماها كلمة وهي كلمات عدّة، لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم مفردة.

وقرئ: ﴿ كلماتنا ﴾ والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة، كما قال: ﴿ والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ [البقرة: 212] ولا يلزم انهزامهم في بعض المشاهد، وما جرى عليهم من القتل فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة، وكفى بمشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين مثلاً يحتذى عليها وعبراً يعتبر بها.

وعن الحسن رحمه الله: ما غلب نبيّ في حرب ولا قتل فيها، ولأن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه: الظفر والنصرة- وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة- والحكم للغالب.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة.

وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ على عبادنا ﴾ ، على تضمين سبقت معنى حقت.

<div class="verse-tafsir"

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ١٧٤ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٥

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فأعرض عنهم وأغض على أذاهم ﴿ حتى حِينٍ ﴾ إلى مدة يسيرة وهي مدّة الكف عن القتال.

وعن السدي: إلى يوم بدر.

وقيل: الموت.

وقيل: إلى يوم القيامة ﴿ وَأَبْصِرْهُمْ ﴾ وما يقضى عليهم من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة، فسوف يبصرونك وما يقضى لك من النصرة والتأييد والثواب في العاقبة.

والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة: الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأنّ كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك.

وفي ذلك تسلية له وتنفيس عنه.

وقوله: ﴿ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ للوعيد كما سلف لا للتبعيد.

<div class="verse-tafsir"

أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ١٧٧ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٩

مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم، ولا دبروا أمرهم تدبيراً ينجيهم، حتى أناخ بفنائهم بغتة، فشنّ عليهم الغارة وقطع دابرهم، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحاً، فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل، وقرأ ابن مسعود: فبئس صباح.

وقرئ: ﴿ نزل بساحتهم ﴾ على إسناده إلى الجار والمجرور كقولك: ذهب بزيد ونزل، على: ونزل العذاب.

والمعنى: فساء صباح المنذرين صباحهم، واللام في المنذرين مبهم في جنس من أنذروا، لأنّ ساء وبئس يقتضيان ذلك.

وقيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة.

وعن أنس رضي الله عنه: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر- كانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي- قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم.

فقال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» وإنما ثنى ﴿ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ ليكون تسلية على تسلية.

وتأكيداً لوقوع الميعاد إلى تأكيد.

وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول، وأنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة.

وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ١٨١ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٨٢

أضيف الرب إلى العزّة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذو العزّة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه بالصدق.

ويجوز أن يراد أنه ما من عزّة لأحد من الملوك وغيرهم إلاّ وهو ربها ومالكها، كقوله تعالى: ﴿ تعز مَن تَشَاء ﴾ [آل عمران: 26] : اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوا إليه، مما هو منزه عنه، وما عاناه المرسلون من جهتهم، وما خوّلوه في العاقبة من النصرة عليهم؛ فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين ﴿ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ على ما قيض لهم من حسن العواقب، والغرض تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد.

وعن عليّ رضي الله عنه: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: سبحان ربك رب العزّة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين» .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمناً بالمرسلين» .

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله